← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[٨٦]- قولهم: قال فلان كيت وكيت . ويقولون: قال فلان كيت وكيت. فيوهمون فيه لأن العرب تقول: كان من الأمر كيت وكيت، وقال فلان ذيت وذيت، فيجعلون كيت وكيت كناية [عن الأفعال وذيت وذيت كناية] عن المقال، كما أنهم يكنون عن مقدار الشئ وعدته بلفظة (كذا وكذا) فيقولون: قال فلان من الشعر كذا وكذا بيتاً، واشتري الأمير كذا وكذا عبداً. والأصل في هذه اللفظة (ذا) فأدخل عليها كاف التشبيه، إلا أنه قد انخلع من ذا معنى الإشارة ومن الكاف معني التشبيه، بدلالة أنك لست تشير إلي شئ ولا تشبه شيئاً بشئ، وإنما تكني بها عن عدد ما فتنزلت الكاف في هذا الموطن منزلة الزائدة اللازمة. وصارت كقولهم افعله آثرا ما [يقال افعله آثراً ما وآثراً بغير ما ويقال ابدأ بهذا آثراً أي أول. معناه آثرتك بهذا فخذه] ولفظة ذا مجرورة بها إلا أن الكاف لما امتزجت بذا وصارت معه كالجزء الواحد ناسبت لفظتها لفظة حبذا التي لا يجوز أن تلحقها علامة التأنيث. فتقول: عنده كذا وكذا جارية ولا يجوز أن تقول كذه، كما لا يقال حبذه هند، وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفة بكلام العرب: لفلان على كذا وكذا درهماً، ألزم له أحد عشر درهماً، لأنه أقل ــ (كيت وكيت كناية عن الأفعال وذيت وذيت كناية عن المقال) قال (ابن بري): هذا الفرق مذهب (ثعلب) ومن تبعه، وأما (الخليل) و (سيبويه) ومن تابعهم فلا يفرقون بينهما، وقد نسي المصنف ما قاله هنا، فقال في مقاماته: (فقهقهوا من كيت وكيت وإنما أضحكهم خبر ذيت وذيت). (كما أنهم يكنون عن الشئ وعدته بلفظة كذا وكذا). قال (ابن هشام) في رسالته التي صنفها في معني هذه الكلمة: كذا وكذا يكنى بها

стр. 352

الأعداد المركبة، وإن قال له على كذا وكذا درهماً ألزم له واحداً وعشرين درهماً، لكونه أول مراتب العدد المعطوفة. وذاك أن المقر بالشئ المبهم لا يلزم إلا أقل ما يحتمله إقراره ويشتمل عليه اعترافه. كما إذا قال علي دراهم لزمة ثلاثة لأنها أدنى الجمع. ــ عن غير العدد، وفيها (ح) الإفراد والعطف نحو مررت بمكان كذا وكذا ويكنى بها عن العدد وليس فيها إلا العطف، وكذا مثل بها (سيبويه) و (الأخفش) قال كذا وكذا لطفاً به: نسى الجهد، وصرح به النحاة. وقال (ابن مالك): سمع فيها العطف وعدمه كالأولى، لكنه قليل، فهى لا تختص بالعدد كما توهمه المصنف، وكذا ورد في الحديث. [(وعند الفقهاء أنه إذا قال من له معرفة بكلام العرب: لفلان على كذا وكذا درهماً لزمه أحد عشر لأنه أقل الأعداد المركبة، وإن قال: له علي كذا وكذا درهماً لزمه أحد وعشرون درهماً لكونه أول مراتب العدد المعطوف). فيلزم بأقل ما يحتمله كلامه كما قال المصنف، وقال (ابن هشام) في رسالته: اختلفوا في هذا وقالوا: لو أفرد كذا أو كررها بلا عطف وكان المميز مرفوعاً أو منصوباً

стр. 353

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لزمه ردهم، فإن عطف ونصب أو رفع فكذلك عند (أبي حامد) وقيل: درهمان وقيل: درهم. وبعض آخر، وقيل درهم مع الرفع ودرهمان مع النصب، وإن قال ذلك كله بالخفض قيل تفسيره بدون الدرهم، وهذا كله إن كان يعرف العربية، فإن لم يعرفها لزمه درهم في الجميع، واختلف الأئمة فيه مفصل في الفروع فلا حاجة إلى الإطالة بذكره، فإن مثله هنا من الفضول]. ثم ذكر دخول كاف التشبيه [وأنه انسلخ عنها معني التشبيه] وصارت كناية له فقال: (إنما يكنى بها عن عدد ما فنزلت الكاف في هذا الموطن منزلة الزائدة اللازمة وصارت كقولهم: آثروا ما. الآثر ممدود بزنة فاعل من الأثرة بالثاء والراء المهملة، وفى (القاموس) فعل آثرا ما، وآثر ذي أثير وأول ذي أثير وذي أثر، أى أول شئ فليست زيادة فيه لازمة كما زعمه المصنف. قال (عروة بن الورد). (وقالوا ما تشاء؟ فقلت: الهو ... إلي الإصباح آثر ذي ذي أثير) وهو من قولهم: فلان أثيري أي خالص لي، أي أوثر اللهو أول كل شئ، وقال (الميدانى): معناه أفعل كل شئ أفعله مؤثراً له، وقال (الأصمعي): أفعل ذلك عازماً عليه، وما تأكيد، ويقال أيضاً: أفعله آثر ذي أثير، أى أول شئ، وفيه كلام في (كشف الكشاف).

стр. 354

[٨٧]- صحة ضبط مضارع ذخر ويقولون في مضارع ذخر: يذخر بضم الخاء. والصواب فتحها كما يقال فخر يفخر وزخر البحر يزخر. ومن أصول العربية أنه إذا كانت عين الفعل أحد حروف الحلق التي هى الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء كان الأغلب فتحها في المضارع، نحو سأل يسأل، وذهب يذهب، ونعب ينعب وسحر يسحر، وفغر فاه يفغر، وفخر يفخر، فإن نطق في بعضها بالكسر أو بالضم فهو مما شذ عن أصله وندر عن رسمه. ــ (ويقولون في مضارع ذخر: يذخر بضم الخاء. والصواب فتحها) هذا هو المشهور في كتب اللغة، فإنهم قالوا ذخرته ذخراً من باب نفع والاسم من الذخر بالضم بمعني أعددته لوقت الحاجة، والادخار افتعال منه، وقال (ابن بري): الأصل في مضارع فعل [المفتوح العين أن يجئ على يفعل بالكسر أو الضم ليفترق عن مضارع فعل فعل] المكسور، وما فتح منه فإنما يفتح لأجل حرف الحلق لقرب الفتحة من الألف، يعني أن الضم فيه على القياس المطرد في أمثاله، فلا وجه لتخطئة المصنف لمن قاله، وفيما قاله نظر لا يخفى.

стр. 355

[٨٨]- صحة تصغير مختار ويقولون في تصغير مختار: مخيتير. والصواب مخير، لأن الأصل في مختار مختير فالتاء فيه تاء مفتعل التي لا تكون إلا زائدة، ويدل على زيادتها في هذا الاسم اشتقاقه من الخير، ومن حكم التصغير حذف هذه التاء، فلهذا قيل: مخير، ومن عوض من المحذوف قال مخيير. وقد غلط الأصمعي في تصغير هذا الاسم غلطاً أودع بطون الأوراق، وتناقلته الرواة في الآفاق، وذلك أن (أبا عمر الجرمي) حين شخص غلى بغداد ثقل موضعه على (الأصمعي) إشفاقاً من أن يصرف وجوه أهلها عنه، ويصير السوق له. فأعمل الفكر فيما يغض منه، فلما ير إلا أن يرهقه فيما يسأله عنه. فأتاه في حلقته وقال له: كيف تنشد قول الشاعر: (قد كن يخبأن الوجوه تستراً ... فاليوم حين بدان للنظار) أو حين بدين؟ فقال له: بدأن. قال: أخطأت. فقال: بدين، قال: غلطت إنما هو حين بدون، أي ظهرن، فأسرها (أبو عمر) في نفسه، وفطن لما قصده، واستأني به إلى أن تصدر [الأصمعي] في خلقته واحتف الجمع به، فوقف به، وقال له: كيف تقول في تصغير مختار؟ . فقال: مخيتير. قال: أنفت لك من هذا القول. أما تعلم أن اشتقاقه من الخير وأن التاء فيه زائدة، ولم يزل يندد بغلطه ويشنع بع إلي أن انفض الناس من حوله.

стр. 356

[٨٩]- قولهم في دستور بفتح الدال ويقولون دستور بفتح الدال. وقياس كلام العرب فيه أن يقال بضم الدال كما يقال بهلول وعرقوب وخرطوم وجمهور ونظائرها، مما جاء على فعلول. إذ لم يجئ في كلامهم فعلول بفتح الفاء إلا صعفوق وهو اسم قبيلة باليمامة قال فيهم (العجاج): من آل صعفوق وأتباع أخر .... ويشاكل هذا الوهم قولهم: أطروش بفتح الهمزة والصواب ضمها. كما يقال: اسكوب وأسلوب، على أن الطرش لم يسمع في كلام العرب العرباء، ولا تضمنته أشعار فحول الشعراء [الأدباء]. ونقيض هذه الأوهام قولهم لما يلعق: لعوق ولما يستف: سفوف ولما يمص: مصوص، فيضمون أوائل هذه ألسماء وهي مفتوحة في كلام العرب كما يقال برود وسعوط وغسول. ومما يشاكل هذا قولهم: تلميذ وطنجير وبرطيل وجرجير بفتح أوائلها وهي على قياس كلام العرب بالكسر إذ لم تنطق في هذا المثال إلا بفعليل بكسر الفاء كما قالوا: صنديد وقطمير وغطريف ومنديل. ــ (ويقولون دستور بفتح الدال. وقياس كلام العرب فيه أن يقال بضم الدال كما يقال بهلول وعرقوب وخرطوم) الدستور كما في (القاموس) دفتر يكتب فيه أسماء الجند والمرتزقة، ويستعمل بمعنى الاستئذان وقيل: إنه أصل معناه في الفارسية، وفي (الطلبة) للنسفي: الإذن فارسيته (دستوري وادن).

стр. 357

ذكر (ثعلب) في بعض أماليه إن قول الكتاب لكيس الحساب: تليسة بفتح التاء مما وهموا فيه، وأن الصواب كسرها، كما يقال سكينة وعريسة. وعلى مقاد هذه القضية يجب أن يقال في اسم المرأة (بلقيس) بكسر الباء كما قالوا في تعريف (برجيس) وهو اسم النجم المعروف بالمشتري (برجيس) بكسر الباء لأن كل ما يعرب يلحق بنظائره في أمثلة العرب وأوزان اللغة. وعلى ذكر (بلقيس) فإني قرأت في أخبار (سيف الدولة ابن حمدان) أنه لما امتدحه الخالديان بعث إليهما وصيفاً ووصيفة ومع كل منهما بذرة وتخت من ثياب مصر والشام فكتبا إليه في الجواب: (لم يغد شكرك في الخلائق مطلقا ... إلا ومالك في النوال حبيس) (خولتنا بدراً وشمساً أشرقت ... بهما لدينا الظلمة الحنديس) (رشأ أتانا وهو حسناً يوسف .. وغزالة هي بهجة بلقيس) (هذا ولم تقنع بذاك وهذه ... حتى بعثت المال وهو نفيس) (أتت الوصيفة وهي تحمل بدرة ... وأتى على ظهر الوصيف الكيس) ــ وفي حواشي (المطالع الشريفية): الدستور بضم الدال فارسي معرب ومعناه الوزير الكبير الذي يرجع إليه في الأمور، وأصله الدفتر الذي يجمع فيه قوانين المالك وضوابطه، فسمي به الوزير، لأن ما فيه معلوم له، أو لأنه مثله في الرجوع إليه، أو لأنه في يده، أو لأنه لا يفتح إلا عنده.

стр. 358

(وكوتنا مما أجادت حوكه ... مصر وزادت حسنه بتيس) (فغدا لنا من جودك المأكول ... والمشروب والمنكوح والملبوس) فلما قرأها (سيف الدولة) قال: لقد أحسنا إلا في لفظة المنكوح إذ ليست مما يخاطب بها الملوك وهذا من بدائع نقده المليح وشواهد ذكائه الصريح: ــ وقد قيل: إنه في الأصل مفتوح وضم لما عرب، فعلى هذا لا يكون الفتح خطأ نظراً لأصله، لأن العرب لم تعربه قديماً حتى ينسخ أصله بالكلية لاندراجه باستعمالهم في عداد الأسماء العربية، وقد قال (ابن بري): ظاهر كلامه يقتضي أن جميع ما عربته العرب من كلام العجم لا بد من إلحاقه بكلامهم، وليس كذلك، وسيأتي تفصيله- إن شاء الله تعالى-. (لم يجئ في كلامهم فعلول بفتح الفاء إلا قولهم: صعفوق وهو اسم قبيلة باليمامة). هذا مما تبع فيه (الجوهري) وليس بصحيح عندهم. قال في شرح (الفصيح): ليس لنا فعلول بالفتح إلا صعفوق قوم باليمامة، وزنوق وهو ما يبني على البئر، وبرشوم لنخلة، وصندوق في لغة، وحكي ضمه أيضاً، وزيد قربوس السرج بسكون الراء، فإنه لغة فيه ضرورة كما قيل، وعصفور في لغة حكاها (ابن رشيق) والمشهور فيه الضم و (سحنون) علم مشهور، وإن احتمل فعلول أيضاً إلا أن الأول اختاره (القاموس)، واعترض على المصنف بأن كلامه يقتضي أن صعفوقاً عربي وليس كذلك. وقد صرح (الجوهري) بأنه غير منصرف للعلمية والعجمة، وقول (الجوهري) لم يجئ على فعلول شئ غيره، أراد في الكلام مطلقاً ولو معرباً من العجمية، وفيه ما مر، وأما خرنوب فالفصيح فيه الضم أو التشديد مع حذف النون، وإنما يفتحه العامة. وقول (ابن الحاجب) في (الشافية): لندور فعلول

стр. 359

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نوقش، وأغرب منه قول الشارح، لو قال: لعدم فعلول كان أولى، وبقي فيه أسئلة وأجوبة في شرح (الشافية) تركناها خوف الملل. قال: ( ............. من آل صعفوق وأتباع أخر ............. ) هو من أرجوزة (للعجاج)، وقبله: (فهو ذا فقد رجا الناس الغير ... من أمرهم على يديل والتنؤر) من آل صعفوق وأتباع أخر يخاطب (عمر بن عبيد الله بن معمر) أى الأمر هذا الذي ذكرته من مدحي لعمر، والغير: [تغير] الأمور، ولهذا أطلقت على نوائب الدهر وحوادثه، أى تغيرت الأمور بإمارتك من الفساد إلى الصلاح، والثؤر بضم ففتح: جمع ثؤرة وهي الثأر والانتقام من الجاني، أي قد الم الناس إن تثار بمن قتلت الخوارج من المسلمين. (أطروش بفتح الهمزة والصواب ضمها. كما يقال: أسكوب وأسلوب، على أن الطرش لم يسمع في كلام العرب العرباء). قال أهل اللغة: الطرش بزنة الصمم وبمعناه مولد، وليس بعربي محض، ولم يرد في كلام فصيح، وقيل: إنه أصل الصمم، وقيل أقدم. وتصريف الصيغ منه لكنه عامية قبيحة، وقيل: إنه معرب، ونقل (الأنصاري) عن بعض أهل اللغة أنه عربي محض، وفي (المعرب): الطرش الصمم، وقد طرش من باب لبس، ورجل أطروش به وقر ورجال طرش. اهـ. وأسكوب بمعنى مسكوب أو منسكب، والأسلوب بالضم طريق ممتد، وأساليب الكلام طرقه استعاره منه.

стр. 360

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (ونقيض هذه الأوهام قولهم لما يلعق: لعوق ولما يستف: سفوف ولما يمص: مصوص، فيضمون أوائل هذه ألسماء وهي مفتوحة) إشارة إلى ما قاله "الثعلبى" وغيره من أئمة اللغة: إن أسماء الأشياء التي يعالج بها ويتداوى قد بنتها العرب على فعلول بالفتح، والضم فيها خطأ. والرود بفتح الباء وضم الراء وآخره دال مهملة: الكحل وتمثيله لفعليل بمنديل بناء على أصالة الميم فيه والصحيح خلافه. (وقول الكتاب لكيس الحساب: تليسة بفتح التاء مما وهموا فيه، وأن الصواب كسرها، كما يقال سكينة وعريسة). تليسة بكسر الياء المثناة من فوق واللام المشددة المكسور تليها سين مهملة الكيس الذي يوضع فية الدفاتر، وظاهر قول الكتاب أنه لم يسمع من العرب إلا أن صاحب "القاموس" ذكره من غير تردد فيه، والعاملة تستعمله بمعنى الغرارة، وسكينة بالتاء لغة من سكين، وهى الآلة المعروفة، والعريسة بمهملات مأوى الأسد ومحله. والخالديان أخوان معروفان، وما ذكره من القصيدة مذكور في "اليتيمة". ("وتنيس" بكسر التاء بلدة قريبة من "دمياط").

стр. 361

٩٠ - الإخبار عن كلا وكلتا وقولون: كلا الرجلين خرجا وكلتا المرأتين حضرتا، والاختيار أن يوجد الخبر فيهما، فيقال: كلا الرجلين خرج وكلتا المرأتين حضرت، لأن كلا وكلتا اسمان مفردان وضعا لتأكيد الاثنين والاثنتين وليسا في ذاتهما مثنيين، ولهذا وقع الإخبار عنهما كما يخبر عن المفرد ولهذا نطق القرآن في قوله تعالى: (كلتا الجنتين آتت أكلها) ولم يقل: آتتا وعليه قول الشاعر: (كلانا ينادى يا نزار وبيننا ... قناً من قنا الخطى أو من قنا الهند) ومثله قول الآخر: (كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا) فقال الأول: كلانا (ينادى) ولم يقل يناديان، وقال الآخر: كلانا غنى ولم ــ ثم ذكر خبر كلا وكلتا فقال: (الاختيار أن يوحد الخبر فيها فيقال: كلا الرجلين خرج، وكلتا المرأتين حضرت، لأن كلا وكلتا اسمان مفردان). في "المغنى" وغيره يجوز في كلا وكلتا مراعاة لفظهما في الإفراد نحو (كلتا الجنتين آتت أكلها) ومراعاة معناهما، وهو قليل، وقد اجتمعا في قوله: (كلاهما حين جد الجرى بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابى)

стр. 362

يقل غنيان، فإن وجد في بعض الأخبار تثنية الخبر عن كلا وكلتا، فهو مما حمل على المعنى أو لضرورة الشعر. ــ ولم يقل أحد: إنه ضرورة، فلا معنى لما ذكر المصنف، (ولا لقول المحشى) إنه ضرورة، ومثله قول الآخر: (كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا) قال المحشى: إنه "للمغيرة التيميمى"، والصحيح - كما في "كامل المبرد" و " زهر الآداب للحصرى" أنه "لعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبى طالب" وقبله: (رأيت "فضيلاً كلن شيئاً ملففا ... فكشفه التمحيص حتى بدا ليا) (أأنت أخى ما لم تكن لى حاجة ... فإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا) (فلا زاد ما بينى وبينك بعدما ... بلوتك في الحاجات إلا تماديا) (فلست براء عيب ذى الود كله ... ولا بعض ما فيه إذا كنت راضياً) (فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدى المساويا) (كلانا غنى عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشد تغانيا)

стр. 363

٩١ - أنت تكرم على لا تكرم على ويقولون: أنت تكرم على بضم التاء وفتح الراء. والصواب تكرم بفتح التاء وضم الراء لأن فعله الماضى كرم، ومن أصول العربية أن كل ما جاء من الأفعال الماضية على مثال فعل بضم العين كان مضارعه يفعل، نحو حسن يحسن وظرف يظرف، وإنما ضمت عين المستقبل من هذا النوع ولم يخال به بناء الماضى للمحافظة على المعنى الموضوع له على هذا المثال، وذلك أن ضمة العين جعلت دليلاً على فعل الطبيعة فلو كسرت أو فتحت لذهب ذلك المعنى.

стр. 364

٩٢ - شغب بسكون العين لا بفتحها ويقولون فيه شغب بفتح العين فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين في قوله: (يا ظالما يتجنى جئت بالعجب ... شغبت كما تغطى الذنب بالشغب) (ظلمت سراً وتستعدي علانية ... أضرمت ناراً وتستعفى من اللهب) والصواب شغب باسكان الغين كما قال الشاغر: (رأيتك لما نلت مالاً وعضنا ... زمان يرى في حد أنيابه شغبا) (جعلت لنا ذنباً لتمنع نائلاً ... فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا) ونظير هذا الوهم قولهم للداء المعترض في البطن: المغص بفتح الغين فيغلطون فيه لأن المغص بفتح العين هو خيار الإبل يدل عليه قول الراجز: (أنت وهبت هجمة جرجورا ... أذماً وحراً مغصاً خبوراً) ــ (ويقولون: فيه شغب، بفتح العين، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين في قوله: (يا ظالما يتجنى جئت بالعجب ... شغبت كيما تغطى الذنب بالشغب) (ظلمت سرا وتستعفى علانية ... أضرمت نارا وتستعفى من اللهب) والصواب فيه شغب بسكون العين المعجمة). ليس الأمر كما ذكره، فإن فتح الغين فيه وتسكينها جائز سماعاً وقياساً، وفى "الأساس" شغبت على القوم: هيجت عليهم للشر، وفلان طويل الشغب والشغب قال:

стр. 365

الجرجور: العظام من الإبل والخبور: الغزيرات الدر. فأما اسم الداء فهو المغص بإسكان الغين، وقد يقال بالسين. وأما المعص بفتح العين المغفلة فهو وجع يصيب الإنسان في عصبه من الشئ. وفى الحديث أن " عمرو بن معدى كرب" شكا إلى "عمر" رضى الله عنه المعص فقال كذب عليك العسل، أى عليك بسرعة المشى إشارة إلى اشتقاقه من عسلان الذئب. ــ (فولا بغتانة سبهللة ... غانية في كلامها شغب) وقال آخر: (أغص أخا الشغب الألد بريقه ... فينطق بعدى والكلام غصيص) فأجازهما وحكى سماعهما، وكذا قاله "ابن دريد" وتبعه صاحب "القاموس" و "ابن برى" وفعله شغب بكسر العين وفتحها، ويقال: شغب وجغب بالشين والجيم، وفسروه بتهييج الشر، وهذا وجه السماع فيه، وأما وجه القياس فقال "ابن جنى" في "المحتسب": قرأ سهل شعيب السهمى" جهرة وزهرة في كل موضوع محركاً. ومذهب أصحابنا في كل حرف ساكن بعد فتح لا يحرك إلا على أنه لغة كالنهر والنهر والشعر والشعر وكالحلب والحلب.

стр. 366

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومذهب الكوفيين أنه يجوز تحريك الثانى لكونه حرفا حلقياً قياساً مطرداً كالبحر والبحر، وما أرى الحق إلا معهم، وكذا سمعته من عامه "عقيل"، وسمعت "الشجرى" يقول: هو محموم بفتح الحاء، وليس في الكلام مفعول بفتح الفاء، وقالوا: اللحم يريدون: اللحم، وقالوا: سار نحوه بفتح الحاء، ولو كانت الحركة أصلية ما صحت اللام أصلا. اهـ. (وقال الشاعر) هو "زيد بن جنيا" يخاطب أخاه، وقبله: (لحة الله أكيانا زنادا وشرنا ... وأيسرنا عن عرض والده ذبا) (رأيتك لما نلت مالا وعضنا ... زمان ترى في حد أنيابه شغبا) قد عرفت أن الفتح والسكون فيه مسموعان فصيحان، وأن ما ذكره المصنف - وإن تبع فيه "الجوهرى" - مردور وراية ودراية. وعض الزمان بأنيابة تضييقه بنوائبه، ويقال: عض وعظ، بضاد وظاء مشالة، وفى معنى الشعر المذكور ما قلته: (أراك ابتدعت الذنب للناس فاتحا ... بذلك باب الذنب من بعد قطله) (غناك غدا ذنبا لدهر مقصر ... عذرك اسداء النوال لأهله) (ونظير هذا الوهم قولهم للداء المعترض في البطن: مغص، بفتح الغين فيغلطون فيه، لأنه المغص بفتح الغين هو خيار الإبل). قال " ابن برى" إنكاره المغص بفتح الغين المعجمة في الداء المعترض في البطن والجوف هو قول "ابن السكيت" فإنه لا يرى فيه إسكان الغين، وغيره من أهل اللغة يخالفه فيه. وقال "ابن القوطية" في "أفعاله": يقال ": مغص ومغس كعلم، بالصاد والسين

стр. 367

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مغصاً ومغساً بالفتح والإسكان فيهما، وهى لغات فصيحة، فلا يغرنك ما قاله المصنف، فإن الحق خلافه كما عرفته. (وأما المعص بفتح العين المغفلة فهو وجع يصيب الإنسان في عصبه من الشئ. وفى الحديث أن " عمرو بن معدى كرب" شكا إلى "عمر" رضى الله عنه المعص فقال كذب عليك العسل، أى عليك بسرعة المشى إشارة إلى اشتقاقه من عسلان الذئب) كذب في الحديث اسم فعل بمعنى إلزم، ويجوز فيه الرفع والنصب، والعسل بمعنى العسلان وهو سرعة المشي، ويكون بمعنى الشهد كما هو مشهور وهذا التركيب من غرائب العربية، وتحقيقه- كما قاله (أبو على الفارسي) - أن الكذب ضرب من القول والنطق، فإذا جاز في القول الذي الكذب ضرب منه أن يتسع فيه، فيجعل غير نطق في نحو قوله: قد قالت الأنساع. للبطن الحق ونحو قوله- في صفة الثور-: بكر ثم قال في التبكير جاز في الكذب أن يجعل غير نطق في نحو قوله: كذب القراطف والقروف

стр. 368

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيكون ذلك انتفاء لها، كما أنه إذ أخبر عن الشئ بخلاف ما هو به كان ذلك انتفاء للصدق فيه، فمعني قوله: كذبت عليكم، أو عدوني لست لكم وإذا لم أكن لكم ولم أعنكم كنت منابذاً لكم ومنتفياً نصرتي عنكم ففي ذلك إغراء منه لهم به. وقوله: كذب العتيق أي لا وجود للعتيق وهذا التمر فاطلبه، وقال بعضهم: قول الأعرابي- وقد نظر إلي جمل نضو له-: كذب عليك القت النوى. وروى: البزر والنوى، ومعناه أن القت والنوى ذكراً أنك لا تسمن بهما فقد كذبا عليك، فعليك بهما فإنك تسمن بهما. وقال (أبو على): فأما من نصب البزر فإن عليك فيه لا يتعلق بكذب، ولكنه يكون اسم فعل، وفيه ضمير المخاطب، وأما كذب ففيه ضمير الفاعل، وكأنه قال: كذب السمن أي انتفى من تغيرك فأوجده بالبرز والنوى، فهما مفعولان وأضمر لدلالة الحال عليه في مشاهدة عدمه. وفي (القصريات) قال (أبو بكر) في قول من نصب الحج، فقال: كذب عليك الحج. إنه كلامان كأنه قال: كذب، يعني رجلاً ذم إليه الحج، ثم هيج المخاطب على الحج فقال: عليك الحج. هذا وعندي قوله هو القول، وهو أنها كلمة جرت مجرى المثل في كلامهم، ولذلك لم تتصرف ولزمت طريقة واحدة في كونها فعلاً ماضياً معلقاً بالمخاطب ليس إلا، وهى في معنى الأمر كقولهم في الدعاء: رحمك الله. والمراد بالكذب الترغيب والبعث من قول العرب: كذبته نفسه إذا منته الأماني وخيلت [له] من الآمال ما لا يكاد يكون، وذلك مما يرغب الرجل في الأمور ويبعثه على التعرض لها، ويقولون- في عكس ذلك-: صدقته نفسه إذا ثبطته وخيلت إليه المعجزة والنكد في الطلب، ومن ثم قالوا للنفس: الكذوب. قال (أبو عمرو بن العلاء): يقال للرجل يهدد الرجل ثم يكذب ويكع: صدقته الكذوب، وأنشد:

стр. 369

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (فأقبل نحوي على قدره ... فلما وفى صدقته الكذوب) وأنشد (الفراء): حتى إذا ما صدقته كذب أي نفوسه، جعل للواحد نفوساً لتفرق الرأي وانتشاره، فمعنى قوله: كذبك الحج أى ليكذبك أى لينشطك ويبعثك على فعله. وأما كذب عليك الحج فله وجهان: أحدهما: أن يضمن معنى فعل يتعدى بحرف الاستعلاء، أو يكون على كلامين كأنه قال: كذب الحج. عليك الحج، أي ليرغبك: الحج هو واجب عليك وأضمر عليه. ومن نصب الحج فقد جعل عليك اسم فعل، وفي كذب ضمير الحج، كما في (الفائق).

стр. 370

[٩٣]- سداد بالكسر لا بالفتح ويقولون: هو سداد من عوز: فيلحنون في فتح السين كما لحن (هشيم) المحدث فيها والصواب أن يقال بالكسر. نادرة لطيفة وجاء في أخبار النحويين: أن (النضر بن شميل المازني) استفاد بإفادة هذا الحرف ثمانين ألف درهم، ومساق خبره ما أخبرنا به (أبو علي ابن أحمد التستري) عن حمية القاضي (أبي القاسم عبد العزيز بن محمد العسكري) عن (أبي أحمد بن الحسن بن سعيد العسكري) اللغوي عن أبيه عن (إبراهيم بن حامد) عن (محمد بن ناصح الأهوازي) قال حدثني (النضر بن شميل) قال: كنت أدخل على ــ (ويقولون: هو سداد من عوز: فيلحنون في فتح السين كما لحن (هشيم) المحدث فيها والصواب أن يقال بالكسر) قال (ابن بري): هذا وهم من وجهتين لأنه خطأ ما عدا الكسر، وهذا (يعقوب بن السكيت) سوي بينهما في (إصلاح المنطق) في باب فعال وفعال بمعني واحد، فقال: يقال: سداد من عوز وسداد من عوز، كل يقال. وكذا حكاه (ابن قتيبة) في (أدب الكاتب) وكذا في (الصحاح) إلا أنه زاد والكسر أفصح، والعوز هو الحاجة، وسداد: البلغة ومقدار ما يدفع به الحاجة. وقوله في الحديث: (لدينها وجمالها) صوابه لمالها وجمالها.

стр. 371

المأمون في سمره فدخلت عليه ذات ليلى وعلى قميص مرقوع، فقال: يا نضر ما هذا التقشف؟ حتى تدخل على أمير المؤمنين في الخلقان؟ قلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد فأتبرد بهذه الخلقان، قال: لا ولكنك قشف. ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء. فقال: حدثنا (هشيم) عن (مجالد) عن (الشعبي) عن (ابن عباس) ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز" حدثنا (عوف ابن أبي جميلة) عن (الحسن) عن (علي بن ــ قلت: الذي رواه (ابن عساكر) مسنداً، ونقله (السيوطي) من غير نكير: إنما هو لدينها وجمالها. وفي هذه القصة أنه قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب، قال: قول ابن (حيص بيص) في (الحكم بن مروان):

стр. 372

أبي طالب) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز" قال: وكان (المأمون) متكئاً فاستوى جالساً، وقال: يا نضر، كيف قلت سداد؟ قلت: لأن السداد هنا لحن. قال: أو تلحنني؟ قلت: إنما لحن (هشيم) وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بفتح السين القصد في الدين، والسبيل، والسداد بالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد. قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول: (أضاعوني وأى فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر؟ ) فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له، وأطرق ملياً، ثم قال له: ما مالك يا ــ (تقول لي والعيون هاجعة: ... أقم علينا يوماً فلم أقم) (أى الوجوه انتجعت؟ قلت لها: ... لأي وجه إلا إلى الحكم؟ ) (متى يقل حاجباً سرادقه: ... هذا (ابن بيص) بالباب يبتسم) (قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... هيهات إذا حل أعطنى سلمى) أسلمت: أسلفت، ومقتبلاً: آخذا قبيلاً أى كفيلاً قال: أنشدني أنصف بيت قالته العرب. قال: قول (ابن عروبة المديني): (إنى وإن كان ابن عمى عاتبا ... لمراجم من خلفه ووارثه) (ومفيده نصري وإن كان امرءا ... متزحزحاً في أرضه وسمائه) (وأكون إلي سره وأصونه ... حتى يحن إلى وقت أدائه) (وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه) (وإذا دعى باسمى ليركب مركباً ... صعباً قعدت له على سيسائه) (وإذا أتى من وجهه بطريفة ... لم أطلع فيما وراء خبائه)

стр. 373

نضر؟ قال: أريضة لي بمرو أتصابها وأتمززها، أى أشرب صبابتها. قال: افلا نفيدك مالاً معها؟ قلت: إنى إلي ذلك لمحتاج. قال فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت أن يترب الكتاب؟ قلت أتربه قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب. قال: فمن الطين؟ قلت: طنه. قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين. قال: هذه أحسن من الأولي. ثم قال: يا غلام أتربه وطنه. ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى (الفضل بن سهل)، قال: فلما قرأ (الفضل) الكتاب ــ (وإذا ارتدي ثوباً جميلاً لم اقل ... يا لين إن على حسن ردائه) قال: أحسنت يا نضر. وذكر المصنف قول (العرجي)، وقد مر أنه بسكون الراء نسبة غلي العرج، مكان بأرض الحجاز، واسمه (عبد الله بن عمرو) ابن عم أمير المؤمنين (عثمان ابن عفان) والشعر المذكور هو قوله: (أضاعوني وأى فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر؟ ) (وصبر عند معترك المنايا ... وقد شرعت أسنتها لنحري) (أجرر في الجوامع كل يوم ... فيالله مظلمتي وقهري) (كأني لم أكن فيهم وسيطاً ... ولم تك نسبتي في آل عمرو)

стр. 374

قال يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكذبه، فقال ألحنت أمير المؤمنين. فقلت كلا إنما لحن "هُشيم" وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار. ثم أمر لي "الفضل" من خاصته بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني. (لي صديق عندي عوز ... من سداد لا سداد من عوز) (وجهه يذكرني دار البلى ... كلما أقبل نحوي وضمز) (وإذا جالسني جرعني ... غصص الموت بكرب وعلز) (يصف الود إذا شاهدني ... فإذا غاب وشي بي وهمز) (كحمار السوء يبدي مرحاً ... إذا سيق إلي الحمل غمز) (ليتني أعطيت منه بدلا ... بنصيبي شر أولاد المعز) (قد رضينا بيضة فاسدة ... عوضاً منه إذا البيع نجز) ــ (عسى الملك المجيب لمن دعاه ... سينجيني فيعلم كيف شكري) (فأجزي بالكرامة أهل ودي ... وأجزي بالضغائن أهل وتري) وسببه أنه كان يشبب «بجعداء» أو «محمد بن هشام» فضربه وحبسه حتى مات،

стр. 375

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال هذا الشعر وهو محبوس. وقوله: (أتربه) فهو مترب هو الأفصح، ويقال: تربه فهو مترب بالتشديد، وكذا يقال من الطين: طأنه وطينة فهو مطين كأمير. وقوله: (أتصابها وأتمززها) هو تفاعل من الصب وتفعل من المزة بالزاي المعجمة، بمعنى المص والمراد: أقنع بقليلها للتعيش، وضمز في الأبيات بضاد معجمة وميم مفتوحة وزاي معجمة بمعنى: سكت، وعلز بعين مهملة ولام وزاي معجمة ضجر.

стр. 376

[٩٤]- الفرق بين رق ورك ويقولون: اقطعه من حيث رق. وكلام العرب اقطعه من حيث رك، أي من حيث ضعف، ومنه قيل للضعيف الرأي ركيك وفي الحديث «إن الله تعالى ليبغض السلطان الركاكة [أو الرككة]. ــ (ويقولون: قطعة من حيث رق، وكلام العرب: اقطعه من حيث رك أي ضعف). هذا على تقدير السماع فيه أمر سهل، فإنه يلزم من رقة الثوب عدم قوته، فلا مانع من إردة لازمه، وباب المجاز واسع، ولهذا فسر أهل اللغة رق برك، ولا حاجة إلي أن يقال: إن الكاف تبدل قافاً لقرب مخرجها، ومن ملح «ابن نباتة» قوله: (كانت للفظي رقة ... إن الزمان بما استحقت) (فصرفتها عن خاطري ... وقطعتها من حيث رقت) وقلت: (قد كان لي خل على ... نهج النفاق لقد سلك) ركت ملابس وده ... فقطعته من حيث رك)

стр. 377

[٩٥]- هو معي لا عيان ويقولون لمن تعب هو عيان. والصواب أن يقال هو معي لأن الفعل منه أعيا، فكان الفاعل منه على وزن مفعل، كما يقال أرخى الستر فهو مرخ وأغلى الماء فهو مغل، وعند أهل اللغة أن كل ما كان من حركة وسعي قيل فيه أعيا، وما كان من قول ورأي قيل فيه عيي. والاسم منها عيي على وزن سخى، وقيل فيه عي على وزن شج وعم، ونظير هاتين اللفظتين في قولهم عيي وعي قولهم حيي وحي، وقرى بهمل قوله تعالى: ﴿ويحي من حيي عن بينة﴾ ومن حي. ــ (ويقولون لمن تعب: هو عيان، والصواب هو معي؛ لأن الفعل منه أعيي، فالفاعل على وزن مفعل). الفرق بين أعيا وعيي قاله «الكسائي» وغيره، وإنكاره عيان تبع فيه «الجوهري» وفي «القاموس» إثبات عيان بمعنى العاجز عن الأمر، وهما متقاربان معنى، إلا أن أحدهما حسي، والآخر معنوي، فيجوز إيقاع أحدهما موقع الآخر.

стр. 378

[٩٦]- أفراد الفعل مع الفاعل المثني والجمع ويقولون: قاما الرجلان وقاموا الرجال. فيلحقون الفعل علامة التثنية والجمع وما سمع ذلك إلا في لغة ضعيفة ولم ينطق بها القرآن ولا أخبار الرسول ﵇ ولا نقل أيضاً عن الفصحاء، ووجه الكلام توحيد الفعل كما قال سبحانه في المنى ﴿قال رجلان﴾ وفي الجمع: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فأما قوله تعالى ﴿وأسروا النجوى الذي ظلموا﴾ فالذين بدل من الضمير الذي في لفظة أسروا، وقيل: بل موضعه نصب على الذم أي أعني الذين كفروا وكذلك قوله تعالى: ﴿م عموا وصموا كثير منهم﴾ فكثير بدل من الضمير الذي في لفظة عموا وصموا، فغن تأخر الفعل ألحق علامة التثنية والجمع فقيل: الرجلان قاما ــ (ويقولون: قاما الرجلان وقاموا الرجال، فيلحقون الفعل علامة التثنية والجمع، وما سمع ذلك إلا في لغة ضعيفة لم ينطق بها القرآن ولا أخبار الرسول ﷺ ولا نقل أيضاً عن الفصحاء، ووجه الكلام توحيد الفعل). ليس الأمر كما ذكره، فإن هذه لغة قوم من العرب يجعلون الألف والواو حرفي علامة للتثنية والجمع، والاسم الظاهر فاعلاً، وتعرف بين النحاة بلغة أكلوني البراغيث لأنه مثالها الذي اشتهرت به، وهي لغة (طي) كما قاله «الزمخشري»، وقد وقع منها في الآيات والأحاديث وكلام الفصحاء ما لا يحصى، كقوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم عموا وصموا كثير منهم﴾ وكقوله ﷺ في الحديث الشريف: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» كما في «البخاري». وخرجه «ابن مالك» على هذه اللغة وإن نوزع فيه، فيقال في مله: إنه وارد على هذه اللغة، أو مبتدأ والجملة قبله خبره، أو بدل من الضمير، أو خبر مبتدأ محذوف، أو غير ذلك.

стр. 379

والرجال قاموا، وتكون الألف في قاما والواو في قاموا اسمين مضمرين، والفرق بين الموضعين أنك إذا قدمت الفعل كانت علامة تثنية الفاعل وجمعه تغني عن إلحاق علامة في الفعل، وإذا أخرت الفعل صار الفاعل يتقدمه مبتدأ فلو أفرد الفعل وقيل: الناس خرج لجاز أن يتوهم أنك تريد جزءاً منهم لجواز أن يقال: الناس خرج سيدهم. ــ فقول المصنف: لم ينطق بها القرآن ولا الأخبار خلاف الواقع، والتأويل الجاري هناك يجري في كلام الناس أيضاً. وقوله تعالى: ﴿كثير﴾ بدل من الضمير في لفظتي عموا وصموا، وفيه البدل من معمولي عاملين مختلفين، ولا يصح كونه من التنازع كما في «توضيح ابن هشام».

стр. 380

[٩٧]- قولهم أحد حمي ويقولون: أجد حمى، والصواب أن يقال: أجد حمياً أو حموا، لأن العرب تقول لكل ما سخن: حمي يحمي حمياً فهو حام، ومنه قوله تعالى: ﴿في عين حامية﴾. ويقولون أيضاً: اشتد حمي الشمس وحموها إذا عظم وهجها ومنه ما أنشده «المفضل»: (تجيش علينا قدرهم فنديمها ... ونفثؤها عنا إذا حميها غلا) يعني أنه متى جاشت قدرهم للشرب سكنوها، وهو معنى نديمها، وأ، هـ متى غلت فثؤها، أي كسروا غليانها، وكني بالقدر عن تهيج الحرب، كما يكني بفور المرجل عنه. قال الشيخ الإمام أبو محمد القاسم بن علي الحريري رحمة الله: نديمها: تسكينها من دام أي سكن، وأدمته: سكدنته. ومنه الماء الدائم، وقيل: نديمها: نتركها على النار فلا ننزلها ولا نوقد تحتها. وهذا معنى الإدامة في القدر.

стр. 381

وحكى «بو الفتح عبدوس بن محمد الهمذاني. حين قدم البصرة علينا حاجا سنة نيف وستين وأربعمائة: أن «الصاحب أبا القاسم بن عباد» رأى أحد ندمائه متغير السحنة، فقال له: ما الذي بك؟ قال: حما. فقال «الصاحب»: قه. فقال النديم: وه. فاستحسن الصاحب ذلك منه وخلع عليه. قال الرئيس «أبو محمد» ﵀: ولعمري لقد أحسن «الصاحب» في تعقيب لفظ حما بما صارت به حماقة، ولطف النديم في صلة تعقيبه بما جعله قهوة، وكذا فلتكن مداعبة الفضلاء ومفاكهة الأدباء الأذكياء.

стр. 382

[٩٨]- قولهم: إلاه وإلاك ويقولون: جاءني القوم إلاك وإلاه. فيوقعون الضمير المتصل بعد إلا كما يوقع بعد غير في مثل قولك: جاء قولك: جاء القوم غيرك فيوهمون كما وهم «أبو الطيب» في قوله: (ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول) والصواب أن لا يوقع بعد إلا إلا الضمير المنفصل كما قال تعالى: ﴿أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾، والفرق ها هنا بين إلا وغير أن الاسم الواقع بعد غير لا ــ (ويقولون: جاءني القوم إلاك وإلاه، فيوقعون الضمير المتصل بعد إلا كما يوقع بعد غير، فيوهمون نفيه). هذا مذهب كثير من النحاة، وفي شرح «التسهيل» أن «ابن الأنباري) قال: إن مثله مسموع من العرب مقيس عليه، فيقال عنده قياساً: إلاك وحتاك، فلا يرد ما ذكره، وقياس قول من قال إن لا عاملة في المستثني أن يتصل بها الضمير، لكنه عدل عنه في الأكثر. وأما قوله: (وما نيالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار) وقوله: (أعوذ برب العر من فئة بغت ... علي فمالي عوض إلاه ناصر).

стр. 383

يقع أبداً إلا مجروراً بالإضافة، وضمير المجرور لا يكون إلا متصلاً ولهذا امتنع أن يفصل بينهما، وليس كذلك الاسم الواقع بعد إلا لأنه يقع إما منصوباً وإما مرفوعاً، وكلاهما يجوز أن يفصل بينه وبين العامل فيه، ولهذا جعل له ضميران: متصل ومنفصل، إلا أنه لما اعترضت إلا في الكلام وفصلت بين العامل والمعمول، أوقع بعدها الضمير المنفصل كما قال في ضمير المنصوب: ﴿ضل من تدعون إلا إياه﴾ وكما قال «عمرو بن معدي كرب» في ضمير المرفوع: (قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا) فأما قول القائل: (فما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاورنا إلاك ديار) فلم يأت في أشعار المتقدمين سواه والنادر لا يعتد به ولا يقاس عليه. ــ فادعى «ابن مالك» أنه ليس بضرورة لتمكنه من أن يقول: (ألا يجاورنا خل ولا جار) وأن يقول: (فما من غيره عوض ناصر) واعتراض «المرادي» بأنه نص في موضع آخر على أ، هـ شاذ لا يقاس عليه، وأنه ما من ضرورة إلا ويمكن أن يغير لفظها. ومنه يعلم أن قوله: لم يأت في أشعار المتقدمين سواه غير صحيح.

стр. 384

[٩٩]- قولهم: هب أني فعلت ويقولون: هب أني فعلت وهب أنه فعل. والصواب إلحاق الضمير المتصل به فيقال هبني فعلت وهبه فعل، كما قال أبو دهبل الجمحي»: (هبوني امرءا منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كثير) ومثله قول «عروة بن أدية» وهو تصغير أداة: (إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... أقبلت نحو سقاء أبترد) ــ (ويقولون: هب أني فعلت وهب أنه فعل، والصواب إلحاق الضمير المتصل به، فيقال: هبني فعلت، وهبه فعل). قال «ابن بري»: إذا جعل هبني بمعنى احسبني وعدني فلا يمتنع أن تقول: هب أ، ي فعلت؛ لأنها بمعنى احسب، يريد أنه إذا كان هب بمعنى احسب مما يتعدى إلي مفعولين كعلمت زيداً فاضلاً، جاز أن تسد أن ومعمولاها مسدهما، وقد سمع أيضاً فلا مانع منه قياساً واستعمالاً، وفي «المغني» هب بمعنى ظن الغالب تعديه إلي صريح المفعولين كقوله: (فقلت أجرني أباً خالد ... وإلا فهيئي امرءاً هالكاً) ووقوعه على أن وصلتها نادر حتى زعم «الحريري» أن قول الخواص: هب أن

стр. 385

(هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد؟ ) وكان «عروة» هذا مع تغزله نقي الدخلة ظاهر العفة، وروي أن «سكينة بنت الحسين» ﵂ وقفت عليه ذات يوم فقالت له: أنت القائل [وأنشدت]: (قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحب الستر فاستتر) (ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقى على بصري). قال: نعم، فقالت: وأنت القائل: (إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... ) ــ زيداً قائم لحن، وذهل عن قول القائل: «هب أن أبانا كان حمارا» وهب فعل غير متصرف بمعنى عد واحسب، لا ماضي له ولا مستقبل. (عروة بن أدية) هو تصغير أداة بدال مهملة بزنة قناة، وفي نسخة «أذينة» بذال معجمة تصغير أذن، وهو الصواب. ونقل «ابن بري» عن «ابن قتيبة» و «ابن النحاس» و «ليزيدي» أن «ابن أذينة» تصغير أذن، وهو الذي ورد على «هشام بن عبد الملك» وأنشده:

стр. 386

وأنشدته البيتين المتقدم ذكرهما. قال: نعم فالتفتت إلي جوار كن حولها، وقالت: هن حرائر إن كان خرج هذا من قلب سليم. ومعنى هبني أي عدني واحسبني فكان فيه معنى الأمر من وهب. ــ (لقد علمت وما الإسراف من خلقي ......... ) وكذا ذكره في «مرآة الزمان»، وكان قدومه على «هشام» في السنة الثامنة بعد المائة، و «أذينة» لقب أبيه، وهو معدود في الشعر والفقهاء والمحدين، ومن توهمه «أدية» تصغير أداة فقد وهم وخالف الرواية الصحيحة، وتصغيره ليس بعد التسمية، وفي «الصحاح» الأذن تخفف وتثقل وهي مؤنثة، وتصغيرها أذينة، ولو سميت به رجلاً ثم صغرته قلت: أذين، فلم تؤنثه لزوال التأنيث عنه بالنقل إلي المذكر. وفي «تبصرة المتنبه» سموا «أبا أذين» كقول «ابن هاني»: (اسقني يا بن أذين ..... ) و«أذينة تسمى به جماعة، وبدال مهملة مفتوحة تليها ياء تحتية مشددة والد «مرداس الخارجي» وأخيه «عروة» كما ذكره «ابن ماكولا». وفي «كامل المبرد»: «عروة بن أدية» من الخوارج، و «أدية» جدة له في الجاهلية، وهو «عروة بن جذيم» أحد «بني ربيعة بن حنظلة».

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي كتاب «الشعر» «لابن قتيبة»: «عروة بن أدية» هو من بني ليث، وكان شريفاً ثبتاً في رواية الحديث، وهو القائل: (قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحت الستر فاستتري) (ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: ... غطى هواك وما ألقي على بصري) ووقفت عليه امرأة فقالت له: أنت الذي يقال له الرجل الصالح وأنت تقول: (إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد) (هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد) [والله ما قال هذا صالح قط]. ومما أنشدناه له أولا أخذ «الباخرزي» قوله: (قالت وقد ساءلت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي) (أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني، فقلت لها: وأين فؤادي؟ )

стр. 388

[١٠٠]- امرأة شكور وصبور ويقولون: امرأة شكورة ولجوجة وصبورة وخئونة، فيلحقون هاء التأني بها فيوهمون فيه، لأن هذه التاء إنما تدخل على فعول إذا كان بمعنى مفعول، كقولك: ناقة ركوبة وشاة حلوبة لأنهما بمعنى مركوبة ومحلوبة، فأما إذا كانت فعول بمعنى فاعل، نحو صبور الذي بمعنى صابر ونظائره فممتنع من التحاق التاء به، وتكون صفة مؤنثة على لفظ مذكورة كما قال الشاعر: (ولن يمنع النفس الدجوج عن الهوى ... من الناس إلا واحد الفضل كامله) وقد ذكر النحويون في امتناع الهاء من هذه الصفات عللا أجودها أن الصفات الموضوعة للمبالغة نقلت عن بابها لتدل على معنى الذي تخصصت به، فأسقطت هاء التأنيث في قولهم: امرأة صبور وشكور وقتيل، وفي قولهم: فتاة معطار ونظائره، كما ألحقت بصفة المذكر في قولهم: رجل علامة ونسابة ليدل ما فعلوه على تحقيق المبالغة ويؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة. وامتناع الهاء من فعول بمعنى فاعل أصل مطرد لم يشذ منه إلا قولهم: عدوة الله، فإنهم ألحقوا بها الهاء فقالوا: عدو وعدوة، ليماثل قولهم: صديق وصديقة، لأن الشيء في العربية قد يحمل على ضده ونقيضه كما يحمل على نظيره ورسيله. وفي أخبار النحويين أن «أبا عثمان المازني» سئل بحضرة «المتوكل» عن قوله تعالى: ﴿وما كانت أمك بغيا﴾ فقيل له: كيف حذفت الهاء من بغي، وفعيل إذا كان بمعني فاعل لحقته الهاء، نحو فتي وفتية، وغني وغنية؟ فقال: إن لفظة بغي ليست بفعيل، وإنما هي فعول التي بمعنى فاعلة، لأن الأصل فيها بغوي، ومن أصول التصريف أنه متى اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. كما قالوا: شويت اللحم شياً، وكويت الدابة كياً، والأصل فيهما شويا وكويا، وكما قيل: يوم وأيام والأصل: أيرام. فعلى هذه القضية قيل: بغي، ووجب حذف الهاء منها لأنها بمعنى باغية كما تحذف من صبور التي بمعنى صابرة.

стр. 389

وهذا العقد الذي ذكرناه في قلب الواو ياء إذا اجتمعتا وكان السابق منهما ساكناً أصل مطرد لم يشذ منه إلا «حيوة» اسم رجل، و «ضيون» وهو اسم للهر، وحكي (الفراء) أنهم قالوا: عوي الكلب عوية، وليس الشاذ مما يلتفت إليه ولا يعاج عليه.

стр. 390

[١٠١]- متى يستعمل الفعل «أخطأ» ؟ ويقولون لمن يأتي الذنب متعمداً: أخطأ، فيحرفون اللفظ والمعنى، لأنه لا يقال: أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل، أو لمن اجتهد فلم يوافق الصواب، وإياه عني ﷺ بقوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر»، وإنما وجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبة أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، والفاعل من هذا النوع مخطي، والاسم منه الخطأ، ومنه قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ﴾. ــ (ويقولون لمن يأتي الذنب معتمداً: وقد أخطأ فيحرقون اللفظ والمعنى، لأنه لا يقال أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل أو لمن اجتهد فلم يوافق الصواب). حاصل الفرق أنه يقال لمن لا يتعمد الخطأ: أخطأ فهو مخطى والاسم منه الخطأ، ولمن تعمد: خطي فهو خاطي والمصدر الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء قبل الهمزة. وقال «ابن بري»: روي هذا «ابن قتيبة» ثم عقبة برواية اتفاق خطي وأخطأ في المعنى، وكذلك جمهور الرواة المفرقين بينهما عقبوا التفرقة برواية التسوية، وفي «الإصلاح» قال «أبو عبيدة» خطي وأخطأ لغتان، وأنشد «لامري القيس»: (يا لهف هند إذ خطئن كاهلاً ... ) [قال: أي أخطأن]، وفي المثل: «مع الخواطي سهم صائب» وقال «الأزهري»:
следующие страницы →