← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

[١١٥]- عيرته كذا لا بكذا ويقولون: عيرته بالكذب، والأفصح أن يقال: عيرته الكذب بحذف الباء، كما قال «أبو ذؤيب»: (وعيرتي الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) عبد الله بن الزبير يتمثل بعجز هذا البيت وتمثل بعجز هذا البيت «عبد الله بن الزبير» حين ناداه أهل الشام لما حصر في المسجد الحرام: يابن ذات النطاقين. فقال: إيه والله، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها. أي زائل عنك، والعرب تقول: اللؤم ظاهر عنك والنعمة ظاهرة عليك، أي ملازمة لك. وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أم تنبئونه بمالا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾ أي بباطل من القول، ولم يسمع في كلام بليغ ولا شعر فصيح ــ (ويقولون: عيرته بالكذب، والأفصح أن يقال: عيرته الكذب بحذف الباء) قال «ابن بري»: قد جاء تعدية عيرته بالياء في كلام فصحاء من العرب كقول «عدي بن زيد» (أيها الشامت المعير بالشيب ... أأنت المبرأ الموفور)

стр. 422

تعدية عيرته بالباء. فأما من روى بيت «المقنع الكندي»: (يعيرني بالدين قومي وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدا) فهو تحريف من الراوي في الرواية، والرواية الصحيحة: يعاتبني في الدين قومي. ــ وقال أيضاً: (أيها الشامت المعير بالشيب ... أقلن بالشباب افتخارا) وقال «الصلتان» «لجرير»: (أعيرتنا بالنخل إن كان مالنا ... لود أبوك الكلب لو كان ذا نخل) ثم إنه لا شاهد له فيما أنشده على تعديه بنفسه لاطراد حذف الجار مع أن وإن، والشاهد قول «حميد بن ثور» (أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار «يابن ريطة» ظاهر)

стр. 423

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقول «ليلى» [الأخيلية]» أعيرتني داء بأمك مثله ... مع أبيات أنشدها، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد، وإذا اتسع الخاتم سقط. ثم إن قوله: (الأفصح) ينافي قوله: (لم يسمع في كلام بليغ ولا شعر فصيح)، وذكر الإمام «المرزوقي» أنهما جائزان، وكذا في شرح «البخارى»: غيرته نسبته إلى العار وعيبته، يقال: عيرته كذا وبكذا. وقوله: (عيرتني ... البيت) هو من قصيدة «لأبي ذؤيب الهذلي» يرثي بها بعض قومه أولها: (هل الدهر إلا ليلة ونهارها ... إلا طلوع الشمس ثم غيارها) (أبى القلب إلا أم عمرو فأصبحت ... تحرق ناري بالشكاة ونارها) (وعيرها الواشون أنى أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها) يعني كما قال «المرزوقي» في شرح ديوانه: أنه يريد تشجيعها، ويقول [إن التعيير زائل عنك لأن مثلي لا يستنكف من صحبته، ويقال]: ظهرت لحاجتي وجعلتها بظهر أي لم تنظر فيها ولم تقضها، ويقال: أظهرت بها، وقوله (ظاهر) من هذا فهو بمعنى زائل لا بمعناه المشهور، وهو ظاهر لأخذه من جعلته بظهر، فهو في الأصل كناية عن تركه وزواله لا من الظهور، وهذا يتعدى بعن، وذاك باللام.

стр. 424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأفاد المصنف أنه يكون بمعنى ملازم فيعدى بعلى، كما تقول العرب: اللؤم ظاهر عنك والنعمة ظاهرة عليك أي ملازمة، وهذا أيضاً من الكناية، ويجيء هذا بمعنى الغلبة، فيقال: ظهر على العدو وأظهره الله عليه، وبمعنى أطلع، ويكون بمعنى باطل كما فسر به قوله تعالى: ﴿أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول﴾ والظاهر أنه من المعنى الأول. وروى: تلك وعنك وفتح الكاف فالخطاب لنفسه، أي تلك شكاة زائل من ناحيتك عارها، أي عيب هذه المقالة لا يلزم إذا كانت من جهتك، ويبعد أن يكون يريد تسلية نفسه بقوله: ظاهر عنك، لقوله: وعيرها دون عيرني. وإذا كسرت الكاف فهو ظاهر وفيه التفات، ويجوز أن يكون المعنى: أن اشتهارها بهذا الأمر محا عاره عنها لأن الأسماع قد ألفته والنفوس قد أنست به، فصار على تقرره وتكرره في القلوب، وقيام الناس وقعودهم بما يستعمله من العفاف فيه كالحلال والمباح، ويدل على [هذا] المعنى قوله فيما بعد: (فإن أعتذر منها فإني مكذب ... وإن تعتذر يردد عليك اعتذارها) (وقد تمثل بعجز هذا البيت «عبد الله بن الزبير» حيث نودي في المسجد الحرام في وقعته المشهورة: يابن ذات النطاقين، فقال: إيه وأبيه: وتلك شكاة ظاهر عنك عارها). أي ما عد من معايبه هو عنده من المآثر والمناقب لأنه من السعادة، كما قال «أبو عبادة»: (إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي: كيف أعتذر) لأن أمه لقبت بذلك لما شقت نطاقها ليلة خروج النبي ﷺ إلى الغار فجعلت شقة منه لسفرة رسول الله ﷺ والأخرى عصابة لقربته.

стр. 425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي «ربيع الأبرار» أن «عبد الله بن أبي بكر» أتى إلى الغار ليلاً بالسفرة ومعه «أسماء» وما كان للسفرة شناق [فشقت] من نطاقها شقة وجعلتها شناقاً، فقال لها النبي ﷺ : قد أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين في الجنة. وقيل: كان لها نطاقان تحمل في أحدهما الزاد إلى الغار، وقيل: كانت تظاهر بين نطاقين [لشدة التستر فسميت- ﵂ ذات النطاقين].

стр. 426

[١١٦]- قولهم: ابدأ به أولا ويقولون: ابدأ به أولا، والصواب أن يقال: ابدأ به أول بالضم، كما قال «معن بن أوس»: (لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول) وإنما بنى أول هنا لأن الإضافة مرادة فيه؛ إذ تقدير الكلام ابدأ به أول الناس، فلما اقتطع عن الإضافة بني كأسماء الغايات التي هي قبل وبعد ونظائرهما. ومعنى تسمية هذه الأسماء بالغايات أي قد جعلت غاية للنطق بعدما كانت مضافة، ولهذه العلة استوجبت أن تبنى لأن آخرها حين قطع عن الإضافة صار كوسط الكلمة، ووسط الكلمة لا يكون إلا مبنياً، وإنما بنيت على الضم لأنها في حالة الإضافة تعرب تارة بالنصب وأخرى بالجر، فخصت عند البناء بالضم الذي خالف حركتي إعرابها ليعلم به أنها مبنية لا معربة. ــ (ويقولون: ابدأ به أولاُ، والصواب: ابدأ به أول بالضم، كما قال «معن بن أوس»: (لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول) وإنما بنى أول هنا لأن الإضافة مرادة فيه؛ إذ تقدير الكلام: ابدأ به أول الناس، فلما قطع عن الإضافة بني كأسماء الغايات). لأول ثلاثة استعمالات: [الأول- أن يكون صفة بمعنى أسبق]، فيكون أفعل تفضيل وتجري عليه أحكامه، من جر المفضل عليه بمن، فيقال: أول من أمس، ويضاف ويعرف بأل ويثنى ويجمع إلا أنه اختص بحكم ليس لغيره من أسماء التفضيل، وهو جواز حذف المضاف إليه، وبناؤه على الضم حملا له على قبل وبعد، لأنه بمعنى قبل فأعطي حكم رديفه، فيقال: ابدأ بهذا أول بالضم، أي أول الأشياء، ولا يجوز هذا في غيره من أسماء التفضيل، ويجوز فتحه

стр. 427

على أن «أول» إذا أعرب لا يصرف لأنه على وزن أفعل وهو صفة، ولهذا قالوا: كان ذلك عاماً أول، وما رأيته مذ أول من أمس. ولم يسمع صرفه إلا في قولهم: ما تركت له أولاً ولا آخرا، فجعلوه في هذا الكلام اسم جنس، وأخرجوه عن حكم الصفة وأجروا هذا الكلام بمعنى ما تركت له قديماً ولا حديثاً. [ومن مفاحش ألحان العامة إلحاقهم هاء التأنيث بأول فيقولون: الأولة كناية عن الأولى، ولم يسمع في لغات العرب إدخالها على أفعل الذي هو صفة مثل أحمر وأبيض، ولا على الذي هو للتفضيل نحو أفضل وأول. ــ بلا تنوين لأنه ممنوع من الصرف للوزن والصفة، ويجوز جره بغير تنوين في: أول، على تقدير الإضافة إلى مقدر الثبوت. والثاني: أن يدخله معنى الظرفية، فينصب على الظرفية كغيره من الصفات المشربة معنى الظرفية كأسفل في قوله تعالى: ﴿والركب أسفل منكم﴾ لأنه صفة الظرف أو في حكمه، فتقول: ما رأيته مذ عام أول، أي ما رأيته عاماً قبل عامنا هذا. الثالث: أن يكون مجرداً عن الوصفية كسائر الأسماء الجامدة، فينصرف وينون كإفكل اسم للرعدة فيقال: ماله من أول ولا آخر [قال «أبو حيان]: وفي محفوظي أن مؤنث هذا أولة، فإن سميت به امتنع صرفه كأول الذي هو علم اليوم الأحد قديماً، وأسماء أيام الأسبوع هي هذه: (أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار) (أو التالي دبار أو فيومي ... بمؤنس أو عروبة أو شبار)

стр. 428

والعجب أنهم في حال صغرهم ومبدأ تعلمهم في مكاتبهم يقولون: جمادي الأولى فيلفظون بالصحيح، فإذا نبلوا ونبهوا أتوا باللحن القبيح]. ونظير «أول» في المبنيات على الضم أنك تقول: انحدر من فوق وأتاه من قدام واستردفه من وراء وأخذه من تحت، فتبنى هذه الأسماء على الضم، وإن كانت ظروف أمكنة لاقتطاعها عن الإضافة، وعلى ذلك قول الشاعر: (ألبان أبل تعلة بن مساور ... ما دام يملكها علي حرام) (لعن الإله تعلة بن مساور ... نا يصب عليه من قدام) أراد من قدامه، فلما حذف الضمير منه واقتطعه عن الإضافة بناه على الضم. ــ وقولهم: ابدأ به أول بتقدير أول من كذا، فحذف المفضل عليه، وهو جائز إلا أنه في أول الذي هو صفة لازم لكثرة استعمالهم إياه. هذا محصل ما في كتاب «سيبويه» وشروحه». (على أن أول إذا أعرب لا يصرف لأنه على وزن أفعل وهو صفة) هذا مما وهم فيه لأنه إذا اعرب يكون اسماً وصفة كما بيناه لك، وإعرابه وتنويه لا يختص بما ذكره من المثال، بل هو حيث كان اسماً أعرب كذلك. (ومن مفاحش ألحان العامة إلحاقهم هاء التأنيث بأول فيقولون: الأولة كتابة عن الأولى، ولم يسمع في لغات العرب إذحال الهاء على أفعل الذي هو صفة) إلخ. في شرح «الفصيح» «للمرزوقي» كان ذلك عاماً أول لا ينون أول لأنه لا ينصرف في المعرفة والنكرة جميعاً لكونه أفعل صفة، ولذلك كان مؤنثه أولى، فأما إجازتهم الأولة فلأنهم يستعملونها مع الآخرة كثيراً وهي فاعلة نحو قوله تعالى: ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾. وقال أيضاً: ﴿فأخذه الله نكال الآخرة والأولى﴾، وإنما قلت استعمل معه كثيراً لأنه قد جاء: ﴿وقالت أولاهم لأخراهم﴾. وقال: ان سوف تلحق أولانا بأخرانا

стр. 429

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحكم على الأول بأنه أفعل قول البصريين، وفاؤه وعينه واو، وهو نادر مثل وون، والهمزة من الأولى بدل لازم من الواو فيه لاجتماع واوين الولى مضمومة، وأصله وولي، وقال «الدريدي»: أول فوعل وليس بأفعل، فقلبت الواو الأولى همزة وأدغمت واو فوعل في عين الفعل. اهـ. ومن هنا يعرف أن من قال أولة خطأ [أخطأ]، لإثبات الثقات لها «كالمرزوقي» وإمام أهل العربية «أبو حيان»، وفي «منتهى الأرب» يقال: أولى وأولة، وفي «الأساس» يقال: جمل أول وناقة أولة إذا تقدما الإبل، وما علل به المنع من أنه صفة لا تلحقه التاء وهم منه، لأنه اسم جامد كأفكل، وهذا من الفوائد النفيسة. وقول «المرزوقي» أن الأولى تقابلها العرب بأخرى تارة وبالآخرة أخرى، وبه جاء السماع مما ينبغي التنبه له، كما قاله «ابن هشام» في تذكرته. وفي قول «ابن دريد» وزن أول فوعل نظر يعلم مما قدمناه أولا [وما أنشده المصنف «لمعن بن أوس» المزني من قصيدة له مذكورة في الحماسة وشروحها، وأوجل في البيت مضارع وجل بمعنى خاف، أو صفة بمعنى وجل كأخشن وخشن، والمنية الموت].

стр. 430

[١١٧]- سؤسن لا سوسن ويقولون لنوع من المشموم: «سوسن» بضم السين، فيوهمون فيه، كما أن بعض المحدثين ضمها فتطير من اسمه حين أهدي إليه وكتب إلى من أهداه له: (لم يكفك الهجر فأهديت لي ... تفاؤلاً بالسوء لي سوسنة) (أولها سوء وباقي اسمها ... يخبر أن السوء يبقى سنة) والصواب أن يقال فيه: سوسن بفتح السين، وكذلك يقال: روشن، بفتح الراء ليلحقها بما جاء على وزن «فوعل» بفتح الفاء نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب؛ إذ ما سمع في أمثلة «فوعل» إلا جؤذر في لغة بعضهم. ــ (ويقولون لهذا النوع من المشموم: سوسن بضم السين فيوهمون فيه، كما أن بعض المحدثين ضمها فتطير من اسمه وكتب إلى من أهدي إليه: (لم يكفك الهجر فأهديت لي ... تفاؤلا بالسوء لي سوسنة) (أولها سوء وباقي اسمها ... يخبر أن السوء يبقى سنة) والصواب أن يقال فيه: سوسن بفتح السين، وكذلك يقال: روشن بفتح الراء ليلحقا بما جاء على فوعل نحو جوهر وجورب وكوثر وتولب، إذ ما سمع في أمثلة العرب فوعل بالضم إلا جؤذر في قول بعضهم) هذا مع أنه غير صحيح يرد عليه فيه أمور: منها: أنه أنكر الضم في سوسن وقد حكاه «ابن المغربي» عن «ثعلب» كما حكاه صاحب «القاموس». ومنها: أن تخصيصه التطير بالضم لا وجه له؛ لأن التطير كما يكون في الضم يكون في الفتح لأن السوء والسوء بالضم والفتح متقاربان، وبهما قرى في القرآن الكريم. ومنها: أن قوله: لم يأت على فوعل بالضم إلا جؤذر خطأ من وجهين: لأن جؤذر وزنه فعلل ولو خففت همزته بإبدالها واوآ لم يخرج عن وزنه. ولأنه حكى عن «ثعلب» أنه قال: لم يأت على فوعل إلا سوسن وصوبج، وهو ما يبسط الخباز عليه الرقاق، والعامة تقول له: سوبق، وجؤذر، وهو ولد البقرة الوحشية- وقيل إنه معرب- وتولب وهو جحش الحمار.

стр. 431

[قال الشيخ. ﵀: وقد أذكرني السوسن أبياتاً أنشدنيها «علي بن عبد العزيز» الأديب المعري «لأبي بكر بن القوطية» الأندلسي، يصف فيها السوسن، مما أبدع فيه وأحسن، فأوردتها على وجه التشذير لسمط هذا الفصل والتأبين لمن درج من أولي الفضل، وهي: (قم واسقنيها على الورد الذي نعما ... وبادر السوسن الغض الذي نجما) (كأنما ارتضعا خلفي سمائهما ... فأرضعت لبناً هذا وذاك دما) (جسمان قد كفر الكافور ذاك وقد ... عق العقيق احمراراً ذا وما ظلما) (كأن ذا طبة نصت لمعترض ... وذاك خد غداة البين قد لطما) (أولا فذاك أنابيب اللجين وذا ... جمر الغضا حركته الريح فاضطرما) ــ وفي شرح «المفصل لابن يعيش»: إذا ثبتت زيادة حرف في كلمة في لغة ثبتت زيادتها في لغة أخرى نحو جؤذر، حكي فيه الفتح والضم، فالهمزة فيه زائدة لزيادتها في لغة من ضم؛ إذ ليس في الأصول مثل جعفر بضم الجيم وفتح الفاء، وإذا ثبتت زيادتها في هذه اللغة كانت زائدة في اللغة الخرى لأنها لا تكون زائدة في لغة أصلاً في لغة أخرى، هذا محال، وفيه نظر يعلم كما مر. (لأبي بكر بن القوطية الأندلسي) هو محمد بن عمر بن عبد العزيز بن إبراهيم بن عيسى بن مزاحم المعروف بابن القوطية القرطبي النحوي مولى «عمر بن عبد العزيز» والقوطية أم إبراهيم، وأصله من «أشبيلية» والقوطية بالقاف المضمومة يليها واو ساكنة ثم طاء مهملة نسبة إل «قوط بن حام بن نوح» واسمها «ميادة بنت المنذر» و «قوط» أبو السودان والسند والهند، فمعناه أنها جارية سوداء في الأصل، وهو إمام معمر لغوي محدث فقيه له تآليف منها «شرح أدب الكاتب» وكتاب «الأفعال» وهو كتاب جليل القدر، وكانت وفاته سنة سبع وستين وثلاثمائة يوم الثلاثاء لسبع بقين من ربيع الأول.

стр. 432

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال «الفتح بن خاقان» في «مطمح الأنفس»: هو أحد المجدين في الطلب المشهورين بالعلم والأدب المنتدبين للتعليم والتصنيف، المقر لهم بحسن الترتيب والتأليف، له شعر نبيه أكثره أوصاف وتشبيه كقوله في الربيع: (ضحك الثرى وبدا لك استبشاره ... واخضر شاربه وطر عذاره) (وزهت حدائقه وآزر نبته ... وتعطرت أنواره وثماره) (واهتز ذابل كل ماء قرارة ... لما أتى متطلعا آذره) (وتعممت صلع الربى بنباتها ... وترنمت من عجبه أطياره) أقول: هو شعر بليغ فيه من الاستعارة ما يعرفه من له خبرة بعلم البلاغة، وليس فيه شيء يحتاج إلى البيان غير قوله: واهتز ... إلخ، فإنه شبه أنهاره برماح تهتز إذا مرت بها الرياح، وآذار، شهر من شهور الخريف بلسان الفرس القديم، وهو في لغتهم آذر بمدة واحدة، ووقع نادراً في آذار فعربوه. [وبقي هنا أن في السوسن لغة مشهورة في لسان المولدين وهي سوسان بضم أوله وزيادة ألف قبل النون كقول «ابن النبيه»: في ملتقى ورده وسوسانه وقول بعض المغاربة: (ونزهت طرفي في حدائق أزهرت ... ها زهرة السوسان والآس والورد)

стр. 433

[١١٨]- مثل ... جرى الوادي فطم على القليب ويقولون: جرى الوادي فطم على القليب، والمسموع في هذا المثل فطم على القري، وهو مجرى الماء إلى الروضة، ومعنى طم: علا وقهر، ومنه سميت القيامة طامة، وهذا المثل يضرب في هجوم الخطب الهائل المصغر ما عداه من النوازل. ونظيره في التصحيف: يا حامل اذكر حلا، وإنما هو: يا حابل، أي يا من شد الحبل اذكر وقت حله، ويحكى أن «اللحياني» أول من صحف هذا المثل. ــ (يا حابل اذكر حلا) مثل يضرب لتدارك الأمر بإبقاء ما يلزم، والعامة تقول فيه: حامل بالميم، وإنما هو حابل بالباء الموحدة من حبل إذا ربط بالحبل، وتتمته: وباحانت اذكر حلا.

стр. 434

[١١٩]- قولهم: طر شاربه ويقولون لمن نبت شاربه: قد طر شاربه بضم الطاء، والصواب أن يقال: طر بفتح الطاء، كما يقال: طر وبر الناقة إذا بدا صغاره وناعمه، ومنه يقال: شارب طرير، وعليه قول الشاعر: (وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم أبدي إحنة وأداجن) (وأضمر في ليلى لقوم ضعينة ... وتضمر في ليلى علي الضغائن) ــ (ويقولون لمن نبت شاربه: طر بضم الطاء، والصواب أن يقال: طر بفتحها، كما يقال: طر وبر الناقة إذا بدا صغاره وناعمه، ومنه قولهم: شارب طرير) بالطاء، وترير بالتاء، يقال: طر جسمه وتر، فهو بين الطرارة والترارة، وهي لحم الشباب وطراوته، وأما كون طر بضم الطاء معناه قطع وبالفتح معناه نبت فهو اللغة الفصيحة الشائعة في الاستعمال، وقال «الصاغاني» في «العباب» " طر بالضم في طر الشارب لغة أيضاً، فعد المصنف لها خطأ غير مسلم. ومن الملح فيه قول «الشهاب المنصوري»: (قد فتن العاشقين حين بدا ... بطلعة كالهلال أبرزها) (طر له شارب على شفة ... كالآس في الورد حين طرزها) (ونقيض هذا الوهم قولهم في النادم المتحير: سقط في يده بفتح السين، والصواب الأولى أفصح لقوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾.

стр. 435

فأما طر بضم الطاء فمعناه قطع، ومنه اشتقاق الطرار، وبه سميت الطرة لأنها تقطع، وأما قولهم: جاء القوم طرا فهو بمعنى جاء القوم جميعا وانتصابه على الحال، ونقيض هذا الوهم قولهم في النادم المتحير: سقط في يده بفتح السين، والصواب أن يقال فيه: سقط في يده، وقد سمع عنهم: أسقط إلا أن الأولى أفصح لقوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم﴾. ــ في «منتهى الأرب» قال «الفراء»: يجوز أسقط، وسقط هو الأكثر والجود، وسقط بالفتح والبناء للفاعل قليلة، قال «الأخفش»: وقد قرى بها في الشواذ كأنه أضمر الندم، أي سقط الندم في أيديهم. وقال بعض أهل اللغة: بالهمزة والبناء لما لم يسم فاعله، وبهذا علم ما في كلام المصنف وأن ما أنكره ليس بمنكر، وقد ناقض هو نفسه ووقع فيما فر منه حيث قال في مقاماته: سقط الفتى في يده. قال «المطرزي» في شرحه: سقط في يده مثل يضرب للنادم المتحير، ومعناه ندم لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطا فيها كأن فاه سقط فيها، وسقط مسند إلى يده، وهو من باب الكناية. وفي «مجمع الأمثال» قال «الزجاج»: سقط في أيديهم نظم لم يسمع قبل القرآن ولا تعرفه العرب في النظم والنثر جاهلية وإسلاماً، فلما سمعوه خفي عليهم وجه استعماله لكونه لم يقرع أسماعهم فقال «أبو نواس»: (ونشوة قد سقطت منها يدي ... ) وهو العالم النحرير فأخطأ في استعماله، وذكر «أبو حاتم» سقط فلان في يده، وهذا مثل قول «أبي نواس» وكل ذلك شاذ إن صح. وكأن «الحريري» بنى قوله على ما ذكرت، وقال «الواحدي»: قرى سقط معلوماً ومجهولاً، ومعناه على ما حققه المفسرون وأهل اللغة ندم، ووجهه كما قال «الزجاج» بعدما ذكر ما نقله «المطرزي» بعينه أن اليد إنما ذكرت لتأويلها بالعضو، لأنه يقال لما يحصل

стр. 436

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن لم يحس: وقع في يده، كما يقال: حصل في يده مكروه بتشبيه ما يقع في النفس في القلب بما يرى بالعين، وإنما خصت اليد لأنها يباشر بها الأمور كما قال تعالى: ﴿بما قدمت يداك﴾ أو لأن الندم يظهر أثره بعدما حصل في اليد كعضها وضرب إحدى اليدين على الأخرى، فلهذا أضيف إليها كما يظهر السرور بالضحك والاهتزاز ونحوه. وقيل: لأن النادم عادته أن يطأطى رأسه ويضع ذقنه على يده حتى لو أزالها سقط لوجهه، فاليد مسقوط عليها، وفي بمعنى على. قيل: هو من السقاط وهو كثرة الخطأ قال: (كيف يرجون سقاطي بعدما ... لفع الرأس بياض وصلع) وقيل: إنه مأخوذ من سقيط الجليد والندى لعدم ثباته، فهو مثل لمن لم يحصل من سعيه على فائدة غير الندم، وجعله «الزمخشري» كناية لعدم المانع من إرادة الحقيقة، وفاعله على البناء للمعلوم العض لا الفم، لأنه أقرب إلى المقصود، ولأن كونه كناية عن الندم إنما هو حيث يكون سقوط الفم على وجه العض ثم اليد على هذا حقيقة. وعلى تفسير «الزجاج» استعارة بالكناية، وأما كونه كناية إيمائية كما قاله «الطيبي» فلا دلالة فيه عليه إلا أن يقال: سقوط الندم في القلب أو النفس كناية عن ثبوته للشخص، وإنما اعتبر التشبيه فيما يحصل لا في اليد ليكون استعارة تصريحية، لأنه لا معنى لتشبيه اليد بالقلب إلا بهذا الاعتبار.

стр. 437

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال «القطب»: إنه على تفسير «الزجاج» استعارة تمثيلية، لأنه شبه حال الندم في القلب بحال الشيء في اليد في التحقق والظهور، ثم عبر عنه بالسقوط في اليد. وسقط [هنا] عده بعضهم من الأفعال التي لا تتصرف كنعم، وقراءة «ابن أبي [السميقع] سقط معلوما فاعله الندم كما قاله «الزجاج»، أو العض كما قاله «الزمخشري»، أو الخسران كما قاله «ابن عطية» وكله تمثيل. وقرأ «أبن أبي عيلة» أسقط مزيداً مجهولاً وهي [لغة] نقلها «الفراء» ز «الزجاج». وبهذا اتضح لك ما في هذا المقام من الصواب والأوهام والحور المقصورات في الخيام.

стр. 438

[١٢٠]- قولهم: ركض الفرس ويقولون: ركض الفرس بفتح الراء، وقد أقبلت الفرس تركض بفتح التاء، والصواب أن يقال: ركض بضم الراء، وأقبلت تركض بضم التاء، وأصل الركض في اللغة تحريك القوائم، ومنه قوله تعالى: ﴿اركض برجلك﴾ ولهذا قيل للجنين إذا اضطرب في بطن أمه: قد ارتكض، ومن أبيات المعاني المشكلة: (قد سبق الجياد وهو رابض ... وكيف لا يسبق وهو راكض) والمراد به أن امه سبقت الجياد حين أجريت وهي حامل به، وأضاف السبق إليه لاتصاله بأمه، وأشار بركضه إلى تحريك قوائمه في مربضه ومقره. وقد توهم بعضهم أن الركض لا يستعمل إلا في الخيل، وليس كذلك، بل يقال: ركض البعير برجله أي رمح، وركض الطائر إذا حرك جناحيه ثم ردهما ــ (ويقولون: ركض الفرس بفتح الراء، وقد أقبلت الفرس تركض والصواب أن يقال: ركض بضم الراء وأقبلت تركض بضم التاء) والبناء للمجهول فيهما، وهذا هو المشهور، لأن معنى الركض ضرب الراكب الدابة برجله لتسرع أو تسير، فلا يسند الركض لها بل له، إلا أن «أبن القوطية» قال: إنه يقال: ركضت إذا سقتها وحثثتها، وركض الطائر والفرس إذا أسرعا، فيكون ركض لازماً ومتعدياً كرجع ورجعته، ولو سلم أنه لا يكون إلا متعدياً فما المانع من أن يقال: ركض الفرس بمعنى ضرب برجله الأرض. وقال «الراغب»: الركض الضرب بالرجل، فمتى نسب إلى الراكب فهو إعداء مركوبه نحو ركضت الفرس، ومتى نسب إلى الماضي فهو بمعنى وطي الأرض كقوله تعالى: ﴿اركض برجلك﴾ وقوله: ﴿لا تركضوا وارجعوا﴾ نهى عن الانهزام. وقال «ابن هشام» في شرح «بانت سعاد»: يركض يدفع، ومنه ركض الدابة يركضها ركضاً، لأن معناه دفعها في جنبيها برجليه لتسير، ثم كثر حتى صار بمعنى السير مطلقاً، وقولهم: ركضت الدابة بفتح الراء والضاد بمعنى عدت عد من الخطأ، على أن الصواب ركضت بالبناء لما لم يسم فاعله.

стр. 439

على جسده في الطيران [كما قال «سلامة بن جندل»: (أودى الشباب حميداً ذو التعاجيب ... أودى وذلك شأن غير مطلوب) (ولى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب) يعني باليعاقيب ذكر الحجل، وهو جمع يعقوب. ويروى: ركض اليعاقيب بالضم والفتح، فمن رفعه جعله فاعل يدرك، وأراد به أن هذا الطائر على سرعة طيرانه لا يدرك الشباب إذا ولى، فكيف يدركه غيره؟ . ــ وقال «ابن سيده» في المحكم: ركض الدابة وركضت هي، وأباها بعضهم، والصواب عندي الجواز لقولهم: ركض الطائر إذا أسرع في طيرانه. قال: (كأن تحتي بازياً راكضا ... ) وفي «الأساس» ركضت الخيل ضربت الأرض بحوافرها. وبهذا عرفت ما في كلام المصنف على أن كلامه لا يخلو من الخلل.

стр. 440

ومن رواه بالنصب نصبه بفعل مضمر تقديره ولى يركض ركض اليعاقيب، وجعله من صلة صفة الشباب، وجعل فاعل يدركه ضمير الشيب المستتر فيه، ويصير في البيت تقديم وتأخير، وتصحيحه: ولى الشباب حثيثاً يركض ركض اليعاقيب، وهذا الشيب يطلبه لو كان يدركه]. [قال الشيخ الإمام «أبو محمد الحريري»]: وللعامة وبعض الخاصة عدة أوهام في إسناد الفعل إلى من فعل به يماثل وهمهم في قولهم: ركضت الدابة، وقولهم: قد حلبت ناقته رسلا كثيراً، ولم تحلب شاته إلا لبناً يسيرا، فيسندون الحلب إلى المحلوبة وهو موقع بها، ووجه القول: كم حلبت ناقتك وكم تحلب حلوبتك. [وما أشبه ذلك].

стр. 441

[١٢١]- قولهم حكني جسدي ويقولون أيضاً: حكني جسدي، فيجعلون الجسد هو الحاك، وعلى التحقيق هو المحكوك، والصحيح أن يقال: أحكني جسدي، أي ألجأني إلى الحك. وكذلك يقولون: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه لأنه هو المشتكي لا هي. ــ (ويقولون: حكني جسدي فيجعلون الجسد هو الحاك، وعلى التحقيق هو المحوك، والصواب أن يقال: أحكني جسدي، أي ألجأني إلى الحك، وكذلك يقولون: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينه لأنه هو المشتكي لا هي). في «القاموس» الحك إمرار جرم على جرم واحتك رأسي وحكني وأحكني واستحكني دعاني إلى حكه، فعلم أن ما قاله المصنف لا وجه له، ولو سلم فلا يحكم في الحجر في المجاز إلا بالسفه، ومثل هذا حلبت ناقته رسلا، ووقع في الحديث: «أن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفأكحلها؟ » روي بنصب عينها ورفعها، وقد سموا المرض شكاة توسعاً فقالوا: كيف فلان في شكاته أي مرضه، فعليه يجوز أن يقال: اشتكت بمعنى مرضت، ويجعل الفعل للعين، ومثل هذه التوسعات كثير في كلام العرب، فلا وجه لعده من الأوهام.

стр. 442

[١٢٢] قولهم: سار ركاب السلطان ويقولون: سار ركاب السلطان إشارة إلى موكبه المشتمل على الخيل والرجل وأجناس الدواب، وهو وهم ظاهر؛ لأن الركاب اسم يختص بالإبل وجمعها ركائب، والراكب هو راكب البعير خاصة وجمعه ركبان، فأما الركب والأركوب فقد جوز «الخليل» أن يطلق اسمهما على راكبي كل دابة، إلا أن الأركوب أكثر من الركب عدة وأوفى جماعة. ــ (ويقولون: سار ركاب السلطان إشارة إلى موكبه المشتمل على الخيل والرجل وأجناس الدواب، وهو وهم ظاهر لأن الركاب اسم يختص بالإبل). الركاب مشترك بين ما ذكره وبين ما يعلق في السرج آلة للركوب، وهو المراد هنا؛ إلا أنه كني به عن سير السلطان تأدباً، فالمخطى فيه مخطى. قال «الأنصاري»: إنا معاشر الكتاب لا نعني بالركاب إلا ركاب السرج السلطاني تأدباً مع الملوك لأنا لا نقول: سار السلطان، وإنما نقول: سار الركاب الشريف كناية عن ذلك، فلا حاجة إلى أن يقال: إنه من ذكر الخاص وإرادة العام تجوزاً. وقوله: (والراكب هو راكب البعير خاصة) هو أحد قولين حكاهما في القاموس.

стр. 443

[١٢٣]- قولهم شطرنج بفتح الشين ويقولون للعبة الهندية: الشطرنج بفتح الشين، وقياس كلام العرب أن تكسر لأن من مذهبهم أنه إذا عرب الاسم العجمي رد إلى ما يستعمل من نظائره في لغتهم وزناً وصيغة، وليس في كلامهم فعلل بفتح الفاء، وإنما المنقول عنهم في هذا الوزن فعلل بكسر الفاء، فلهذا وجب كسر الشين من الشطرنج ليلحق بوزن جردحل وهو الضخم من الإبل وقد يجوز في الشطرنج أن يقال بالشين المعجمة لجواز اشتقاقه من المشاطرة، وأن يقال بالسين المهملة لجواز أن يكون اشتق من التسطير عند التعبية، ومثله تسمية الدعاء للعاطس بالتسميت والتشميت، إشارة بالسين المهملة أن يرزق السمت الحسن، وبالشين المعجمة إلى جمع الشمل، لأن العرب تقول: تشمتت الإبل إذا اجتمعت في المرعى، وقيل: إن معناه بالشين المعجمة الدعاء لشوامته، وهي اسم الأطراف. ــ (ويقولون للعبة الهندية) وهي معروفة، وضعها حكيم يسمى «صصة» لملك الهند يسمى «هيت» في مقابلة «النرد» الذي وضعه الفرس إشارة إلى القضاء والقدر، إشارة إلى أن للعقل دخلاً في نيل المراتب العلية. (الشطرنج، وقياس كلام العرب أن يكسر لأن من مذهبهم إذا عرب الاسم الأعجمي أن يرد إلى ما يستعمل من نظائره في لغتهم وزناً وصيغة، وليس في كلامهم «فعلل» بفتح الفاء، وإنما المنقول عنهم في هذا الوزن فعلل، فلهذا وجب كسر الشين من شطرنج ليلحق بوزن جردحل). الشطرنج يقال بالشين والسين وإعجامه أشهر، وهو عند بعضهم عربي، والصحيح خلافه، وهو معرب وقد اختلف في أصله فقيل: معرب «صدرنك» أي مائة حيلة

стр. 444

فائدة ولهذا نظائر في كلام العرب كقولهم لنوع من التمر: سهريز وشهريز، ولما يختم بهك الروسم والروشم، وكقولهم: انتشف لونه وانتسف إذا تغير وانتقع، وحِمس الرجل وحُمِش إذا اشتد غضبه. وقالوا: تنسمت منه علمًا وتنشمت، فمن قاله بالسين المهملة جعل اشتقاقه من النسيم، ومن قاله بالشين المعجمة أخذه من قولهم: نَشَّم في الأمر أي ابتدأ به، إلا أن "الأصمعي" يرى أن هذه اللفظة لا تستعمل إلا في الشر على ما تقدم ذكره عنه. ــ والمراد التكثير لا خصوص العدد، وقيل: معرب "شدرنك" أي زال العناء، أي من اشتغل به زال عناؤه، وقيل: معرب "شش رنك" أي ستة ألوان، وهي أنواع قطعه، وفتح أوله وكسره جائز. وقال "الواحدي": الأحسن فيه الكسر ليكون على زنه "قرطعب"، ولم يذكر فيه "ابن السكيت" إلا الفتح، ولهذا قال "ابن بري": إن أئمة اللغة لم يذكروا فيه إلا فتح الشين، وكذا قال في "إصلاح المنطق". إذا عرفت هذا علمت أن في كلام المصنف خللا من وجوه: الأول: أنه أنكر الفتح وهو المعروف عند أئمة اللغة. الثاني: أنه زعم أن المعرب لابد أن يرد إلى نظائره من أوزان العربية، والذي صرح به النحاة خلافه، وفي كتاب "سيبويه" الاسم المعرب من كلام العجم ربما ألحقوه بأبنية كلامهم وربما لم يلحقوه، فمما ألحقوه بأبنيتهم درهم ويهرج، ومما لم يلحقوه بها الآجر والإفرند إلى آخر ما فصله، ومن أراد ذلك فليرجع إلى كتاب "المعرب لأبي منصور".

стр. 445

وقد جاء أيضًا في الآثار والأشعار ألفاظ رويت بهذين الحرفين على اختلاف المعنيين، فروى في صفته. ﵇. أنه كان منهوش القدمين أي معروفهما، [وذكر "ابن الأعرابي" في نوادره أنه يقال: هوس الناس وهوشوا إذا وقعوا في الفساد]. والنهش بإعجام الشين ما كان بالأضراس، والنهس بإهمالها ما كان بأطراف الأسنان، وروى محاش النساء حرام بإعجام الشين وإهمالها، والمراد به [مع إعجام الشين وإهمالها] الدبر، وواحد المحاش محشه. وفي بعض الروايات "أن الشهر قد تشعشع فلو صمنا بقيته" روي بإعجام السين وإهمالها. فمن رواه بالمعجمة ذهب ــ الثالث: أنه قال: مشتق من المشاطرة أو التشطير وهو بعيد عن نهج السداد؛ لأن الاشتقاق لا يجري في الأعجمي، وما نقل من ذلك غير مقبول، حتى شنعوا على من قال: آدم مأخوذ من أديم الأرض لأنه مخلوق من التراب، وإن كان دفع بالعناية مع أنه يقتضي زيادة الجيم وليست من أحرف الزيادة. ثم إنه ذكر ألفاظًا وردت بالسين والشين وهي كثيرة، وقد أفردها صاحب "القاموس" بتأليف سماه: "تحيير الموشين فيما يقال بالسين والشين" [فمن أراد استقصاء ذلك فعليه به]. (تسمية الدعاء للعاطس بالتسميت والتشميت) وهو أن يقال لمن عطس: يرحمك الله، والمشهور فيه الإعجام، ومعناه التثبيت، ولهذا تظرف القائل: (قلت له والدجى مول ... ونحن في الأنس والتلاقي) (قد عطس الصبح يا حبيبي ... فلا تشمته بالفراق) والعرب تقول: عطس الصبح إذا طلع كما يعرفه من له إلمام باللغة.

стр. 446

إلى دقة الهلال وقلة ما بقي من الشهر، كما يقال: شعشعت الشراب بالماء إذا رققته بهن ومن رواه بالسين المهملة وهو أشهر الروايتين فالمراد به أن الشهر قد أدبر وفني إلا أقله. وجاء في حديث عمر. ﵁. "أنه كان ينس الناس بعد العشاء الآخرة بالدرة ويقول: انصرفوا إلى بيوتكم" فمن رواه بالسين المهملة عني به يسوقهم، ومنه سميت العصا منسأة للسوق بها، ومن رواه بالمعجمة فمعناه بتناولهم مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وأنى لهم التناوش﴾. وورد في الآثار أن "عليا". كرم الله وجهه. خطب الناس على منبر الكوفة وهو غير مشكوك، فمن رواه بالشين المعجمة معناه أنه غير مشدود [وأصله من الشك وهو لصوق العضد ــ (إن الشهر قد تشعشع فلو صمنا بقيته، روي بإعجام الشين وإهمالها) قالوا: المراد بالشهر هنا الهلال ومعناه على الإعجام استدق من شعشعت الشراب بالماء شعشعة إذا مزجته فرققته، وهذا هو معنى الشعشعة في كلام العرب، وأما قول الناس: شعشة الأنوار بمعنى إشراقها وتلألئها فليس من كلام العرب كما في حواشي "شرح المطالع" وعلى الإهمال معناه أدبر وزال، ونقل "ابن يري" فيه لغة ثالثة وهي: تشعسع، وهي بمعجمة مقدمة ثم مهملة من الشسوع وهو البعد. (كان ينس الناس بعد العشاء الآخرة بالدرة) النس بمعنى السوق صحيح، وأما كون المنسأة منه فغلط، لأنها لو كانت منه قيل بغير ألف: منسة، وإنما هي من نسأ المهموز بمعنى ساق، وهي مادة أخرى، وكون الإعجام بمعنى التناول ومنه التناوش في الآية مما غلط فيه أيضًا لأنه من النوش الأجوف، وهذا من النش، وبينهما بون بعيد.

стр. 447

بالجنب] ومعناه بالسين المهملة: مسمور، من السك وهو تضبيب الباب. ونقل عن "عائشة". ﵂. أنها قالت: "توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري" فمن رواه بالسين المهملة عني الرئة، ومن رواه بالشين المعجمة مع الجيم فقال: شجري فالمعنى: مجمع اللحيين، ويروي بيت "النابغة": (فإن يك عامر قد جاء جهلا ... فإن مطية الجهل الشباب) فمن رواه بالشين المعجمة فالمراد به الشبيبة، ومن رواه السباب بكسر السين المهملة فالمعنى به السبب، كما قد روي في هذا البيت: فإن مظنة الجهل أي موضعه، [وروي: مطية الجهل أي مركبه]. ــ (نفى الذم عن آل المحرق جفنه ... كجابية الشيخ العراقي تفهق) هو من قصيدة "للأعشى" يمدح بها "المحلق" في قصة له مشهورة، وأولها: (أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي تعشق) وفيها شواهد منها ما سيأتي، وروي: تروح على آل المحلق ... وقد روي السيح فيه بسين وحاء مهملتين، وهو الجاري على وجه الأرض، وتفهق بمعنى تمثل وتفيض، والفراتي نسبة إلى الفرات النهر المشهور، وروي الشيخ بمعجمتين، والعراقي نسبة للعراق، فقيل: لأن الماء كثير بالعراق، والشيخ: المسن يحكم أموره لكثرة تجاربه فيملؤها إلى الغاية لكثرة الماء وإحكامه لأمره، أو لأن الشيخ يتعذر عليه المشي إلى الاستقساء، فيملأ الحوض احترازًا عن ذلك، وقيل: أراد به "كسرى" لأنه صابح دجلة [وما ذكره المصنف ظاهر].

стр. 448

وقد روي أيضًا من شعر "الأعشى" بيتان بهذين الحرفين أحدهما قوله: (نفي الذم عن آل المحلق جفنه ... كجابية الشيخ العراقي تفهق) فمن روي: كجابية السيح بالسين المهملة، عن بالجابية "دجلة" وبالسيخ الماء السائح، ومن رواه بالشين المعجمة، جعل الإشارة فيه إلى "كسرى" لأنه صاحب "دجلة" وأراد "الأعشى" بهذا التشبيه أن جفنة "آل المحلق" تمد بالطعام بعد الطعام، كما تمد "دجلة" بالماء بعد الماء. والبيت الآخر قوله في صفة الخمر والخمار: ــ (وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتشم) قد مر أول القصيدة ونبذ منها، وفي "المعربات": ارتشم معجمًا ومهملاً بمعنى ختم من الروشم وهو الختم بالإعجام والإهمال أيضًا كما بينا ذلك. (الصراري وهو الملاح) ظاهره أن الصراري بمعنى الملاح مفرد، وإليه ذهب بعض أهل اللغة، وجمعه صراريين. قال جذب الصراريين [بالكرور]. وفي "الصحاح" و"الجمهرة": الصاري وجمعه صراري، فهو عنده جمع لا مفرد، وبما سمعته علمت أن الصاري الملأح، وأهل مصر يتعملونه بمعنى عود القلع الذي في السفينة. (أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني) هو "لمعن بن أوس" المزني وأولها: (فلا وأبي حنيفة ما نفاه ... من أرض بني ربيعة من هوان)

стр. 449

(وأقبلها الريح في دفها ... وصلى على دنها وارتشم) فمن رواه بإعجام الشين، عنى به أنه دعا للدن ثم ختم عليه، ومن رواه بالسين المهملة قال أراد أنه دعا لها وعوذ عليها كما قال "القطامي" يصف فلكًا: (في ذي جلول يقضي الموت صاحبه ... إذ الصراري من أوهواله ارتسما) يعني أن الصراري وهو الملاح عوذ وكبر حين شاهد عظم الأهوال، وعاين تلاطم الأمواج، والجلول جمع جل وهو شراع السفينة، ويروي بيت "أوس بن حجر": (مخلفون ويقضي الناس أمرهم ... غس الأمانة صنبور فصنبور) ــ (وكان هو الغني إلى غناء ... وكان من العشيرة في مكان) (تكنفه الوشاة فأزعجوه ... ورسوا من قضاعة غيروان) (فلولا أن أم أبيه أمي ... وأن من قد هجاه فقد هجاني) (إذن لأصابه مني هجاء ... يمر به الروي على لساني) أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني) وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني) وقال "ابن دريد": لمالك بن فهيم الأزدي" في ابنه، وكان قد رماه بسهم فقتله،

стр. 450

فمن رواه بالسين الهملة عن أنهم ضعفاء الأمانة، ومن رواه بالشين المعجمة فاشتقاقه من الغش. وحكى "الأصمعي" قال: أنشدنا "أبو عمرو بن العلاء": (فما جبنوا أنا نشد عليهم ... ولكن رأوا نارا تحش وتسفع) [قال: فذكرت ذلك "لشعبة" فقال: ويلك إنما هو تحس وتسفع]، أي تحرق وتسود. قال "الأصمعي": وقد أصاب "أبو عمرو" لأن معنى تحش توقد، وأصاب "شعبة" أيضًا، ولم أر بالشعر أعلم منه. ــ واستد بالمهملة، من سددت رميته إذا استقامت. وفي كتاب "الاشتقاق" أنه روي بالمعجمة من الشدة، فمن قال: إنه تصحيف فقد أخطأ، وقد ضرب هذا مثلا في المسي لمن أحسن إليه، وقد أنشده "الميداني" في أمثاله هكذا: (فيا عجبًا لمن ربيت طفلاً ... ألقمه بأطراف البنان) (أعلمه الرماية كل وقت ... فلما اشتد ساعده رماني)

стр. 451

وحكى "خلف الأحمر" قال: أخذت على "المفضل الضبي" وقد أنشد "لأمرئ القيس": (تمس بأعراف الجياد أكفنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مصهب) فقلت: إنما هـ نعش؛ لأن المش مسح اليد بالشيء الخشن، وبه سمي "منديل الغمر" مشوشا، وأما قول الشاعر: (أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني) ــ (أعلمه الرواية كل يوم ... فلما قال قافية هجاني) (أعلمه الفتوة كل يوم ... فلما طر شاربه جفاني) ومثله قول "أبي بكر الخوارزمي" لتلميذ له عقه: (هذا أبو زيد صقلت حسامه ... فغدا به صلتا علي وأقدما) (أمسى يجهلني بما علمته ... وبريش من ريشي لبرمي أسهما) يا منبضا قوسي يكفي احكمت ... ومسددًا رمحًا بكفي قوما) (أرقيت بي في سلم حتى إذا ... نلت الذي تهوى كسرت السلما) ثم أنشد على ذكر الإسراف والإشراف بالمهملة والمعجمة قول "عروة بن أدية"، وقد مر أن صوابه "أذينة" وبقية قصته ظاهرة. (لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني) (أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني)

стр. 452

فالرواية الصحيحة فيه استد بالسين المهملة، ويكون المراد به السداد في الرمي، وقد رواه بعضهم بالشين المعجمة التي بمعنى القوة، ومثله في اختلاف الرواية قول "عروة بن أذينة": (لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني) فروى أكثرهم لفظة الإسراف بالسين المهملة ورواها بعضهم بالشين المعجمة ليكون معناها التطلع إلى الشيء والاستشراق له [وهو اختيار المرتضى "أبي القاسم الموسوي". ﵀]. حكاية فيها اعتبار ولهذا البيت حكاية تحت على استشعار اليقين وإعلان الأمل بالخالق دون المخلوقين فجنحته بها تحلية لعاطله، ومنبهة على صدق قائله، وهي ما رويته من عدة طرق أن "عروة" هذا وفد على "هشام بن عبد الملك" في جماعة من الشعراء، فلما ــ (كم قد أفدت وكم أتلفت من نشب ... ومن معاريض رزق غير ممنون) (فما أشرت على يسر وما ضرعت ... نفسي لخلة عسر جاء يبلوني) (خيمي كريم ونفسي لا تحدثني ... أن الإله بلا رزق يخليني) (ولا اشتريت بمالي قط مكرمة ... إلا تيقنت أني غير مغبون) (ولا دعيت إلى مجد ومحمدة ... إلا أجبت إليه من يناديني) (لا أبتغي وصل من يبغي مفارقتي ... ولا ألين إلى من يبتغي ليني) (إن سيعرفني من لست أعرفه ... ولو كرهت وأبدو حين يخفيني) (فغطني جاهدًا واجهد علي إذا ... لاقيت قومك فانظر هل تغطيني) (لا يبعد الله حسادي وزادهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون) (إني رايتهم في كل منزلة ... عندي أجل من اللائي يحبوني)

стр. 453

دخلوا عليه عرف "عروة" فقال له: ألست أنت القائل: (لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني) (أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو أقمت أتاني لا يعنيني؟ ) وأراك قد جئت تضرب من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق، فقال له: ــ وفي معنى ذلك قوله بعضهم: (مثل الرزق الذي تطلبه ... مثل الظل الذي يمشي معك) (أنت لا تدركه متبعًا ... وإذا وليت عنه تبعك) ومثل هذا ما حكاه "ابن أبي الدنيا" من أنه قدم البصرة رجلان يسترفدان "عبيد الله بن عامر" خال "عثمان بن عفان" وكان جوادًا ممدحًا، أحدهما ابن "جابر بن عبد الله الأنصاري" والآخر ثقفي، فلما قربا من البصرة نزلا، فصلى "ابن

стр. 454

لقد وعظت يا أمير المؤمنين فبالغت في الموعظة، وأذكرت ما أنسانيه الدهر، وخرج من فوره إلى راحلته فركبها ثم نصها راجعًا نحو الحجاز. فمكث "هشام" يومه غافلًا عنه، فلما كان في الليل تعار على فراشه فذكره، وقال في نفسه: رجل من قريش قال حكمة ووفد إلى فجبهته ورددته عن حاجته وهو مع هذا شاعر لا آمن ما يقول؟ فلما أصبح سأل عنه فأخبر بانصرافه، فقال: لا جرم ليعلمن أن الرزق سيأتيه، ثم دعا بمولى له وأعطاه ألفي دينار، وقال له: الحق بهذه "ابن أذينة" فأعطه إياها. ــ جابر" ركعتين وقال للثقفي: ما رأيك في الرجوع؟ فقال: أتعبت نفسي وأكللت مطيتي وأرجع بغير شيء؟ فقال "ابن جابر": [إني] قد ندمت على قصده واستحييت من ربي أن يراني طالبًا رزقًا من غيره، ثم قال: اللهم يا رازق "ابن عامر" ارزقني من فضلك، ثم قفل راجعًا إلى المدينة. وكان "ابن عامر" قد أخبر بمسيرتها، فلما دخل الثقفي على "ابن عامر" قال له: أين صاحبك؟ فأخبره بحاله فبكى وقال: والله ما قالها أشرًا ولا بطرًا، ولكن قالها حقًا، فلا جرم لأضعفن جائزته، فأمر للثقفي بأربعة آلاف درهم وكسوة، وبعث "لابن جابر" بضعفها فخرج الثقفي وهو يقول: (أمامه ما حرص الحريص بزائد ... فتيلا ولا زهد المقيم بضائر) (خرجنا جميعًا من مساقط رؤسنا ... على ثقة منا بجود ابن عامر) (فلما أنخنا الماعجات ببابه ... تخلف عني الخزرجي ابن جابر) (وقال ستكفيني عطية قادر ... [على ما أراد اليون لليأس قاهر) (وقال: الذي أعطى العراق ابن عامر] ... لربي الذي أرجو لسد مفاقري) (فقلت: خلا لي وجهه ولعله ... يوجه لي حظ الفتى المتآخر)

стр. 455

[قال] فلم أدركه إلا وقد دخل بيته، فقرع الباب عليه فخرج فأعطيته المال، فقال: أبلغ أمير المؤمنين السلام وقل له: كيف رأيت قولي؟ سعيت فأكديت ورجعت إلى بيتي فآتاني فيه الرزق. ومما يروى أيضًا بهذين الحرفين قول "أبي بكر بن دريد" في مقصورته: (أرمق العيش على برض فإن ... رمت ارتشافًا رمت صعب المنتشا) فمن رواه بالسين المغفلة فمعناه المبتعد، واشتقاقه من أنسأ الله أجله أي باعده، ومن رواه بالشين المعجمة فمعناه استقصاء الشرب بالمشافر. ــ (فلما رآني سأل عنه صبابة ... وحن كما حنت طراب الأباعر) (وأضعف من حظ له في عطائه ... على حظ لهفان من الحرص فاغر) (فأبت وقد أيقنت أن ليس نافعي ... ولا ضائري شيء خلاف المقادر) وحكي عن "هدية بن خالد" أنه حضر مائدة "المأمون"، فلما رفعت جعل يلتقط ما في الأرض، فقال له "المأمون": أما شبعت يا شيخ؟ فقال: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن حدثني "حماد بن سلمة" عن "ثابت" عن "أنس" قال: "سمعت رسول

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الله ﷺ يقول: "من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر" فأشار "المأمون" إلى غلام فأتاه بمنديل فيه ألف دينار، فقال: يا أمير المؤمنين، وهذا من ذاك. قلت: ومما يضاهي هذه القضية أن شاعرًا يمسى "القشلي" بقاف مفتوحة وشين معجمة، نسبة لقشل، وهي قرية باليمن، وهو شاعر مجيد اسمه "سرور" مدح المنتخب بقصيدة أعجبته، إلا أنه لم يعجل بجائزته [فتركه وارتحل عنه] ثم إن المنتخب تذكره فقيل له إنه ذهب، فأرسل خلفه الجائزة، فكتب إليه: (هذا هو الجود لا ما قيل في القدم ... عن "ابن سعد" وعن "كعب" وعن "هرم") (جود سرى يقطع البيداء مقتحمًا ... هول السرى من نواحي البيت والحرم) (حتى أناخ بأكناف الحصيب وقد ... نام البخيل على عجز ولم ينم) (وافى إلي ولم تسع له قدمي ... كلا ولا ناب عن سعيي له قلمي) (ولا امتطيت إليه ظهر ناجيه ... تأتي وأخفافها منعولة بدم) (أحبب به زائرًا قرت بزورته ... عين المديح وقامت حجة الكرم) (فأي عذر إذا لم أجز همته ... شكرًا يقوم بالغالي من القيم)

стр. 457

[١٢٤]- قولهم: سأل عنك الخير ويقولون في جواب من قال سألت عنك: سأل عنك الخير، فيستحيل المعنى بإسناد الفعل إليه، لأن الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به أو متناه عنه، وصواب القول: سئل عنك الخير، أي كان من الملازمة لك والاقتران بك بحيث يسأل عنك. ــ (ويقولون في جواب من يقول سألت عنك: سأل عنك الخير، فيستعمل المعنى بإسناد الفعل إليه لأن الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به). هذا مما لا ينبغي أن يسود به وجوه الصحف فإنه لا خطأ فيه من جهة العربية والتركيب وهو ظاهر، ولا من جهة المعنى كما توهمه، فإن لكل امرى ما نوى، ولو جعل كناية عن توجه الخير الآتي إليه، وقصده كان الكلام صحيحًا فصيحًا، لأن عادة القادم لبلد أن يسأل عمن يريده فيها، وهذا أظهر من أن يخفى، فلا حاجة للكلام فيه.

стр. 458

[١٢٥]- قولهم: مطرمذ أو طرمذار ويقولون للمتشبع بما ليس عنده: مطرمذ، وبعضهم يقول: طرمذاذ، كما قال بعض المحدثين: (ليس للحاجات إلا ... من له وجه وقاح) (ولسان طرمذاذ ... وغدو ورواح) (إن يكن أبطأت ... الحاجة عني والسراح) (فعلي السعي فيها ... وعلى الله النجاح) ــ (ويقولون للمتشبع بما ليس عنده: مطرمذ، وبعضهم يقول: طرمذار، والصواب فيه طرماذ). في "القاموس": الطرمذار كزعفران: الصلف، ورجل طرمذة بالكسر ومطرمذ يقول ما لا يفعل، وطرمذ عليه فهو طرماذ، وكذا قال "ابن بري"، وفي "الذيل والصلة" للصاغاني: الطرمذار بالفتح الصلف كالطرماذ، فلا عبرة بما قاله المصنف. والمتشيع أصل معناه المتكلف الشبع، ثم تجوز به عن كل مظهر لما يخالف الواقع، وفي الحديث "المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور".

стр. 459

والصواب فيه طرماذ على ما حكاه "أبو عمر الزاهد" في كتاب "اليواقيت" وأنشد عليه لبعض الرجاز: (سلمت في يومي على معاذ ... سلام طرماذ على طرماذ) ــ وقوله في الشعر المذكور فيه: (فصلى السعي فيها ... وعلى الله النجاح) كقول الآخر: (على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر)

стр. 460

[١٢٦]- قولهم: هاتا بمعنى أعطيا ويقولون للاثنين: هاتا بمعنى أعطيا، فيخطئون فيه لأن هاتا اسم للإشارة إلى المؤنثة الحاضرة، وعليه قول "عمران بن حطان": (وليس لعيشنا هذا مهاة ... وليست دارنا هاتا بدار) (وإن قلنا لعل بها قرارًا ... فما فيها لحي من قرار) والصواب أن يقال لهما: هاتيا بكسر التاء، لأن العرب تقول للواحد المذكور: هات بكسر التاء، وللجمع: هاتوا. كما تقول العامة: هاتم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾. وتقول للمؤنثة: هاتي، ولجماعة الإناث: ــ (ومن ملح العرب أن رجلًا قال لأعرابي: هات، فقال: والله ما أهاتيك أي ما أعطيك). قالوا: لم يسمع من هذا إلا الأمر، وقال "الفراء": ليس في كلامهم هاتيت، وإنما هو في كلام أهل الحيرة، ولا يقال: لا تهات ولا مهاتاة ولا غير ذلك، وقد لحنوا أيضًا ففتحوا تاءه ووقع هذا في شعر أرسله بعض الأدباء إلى "ابن نباتة" فقال في جوابه معترضًا: (هات قل لي إذا لحنت من السكـ ... ـر ولا تلحني إذا قلت هاته) (وليس لمشينا هذا مهاه ... وليت دارنا هاتا بدار) المهاه: خفض العيش، يقال: مههت، ومه الإبل رفق بها وسير مهه ومهاه، والمهاه أيضًا الطراوة والحسن، ومهاه بهاءين رواه "ثعلب"، وأكثر العلماء و"المبرد" يثبتون الهاء وصلًا فيقولون: مهاه، ووزنه فعال ومعناه اللمعان والصفاء.
следующие страницы →