Полный текст (679 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الله ﷺ يقول: "من أكل ما تحت مائدته أمن من الفقر" فأشار "المأمون" إلى غلام فأتاه بمنديل فيه ألف دينار، فقال: يا أمير المؤمنين، وهذا من ذاك.
قلت: ومما يضاهي هذه القضية أن شاعرًا يمسى "القشلي" بقاف مفتوحة وشين معجمة، نسبة لقشل، وهي قرية باليمن، وهو شاعر مجيد اسمه "سرور" مدح المنتخب بقصيدة أعجبته، إلا أنه لم يعجل بجائزته [فتركه وارتحل عنه] ثم إن المنتخب تذكره فقيل له إنه ذهب، فأرسل خلفه الجائزة، فكتب إليه:
(هذا هو الجود لا ما قيل في القدم ... عن "ابن سعد" وعن "كعب" وعن "هرم")
(جود سرى يقطع البيداء مقتحمًا ... هول السرى من نواحي البيت والحرم)
(حتى أناخ بأكناف الحصيب وقد ... نام البخيل على عجز ولم ينم)
(وافى إلي ولم تسع له قدمي ... كلا ولا ناب عن سعيي له قلمي)
(ولا امتطيت إليه ظهر ناجيه ... تأتي وأخفافها منعولة بدم)
(أحبب به زائرًا قرت بزورته ... عين المديح وقامت حجة الكرم)
(فأي عذر إذا لم أجز همته ... شكرًا يقوم بالغالي من القيم)
стр. 457
[١٢٤]- قولهم: سأل عنك الخير
ويقولون في جواب من قال سألت عنك: سأل عنك الخير، فيستحيل المعنى بإسناد الفعل إليه، لأن الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به أو متناه عنه، وصواب القول: سئل عنك الخير، أي كان من الملازمة لك والاقتران بك بحيث يسأل عنك.
ــ
(ويقولون في جواب من يقول سألت عنك: سأل عنك الخير، فيستعمل المعنى بإسناد الفعل إليه لأن الخير إذا سأل عنه فكأنه جاهل به).
هذا مما لا ينبغي أن يسود به وجوه الصحف فإنه لا خطأ فيه من جهة العربية والتركيب وهو ظاهر، ولا من جهة المعنى كما توهمه، فإن لكل امرى ما نوى، ولو جعل كناية عن توجه الخير الآتي إليه، وقصده كان الكلام صحيحًا فصيحًا، لأن عادة القادم لبلد أن يسأل عمن يريده فيها، وهذا أظهر من أن يخفى، فلا حاجة للكلام فيه.
стр. 458
[١٢٥]- قولهم: مطرمذ أو طرمذار
ويقولون للمتشبع بما ليس عنده: مطرمذ، وبعضهم يقول: طرمذاذ، كما قال بعض المحدثين:
(ليس للحاجات إلا ... من له وجه وقاح)
(ولسان طرمذاذ ... وغدو ورواح)
(إن يكن أبطأت ... الحاجة عني والسراح)
(فعلي السعي فيها ... وعلى الله النجاح)
ــ
(ويقولون للمتشبع بما ليس عنده: مطرمذ، وبعضهم يقول: طرمذار، والصواب فيه طرماذ).
في "القاموس": الطرمذار كزعفران: الصلف، ورجل طرمذة بالكسر ومطرمذ يقول ما لا يفعل، وطرمذ عليه فهو طرماذ، وكذا قال "ابن بري"، وفي "الذيل والصلة" للصاغاني: الطرمذار بالفتح الصلف كالطرماذ، فلا عبرة بما قاله المصنف.
والمتشيع أصل معناه المتكلف الشبع، ثم تجوز به عن كل مظهر لما يخالف الواقع، وفي الحديث "المتشبع بما ليس فيه كلابس ثوبي زور".
стр. 459
والصواب فيه طرماذ على ما حكاه "أبو عمر الزاهد" في كتاب "اليواقيت" وأنشد عليه لبعض الرجاز:
(سلمت في يومي على معاذ ... سلام طرماذ على طرماذ)
ــ
وقوله في الشعر المذكور فيه:
(فصلى السعي فيها ... وعلى الله النجاح)
كقول الآخر:
(على المرء أن يسعى لما فيه نفعه ... وليس عليه أن يساعده الدهر)
стр. 460
[١٢٦]- قولهم: هاتا بمعنى أعطيا
ويقولون للاثنين: هاتا بمعنى أعطيا، فيخطئون فيه لأن هاتا اسم للإشارة إلى المؤنثة الحاضرة، وعليه قول "عمران بن حطان":
(وليس لعيشنا هذا مهاة ... وليست دارنا هاتا بدار)
(وإن قلنا لعل بها قرارًا ... فما فيها لحي من قرار)
والصواب أن يقال لهما: هاتيا بكسر التاء، لأن العرب تقول للواحد المذكور: هات بكسر التاء، وللجمع: هاتوا. كما تقول العامة: هاتم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾. وتقول للمؤنثة: هاتي، ولجماعة الإناث:
ــ
(ومن ملح العرب أن رجلًا قال لأعرابي: هات، فقال: والله ما أهاتيك أي ما أعطيك).
قالوا: لم يسمع من هذا إلا الأمر، وقال "الفراء": ليس في كلامهم هاتيت، وإنما هو في كلام أهل الحيرة، ولا يقال: لا تهات ولا مهاتاة ولا غير ذلك، وقد لحنوا أيضًا ففتحوا تاءه ووقع هذا في شعر أرسله بعض الأدباء إلى "ابن نباتة" فقال في جوابه معترضًا:
(هات قل لي إذا لحنت من السكـ ... ـر ولا تلحني إذا قلت هاته)
(وليس لمشينا هذا مهاه ... وليت دارنا هاتا بدار)
المهاه: خفض العيش، يقال: مههت، ومه الإبل رفق بها وسير مهه ومهاه، والمهاه أيضًا الطراوة والحسن، ومهاه بهاءين رواه "ثعلب"، وأكثر العلماء و"المبرد" يثبتون الهاء وصلًا فيقولون: مهاه، ووزنه فعال ومعناه اللمعان والصفاء.
стр. 461
هاتين، وتقول للاثنين من المذكر والمؤنث: هاتيا من غير أن يفرقوا في الأمر لهما، كما لم يفرقوا بينهما في ضمير المثنى في مثل قولك: غلامهما وضربهما، ولا في علامة التثنية التي في قولك: الزيدان والهندان، وكان الأصل في هات آت المأخوذ من أتى أي أعط، قلبت الهمزة هاء كما قلبت في أرقت الماء وفي إياك، فقيل: هرقت وهياك.
وفي ملح العرب أن رجلا قال لأعرابي: هات، فقال: والله ما أهاتيك أي ما أعطيك ...
ــ
و"الأصمعي" يقول: مهاة كحصاة، وتقديرها فعلة عنده، [وأصلها مهوة أي صفاء ورونق، ولامها واو] وهي مقلوب الماء بحسب الأصل، على أنهم قد استعملوا فعل الماء على هذا القلب، ويقال: أمهاه على حجره أي حدده وسقاه ماء، والأصل أماهه فقلب، ووزنه فعلة، ومنه موهت عليه أي جعلت للحديث لديه رونقًا.
ويقال: حفر البئر حتى أمهاه في لغة، وفي الأخرى حتى أمامه فمعنى البيت: أن هذا الدار ليس لها بقاء ولا لعيشها رونق وصفاء، وعلى المعنى الآخر يقول: إنها ليست دار قرار ولا لعيشها خفض مع ما يشوبه من الأكدار، ويروي:
(وليست دارنا الدنيا بدار)
ومن رواة مهاة بالتاء ففي ليس ضمير الشأن، وذكر أو مهاة اسم ليس، للفصل أو لأنه غير مؤنث حقيقي، وأيضًا فتذكير ليس مع الاسم المؤنث أسهل من تذكير سواها في الأفعال، إذ لم تتصل اتصال غيرها من الأفعال بما أسندت إليه من المؤنث من جهة أنك لو حدفتها استقل ما بعدها بخلاف نحو: ضرب هند زيدًا، ومن روى مهاة لا يتكلف ذلك كما قاله "ابن هشام" في تذكرته.
стр. 462
[١٢٧]- قولهم: رأيت الأمير وذويه
ويقولون: رأيت الأمير وذويه فيوهمون فيه، لأن العرب لم تنطق بذي الذي بمعنى صاحب إلا مضافًا إلى اسم جنس، كقولك: ذو مال وذو نوال، فأما إضافته إلى الأعلام وإلى أسماء الصفات المشتقة من الأفعال فلم يسمع في كلامهم بحال، ولهذا لحن م قال: صلى الله على نبيه محمد وذويه، فكما [لم يقولوا: ذو عالم ولا ذو ظريف] لم يقولوا: ذوو نبي ولا ذوو أمير، وقصروا ذا على إضافته إلى الجنس، ولهذا لم يرفع السبب لأنه ليس بمشتق من فعل فيرفع كما ترفع الأفعال، فلا يجوز أن يقال: مررت برجل ذي مال أبوه، فإن أردت تصحيح هذا الكلام جعلت الجملة مبتدأ به فقلت: مررت برجل ذو مال أبوه، فيصح حينئذ الكلام لأن النكرة تختص بأن توصف بالجملة.
ــ
(ويقولون: رأيت الأمير وذويه فيوهمون فيه، لأن العرب لم تنطق بذي الذي بمعنى صاحب إلا مضافًا إلى اسم جنس).
ليس هذا يلازم وإن كان هو الأكثر في الاستعمال لأنها وضعت ليتوصل بها إلى الوصف بأسماء الأجناس، والمشتقات تقع صفة فهي غير محتاجة إلى التوصل، والضمائر لا يوصف بها، وما أنكره مسموع كقول "كعب":
(صبحنا الخزرجية مرهفات ... أباد ذوي أرومتها ذووها)
وفي أثر "لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذووه"، وإذا سمع فلا بدع في استعماله مرة أخرى، وليس مثله من قبيل القياس لأنه مسموع بعينه ولا فرق بين ضمير وضمير.
وفي شرح "التسهيل" ذهب "الفراء" إلى أن إضافة ذو إلى العلم قياسية، وكلامهم يقتضيه لقولهم في الأعلام المحكية إذا ثنيت أو جمعت قلت: ذو أو ذوو شاب قرناها، وفي "البسيط" أكثر النحويين على منع إضافة ذي إلى المضمر أو العلم، وأجاز "ابن بري" أن يضاف إلى ما يضاف إليه صاحب لأنها بمعناه. قال: وإنما منعه النحاة إذا كان وصلة للوصف فإن لم يكن كذلك لم يمتنع نحو: رأيت الأمير وذويه، ورأيت ذا زيد فعلم ما في كلامه.
стр. 463
[١٢٨]- قولهم: الحوامل تطلقن
ويقولون: الحوامل تطلقن والحوادث تطرقن، فيغلطون فيه لأنه لا يجمع في هذا القبيل بين تاء المضارعة والنون التي هي ضمير الفاعل، ووجه الكلام أن يلفظ فيه بياء المضارعة المعجمة باثنتين من تحت، كما قال. تعال: ﴿تكاد السموات يتفطرن منه﴾ وعلى هذا يقال: الغواني يمزحن والنوق يسرحن، وفيما يحكى أن "مطيع بن إياس" و"يحيى بن زياد" و"حمادا الرواية" كانوا يشربون ذات يوم ومعهم نديم لهم قندرت منه فلتة فخجل ونهض ولم يعد إليهم، فكتب إليه "مطيع بن إياس":
(أمن قلوص غدت لم يؤذها أحد ... إلا تذكرها بالرمل أوطانا)
(خان العقال لها فانبت إذ نفرت ... وإنما الذنب فيها للذي خانا)
(أوليتنا منك هجرانا ومقلية ... ولم تزرنا كما قد كنت تغشانا)
ــ
(ويقولون: الحوامل تطلقن والحوادث تطرقن فيغلطون فيه، لأنه لا يجمع في هذا القبيل بين تاء المضارعة والنون التي هي ضمير الفاعلات، ووجه الكلام فيه أن يلفظ بباء المضارعة المعجمة باثنتين من تحت، كما قال تعالى: ﴿تكاد السموات يتفطرن﴾).
قال "الزمخشري": في هذه الآية قراءة غريبة وهي تتفطرن بتاءين مع النون، ونظيرها حرف روي من نوادر "ابن الأعرابي" وهي تشممن. اهـ.
стр. 464
(خفض عليك فما في الناس ذو إيل ... إلا وأينقه يشردن أحيانا)
ــ
فإذا قرى به وورد في كلام فصحاء العرب قديمًا، فكيف يتأتى ما ذكره المصنف؟ فهو من قصور الباع وقلة الاطلاع.
стр. 465
[١٢٩]- قولهم: شلت الشيء
ويقولون: شلت الشيء، فيعدون اللازم بغير حرف التعدية، ووجه الكلام أن يقال: أشلت الشيء أو شلت به فيتعدى بهمزة النقل أو بالياء، كما تقول العرب: شالت الناقة بذنبها وأشالت ذنبها، والشائل عندهم هو المرتفع، ومنه قول الشاعر:
(يا قوم من يعذر في عجرد ... القاتل المرء على الدانق)
(لما رأى ميزانه شائلا ... جاه بين الأذن والعاتق)
وحكى "ثعلب" عن "ابن الأعرابي" قال: حضرت "أبا عبيدة" في بعض الأيام، فأخطأ في موضعين. فقال: شلت الحجر، وإنما هو شلت بضم الشين، ثم أنشد:
شلت يدا فارية قرتها ...
ــ
(ويقولون: شلت الشيء فيعذون اللازم بغير حرف التعدية)
هذا مما قرره أهل اللغة، إلا أن الأمر فيه سهل لأن باب التعدية واسع والمر فيه سهل، ويجوز أن يتجوز عن الرفع أو الحمل، أو يضمن أو يحمل عليه، على أن في كلامهم ما يقتضي صحته وسماعه من العرب كما في مسائل "ابن السيد" وقد قيل: إن قول "النمر بن تولب"
стр. 466
فضم الشين وإنما هو بالفتح.
وذكر بعض [مشايخ] أهل اللغة أن من أفحش ما تلحن فيه العامة قولهم: شال الطير ذنبه؛ لأنهم يلحنون فيه ثلاث لحنات؛ إذ وجه القول: أشال الطائر ذناباه.
وذكر "أبو عمر الزاهد" أن أصحاب الحديث يخطئون في لفظه ثلاثية في ثلاثة مواضع. فيقولون في "حراء" اسم الجبل: حرى، فيفتحون الحاء وهي مكسورة ويكسرون الراء وهي مفتوحة، ويقصرون الألف وهي ممدودة. وحراء مما صرفته العرف ولم تصرفه.
ــ
جموم الشد شائلة الذنابي
يحتمل أن مضاف للفاعل فيؤنس التعدي، وقوله: (وجاه) بمعنى طعنه، وأصله وجأه فخفف، وقوله: (شلت بضم الشين، وإنما هو شلت بالفتح) في شرح "الشواهد" قوله:
شلت يمينك إن قتلت لمسلمًا
قال في "العباب": شلت بالبناء للفاعل والمجهول لغة رديئة، فما أنكره مسموع على رداءته، وكفى به سندًا لمن استعمله [والذنابي الذنب، وهو في الطائر أكثر من الذنب والذنب في الفرس أكثر من الذنابي كما في كتب اللغة].
واستعمال الطائر والطير في محل غير محذور، ويؤيده أنه قرى بها في قوله تعالى: ﴿فيكون طيرًا بإذن الله﴾ فلا كن فيه.
وقوله: (ويقصرون الألف وهي ممدودة) فيه نظر، لأنه مع كسر الراء كيف يكون ألفًا، إلا أن يريد بالكسر الإمالة، فتدبر.
стр. 467
[١٣٠]- القول في ها وهاء
ويقولون لمن يتناول شيئًا: ها بقصر الألف، فيلحنون فيه، لأن الألف ممدودة كما جاء في الحديث "الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء"، ويجوز فيه فتح الهمزة وكسرها مع مد الألف في كلتيهما، ولا تقصر هذه الألف إلا إذا اتصلت بها كاف الخطاب فيقال: هاك، كما يروى أن "عليا" ﵁ آب إلى "فاطمة" من بعض مواطن الحرب وسيفه يقطر من الدم فقال:
(أفاطم هاك السيف غير مذمم)
وعند النحويين أن المدة في قولك: هاء جعلت بدلا من كاف الخطاب لأن أصل وضعها أن تقرن كاف الخطاب بها.
ــ
(ويقولون لمن تناول شيئًا: ها بقصر الألف فيلحنون فيه لأن ألفه ممدودة).
محصل ما قاله المحققون في كتب العربية أن "ها" بمعنى خذ، وفيه ثلاث لغات:
والأولى: تجريده من كاف الخطاب فتقول: ها زيدًا للمفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث.
والثانية: لغة "بني زبير" فتأتي بكاف الخطاب بحسب التثنية والجمع والمذكر والمؤنث، فتقول: هاك وهاك وهكما وهاكم وهاكن.
والثالثة: أن يؤتث بهمزة موضع الكاف فتتصرف تصرفها بحسب المخاطب في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فتقول: - إذا خاطبت مذكرًا -: هاء بفتح الهمزة، أو مؤنثًا: هاء بكسرها، وللإثنين: هاؤما بضم الهمزة كما تقول هاكما، ولجمع المؤنث: هاؤن، كما تقول هاكنن ولجمع المذكر: هاؤم كما تقول هاكم، وهي أفصح اللغات، وبها جاء القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ ويجوز أن تقول:
стр. 468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هاء يا رجال في موضع هاؤم، كما جاز ذلك مع الكاف في قوله تعالى: ﴿ذلك خير لكم﴾ في موضع ذلكم.
قالوا: وليس في العربية همزة تقع موقع كاف الخطاب إلا في هذه اللغة، ثم إنها قد تخرج عن أن تكون اسم فعل فتأتي فعلاً صريحًا وتلحقه الضمائر البارزة. وذلك على ثلاث لغات:
الأولى: أن يصرف كتصريف "عاط" أمر من عاطي يعاطي، فيقال للواحد المذكر: هاء كعاط، وللواحدة: هائي كعاطي، وللإثنين: هائيًا كعاطيا، وللذكور: هاءوا كعاطوا، وللإناث: هائين كعاطين.
الثانية: أن يصرف تصرف "خف" فيقال: هأكخف، وللمؤنث: هائي كخافي، وللإثنين: هاءًا كخافًا، وللذكور: هاءوا كخافوا، وللإناث: هأن كخفن. فهذه اللغة توافق التي قبلها في لفظ المفرد المؤنث وفي لفظ جماعة الذكور، ويختلفان في الباقي.
الثالثة: أن [تصرف] تصريف "هب" من وهب، فتقول للمذكر: هأ كهب، وللمؤنث: هئي كهبي، وللذكور: هئوا كهبوا، وللإناث: هأن كهبن. فهذه اللغة توافق التي قبلها في الواحد المذكر وفي جماعة الإناث ويختلفان في الباقي. منها في هذه فعل لبروز الضمائر فيها.
هذا محصل ما قالوه، وفي شرح "الكتاب" "للسيرافي" وفي "سر الصناعة" "لابن جني" أنه يمد ويقصر فإنكار المصنف للقصر قصور.
(أفاطم هاك السيف غير مذمم)
هذا ما نسب "لعلي بن أبي طالب" - كرم الله وجهه ورضي الله عنه_ على كلام فيه، فإن ما صح عنه من الشعر قليل وتمامه.
(فلست برعديد ولا بحبان)
وفي الديوان المنسوب "لعلي" - كرم الله وجهه - بديار العجم تمامه:
стр. 469
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فلست برعديد ولا بمليم)
وبعده:
(لعمري لقد أعززت في نصر أحمد ... وطاعة رب بالعباد عليم)
في شعر طويل أورده جامعه.
والرعديد: المرتعد لشدة خوفه، والمليم: الموقع فيما يلام به ويذم، والجبان معروف.
стр. 470
[١٣١]- قولهم: حسد حاسدك
ويقولون: حسد حاسدك بضم لحاء، فيعكسون المراد به ويجعلون المدعو عليه مدعوًا له، والصواب أن يقال: حسد حاسدك بفتح الحاء، أي: لا انفك حسودا، ولا زلت محسودًا وإلى هذا أشار الشاعر بقوله:
(إن يحدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا)
(فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظًا بما يجد)
ــ
(ويقولون: حسد حاسدك بضم الحاء فيمسكون المراد به، ويجعلون المدعو له مدعوًا عليه، والصواب أن يقال: حسد حاسدك بفتح الحاء، أي لا انفك حسودًا ولازلت محسودًا).
ما ذكره هو المتبادر، فإن كان ما ذكر صدر عن عامي فخطؤه لا يعتد به، وإلا فهو موجه بأن حسد الأشراف إنما يكون من أضرا بهم، إذ الفقير لا يحسد ملكًا عظيمًا، فكون حاسد المرء محسودًا كناية عن شرفه، كما ينعت لذاته.
وقيل: حسد هنا بمعنى عوقب على الحسد وعبر به للمشاكلة كما في الحديث: "إن الله لا يمل حتى تملوا" وفي "القاموس": حسدني الله إن كنت حاسدك، أي عاقبني
(إن يحسدوني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا)
(فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظًا بما يجد)
هو من قصيدة "لبشار بن برد" وقبله:
стр. 471
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرًا عنها ولا أرد)
(لا ينقص الله حسادي فإنهم ... أسر عندي من اللائي له الودد)
وهذا من قول "عردة بن أذينة" السابق:
(لا يبعد الله حادي وزادهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون)
(إني رأيتهم في كل منزلة ... أجل عندي من اللائي يحبوني)
ومن هذا أخذ "أبو حيان" قوله:
(عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا قطع الرحمن عني الأعاديا)
(هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فا فاكسبت المعاليا)
وأمثاله كثيرة.
стр. 472
١٣٢ - قولهم: أعطاه البشارة
ويقولون: أعطاه البشارة، والصواب فيه ضم الباء؛ لأن البشارة بكسر الباء ما بشرت به، وبضمها حق ما يعطي عليها، فأما البشارة بفتح الباء فإنها الجمال، ومنه قولهم: فلان بشير الوجه أي حسنة، وعند أكثرهم أن لفظة بشرته لا تستعمل إلا في الإخبار بالخير وليس كذلك، بل قد تستعمل في الإخبار بالشر كما قال سبحانه. ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾.
والعلة فيه أن البشارة إنما سميت بذلك لاستبانة تأثير خبرها في بشرة من بشر بها، وقد تتغير البشرة للمساءة بالمكروه كما تتغير عند المسرة بالمحبوب، إلا أنه إذا أطلق لفظها وقع على الخير، كما أن النذارة تكون عند إطلاق لفظها في الشر، وعلى ذلك [قوله تعالى]: ﴿الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة﴾.
ــ
(ويقولون: أعطاه البشارة، والصواب فيه ضم الباء، لأن البشارة بالكسر ما بشرت به، وبضمها ما يعطي عليها، فأما البشارة بفتح الباء فإنها الجمال) ومنه سمي بشير بمعنى حسن، والحق ما في "القاموس" من أن ما يعطاه المبشر بالكسر والضم، وهو ما ارتضاه "الكسائي" وتبعه "ابن السكيت" وكثير من أهل اللغة، وما ذكره المصنف مذهب فيه فلا وجه للتخطئة به.
وما ذكره من استعمال البشارة في الشر كما في قوله تعالى ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ غير مرضى عند المحققين من أهل العربية وأصحاب المعاني، والآية عندهم من قبيل الاستعارة التهكمية، أو من باب: تحية بينهم ضر وجيع. وفيها مذهبان آخران، فقيل: إنها تعم الخير والشر، وقيل: إذا أطلق فهو مخصوص بالخير كما إذا قيد به، فإن
стр. 473
ونظيرها لفظة وعد تستعمل في الخير، كما قال. عز اسمه: ﴿وعد لله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ وتستعمل أيضًا في الشر كما قال - تعالى -: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾.
فإن أطلق لفظة [الوعد] أو لفظ وعد انصرف إلى الخير، كما تقول العرب في الشجر المورق: شجر واعد، تومى إلى أنه وعد بالإثمار، وكقولهم في المثل: أنجز حر ما وعد.
فأما الوعيد والإبعاد فلا يستعملان إلا في الشر كقول الشاعر:
(وإني إن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي)
ــ
قيد بمعمول جاز استعماله في الشر أيضًا.
وكذا اختلفوا في الوعد والإيعاد كما ذكره، ثم أنشدوا عليه:
(ولا يهرب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختشي من صولة المتهدد)
(وإني إذا أوعدته أو وعدته ... لمخلف إبعادي ومنجز موعدي)
قالوا: يجوز الخلف في الوعيد دون الوعد، كما في [هذا] الشعر وغيره، ويشهد له قوله تعالى ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ وكما قال الشاعر:
(إذا وعد الراء أنجز وعده ... وإن أوعد الضراء فالمجد مانعه)
وهو الذي اختاره كثير من أهل السنة، وقال "الجبائي": لا يخلف الوعيد أيضًا
стр. 474
ونقيض لفظة البشارة لفظة المأتم، يتوهم أكثر الخاصة أنها مجمع المناحة، وهي عند العرب النساء يجتمعن في الخير والشر بدلالة قول الشاعر:
(رمته أناة من ربيعة عامر ... نؤوم الضحا في مأتم أي مأتم)
أي في نساء أي نساء، ويروي: أي مأتم بالرفع على حذف الخبر، ويكون تقدير لكلام: أي مأتم هو؟
ــ
وإلا لزم الكذب في كلام أصدق القائلين، وأجيب عنه بأنه قاس الوعد على الوعيد وبينهما فرق، لأن الوعد حق عليه تعالى، والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد جاد وتكرم، فظهر الفرق وبطل القياس.
وفيه أنه لم يدع القياس وإنما رده بلزوم المحال في صدور الكذب من ذي الجلال، ولهذا قيل: إنه إنما يتم لو كان الوعيد ثابتًا من غير شرط وهو مشروط بعد [العفو]، ولما رآه بعضهم غير تام لأن التقدير مع أنه خلاف الظاهر يجري فيهما.
قال إنهما من قبيل الإنشاء فلا يجري فيه الكذب والصدق، وفيه كلام ليس هذا محله.
(ونقيص لفظ البشارة لفظة المأتم، يتوهم أكثر الخاصة أنها مجمع المناحة، وهي عند العرب النساء يجتمعن في الخير والشر).
وهذا ليس بشيء لأنه قد ورد المأتم في كلام العرب بمعنى مجمع المناحة والحزن، كما قال "زيد الخيل":
(أفي كل عام مأتم تبعثونه؟ )
وقال "التميمي" في "منصور بن زياد"
(فالناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وعويل)
стр. 475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال آخر:
(أضحى بنات النبي إذ قتلوا ... في مأتم والوحوشن في عرس)
وهذا مما ذهب إليه كثير من أهل اللغة، وارتضاه "ابن بري" على أنه لو كان عامًا فاستعماله من بعض أفراده بقرينة لا يعد خطأ، حتى ذهب بعض أهل الأصول إلى أنه ليس بمجاز أيضًا. وفي "الأساس" تقول: ما حضرت المأتم وإنما حضرت المأتم وهو جماعة النساء من الأتم وهو القطع والفتق، وقد غلب على جماعتهن في المصائب.
ومن المنحول ما ذكره "السيوطي" من أنه أول ما سمي به رجل كان في زمن "داوود" يعمل الخصوص فسأله قوم من بني إسرائيل أن يعمل لهم خصًا يجتمعون فيه للصلاة، وكانوا يأتونه كل يوم، فيقول لهم: ما تم، [فبينما هم كذلك مات الرجل فاجتمعوا يبكون يأتونه كل يوم، فيقول لهم: ما تم، [فبينما هم كذلك مات الرجل فاجتموعا يبكون عليه ويقولون: ماتم]، فسمي بذلك. وكونه الجماعة من النساء. هو الأكثر، وقد يكون رجالا، كما قال الراجز: ما ترى حول الأمير المأتما كما قاله "ابن السيد" في شرح "سقط الزند".
стр. 476
[١٣٣]- قولهم: تفرقت الأهواء
ويقولون: تفرقت الأهواء والآراء، والاختيار في كلام العرب أن يقال في مثله: افترقت كما جاء في الخبر "تفترق أمتي كذا وكذا فرقة"، أي تختلف.
فأما لفظة التفرق فتستعمل في الأشخاص والأجسام، فإذا قيل: إن لزيد ثلاثة إخوة متفرقين كان المعنى أن كل واحد منهم ببقعة، إن قيل في وصفهم: مفترقين، كان المعنى أن أحدهم لأبيه وأمه والآخر لأبيه والثالث لأمه ...
وكذلك يقال: فرق بتشديد الراء فيما كان من قبيل الجمع، وفرق بالتخفيف فيما يراد به التمييز كقولك: فرق بين الحق والباطل والحالي والعاطل.
ــ
(ويقولون: تفرقت الآراء والأهواء، والاختيار في كلام العرب أن يقال في مثله: افترقت كما جاء في الخبر: "تفترق أمتي كذا وكذا فرقة" أي تختلف).
يعني أنه بين افتعل من هذه المادة كافترق وتفعل كتفرق فرق، لأن الأول يستعمل في المعاني والصفات فيقال: افترق اعتقادهم وإخوة مفترقون أي في النسب، بكونهم من بين الأعيان أو الأخياف أو العلات.
والثاني في الأجسام فيقال: تفرقوا في المقام، كذا فرق بالتشديد يراد به ضد الجمع، وبالتخفيف يراد به ميز.
فإنه أراد به أنه حسن أكثري - كما ينبى عنه (والاختيار) - فلا ينبغي أن ينظم في سلك الأغلاط مع أنه غير مسلم، وإن ادعى لزومه فهو خطأ منه، ومما يدل على ذلك قوله - تعالى - ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ وقوله ﴿ولا تتفرقوا فيه﴾ وقوله ﴿وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءتهم البينة﴾ مما هو نص فيه، فإنه تفرق اعتقاد
стр. 477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأديان لا تفرق أجسام وأبدان، وقد صرح "الجوهري" بأنهما مستويان، وفي الحديث: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا" وروى "يفترقا" أي بالأقوال كما ذهب إليه "مالك" و"أبو حنيفة" أو بالأبدان كما ذهب إليه "الشافعي" و"أحمد" فرأوا التفرق والافتراق في الحديث بمعنى، وكذا فرق المخفف بمعنى التمييز يكون بين المعاني والأجسام كما في "عمدة الحفاظ".
стр. 478
[١٣٤]- قولهم تذكار بكسر التاء
ويقولون في مصدر ذكر الشيء: تذكار بكسر التاء، والصواب فتحها، كما تفتح في تسآل وتسيار وتهيام، وعليه قول "كثير":
(وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت)
(لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقيل اضمحلت)
ــ
(ويقولون في مصدر ذكر الشيء: تذكارًا بكسر التاء والصواب فتحها كما تفتح في تسآل وتسكاب وتهيام).
هذا ما ذكره أهل اللغة [ومثلة التجفاف شيء يجعل على الخيل كأنه درع لها، وفي "المغرب" أنه تفعال من جف لما فيه من الصلابة، وقد ذكر هذا ف شرح "الكتاب" وفسر التمساح والتعشار باسم موضع، وقال: لم يجي بالكسر إلا حرف وهو تبيان مصدر بين. وقال غيره: إنه لم يجي [مكسورًا] على أنه مصدر، وإنما وافق معنى المصدر فاستعمل في موضعه كما وقع كثير من الأسماء موقع المصادر، كما وقع الطعام وهو للمأكول موقع الإطعام. وفي "الصحاح" لم يجي مصدر بكسر التاء إلا تبيان وتلقاء، وزادوا عليه تشرابًا في قولهم: شرب الخبر تشرابا فإنه سمع فيه الفتح والكسر، وإن اقتصر "الجوهري" وغيره، على الفتح وزاد "الرعيني" في شر "ألفية ابن معطي" تفراج للجبان، وتكلام للكثير الكلام، وتفضال من المفاضلة.
стр. 479
وذكر أهل العربية أن جميع المصادر التي جاءت على تفعال هي بفتح التاء إلا مصدرين تبيان وتلقاء، وقال بعضهم: وتنصال أيضًا.
فأما أسماء الأجناس والصفات فقد جاءت منها عدة أسماء على تفعال بكسر التاء: تجفاف وتمثال وتمساح وتقصار. وهي المختفة القصيرة. وتمراد، وهو بيت صغير يتخذ للحمام، ورجل تيتاء وهو العذيوط، وتبراك وتعشار وتربعا، وهي أسماء أمكنة، وقالوا: مر ثهواء من الليل بمعنى هوي، ورجل تنبال أي قصير، وتلعاب أي كثير اللعب، وتلقام أي سريع اللقم، وقالوا أيضًا: ناقة تضراب إذا ضربها الفحل وثوب تلفاق أي لفقان.
ــ
(وتتفاق الهلال بتاءين أولاهما مكسورة وهو ميقاته) يقال: جئت لتتفاق الهلال أي حيث أهل، وتسخان لواحد التساخين، و (تتبال) (وتنبالة) للقصير على راي، ووزنه عند "سيبويه" فعلال فالتاء عنده أصلية].
[ثم أنشد المصنف بيت "كثير عزة" وهو من شعر أوله:
(وكانت لقطع الحبل بيني وبينها ... كناذرة نذرًا وفت وأحلت)
(فقلت لها: يا عز كل مصيبة ... إذا وطنت يومًا لها النفس ذلت)
(ولم يلق إنسان من الحب متعة ... تغم ولا عمياء إلا تجلت)
(أباحت حمى لم يرعها الناس قبلها ... وحلت تلاعًا لم تكن قبل حلت)
стр. 480
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(هنيئًا مريئًا غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت)
(أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت)
(ووالله ما قاربت إلا تباعدت ... بهجر ولا استكثرت إلا أقلت)
(وما مر من يوم على كيومها ... وإن عظمت أيام أخرى وجلت)
(فواعجبًا للقلب كيف اعترافه ... وللنفس لما وطنت كيف ذلت)
(وإني وتهيامي بعزة بعدما ... تخليت مما بيننا وتخلت)
(لكالمرتجي ظل الغمامة كلما ... تبوأ منها للمقبل اضمحلت))]
стр. 481
[١٣٥]- الفرق بين أجلس واقعد
ويقولون للقائمك أجلس، والاختيار على ما حكاه "الخليل بن أحمد" أن يقال لمن كان قائمًا: اقعد ولمن كان نائمًا أو ساجدًا: اجلس، وعلل بعضهم لهذا الاختيار بأن القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجله: مقعد، وإن الجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو، ومنه سميت "نجد" جلسًا لارتفاعها، وقيل لمن أتاها: جالس وقد جلس، ومنه قول "عمر بن عبد العزيز" للفرزدق:
ــ
(ويقولون للقائم: اجلس، والاختيار على ما حكاه "الخليل بن أحمد" أن يقال لمن كان قائمًا: اقعد، ولمن كان نائمًا أو ساجًدا: اجلس، وعلل بعضهم هذا الاختيار بأن القعود هو الانتقال من علو إلى سفل، ولهذا قيل لمن أصيب برجله: مقعد، وأن الجلوس هو الانتقال من سفل إلى علو).
هذا وإن ذكره بعض اللغويين فقد ورد في الأحاديث الشريفة وفي كلام الفصحاء ما يخالفه، كما روى "عروة بن الزبير" أن النبي ﷺ خرج في مرضه، إلى أن قال: فجلس ﵇، و"عروة" أرسخ في لغة العرب من أن يخفى عليه مثله. وفي حديث القبر الصحيح "أتاه ملكان فأقعداه" قال "الكرماني": أي أجلساه وهما مترادفان، وهذا يبطل قول من فرق بينهما، فلا عبرة بقول "التوربشتي": وقع في رواية "البراء" فيجلسانه وهو
стр. 482
قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس)
أي اقصد "نجدا".
وموجب هذا البيت أن "عمر بن عبد العزيز" لما كان واليًا على المدينة قال "للفرزدق": إن كنت تلزم العفاف وإلا فاخرج إلى "نجد" فإن المدينة ليست بدار مقامة لك.
وحكى "أبو عبد الله بن خالويه" قال: دخلت يومًا على "سيف الدولة بن حمدان" فلما مثلت بين يديه قال لي: اقعد، ولم يقل: اجلس، فتبينت بذلك اعتلاقه بأهداب الأدب واطلاعه على أسرار كلام العرب.
ــ
أولى، وكأن الأول رواه بالمعنى لظنه أنهما مترادفان، مع أن الفرق لو سلم فإنما هو بحسب الأصل ومقتضى [الاشتقاق]، ولتقارب معنييهما وقع كل منهما موقع الآخر وشاع حتى صار حقيقة عرفية.
وكان بعض مشايخنا يقول: كل لفظين تقارب معناهما إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، وهو من بديع المعاني، وقد سوى بينهما في "عمدة الحفاظ" و"القاموس"، وعليه تمثيل النحاة بقعدت جلوسًا في المفعول المطلق.
والقعود يكون مصدرًا وجمع قاعد كالجلوس، وأما الخروج فلم يرد إلا مصدرًا، وقيل: إنه يكون جمع خارج أيضًا كما في قولهم: هم خروج [وفيه نظر].
وفرق بعضهم بين القعود والجلوس بفرق آخر كما في "الإتقان" فقال: القعود ما تعقبه لبث بخلاف الجلوس، ولهذا يقال: قواعد البيت دون جوالسه للزومها، وهو جليس الملك دون قعيده لأنه يحمد منه التخليف، ولذا قيل: ﴿مقعد صدق﴾ لأنه لا زاول له، وقيل [في قوله - تعالى -: ﴿تفسحوا في المجالس﴾] أنه يجلس يسيرًا.
(ومنه قول "عمر بن عبد العزيز" للفرزدق:
стр. 483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(قل للفرزدق والسفاهة كاسهما ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس)
هذا خطأ من "الحريري" في الرواية، فإن "جريرًا" كان هجا "الفرزدق" بقصيدة ميمية فأجابه "الفرزدق" بقصيدة أتى فيها بما يوجب الحد عليه، فشكاه أهل المدينة إلى "مروان بن الحكم" الأموي، وكان يومئذ والي المدينة من قبل "معاوية"، فكتب "مروان" إلى عامله يأمره بحده وسبحنه وأعطاه الكتاب ليوصله إليه وأوهمه أنه أمر له بجائزة فيه، ثم كتب يشير إلى ذلك بقوله:
(قل للفرزدق والسفاهة كاسمها ... إن كنت تارك ما أمرتك فاجلس)
وإذا خشيت من الأمور عظيمة ... فخذن لنفسك بالزماع الأكيس)
(ودع المدينة إنها مذمومة واقصد لمكة أو لبيت المقدس)
فلما فطن "الفرزدق" أجابه بقصيدة منها:
(مروان إن مطيتي محبوسة ... ترجو الحياة وربها لم ييأس)
(ألق الصحيفة يا فرزدق لا تكن ... نكداء مثل صحيفة المتلمس)
كذا نقله "ابن خلكان" عن ثقات المؤرخين، وقوله: مذمومة، يعني ذات ذمة وحرمة، وقيل: من الذم لما عرض له فيها.
стр. 484
١٣٦ - قولهم: نعم من مدحت
ويقولون في جواب من مدح رجلاً أو ذمه: نعم من مدحت وبئس من ذممت، والصواب أن يقال: نعم الرجل [من] مدحت، وبئس الشخص من ذممت، كما قال "عمرو بن معدي كرب" وقد سئل عن قومه: نعم القوم قومي عند السيف المسلول والمال المسئول.
ويكون تقدير الكلام في قولك نعم الرجل زيد أي الممدوح من الرجال زيد، وقد يجوز أن يقتصر على ذكر الجنس، ويضمر المقصود بالمدح والذم اكتفاء بتقدم ذكره، فيقال: نعم الرجل وبئس العبد، كما جاء في التنزيل: ﴿ووهبنا لدود سليمان نعم العبد﴾، أي نعم العبد سليمان، فحذف اسمه لتقدم ذكره وعلم المخاطبين به.
ــ
(ويقولون في جواب من مدح رجلا أو ذمة: نعم من ممدحت وبئس من ذممت، والصواب أن يقال: نعم الرجل من مدحت وبئس الرجل من ذممت).
هذا من تكثير السواد بتكدير موارد السداد بما لا طائل تحته.
قال في شرح "التسهيل": لا يمتنع عند "المبرد" و"الفارسي" إسناد نعم وبئس إلى الذي الجنسية، نحو نعمالذي يأمر بالمعروف زيد، أي الآمر بالمعروف على قصد الجنس، ومنع كون الذي فاعل نعم وبئس مطلقا الكوفيون وجماعة من البصريين منهم "ابن السراج" و"الجرمي" وأجاز قوم من النحويين ذلك في "من وما" الموصولين مقصودًا بهما الجنس وعليه "ابن مالك" واستشهدوا لجوازه وجواز المضاف إليه بقول الشاعر:
(فنعم مذكاء الإسناد من ضاقت مذاهبه ... ونعم من هو في سر وإعلان)
стр. 485
والأصل في ذلك أن نعم وبئس فعلان وضعا للمدح والذم بعدما نقلا عن أصليهما وهما النعم والبؤس، وفاعلهما لا يكون أبدًا إلا معرفًا بالألف واللام اللتين هما للجنس، أو ما أضيف إلى ما هما فيه كقولك: نعم الرجل زيد، ونعم صاحب العشيرة عمرو، أو يضمر هذا الاسم على أن تفسيره نكرة من جنسه فينصب على التمييز، كقوله تعال: ﴿بئس للظالمين بدلا﴾ أي بئس البدل بدلا، فأضمره وفسره بالنكرة المنصوبة من جنسه.
ومنع أهل العربية أن يكون فاعل هذين الفعلين مخصوصًا، ولهذا لم يجيزوا أن يقال: نعم زيد ولا نعم أبو علي [حتى يقال: نعم الرجل زيد ونعم الرجل أبو علي، ويكون تقدير الكلام: الممدوح في الرجال زيد، وإنما جوز نعم ما صنعت لدلالة الفعل الموجود على الاسم المحذوف، إذ تقدير الكلام نعم الفعل ما فعلت،
ــ
ولو لم يصح الإسناد لم يصح ما أضيف إليه.
وقوله: (ينصب على التمييز) ليس بصحيح لأن التمييز لا يكون إلا بنكرة صالحة لقبول أل.
والمراد بأهل العربية أهل البصرة.
وبما قررناه لك أولاً عرف ما في كلام المصنف من القصور، ثم إنه قال: نعم للمبالغة في المدح كبئس للمبالغة في الذم، ورد على من قال: إنهما للاقتصاد في ذلك، وتخطئة من قال في حق "علي": نعم الرجل، وقد قال - جل من قائل -: ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾.
وعندي أنها بحسب الوضع تفيد المبالغة إلا أنها بحسب العرف ليست كذلك حتى لو قال أحد لآخر: نعم أنت وبخه على ذلك، فلم يتوارد كلام الأموي و"شريك" على محل واحد، وكذا كلام المصنف لم يصب محزه - فتدبر.
стр. 486
فكأن المضمر المحذوف بمنزلة المتلفظ به.
ومنع "علي بن عيسى الربعي" من جواز ذلك، وقال: تصحيح الكلام نعم ما فعلت، لتكون (ما) الأولى بمعنى شيء كما أنها في التعجب بمعناه، ويصير تقدير الكلام نعم شيء شيئًا صنعت، فيناسب قولهم: نعم رجلاً زيد].
стр. 487
وكذلك امتنعوا أن يقولوا: نعم هذا الرجل، لأن الرجل ههنا صفة لهذا واللام فيه لتعريف الإشارة والخصوص، ومن شرطية لام التعريف الداخلة على فاعل نعم وبئس أن تكون للجنس المحيط بالعموم، فيكون إفراد لفظها في معنى الجمع كاللام التي في قوله تعالى: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أي إن الناس، بدليل أنه - تعالى - استثنى منهم الذين آمنوا، ولا يجوز استثناء الجمع من المفرد.
وعند قوم أن وضع نعم وبئس للاقتصار في المدح والذم، وليس كذلك بل وضعهما للمبالغة، ألا ترى إلى قوله. تعالى. في تمجيد ذاته وتعظيم صفاته: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾، وإلى قوله. سبحانه. في صفة النار التي توعد بها الكفار: ﴿ومأواهم جهنم وبئس المهاد﴾
стр. 488
وحكى "أبو القاسم بن برهان النحوي" أنه كان "لشريك بن عبد الله النخعي" جليس من بني أمية، فذكر "شريك" في بعض الأيام فضائل "علي" رضوان الله عليه، فقال ذلك الأموي: نعم الرجل علي، فأغضبه ذلك، وقال له: ألعلي يقال: نعم الرجل؟ فأمسك حتى سكن غضبه، ثم قال له: يا أبا عبد الله، ألم يقل الله تعالى في الإخبار عن نفسه: ﴿فقدرنا فنعم القادرون﴾ وقال في "أيوب" ﵇: ﴿إنا وجدناه صابرًا نعم العبد إنهه أواب﴾ وقال في "سليمان" ﵇: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾ أفلا ترضى لعلي بما رضي به الله تعالى لنفسه ولأنبيائه؟ فتنبه "شريك" عند ذلك لوهمه وزادت مكانة الأموي في قلبه.
стр. 489
[١٣٧]- قولهم: النسيان
ويقولون ضد الذكر: النسيان بفتح النون والسين، فيوهمون فيه، لأن النسيان تثنية النسا وهو العرق الذي في الفخد، فأما المصدر من نسي فهو النسيان على وزن فعلان مثل العرفان والكتمان، فإن جاءت مصادر في كلام العرب على فعلان بفتح الفاء والعين فهي مما يختص بالحركة والاضطراب كالوجدان [والذملان] واللمعان والضربان، ومن غريب ما جاء على فعلان قولهم في جمع كروان: كروان، كما قال "ذو الرمة":
(من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الكروان أبصرون بازيا)
وذكر بعضهم أنه يجمع صفوان على صفوان، وهو من الشاذ.
ــ
(فإن جاءت مصادر في كلام العرب على فعلان بفتح الفاء والعين فهي مما يختص بالحركة والاضطراب).
هذا ما ذكره "ابن جني" وعده من بدائع العربية لدلالة الهيئة على معانيها الوضعية، إلا أنهم أوردوا على ما ذكره شنآن بمعنى البغض، وأجاب عنه صاحب "الكشف": بأن في اضطرابا وحركة نفسية تنزل منزلة الحسية، و"لأبي علي الفارسي" في "الحجة" كلام نفيس ليس هذا محله.
(ومن غريب ما جاء على وزن فعلان قولهم في جمع كروان: كروان).
يعني أنه جمع فعلان بفتح الفاء وسكون العين على فعلان بكسر الفاء وسكر العين، وهو من النوادر في الأوزان.
وقال "ابن بري": إنه ورد منه ألفاظ أخر غير ما ذكره المصنف، وهي ورشان لطائر وجمعه ورشان، وقلتان للفرس النشيط وقلتان في جمعه، وصلتان للماضي في الأمور،
стр. 490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصميان وشقدان للحرباء، فهي على ما ذكره المصنف من كروان وصفوان ثمانية، وصفوان اسم للحجر.
والكروان طائر يشبه البط لا ينام بالليل فسمي بضده، وفي المثل "أجبن من كروان" لأنه إذا قيل له:
(أطرق كرا أطرق كرا ... إن النعامة في القرى)
لصق بالأرض فيلقى عليه ثوب فيصاد، وهذا مثل يضرب للمعجب بنفسه.
وفي شرح "التسهيل" "لابن عقيل" قال "سيبويه": قالوا كروان والجمع كروان، وإنما كسر على كرى كالإخوان، وهو وهم، فإنهم إنما قالوه في المثل وهو ترخيم، وقياس جمه كراوين، وما نقل عن "سيبويه" ارتضاه في "المحكم" وتبعه صاحب "القاموس". وما زعمه من وهم "سيبويه" لأنه ولو سلم أنه في المثل ترخيم لا يضره، لأن مراده أنه جمع لمفرد مقدر جار على القياس، وبه صرح "المبرد" فقال - في الكامل -: الكروان جمعه كروان طائر معروف، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله، ولكنه على حذف الزوائد [والتقدير كرى وكروان] كما تقول: أخ وإخوان وورل وورلان، فجمعه على حذف الزوائد، وقد استعمل في المفرد كذلك فتقول العرب في مثل لها: أطرق كرا. اهـ.
وعلى ما ذكره "سيبويه" وارتضاه "المبرد" لا يكون هذا غريبًا نادرًا كما قاله المصنف [كما قال "ذو الرمة"]:
(من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا)
هو من قصيدة مدح بها "بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري" وأولها:
(تقول عجوز مد رأتني رائحا ... على بيتها من عند أهلي وغاديا)
(أذو زوجة في الحضر أم ذو خصومة ... أراك لها بالبصرة العام ثاويا)
стр. 491
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فقلت لها: لا، إن أهلي جيرة ... لأكثبة الدهنا جميعًا وماليا)
(وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ... أراجع فيها يابنة الخير قاضيا)
(ولكنني أقبلت من جانبي حسا ... أزور فتى نجدًا كريمًا يمانيا)
من آل أبي موسى .... إلخ]
قال "المبرد" قوله: ترى القوم أي الثقات من الرواة.
стр. 492
[١٣٨]- قولهم: بين ظهرانيهم
ويقولون: هو بين ظهرانيهم بكسر النون. والصواب أن يقال: بين ظهرانيهم بفتح النون، وأجاز "أبو حاتم" أن يقال: ظهريهم، وحكى "الفراء" قال: قال أعرابي. ونحن في حلقة "يونس بن حبيب" بالبصرة: أين مسكنك؟ فقلت: الكوفة. فقال لي: يا سبحان الله، هذه "بنو أسد" بين ظهرانيكم وأنت تطلب اللغة بالبصرة؟ قال: فاستفدت من كلامه فائدتين: إحداهما أنه قال: هذه ولم يقل: هؤلاء لأنه أشار إلى القبيلة فأنث، والثانية أنه قال: ظهرانيكم بفتح النون ولم يقل بكسرها.
ويحكى أن "المغربي" وقف على "الجنيد" فساله عن قوله تعالى: ﴿سنقرئك
ــ
(ويقولون: هو بين ظهرانيكم بكسر النون والصواب أن يقال: بين ظهرانيهم بفتح النون).
في "الفائق" يقال: أقام فلان بين أظهر قومه وبين ظهرانيهم، أي بينهم، وإقحام لفظ الظهر ليدل على أن إقامته فيهم على سبيل الاستظهار بهم والاستناد إليهمن ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرا منهم قدامه وآخر وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم غلب على المقيم فيهم وإن لم يكن مكنوفا، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد كنفساني بالنسبة لنفس. اهـ. [وقوله (حرجت) من الحرج وهو الإثم، وهذا تعظيم له وهو ظاهر].
стр. 493
فلا تنسى﴾ فقال: سنقرئك التلاوة فلا تنس العمل به، ثم سأله عن قوله : ﴿ودرسوا ما فيه﴾ فقال: تركوا العمل به، فقال: حرجت أمة أنت بين ظهرانيها لا تفوض أمرها إليك.
стр. 494
[١٣٩]- قولهم: دخلت الشام
ويقولون: دخلت الشام، وهو غلط قبيح وخطأ صريح، لأن اسم البلد الشام ولفظه مذكر، والدليل على هذين الأمرين قول الشاعر:
(يقولون: إن الشام يقتل أهله ... فمن لي إن لم آته بخلود)
ويجوز في المنسوب إليه ثلاثة أوجه: شامي وهو القياس [وشأامي] بياء مخففة مثل ياء المنقوص، وشأآمي وهو شاذ، لأنه يصير بمنزلة المنسوب إلى المنسوب.
وكذلك جوز في المنسوب إلى اليمن هذه الأوجه الثلاثة. وعلى الشاذ منها قول "عمر بن أبي ربيعة" [المخزومي]:
(إني أتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحارث من ومذحج)
ــ
(ويقولون: دخلت الشآم بالمد على وزن فعال وهو غلط قبيح).
قال "ابن بري": قد جاء الشآم بالمدلغة في الشام قال "مجنون بني عامر":
(شفى الله مرضى بالشآم فإنني ... على كل شاك بالشآم شفيق)
ثم أنشد أبياتًا أخر مشهورة، وفيه ثلاث لغات فسحاهن الشأم بالهمزة السكانة، ثم الشام بإبدالها ألفا، ثم الشآم بالمد وكلها مسموعة، ويجوز تأنيثه وتذكيره باعتبار البلدة والمكان كما في سائر البقاع والبلدان [والألف واللام في النسبة عوض من إحدى ياءيه فلهذا يخفف. والتشديد فيه شاد كما في البيت الذي أنشده].
стр. 495
[١٤٠]- قولهم: قدم الحاج واحدًا واحدًا ...
ويقولون: قدم الحاج واحدًا واحدًا واثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع، أو يقال: جاءوا موحد ومثنى ومثلث ومربع، لأن العرب عدلت بهذه الألفاظ إلى هذه الصيغ لتستغني بها عن تكرير الاسم، ويدل معناها على ما يدل مجموع الاسمين عليه، ولهذا امتنعوا أن يقولوا للواحد: هذا أحاد وللاثنين هما مثنى، ولم يمتنعوا من ذلك إلا لزيادة معنى في أحاد على واحد، وفي ثناء على اثنين، وفسر قوله - تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ أي فيهم من له جناحان ومن له ثلاثة أجنحة ومن له أربعة.
ــ
(ويقولون: قدم الحاج واحدًا واحدًا واثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع).
تخطئتهم في استعمال واحدًا إلى آخر ما ذكره للدلالة على التكرير خطأ لأنه مقيس [عليه] في كلام العرب، كما قال الشاعر:
(إذا شرينا أربعًا أربعا ... فقد لبسنا الفرو من داخل)
ولم يكن أصلًا شائعًا لما كان أحاد معودلاً عنه، وكان العدل فيه تقديريًا ولا قائل به، وفي شرح "الكافية" "للحديثي" أسماء العدد المستعملة للتكرير المعنوي بلقظها مطردة، وإنما عدل عنه ليكون نصًا فيما قصد بهن فإن ثلاثة [ثلاثة] مثلا يحتمل التأكيد بخلاف صيغ أحاد وموحد، وزاد بعضهم وحدان بالضم واستلد له بقوله:
следующие страницы →