← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (فقلت لها: لا، إن أهلي جيرة ... لأكثبة الدهنا جميعًا وماليا) (وما كنت مذ أبصرتني في خصومة ... أراجع فيها يابنة الخير قاضيا) (ولكنني أقبلت من جانبي حسا ... أزور فتى نجدًا كريمًا يمانيا) من آل أبي موسى .... إلخ] قال "المبرد" قوله: ترى القوم أي الثقات من الرواة.

стр. 492

[١٣٨]- قولهم: بين ظهرانيهم ويقولون: هو بين ظهرانيهم بكسر النون. والصواب أن يقال: بين ظهرانيهم بفتح النون، وأجاز "أبو حاتم" أن يقال: ظهريهم، وحكى "الفراء" قال: قال أعرابي. ونحن في حلقة "يونس بن حبيب" بالبصرة: أين مسكنك؟ فقلت: الكوفة. فقال لي: يا سبحان الله، هذه "بنو أسد" بين ظهرانيكم وأنت تطلب اللغة بالبصرة؟ قال: فاستفدت من كلامه فائدتين: إحداهما أنه قال: هذه ولم يقل: هؤلاء لأنه أشار إلى القبيلة فأنث، والثانية أنه قال: ظهرانيكم بفتح النون ولم يقل بكسرها. ويحكى أن "المغربي" وقف على "الجنيد" فساله عن قوله تعالى: ﴿سنقرئك ــ (ويقولون: هو بين ظهرانيكم بكسر النون والصواب أن يقال: بين ظهرانيهم بفتح النون). في "الفائق" يقال: أقام فلان بين أظهر قومه وبين ظهرانيهم، أي بينهم، وإقحام لفظ الظهر ليدل على أن إقامته فيهم على سبيل الاستظهار بهم والاستناد إليهمن ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرا منهم قدامه وآخر وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، ثم غلب على المقيم فيهم وإن لم يكن مكنوفا، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد كنفساني بالنسبة لنفس. اهـ. [وقوله (حرجت) من الحرج وهو الإثم، وهذا تعظيم له وهو ظاهر].

стр. 493

فلا تنسى﴾ فقال: سنقرئك التلاوة فلا تنس العمل به، ثم سأله عن قوله : ﴿ودرسوا ما فيه﴾ فقال: تركوا العمل به، فقال: حرجت أمة أنت بين ظهرانيها لا تفوض أمرها إليك.

стр. 494

[١٣٩]- قولهم: دخلت الشام ويقولون: دخلت الشام، وهو غلط قبيح وخطأ صريح، لأن اسم البلد الشام ولفظه مذكر، والدليل على هذين الأمرين قول الشاعر: (يقولون: إن الشام يقتل أهله ... فمن لي إن لم آته بخلود) ويجوز في المنسوب إليه ثلاثة أوجه: شامي وهو القياس [وشأامي] بياء مخففة مثل ياء المنقوص، وشأآمي وهو شاذ، لأنه يصير بمنزلة المنسوب إلى المنسوب. وكذلك جوز في المنسوب إلى اليمن هذه الأوجه الثلاثة. وعلى الشاذ منها قول "عمر بن أبي ربيعة" [المخزومي]: (إني أتيحت لي يمانية ... إحدى بني الحارث من ومذحج) ــ (ويقولون: دخلت الشآم بالمد على وزن فعال وهو غلط قبيح). قال "ابن بري": قد جاء الشآم بالمدلغة في الشام قال "مجنون بني عامر": (شفى الله مرضى بالشآم فإنني ... على كل شاك بالشآم شفيق) ثم أنشد أبياتًا أخر مشهورة، وفيه ثلاث لغات فسحاهن الشأم بالهمزة السكانة، ثم الشام بإبدالها ألفا، ثم الشآم بالمد وكلها مسموعة، ويجوز تأنيثه وتذكيره باعتبار البلدة والمكان كما في سائر البقاع والبلدان [والألف واللام في النسبة عوض من إحدى ياءيه فلهذا يخفف. والتشديد فيه شاد كما في البيت الذي أنشده].

стр. 495

[١٤٠]- قولهم: قدم الحاج واحدًا واحدًا ... ويقولون: قدم الحاج واحدًا واحدًا واثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع، أو يقال: جاءوا موحد ومثنى ومثلث ومربع، لأن العرب عدلت بهذه الألفاظ إلى هذه الصيغ لتستغني بها عن تكرير الاسم، ويدل معناها على ما يدل مجموع الاسمين عليه، ولهذا امتنعوا أن يقولوا للواحد: هذا أحاد وللاثنين هما مثنى، ولم يمتنعوا من ذلك إلا لزيادة معنى في أحاد على واحد، وفي ثناء على اثنين، وفسر قوله - تعالى -: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ أي فيهم من له جناحان ومن له ثلاثة أجنحة ومن له أربعة. ــ (ويقولون: قدم الحاج واحدًا واحدًا واثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، والصواب أن يقال في مثله: جاءوا أحاد وثناء وثلاث ورباع). تخطئتهم في استعمال واحدًا إلى آخر ما ذكره للدلالة على التكرير خطأ لأنه مقيس [عليه] في كلام العرب، كما قال الشاعر: (إذا شرينا أربعًا أربعا ... فقد لبسنا الفرو من داخل) ولم يكن أصلًا شائعًا لما كان أحاد معودلاً عنه، وكان العدل فيه تقديريًا ولا قائل به، وفي شرح "الكافية" "للحديثي" أسماء العدد المستعملة للتكرير المعنوي بلقظها مطردة، وإنما عدل عنه ليكون نصًا فيما قصد بهن فإن ثلاثة [ثلاثة] مثلا يحتمل التأكيد بخلاف صيغ أحاد وموحد، وزاد بعضهم وحدان بالضم واستلد له بقوله:

стр. 496

وقد اختلف أهل العربية فيما نطقت به العرب من هذا البناء، فقال الأكثرون: إنهم لم يتجاوزوا ربعا إلا إلى صيغة عشار لا غير كما جاء في شعر "الكميت": (فلم يستريثوك حتى رميت ... فوق النصال خصالاً عشارا) وروى "خلف الأحمر" أنهم صاغوا هذا البناء منسقًا إلى عشار، وأنشد عليه ما عزي إلى أنه موضوع منه: ــ (قاموا إليه زرافات ووحدانا) والحق أنه جمع واحد كشاب وشبان، ولهذا كان منصرفًا. (إنهم لم يتجاوزوا رباع إلا إلى صيغة عشار لا غير كما جاء في شعر "الكميت" من قوله: (فلم يتريثوك حتى ربيت فـ ... ـوق الرجال خصالا عشارا) معنى يستريئوك: يجودنك رائثًا أي بطيئًا من الريث بمعنى البطء، وربيت كأربيت بالياء [بمعنى زدت، ] يقول: لما نشأت الرجال أسرعت في بلوغ الغاية التي لم يبلغها طلاب المعالي، ولم يقنعك ذلك حتى زدت عليهم بعشر خصال فقت بها السابقين وأيأست الذين راموا أن يكونوا لاحقين. (قل لعمرو: يا بن هند ... لو رأيت اليوم شنا) هذه الأبيات موضوعة ورائحة الوضع تفوح منها، وكان "خلف الأحمر" متهمًا بالوضع، وشن بفتح الشين قبيلة، وتمنى أصله تتمنى، وفيلق كصيقل بمعنى الجيش وأنثه

стр. 497

(قل لعمرو: يا بن هند ... لو رأيت اليوم شنا) (لرأت عيناك منهم ... كل ما كنت تمنى) (إذ أتتنا فيلق ... شهباء من هنا وهنا) (وأتت دوسر والملجأ ... سيرًا مطمئنا) (ومشى القوم إلى ... القوم أحادا وأثنا) (وثلاثًا ورباعًا ... وخماسًا فاطعنا) (وسادسًا وسباعًا ... وثمانًا فاجتلدنا) (وتساعًا وعشارًا ... فأصبنا وأصبنا) (لا ترى إلا كميا ... اتلاً منهم ومنا) وقد عيب على "أبي الطيب": أحاد أم سداد في أحاد ليبلتنا المنوطة بالتناد ــ باعتبار الكتيبة، وشهباء مؤنث أشهب أي فيها بياض، وهنا بفتح الهاء والتشديد بمعنى هنا المخففة، ودوسر والملحاء قبيلتان أو كتيبتان، وسيرًا أي سير سيرًا، واجتلدنا من الجلاد وهو المضاربة. (أحاد أم سداس في أحاد لييلتنا المنوطة بالتناد) (ونسب إلى أنه وهم فيه في أربعة مواضع). [هذا مطلع قصيدة "للمتنبي"، والمواضع الأربعة أولها أنه أقام أحاد مقام واحدة وسداس مقام ست، لأنه أراد أليلتنا هذه واحدة أم واحدة في ست، ] وفي شرح "المغني": قد يقال إنه قصد التقسيم، فالمعنى الإخبار عن ليلة فراقة أنها منقسمة إلى واحدة واحدة، أي أن كل جزء من أجزائها بمثابة ليلة واحدة، ثم رأى أنها أطول من ذلك فأضرب واستفهم: هل هي باعتابر الأجزاء منقسمة إلى ست ست في كل واحد واحد من أجزاء

стр. 498

ونسب إلى أنه وهم في أربعة مواضع في هذا البيت: أحدها: أنه أقام أحاد مقام واحدة، وسداس مقام ست؛ لأنه أراد أليلتنا هذه واحدة أم واحدة في ست. والموضع الثاني: أنه عدل بلفظه ست إلى سداس وهو مردود عند أكثر أهل اللغة. والموضع الثالث: أنه صغر ليلة على لييلة والمسموع في تصغيرها لييلية. والرابع: أنه ناقض كلامه لأنه كنى بتصغير الليلة عن قصرها، ثم عقب تصغيرها بأن وصفها في الامتداد إلى التناد. ــ الليلة؟ هذا إن جعلت متصلة أم منقطعة، فإن جعلت متصلة فالمعنى: أطلب التعيين لأحد هذين الأمرين، فلم يخرج العدد عن استعماله في معناه، وقد قال "ابن بري": إن أحاد ورد في كلام العرب بمعنى واحد كقوله: (هنت لك أن تلاقينا المنايا ... آحاد أحاد في الشهر الحلال) (الموضع الثاني: أنه عدل بلفظ ست إلى سداس وهو مردود عن أكثر أهل اللغة العربية). وقد علمت أن من النحاة من أثبته مع أن "المتنبي" أيضًا يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه. (والموضع الثالث: أنه صغر ليلة على لييلة، والمسموع في تصغيرها لييلية). وما نطق به هو القياس، ومثله ما رآه بعض النحاة جائز، على أن منهم من ذهب إلى أن هذا التصغير صحيح وجمعه على ليال بناء على أن له مفردًا مقدرًا وهو ليلاه. (والرابع أنه ناقض نفسه في كلامه حيث وصف الليلة بالامتداد إلى يوم التناد ثم صغرها تصغيرًا يدل على قلتها). [هذا أيضًا ليس بشيء لأن التصغير قد جاء للتكثير والتعظيم].

стр. 499

[١٤١]- قولهم لما يتعجل من الزروع، هرف ويقولون لما يتعجل من الزروع والثمار: هرف، وهي من ألفاظ الأنباط ومفاضح الأغلاط، والصواب أن يقال فيه: بكر؛ لأن العرب تقول لكل ما يتقدم على وقته: بكر، فيقولون: بكر الحر وبكر البرد وبكرت النخلة، إذا أثمرت أول ما تثمر النخل فهي بكور، والثمرة المتعجلة باكورة. ويقولون أيضًا في كل شيء يخف فيه فاعله ويعجل إليه: قد بكر إليه ولو أنه فعل ذلك آخر النهار أو في أثناء الليل، والصواب أن يقال: عجل، وقد يستعمل بكر بمعنى عجل، يدل عليه قول "ضمرة بن ضمرة النهشلي": (بكرت تلومك بعد وهن في الدجى ... يسل عليك ملامتي وعتابي) ــ (ويقولون لما يتعجل من الزرع والثمار هرف، وهي من ألفاظ الأنباط ومفاضح الأغلاط، والصواب أن يقال فيه: بكر). أراد بالأنباط العوام، وأصلهم قوم مخصوصون بأرض بابل تسموا نبطا نسبة إلى "نبط بن كنعان بن كوش بن حام" وقيل: "ابن ماش بن آدم بن سام"، ومنهم الحكماء الكلدانيون والجرامقة، ولقربهم من عراق العرب اختلطت لغتهم بلغة العرب ووقع بسبب ذلك غلط في العربية، وهرف بتشديد الراء المهملة، قال في "الأساس": هرفت النخلة عجلت ثمرتها تهريفًا وهرفته الريح استخفته، ومنه قال أهل بغداد للبواكير: الهرف، وفي "القاموس" هرف يهرف أطرأ في المدح إعجابًا به أو مدح بلا خبرة. اهـ. ويقال: لا تهرف بما لا تعرف، وأهرف نما ماله، والنخلة عجلت أتاءها كهرفت تهريفًا، والباكورة كالبكور بفتح الموحدة [ما سبق من الثمار]. فعلى ما عرفت ما أنكره المصنف غير منكر، وإنما اللوم على من قصر.

стр. 500

أراد بقوله بكرت تلومك أي عجلت لا أنه أراد به وقت البكرة، لإفصاحه بأنها لامته في الليل، ونظير استعمالهم لفظة بكر بمعنى عجل استعمالهم لفظة راح بمعنى سارع وخف، ومنه قوله ﷺ : "من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة" أي من خف إليها؛ إذ لا يجوز إتيانها آخر النهار. ــ (ويقولون أيضًا في كل شيء يخف فيه فاعله ويعجل إليه: قد بكر، ولو أنه فعل ذلك آخر النهار أو أثناء الليل). بكر بالتخفيف والتشديد [إلى كذا أسرع]، وهذا مما يتعجب منه، فإنه ذكر هنا أنه يستعمل بمعنى عجل وهو عين ما أنكره. (ويدل عليه قول "ضمرة بن ضمري النهشلي": (بكرت تلومك بعد وهن في الدجى ... بسل عليك ملامتي وعتابي) وقد صرح به كثير من أهل اللغة، وقوله: بسل، يدل من [من] تلومك، أو بتقدير قولها: بسل، أي ملامي وعتابي مقصور عليك، وهو بالباء الموحدة المفتوحة والسين المهملة الساكنة واللام. (ومن ذلك قوله ﷺ : من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، أي من خف إليها؛ إذ لا يجوز إتيانها آخر النهار). وفي "البخاري": "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح [إلى المسجد في الساعة الأولى] فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة". قال "الكرماني" فيه: إن مراتب الناس في الثواب بحسب أعمالهم، فالمسارع إلى طاعة الله أعظم أجرًا، وفيه أن اسم القربات كالصدقة يطلق على القليل والكثير، وفيه أن التضحية بالإبل أفضل من البقر. وقال "الخطابي": الجمعة لا يمتد وقتها من أول حيث الرواح، وهو ما بعد الزوال إلى خمس ساعات، فقوله: في الساعة الرابعة والخامسة مشكل، وقد يؤول بوجهين:

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدهما: أن هذه الساعات كلها ساعة واحدة، يعني أنه لم يرد به تحديد الساعات التي يدور عليها الليل والنهار، بل سمى أجزاء تلك المدة التي بعد الزوال ساعات كقول القائل: بقيت في المسجد ساعة. والثاني: أن المراد بالرواح إنما هو بعد طلوع الشمس، فسمى القاصد لها قبل وقتها رائحًا، كما يقال للمقبلين على مكة حجاجا. اهـ. أقول: الإشكال باق على الوجهين، أما على الأول فلأن من جاء بعد الزوال ليس له أجر التكبير والمسارعة، بل له أجر إدراك الصلاة فقط، وأما على الثاني فلأن اليوم عن أهل الشرع من الفجر لا من طلوع الشمس، ولئن سلمناه بناء على العرف العام من أن اليوم من طلوع الشمس فالساعات منه إلى الزوال ست لا خمس، فتبقى الساعة السادسة، ولأن خروج الإمام وطي الصحف إنما هو في السابعة لا في السادسة. وروى "النسائي" في سننه أنه ﷺ قال: "المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنه ثم كالمهدى بقرة ثم كالمهدي شاة ثم كالمهدي بطة ثم كالمهدي دجاجة ثم كالمهدي بيضة". وقال "النووي": في هذه المسألة خلاف مشهور، فذهب "مالك" وبعض الشافعية إلى أن لمراد بالساعات لحظات لطيفة بعد الزوال، قالوا: والرواح الذهاب بعد الزوال. وذهب الجمهور إلى استحباب التبكير إليها أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح - كما قال "الأزهري" - الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو في الليل وهو الصواب، لأنه لا فضيلة لمن أتى بعد الزوال؛ لأن التخلف بعد النداء حرام، فذكر الساعات إنما هو للحث على التبكير إليها والترغيب في فضلية السبق وانتظارها والاشتغال بالتنقل والذكر ونحوه ومولا يحصل بالذهاب بعد الزوال. واعلم أن الساعة في اللغة وعرف الشرع غير محدودة بما قدره أهل التعديل سواء كانت مستوية أو معوجة كما سمعته [وصرح به "ابن بري"، لكن قال في] "رشف

стр. 502

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزلال": الساعة على قسمين: مستوية ومعوجة، فالمستوية هي التي ينقلب فيها "البنكام" قبلة واحدة وبها تزيد ساعات الليل والنهار وتنقص، والمعوجة هي ما ينقسم به النهار إلى اثنتي عشرة ساعة، وكذا الليل طالا أم قصرا، وفي الحديث عن "أبي ذر الغفاري": "إن الله خلق الليل والنهار اثني عشر ساعة فأعد لكل ساعة ركعتين تدرآن عنك ذنب تلك الساعة" رواه في مسند "الفردوس". فعلى هذا تكون الساعة بالمعنى المتعارف واردة في اللغة.

стр. 503

[١٤٢]- قولهم: أخ ويقولون عن الحرقة ولذع الحرارة الممضة: أخ، بالخاء المعجمة من فوق، والعرب تنطق بهذه اللفظة بالحاء المغفلة، وعليه فسر قول "عبد الشارق الجهني": (فباتوا بالصعيد لهم أحاح ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا) أي بات الكلمي يقول: أخ مما وجدوا من حرق الجراحات وحر الكلوم. وحكي أن "الحجاج" لما نازله "شبيب الخارجي" أبرز إليه في بعض أيام محاربته غلامًا له فألبسه سلاحه المعروف به وأركبه فرسه الذي لم يكن يقاتل إلا ــ (ويقولون عند الحرقة ولذع الحرارة الممضة: أخ بالخاء المعجمة من فوق، والعرب تنطق بهذه اللفظة بالحاء المعجمة). قال "الأنصاري" أخ بالخاء كلمة توجع وتأوه من غيظ أو حزن، وقال "ابن دريد": أحسبها محدثة، وذكرها في "القاموس" بالمعجمة، وقال "الغرناطي": أخ وكخ بالخاء المعجمة المشددة، وضبط "ابن كثير" كاف كخ بالكسر والفتح والخاء ساكنة وتنون، ومثله أخ، ومعناه أتكره عنده. وقوله: (لهم أحاح) بزنة سعال بحاءين مهملتين فسره بقوله [أح أح]، وفسره "الجوهري" بالعطش والغيظ وحرارة الفم.

стр. 504

عليه، فلما رآه "شبيب" غمس نفسه في الحرب إلى أن خلص إليه فضربه بعمود كان في يده. وهو يظنه "الحجاج". فلما أحس الغلام حرارة الضربة قال: أخ بالخاء المعجمة، فعلم "شبيب" بهذه اللفظة منه أنه عبد فانثنى عنه، وقال: قبحك الله يابن أم "الحجاج" أتتقي الموت بالعبيد؟ قال الشيخ الرئيس: "أبو محمد" ﵀: ومن العرب من يقول في هذا المعنى: حس. كما جاء في بعض الأخبار أن "طلحة" ﵁ قال: ــ (ومن العرب من يقول في هذا المعنى: حس، كما جاء في الأخبار أن "طلحة" ﵁ لما أصيبت إصبعه يوم أحد، قال: حس). في "الروض الأنف": حس بمهملتين كلمة تقولها العرب عند الألم، وفي الحديث "أصيبت يد "طلحة" يوم أحد فقال: حس، فقال النبي ﷺ : لو أنه قال: بسم الله أي بدل قوله: حس لدخل الجنة والناس ينظرون". وليست حس بفتح فسكون اسم فعل إنما هو صوت كآه. اهـ. و"طلحة" هو ابن "عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب" من كبار الصحابة وأحد العشرة، وكان شهد أحد فثبت حين ولى بعض الناس. ولم رمى "مالك بن زهير" رسول الله ﷺ وقاه "طلحةط بيده ودفع عن وجهه [الشريف]، فأصابت الرمية أصابع يده، فقال: حس إلى آخر ما مر وهو حديث صحيح. (ضرب فلان فما قال حس ولا بس). بكسر السين المهملين المشددة مع التنوني وعدمه كما ذكره اللغويون، وقال

стр. 505

لولا أن "طلحة" قال: حس لطار مع الملائكة. ومن كلامهم: ضرب فلان فما قال: حس ولابس، ومنهم من ينونهما، فأما قولهم: "جيء به من حسك وبسك"، فالمراد به من رفقك وصعوبتك لأن الحس الاستقصاء، والبس الرفق فيالحلب. ــ "الأزهري": العرب تقول عند لدغة النار: حس حس، وبلغنا أن بعض الصالحين كان يمد إصبعه إلى شعلة نار فإذا لدغته قال: حس حس، كيف صبرك [يا فلان] على نار جهنم وأنت تجزع من هذه؟ وهو من الحس بالكسر من الإجساس أو هو بمعنى الوجع كما في قول "العجاج": وما أراهم جزعا من حس (فأما قولهم: جيء به من حسك ويسك، فالمراد به: جيء من رفقك وصعوبتك). قال "الأصمعي": يقال جيء به من حسك وبسك أي من حيث كان أو لم يكن. وقال "الزجاج": تأويله من حيث تدركه حاسة من حواسك أو تصرف من تصرفك. وقال "أبوزيد": جاء من حسه وبسه، أي من حيث شاء، وعن "ابن الأعرابي": الحس الحيلة. كذا في "التهذيب".

стр. 506

[١٤٣]- قولهم في التأوه: أوه ويقولون في التأوه: أوه، والأفصح أن يقال: أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها، والكسر أغلبن وعليه قول الشاعر: (فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء) وقد قلب بعضهم الواو ألفا، فقال: آه، وشد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال: أوه، وفيهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال: أو، وقال آخرون: أواه بالمد وغيره، وتصريف الفعل منها أوه وتأوه، والمصدر الآهة والأهة ومنه قول "المثقب العبدي": (إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين) وفسر بعضهم "الأواه" بأنه الذي يتأوه من الذنوب، وقيل: هو المتضرع في الدعاء، وقيل: إنه المؤمن الموقن. ــ (ويقولون من التأوه أوه، والأفصح أن يقال: أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب). [كيف يعد هذا من الأغلاط وقد صرح بأنه لغة؟ ].

стр. 507

[١٤٤]- قولهم: لقيته لقاة واحدة ويقولون: لقيته لقاة واحدة فيخطئون فيه لأن العرب تقول: لقيته لقية ولقاءة ولقيانه إذا أرادوا به المرة الواحدة، فإن أرادوا المصدر قالوا: لقيته لقاء ولقيًا ولقيانا ولقى على وزن هدى، وعليه أنشد "الكسائي": (وإن لقاها في المنام وغيره ... وإن لم تجد بالبذل عندي لرابح) وأنشدني بعض شيوخنا ﵏ لبعض العرب في الشيب: (ولولا اتقاء الله ما قلت مرحبًا ... لأول شيبات طلعن ولا أهلاً) (وقد زعموا حلمًا لقاك ولم أرد ... بحمد الذي أعطاك حلما ولا عقلا) ــ (ويقولون: لقيته لقاءة واحدة فيخطئون فيه). ليس الخطأ فيه من جهة التصريح بالواحدة فإنه للتأكيد كما في قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾، وإنما هو من جهة فتح اللام، كما قال "ابن السكيت": تقول العرب: لقيته لقاء ولقيانًا ولقيا ولقي ولقيانة واحدة ولقية ولقاءة، ولا تقل: لقأة، فإنها مولدة ليست من كلام العرب. اهـ. إلا أنه لا يحتاج لضم واحدة، ثم إنه لم يجي من المصادر على وزن فعل بضم ففتح غير سري وهدى وتقى وبكى مقصورا، وزاد بعضهم لقى، وأنشد عليه شاهدًا ما ذكره المصنف. (لبعض العرب في الشيب: (ولولا اتقاء الله ما قلت مرحبا ... لأول شيبات طلعن ولا أهلا) (وقد زعموا حلمًا لقاك ولم أزد ... بحمد الذي أعطاك حلمًا ولا عقلًا)

стр. 508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا معنى حسن، ويعجبني فيما يضاهيه قول "التهامي": (وما كان حزني للشباب وإن هوى ... به الشيب عن طود من الأنس شامخ) (ولكن لقول الناس شيخ وليس لي ... إلى نائبات الدهر صبر المشايخ) وهذا من شعر العراق، ولما قال "أبو العباس السرقسطي" من المغاربة في هذا المعنى وظن أنه مما ابتدعه: (وقالوا لي: خضبت الشيب كي ما ... تراك الغانيات من الشباب) (فقلت لهم: مرادي غير هذا ... ولم يك ما حسبت في حسابي) (حسبت يراد مني عقل شيخ ... ولا يلغى، فملت إلى الخضاب) ذهب إلى بعض المجالس فأنشده بعض شعراء المغرب لنفسه: (ولست أرى شبابًا بأن عني ... يرد علي بهجته الخضاب) (ولكني خشيت يراد مني ... عقول ذوي الشباب فما تصاب) فعجب من حسن الاتفاق.

стр. 509

[١٤٥]- قولهم: فلان يكدف ويقولون: فلان يكدف بمعنى يستقل ما أعطي، والصواب فيه: يجدف بالجيم، لأن التجديف في اللغة استقلال النعمة وسترها، وبه فسر (لا تجدفوا بنعم الله تعالى). ويماثل هذه اللفظة في إبدال جيمها كافًا قولهم لمن يكثر السؤال: مكد وأصله مجد لاشتقاقه من الاجتداء، وكان الأصل في المجدي المجتدي فأدغمت التاء في الدال، ثم ألقيت حركة الحرف المدغم على ما قبله كما فعل ذلك من قرأ ﴿أمن لا يهدي إلا أن يهدي﴾ والأصل فيه يهتدي. ــ (قولهم لمن يكثر السؤال: مكد وأصله مجد لاشتقاقه من الاجتداء). قد تبع في هذا "ابن الأنباري" حيث قال في كتابه "الزاهر": كدا يكدي ليست بعربية وإنما يقال: جدا يجدي. قال الشاعر: (يا ظالمًا متعدي ... من المجدي يجدي) فيقال: مجد ولا يقال: مكد. اهـ. وقال "المعري": إن لغة قوم من العرب إبدال كل جيم كافًا إلا أنها غير فصيحة، ولذا قيل: ما ذكر على هذه اللغة وليس بخطأ كما زعمه "الحريري"، ولذا استعمله "الزمخشري" ونقل عنه: أن المكدي هو السائل ووقع في كلامهم كثيرًا، وهذا مما لا حاجة إليه؛ فإن الإمام "الراغب" قال في "مفرداته": الكدية صلابة في الأرض، يقال: حفر فأكدي، فاستعير ذلك للطالب المخفق والمعطي المقل، قال تعالى: ﴿وأعطى قليلًا وأكدي﴾. اهـ.

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومما يتعجب منه قول بعض علماء العصر: إنه معرب وأصله "كدي كردن" وهو اصطلاح للفقهاء. (وكأن الأصل في المجدي المجتدي فأدعمت التاء في الدال، ثم ألقيت حركة الحرف المدغم على ما قبله كما فعل ذلك من قرأ: ﴿أمن لا يهدي إلا أن يهدي﴾ والأصل فيه يهتدي". قال "أبو علي الفارسي" في كتابه "الحجة": قرأ "ابن كثير" و"ابن عامر" يهدي مفتوحة الياء والهاء مشددة الدال، وقرأ "نافع" و"أبو عمرو" بإسكان الهاء وتشديد الدال، غير أن "أبا عمرو" كان يشم الهاء الفتح، وروى "ورش" عن "نافع" فتح الهاء كابن كثير، وسكنها "حمزة" و"الكسائي" إلا أنه خفف الدال، وعن "عاصم" بكسر الياء والهاء مشددة الدال، وعنه أيضًا كسر الهاء وفتح الياء، فمن قرأ "أم من لا يهدي" نسبهم إلى الزيغ عن الحق في معادلتهم الآلهة بالقديم. لسبحانه - والمعنى: أفمن يهدي غيره إلى طرق التوحيد والحق أحق أن يتبع أم من لا يهتدي هو إلا أن يهدي؟ أي أفمن يهدي غيره؟ فحذف المفعول، والكلام ينزل على أن هديت بمعنى اهتديت وإن لم يكن كذلك، لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها بما يعبر عن المعبود. فأما من قرأ يهدي ويهدي في يهتدي فيقال: أدغم التاء في الدال لتقاربهما،

стр. 511

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واختلف في تحريكه، فمن قال: يهدي ألقى حركة الحرف المدغم وهي الفتحة على الهاء كما ألقاها على ما قبل المدغم في معد وممد فحرك الفاء بحركة العين. ومن قال: يهدي حرك الفاء بالكسر لأن الكلمة عنده تشبه المنفصلة، نحو ضرب بكر، بدليل الأظهار في نحو: اقتتلوا، كما لم يلق في نحو: اسم موسى، فلو لم يجز إلقاء الحركة تركت الهاء على سكونها فالتقى ساكنان فحرك أولهما بالكسر، وأما عبشمس فشاذ لا نظير له، لأن الأعلام يجوز فيها ما لا يجوز في غيرها. وأما من قال: يهدي بسكون الهاء وجمع الساكنين فقد تقدم توجيهه. ومن كسر الهاء أتبعها لما بعدها، فإن قلت [ياء] المضارعة لا تكسر، ومن قال: تعلم لم يقل: يعلم، قلت: لم تكسر لذلك بل لمعنى آخر، وهو الإتباع كما كسرت في يبجل لتقلب الواو ياء هذا محصلة فتأمل.

стр. 512

[١٤٦]- قولهم: بالرجل عنة ويقولون: بالرجل عنة، ولا وجه لذلك؛ لأن [العنة] الحظيرة من الخشب، والصواب أن يقال: به عنينة أو تعنين، وأصله من عن أي اعتراض، فكأنه يتعرض للنكاح ولا يقدر عليه، والعرب تسمى العنين السريس كما قال الشاعر: ــ (يقولون بالرجل عنة، ولا وجه لذلك؛ لأن العنة الحظيرة من الخشب، والصواب أن يقال: به عنينة أو تعنن). ما أنكره حكاه "الجوهري" وصاحب "القاموس" فقالا: والاسم العنة، وقد قيل: إنها لغة ضعيفة، ولذا قال "أبو حيان التوحيدي" في كتاب "البصائر": فلان عنين بين التعنن ولا تقل بين العنة كما يقول الفقهاء فإنه كلام مردود. ونقل في شرح "الفصيح" استعماله، وقيل: إنه مستعار من الحظيرة فعيلة بمعنى فاعلة، على فرض عدم وروده. وفي "الصحاح" رجل عنين لا يريد النساء بين العنة فعيل بمعنى مفعول وعننه القاضي حكم عليه بها. وفي "المغرب" العنة على زعمهم اسم من العنين، وهو الذي لا يقدر على إتيان النساء، أو من العنة وهي الحظيرة، أو من عن إذا اعترض لأنه يعترض يمنيًا وشمالاً، ولم أعثر عليها إلا في "الصحاح" وأما العناء فنقلت عن "الزمخشري".

стр. 513

(ألا حييت عنا يا لميس ... علانية فقد بلغ النسيس) (رغبت إليك كيما تنكحيني ... فقلت بأنه رجل سريس) (ولو جربتني في ذاك يومًا ... رضيت وقلت: أنت الدردبيس) ــ فقد تبين لك توجيه ما نفاه وقامت البينة على خلاف مدعاه.

стр. 514

[١٤٧]- قولهم: صحفي ويقولون لمن يقتبس من الصحف: صحفي مقايسة على قولهم في النسب إلى الأنصار: أنصاري وإلى الأعراب أعرابي، والصواب عند النحويين البصريين أن يوقع النسب إلى واحدة الصحف وهي صحيفة، فيقال: صحفي، كما يقال في النسب إلى الفرائض فرضي وإلى المقاريض مقراضي، اللهم إلا أن يجعل الجمع اسماً علماً للمنسوب إليه، فيوقع حينئذ النسب إلى صيغته كقولهم في النسب إلى قبيلة "هوزان" هوزاني، وإلى حي "كلاب": كلابي، وإلى مدينة "الأنبار": أنباري، وإلى بلدة "المدائن": مدائني. فأما قولهم في النسب إلى الأنصار: أنصاري فإنه شذ عن أصله، والشاذ لا يقاس عليه ولا يعتد به، وأما قولهم في النسب إلى الأعراب: أعرابي فإنهم فعلوا ــ (لا يرون النسب إلا إلى واحد الجموع كما يقال في النسب إلى الفرائض: فرضي، وإلى المقاريض: مقراضي، اللهم إلا أن يجعل الجمع اسماً على المنسوب إليه). قال "ابن بري": كونه لا ينسب إلى الجمع قول البصريين وهو المشهور، وخالفهم الكوفيون فجوزوا النسب إلى الجمع مطلقاً، فلا وجه لما قاله المصنف، على أن المانعين له استثنوا منه صورا. منها: أن يكون علماً كأنبار- علم بلدة- وفرائض- علم للعلم المشهور. ومنها: أن لا يغلب على شيء حتى يلحق بالعلم عليه كأنصار لغلبته على أنصار النبي ﷺ وهو إما جمع نصير أو ناصر على خلاف فيه، وقوله في "جامع الأصول" لا واحد له، يريد أنه هجر مفرده وترك مفرده بعد الغلبة فلذلك لم ينسب إليه أهـ. ومنه يعلم أن الجمع إذا غلب في طائفة ومفرده باق على عمومه وهو ملحق بالعلم يصح أن يعد مما لا واحد له؛ لأن واحده أعم منه، ولهذا يجعل واحده بياء النسبة بعد العلمية، كالأعراب لما اختص بسكان البادية والعرب عام فقيل: إن الأعرابي

стр. 515

ذلك لإزالة اللبس ونفي الشبهة، إذ لو قالوا فيه: عربي لاشتبه بالمنسوب إلى العرب، وبين المنسوبين فرق ظاهر؛ لأن العربي هو المنسوب إلى العرب وإن تكلم بلغة العجم، والأعرابي هو النازل بالبادية وإن كان عجمي النسب. ــ منسوب إلى الجمع لأنه صار كالعلم وفي حكم المفرد، كما في "المغرب" وغيره، ولا ينافيه قول "الجوهري": ليس الأعراب جمع لأنه يريد أنه بعد العلمية ليس جمعاً له؛ لأن واحده بعدها أعرابي؛ لأن مفرده الأول هجر. ولهذا يقال: واحد الأنصار أنصاري لا ناصر ولا نصير، ومن هذا القبيل: فضولي وليس قسماً آخر كما توهم. ومنها: أن لا يكون له واحد، واختلف فيما له واحد على خلاف القياس. ومنها: أن يكون وزن الجمع له نظير في كثير من المفردات نحو كلاب وكلابي. ومنها: أن تقصد النسبة إلى اللفظ كشعوبي فإنه نسبة للفظ شعوب في قوله تعالى: ﴿وجعلناكم شعوباً وقبائل﴾ [الحجرات: ١٣]. وفي قوله: (الأعرابي هو النازل بالبادية وإن كان أعجمي النسب) نظر لا يخفى.

стр. 516

[١٤٨]- النسب إلى المركب ويقولون في النسب أيضاً إلى "رامهرمز": رامهزمزي، فينسبونه إلى مجموع الاسمين المركبين ووجه الكلام أن ينسب إلى الصدر منهما فيقال: رامي؛ لأن الاسم الثاني من الاسمين المركبين يتنزل منزلة تاء التأنيث التي تقع طارئة وتلتحق بعد تمام الكلام، فوجب لذلك أن تسقط في النسب كما تسقط تاء التأنيث فيه، وعلى هذه القضية قيل في النسب إلى "أذربيجان" آذري، كما جاء في حديث "أبي بكر" ﵁. قال: "لتألمن النوم على الصوف الآذري كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان" وقد رواه بعضهم: الأذربي والصحيح الأول. ــ (ويقولون- أيضاً- في النسب إلى رامهرمز": رامهرمزي، فينسبون إلى مجموع الاسمين المركبين، ووجه الكلام أن ينسب إلى الصدر منهما فيقال (رامي) [إلى آخر ما فصله وأطال فيه بغير طائل لتصريحهم بخلافه، ففي شرح "التسهيل" أجازوا في المركب أن ينسب إلى صدره، كما أجاز "الجرمي" في الجملة أن ينسب إلى جزئها الأول وإلى الثاني، فتقول: تأبطي وشري، واستأنس له بقوله: تزوجتها رامية هرمزية ... وقال: إنه تجوز النسبة إليهما معاً كما سيأتي في البعلي والبكي، ولم يرد السماع على ما ذكره "الجرمي" من التخيير وإن اقتضاه ظاهر كلام "الأخفش"، وأما المركب الزجي فينسب إليهما مزالاً تركيبهما كما في البيت وغير مزال، وفي "التسهيل" أيضاً يحذف لياء النسب عجز المركب غير المضاف وصدر المضاف إن تعرف بالثاني تحقيقاً وإلا فعجزه، وقد يفعل ذلك ببعلبك ونحوه. اهـ.

стр. 517

وأجاز "أبو حاتم السجستاني" أن ينسب إلى الاسمين جميعاً، واحتج فيه بقول الشاعر: (تزوجتها رامية هزمزية ... بفضل الذي أعطى الأمير من الورق) ولم يطابقه على هذا القول غيره، بل منع سائر النحويين منه، لئلا تجتمع علامتا النسب في الاسم المنسوب، وحملوا البيت الذي احتج به على الشذوذ، واعتراض الشاذ لا ينقض مباني الأصول. نعم، وعندهم أنه متى وقع لبس في النسب إلى الاسم المركب لم ينسب إليه، ولهذه العلة منعوا من النسب إلى أحد عشر ونظائره، إذ لا يجوز النسب إلى مجموع الاسمين أحد عشري، كما تقول العامة في النسب إلى الثوب الذي طوله أحد عشر شبراً. فعند "ابن مالك" يجوز أن ينسب إلى صدره وإلى عجزه قياساً على الجملة إذا سمي بها، فإنه ينسب إلى كل من جزءيها، فيقال في "تأبط شراً": تأبطي وشري كما مر، ومنهم من أجاز النسب إلى الجموع. وفي "الصحاح" رامهرمز بلد والنسب إليها رامي، وإن شئت هرمزي، فخير فيه دون شذوذ. (وعلى هذه القضية قيل في النسب إلى "أذربيجان": آذري، كما جاء في حديث "أبي بكر" ﵁ أنه قال: لتألمن النوم على الصوف الآذري كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان)]. كلام أبي بكر في مرض موته: قال "المبرد" في "كامله": مما يؤثر من حكم الأخيار وبارع الآداب عن "عبد الرحمن بن عوف" قال: دخلت على "أبي بكر الصديق" ﵁ في علته

стр. 518

ولا يجوز أن ينسب إلى أوله لاشتباهه بالنسب إلى أحد، ولا إلى الثاني لاشتباهه بالنسب إلى عشر، فامتنع النسب إليه من كل وجه. ونظير هذا الوهم منهم أنهم ينسبون إلى مجموع الاسمين المضافين فيقولون في النسب إلى "تاج الملك" ونظائره: التاجملكي، وقياس كلام العرب أن ينسب إلى الأول منهما فيقال: التاجي. كما قالوا في النسب إلى "تيم اللات": تيمي، وإلى "سعد العشيرة": سعدي، اللهم إلا أن يعترض لبس في المنسوب فينسب إلى الثاني، كما قالوا في النسبة إلى "عبد مناف": منافي، ولم يقولوا: عبدي لئلا يلتبس بالمنسوب إلى "عبد القيس"، وقالوا في المنسوب إلى "أبي بكر": بكري؛ لأنهم لو قالوا: أبوي لاستبهم المنسوب إليه. وقد سلكوا في هذا النوع أسلوباً آخر فركبوا من حروف الاسمين أسماً على وزن جعفر ونسبوا إليه، وأكثر ما استعملوا ذلك فيما أوله عبد، فقالوا في النسب ــ التي مات فيها يوماً فقلت: أراك بارئاً يا خليفة رسول الله. فقال: أما إني على ذلك لشديد الوجع ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، إني وليت أموركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتخذن نضائد الديباج ولتألمن النوم على الصوف الآذري كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان، والذي نفسي بيده، لأن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد خير له من أن يخوض بنفسه غمرات الدنيا، يا هادي الطريق حرت، إنما والله هو الفجر أو البحر، فقلت: خفض عليك يا خليفة رسول الله فإن هذا يهيضك إلى ما بك، فوالله ما زلت صالحاً مصلحاً لا تأسى على شيء فاتك من الدنيا، ولقد تخليت بالأمر وحدك فما رأيت إلا خيرا. اهـ. وأشرح بعض ما فيه فإنه من كنوز المعاني. قوله: بارئا من برى من مرضه [إذا صح منه]. [والنضائد: الوسائد المنضودة من المتاع]. وقوله: ورم أنفه بمعنى امتلأ غضباً، بخلاف شمخ بأنفه فمعناه رفع رأسه كبراً فلا

стр. 519

إلى "عبد شمس" عبشمي، وإلى "عبد الدار": عبدري، وإلى "عبد القيس": عبقسي، وكل ذلك مما يقصر على السماع، ولم يقصد به إلا الرياضة في تصرف الكلام. ــ يكون في الغضب. والسعدان: نبت كثير الشوك تأكله الإبل، وفي المثل: "مرعى ولا كالسعدان". وقوله: إنما والله هو الفجر أو البحر، ضرب مثلاً لتحيير الدنيا لأهلها، أي إن انتظرت حتى يضيء لك الفجر الطريق أبصرت قصدك، وإن هجمت وخبطت خبط عشواء هجم عليك المكروه. وقوله: يهيضك من هاض العظم إذا جبره ثم أصابه ما يؤذيه أو يكسره، وأكثر ما يستعمل في الكسر، يقال: عظم وجناح مهيض. اهـ. ما أورده "المبرد" هنا. وقوله: (وقالوا في النسب ... الخ) الذي ذكره "ابن مالك" وغيره أن المضاف إذا تعرف بالمضاف إليه تحقيقاً أو تقديراً نسب إلى الثاني ألبس أم لا، وما ذكره المصنف طريق آخر، ولكل وجهة هو موليها.

стр. 520

[١٤٩]- قولهم: غسلة بفتح الغين ويقولون لما يغسل به الرأس: غسلة بفتح الغين، فيخطئون؛ لأن الغسلة بالفتح كناية عن المرة الواحدة من الغسل، فأما الغسول فهو الغسلة بكسر الغين، وعليه قول "علقمة بن عبيدة": (كأن غسله خطمي بمشفرها ... في الخد منها وفي اللخيين تلغيم) وأما الغسل فمصدر غسلت، والاسم منه الغسل بضم الغين، وأما الغسلين، فهو ما يسيل من صديد أهل النار. وذكر "ابن عباس" ﵄ أنه قال: "كل ما كان في القرآن قد علمته إلا أربعة أحرف: لا أدري ما الأواه والحنان مخففة والغسلين والرقيم". وقد فسرها غير فقال: الحنان [الكثير] الرحمة، ومنه قولهم: حنانيك، أي رحمة منك بعد رحمة، وقالوا الأواه الكثير التأوه من الذنوب، وقيل: أنه المتضرع في الدعاء، وقيل فيه: إنه المؤمن الموقن، وفسر الغسلين على ما بيناه، وقيل في الرقيم: إنه القرية التي خرج منها أهل الكهف وقيل: بل هو الوادي الذي فيه الكهف وقيل بل هو اسم الكلب. وذكر "الفراء" أنه لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم. ــ (ويقولون لما يغسل به الرأس: غسله بفتح الغين، فيخطئون فيه). المذكور في كتب العربية أن كل ما يفعل به الشيء فاسمه فعول بفتح الفاء، وأن فعلة بالكسر كجلسة للهيئة، وهذا مما اتفقوا عليه، فإن ثبت ما قاله المصنف فهو مجاز أو على خلاف القياس. وأما الغسلة بالفتح فللمرة، وإطلاقها على ما يغسل به أيضاً بنوع من التجوز غير بعيد. وبالجملة فما ذكره المصنف غير خالٍ من الخلل.

стр. 521

[١٥٠]- قولهم: دابة لا تردف ويقولون: دابة لا تردف، ووجه القول: لا ترادف، أي لا تقبل المرادفة، لأن مبنى المفاعلة على الاشتراك في الفعل، فهو بهذا الكلام أليق وبالمعنى المراد أعمق، والعرب تقول: ترادفت الأشياء إذا تتابعت، وأهل المعرفة بالقوافي يسمون الشعر الذي تتوالى الحركة في قافيته المترادف، ويقال: ردفت زيداً أي ركبت خلفه، وأردفته أي أركبته ورائي، وإنما سمي الردف ردفا لمجاورته الردف وهو العجز، ويقال أيضاً: جمل مرادف أي عليه رديف، وقرى في التنزيل ﴿بألف من الملائكة مردفين﴾ [الأنفال: ٩] بكسر الدال وفتحها، فمن كسر أراد به متتالين في العدد، ومن فتحها أراد أنهم أردفوا بغيرهم من المدد. ــ (ويقولون: دابة لا تردف، ووجه الكلام: لا ترادف، أي لا تقبل المرادفة، لأن مبني المفاعلة على الاشتراك في الفعل، فهو بهذا الكلام أليق وبالمعنى المراد أعلق). هذا أيضاً مما أساء فيه؛ لأن ما أنكره أثبته غيره وسمع، ففي شرح "الفصيح": هذه دابة لا تردف ولا ترادف، وأنكر بعضهم تردف، وقد رد عليه بأنه مسموع، وحكاه "ابن القطاع" أيضاً وقال: الأعم ترادف. اهـ. وفي "القاموس": هذه دابة لا ترادف [ولا تردف قليلة أو مولدة، وقال "الراغب": دابة لا تردف ولا ترادف، وفي "الأساس" مثله] واقتصر في "الصحاح" على ذكر ترادف دون تردف، ثم إن معنى المفاعلة غير موجود؛ لأنهم فسروه بحمل الرديف والردف وهذا المعنى غير مشترك بين الدابة وراكبها، فقوله في تعليل ما ادعاه: لأن مبنى المفاعلة على الاشتراك لا وجه له، فكان عليه أن يحيل على السماع كما سمعته. والإرداف الإركاب لأحد وراءك، وقال "الزجاج": أردفت الرجل إذا جئت بعده، ومنه ﴿تتبعها الردافة﴾ [النازعات: ٧]، ويقال: ردف وأردف وهما بمعنى عند "ابن الأعرابي" وقوم من أهل اللغة. قال "أبو عبيد": يقال: ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه، وقيل: بينهما فرق، فردفت الرجل بمعنى ركبت خلفه، وأردفته بمعنى أركبته خلفي، وفي كتاب "لحن العوام" "للزبيدي" يقولون" أردفته إذا جعلته خلفك راكباً، والصواب ارتدفته أي جعلته

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ردفي، فإن ركبت خلف رجل قلت: ردفته وأردفته أي صرت ردفاً له، قال الشاعر: (إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا) والجوزاء تتلو الثريا، ويقال: دابة لا ترادف أي لا تحمل رديفاً، وقولهم لا تردف خطأ. والردفان: الغداة والعشي لأن كل واحد منهما ردف صاحبه. اهـ. وهذا مذهب المصنف والحف خلافه.

стр. 523

[١٥١]- اسم الآلة بكسر الميم لا بفتحها ويقولون: مطرد ومبرد ومبضع ومنجل، كما يقولون: مقرعة ومقنعة ومنطقة ومطرقة، فيفتحون الميم من جميع هذه الأسماء، وهو من أقبح الأوهام وأشنع معايب الكلام، لأن كل ما جاء على مفعل ومفعلة من الآلات المستعملة المتدولة فهو بكسر الميم، كالأسماء المذكورة ونظائرها، وعليه قول "الفرزدق": في مرئية سايس: ــ (ليبك أبا الخنساء بغل وبغلة ... ومخلاة سوء قد أضيع شعيرها) (وجرفة مطروحة ومحسةٌ ... ومقرعة صفراء بالٍ سيورها) وإنما كسر الميم من محسة لأن الأصل فيها محسسة، فأدغم أحد الحرفين المتماثلين في الآخر وشدده، والمشدود يقوم مقام حرفين كما فعل في نظائرها مثل: محفة ومخدة ومظلة ومسلة. ومن وهمهم أيضاً في هذا النوع قولهم لما يروح به: مروحة بفتح الميم، والصواب كسرها، وأخبرني "أبو القاسم الحسين بن محمد التميمي" المعروف بالباقلاوي قراءة عليه، قال: أخبرنا "أبو عمرو الهمذاني" عن عمه "أبي روق" عن "الرياشي" عن "الأصمعي" قال: قال "أبو عمرو بن العلاء": بلغنا أن "عمر". ﵁. كان ينشد في طريق مكة: ــ (وهذا الذي أصله أهل اللغة من كسر الميم في أوائل أسماء الآلات المتناقلة المصوغة

стр. 524

(كأن راكبها غضن بمزوجة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل) ثم قال لنا "أبو عمرو": المزوحة بفتح الميم الموضع الكثير الريح، والمروحة بالكسر ما يتروح به، وهذا الذي أصله أهل اللغة من كسر الميم في أوائل أسماء الآلات المتناقلة المصوغة على مفعل ومفعلة. هو عندهم كالقضية الملتزمة والسنة المحكمة، إلا أنهم أشذوا أحرفاً يسيرة منه، ففتحوا الميم من منقبة البيطار، وضموها من مدهن ومسعط ومنخل ومنصل ومكحل ومدق، وقيل في مدق الكسر على الأصل، ونطقوا في مسقاة ومرقاة ومطهرة بالكسر قياساً على الأصل، وبالفتح لكونها مما لا يتناقل باليد. ــ على مفعل ومفعلة وهو عندهم كالقضية الملتزمة والسنة المحكمة). هذا تحقيق بديع لما فيه من الفرق بين اسم الآلة التي تتناول باليد وغيرها، فيتعين كسر أول الأول إلا شذوذاً، ويفتح بعض من الثاني كمرقاة ومنارة لأنه من وجه آلة، ومن وجهٍ مكان، وهو فرق لطيف قل من نبه عليه أو تنبه له، والمدهن آلة الدهن وقارورته ومستنقع الماء، ومن الثاني قوله في الحديث: "نشف المدهن" ومنقبة البيطار ومكسر: الحديدة التي ينقب بها ويثقب.

стр. 525

[١٥٢]- قولهم: أعمل بحسب ذلك ويقولن اعمل بحسب ذلك بإسكان السين، والصواب فتحها لتطابق معنى الكلام، لأن الحسب بفتح السين هو الشيء المحسوب المماثل معنى المثل والقدر، وهو المقصود في هذا الكلام، فأما الحسب بإسكان السين فهو الكفاية ومنه قوله تعالى: ﴿عطاء حسابا﴾ [النبأ: ٣٦] أي كافياً، وليس المقصود به هذا المعنى، وإنما المراد اعمل على قدر ذلك. ويناسب هاتين اللفظتين في اختلاف معنييهما باختلاف هيئة أوسطهما قولهم: الغبن والغبن، والميل والميل، والوسط والوسط، والقبض والقبض، والخلف والخلف، وبين كل لفظتين من هذه الألفاظ المتجانسة فرق يمتاز معناهما فيه بحسب إسكان وسطهما وفتحه. فالغبن بإسكان الباء يكون في المال وبالفتح يقع في العقل والرأي، والميل ــ (الحسب بفتح السين هو الشيء المحسوب المماثل معنى المثل والمقدار وهو المقصود في هذا الكلام). فأما الحسب بإسكان السين فهو الكفاية ومنه قوله تعالى: ﴿عطاء حساباً﴾ أي كافياً. في "الصحاح" ليكن عملك بحسب ذلك أي على قدره من قولهم للمعدود: حسب، وهو فعل بمعنى مفعول كنقض بمعنى منقوض، وربما سكن في ضرورة، ولم يخصه غيره بالضرورة، وفي "الدرر والغرر" "للشريف المرتضى" ما يشهد بأن في الحساب معنى المكافأة، لقوله : ﴿عطاء حسابا﴾ أي عطاء كافيا، ويقال: احسبني الطعام ويحسبني إحساباً إذا كفاني، قال الشاعر: (وإذ لا ترى في الناس حسنا يفوتها ... وفي الناس حسنٌ لو تأملت محسب) [أي كاف].

стр. 526

بإسكان الياء من القلب واللسان وبفتحها يقع فيما يدركه العيان، والوسط بالإسكان ظرف مكان يحل محل لفظة بين، وبه يعتبر، والوسط بالفتح اسم يتعاقب عليه الإعراب [لكل واسطة من جميع الأشياء]، ولهذا مثل النحويين فقالوا: يقال وسط رأسه دهن ووسط رأسه صلب، والقبض بإسكان الباء مصدر قبض وبفتحها اسم الشيء المقبوض، وأما الخلف والخلف فعند أكثر أهل اللغة أن الخلف بإسكان اللام من الطالحين وبفتحها من الصالحين، وأنشدت "لأبي القاسم الآمدي" في مرثية "غرة خلف عرة": (خلفت خلفا ولم تدع خلفاً ... ليت بهم كان لابك التلف) وقيل فيهما: إنهما يتداخلان في المعنى ويشتركان في صفة المدح والذم، ــ (فالغبن بإسكان الباء يكون في المال، وبالفتح يقع في العقل والرأي). هذا مما ذهب إليه بعض اللغويين، وأنشد "ابن الشجري" في أماليه قول "عدي بن زيد": (لم أر مثل الأقوام في غبـ ... ـن الأيام ينسون ما عواقبها) وقال: فيه دليل على أن الغبن بفتح الباء يكون في البيع، والأغلب أن يستعمل في الرأي ويسكن في البيع. اهـ. وفي "القاموس": غبنه في البيع يغبنه غبناً ويحرك، أو بالتسكين في البيع وبالتحريك في الرأي أي خدعه. فما ذكره المصنف ليس بمتعين. (والميل بإسكان الياء في القلب واللسان وبفتحها فيما يدركه العيان). قال "ابن بري": الميل يكون في القلب واللسان وفي غيرهما، يقال: مال عن

стр. 527

فيقال: خلف صدق وخلف سوء، والشاهد عليه قول "المغيرة بن حبناء التميمي": (فنعم الخلف كان أبوك فينا ... وبئس الخلف خلف أبيك فينا) وقال بعضهم: إن الخلف بفتح اللام من غلف في إثر من مضى، والخلف بإسكان اللام اسم لكل قرن مستخلف، وعليه فسر قوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة﴾ [مريم: ٥٩]، وعليه يؤول قول "لبيد" ([ذهب الذين يعاش في أكنافهم] ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب ... ) يعني به القرن الذي عاصره آخر عمره. ــ الحق وعن الطريق ميلاً، وكذلك مال عليه في الظلم، ومال الشيء أيضاً ميلاً، وأما الميل بالتحريك فهو مصدر مال الشيء إذا اعوج خلقه، فالميل بالسكون عام في المحسوس وغيره، وبالتحريك خاص بالخلقي وقيل: يشمل كل مشاهد ثابت كميل البناء، ففي كلام المصنف ميل عن سنن الصواب، إلا أن يقال: إن قوله في القلب واللسان كناية عن الأمور المعنوية، وما يدركه العيان كناية عن الخلقية، وفي "القاموس" الميل محركة ما كان خلقة وقد يكون في البناء. (والوسط بالإسكان ظرف مكان يحل محل لفظة بين وبه يعتبر، والوسط بالفتح اسم

стр. 528

وحكى "أبو بكر بن دريد" قال: سمعت "الرياشي" يفصل بين قولهم: أصابهم سهم غرب بفتح الراء وسهم غرب بإسكان الراء، وقال: المعنى في الفتح أنه لم يذر من رماه، وفي الإسكان أنه رمي غيره فأصابه، ولم يميز بين اللفظتين سواه. ــ يتعاقب عليه الإعراب ولهذا مثل النحويون له فقالوا: يقال وسط رأسه دهن ووسطه صلب). في شرح "الفصيح" للإمام "المرزوقي": النحويون يفصلون بينهما فيقولون: وسط بالتسكين لما أحاط به جوانب من جنسه، تقول: في وسط رأسه دهن ووسط رأسه صلب، وربما قالوا: إذا كان أجزاء الكلام أولاً فاجعله وسطاً بالتحريك وإلا فسكنه. وحكى "الأخفش" أن وسطاً قد ورد مبتدأ خارجاً عن الظرفية في شعر أنشده، والمصنف راعى أن وسطاً إن كان بعض ما أضيف إليه تحرك السين وإن كان غيره يسكن؛ ألا ترى أن وسط الرأس والدار بعضها ووسط القوم غيرهم؟ وأما تفسيره ببين فبين لشيئين متباينين ووسط لشيئين يتصل أحدهما بالآخر، تقول: وسط الحصير قلم ولا تقول: بين الحصير قلم. اهـ. والفرق بينهما على ما ذكره المصنف من وجهين: أحدهما: أن ذا السكون ظرف مكان غير متصرف فلا يأتي إلا منصوباً على الظرفية، وذا الفتح متصرف يتعاقب عليه حركات الإعراب، وهذا في المطر دون النادر، لما في "الارتشاف" من أنه يتصرف نادراً، وكذا في "عمدة الحفاظ". وثانيهما: أن ذا السكون يحل محل بين بخلاف ذي الفتح كما أشار إليه بقوله: "وبه يعتبر" أي بهذا الحلول يعتبر الإسكان فإن كان كان وإلا فلا. وهذا أكثري أيضاً، كما في "الصحاح" حيث قال: وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط وإن لم يصلح فيه فهو وسط بالتحريك، وربما سكن. اهـ. وليس بالوجه، وعن الكوفيين كما نقله "أبو حيان" أنه لا فرق بينهما ويحيلونهما ظرفين، وعن بعضهم كما في "التقريب" أنه سوى بينهما فقال: هما ظرفان واسمان.

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعن "الراغب" أن وسط الشيء بالفتح ما له طرفان مستويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، نحو وسطه صلب، ووسط بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين نحو وسط القوم كذا. وعن "ثعلب" أن ما كان ذا أجزاء تنفصل قلت فيه: وسط بالسكون، وما كان مصمتاً بلا أجزاء تتفرق قلت فيه: وسط بالفتح، وسط بالفتح، فمن الأول على ما نقل عنه: اجعل هذه الياقوتة وسط العقد وهذه الخرزة وسط السبحة ولا تقعد وسط القوم، ومن الثاني: احتجم وسط الرأس وصال وسط الصف، وعلى هذا القول يكون الوسط الساكن الوسط مستعملاً تارة حيث يحل محل بين نحو لا تقعد وسط القوم، وأخرى حيث لا يحل محلها نحو: اجعل هذه الياقوتة وسط العقد وهذه الخرزة وسط السبحة بخلافه على قول المصنف. وقوله: (ولهذا مثل النحويون إلى آخره) إشارة إلى أن الإسكان في المثال الأول والفتح في الثاني لظرفية ذي السكون، ومن ثم نصب على الظرفية، واسمية ذي الفتح، ومن ثم رفع بالابتداء، وإلى أن تمثيل النحويين بذلك لذلك، ولم يرد أن تمثيلهم به لذلك لحلول ذي السكون محل بين في الأول دون الثاني أيضاً، وإن كان ذلك على وفق ما له من وجهي الفرق كليهما لعدم حلوله محله فيهما جميعاً. "تتمة" في "الكشاف" قيل للخيار: وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محوطة محمية، كما قال "الطائي": (كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا)

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي "الروض الأنف": الوسط وصف مدح في مقامين في النسب؛ لأن أوسط القبيلة صميمها وأعرقها فهو أجدر أن لا يضاف إليه الدعوى في الشهادة كقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣] وهذا غاية العدالة كأنه ميز أن لا يميل مع أحد. وظن قوم أن الأوسط الأفضل على الإطلاق ففسروا الصلاة الوسطى بالفضلى، وليس كذلك، فإنه ليس بمدح ولا ذم كما يقتضيه لفظ التوسط، غير أنهم قالوا في المثل: "أثقل من مغن وسط" على الذم؛ لأنه كما قال "الجاحظ": يجثم على القلب ويأخذ بالأنفاس؛ لأنه ليس بجيد فيطرب ولا بردى فيضحك، وهو تحقيق حقيق بالقبول ولا ينافيه قولهم: خير الأمور الوسط، حب التناهي غلط. ثم إن المصنف ذكر ما يختلف معناه بالفتح والسكون كالخلف والخلف، وقد تقدم تحقيقه مفصلا. [و (غرة) بالغين المعجمة الخيار وبالمهملة الأشرار وهو ظاهر].
следующие страницы →