Полный текст (679 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومما أنشده "ابن السكيت" في أبيات معانيه:
(تلقاهم وهم خضر النعال كأن ... قد نشرت كتفيها فيهم الضبع)
(لو صاب واديهم رسل فأثرعه ... ما كان للضيف في تغميره طمع)
أراد أنهم لو أخصبت أرضهم حتي سال واديهم لبنًا لما سقوا الضيف مذقة منه، والتغمير أقل الشرب لاشتقاقه من الغمر وهو أصغر الأقداح.
ــ
(كريم الثنا حلو الشمائل ماجد ... صبور على الضراء مشترك الرحل)
وقوله في بخيل:
(سبط اليدين بما في رحل صاحبه ... جعد اليدين بما في رحله قطط)
ومن شعر "عبد المطلب":
(لا هم إن المرء يمنع رحله فامنع رجالك)
قال "ابن هشام" في "تذكرته"- ومن خطه نقلت: رحله متاعه، وبعضهم يلحن العامة في قولهم: أخذت رحلي، يريدون به المتاع، وإنما الرحل للبعير كالسراج للفرس، والظاهر عندي خلافه لأجل هذا البيت، إذ لا وجه لتخصيص رحل البعير بالمنع في بيت عبد المطلب. اهـ.
وقد فسر الرحل في قوله تعالى: » من وجد في رحله «بالأثاث، بدليل قوله» ثم استخرجها من وعاء أخيه «وهو في الاستعمال وفي كتب اللغة أكثر من أن يحصر وأشهر من أن ينكر.
стр. 317
[٧٥] الفرق بين سائل وسأل
ويقولون لمن يكثر السؤال من الرجال: سائل ومن النساء: سائلة، والصواب أن يقال لهما: سأل وسألة، كما أنشد بعضهم في الخمر:
(سأالة للفتى ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال)
(أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى تفرق ترب الأرض أوصالي)
يعني أقسمت بالله لا أسقيها فأضمر لها كما أضمرت في قوله تعالى: «تالله تفتأ تذكر يوسف» أي لا تفتأ، وأكثر ما تضمر في الأقسام قالت الخنساء
(فآليت آسي على هالك ... وأسأل نائحة مالها)
ــ
(ويقولون لمن يكثر السؤال من الرجال: سائل، ومن النساء: سائلة، والصواب أن يقال: سأل وسألة).
[قال "ابن بري": إنكار] إطلاق السائل على كثير السؤال ليس بصحيح، لأن باب "فاعل" كضارب وقاتل عام لكل من صدر منه الفعل قليلاً كان أو كثيرًا، فلا يمتنع أن يقع فاعل موقع فعال المختص بالكثير لعمومه؛ ألا ترى أن قوله تعالى: » وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم «لا يقتضي أن يكون السائل هنا من قل سؤاله؟ ومثله من صفات الباري والخلاق والرازق والرزاق، والمراد بأحدهما ما يراد بالآخر، يعني أن
стр. 318
أي لا آسى ولا أسأل، وقد تضمر في غير القسم لقول الراجز لابنه:
(أوصيك أن يحمدك الأقارب ... ويرجع المسكين وهو خائب)
أي ولا يرجع، وكما أنهم أضمروا "لا" فقد استعملوها زائدة على وجه الفصاحة وتحسين الكلام، كما قال سبحانه: » ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك «[والمراد به ما منعك أن تسجد] بدليل قوله تعالى في السورة الأخرى: » ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي «ومنه قول الراجز:
(وما ألوم البيض أن لا تسخرا ... إذا رأين الشمط المنورا)
أي لا ألوم البيض أن تسخر إذا رأين الشيب، والأصل في مباني الأفاعيل ملاحظة حفظ المعاني التي تتميز باختلاف وضع الأمثلة، فبنى مثال من فعل الشيء مرة على فاعل، نحو قاتل وفاتك، وبني مثال من كرر الفعل على فعال مثل قتال
ــ
فاعلاً لو اختص بالقليل لم يصح إطلاقه عليه - تعالى - في مثل قوله: » الله خالق كل شيء «والكثرة في مثله باعتبار التعلقات.
فإن قلت: كيف أدرج النحويون العالم والخالق ونحوهما من صفاته في اسم الفاعل، والمعتبر فيه عندهم كونه لمن قام به الفعل على معنى الحدوث؟ قلت: مرادهم أن يكون على معناه وضعا، لكنه قد يستعمل لخلافه إذا قام دليل شرعي أو عقلي على خلافه، أو هو باعتبار [حدوث متعلقة].
وقد تضمر في غير القسم كقول الراجز:
(أوصيك أن يحمدك الأقارب ... ويرجع المسكين وهو خائب)
أي ولا يرجع، وكما أنهم أضمروا "لا" فقد استعملوها زائدة على وجه الفصاحة
стр. 319
وفتاك، وبني مثال من بالغ في الفعل وكان قويًا عليه على فعول مثل صبور وشكور، وبني مثال من اعتاد الفعل على مفعال مثل امرأة مذكار إذا كان من عادتها أن تلد الذكور، ومثنات إذا كان من عادتها أن تلد الإناث، ومعقاب إذا كان من عادتها أن تلد نوبة ذكرًا ونوبة أنثي، وبني مثال من كان آلة للفعل وعدة له على مفعل نحو محرب ومرجم وحكى "ابن الأعرابي" قال: دفع رجل رجلاً من العرب، فقال المدفوع: لتجدني ذا منكب مزحم وركن مدعم ورأي مصدم ولسان مرجم ووطء ميثم، أي مكسر.
وسئل بعض أهل اللغة عن قوله تعالى: » وما ربك بظلام للعبيد «لم ورد
ــ
وتحسين الكلام، كما قال - سبحانه: » وما منعك ألا تسجد إذ أمرتك «والمراد به: » ما منعك أن تسجد «بدليل قوله تعالى - في السورة الأخري: » ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي «.
هذا كله مما صرحوا بخلافه، وإن كانوا قائلين بزيادة لا، وما ذكر في البيت بناء على نصب يرجع، وقد قيل: إن المروى فيه الرفع على الاستئناف، أو على أن الواو حالية شذوذًا، أو بتقدير مبتدأ، ولا فساد فيه من جهة المعنى كما توهمه؛ فإنه على هذا [يكون] أوصاه بتخصيص نفعه بأقاربه دون الأجانب ولا محذور فيه، على أنه لو سلم فلا بأس به، فإن خطأ العربي في المعني لا يضر، وإنما الممتنع منهم الخطأ في الألفاظ، والكلام على الآية المذكورة مفصل في "الكشاف" وشرحه.
(وما ألوم البيض ألا تسخروا ... إذا رأين الشمط المنورا)
стр. 320
على وزن "فعال" الذي صيغ للتكثير وهو سبحانه منزه عن الظلم اليسير؟ فأجاب عنه: إن أقل القليل من الظلم لو ورد منه وقد جل سبحانه عنه لكان كثيرًا لاستغنائه عن فعله وتنزهه عن قبحه، ولهذا يقال: زلة العالم كبيرة وإلي هذا أشار المخزومي الشاعر في قوله:
(العيب في الجاهل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشرف المذكور مذكور)
(كفوفة الظفر تخفى من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور)
ــ
الذي رواه "أبو عبيدة": "الشمط القفندر) وهو القبيح ونونه زائدة، فأصله قفدر وهو العظيم الهامة، وفسره- في أمال "ثعلب"- بشيب القفا، وفي "فقه اللغة" أنه الرجل الضخم، وقد يعقب فيه، والعوام تزعم أنه اسم نجم، ولا أصل له.
(وبني مثال من كرر الفعل على فعال) [إن] قيل: إن ما ذكره من التفرقة لا تعرفه النحاة فإن صبور وصبار ومضراب وضراب عندهم بمعنى، قلت: ما ذكره هو المشهور، إلا أني رأيت في كتاب "بغية الأمل في شرح الجمل" "لأبي بكر بن طلحة" أن أمثلة المبالغة متفاوتة، ففعول لمن كثر منه الفعل وفعال لمن صار له صناعة، ومفعال لمن صار له كالآلة، وفعيل لمن صار له كالطبيعة، وفعل لمن صار له كالعادة. اهـ.
وقد تعقب بأنه لم يقله أحد من النحويين، وأنه تلفيق حمله عليه ما رآه من كثرة "فعال" من الصنائع كخياط، ومفعال في الآلة، وفعيل في أفعال الطبيعة كبخيل وكريم، وفعل في العادات كصليف. وهذا اعتراض من تلقن الجواب كقوله - تعالى: » ما غرك بربك الكريم «.
ومن صيغ المبالغة ما جاء على وزن اسم الآلة كمنحار ومسعر [حرب]، وفي شرح مقامات "الزمخشري" له: المعطاء الكثير العطاء كالمهداء من الهدية، ويستوي فيه الرجل والمرأة، وهو على وزن الآلة كالمفتاح والميزان.
(وسئل بعض أهل اللغة عن قوله - تعالى: : » وما ربك بظلام للعبيد «: لم ورد على
стр. 321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وزن فعال الذي صيغ للتكثير، وهو سبحانه منزه عن الظلم اليسير؟ فأجاب بأن أقل القليل من الظلم لو ورد منه - وقد جل سبحانه عنه - لكان كثيرًا لاستغنائه عن فعله وتنزهه عن قبحه، وهذا كما يقال: زلة العالم كبيرة).
في هذه الآية وجوه:
منها، هذا وهو كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ومنها: أن العدول إلى صيغة المبالغة للتنبيه على أن شأنه تعالى، يقتضي أن كل وصف يثبت له يبلغ حد الكمال، واختاره بعض المتأخرين قيل ولا يرد عليه أن هذا في صفات الكمال، وأما صفات النقص السلبية التي تتنزه عنها ساحة جلاله فلا يلزم فيها ما ذكر لأن كل صفة تثبت له تعالى ولو فرضًا تصير [كمالية]، فتأمل.
وأجاب "القاضي" بأن كثرة العبيد تستلزم كثرة الظلم، والمبالغة راجعة إلى الكم، وأورد عليه أن نفي مبالغة الظلم لا يستلزم نفي أصله، بل ربما يدل على خلافه بدليل الخطاب، وبرجوع النفي إلى القيد، ورفع الإيجاب الكلي لا ينافي الإيجاب الجزئي، وأجيب عنه بأنه قصد به نفي الظلم لجنس العبيد، وهو يستلزم أن لا يظلم واحد منهم فيفيد عموم النفي، قيل: إلا أن يقصد بنفي المبالغة المبالغة في النفي، وفيه أن المبالغة الأولى في الكم والثانية في الكيف وبينهما مباينة ظاهرة، وأيضًا نفي القيد الذي لم يعبر عنه بلفظ مستقل، وإن صرح به بعض المحققين في "حواشي الكشاف" لا يصفو من الكدر.
وقيل: فعال هنا للنسبة كعطار وبقال، ولذا قيل: إنه لم يقصد به المبالغة، وقيل: نفي الظلام لازم لنفي الظالم، لأنه إذا انتفى أصل الظلم انتفى كماله، فنفي المبالغة كناية عن نفي الأصل، وقيل: إذا انتفى الظلم الكثير انتفى الظلم القليل؛ لأن الذي يظلم إنما
стр. 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يظلم لانتفاعه بالظلم، فإذا ترك الكثير مع زيادة نفعه فالقليل بالطريق الأولى.
(وإلى هذا أشار "المخزومي" الشاعر بقوله:
(العيب في الخامل المغمور مغمور ... وعيب ذي الشرف المذكور مذكور)
(كفوفة الظفر تخفي من حقارتها ... ومثلها في سواد العين مشهور)
هذا الشعر كما في "اليتيمة" "لأبي محمد طاهر بن الحسين بن يحيى المخزومي" وهو بصري المولد والمنشأ رازي الموطن، حسن التصرف في فنون الشعر، موف على أكثر شعراء العصر، يعادل من أهل العراق "ابن نباته" أورد له غررًا من نظمه الذي هو روح الشعر وذوب التبر كهذه القطعة التي أنشدها له المصنف، وفي معناها قول الآخر:
(لا تحقر الرجل الرفيع دقيقة ... في السهو فيها للوضيع معاذر)
(فكبائر الرجل الصغير صغائر ... وصغائر الرجل الكبير كبائر)
وقلت:
(كما من عيوب لفتى عدها ... سواه [زينا] حسن الصنع)
([فنكتة] الياقوت مذمومة ... وهي التي تحمد في الجذع)
стр. 323
[٧٦]- يوشك بكسر الشين لا بفتحها
ويقولون يوشك أن يكون كذا بفتح الشين. والصواب فيه كسرها لأن الماضي منه أوشك، فكان مضارعه يوشك [كما قال أودع يودع وأورد يورد، ومعنى يوشك] يسرع، لاشتقاقه من الوشيك وهو المشرع إلى الشيء، وقد تستعمل هذه اللفظة باتصال أن بها وحذفها عنها، فيقال: يوشك يفعل كما قال الشاعر:
(يوشك من فر من منيته ... في بعض غرابه يوافقها)
ويقال: يوشك أن يفعل، كما قرأت على ذي الرتبتين "أبي الحسن محمد بن أحمد الجوهري" الكاتب [﵀] قال: أنشدني القاضي "أبو عبد الله الضبي" لعمران بن حطان:
(أفي كل عام مرضة ثم نهضة ... وتنعى ولا تنعى متى ذا إلى متى؟ )
ــ
(إيقاع أن بعد عسى وإلغاؤها بعد كاد) لأن المقاربة تقتضي ترك أن الموضوعة للاستقبال وهو في غاية الظهور، وقد ذكره "المرزوقي" وغيره في "الحواشي" قال: أفصح الفصحاء ﷺ : : » كاد الفقر أن يكون كفرا وكاد الحسد أن يغلب القدر «وهذا معروف في كلام العرب كقول "ذي الرمة":
стр. 324
(فيوشك يوم أن يوافق ليلة ... يسوقان حتفاً راح نحوك أو غداً)
وتضاهي لفظة يوشك لفظى عسي وكاد في جواز إيراد أن بعدهما وإلغائها معهما. إلا أن المنطوق به في القرآن والمنقول عن فصحاء أولي البيان إيقاع أن بعد عسي وإلغاؤها بعد كاد، والعلة فيه أن كاد وضعت لمقاربة الفعل ولهذا قالوا: كاد النعام يطير لوجود جزء من الطيران منه، وأن وضعت لتدل على تراخي الفعل ووقوعه في الزمان المستقبل فإذا وقعت بعد كاد نافت معناها الدال على اقتراب الفعل وحصل في هذا الكلام ضرب من التناقض، وليس كذلك عسي لأنها وضعت للتوقع الذي يدل وضع أن على مثله، فوقوع أن بعدها يفيد تأكيد المعني ويزيده فضل تحقيق وقوة، وقد نطقت العرب بعدة أمثال في كاد ألغيت إن في جميعها، فقالوا كاد العروس يكون ملكاً، وكاد المتنقل يكون راكباً، وكاد الحريص يكون عبداً، وكاد النعام يكون طيراً، وكاد الفقر يكون كفراً، وكاد البيان يكون سحراً
ــ
(وجدت فؤادي كاد أن يستخفه ... خليع الهوي من أجل ما يتذكر)
وهو وإن سبقه (الأصمعي) إلي هذا فإنه كان يقول: ليس بعربي كاد أن، ولكن حجة (لأبي محمد) في اتباع (الأصمعي) وغيره في هذا، وقد أنشد في صدر هذا الكتاب: ... قد كاد من طول البلى أن يمصحا
وهذا تعنت منه فإن كلام المصنف صريح في جوازه، لكنه ليس بفصيح.
(وخزعبلات) بالخاء المعجمة والزاى والعين جمع خزعبلة، وهى الحديث المستطرف والأضحوكة، وفي (القاموس): الخزعبل كشمردل الأحاديث المستطرفة، وكقذعمل: الباطل كالخزعبيل، والخزعبلة العجب، والخزعبيلة الأضحوكة.
стр. 325
وكاد البخيل يكون كلباً، [وكاد السيئ الخلق يكون سبعاً].
وفيما يري من خزعبلات العرب أن امرأة من الجن قصدت لمحاجاة العرب فكانت تقف على كل محجة وتحاجج كل من تلقاه، فلا يثبت لمحاجاتها أحد، إلي أن تعرض لها أحد فتيان العرب، فقال لها: حاجيتك فقالت: قل، فقال لها: كاد قالت كاد العروس يكون ملكاً. فقال لها: كاد قالت: كاد المتنقل يكون راكباً. فقال لها: كاد، قالت: كاد النعام يكون طيراً، ثم أمسك، فقالت له: حاجيتك، قال لها قولي. قالت: عجبت.
قال: عجبت للسبخة كيف لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت ...
قال: عجبت للحصي كيف لا يكبر صغاره ولا يهرم كباره. قالت: عجبت.
قال: عجبت لحفرة بين فخذيك كيف لا يدرك قعرها ولا يمل حفرها.
قال: فخجلت من جوابه وتولت عنه، ولم تعد إلي ما كانت.
стр. 326
[٧٧]- خطأ كل من ثلجم وشلجم
ويقولون لهذا النوع من الخضروات المأكولة: ثلجم وبعضهم يقول شلجم بالشين المعجمة، وكلاهما غلط على ما حكاه (أبو عمر الزاهد) عن (ثعلب) ونص على أن الصواب فيه إن يقال: سلجم بالسين المغفلة، واستشهد عليه بقول الراجز:
ــ
(ويقولون لهذا النوع من الخضروات المأكولة: ثلجم وبعضهم يقول شلجم بالشين المعجمة، وكلاهما غلط على ما حكاه (أبو عمر الزاهد) عن (ثعلب) ونص على أن الصواب فيه إن يقال: سلجم بالسين المغفلة).
في (الحواشي) هكذا قال (أبو عمرو)، لكن نص غيره، على أن ترك الإعجام غلط وتصحيف، والصحيح أنه أعجمي أصله الشين المعجمة، فعرب بالسين المغفلة فللناطق به ما نوي.
وقال بعض فضلاء العصر: إنما فارسيته بالشين والغين المعجمتين كما وقع في شعر ((للفردوسي)) وغيره مما يستدل بكلامه في لغتهم لا سلجم بالسين، وما ذكره المنصف نقله ((الميداني)) عن الأزهري:
(تسألني برامتين سلجما ... إنك لو سألت شيئاً أمما)
стр. 327
(تسألني برامتين سلجما ... إنك لو سألت شيئاً أمما)
قد جاء به البكري أو تجشماً
يعني: إنك لو سألت شيئاً موجوداً بالبادية لأتيك به. ولكنك طلبت ما يعوز وجدانه فيها، والأمم من حروف الأضداد فيستعمل تارة بمعني عظيم، وأخري بمعني يسير [وبمعني القصد بين الحقير والعظيم، ومنه قول الشاعر:
(يا لهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما)
ــ
رواه الميداني:
(لو أنها تطلب شيئاً أمما ... تكلف البكري أو تجشماً)
والمصراع الأول مثل يضرب لمن يطلب شيئاً في غير محله، ورامة: هضبة أو جبل لبني دارم، أو موضع ثمة، وثني تغليباً على ما يجاوره، وليس فيه ينبت السلجم لأنه ينبت في بساتين البلدان، وكانت امرأة سألت زوجها بتلك البادية سلجماً تطعمه، فقال ذلك الشعر لها، يعني كيف يكون السلجم هنا؟ ثم صار مثلاً فيما ذكرناه.
стр. 328
[٧٨]- الفيء والظل .
ويقولون: جلست في فيء الشجرة. والصواب أن يقال في ظل الشجرة كما جاء في الأثر مما أخبرنا به (أبو الحسين محمد بن علي السيرافي) الحافظ فيما قرأته عليه حدثنا القاضي (أبو محمد على بن أحمد بن بشر) قال: حدثنا (محمد بن يوسف البيع) قال [حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر الثقفي] قال حدثنا (سعيد بن عامر الضبعي) قال حدثنا (محمد بن عمرو) عن (أبي سلمة) عن (أبي هريرة) قال: قال رسول الله ﷺ : "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها اقرؤا إن شئتم ﴿وظل ممدود﴾ ". والعلة فيما ذكرنا أن الفئ سمي بذلك لأن فاء عند زوال الشمس من جانب إلي جانب، أي رجع، ومعنى
ــ
(ويقولون: جلست في فئ الشجرة، الصواب أن يقال: في ظل الشجرة).
الفرق بين الظل والفئ، وإن ذهب إليه بعض اللغويين، فهما يستعملان بمعنى. إما لترادفهما كما هو مذهب في اللغة، أو على التوسع والتسمح، ولهذا قال في (الحواشي): إن الفئ- وإن كان على ما ذكره المصنف- لا يمتنع أن يقع موقع الظل حيث كان ظلاً يستظل به، فيقال: فعدت في فئ الشجرة أي ظلها، وعليه قول (الجعدي) في أهل الجنة:
(فسلام الإله يغدو عليهم ... وفيوء الفردوس ذات الظلال)
فأوقع الفئ موقع الظل، وإن كان الفئ أخص منه. ألا ترى أن الجنة لا شمس فيها حتى يكون فيها فئ؟
стр. 329
الظل الستر. ومنه اشتقاق المظلة لأنها تستر من الشمس، وبه أيضاً سمي سواد الليل ظلاً لأنه يستر كل شئ. فكان اسم الظل يقع على ما يستر من الشمس وعلى ما لا تطلع عليه، وذرى الشجرة ينتظم هذين الوصفين، فانتظمه اسم الظل واشتمل نطاقه عليه، فأما قوله ﵊: (والسلطان ظل الله في أرضه) فالمراد به ستره السابغ على عباده، المنسدل على بلاده، ومن سنة العرب أن تضيف كل عظيم إليه جلت قدرته، كقولهم للكعبة: بيت الله وللحاج: وفد الله، فأما قول الراجز:
كأنما وجهك ظل من حجر ..
فقيل: الرماد به سواد الوجه، وقيل: بل كنى به عن الوقاحة وقد فصل بعضهم أنواع الاستظلال، فقال: استظل من الحر، واستذري من البرد، واستكن من المطر.
ــ
وفي فصيح (ثعلب): الظل بالغداة والفئ بالعشي. قال (حميد بن ثور):
(فلا الظل من برد الضحى نستطيعه ... ولا الفئ من برد العشي يروق)
لأنه من فاء إذا رجع، فهو الظل الراجح من جانب المغرب غلي جانب المشرق، وأصل الظل مطلق الستر فلهذا أطلق على ظلام الليل وظل الجنة، وفي كتاب (الظاء)
стр. 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(للقزويني): ظل الليل سواده، يقال: أتاني في ظل الليل، وهو استعارة، وقد اعترض على استشهاده بالبيت السابق بأن تفرقته ليس لما ذكره بل للتعين والهرب من ظاهر التكرار، والدليل على أن الظل يكون بالعشي قول (امري القيس):
.. يفيض عليها الظل عرمضها الطامي
وأما حديث (السلطان ظل الله في أرضه) فقد قيل في تفسيره: إن الظل هو النعمة، وقيل: الحفظ، وقيل: الهيبة، وقيل: استعارة، ووجه التشبيه أن ظل الشئ يحكيه ويناسبه في الجملة، والسلطان كذلك فإنه ينتظم بوجوده مملكته كما ينتظم بالحق- جل عن الشبيه والنظير- سلسلة الممكنات، ولأن الظل يتنعم به ويلتجأ إليه عند اضطرام شرر الشر، ويناسبه قوله في الحديث: يأوي إليه كل مظلوم.
وقوله: (أستذرى) بالذال المعجمة من الذرى وهو كناية عن الكن
стр. 331
[٧٩]- تعريف العدد
ويقولون: ما فعلت الثلاثة الأثواب؟ فيعرفون الاسمين ويضيفون الأول منهما إلي الثاني، والاختيار أن يعرف الأخير من كل عدد مضاف. فيقال: ما فعلت ثلاثة الأثواب؟ وفيم انصرفت ثلاثمائة الدرهم؟ وعليه قول (ذي الرمة):
(وهل يرجع التسليم أو يكشف العنا ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع)
قال الشيخ الإمام ﵀: وقد بين شيخنا (أبو القاسم) ﵀ العلة في وجوب تعريف الثاني، فقال: لما لم يكن بد من دخول آله التعريف في هذا العدد رأوا أنهم لو عرفوهما جميعاً فقالوا: الثلاثة الأثواب لتعرف الاسم الأول بلام التعريف وبالإضافة الحقيقية، ولا يجوز أن يتعرف الاسم من وجهين، ولم أنهم عرفوا الاسم الأول وحده لتناقض الكلام، لأن إدخال الألف واللام على الاسم الأول يعرفه، وإضافته إلى النكرة تنكره، فلم يبق إلا أن يعرف الثاني ليتعرف هو بلام التعريف، ويتعرف الأول بإضافته إليه، فيحصل لكل منهما التعريف من طريق غير طريق صاحبه.
ــ
(ويقولون: ما فعلت الثلاثة الأثواب؟ فيعرفون الاسمين ويضيفون الأول منهما إلي الثاني، والاختيار أن يعرف الأخير من كل عدد مضاف)
هذا ليس بممنوع، يدل عليه قوله: والاختيار: قال في (التسهيل): إذا قصد تعريف العدد أدخل حرفه على الآخر إن كان مضافاً أو عليهما شذوذاً لا قياساً خلافاً للكوفيين. وهل يصح أن يقال: الألف درهم بتعريف المضاف فقط؟ حكى (ابن عصفور) جوازه، وهو قبيح لإضافة المعرفة فيه غلى النكرة، ومن ثم امتنع (الحسن وجه) ولكن ورد الخمسة أثواب. ووقع في (صحيح البخاري) وأتي بالألف دينار. والمانع لما ذكره المصنف قياسه على (الحسن وجه) والفرق واضح.
стр. 332
فإن اعترض معترض وقال: كيف عرف الاسم الأول في العدد المركب كقولهم: ما فعل الأحد عشر ثوباً؟ فالجواب عنه أن الاسمين إذا ركبا تنزلا منزلة الاسم الواحد، والاسم الواحد تلحق لام التعريف بأوله، فكما يقال: ما فعلت التسعة؟ قيل ما فعلت التسعة عشر؟ .
وقد ذهب بعض الكتاب إلي تعريف الاسمين المركبين والمعدود والمميز، فقالوا: الحد عشر الثوب وهو مما لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه، لأن المميز لا يكون متعرفاً بالألف واللام، ولا نقل: غلينا في شجون الكلام.
ــ
(ويجوز أن يتعرف الاسم من وجهين) هذا وإن اشتهر ليس بمسلم رواية ودراية، ألا ترى أن أياً الموصولة تتعرف بالصلة والإضافة في قولهم: أيهم فعل كذا.
وقال (الرضي): لا مانع من اجتماع تعريفين مختلفين. نحو: زيدنا، ويا زيد اجتمع تعريف العلمية والإضافة، وتعريف العلمية والنداء، ولا حاجة إلى ادعاء تجريده من أحد التعريفين كما قيل.
وقوله: إن تعريف الاسم الأول وحده مناف لإضافته إلى النكرة المنكرة له ليس بشئ، إذ إضافته إلى النكرة تخصصه لا تنكره، وقد سمع ما أنكره كما مر.
(عرف الاسم الأول في العدد المركب) إن قلت: العدد المركب مبني وأل لا تدخل على المبنيات قلت: قد نص النحاة على جوازه هنا خاصة لعروض البناء فيه، وقوله: إن المميز لا يكون معرفاً بالآلف واللام ليس بشئ، لن الكوفيين جوزواً تعريف التمييز كما صرح به النحاة، فلا حاجة إلى تكثير السواد بالمسائل المشهورة.
стр. 333
[٨٠]- صحة ضبط المنسوب إلي ملك
ويقولون في الثياب المنسوبة إلى ملك الروم: ثياب ملكية بكسر اللام.
والصواب ملكية بفتح اللام، كما يقال في النسب إلى النمر نمري، والعلة فيه أنهم لو أفردوا الكسرة في ثاني هذه الكلمة غلبت عليها الكسرات والياءات ولم يسلم من ذلك إلا الحرف الأول والتلفظ بما هذه صيغته يستثقل، فلذلك عدل إلى إبدال الكسرة فتحة لتخف الكلمة ويحسن النطق بها، وإنما لم يفعل ذلك في المنسوب إلى الرباعي نحو مالكي وعامري لأن الكسرات، لم تغلب عليه مع فصل اللف بين أوله وثالثه.
ــ
(ويقولون في الثياب المنسوبة إلى ملك الروم: ثياب ملكية بكسر اللام والصواب ملكية بفتح اللام، كما يقال في النسب إلى النمر نمري).
[وبين المصنف عليه وهي التخفيف]، ولكنه غير متعين كما زعمه. قال في (التسهيل): يفتح غالباً عين الثلاثي المكسورة، وقد يفعل ذلك بنحو تغلب، وفي القياس عليه خلاف، وفي شرحه: الفتح عند (المبرد) مطرد، وعند (الخليل) و (سيبويه) مقصور على السماع، إلى آخر ما فصله.
فقد علمت ما في كلامه من القصور.
стр. 334
[٨١]- ساغ ولا انساغ
ويقولون: انساغ إلى الشراب فهو منساغ. والاختيار [فيه] ساغ فهو سائغ كما قال الشاعر:
(وساغ إلي الشراب وكنت قبلاً ... كاد أغص بالماء الحميم)
وفي القرآن ﴿لبناً خالصاً سائغاً للشاربين﴾ وجاء في تفسيره: أنه لم يغص به أحد قط، ومن حكى أنه سمع في بعض اللغات انساغ لي الشئ، أى جاز فإنه مما لا يعتد به، ولا يعذر من يستعمله في ألفاظه وكتبه.
ــ
(ويقولون: انساغ إلى الشراب فهو منساغ. والاختيار ساغ فهو سائغ) قال (ابن بري) هذا حكم بغير بينة، ولا مانع مما منعه، كما قالوا: انحسم الداء وإن كان محسوماً، وانفرج القباء وغن كان مفروجاً. ووجه امتناعه عنده أن باب انفعل حقه أن يكون مطاوعاً لفعل ثلاثي متعد، نحو كسرته فانكسر، وساغ عنده لازم، لكنه غير مسلم لأنه جاء متعدياً كما قاله (ابن السكيت) في باب ما يقال بالياء والواو، حيث قال ساغ الطعام يسوغه ويسيغه، فعلى هذا يصح انساغ وعليه قول (ابن دريد):
(ومنه ما تقحم العين فإن ... ذقت جناه انساغ عذباً في اللهي)
(وابن دريد) أمام ثقة يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه، فلا يتوهم أنه ليس ممن يحتج بكلامه، ولا يرد عليه أن يقال: أساغه أيضاً كما في (الأساس) وعنده أن انفعل يجوز أن يكون مطاوعاً للمزيد كما مر لأنه خلاف المتبادر المعروف.
قلت: هذا كله تعسف وعدول عن الجادة دعاه غليه عدم وجود ما يثبته صريحاً ونحن
стр. 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحمد الله في غنية عنه، فغن كلام الإمام (الصاغاني) حكى ساغه فانساغ وتبعه صاحب (الطلبة) فقال: أساغ فلان طعامه وساغه لغة فيه.
وفي (النبراس) يقال: ساغ الشراب يسوغ سوغاً اي سهل مدخله في الحلق وسغته أنا أسوغه واسيغه، يتعدي ولا يتعدي، والأجود أسغته إساغة.
стр. 336
[٨٢]- مثلوث لا مثلث
ويقولون للند المتخذ من ثلاثة أنواع من الطيب: مثلث.
والصواب أن يقال فيه مثلوث، كما قالت العرب جبل مثلوث إذا أبرم على ثلاث قوى، وكساء مثلوث إذا نسج من صوف ووبر وشعر، ومزادة مثلوثة إذا اتخذت من ثلاثة جلود. وأصل هذا الكلام مأخوذ من قولك: ثلثت القوم فأنا ثالث وهم مثلوثون.
نادرة
قال الشيخ الإمام ﵀ .. وقرأت في بعض النوادر:
إن (إبراهيم بن المهدي) وصف لنديم له طيب ند اتخذه وأتاه بقطعة منه فألقاها في مجمرة، ووضعها تحته فخرجت منه ريح أثناء تجمره فقال: ما أجد هذه المثلثة طيبة. فقال له [أي] فديتك، قد كانت طيبة حين كانت مثلثة فلما ربعتها خبثت.
ــ
(ويقولون للند المتخذ من ثلاثة أنواع من الطيب: مثلث والصواب أن يقال فيه مثلوث، كما قالت العرب جبل مثلوث إذا أبرم على ثلاث قوى).
الذي صرح به أئمة اللغة مخالف لما ادعاه، فإنه يقال: ثلث مشدداً ومخففاً بمعني أخذ الثلث ونقصه من أصله، وبمعني صيره أثلاثاً .. وفي (القاموس) مثلث بهذين المعنيين، حيث قال: والمثلث شراب طبخ حتى ذهب ثلثاه وشئ ذو ثلاثة أركان. اهـ.
وفي غيره: شئ مثلث موضوع على ثلاث طاقات، قاله (الأنصاري) وزاد: والمثلث الشارب الذي طبخ حتى ثلثاه، ومثلث الند من الأول لأنه مركب من ثلاثة أجزاء.
وقال (ابن بري): الفصيح أن يستعمل فعلت مخففاً في المصنوعات عند عدم إفهام المبالغة
стр. 337
قال الشيخ الأجل الرئيس أبو محمد. ﵀. وإنما قلت مثلثة لأن النادرة تحكى على الأصل ولا يغير ما فيها من اللحن ولا من سخافة اللفظ، ولهذا قال بعضهم: إن ملحة النادرة في لحنها، وحرارتها في حلاوة مقطعها.
ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم: صبي مجدر والصواب فيه مجدور، لأنه داء يصيب الإنسان مره في عمره من غير أن يتكرر عليه، فلزم إن يبني المثال منه على مفعول فيقال مجدور كما يقال مقتول، ولا وجه لبنائه على مفعل الموضوع للتكرير. كما يقال لمن يجرح جرحاً على جرح: مجرح [ولما يضرب نوبة بعد نوبة: مضرب] والأفصح أن يقال: جدري بضم الجيم، واشتقاقه م الجدر وهو آثار الكدم في عنق الحمار
ــ
أو التأكيد، حتى إذا صرت غلي تكثير الأعداد قلت: ثلثت القوم وربعتهم إلي العشرة مشدداً. فيصح مثلث لورود ثلث وخمس إلخ.
وقد قال المصنف في مقاماته: فتربع صاحب ميمنته في نظمه، وتسبع صاحب ميسرته [على رغمه] وقال: أيجب الغسل على من أمنى؟ قال: لا ولو ثنى. فاستعمل فعل من العدد وخالف نفسه.
(في بعض النوادر أن (إبراهيم بن المهدي) وصف لنديم له طيب ند اتخذه من ثلاث، ثم أتاه بقطعة منه، فألقاها على مجمرة، ووضعها تحته، فخرجت منه ريح في أثناء تجمره، فقال: ما أجد هذه المثلثة طيبة. فقال له أي فديتك، قد كانت طيبة حين كانت مثلثة، فلما ربعتها خبثت).
ويضاهي هذه النادرة: ما حكي من إن (البديع) دخل على (الصاحب بن عباد)
стр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأراد أن يجلس فضرط، فقال: صرير التخت، فقال (الصاحب) بل صفير التخت فخجل (البديع) وانقطع بعد ذلك فكتب إليه (الصاحب):
(قل للصفيري لا تذهب على خجل ... من ضرطة أشبهت نايا على عود)
(فإنها الريح لا تستطيع تدفعها ... إذ لست أنت سليمان بن داود)
ونام عند (المعتمد) بعض الندماء فخرج منه ريح، فلما شعر به قال معتذراً: هذا النوم سلطان. فقال رجل: نعم وقد ضربت طبوله. ثم قال: إني رأيت أن الأمير حملني على فرس. فقال: نعم وقد سمعنا صهيلة.
ولولا حب الظرفاء المداعبة لم يكن مثل هذا من مكارم الأخلاق، وأين هو من قصة (حاتم) إذ كلمته امرأة في حاجة لها فضرطت، فقال لها: ارفعي صوتك فإني أصم، فسري عنها، وكان هذا سببه تلقيبه بالأصم.
[وللخليل بن أحمد السجزي) شعر:
стр. 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(إذا نامت العينان من مستيقظ ... تراخت بلا شك تشايخ فقحته)
(فمن كان ذا عقل سيعذر ضارطاً ... ومن كان ذا جهل ففي وسط لحيته)
(قولهم: صبي يجدد والصواب مجدود لأنه داء يصيب الإنسان مره في العمر من غير أن يتكرر عليه، فلزم أن يبني منه المثال على مفعول).
في (الصحاح) الجدري بضم الجيم وفتح الدال وبفتحهما لغتان، يقال منه: جدر الرجل فهو مجدر. وفي (الأساس) ذكر مجدراً ومجدوراً فلا وجه لإنكاره.
وليس كل فعل للتكرير والتكثير، فقد يجيئ بمنع فعل، مع أن التكرير والتكثير محقق هنا باعتبار أفراد حباته، وهو في غاية الظهور.
стр. 340
[٨٣]- قمو لا قمى
ويقولون: قمئ الرجل ودفي اليوم: والصواب أن يقال فيهما: قمؤ ودفؤ لينتظما في مسلك حيزهما من أفعال الطبائع التي تأتي على فعل بضم العين مثل بدن وسخن وضخم وعظم، ومثله وضؤ وجهه إذا صار وضيئاً، ووطؤ مركبه إذا صار وطيئاً، ومرء الطعام إذا صار مريئاً، و [مرؤ] الإنسان إذا صار ذا مروءة [ودنو عرض فلان إذا صار دنيئاً وردؤ الطعام إذا صار رديئاً].
ومن أوهامهم في هذا الباب قولهم: تبريت من فلان بمعني برئت منه فيخطئون فيه لأن معني تبريت تعرضت مثل انبريت ومنه قول الشاعر:
(وأهله ود قد تبريت ودهم ... وأبليتهم في الحمد جهدي ونائلي)
ــ
(قمئ الرجل ودفي اليوم: والصواب أن يقال فيهما: قمؤ ودفؤ لينتظما في مسلك حيزهما من أفعال الطبائع).
قمي بالقاف والميم والهمزة بمعنى صار قميئاً، أى حقيراً، ودفى بدال مهملة وفاء وهمزة بمعنى صار في كن من البرد يسخنه، وقال (ابن بري): حكى (ابن القطاع) قمؤ الرجل قماء وقمي قما بالقصر. اهـ. وفي (القاموس) دفى كفرح وكرم. اهـ ..
إذا عرفت ما في كلامه من الخطأ، فإن ما ذكره غير مطرد، وكون قمي ودفي من أفعال الطبيعة وهم على وهم.
(ومن أوهامهم في هذا الباب قولهم: تبريت من فلان بمعني برئت منه فيخطئون فيه لأن معني تبريت تعرضت مثل انبريت)
ما أنكره معروف عند أهل العربية، ومسموع من العرب كثيراً حتى ظنه بعضهم
стр. 341
[يقال أهلة وأهل] أى تعرضت لودهم، فأما ما هو بمعني البراءة فيقال فيه: قد تبرأت كما جاء في التنزيل ﴿تبرأنا إليك﴾ [ونظير هذا قولهم: هديت من غضب أى سكنت، والصواب إن يقال قد هديت لاشتقاقه من الهدوء، فأما هديت فمشتقه من الهداية والهدى].
ومن أوهامهم في هذا النوع قولهم: التباطي والتوضى والتبرى والتهزى والصواب أن يقال: التباطؤ والتوضؤ والتبرؤ والتهزؤ، وعقد هذا الباب أن كل ما كان على وزن تفعل أو تفاعل مما آخره مهموز كان مصدره على التفعل والتفاعل وهمز آخره، ولهذا قيل: التوضؤ والتبرؤ، لأن تصريف الفعل منهما توضأ وتبوأ، وقيل: التباطؤ والتطأطؤ والتمالؤ والتكافؤ لأن أصل الفعل منها تباطأ وتطأطأ وتمالأ وتكافأ، وهذا الأصل مطرد حكمه غير منحل من هذا السمط نظمه.
ــ
مقيساً مطرداً مطلقاً وقال (المبرد) [في (المقتضب)]: أعلم أن قوما من النحويين يرون إبدال الهمزة من غير علة جائزاً، فيجيزون: قريت واجتريت في معنى قرأت واجترأت، وهذا القول لا وجه له عند أحد ممن تصح معرفته فلا رسم له عند العرب. اهـ.
والذي أنكره نقله بعضهم لغة لبعض العرب، ولو لم يكن مطرداً عندهم لم يكن لغة، فإن صح القول بهذا لم يرد عليه ما قاله (المبرد)
وفي شرح (الفصيح) أنهم قالوا في أومأت وتوضأت: أو ميت وتوضيت، ووقع مثله في كثير من الأحاديث أيضاً، وقرى به في بعض الشواذ، كقوله- تعالى- ﴿ترجى
стр. 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من تشاء﴾ وفي الحديث (كان إذا مشي تكفا تكفياً) أي تمايل إلى قدام. روي مهموزاً وغير مهموز.
فقول زين العرب: إنه مهموز لكنه ينقل من الصحيح كتقدم تقدماً، ولو خفف ألحق بالمعتل- هو كذلك في بعض النسخ كتسمي تسمياً، وخفف المصدر دون الفعل لاستثقال الضمه غير موجه، لما عرفت من أنه غير مخصوص بالمصدر ولا بالضم، وكذا ما في (كشف البزدوري في بحث الأهلية) من قوله: إن التجزي أصله التجزؤ بالهمز، لكن الفقهاء لينوا الهمزة تخفيفاً كما هو مذهب العرب في المهموزات، فصار تجزو بالواو لوقوعها ساكنة في الطرف مضموماً ما قبلها، فقالوا: التجزي ومثله التوضي من الوضوء. ومن هنا عرفت أن كلام المصنف من أصله غير صحيح، إذ إطلاقه في محل التقييد لما في هذه المسألة من الاختلاف الذي عرفته.
стр. 343
[٨٤]- رخل وليس رخلة
ويقولون للأنثى من ولد الضأن: رخلة، وهى في اللغة الفصحى رخل بفتح الراء وكسر الخاء، وقد قيل فيها: رخل بكسر الراء وإسكان الخاء، وعلى كلتا اللغتين لا يجوز إلحاق الهاء بها، لأن الذكر لا يشركها في هذا الاسم وإنما يقال له: حمل، فجرت مجرى عجوز. واتان وعنز وناب، في منه إلحاق الهاء بها، لاختصاصها بالمؤنث. وقد جمع رخل على رخال بضم الراء وهو مما جمع على غير القياس كما قالوا في المرضع: ظئر وظؤار، وفى ولد البقرة الوحشية: فرير وفرار، وللشاة الحديثة العهد بالنتاج ربي ورباب، وللعظم الذي عليه بقية من اللحم: عرق وعراق، وللمولود مع قرينه توأم وتؤام، وعليه قول الراجز:
(قالت لها ودمعها تؤام ... كالدر إذ أسلمه النظام)
على الذين ارتحلوا السلام
فأراد بقوله: ودمعها تؤام أى ينزل قطرتين قطرتين
قال الشيخ الإمام. ﵁ .. وقرأت على (أبي الحسن بن على بن غسان) قال: قرأت على (أبي الحسين محمد بن [الحسين الزنجي] (اللغوي قال:
ــ
(ويقولون للأنثى من ولد الضأن: رخلة، وهى في اللغة الفصحى رخل بفتح الراء وكسر الخاء، وقد قيل فيها: رخل بكسر الراء وإسكان الخاء، وعلى كلتا اللغتين لا يجوز إلحاق الهاء بها، لأن الذكر لا يشركها في هذا الاسم)
في كلامه خلل من وجوه: الأول لأن قوله في اللغة (الفصحي) مع عدة من الأوهام جمع بين الضب والنون، وفي (القاموس) رخل بالكسر وبهاء، وككتف: الأنثي من أولاد الضأن.
وما ذكره من القاعدة مخالف لما في كتب العربية، وتغصيله إن الصفة إما أن يصلح
стр. 344
قرأت على (أبي عبد الله النمري) في كتابه الذي سماه (الاختراع) أن (أبا زيد) حكى أن العرب تقول في ملحها: قيل للضأن ما أعددت للشتاء؟ قالت: اجر جفالاً وأنتج رخالاً، وأحلب كثباً ثقالاً، ولن ترى مثلي مالاً، وفسر أن الجفال الكثير، والرخال جمع رخل والكثب جمع كثبة وهو ما انصب ومار، ومنه سمي الكثيب من الرمل.
ــ
لفظها ومعناها للمذكر والمؤنث كحسن وقبيح فيذكر مع المذكر ويؤنث مع المؤنث.
والثاني: أن يكون معني الصفة ولفظها مختصاً بالمذكر أو المؤنث، فالأول كـ (أكمر) في الكبير الكمرة وهى رأس الذكر، فإن أفعل لا يوصف به إلا المذكر ومعناه مختص به، ومثال الثاني (عذراء) فلفظ فعلاء لا يوصف به إلا المؤنث وكذا معناه هو البكارة.
والثالث: أن يكون معنى الصفة مختصاً بأحدهما، ولفظها باعتبار زنته غير مختص (كحائض) فإن معناه مختص بالنساء، وفاعل لا اختصاص له بأحدهما. و (خصي) فإنه يختص بالذكور وفعيل غير مختص.
والرابع: ألا يكون المعنى مختصاً واللفظ مختص بأحدهما، ككبر العجز الموجود في الإناث والذكور، فإن العرب وصفت به المذكر فقالت: رجل [أليي من الإلية بمعنى العجز على وزن] أفعل، ولم تقل: امرأة ألياء، ولكن تقول: (عجزاء)، ولا تقول: رجل أعجز، فالمعنى مشترك واللفظ مختص فيهما، وهذا مما ينبغي حفظه.
وإذا عرفته فاعلم أنه لا خلاف بين أهل العربية في مطابقة الأول لموصوفه تذكيراً أو تأنيثاً ما لم يؤول، كما لا خلاف فيما اختص بقبيل أنه يلزمه حكمه أيضاً، فإن اختص بالمذكر لزم تذكيره وإن اختص بالمؤنث لزم تأنيثه، وإنما الخلاف بين البصريين والكوفيين فيما اختص معناه بالمؤنث دون لفظ كحائض، هل يلزم تذكيره وعدم إلحاق التاء له لعدم الحاجة إليه أم لا؟ فذهب إلى كل من المذهبين فريق كما فعل النحاة. فما ذكر المصنف أحد قولين.
(وقد جمع رخل على رخال بضم الراء وهو مما جمع على غير القياس كما قالوا في
стр. 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المرضع: ظئر وظؤار، وفى ولد البقرة الوحشية: فرير وفرار، وللشاة الحديثة العهد بالنتاج ربي ورباب، وللعظم الذي عليه بقية من اللحم: عرق وعراق، وللمولود مع قرينه توأم وتؤام)
كون المولود مع قرينه توأم لا توأمان، فلا يقال للواحد توأم مذهب (الخليل)، وكثير من أهل اللغة وغيرهم يقول: توأم للواحد وهما توأمان والأنثي توأمة، والمرأة [متئم] ومتئمة ومتئام، وتاؤه بدل من واو، وقيل: إنها أصلية كما في شرح (الفصيح).
والمعروف في صيغ الجمع فعال بكسر الفاء، وأما بضمها فعلى خلاف القياس- كما ذكره- لأنه من أبنية المصادر والمفردات كنباح وصراخ.
وإذا استعمل بمعني الجمع اختلف فيه، فقيل: هو اسم جمع لا جمع، وقيل: إنه جمع أصلي ولكن الأصل فيه الكسر، والضم فيه بدل من الكسر، كما أنه بدل من الفتح في نحو (سكارى) وهذا اختاره (الزمخشري) في كشافه. ورده (أبو حيان) وشنع عليه فيه بما فصله في (البحر). والوارد منه في كلام العرب ألفاظ محصورة اختلف في عددها، فقيل: ثمانية، ونظمها (صدر الأفاضل) فقال:
(ما سمعنا كلما غير ثمان ... هى جمع وهي في الوزن فعال)
(فرباب وفرار وتؤام ... وعرام وعراق ورخال)
(وظؤار جمع ظئر وبساط ... جمع بسط هكذا فيما يقال)
ونسبت هذه الأبيات (للزمخشري)، والأصح ما ذكرناه. وهذا اقتصار على المشهور منها كما في (الفصيح) وشروحه، وقد زادوا عليها ألفاظاً أخر ستراها مبينة هنا بعد شرح هذه، وهى كلها مشروحة في المتن، غير (عرام) بعين وراء مهملتين وهو بمعنى (عراق).
стр. 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد فسره المصنف أيضا، وبساط جمع بسط وهى الناقة تخلى مع ولدها، مما زيد على هذه أناس بمعني الناس، وظهار جمع ظهر وهو سهم مخصوص، وهو ما جعل من ظهر عسيب الريش وهو الشق الأقصر منه وهو أجودها، كما قاله (القزاز)، وبراء جمع براة، وهى قتيرة الصائد، وأما جمع برئ فقال (السهيلي) أصله براء ككرماء حذفت منه إحدى الهمزتين للتخفيف فوزنه فعا، وانصرف أشبه فعالا، وقيل: إنه كفرار ووزنه فعال، قال (السهيلي): وليس بشئ.
وقال (ابن النحاس): البصريون لا يعرفون ضم الباء فيه، وإنما هى مكسورة ككرام، وأما براء بالفتح فمصدر كسلام.
وطوال جمع طويل، وثناء جمع ثنى، ورذال جمع رذل، وندال جمع ندل، وهما بمعنى خسيس ..
ذكرهما (ابن خالويه) وظباء جمع ظبية بالضم وهى منعرج الوادي، وكباب وهى الكثير المتراكم من الإبل كما في (الجمهرة)، وملاء جمع لملاء بالكسر كما في (الجمهرة) أيضاً وقماش للمجتمع من كل ردئ كما في (المحكم) وسحاح سحاح بمعني [سأة] كما ذكره (القزاز) ورعاء في جمع راع كما في (البحر)، ولهاث باللام والهاء والمثلثة في آخره نقط الخوص كما في (الذيل والصلة) عن (الفراء) وقياسه الكسر
стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كغيره من هذا الباب.
وقوله (كالدر أسلمه النظام) أي انقطع سلكه فتبدد وهو من بليغ الكلام الذي يعرفه من ذاق لطائف العربية.
стр. 348
[٨٥]- الرؤيا والرؤية
ويقولون: سررت برؤيا فلان. إشارة إلي مرآه فيوهمون فيه كما وهم (أبو الطيب) في قوله (لبدر بن عمار) وقد سامره ذات ليلة إلي قطع من الليل:
(مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في الجفون من الغمض)
والصحيح أن يقال: سررت برؤيتك لأن العرب تجعل الرؤية لما يري في اليقظة. والرؤيا لما يري في المنام. كما قال سبحانه إخباراً عن (يوسف) ﵇ ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل﴾.
ويجانس هذا الوهم قولهم: أبصرت هذا الأمر قبل حدوثه. والصواب فيه أن يقال: بصرت بهذا الأمر، لأن العرب تقول أبصرت بالعين وبصرت من البصيرة. ومنه قوله تعالى ﴿بصرت بما لم يبصروا به﴾ وعليه فسر قوله تعالى ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ أي علمك بما أنت فيه اليوم نافذ. وإلي هذا المعنى يشار بقولهم: هو بصير بالعلم.
ــ
(ويقولون: سررت برؤيا فلان. إشارة إلي مرآه فيوهمون فيه كما وهم (أبو الطيب)).
هذا بناء على أن رأي مشترك ففرقوا بين المصدرين فيه، فيقولون لما يري في اليقظة: رآه رؤية، ولما يري في النوم والحلم: رآه رؤيا، وفية ثلاثة أقوال لأهل اللغة:
أحدهما: ما ذكره المصنف.
والثاني: أنهما بمعني فيكونان يقظة ومناماً.
стр. 349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: أن الرؤية عامة، والرؤيا تختص بما يكون في الليل ولو يقظة، فقول (المتنبي) (لبدر بن عمار) وقد سامره في بعض الليالي:
(مضي الليل والفضل الذي لك لا يمضي ... ورؤياك أحلى في العيون من الغمض)
على أحد الأقوال محتاج إلي التأويل، ولهذا قيل: حقه أن يقول: ولقياك بدل رؤياك. فهو على هذا استعارة، شبه الحلم لاستقرابه كأنه لا يتيسر لمثله حقيقة مسامرته، أو هو مجاز مرسل لوقوع الرؤيا غالباً ليلاً، وقال (ابن بري) الرؤيا- وإن كانت في المنام- فالعرب استعملتها في اليقظة كثيراً، فهو مجاز مشهور كقول (الراعي):
(ومستنبح تهوي مساقط رأسه ... على الرحل في طخياء طمس نجومها)
(رفعت له مشبوبة عصفت لها ... صبا تزدهيها مرة وتقيمها)
(فكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر نفساً كان قبل يلومها)
وعليه أكثر المفسرين في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ يعني ما رآه ليلة المعراج يقظة على الصحيح.
وقيل إن (المتنبي) أراد أنه رآه يقظة مع أن رؤياه في النوم ألذ من الغمض والنوم وهو بعيد من السياق. وفي (الروض الأنف) الرؤيا تكون بمعنى الرؤية، كما في قول (الراعى)، والغمض تطبيق الجفن على العين، ويكني به عن النوم، وقوله: اليقظة بفتحات وتسكين القاف. قالوا: إنه ضرورة كقول (التهامي):
стр. 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري)
(ويجانس هذا الوهم قولهم: أبصرت هذا الأمر قبل حدوثه. والصواب فيه أن يقال: بصرت بهذا الأمر، لأن العرب تقول أبصرت بالعين وبصرت من البصيرة)
ليس هذا كما زعم لاستعمال كل منهما بمعني [الآخر]. وقال (ابن بري): قوله تعالى: ﴿فبصرت به عن جنب﴾ بمعني أبصرته، وفي المثل: (لأرينك لمحاً باصراً) فسر باصراً فيه بمبصر كطائع ومطيع، ونائل وناصب بمعني منيل ومنصب، وقال (أبو عبيدة) في كتاب (المجاز): بصرت به وأبصرته بمعنى، وفي الحديث (فبصر بحماره) أي أبصره.
والتبصر يكون بمعني التأمل. قال (الزمخشري) في شرح مقاماته: التبصر التأمل وطلب الإبصار، وقال (زهير):
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ........
стр. 351
[٨٦]- قولهم: قال فلان كيت وكيت .
ويقولون: قال فلان كيت وكيت. فيوهمون فيه لأن العرب تقول: كان من الأمر كيت وكيت، وقال فلان ذيت وذيت، فيجعلون كيت وكيت كناية [عن الأفعال وذيت وذيت كناية] عن المقال، كما أنهم يكنون عن مقدار الشئ وعدته بلفظة (كذا وكذا) فيقولون: قال فلان من الشعر كذا وكذا بيتاً، واشتري الأمير كذا وكذا عبداً. والأصل في هذه اللفظة (ذا) فأدخل عليها كاف التشبيه، إلا أنه قد انخلع من ذا معنى الإشارة ومن الكاف معني التشبيه، بدلالة أنك لست تشير إلي شئ ولا تشبه شيئاً بشئ، وإنما تكني بها عن عدد ما فتنزلت الكاف في هذا الموطن منزلة الزائدة اللازمة. وصارت كقولهم افعله آثرا ما [يقال افعله آثراً ما وآثراً بغير ما ويقال ابدأ بهذا آثراً أي أول. معناه آثرتك بهذا فخذه] ولفظة ذا مجرورة بها إلا أن الكاف لما امتزجت بذا وصارت معه كالجزء الواحد ناسبت لفظتها لفظة حبذا التي لا يجوز أن تلحقها علامة التأنيث. فتقول: عنده كذا وكذا جارية ولا يجوز أن تقول كذه، كما لا يقال حبذه هند، وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفة بكلام العرب: لفلان على كذا وكذا درهماً، ألزم له أحد عشر درهماً، لأنه أقل
ــ
(كيت وكيت كناية عن الأفعال وذيت وذيت كناية عن المقال)
قال (ابن بري): هذا الفرق مذهب (ثعلب) ومن تبعه، وأما (الخليل) و (سيبويه) ومن تابعهم فلا يفرقون بينهما، وقد نسي المصنف ما قاله هنا، فقال في مقاماته: (فقهقهوا من كيت وكيت وإنما أضحكهم خبر ذيت وذيت).
(كما أنهم يكنون عن الشئ وعدته بلفظة كذا وكذا).
قال (ابن هشام) في رسالته التي صنفها في معني هذه الكلمة: كذا وكذا يكنى بها
стр. 352
الأعداد المركبة، وإن قال له على كذا وكذا درهماً ألزم له واحداً وعشرين درهماً، لكونه أول مراتب العدد المعطوفة. وذاك أن المقر بالشئ المبهم لا يلزم إلا أقل ما يحتمله إقراره ويشتمل عليه اعترافه. كما إذا قال علي دراهم لزمة ثلاثة لأنها أدنى الجمع.
ــ
عن غير العدد، وفيها (ح) الإفراد والعطف نحو مررت بمكان كذا وكذا ويكنى بها عن العدد وليس فيها إلا العطف، وكذا مثل بها (سيبويه) و (الأخفش) قال كذا وكذا لطفاً به: نسى الجهد، وصرح به النحاة.
وقال (ابن مالك): سمع فيها العطف وعدمه كالأولى، لكنه قليل، فهى لا تختص بالعدد كما توهمه المصنف، وكذا ورد في الحديث.
[(وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفة بكلام العرب: لفلان على كذا وكذا درهماً لزمه أحد عشر لأنه أقل الأعداد المركبة، وإن قال: له علي كذا وكذا درهماً لزمه أحد وعشرون درهماً لكونه أول مراتب العدد المعطوف).
فيلزم بأقل ما يحتمله كلامه كما قال المصنف، وقال (ابن هشام) في رسالته: اختلفوا في هذا وقالوا: لو أفرد كذا أو كررها بلا عطف وكان المميز مرفوعاً أو منصوباً
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لزمه ردهم، فإن عطف ونصب أو رفع فكذلك عند (أبي حامد) وقيل: درهمان وقيل: درهم. وبعض آخر، وقيل درهم مع الرفع ودرهمان مع النصب، وإن قال ذلك كله بالخفض قيل تفسيره بدون الدرهم، وهذا كله إن كان يعرف العربية، فإن لم يعرفها لزمه درهم في الجميع، واختلف الأئمة فيه مفصل في الفروع فلا حاجة إلى الإطالة بذكره، فإن مثله هنا من الفضول].
ثم ذكر دخول كاف التشبيه [وأنه انسلخ عنها معني التشبيه] وصارت كناية له فقال: (إنما يكنى بها عن عدد ما فنزلت الكاف في هذا الموطن منزلة الزائدة اللازمة وصارت كقولهم: آثروا ما.
الآثر ممدود بزنة فاعل من الأثرة بالثاء والراء المهملة، وفى (القاموس) فعل آثرا ما، وآثر ذي أثير وأول ذي أثير وذي أثر، أى أول شئ فليست زيادة فيه لازمة كما زعمه المصنف. قال (عروة بن الورد).
(وقالوا ما تشاء؟ فقلت: الهو ... إلي الإصباح آثر ذي ذي أثير)
وهو من قولهم: فلان أثيري أي خالص لي، أي أوثر اللهو أول كل شئ، وقال (الميدانى): معناه أفعل كل شئ أفعله مؤثراً له، وقال (الأصمعي): أفعل ذلك عازماً عليه، وما تأكيد، ويقال أيضاً: أفعله آثر ذي أثير، أى أول شئ، وفيه كلام في (كشف الكشاف).
стр. 354
[٨٧]- صحة ضبط مضارع ذخر
ويقولون في مضارع ذخر: يذخر بضم الخاء. والصواب فتحها كما يقال فخر يفخر وزخر البحر يزخر. ومن أصول العربية أنه إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق التي هى الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء كان الأغلب فتحها في المضارع، نحو سأل يسأل، وذهب يذهب، ونعب ينعب وسحر يسحر، وفغر فاه يفغر، وفخر يفخر، فإن نطق في بعضها بالكسر أو بالضم فهو مما شذ عن أصله وندر عن رسمه.
ــ
(ويقولون في مضارع ذخر: يذخر بضم الخاء. والصواب فتحها)
هذا هو المشهور في كتب اللغة، فإنهم قالوا ذخرته ذخراً من باب نفع والاسم من الذخر بالضم بمعني أعددته لوقت الحاجة، والادخار افتعال منه، وقال (ابن بري): الأصل في مضارع فعل [المفتوح العين أن يجئ على يفعل بالكسر أو الضم ليفترق عن مضارع فعل فعل] المكسور، وما فتح منه فإنما يفتح لأجل حرف الحلق لقرب الفتحة من الألف، يعني أن الضم فيه على القياس المطرد في أمثاله، فلا وجه لتخطئة المصنف لمن قاله، وفيما قاله نظر لا يخفى.
стр. 355
[٨٨]- صحة تصغير مختار
ويقولون في تصغير مختار: مخيتير. والصواب مخير، لأن الأصل في مختار مختير فالتاء فيه تاء مفتعل التي لا تكون إلا زائدة، ويدل على زيادتها في هذا الاسم اشتقاقه من الخير، ومن حكم التصغير حذف هذه التاء، فلهذا قيل: مخير، ومن عوض من المحذوف قال مخيير.
وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطاً أودع بطون الأوراق، وتناقلته الرواة في الآفاق، وذلك أن (أبا عمر الجرمي) حين شخص غلى بغداد ثقل موضعه على (الأصمعي) إشفاقاً من أن يصرف وجوه أهلها عنه، ويصير السوق له. فأعمل الفكر فيما يغض منه، فلما ير إلا أن يرهقه فيما يسأله عنه. فأتاه في حلقته وقال له: كيف تنشد قول الشاعر:
(قد كن يخبأن الوجوه تستراً ... فاليوم حين بدان للنظار)
أو حين بدين؟ فقال له: بدأن. قال: أخطأت. فقال: بدين، قال: غلطت إنما هو حين بدون، أي ظهرن، فأسرها (أبو عمر) في نفسه، وفطن لما قصده، واستأني به إلى أن تصدر [الأصمعي] في خلقته واحتف الجمع به، فوقف به، وقال له: كيف تقول في تصغير مختار؟ . فقال: مخيتير. قال: أنفت لك من هذا القول. أما تعلم أن اشتقاقه من الخير وأن التاء فيه زائدة، ولم يزل يندد بغلطه ويشنع بع إلي أن انفض الناس من حوله.
следующие страницы →