← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وأنشدته البيتين المتقدم ذكرهما. قال: نعم فالتفتت إلي جوار كن حولها، وقالت: هن حرائر إن كان خرج هذا من قلب سليم. ومعنى هبني أي عدني واحسبني فكان فيه معنى الأمر من وهب. ــ (لقد علمت وما الإسراف من خلقي ......... ) وكذا ذكره في «مرآة الزمان»، وكان قدومه على «هشام» في السنة الثامنة بعد المائة، و «أذينة» لقب أبيه، وهو معدود في الشعر والفقهاء والمحدين، ومن توهمه «أدية» تصغير أداة فقد وهم وخالف الرواية الصحيحة، وتصغيره ليس بعد التسمية، وفي «الصحاح» الأذن تخفف وتثقل وهي مؤنثة، وتصغيرها أذينة، ولو سميت به رجلاً ثم صغرته قلت: أذين، فلم تؤنثه لزوال التأنيث عنه بالنقل إلي المذكر. وفي «تبصرة المتنبه» سموا «أبا أذين» كقول «ابن هاني»: (اسقني يا بن أذين ..... ) و«أذينة تسمى به جماعة، وبدال مهملة مفتوحة تليها ياء تحتية مشددة والد «مرداس الخارجي» وأخيه «عروة» كما ذكره «ابن ماكولا». وفي «كامل المبرد»: «عروة بن أدية» من الخوارج، و «أدية» جدة له في الجاهلية، وهو «عروة بن جذيم» أحد «بني ربيعة بن حنظلة».

стр. 387

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي كتاب «الشعر» «لابن قتيبة»: «عروة بن أدية» هو من بني ليث، وكان شريفاً ثبتاً في رواية الحديث، وهو القائل: (قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحت الستر فاستتري) (ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: ... غطى هواك وما ألقي على بصري) ووقفت عليه امرأة فقالت له: أنت الذي يقال له الرجل الصالح وأنت تقول: (إذا وجدت أوار الحب في كبدي ... عمدت نحو سقاء القوم أبترد) (هبني بردت ببرد الماء ظاهره ... فمن لنار على الأحشاء تتقد) [والله ما قال هذا صالح قط]. ومما أنشدناه له أولا أخذ «الباخرزي» قوله: (قالت وقد ساءلت عنها كل من ... لاقيته من حاضر أو بادي) (أنا في فؤادك فارم طرفك نحوه ... ترني، فقلت لها: وأين فؤادي؟ )

стр. 388

[١٠٠]- امرأة شكور وصبور ويقولون: امرأة شكورة ولجوجة وصبورة وخئونة، فيلحقون هاء التأني بها فيوهمون فيه، لأن هذه التاء إنما تدخل على فعول إذا كان بمعنى مفعول، كقولك: ناقة ركوبة وشاة حلوبة لأنهما بمعنى مركوبة ومحلوبة، فأما إذا كانت فعول بمعنى فاعل، نحو صبور الذي بمعنى صابر ونظائره فممتنع من التحاق التاء به، وتكون صفة مؤنثة على لفظ مذكورة كما قال الشاعر: (ولن يمنع النفس الدجوج عن الهوى ... من الناس إلا واحد الفضل كامله) وقد ذكر النحويون في امتناع الهاء من هذه الصفات عللا أجودها أن الصفات الموضوعة للمبالغة نقلت عن بابها لتدل على معنى الذي تخصصت به، فأسقطت هاء التأنيث في قولهم: امرأة صبور وشكور وقتيل، وفي قولهم: فتاة معطار ونظائره، كما ألحقت بصفة المذكر في قولهم: رجل علامة ونسابة ليدل ما فعلوه على تحقيق المبالغة ويؤذن بحدوث معنى زائد في الصفة. وامتناع الهاء من فعول بمعنى فاعل أصل مطرد لم يشذ منه إلا قولهم: عدوة الله، فإنهم ألحقوا بها الهاء فقالوا: عدو وعدوة، ليماثل قولهم: صديق وصديقة، لأن الشيء في العربية قد يحمل على ضده ونقيضه كما يحمل على نظيره ورسيله. وفي أخبار النحويين أن «أبا عثمان المازني» سئل بحضرة «المتوكل» عن قوله تعالى: ﴿وما كانت أمك بغيا﴾ فقيل له: كيف حذفت الهاء من بغي، وفعيل إذا كان بمعني فاعل لحقته الهاء، نحو فتي وفتية، وغني وغنية؟ فقال: إن لفظة بغي ليست بفعيل، وإنما هي فعول التي بمعنى فاعلة، لأن الأصل فيها بغوي، ومن أصول التصريف أنه متى اجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء. كما قالوا: شويت اللحم شياً، وكويت الدابة كياً، والأصل فيهما شويا وكويا، وكما قيل: يوم وأيام والأصل: أيرام. فعلى هذه القضية قيل: بغي، ووجب حذف الهاء منها لأنها بمعنى باغية كما تحذف من صبور التي بمعنى صابرة.

стр. 389

وهذا العقد الذي ذكرناه في قلب الواو ياء إذا اجتمعتا وكان السابق منهما ساكناً أصل مطرد لم يشذ منه إلا «حيوة» اسم رجل، و «ضيون» وهو اسم للهر، وحكي (الفراء) أنهم قالوا: عوي الكلب عوية، وليس الشاذ مما يلتفت إليه ولا يعاج عليه.

стр. 390

[١٠١]- متى يستعمل الفعل «أخطأ» ؟ ويقولون لمن يأتي الذنب متعمداً: أخطأ، فيحرفون اللفظ والمعنى، لأنه لا يقال: أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل، أو لمن اجتهد فلم يوافق الصواب، وإياه عني ﷺ بقوله: «إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر»، وإنما وجب له الأجر عن اجتهاده في إصابة الحق الذي هو نوع من أنواع العبادة، لا عن الخطأ الذي يكفي صاحبة أن يعذر فيه ويرفع مأثمه عنه، والفاعل من هذا النوع مخطي، والاسم منه الخطأ، ومنه قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ﴾. ــ (ويقولون لمن يأتي الذنب معتمداً: وقد أخطأ فيحرقون اللفظ والمعنى، لأنه لا يقال أخطأ إلا لمن لم يتعمد الفعل أو لمن اجتهد فلم يوافق الصواب). حاصل الفرق أنه يقال لمن لا يتعمد الخطأ: أخطأ فهو مخطى والاسم منه الخطأ، ولمن تعمد: خطي فهو خاطي والمصدر الخطء بكسر الخاء وسكون الطاء قبل الهمزة. وقال «ابن بري»: روي هذا «ابن قتيبة» ثم عقبة برواية اتفاق خطي وأخطأ في المعنى، وكذلك جمهور الرواة المفرقين بينهما عقبوا التفرقة برواية التسوية، وفي «الإصلاح» قال «أبو عبيدة» خطي وأخطأ لغتان، وأنشد «لامري القيس»: (يا لهف هند إذ خطئن كاهلاً ... ) [قال: أي أخطأن]، وفي المثل: «مع الخواطي سهم صائب» وقال «الأزهري»:

стр. 391

فأما المتعمد الشيء فيقال فيه: خطي فهو خاطي، والاسم منه الخطيئة والمصدر الخطء بكسر الخاء وإسكان الطاء، كما قال تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطئاً كبيرا﴾. قال الرئيس أبو محمد رحمة الله: ولي فيما انتظم هاتين اللفظتين واحتضن معنييهما المتنافيين: (لا تخطون إلي خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا) (فأي عذر لمن شابت مفارقة ... إذا جرى في ميادين الهوى وخطا؟ ) ــ الخطيئة والخطأ الإثم، وفرق «ابن عرفة) بين خطي وأخطأ ولكن لا بالتعمد وعدمه، وذلك .. أنه قال: يقال خطي في دينه إذا أثم، وأخطأ إذا سلك سبيل خطأ عامداً أو غير عامد، ويقال: خطي بمعنى أخطأ، وأنشد قول «امريء القيس» السابق، وروي فيه: يا لهف هند ويا لهف نفسي. وإلي هذا الفرق نظر «الجوهري» حيث قال: الخطأ نقيض الصواب، يقال منه أخطأ، والخطء الذنب في قوله تعالى: ﴿إن قتلهم كان خطئا كبيرا﴾ أي إنما يقال: خطي، والاسم الخطيئة على وزن فعيلة، وإذا كانت الخطيئة الإثم فالعطف في قوله تعالى: ﴿ومن يكسب خطيئة أو إثما﴾ تفسيري. لكن المشهور فيه أنه يختص بالواو، كما في قوله تعالى: ﴿إنما أشكو بي وحزني إلي الله﴾ والمصحح لهذا النوع اختلاف اللفظ كما أنه مصحح لإضافة في مثل: جلمود صخر. وقال «ابن مالك» أو أنيبت عن الواو في هذه الآية، ورده «ابن هشام» في شرح «بانت سعادة» وقال: يمكن أن يراد بالخطيئة ما وقع عمداً، وبه صرح في «عمدة الحفاظ» وأنشد المصنف له:

стр. 392

والخطيئة تقع على الصغيرة كما قال سبحانه إخبارا عن «إبراهيم» ﵇: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾، وتقع على الكبيرة كما قال تعالى: ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ ــ (لا تخطون إلي خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطا) (فأي عذر لمن ابت مفارقه ... إذا جرى في ميادين الهوى وخطا) (وعلى هذا المنوال قول «بن الفارض» في رباعيته: [نفعنا الله ببركاته]: (لما نزل الشيب برأسي وخطا ... العمر مع الشباب ولى وخطا) (أصبحت بمر «سمرقند» وخطا ... لا أفرق بين صواب وخطا) [والخطيئة تقع على الصغيرة، كما قال عن إبراهيم ﵊: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ وتقع على الكبيرة كما قال : ﴿بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾].

стр. 393

[١٠٢]- الفرق بين نشب ونشم ويقولون لمن بدأ في إثارة أو فساد أمر: قد نشب فيه، ووجه الكلام أن يقال: قد نشم بالميم لاشتقاقه من قولك: نشم اللحم إذا بدأ التغير والإرواح فيه، وعلى هذا جاء في حديث مقتل «عثمان» ﵁ «فلما نشم الناس في الأمر» أي ابتدأوا في الوثوب على «عثمان» والنيل منه. وكان «الأصمعي» يرى أن لفظة نشم مما لا يستعمل إلا في الشر، وأن منها اشتقاق قولهم: دقوا بينهم عطر منشم» لا أن هناك عطر يدق حقيقة. وقال غيره: بل «منشم» عطارة، ما تطيب بعطرها أحد فبرز لقتال إلا وقتل أو جرح. ــ [ويقولون لمن بدأ في إثارة شر أو فساد أمر: إنه قد نشب فيه، ووجه الكلام أن يقال: قد نشم بالميم؛ لاشتقاقه من قولهم: نشم اللحم إذا ابتدأ التغير والإرواح فيه]. ليس ما ادعاه بصحيح، وفي «القاموس»: نشب في الشيء نشم، وفي «البخاري»: لم ينشب أن مات. وقد فسروه بلم يلبث، وهذه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة، فمعناه: فجاءه الموت قبل أن ينشب في فعل شيء، وأصل النشوب التعلق، وفي الحديث «قد نشبوا في قتل عثمان» أي وقعوا فيه. فقد علمت أن نشب

стр. 394

وقيل: بل الإشارة في المثل إلي عطارة أغار عليها قوم، وأخذوا عطراً كان معها فأقبل قومها إليها، فمن شموا منه رائحة العطر قتلوه، ومن أوله على هذا قال: هو عطر من شم. فجعله مركبا من كلمتين. وقيل: الكتابة فيه عن قرون السنبل الذي يقال: إنه سم ساعة. وذكر «ابن الكلبي» أنها امرأة من «خزاعة» كانت تبيع العطر، فتطيب بعطرها قوم، وتحالفوا على الموت فتفانوا. وقال غيره: بل هي صاحبة «يسار الكواعب» وكان «يسار» هذا عبداً أسود يرعى الإبل إذا رأته النساء ضحكن منه فيتوهم أنهن يضحكن من حسنه، فقال يوماً لرفيق له: أنا «يسار الكواعب» ما رأتني حرة إلا عشقتني، فقال له رفيقة: يا «يسار) اشرب لبن العشار وكل لحم الحوار وإياك وبنات الأحرار، فأبى، ورواد مولاته عن نفسها، فقالت له: مكانك حتى آتيك بطيب أشمك إياه، فأتته بموسى، فلما أدنى أنفه إليها لتشمه الطيب جدعته. وفي الشين من «منشم» روايتان: الكسر والفتح، وإن كان الكسر أكثر وأشهر. ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم: ما عتب أن فعل كذا، ووجه الكلام: ما عتم، أي أبطأ ومنه اشتقاق صلاة العتمة لتأخير الصلاة فيها، ومدح بعض الأعراب رجلا فقال: «والله ما ماء وجهك بقاتم ولا زادك بعاتم». ــ بمعنى نشم ثابت لغة واستعمالا فلا وجه لما ذكره المصنف. (ونظير وهمهم في هذه اللفظة قولهم: ما عتب أن فعل كذا ووجه الكلام أن يقال: ما عتم). أي ما أبطأ ولبث، ومنه (العيتوم) للجمل البطي، وهذا مما غفل عنه أو تغافل، ففي «تهذيب الأزهري» يقال: ضرب فلاناً فما عتم ولا عتب ولا كذب، أي لم يمكث ولم يتباطأ في ضربه إياه. اهـ ... والميم والباء يتعاقبان فتبدل إحداهما من الأخرى كثيراً، فيقولون: لازب ولازم، وعجب الذنب وعجم الذنب. وظاهر كلامهم أنه مقيس مطرد.

стр. 395

[١٠٣]- وقولهم للأمر الغائب: يعتمد ذلك ويقولون في الأمر للغائب والتوقيع إليه: يعتمد ذلك، بحذف لام الأمر من الفعل والصواب إثباتها فيه وجزمه بها، لئلا تلتبس الكلمة بصيغة الخبر وتخرج عن حيز الأمر، وعلى ذلك جاءت الأوامر في القرآن وفصيح الكلام والأشعار. فأما قول الشاعر: (محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا) فهو عند البصريين من ضرورت الشعر الملجئة إلي تصحيح النظم وإقامة الوزن، وأما قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾، فإنما جزم يقيموا لوقوعه موقع جواب الأمر المحذوف الذي تقديره لو ظهر: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة يقيموا. وجواب الأمر مجزوم لتلمح معنى الجزاء فيه، كما قال سبحانه: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا﴾. وأصل هذه اللام الكسرة كما كسرت لام الجر مع الظاهر، فإن دخلت عليها الواو أو الفاء أو ثم جاز كسرها على الأصل وإسكانها للتخفيف، إلا أن الاختيار أن تسكن مع الفاء والواو لكونهما على حرف واحد لا يمكن السكوت عليه، وأن تسكن مع الفاء والواو لكونهما على حرف واحد لا يمكن السكوت عليه، وأن تكسر مع «ثم» لأنها كلمة بذاتها، وبهذا أخذ «أبو عمرو بن العلاء» فقرأ ﴿فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً﴾ بإسكان اللام مع الفاء والواو. وقرأ ﴿ثم ليقطع﴾ بكسر اللام مع ثم. ــ [وما ذكره في لام الأمر من المسائل المشهورة في العربية فلا حاجة إلي تكثير السواد به].

стр. 396

[١٠٤]- المأصر بالكسر لا بالفتح . ويقولون لمركز الضرائب: المأصر بفتح الصاد، والصواب كسرها، لأن معناه الموضع الحابس للمار عليه، العاطف للمجتاز به، ومن ذلك اشتقاق أواصر القرابة والعهد لأنها تعطف على ما يجب رعايته من الرحم والمودة. وحكي (عبيد الله بن عبد الله بن طاهر» قال: اجتمع عندنا «أبو نصر أحمد بن حاتم» و «ابن الأعرابي» فتجاذبا الحديث إلي أن حكي «أبو نصر» أن «أبا الأسود الدؤلي» دخل على «عبيد الله بن زياد» وعليه ثياب رثة، فكساه ثياباً جدداً من غير أن عرض له بسؤال أو ألجأه إلي استكساء، فخرج وهو يقول: ــ (ويقولون لمركز الضرائب: المأصر بفتح الصاد والصواب كسرها). الضرائب جمع ضريبة وهي التي تؤخذ في الدية ونحوها، والمأصر المحبس الذي يحبس فيه، وفي «الصحاح» و «القاموس»: المأصر والمأصر بفتح الصاد المهملة وكسرها، فلا وجه لإنكاره، وما ذكره من أمر الكسوة قيل: الذي كساه هو «المنذر بن الجارود»،

стр. 397

(كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل ويأصر) (وإن أحق الناس إن كنت مادحا ... بمدحك من أعطاك والعرض وافر) فأنشد «أبو نصر» قافية البيت ويأصر يريد به «ويعطف» فقال «ابن الأعرابي»: بل هو: «وناصر». فقال له «أبو نصر»: دعني يا هذا ويأصري، وعليك بناصرك. ــ وكان يعجب بحديث «أبي الأسود» ويغشى كل منهما صاحبه، فقال له يوما -وقد رأي عليه مقطعة من برود كان يلازم لبسها-: يا أبا الأسود قد لزمت هذه القطعة، فقال: رب مملول لا يستطاع فراقه. فأرسلها مثلا، فعلم «المنذر» أنه يحتاج إلي كسوة فكساه.

стр. 398

[١٠٥]- الوارد والصادر لا العكس ويقولون: هذا أمر يعرفه الصادر والوارد، ووجه الكلام أن يقال: الوارد والصادر؛ لأنه مأخوذ من الورد والصدر، ومنه قيل للخادع: يورد ولا يصدر، ولما كان الورد يقدم الصدر وجب أن يقدم لفظة الوارد على الصادر، ويمثل قولهم الوارد والصادر قولهم: القارب والهارب. فالقارب الذي يطلب الماء والهارب الذي يصدر عنه. ــ (هذا أمر يعرفه الصادر والوارد، ووجه الكلام أن يقال: الوارد والصادر) هذا مما يقضي منه العجب؛ فإن الواو لا تقتضي الترتيب، وكم ورد بعد صدر وصدر بعد ورد، وقد استعمله العرب كثيراً على خلاف ما زعمه، قال الراجز: (والناس بين صادر ووارد ... مثل حجيج البيت نحو خالد) وقال «جرير»: (بكل أسمر خطي ويعجمه ... في حومة الموت إصدار وإيراد) وليس لنا حاجة لأبيات مثله.

стр. 399

[١٠٦]- همزة الوصل لا تدخل على متحرك ويقولون: ابنت بكسر الباء مع همزة الوصل، وهو من أقبح أوهامهم وأفحشن لحن في كلامهم، لأن همزة الوصل لا تدخل على متحرك، وإنما اجتلبت للساكن ليتوصل بإدخالها عليه إلي افتتاح النطق به، والصواب أن يقال فيها: ابنة أو بنت، لأن العرب نطقت فيها بهاتين الصيغتين فمن قال ابنة صاغها على لفظة ابن، ثم ألحق بها هاء التأنيث التي تسمى الهاء الفارقة، وتصير في الوصل تاء، ومن قال فيها بنت أنشأها نشأة مؤتنقة، وصاغها صيغة مفردة وبناها على وزن جذع المتحرك أوله، فاستغنى بحركة بائها عن اجتلاب الهمزة لها وإدخالها عليها، وهذه التاء المتطرفة في بنت وفي أخت أيضاً هي تاء أصلية، تثبت في الوصل والوقف التاء المتطرفة في بنت وفي أخت أيضاً هي تاء أصلية، تثبت في الوصل والوقف وليست للتأنيث على الحقيقة؛ لأن تاء التأنيث يكون ما قبلها مفتوحاً كالميم في فاطمة والراء في شجرة، إلا أ، تكون ألفاً كالألف في قطاة وقناة. ولما كان ما قبل التاء في بنت وأخت ساكناً وليس بألف دل على أن التاء فيهما أصلية، وأكثر اللغتين فيهما استعمالا ابنة، وبه نطق القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران﴾ وفي قوله سبحانه إخباراً عن خطاب «شعيب» «لموسى» ﵉: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ وعليه قول «أبي العميثل»: (لقيت ابنة السهمي زينب عن عفر ... ونحن حرام مسي عاشرة العشر) ــ (ويقولون: ابنة بكسر الباء مع همزة الوصل، وهو من أقبح أوهامهم). الأولى ترك مثل هذا فإنه لا يصدر عن عاقل، وقوله: (هي تاء أصلية) اعترض

стр. 400

(فكلمتها [ثنتين] كالماء منهما ... وأخرى على لوح أحر من الجمر) أراد بالكلمة الأولى تحية القدوم، وبالأخرى سلام الوداع. ــ عليه بأن التاء زائدة لا أصلية، فلا وجه لما ذكره، ويدفع بأن مراده بأصالتها أنها عوض عن حرف أصلي، وهو لام الكلمة، أو كالأصلية لأنها للإلحاق بنحو جذع، لكنه تسمح في العبارة اعتماداً على ظهور المراد منه.

стр. 401

[١٠٧]- تقول: استقبلت قافلة الحجاج لا ودعتها ويقولون: ودعت قافلة الحاج، فينطقون بما يتضاد الكلام فيه، لأن التوديع إنما يكون لمن يخرج إلي السفر، والقافلة اسم للرفقة الراجعة إلي الوطن، فكيف يقرن بين اللفظتين مع تنافي المعنيين؟ ووجه الكلام أن يقال: تلقيت قافلة الحاج أو استقبلت قافلة الحاج. ويشاكل هذا التناقض قولهم: رب مال كثير أنفقته، ــ (ويقولون: ودعت قافلة الحاج، فينطقون بما يتضاد الكلام فيه؛ لأن التوديع إنما يكون لمن يخرج إلي السفر). تبع في هذا «ابن قتيبة» وليس بشيء لأن الرفقة سميت قافلة قبل قفولها تفاؤلا، وقال «الصاغاني» في كتاب «الذيل والصلة»: من قال القافلة للراجعة من السفر فقد غلط بل ذلك للمبتدئة في السفر تفاؤلا لها بالرجوع، كما قاله «الأزهري» اهـ. وهذا في كلامهم كثير كقولهم للدمل: دمل قبل اندماله، وللديغ: سليم قبل سلامته، وللبيداء: مفازة، والقياس فيها أن يقال مهلكة في قول، وقال «الأصمعي»: سميت مفازة لأن من قطعها ونجا منها فاز. وحكى اللغويون أيضاً أنه يقال: فاز الرجل فوزاً إذا هلك، وهذا من محاسن العربية فهذا كما قال «البحتري»: (إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي: كيف أعتذر؟ ) ومن لطائف «زيد الدين بن العجمي»:

стр. 402

فينقضون أول كلامهم بآخره، ويجمعون بين المعنى وضده، لأن رب للتقليل فكيف يخبر بها عن المال الكثير؟ . ــ (سرى قلبي المضني خلال ركابهم ... ونجم سروري بعد بعدهم أفل) (وقد فتح التسهيد أجفان مقلتي ... وسار منامي خلف قلبي وما قفل) وما ذكره في (رب) مردود لأنها ترد للتكثير كثيراً، حتى ادعى بعض أهل العربية أنه أصل معناها، وأبته بقول «الأعشى»: (رب وفد فارقته ذلك اليوم ... وأسرى من معشر أقيال)

стр. 403

[١٠٨]- تقول: هو أحسن إنصافً وليس أنصف منه ويقولون: فلان أنصف من فلان، إشارة إلي أ، هـ يفضل في النصفة عليه، فيحيلون المعنى فيه؛ لأن معنى هو أنصف منه، أي أقوم منه بالنصافة التي هي الخدمة، لكونه مصدر نصفت القوم أي خدمتهم، فأما إذا أريد به التفضيل في الإنصاف، فلا يقال إلا هو أسحن إنصافاً منه أو أكثر إنصافاً، وما أشبه ذلك، والعلة فيه أن الفعل من الإنصاف: أنصف. وأفعل الذي للتفضيل لا يبني إلا من الفعل الثلاثي لتنظيم حروفه فيه، إذا لو بني مما جاوز الثلاثي لاحتيج إلي حذف جزء منه، ولو فعل ذلك لاستحال البناء هدماً والزيادة المجتلبة له لما. فأما قول «حسان بن ثابت»: (كلتاهما حلب العصير فعطاني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل) فإنما قال أرخهما، والقياس أن يقال: أشدهما إرخاء، لأن أصل هذا الفعل رخو، فبناه منه، كما قالوا: ما أحوجه إلي كذا فبنوه من حوج، وإن كان قياسه أن يقال: ما أشد حاجته. ــ (ويقولون: فلان أنصف من فلان إشارة إلي أنه يفضل في النصفة عليه، فيحرفون القول ويحيلون المعنى فيه، لأن معنى هو أنصف منه بالنصافة التي هي الخدمة لكونها مصدر نصفت القوم أي خدمتهم، فإذا أريد التفضيل في الإنصاف فلا يقال إلا هو أحسن إنصافاً منه أو أكثر إنصافاً). إنكاره لأنصف ليس من الإنصاف كما قال ابن بري)، والذي أداه إلي ارتكاب مثله ما اشتهر من أن «أفعل» لا يصاغ إلا من الثلاثي، لكن إذا جاء النص هرب القياس، وقد ورد سماعه كما ورد: هو أيسر منه، وأمثاله. وحكى «أبو القاسم الزجاجي» أن «حسان بن ثابت» -رضي الله تعالى عنه- لما أنشد النبي ﷺ قوله:

стр. 404

حكاية أدبية ولهذا البيت حكاية يحسن أن نعقب بروايتها، ويضوع نشره بنشر ملحتها، وهي ما رواه «أبو بكر محمد بن أبي القاسم الأنباري» عن أبيه، قال: حدثنا «الحسن بن عبد الرحمن الربعي» قال: حدثنا «أحمد بن عبد الملك بن أبي الشمال السعدي» قال: حدثنا «أبو ظبيان الحماني» قال: اجتمع قوم على شراب لهم فغناهم مغنيهم بشعر «حسان»: (إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت. قتلت. فهأتهأ لم تقتل) (كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل) فقال بعضهم: امرأته طالق إن لم أسأل الليلة «عبيد الله بن الحسن القاضي» عن علة هذا الشعر- لم قال: إن التي فوحد ثم قال: كلتاهما فثنى؟ ــ (أتهجوه ولست له بكف ... فشركما لخير كما الفداء) قالت الصحابة: يا رسول الله، هذا أنصف بيت قالته العرب، فتكلموا بأنصف، وعليه أيضا قول الشاعر: (وأنصف الناس في كل المواطن من ... يسقي المعادين بالكأس الذي شربا) ومما اتفق هنا أنهم قالوا: يتوصل إلى تفضيل المزيد بلفظ أشد مع أن أشد أيضا مخالف للقياس، لكنه لما سمع اتخذوه سلما لما خالف القياس.

стр. 405

فأشفقوا على صاحبهم، وتركوا ما كانوا عليه، ومضوا يتخطون القبائل حتى انتهوا إلى «بني شفرة» و «عبيد الله بن الحسن» يصلي عندهم، فلما فرغ من صلاته قالوا: قد جئناك في أمر دعتنا إليه ضرورة وشرحوا له خبرهم، وسألوه الجواب، فقال: إن التي ناولتني فرددتها، عنى بها الخمر الممزوجة بالماء، ثم قال من بعد: كلتاهما حلب العصير، يريد الخمر المتحلبة من العنب والماء المتحلب من السحاب المكنى عنه «بالمعصرات» في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا﴾. قال الشيخ الأوحد العالم الرئيس «أبو محمد» هذا ما فسره «عبيد الله بن الحسن القاضي»، وكان ممن يرمق بالمهابة ولا يسمح بالدعابة. وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى كشف سره وتبيان نكته. أما قوله: «إن التي ناولتني فرددتها قتلت. قتلت» فإنه خاطب به الساقي، الذي كان ناوله كأسا ــ فأما قول «حسان بن ثابت»: (كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل) هو من قصيدة مدح بها «آل جفنة» ملوك الشام قبل الإسلام، وأكثر مدائحه فيهم، وأولها: (أسألت رسم الدار أم لم تسأل ... بين الجوابي فالنصيح فحومل) ومنها: (لله در عصابة نادمتهم ... يوما «بجلق» في الزمان الأول) (أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر «ابن مارية» الجواد المفضل) (يسقون من ورد البريض عليهم ... بردي يصفق بالرحيق السلسل) (يسقون درياق المدام ولم يكن ... يغدو ولائدهم بنقف الحنظل) (بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول) (يغشون حتى ما نهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل)

стр. 406

ممزوجة، لأنه يقال: قتلت الخمر إذا مزجتها، فكأنه أراد أن يعلمه أنه قد فطن لما فعله، ثم ما اقتنع بذلك حتى دعا عليه بالقتل في مقابلة المزج، وقد أحسن كل الإحسان في تجنيس اللفظ أنه أعقب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم يقتل، يعني الصرف التي لم تمزج. وقوله: أرخاهما للمفضل، يعني به اللسان، وسمي مفصلا بكسر الميم، لأنه يفصل بين الحق والباطل، وليس ما اعتمده «عبيد الله بن الحسن» من الإسماح وخفض الجناح مما يقدح في نزاهته أو يغض من نبله ونباهته. ــ (فلبثت أزمانا طوالا فيهم ... ثم اذكرت كأنني لم أفعل) (أو ما ترى رأسي تغير لونه ... شمطا فأصبح كالثغام الممحل) (ولقد شربت الخمر في حانوتها ... صهباء صافية كطعم الفلفل) (يسعى إلي بكأسها متنطق ... فيعلني منها وإن لم أنهل) (إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت- قتلت- فهاتها لم تقتل) (كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل) ثم إن قوله: إن التي ناولتني إلخ عنى بها الخمر الممزوجة بالماء، ثم قال: كلتاهما حلب العصير يريد الخمر المتحلبة من العنب والماء المتحلب من السماء المكنى عنه بالمعصرات في قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا﴾. قال «أبو محمد»: هذا ما فسره «عبد الله بن الحسن القاضي»، وقد بقي في الشعر ما يحتاج إلى كشف سره وتبيان نكته. أما قوله: إن التي إلخ فإنه خاطب به الساقي الذي كان ناوله كأسا ممزوجة (لأنه يقال: قتلت الخمر إذا مزجتها) قال «الراغب»: أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال: قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موت، واستعير على سبيل المبالغة فقيل: قتلت الخمر بالماء إذا مزجته، ووجه الاستعارة فيه أنه يزيل شدتها وسورتها، فجعلت نشأتها كروحها، أو جعلت بسكرها عدوا يستحق أن يقتل كما قلت:

стр. 407

حكاية أخرى: ويضارع هذه الحكاية في وطاءة القضاة المتقشفين للمستفتين وتلاينهم في مواطن اللين، ما حكي أن «حامد بن العباس» سأل «علي بن عيسى» في ديوان الوزارة عن دواء الخمار، وقد علق به، فأعرض عن كلامه وقال: ما أنا وهذه المسألة؟ فخجل «حامد» منه، ثم التفت إلى قاضي القضاة «أبي عمر» فسأله، فتنحنح القاضي لإصلاح صوته، ثم قال: قال الله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ وقال النبي ﷺ : «استعينوا في الصناعات بأهلها» و «الأعشى» هو المشهور بهذه الصناعة في الجاهلية، وقد قال: (وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها) ــ (قلت للندمان لما ... مزقوا برد الدياجي) (قتلتنا الراح صرفا ... فاقتلوها بالمزاج) (فكأنه أراد أن يعلمه أنه قد فطن لما فعله، ثم ما اقتنع بذلك حتى دعا عليه بالقتل

стр. 408

ثم تلاه «أبو نواس» في الإسلام فقال: (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء) فأسفر وجه «حامد» وقال «لعلي بن عيسى»: ما ضرك يا بارد أن تجيب ببعض ما أجاب به قاضي القضاة، وقد استظهر في جواب المسألة بقول الله تعالى أولا، ثم بقول الرسول ﷺ ثانيا، وبين الفتيا وأدى المعنى، وتفصى من العهدة؟ . فكان خجل «علي بن عيسى» من «حامد» بهذا الكلام أكثر من خجل «حامد» منه لما ابتدأه بالمسألة. ــ في مقابلة المزج، وقد أحسن كل الإحسان في تجنيس اللفظ، ثم إنه عقب الدعاء عليه بأن استعطى منه ما لم تقتل، يعني الصرف التي لم تمزج، وقوله: أرخاهما للمفصل يعني به اللسان، ويسمى مفصلا بكسر الميم، لأنه يفصل بين الحق والباطل). فيما نقله خلل من وجوه، منها أن معنى أرخاهما أشدهما إرخاء لا رخاوة، فقوله: أصل هذا الفعل رخو لا يجدي نفعا، لأن كون أصله كذلك مع أنه غير مراد لا يصححه. ومنها أن «ابن الشجري» قال في «أماليه» بعدما نقل هذا الكلام: إن فيه فساداً من رجوه ثلاثة: الأول: أن «كلتاهما» حينئذ عبارة حد عن مؤنثين، والماء ليس بمؤنث وليس له اسم مؤنث، حتى يعتبر كما في قولهم: أتته كتابي أي صحيفتي، والتغليب إنما يكون للمذكر على المؤنث. الثاني: أن أرخاهما اسم تفضيل فيقتضي أن يكون في الماء إرخاء للمفصل والخمر أزيد منه وهو باطل؛ إذ ليس فيه إرخاء أصلا.

стр. 409

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثالث: أنه قال في الحكاية: فالحلب عصير العنب، وفي بيت «حسان» حلب العصير، فيلزم إضافة الشيء إلى نفسه. وعندي أنه أراد: كلتا الخمرتين أو الكأسين: الصرف والممزوجة حلب العنب، فناولني أشدهما إرخاء للمفصل يعني الصرف، وقد أسلفنا لك ما في تغليب المؤنث على المذكر فتذكر. وقوله: إن الماء لا إرخاء فيه فيه ما لا يخفى، والإضافة المذكورة من إضافة الأعم للأخص، وقال «ابن بري» تسمية ماء السحاب أو السحاب عصيراً ليس بمعروف، وهي معصرات من الإعصار وهو الإلجاء من المكروه، وقد روى المفصل هنا بفتح الميم وكسر الصاد على أنه واحد مفاصل الأعضاء. وقوله: (وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها) هو من قصيدة «للأعشى» وبعده: (كي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت اللذاذة من بابها) وقوله: (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء) مطلع قصيدة «لأبي نواس» مشهورة، ومنها: (صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء) ومن العجب هنا ما في «الحواشي الحسنية» للمطول من أنه لما ذكر هذا البيت قال: هو في وصف الذهب، وقيل: هي الخمر.

стр. 410

[١٠٩]- الفرق بين جنب واجنب ويقولون لمن أصابته الجنابة: قد جنب، فيوهمون فيه لأن معنى جنب أصابته ريح الجنوب، فأما من الجنابة فيقال فيه: أجنب، وجوز «أبو حاتم السجستاني» فيه جنب، واشتقاقه من الجنابة وهي البعد، فكأنه سمي بذلك لتباعده عن المساجد إلى أن يغتسل. فأما قول «ابن عباس». ﵁: الإنسان لا يجنب والثوب لا يجنب فأراد به أن الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب، وكذلك الثوب إذا لبسة الجنب. ــ (ويقولون: لمن أصابته جناية: قد جنب فيوهمون فيه). يقال: أجنب وجنب كما في «الفائق» وغيره، وقد حكاه عن «السجستاني» فلا معنى لعده من الأوهام إلا فضول الكلام.

стр. 411

[١١٠]- حذف ياء ثمان ويقولون: عندي ثمان نسوة وثمان عشرة جارية وثمانمائة درهم، فيحذفون الياء من ثمان في هذه المواطن الثلاثة، والصواب إثباتها فيها فيقال: ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم، لأن الياء في ثمان ياء المنقوص، وياء المنقوص تثبت في حال الإضافة وحالة النصب كالياء في قاض، فأما قول «الأعشى»: (ولقد شربت ثمانياً ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا) فإن حذف الياء لضرورة الشعر كما حذفت من المنقوص المعرف في قول الشاعر: (وطرت بمنصلي في يعملات ... دوامي الأيد يخبطن السريحا) يريد الأيدي، وقد جوز في ضرورات الشعر حذف الياءات من أواخر الكلم والاجتزاء عنها بالكسرة الدالة عليها كقول الراجز: (كفاك كف ما تليق درهما ... جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما) ــ (يحذفون الياء من ثمان والصواب إثباتها). قال «ابن بري»: الكوفيون يجيزون حذف هذه الياء في الشعر وأنشد عليه «ثعلب»: (لها ثنايا أربع حسان ... وأربع فثغرها ثمان) وفيه نظر. وقوله (يخبطن السريحا) السريح قطعة من قد وجلد، وقوله: (قد جوز في

стр. 412

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ضرورات الشعر حذف الياء) إلخ، فيه أنه وقع في القرآن في قوله تعالى: ﴿والليل إذا يسر﴾ فكيف يعد من الضرورة؟

стр. 413

[١١١]- قولهم: ابتعت عبداً وجارية أخرى ويقولون: ابتعت عبداً وجارية أخرى فيوهمون، لأن العرب لم تصف بلفظتي آخر وأخرى إلا ما يجانس المذكور قبله، كما قال سبحانه: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾، وكما قال تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، فوصف. جل اسمه. مناة بالأخرى لما جانست العزى واللات، ووصف الأيام بالأخر لكونها من جنس الشهر، والأمة ليست من جنس العبد لكونها مؤنثة وهو مذكر، فلم يجز لذلك أن تتصف بلفظة أخرى، كما لا يقال: جاءت هند ورجل آخر، والأصل في ذلك أن آخر من قبيل أفعل الذي تصحبه من، ويجانس المذكور بعده. يدل على ذلك أنك إذا قلت: قال «الفند الزماني» وقال أخر، كان تقدير الكلام وقال آخر من الشعراء، وإنما حذفت لفظة من لدلالة الكلام عليها وكثرة استعمال آخر في النطق وأما قول الشاعر: ــ (ويقولون: ابتعت عبداً وجارية أخرى، فيوهمون فيه لأن العرب لم تصف بلفظتي آخر وأخرى وجمعهما إلا ما يجانس المذكور قبله، كما قال تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾. هذا ما قاله كثير من النحاة وأهل اللغة، وقال نجم الأثمة «الرضي»: آخر لا يستعمل إلا فيما كان من جنس ما تقدم، فلا يقال: زيد وامرأة أخرى، ولا عبرة بقول بعض النجاة: إنه يجوز أفرس وحمار آخر، لأنهما من جنس المركوب، وقال «أبو حيان»: اختار «الزمخشري» و «ابن عطية» في قوله تعالى: ﴿ويأت بآخرين﴾ أن يكونوا من غير جنس الناس، وهذا خطأ، وكونه من قبيل المجاز، كما قيل: لا يتم به المراد لمخالفته لاستعمال العرب، فإن غير تقع على المغاير في جنس أو وصف، وآخر لا تقع إلا على المغايرة في أبعاض جنس واحد.

стр. 414

صلي على «عزة» الرحمن وابنتها ليلى وصلي على جاراتها الأخر فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها لتكون الأخر من جنسها، ولولا هذا التقدير لما جاز أن يعقب ذكر البنت بالجارات، بل كان يقول: وصلى على بناتها الأخر. ــ وفي «الدر المصون» أن هذا غير متفق عليه، إلا أنه يرد على «الزمخشري» أن آخرين صفة لموصوف محذوف، والصفة لا تقوم مقام موصوفها إلا إذا كانت خاصة نحو مررت بكاتب، أو إذا دل الدليل على تعيين الموصوف، وهنا ليست بخاصة فلا بد أن يكون من جنس الأول لتدل على المحذوف. وقال «ابن يسعون» و «الصقلي» وجماعة: إن العرب لا تقول مررت برجلين وآخر؛ لأنه يقابل آخر ما كان من جنسه تثنية وجمعاً وإفراداً، وقال «ابن هشام» في تذكرته- ومن خطه نقلت هذا-: غير صحيح لقول «ربيعة بن مكدم»: (ولقد شفعتهما بآخر ثالث ... وأبى الفرار إلى الغداة تكرمي) وقال «أبو حية النميري»

стр. 415

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (وكنت أمشي على ثنتين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر) وإنما يعنون بكونه من جنس ما قبله أن يكون اسم الموصوف بآخر في اللفظ أو التقدير يصح وقوعه على المتقدم الذي قوبل بآخر جهة التواطؤ، ولذلك لو قلت: جاءني زيد وآخر كان سائغا لأن التقدير ورجل آخر، وكذا جاءني زيد وأخرى تريد نسمة آخرى، وكذا اشتريت فرساً ومركوباً آخر سائغ وإن كان المركوب الآخر جملاً، لوقوع المركوب عليهما بالتواطؤ، فإن كان وقوع الاسم عليهما على جهة الاشتراك المحض فإن كانت حقيقتهما واحدة جازت المسألة، نحو قام أحد الزيدين وقعد الآخر، وإن لم تكن حقيقتهما واحدة لم يجز لأنه لم يقابل به ما هو من جنسه نحو رأيت المشتري والمشتري الآخر، تريد بأحدهما الكوكب وبالآخر مقابل البائع. وهل يشترط في التواطؤ اتفاقهما في التذكير؟ فيه خلاف، فذهب «المبرد» إلى عدم اشتراطه فيجوز: جاءتني جاريتك وآخر، واشترطه «ابن جني»، والصحيح ما ذهب إليه «المبرد» بدليل قول «عنترة»: (والخيل تقتحم الغبار عوابسا ... من بين شيظمة وآخر شيظم) وما ذكره من أن آخر يقابل به ما تقدمه من جنسه هو المختار، وإلا فقد يستعملونه من غير أن يتقدمه شيء من جنسه، وزعم «أبو الحسن» أن ذلك لا يجوز إلا في الشعر، فلو قلت: جاءني آخر من غير أن تتكلم قبله بشيء من صنفه لم يجز، ولو قلت: أكلت رغيفاً، وهذا قميص آخر لم يحسن، وأما قول الشاعر: (صلى على «عزة» الرحمن وابنتها ... «ليلى» وصلى على جاراتها الأخر فمحمول على أنه جعل ابنتها جارة لها) وقابلت أخر وهو جمع بابنتها وهو مفرد، وزعم «السهيلي» أن أخرى في قوله تعالى: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ استعملت من غير أن يتقدمها شيء من صنفها، لأنه عنى بها «مناة» الطاغية التي كانوا يهلون إليها بقديد، فجعلها ثالثة للات والعزى وأخرى لمناة التي كان يعبدها «عمرو بن الجموح» وغيره من قومه، مع أنه لم يتقدم لها ذكر.

стр. 416

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصواب عندي أنه جعلها أخرى بالنظر إلى اللات والعزى، وساغ ذلك لأن الموصوف بالأخرى وهو الثالثة يصح وقوعه على اللات والعزى، ألا ترى أن كل واحدة منهن ثالثة بالنظر إلى صاحبتها؟ وإنما اتجه عندي هذا لما ذكره «أبو الحسن» من أن استعمال آخر وأخرى من غير أن يتقدمهما صنفهما لا يجوز إلا في الشعر. اهـ. ومن «المسائل الصغرى» «للأخفش» لا تستعمل العرب لفظ آخر إلا فيما هو من صنف ما قبله، فلو قلت: أتاني صديق لك وعدو لك آخر لم يحسن لأنه لغو من الكلام، وهو يشبه سائر وبقية وبعض في أنه لا يستعمل إلا في جنسه، فلو قلت: ضربت رجلاً وتركت سائر النساء لم يكن كلاماً. وفي الحديث أنه ﷺ «وجد خفة في مرضه فقال: انظروا من أتكى عليه، فجاءت «بريرة» ورجل آخر فاتكأ عليهما». وليس المراد بالجنس [الجنس] المنطقي بل ما يشمل النوع والصنف والحاصل أنه لا يشترط على الأصح اتفاقهما في الإفراد والتذكير وما يقابلهما، وإنما يشترط أن يكون بينه وبين ما قبله اشتراك في معنى قصد اشتراكهما فيه لئلا يلغو الوصف. وقوله قال (الفند الزماني) هو شاعر من شعراء الحماسة، والفند بفاء مكسورة ونون ساكنة ودال مهملة ومعناه في الأصل قطعة الحبل العظيمة، لقب به لعظم خلقه، أو لأنه قال لأصحابه يوم حرب: استندوا إلي فإنى لكم فند، قاله «المرزوقي». والزمانى بكسر الزاي المعجمة وتشديد الميم، نسبة إلى «زمان» أبو حي من بكر، كما في «الصحاح».

стр. 417

[١١٢] صحة جمع بيضاء وسوداء ويقولون في جمع بيضاء وسوداء وخضراء: بيضاوات وسوداوات وخضراوات، وهو لحن فاحش، لأن العرب لم تجمع فعلاء التي هي مؤنث أفعل بالألف والتاء بل جمعته على فعل نحو: خضر وسود وصفر، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود﴾ والعلة فيه أنه لما كان هذا النوع من المؤنث على غير لفظ المذكر ومبنياً على صيغة أخرى قل تمكنه وامتنع من الجمع بالألف والتاء، كما امتنع مذكره من الجمع بالواو والنون، فأما قوله ﷺ : «ليس في الخضراوت صدقة» فالخضراء هنا ليست بصفة بل هي اسم جنس للبقلة، وفعلاء في الأجناس تجمع بالألف والتاء نحو بيداء وبيداوات وصحراء وصحراوات وكذلك إذا كانت صفة خارجة عن مؤنث أفعل نحو نفساء ونفساوات. ــ (ويقولون في جمع بيضاء وسوداء وخضراء: بيضاوات وسوداوات وخضراوات، وهو لحن فاحش، لأن العرب لم تجمع فعلاء الذي هو مؤنث أفعل بالألف والتاء، بل جمعته على فعل نحو خضر) [هذا مشروط بأن لا ينقل إلى الاسمية حقيقة أو حكماً كسوداء إذا جعل علما، وكخضراء في الحديث: «ليس في الخضراوات صدقة» لأنه غلب على البقول، حتى شمل الأخضر وغيره، وقد صرح بصحته كما ورد في الحديث، قاله «المبرد» في كتاب «المقتضب». وأما خضروات بضم الخاء الجاري على ألسنة الناس فقال في «الطلبة»: لا وجه له، وقال بعضهم: الصحيح فيه خضروات جمع خضرة. اهـ]. (والعلة فيه أنه لما كان هذا النوع من المؤنث على غير لفظ المذكر، ومبنياً على صيغة أخرى قل تمكنه وامتنع من الجمع بالألف والتاء، كما امتنع مذكره من الجمع بالواو والنون) [هذا منقوض بأفعل التفضيل فإنه يجمع بالواو والنون، فيقال: أفضلون قياساً مطرداً مع أن مؤنثه على صيغة أخرى وهي فضلى، فتدبر].

стр. 418

[١١٣]- الطول والطوال ويقولون: السبع الطول بكسر الطاء، فيلحنون فيه، لأن الطول هو الحبل، ووجه الكلام أن يقال: السبع الطول بضم الطاء لأنها جمع الطولى، وكل ما كان على وزن فعلى التي هي مؤنث أفعل جمع على وزن فعل، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إنها لإحدى الكبر﴾ وهي جمع كبرى.

стр. 419

[١١٤]- قولهم في نداء الأبوين ويقولون عند نداء الأبوين: يا أبتي ويا أمتي، فيثبتون ياء الإضافة فيهما مع إدخال تاء التأنيث عليهما، قياسا على قولهم: يا عمتي، وهو وهم يشين وخطأ مستبين، ووجه الكلام أن يقال: يا أبت ويا أمت بحذف الياء والاجتزاء عنها بالكسرة، كما قال تعالى: ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾ ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا﴾، أو يقال: يا أبتا ويا أمتا بإثبات الألف، والاختيار أن يوقف عليهما بالهاء، فيقال: يا أبه ويا أمه، فإن قيل: فكيف دخلت تاء التأنيث على الأب وهو مذكر؟ فالجواب: أنه لا غرو في ذلك، ألا ترى أنهم قالوا: رجل ربعة ورجل فروقة، فوصفوا المذكر بالمؤنث، وقالوا: امرأة حائض فوصفوا المؤنث بالمذكر، وإنما يستعمل ما ذكرناه في النداء خاصة، فأما قولهم: عمتي وخالتي فإن التاء فيهما تثبت في غير موطن النداء. ــ (يا أبتي ويا أمتي فيثبتون ياء الإضافة فيهما مع إدخال ياء التأنيث عليهما قياساً على قولهم: عمتي وهو خطأ). إذا كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم أباً أو أماً ففيه لكثرة استعماله لغات بفتح وبكسر وبضم أو يؤتى بألف مع التاء كما قال: يا أبتا علك أو عساكا ... اختلفوا في هذه التاء فقال الكوفيون: هي لتأنيث الكلمة وياء المتكلم مقدرة بعدها، ورد لجواز قلبها هاء في الوقف، ولو كان بعدها ياء لم يجز. وذهب البصريون إلى أنها عوض من ياء الإضافة، ولذلك لا يجمع بينهما فلا يقال: يا أبتي ويا أمتي إلا ضرورة، والصحيح أنه ليس بضرورة إلا أنه شاذ، لأنه قرى في قوله تعالى ﴿يا حسرة على ما فرطت﴾. يا حسرتي كما في «الكشاف».

стр. 420

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقول المصنف: إنه خطأ خطأ، ومن غريب هذه الكلمة قولهم فيها: يا أبات، كما قال الشاعر: (تقول ابنتي لما رأتني شاحباً ... كأنك فينا يا أبات غريب) [فيا أبات غريب غريب]، وخرج على أن أبا مقصور والتاء عوض عن ياء المتكلم، فكان الأصل يا أباي، وقيل الألف فيه إشباع.

стр. 421

[١١٥]- عيرته كذا لا بكذا ويقولون: عيرته بالكذب، والأفصح أن يقال: عيرته الكذب بحذف الباء، كما قال «أبو ذؤيب»: (وعيرتي الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) عبد الله بن الزبير يتمثل بعجز هذا البيت وتمثل بعجز هذا البيت «عبد الله بن الزبير» حين ناداه أهل الشام لما حصر في المسجد الحرام: يابن ذات النطاقين. فقال: إيه والله، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. أي زائل عنك، والعرب تقول: اللؤم ظاهر عنك والنعمة ظاهرة عليك، أي ملازمة لك. وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أم تنبئونه بمالا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾ أي بباطل من القول، ولم يسمع في كلام بليغ ولا شعر فصيح ــ (ويقولون: عيرته بالكذب، والأفصح أن يقال: عيرته الكذب بحذف الباء) قال «ابن بري»: قد جاء تعدية عيرته بالياء في كلام فصحاء من العرب كقول «عدي بن زيد» (أيها الشامت المعير بالشيب ... أأنت المبرأ الموفور)

стр. 422

تعدية عيرته بالباء. فأما من روى بيت «المقنع الكندي»: (يعيرني بالدين قومي وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدا) فهو تحريف من الراوي في الرواية، والرواية الصحيحة: يعاتبني في الدين قومي. ــ وقال أيضاً: (أيها الشامت المعير بالشيب ... أقلن بالشباب افتخارا) وقال «الصلتان» «لجرير»: (أعيرتنا بالنخل إن كان مالنا ... لود أبوك الكلب لو كان ذا نخل) ثم إنه لا شاهد له فيما أنشده على تعديه بنفسه لاطراد حذف الجار مع أن وإن، والشاهد قول «حميد بن ثور» (أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار «يابن ريطة» ظاهر)

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول «ليلى» [الأخيلية]» أعيرتني داء بأمك مثله ... مع أبيات أنشدها، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد، وإذا اتسع الخاتم سقط. ثم إن قوله: (الأفصح) ينافي قوله: (لم يسمع في كلام بليغ ولا شعر فصيح)، وذكر الإمام «المرزوقي» أنهما جائزان، وكذا في شرح «البخارى»: غيرته نسبته إلى العار وعيبته، يقال: عيرته كذا وبكذا. وقوله: (عيرتني ... البيت) هو من قصيدة «لأبي ذؤيب الهذلي» يرثي بها بعض قومه أولها: (هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... إلا طلوع الشمس ثم غيارها) (أبى القلب إلا أم عمرو فأصبحت ... تحرق ناري بالشكاة ونارها) (وعيرها الواشون أنى أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) يعني كما قال «المرزوقي» في شرح ديوانه: أنه يريد تشجيعها، ويقول [إن التعيير زائل عنك لأن مثلي لا يستنكف من صحبته، ويقال]: ظهرت لحاجتي وجعلتها بظهر أي لم تنظر فيها ولم تقضها، ويقال: أظهرت بها، وقوله (ظاهر) من هذا فهو بمعنى زائل لا بمعناه المشهور، وهو ظاهر لأخذه من جعلته بظهر، فهو في الأصل كناية عن تركه وزواله لا من الظهور، وهذا يتعدى بعن، وذاك باللام.

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأفاد المصنف أنه يكون بمعنى ملازم فيعدى بعلى، كما تقول العرب: اللؤم ظاهر عنك والنعمة ظاهرة عليك أي ملازمة، وهذا أيضاً من الكناية، ويجيء هذا بمعنى الغلبة، فيقال: ظهر على العدو وأظهره الله عليه، وبمعنى أطلع، ويكون بمعنى باطل كما فسر به قوله تعالى: ﴿أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾ والظاهر أنه من المعنى الأول. وروى: تلك وعنك وفتح الكاف فالخطاب لنفسه، أي تلك شكاة زائل من ناحيتك عارها، أي عيب هذه المقالة لا يلزم إذا كانت من جهتك، ويبعد أن يكون يريد تسلية نفسه بقوله: ظاهر عنك، لقوله: وعيرها دون عيرني. وإذا كسرت الكاف فهو ظاهر وفيه التفات، ويجوز أن يكون المعنى: أن اشتهارها بهذا الأمر محا عاره عنها لأن الأسماع قد ألفته والنفوس قد أنست به، فصار على تقرره وتكرره في القلوب، وقيام الناس وقعودهم بما يستعمله من العفاف فيه كالحلال والمباح، ويدل على [هذا] المعنى قوله فيما بعد: (فإن أعتذر منها فإني مكذب ... وإن تعتذر يردد عليك اعتذارها) (وقد تمثل بعجز هذا البيت «عبد الله بن الزبير» حيث نودي في المسجد الحرام في وقعته المشهورة: يابن ذات النطاقين، فقال: إيه وأبيه: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها). أي ما عد من معايبه هو عنده من المآثر والمناقب لأنه من السعادة، كما قال «أبو عبادة»: (إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي: كيف أعتذر) لأن أمه لقبت بذلك لما شقت نطاقها ليلة خروج النبي ﷺ إلى الغار فجعلت شقة منه لسفرة رسول الله ﷺ والأخرى عصابة لقربته.

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي «ربيع الأبرار» أن «عبد الله بن أبي بكر» أتى إلى الغار ليلاً بالسفرة ومعه «أسماء» وما كان للسفرة شناق [فشقت] من نطاقها شقة وجعلتها شناقاً، فقال لها النبي ﷺ : قد أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة. وقيل: كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى الغار، وقيل: كانت تظاهر بين نطاقين [لشدة التستر فسميت- ﵂ ذات النطاقين].
следующие страницы →