← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

بإسكان الياء من القلب واللسان وبفتحها يقع فيما يدركه العيان، والوسط بالإسكان ظرف مكان يحل محل لفظة بين، وبه يعتبر، والوسط بالفتح اسم يتعاقب عليه الإعراب [لكل واسطة من جميع الأشياء]، ولهذا مثل النحويين فقالوا: يقال وسط رأسه دهن ووسط رأسه صلب، والقبض بإسكان الباء مصدر قبض وبفتحها اسم الشيء المقبوض، وأما الخلف والخلف فعند أكثر أهل اللغة أن الخلف بإسكان اللام من الطالحين وبفتحها من الصالحين، وأنشدت "لأبي القاسم الآمدي" في مرثية "غرة خلف عرة": (خلفت خلفا ولم تدع خلفاً ... ليت بهم كان لابك التلف) وقيل فيهما: إنهما يتداخلان في المعنى ويشتركان في صفة المدح والذم، ــ (فالغبن بإسكان الباء يكون في المال، وبالفتح يقع في العقل والرأي). هذا مما ذهب إليه بعض اللغويين، وأنشد "ابن الشجري" في أماليه قول "عدي بن زيد": (لم أر مثل الأقوام في غبـ ... ـن الأيام ينسون ما عواقبها) وقال: فيه دليل على أن الغبن بفتح الباء يكون في البيع، والأغلب أن يستعمل في الرأي ويسكن في البيع. اهـ. وفي "القاموس": غبنه في البيع يغبنه غبناً ويحرك، أو بالتسكين في البيع وبالتحريك في الرأي أي خدعه. فما ذكره المصنف ليس بمتعين. (والميل بإسكان الياء في القلب واللسان وبفتحها فيما يدركه العيان). قال "ابن بري": الميل يكون في القلب واللسان وفي غيرهما، يقال: مال عن

стр. 527

فيقال: خلف صدق وخلف سوء، والشاهد عليه قول "المغيرة بن حبناء التميمي": (فنعم الخلف كان أبوك فينا ... وبئس الخلف خلف أبيك فينا) وقال بعضهم: إن الخلف بفتح اللام من غلف في إثر من مضى، والخلف بإسكان اللام اسم لكل قرن مستخلف، وعليه فسر قوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة﴾ [مريم: ٥٩]، وعليه يؤول قول "لبيد" ([ذهب الذين يعاش في أكنافهم] ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب ... ) يعني به القرن الذي عاصره آخر عمره. ــ الحق وعن الطريق ميلاً، وكذلك مال عليه في الظلم، ومال الشيء أيضاً ميلاً، وأما الميل بالتحريك فهو مصدر مال الشيء إذا اعوج خلقه، فالميل بالسكون عام في المحسوس وغيره، وبالتحريك خاص بالخلقي وقيل: يشمل كل مشاهد ثابت كميل البناء، ففي كلام المصنف ميل عن سنن الصواب، إلا أن يقال: إن قوله في القلب واللسان كناية عن الأمور المعنوية، وما يدركه العيان كناية عن الخلقية، وفي "القاموس" الميل محركة ما كان خلقة وقد يكون في البناء. (والوسط بالإسكان ظرف مكان يحل محل لفظة بين وبه يعتبر، والوسط بالفتح اسم

стр. 528

وحكى "أبو بكر بن دريد" قال: سمعت "الرياشي" يفصل بين قولهم: أصابهم سهم غرب بفتح الراء وسهم غرب بإسكان الراء، وقال: المعنى في الفتح أنه لم يذر من رماه، وفي الإسكان أنه رمي غيره فأصابه، ولم يميز بين اللفظتين سواه. ــ يتعاقب عليه الإعراب ولهذا مثل النحويون له فقالوا: يقال وسط رأسه دهن ووسطه صلب). في شرح "الفصيح" للإمام "المرزوقي": النحويون يفصلون بينهما فيقولون: وسط بالتسكين لما أحاط به جوانب من جنسه، تقول: في وسط رأسه دهن ووسط رأسه صلب، وربما قالوا: إذا كان أجزاء الكلام أولاً فاجعله وسطاً بالتحريك وإلا فسكنه. وحكى "الأخفش" أن وسطاً قد ورد مبتدأ خارجاً عن الظرفية في شعر أنشده، والمصنف راعى أن وسطاً إن كان بعض ما أضيف إليه تحرك السين وإن كان غيره يسكن؛ ألا ترى أن وسط الرأس والدار بعضها ووسط القوم غيرهم؟ وأما تفسيره ببين فبين لشيئين متباينين ووسط لشيئين يتصل أحدهما بالآخر، تقول: وسط الحصير قلم ولا تقول: بين الحصير قلم. اهـ. والفرق بينهما على ما ذكره المصنف من وجهين: أحدهما: أن ذا السكون ظرف مكان غير متصرف فلا يأتي إلا منصوباً على الظرفية، وذا الفتح متصرف يتعاقب عليه حركات الإعراب، وهذا في المطر دون النادر، لما في "الارتشاف" من أنه يتصرف نادراً، وكذا في "عمدة الحفاظ". وثانيهما: أن ذا السكون يحل محل بين بخلاف ذي الفتح كما أشار إليه بقوله: "وبه يعتبر" أي بهذا الحلول يعتبر الإسكان فإن كان كان وإلا فلا. وهذا أكثري أيضاً، كما في "الصحاح" حيث قال: وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط وإن لم يصلح فيه فهو وسط بالتحريك، وربما سكن. اهـ. وليس بالوجه، وعن الكوفيين كما نقله "أبو حيان" أنه لا فرق بينهما ويحيلونهما ظرفين، وعن بعضهم كما في "التقريب" أنه سوى بينهما فقال: هما ظرفان واسمان.

стр. 529

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعن "الراغب" أن وسط الشيء بالفتح ما له طرفان مستويا القدر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، نحو وسطه صلب، ووسط بالسكون يقال في الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين نحو وسط القوم كذا. وعن "ثعلب" أن ما كان ذا أجزاء تنفصل قلت فيه: وسط بالسكون، وما كان مصمتاً بلا أجزاء تتفرق قلت فيه: وسط بالفتح، وسط بالفتح، فمن الأول على ما نقل عنه: اجعل هذه الياقوتة وسط العقد وهذه الخرزة وسط السبحة ولا تقعد وسط القوم، ومن الثاني: احتجم وسط الرأس وصال وسط الصف، وعلى هذا القول يكون الوسط الساكن الوسط مستعملاً تارة حيث يحل محل بين نحو لا تقعد وسط القوم، وأخرى حيث لا يحل محلها نحو: اجعل هذه الياقوتة وسط العقد وهذه الخرزة وسط السبحة بخلافه على قول المصنف. وقوله: (ولهذا مثل النحويون إلى آخره) إشارة إلى أن الإسكان في المثال الأول والفتح في الثاني لظرفية ذي السكون، ومن ثم نصب على الظرفية، واسمية ذي الفتح، ومن ثم رفع بالابتداء، وإلى أن تمثيل النحويين بذلك لذلك، ولم يرد أن تمثيلهم به لذلك لحلول ذي السكون محل بين في الأول دون الثاني أيضاً، وإن كان ذلك على وفق ما له من وجهي الفرق كليهما لعدم حلوله محله فيهما جميعاً. "تتمة" في "الكشاف" قيل للخيار: وسط؛ لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محوطة محمية، كما قال "الطائي": (كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت ... بها الحوادث حتى أصبحت طرفا)

стр. 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي "الروض الأنف": الوسط وصف مدح في مقامين في النسب؛ لأن أوسط القبيلة صميمها وأعرقها فهو أجدر أن لا يضاف إليه الدعوى في الشهادة كقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣] وهذا غاية العدالة كأنه ميز أن لا يميل مع أحد. وظن قوم أن الأوسط الأفضل على الإطلاق ففسروا الصلاة الوسطى بالفضلى، وليس كذلك، فإنه ليس بمدح ولا ذم كما يقتضيه لفظ التوسط، غير أنهم قالوا في المثل: "أثقل من مغن وسط" على الذم؛ لأنه كما قال "الجاحظ": يجثم على القلب ويأخذ بالأنفاس؛ لأنه ليس بجيد فيطرب ولا بردى فيضحك، وهو تحقيق حقيق بالقبول ولا ينافيه قولهم: خير الأمور الوسط، حب التناهي غلط. ثم إن المصنف ذكر ما يختلف معناه بالفتح والسكون كالخلف والخلف، وقد تقدم تحقيقه مفصلا. [و (غرة) بالغين المعجمة الخيار وبالمهملة الأشرار وهو ظاهر].

стр. 531

[١٥٣]- قولهم: كثرت عيلة فلان ويقولن: قد كثرت عيلة فلان، إشارة إلى عياله فيخطئون فيه؛ لأن العيلة هي الفقر بدليل قوله تعالى: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله﴾ [التوبة: ٢٨]. وتصريف الفعل منها عال يعيل فهو عائل، والجمع عالة، وجاء في التنزيل ﴿ووجدك عائلاً فأغنى﴾ [الضحى: ٨] وفي الحديث "لأن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالة يتكففون الناس". فأما الذين يعالون فهم عيال واحدهم عيل، كما أن واحد جياد جيد، وقد جمع عيال على عياييل، كما قيل: ركاب وركائب، ويقال لمن كثر عياله: أعال ــ (ويقولون: قد كثرت عيلة فلان إشارة إلى عياله، فيخطئون فيه؛ لأن العيلة هي الفقر لا العيال كما توهموه). والمخطى هو المخطى؛ لأنه ورد بهذا المعنى في الكلام الفصيح فهو عربي صحيح، ففي الحديث: "أتخافين العيلة وأنا وليهم" كذا رواه "ابن الأثير" وفسره بالعيال، فإما أن يكون جمع عائل كالعيل كما رواه "الأزهري" أو هو تجوز من قولهم: عالة عيلة إذا قام يرزقه. ففي "التهذيب": طالت عيلتي أي طالما علتك، أو أطلق عليهم الفقر لأنهم سببه، كما يقال: قلة العيال أحد اليسارين. (وفي الحديث "لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"). هذا حديث صحيح رواه "البخاري" قاله ﷺ "لسعد بن أبي وقاص"، لما دعاه

стр. 532

فهو معيل [ولمن يمونهم] [وقد عالهم: يعولهم]، ومنه الخبر: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول". وفي كلام بعض العرب "والله لقد علت حتى علت" أي منت عيالي حتى افتقرت، وقد يقال: عال يعول إذا جار، فأما قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء: ٣] فمعناه: [ذلك أدنى] ألا تجوروا، ومنه قول بعض العرب لحاكم حكم عليه بما لم يوافقه: "والله لقد علت علي في الحكم". ومن ذهب في تفسير الآية إلى أن معنى تعولوا يكثر من تعولون فقد وهم فيه، وأما قوله ﷺ : "وإن من القول عيالا" فمعناه أن من الحديث ما يستثقل السامع أن يعرض عليه، ويستشق الإنصات إليه. ــ فقال: يا رسول الله، بلغ بي ما ترى من الوجع وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ فقال له: لا، قال: فبشطره؟ قال: لا، الثلث والثلث كثير؛ إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبغي بها وجه الله إلا أجرت [عليها] حتى ما تجعل في امرأتك".

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومعنى قوله: يتكففون، يسألون الناس فيمدون الأكف أو يسألون من الكفاف. (ومنه الخبر: ابدأ بنفسك ثم بمن تعول). هو بعض حديث روته "الطبراني" وفسر من تعول بمن تلزم نفقته من العيال كالزوجة والعبد. (ومنه قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ معناه: ذلك أدنى أن لا تجوروا، ومنه قول بعض العرب لحاكم حكم عليه بما لم يوافقه: والله لقد علت علي في الحكم، ومن ذهب في تفسير الآية إلى أن معنى تعولوا يكثر من تعولون فقد وهم). فيه سوء أدب؛ فإن القائل هو "الإمام الشافعي" رضي الله تعالى عنه- وهو أعلم باللغة منه ومن أضرابه، وليس ممن يجترى على تفسير القرآن العظيم بما لا يعلمه. وفي "تهذيب الأزهري": أكثر أهل التفسير على أن معناه أقرب أن لا تجوروا وتميلوا، وعن "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم" أنه فسره بلا تكثر عيالكم. قلت: وإلى هذا القول ذهب "الشافعي" فيما أخبرني "عبد الملك" عن "الربيع" عنه. قلت: والمعروف في كلام العرب: عال الرجل إذا كثر عياله. ومن العرب الفصحاء من يقول: عال يعول إذا كثر عياله] وهذا يقوي قول "الشافعي" ﵁ لأن "الكسائي" لا يحكي عن العرب إلا ما حفظه وضبطه. وقول "الشافعي" نفسه حجة لأنه عربي فصيح اللسان، والذي اعترض عليه وخطأه عجل ولم يتثبت، ولا ينبغي للحضري أن يعجل إلى إنكار ما لم يحفظ من لغات العرب. اهـ.

стр. 534

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واعلم أن هذا كما قاله "البيهقي" في كتاب "الانتصار" للشافعي أنه لما فسر قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ بأن لا يكثر من تعولون، اعترض عليه بأنه مخالف لكلام المفسرين والأدباء، لأنهم فسروه بألا تجوروا، من عال الرجل إذا جار ومال، أو عال إذا افتقر، أو عال عياله أنفق عليهم، أو عال إذا كثر عياله، فلم يفرق بين عال وأعال. قال "البيهقي": قلت: ليس كذلك؛ لأن "زيد بن أسلم" من علماء هذه الأمة، وقد فسره بما قاله "الشافعي" كما رويناه عنه مسنداً. وفي "مختصر العين" أن "الشافعي" ذهب في ذلك إلى أن أصل العول الميل، لكنه ليس بمطلق؛ لأنه لا يقال للجدار إذا مال: عال، وإنما هو مختص بالنسم، لأن أصل العول قوت العيال ومنه يتسبب الميل، ومنه القسم بين الضرائر والإنفاق وغيره، فسمى هذا العول ميلاً، فذهب "الشافعي" إلى أصل المعنى، والمفسرون إلى ما تسبب عنه، وهم كثيراً ما يقولونه. وقال "الجامي": من عرف توسع كلام العرب لم يضق عليه مثله، وقد رد "الأزهري" اعتراض "أبي داود" على "الشافعي"، وروى عن كل من "الفراء" و"الكسائي" أنه قال: سمعت كثيراً من العرب يقولون: عال الرجل إذا كثر عياله، إلا أن

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أعال أكثر من عال، فمن هذا يعلم أن "الشافعي" لم يقل ما قاله إلا وقد حفظه، ثم قال "الأزهري": إن ما قاله "الشافعي" وجيه؛ فإنه -تعالى- لما بدأ بذكر مثنى وثلاث ورباع قال: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء: ٣] بجماعة تعجزون عن كفايتهم. اهـ]. [وقد قال بعض أهل اللغة: إنها لغة "حمير"، ويؤيده أنه قرى في الشواذ تعيلوا بضم التاء. (وأما قوله ﷺ : "إن من القول عيالا" فمعناه أن من القول ما يستثقل السامع أن يعرض عليه ويستنشق الإنصات إليه)]. هو حديث أوله: "إن من البيان لسحراً وإن من العلم جهلاً وإن من القول عيالاً" وفسروه بعرض الكلام على من ليس من شأنه ولا يهمه، وهو قريب مما ذكره المصنف. والذي رأيناه في كتب اللغة أن من القول عيالا. قال "ابن طاهر" في "فوائد الخرائد": يقال: علت الضالة وأعيل عيلا وعيالاً إذ لم تدر في أي جهة تبغيها، والمعنى أن من القول ما يعرض على من لا يريده وليس ذلك من شأنه، كأن القائل لم يهتد لمن يطلب كلامه فيعرضه على من لا يريده.

стр. 536

[١٥٤]- قولهم: فلان في رفهة ويقولون: فلان في رفهة، والمسموع عند العرب رفاهةٍ ورفاهية، كما قالوا: طماعة وطماعية وكراهة وكراهية، وقد قيل فيها: رفهنية، كما قالوا: بلهنية. واشتقاق لفظ الرفاهية من الرفه، وهي أن تورد الإبل كل ما شاءت كل يوم، فكأنهم قصدوا بها التوسع، فأما الرفهة فهي أصل لفظة الرفة التي هي دقاق التبن في لغة من قالها بتخفيف الفاء فهي تجري مجرى شفة التي أصلها شفهة، وقد حذفت ــ (ويقولون: فلان أغنى عن فلان من التفة عن الرفة، والمراد بالتفة عناق الأرض التي تقتات اللحم وتستغني عن دقاق التبن، وقد شدده بعضهم وجعل أصلها التفة). قال: "ابن بري": يقال التفة والرفة مثل الثبة للجماعة والتاء فيها للتأنيث، وكذا قال "ابن جني" و"ابن دريد"، وفي "الصحاح" أغني من التفه عن الرفه بالهاء الأصلية فيهما، وكذا قال "أبو حنيفة" في أنوائه، وحكى تشديد الفاء وتخفيفها. وقوله: إن أصلها تفقة ثم أدغم غلط منه لأن باب فعلة وفعل لا يدغم؛ ألا تراهم قالوا: رجل سببة فلم يدغموا؟ وذكرها "ابن السكيت" في أمثاله على أن هاء التفة والرفة أصلية والكلمة بالتخفيف، وفي مثل آخر: (أخفى من الماء تحت الرفه) قال "الميداني": يعني التنبه. قلت: وفي الأمثال العامية لمن يخفي الضرر وهو ساع في إيصاله هو كالماء تحت التبن. كما قلت:

стр. 537

إحدى الهائين منها بدليل تصغيرها على شفهية، ويقال في المثل: فلان أغنى [من فلان] من التفة عن الرفة. والمراد بالتفة عناق الأرض لأنها تقتات اللحم وتستغني عن دقاق التبن، وقد شدد بعضهم الفاء من التفة، وجعل أصلها التفقة، ثم أدغم إحدى الفائين في الأخرى كما يفعل ذلك في الحرفين المتماثلين الواقعين في الأسماء المضعفة. ــ (توق صداقة كل امرى ... ثقيل بمذق خفيف الشفه) (فذلك أعدى العدا باطناً ... وأخفى من الماء تحت الرفه) وهذا الحرف من "الجمهرة"، بتشديد الفاء وبالهاء، وكذلك أورده "الجوهري"، والصحيح أنه من الأسماء المنقوصة وجمعه رفات كثبة وثبات، كما ارتضاه "المحشي"، وفي "القاموس" عناق الأرض: سياه كوش". ثم إن ما ذكره المصنف من كون الرفة بمعنى الرفاهية خطأ معروف، نعم الرفه محركة الرحمة وسعة العيش رحمة من الله، فإذا تجوز بها عن ذلك لم يكن من الخطأ في شيء لمن له بصيرة نقادة.

стр. 538

[١٥٥]- قولهم: ارتضع بلبنه ويقولون لرضيع الإنسان؛ قد ارتضع بلبنه، وصوابه ارتضع بلبانه، لأن اللبن هو المشروب، واللبان هو مصدر لابنه أي شاركه في شرب اللبن، وهذا هو معنى كلامهم الذي نحوا إليه ولفظوا به، وإليه أشار "الأعشى" في قوله: (تشب لمقرورين يصطليانها ... وبأت على النار الندى و"المحلق") رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داجٍ عوض لا تتفرق) يعني أن "المحلق" الممدوح والندى إرتضعا ثدي أم، وتحالفا على أنهما لا ــ (ويقولون لرضيع الإنسان: قد ارتضع بلبنه، وصوابه ارتضع بلبانه؛ لأن اللبن هو المشروب، واللبان مصدر لابنه أي شاركه في شرب اللبن، وهذا معنى كلامهم الذي نحوا إليه ولفظوا به، وإليه أشار "الأعشى" في قوله: (تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى و"المحلق") (رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق) قد تبع في هذا "ابن قتيبة" في "أدب الكاتب"، وهو مما نسب فيه إلى السهو لاشتهار ما أنكره في كلام الفصحاء، وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال "لسهلة بنت سهيل" في شأن "سالم" مولى "أبي حذيفة": "أرضعيه خمس رضعات فيحرم بلبنها" وهو نص في أن اللبن لبنات آدم، وأما اللبان فمصدر لابنه إذا راضعه.

стр. 539

يتفرقان أبدا، لأن عوض من أسماء الدهر، وهما مما بني على الضم والفتح، وعنى بالأسحم الداجي ظلمة الرحم المشار إليها في قوله تعالى: ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث﴾ [الزمر: ٦]. وقيل: بل عنى به الليل، وعلى كلا هذين التفسيرين فمعنى تقاسما فيهما أي تحالفا، وقد قيل: إن المراد بلفظة تقاسما اقتسما، وأن المراد بالإسحم الداجي: الدم، وقيل: بل المراد بالأسحم اللبن لاعتراض السمرة فيه، وبالداجي: الدائم. وحكى "ابن نصر" الكاتب في كتاب "المفاوضة" قال: دخل على "أبي العباس بن ماسرجس" رجل نصراني ومعه فتى من أهل ملته حسن الوجه، فقال له "أبو العباس": من هذا الفتى؟ قال: بعض إخواني، فأنشد "أبو العباس": ــ وقال بعضهم: إنه اسم بمعنى اللبن إلا أنه مخصوص، واللبن عام في الآدمي وغيره، وقال آخرون: اللبان جمع لبن، ومما جاء في اللبان للمشاركة في اللبن قولهم: هو أخوه بلبان أمه. وفسره "يعقوب" بأخيه المشارك له في الرضاع، وقال "أبو سهل الهروي": لبان جمع لبن. وقيل: إنه لغة في اللبن وفي شرح مقامات الزمخشري أن اللبان بالفتح مصدر وبالكسر جمع لبن، وقيل: هو الملابنة أي المراضعة في قولهم: هو أخوه بلبان أمه. وقال "ابن السيد": روي عن النبي ﷺ : "أن لبن الفحل محرم" كما اتفق عليه

стр. 540

(دعتني أخاها "أم عمرو" ولم أكن ... خاها ولم أرضع لها بلبان) (دعتني أخاها بعدما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوان) ــ الفقهاء، وفسروه بأن الرجل يكون له امرأة ترضع بلبنه فكل من أرضعته حرمته عليه وعلى ولده، والصحيح أن يقال: اللبان للمرأة خاصة، واللبن عام. اهـ. وقد تقدم الكلام على الشعر الذي ذكره، وبقي أن المراد بالمقرورين فيه الندى و"المحلق" و"المحلق" بكسر اللام وهو اسم رجل مشهور، وعطفه على الندى بجعله كرجل ألف آخر وآخاه، وهو في غاية البلاغة، ورضيعي مثنى حال منهما، وثدي منصوب به، ولا حاجة إلى تقدير من كما قيل؛ لأن رضع متعد بنفسه، أو هو مجرور بدل من لبان، والأسحم قد فسره المصنف، وقيل: المراد به رماد النار أو الليل أو الزق لأنهم كانوا يتحالفون إلى الشراب. وله قصة مشهورة. ورضيع الإنسان مراضعه، وفسر في اللغة بالأخ من الرضاعة، يعنون هذا ومن لم يعرفه فسره بالراضع، وقال: الإضافة لأدنى ملابسة فوقع في حيص بيص. وفي شرح ديوان "أبي تمام" "للتبريزي": إذا كانت المفاعلة بين اثنين جاء كل واحد منهما على فعيل كما جاء على مفاعل، كقعيد للذي يقاعدك وتقاعده، ونديم بمعنى منادم، ورضيع وجليس بمعنى مراضع ومجالس. ثم أنشد: (دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن ... أخاها ولم أرضع لها بلبان) (دعتني أخاها بعدما كان بيننا ... من الأمر ما لا يصنع الأخوان) هذا شعر "لعبد الرحمن بن الحكم" وأوله: (وكأس ترى بين الأنام وبينها ... قذى العين قد نازعت أم أبان) (ترى شاربيها حين يعتورانها ... يميلان أحيانا ويعتدلان) (فما ظن واشينا بأبيض ماجد ... وبيضاء خود حين يلتقيان) (دعتني أخاها ........ إلى آخر البيتين) وهذا القائل تمثل به كما في المثل الآخر: "رب أخ لك لم تلده أمك" وله قصة معروفة.

стр. 541

[١٥٦]- الفرق بين لدغ ولسع ونهش . ويقولون: لدغته العقرب، والاختيار أن يقال لكل ما يضرب بمؤخره كالزنبور والعقرب: لسع، ولما يقبض بأسنانه كالكلب والسباع: نهش، ولما يضرب بفيه كالحية: لدغ، ومنه قول بعض الرجاز: (إن العجوز حين شاب صدغها ... كالحية الصماء طال لدغها) ــ (الاختيار أن يقال لكل ما يضرب بمؤخره كالزنبور والعقرب: لسع، ولما يعض بأسنانه كالكلب: نهش، ولما يضرب بفيه كالحية: لدغ). ما ذكره مما ذهب إليه بعض أهل اللغة، إلا أنهم قالوا: لدغته العقرب ولسعته ولسبته، كلهن سواء، ومن الدليل على ذلك قوله في المثل: تلدغ وتصي، ولا يسمى صوت الحية صياء ولكن صوت العقرب، وقد استعمله المصنف في مقاماته، وفي "المعرب" نهسه الكلب بالمهملة عضه، بأن قبض على لحمه ويده بالفم، ونهشته الحية بالشين المعجمة، وفي "التقريب" نهسه الكلب ونهشه.

стр. 542

[١٥٧]- قولهم: الحمد لله الذي كان كذا وكذا ويقولون: الحمد لله الذي كان كذا وكذا فيحذفون الضمير العائد إلى اسم الله تعالى الذي به يتم الكلام وتنعقد الجملة وتنتظم الفائدة، والصواب أن يقال: [الحمد لله إذ كان كذا وكذا منه، أو يقال]: الحمد لله الذي كان كذا وكذا بلطفه أو بعونه أو من فضله وما أشبه ذلك مما يتم الكلام المبتور ويربط الصلة بالموصول. وفي نوادر النحويين: أن رجلا قرع الباب على نحوي، فقال له من أنت؟ قال: الذي اشتريتم الآجر. فقال: أمنه؟ قال: لا، قال: أله؟ قال: لا، قال: اذهب فما لك في صلة الذي شيء. وقد شبه "الصاحب أبو القاسم بن عباد" الرقيب والمحبوب بالذي وصلته، فقال فيهما وأبدع: (ومهفهف ذي وجنة كالجنبذ ... وسهام لحظ كالسهام النفذ) (قد نلت منه مراد نفسي في الهوى ... وملكته لو لم يكن صلة الذي) ــ (ويقولون: الحمد لله الذي كان كذا وكذا، فيحذفون الضمير العائد إلى اسم الله الذي به يتم الكلام) إلى آخر ما ذكره، وكأنه لم يسمع قول النحاة في المتون: إن العائد يحذف باطراد كثيراً، وتفصيله لشهرته غني عن الإعادة. (وقد شبه "الصاحب" أبو القاسم بن عباد) الرقيب والمحبوب بالذي وصلته فقال فيهما وأبدع: (ومهفهف ذي وجنة كالجنبذ ... وسهام لحظ كالسهام النفذ) (قد نلت منه مراد نفسي في الهوى ... وملكته لو لم يكن صلة الذي) وإنما كني عنه بالصلة لعدم انفكاكه، وقريب منه قولهم: واو عمرو.

стр. 543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومما يضاهي ذلك أن "ابن عنين" كتب إلى الملك المعظم وهو مريض: (انظر إلى بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي) (أنا كالذي أحتاج ما يحتاجه ... فاغنم دعائي والثناء الوافي) فعاد ومعه دينار، وقال: أنا العائد وهذه الصلة. والجنبذ بضم الجيم والنون والذال المعجمة ورد أحمر.

стр. 544

[١٥٨]- قولهم: فلان شحاث ويقولون: فلان شحاث بالثاء المعجمة بثلاث من فوق، والصواب فيه: شحاذ بالذال المعجمة لاشتقاق هذا الاسم من قولك: شحذت السيف إذا بالغت في إحداده فكأن الشحاذ هو الملح في المسألة والمبالغ في طلب الصدقة. ــ (ويقولون: فلان شحات بالتاء المعجمة باثنتين، والصواب فيه شحاذ، لاشتقاق هذا الاسم من قولك: شحذت السيف إذا بالغت في إحداده، فكأن الشحاذ هو الملح في المسألة والمبالغ في طلب الصدقة). الشحاذ بمعنى السائل الملح مما شاع حتى سموا الآن شحاتة بزنة قيامة، إلا أن الواقع في كتب اللغة وفي كلام من يعتمد عليه شحاذ، بذال معجمة، فمن ثمة اختلفوا فيه. فمن ذاهب إلى أنه خطأ محض وتحريف سخيف، ومنهم من ذهب إلى أنه لغة فيه. قال في "الأساس": رجل شحات وشحاذ هو الملح وهو تجوز من شحذ السكين ونحوها إذا سنها، كقولك: هذا الكلام مشحذة للذهن، وفي [بعض] شروح "الشافية" في قوله- يجمع الحروف المهموسة "ستشحثك خصفة"-: الشحت الإلحاح في المسألة، ومنه يقال للمكدي: شحات ومنهم من قال: إنه من باب الإبدال، وإليه ذهب "ابن بري"، وقال: هو من المبدل كما قالوا في جثا جذا، وقثمت الشيء وقذمته- إذا أخذت منه بكثرة-، وقالوا لما يخرج من الجرح: غثيثة وغذيذة. اهـ. قلت: ذهب "ابن جني" في كتابه "سر الصناعة" إلى أن الثاء لا تبدل من الذال، وأما قولهم: جثوت وجذوت إذا قمت على أطراف أصابعك، وتلعثم وتلعذم، وجثجاث وجذجاذ بمعنى سريع، فليس أحد الحرفين بدلاً من الآخر، بل هما لغتان. اهـ. وهو مخالف لما قاله "ابن بري" في حواشيه، فيكون في الإبدال قولان.

стр. 545

[١٥٩]- الفرق بين الفرث والسرجين ويقولون لما خرج من الكرش: الفرث. فيوهمون فيه؛ لأنه يسمى فرثاً ما دام في الكرش، بدليل قوله تعالى: ﴿من بين فرث ودم﴾ [النحل: ٦٦]. فإذا لفظ منها سمي: السرجين، ومن أمثال العرب فيمن يحفظ ويضيع الجليل "فلان يحفظ الفرث ويفسد الحرث". ــ وقوله: (إن الفرث لا يسمى فرثاً إلا وهو في الكرش). جوابه ظاهر؛ لأنه باعتبار ما كان عليه كما يسمى الخمر عصيراً، ومثله كثير مطرد.

стр. 546

[١٦٠]- قولهم: جبة خلقة ويقولون: جبة خلقة، فيوهمون فيه، لأن العرب ساوت فيه بين نعت المذكر والمؤنث فقالت: ملحفة خلق كما قالت: ثوب خلق، وبين بعضهم العلة فيه فقال: كان أصل الكلام أعطني خلق جبتك، فلما أفرد من الإضافة بقي على ما كان عليه، وكذلك يقال: جبتان خلقان ولا يقال: خلقتان، وأنشد "ثعلب" شاهداً عليه "لأبي العالية": (كفى حزناً أني تطاللت كي أرى ... ذرى قلتي "دمخ" فما يريان) يقال: تطاول إذا مد قامته، وتطالل إذا مد عنقه، مأخوذ من الطلل وهو الشخص. (كأنهما والآل يجري عليهما ... من البعد عينا برقع خلقان) ــ (ويقولون: جبة خلقة فيوهمون فيه لأن العرب ساوت فيه بين نعت المذكر والمؤنث، فقالت: ملحفة خلق كما قالت: ثوب خلق) بفتح الخاء واللام قال في "المصباح": خلق الثوب بالضم إذا بلي فهو خلق بفتحتين وجمعه خلقان. اهـ. وهذا هو الذي ذكره المصنف، وأما خلق كحذر بكسر اللام فصفة وقعت كثيراً صفة للمنازل والأطلال، وإنما لم يؤنث لأنه في الأصل مصدر يلزم حالة واحدة، وفي شرح "أدب الكاتب": الخلق المبتذل يقع للواحد وللاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد؛ لأنه يجري مجرى المصادر، وقد يثنى وقد يجمع، فيقال: ثياب أخلاق وقالوا: ثوب أخلاق فوصفوا به الواحد كبرمة أعشار، وقال "الكسائي": أرادوا نواحيه أخلاق. (وبين بعضهم العلة فيه- أي في عدم تأنيثه- فقال: كان أصل الكلام أعطنى خلق جبتك، فلما أفرد عن الإضافة بقى مع ما كان عليه) وقائل هذا هو "الفراء" والعلة

стр. 547

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصحيحة ما قدمناه. قال ابن هشام في تذكرته: ثوب جديد وثوب خلق لاتلحقهما التاء في المؤنث؛ لأن جديداً أصل مفعول، فهو كقولهم كف خضيب، وكذا جديدة بمعنى ممدودة أي مقطوعة من منوال الناسج. هذا أصله، وأما الخلق فمصدر يقع للمؤنث والمذكر بلفظ واحد كرجل عدل وامرأة عدل، فأما قول "الفراء": إنما قيل خلق بغير هاء لأنه كان يستعمل في الأصل مضافاً، فيقال: أعطني خلق جبتك وخلق عمامتك فاستعمل في الإفراد بغيرها، فليس بشيء لأنه يقال له: فلم وجب سقوط الهاء في الإضافة حتى يحمل الإفراد عليه؟ اهـ. ثم أنشد قوله: (كفى حزناً أني تطاللت كي أرى ... ذرى قلتي دمخ فما تريان) يقال: تطاول إذا مد قامته وتطالل إذا مد عنقه، مأخوذ من الطلل وهو الشخص). وفي "الصحاح" تطالل إذا مد عنقه ينظر إلى شيء بعيد عنه، وقال في مادة "طول": تطاولت مثل تطاللت. ودمخ بدال مهملة وخاء معجمة اسم جبل.

стр. 548

[١٦١]- قولهم: ثلاثة شهور وسبعة بحور ويقولون: ثلاثة شهور وسبعة بحور، والاختيار أن يقال: ثلاثة أشهر وسبعة أبحر ليتناسب نظم الكلام ويتطابق العدد والمعدود، كما جاء في القرآن الكريم: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: ٢] وكما نطق به التنزيل ﴿من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧]. والعلة في هذا الاختيار أن العدد من الثلاثة إلى العشرة وضع للعلة، فكان إضافته إلى مثال الجمع القليل المشاكل له أليق به وأشبه بالملاءمة له. وأمثلة الجمع القليل أربعة: أفعال كما قال سبحانه: ﴿فصيام ثلاثة أيام﴾ [البقرة: ١٩٦]، وأفعل كما جاء في التنزيل أيضاً "سبعة أبحر" وأفعلة كقولك: تسعة أحرمة، وفعلة كقلولك: عشرة غلمة. ــ (ويقولون: ثلاثة شهور وسبعة بحور إلى آخره، والاختيار أن العدد من الثلاثة إلى العشرة وضع للقلة، فكانت العلة في إضافته إلى مثال الجمع قليل). إضافة العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جمع القلة إن كان له جمع قلة فإن لم يكن أضيف إلى جمع الكثرة وقدرت فيه من التبعيضية عند المصنف، والتحقيق خلافه لوجوه: منها: أن جمع الكثرة يستعمل فيما دون العشرة حقيقة، وإنما ينفرد بالإطلاق على ما فوقها، كما اختاره المحققون النحاة والأصوليون. ومنها: أنه ينسلخ عنه قيد الكثرة فيعم كما اختاره "الرضي"، فلا يقدر فيه ما ذكر، على أن كون الإضافة تأتي على معنى من التبعيضية رأى "السيرافي" وتابعه "الزمخشري" في سورة "لقمان"، وفيه كلام طويل في شروح "الكشاف" كما بيناه في كتابنا "عناية القاضي". ثم إنه ذكر في توجيه قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] وإضافة الثلاثة فيها إلى جمع الكثرة أن المعنى فيها (ليتربص كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند إلى جماعتهن ثلاثة، والواجب على كل واحدة منهن ثلاثة أتى بلفظة قروء لتدل على الكثرة المرادة).

стр. 549

وهذا الاختيار في إضافة العدد إلى جمع القلة مطرد في هذا الباب، اللهم لا أن يكون المعدود مما لم يبن له جمع قلة فيضاف إلى ما صيغ له من الجمع على تقدير إضمار في البعضية فيه، كقولك: عندي ثلاثة دراهم، وصليت في عشرة مساجد، أي ثلاثة من دراهم وعشرة من مساجد. ولسائل أن يعترض بقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ فيقول: كيف أضاف الثلاثة إلى قروء وهي جمع للكثرة ولم يضفها إلى الأقراء التي هي جمع القلة؟ . والجواب عنه أن المعنى في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ أي ليتربصن كل واحدة من المطلقات ثلاثة أقراء، فلما أسند إلى جماعتهن ــ في "الدر المصون" في هذه الآية أربعة أوجه: أحدها: أنه لما جمع المطلقات جمع القروء؛ لأن كل مطلقة تتربص ثلاثة أقراء فصارت كثرة بهذا الاعتبار. والثاني: أنه من باب الاتساع ووضع أحد الجمعين موضع الآخر. والثالث: أن قروءا جمع قرء بفتح القاف فلو جاء على أقراء جاء على غير قياس؛ لأن أفعالاً لا يطرد في فعل بفتح الفاء. والرابع: - وهو مذهب "المبرد"- أن التقدير ثلاثة من قروء فحذف من، وأجاز ثلاثة حمير وثلاثة كلاب أي من حمير ومن كلاب اهـ. وقوله (اللهم) يستعمل لتقوية الجواب وتأكيده، ووقع في كتاب "العلم" من "البخاري" في قول "ضمام" للنبي ﷺ : "ألله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم".

стр. 550

ثلاثة. والواجب على كل واحدة منهن ثلاثة أتى بلفظة قروء لتدل على الكثرة المرادة والمعنى الملموح. ــ قال ال الشراح: اللهم تستعمل على ثلاثة أنحاء: الأول: النداء المحض وهو الظاهر. الثاني: الإيذان بندرة المستثنى كما تقول: اللهم إلا أن يكون كذا. الثالث: الدلالة على تيقن المجيب في الجواب المقترن به.

стр. 551

[١٦٢]- قولهم: معلول ويقولون للعليل: هو معلول، فيخطئون فيه لأن المعلول هو الذي سقى العلل، وهو الشرب الثاني، والفعل منه عللته، فأما المفعول من العلة فهو معل، وقد أعله الله تعالى، ونظيره قولهم: أعطني على المقلول كذا وكذا، يعنون بالمقلول القل أو القلة، ولا وجه لهذا الكلام البتة، لأن المقلول في اللغة هو الذي ضربت قلته وهي أعلاه، كما يكني في المعاريض عمن ضربت ركبته بالمركوب، وعمن قطع سرره بالمسرور، وعمن قطع ذكره بالمذكور. ــ (ويقولون للعليل: معلول، فيخطئون فيه لأن المعلول هو الذي يسقي العلل وهو الشرب الثاني والفعل منه عللته، فأما المعلول من العلة فهو معل وقد أعله الله). هذا هو المعروف في اللغة، لكن ما أنكره وقع في كلام كثير ممن يوثق به من العلماء كالمحدثين والعروضيين والأصوليين، وقال في "المحكم": استعمل "أبو إسحاق" لفظ المعلول في المتقارب من بحور العروض [واستعمله] المتكلمون. اهـ. ولست منه على ثقة وثلج صدر، إنما هو أعله الله فهو معل، اللهم إلا أن يكون هذا على مذهب "سيبويه" في قولهم: مجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته، ولم يستعملا في الكلام لأنهم استغنوا عنهما بأفعلت. أهـ. ووقع في كلام المحدثين أيضاً فقال "ابن الصلاح": إن ذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم- في باب القياس-: العلة والمعلول مرذول عند أهل العربية واللغة، وقال "النووي": إنه لحن، وقال "ابن سيد الناس" في سيرته: إنه يستعمل معلول من الإعلال أيضاً كما يقول "الخليل" في العروض، وقد حكاه "ابن القوطية" ولم يعرفه "ابن

стр. 552

ومن الأحاجي بأبيات المعاني: (نسرهم إن هم أقبلوا ... وإن أدبروا فهم من نسب) أي نطعنهم إذا أقبلوا في السرة، وإذا أدبروا في السبة وهي الاست، ومن هذا النوع قول الشاعر: (ذكرت أبا عمرو فمات مكانه ... فيا عجبا هل يهلك المرء من ذكر) (وزرت عليا بعده فرأيته ... ففارق دنياه ومات على صبر) عنى بذكرت قطعت ذكره، وبقوله: رأيته قطعت رئته. ــ سيده"، وفي "المصباح المنير": قد شذ من أسماء المفعول ألفاظ نحو أجنه فهو مجنون وأحمه فهو محموم وأزكمه فهو مزكوم وأنبته فهو منبوت وأسله فهو مسلول. وقال "ابن فارس": وجهه أنهم يقولونه في ذلك كله بغير ألف فبنى عليه وإلا فلا وجه له، وقال "أبو زيد": يقولون مزكوم ومجنون ومحزون وملذوذ ومقرور؛ لأنهم يقولون زكم وجن وحزن [ولذذ] وقر، وحكى "السرقسطي": أبرزته بمعنى أظهرته فهو مبروز ولا يقال. برزته، وأعله الله فهو عليل، وربما جاء معلول ومسقوم قليلاً. اهـ.

стр. 553

[١٦٣]- قولهم: ما لي فيه منفوع ولا منفعة ويقولون في مثله: مالي فيه منفوع ولا منفعة فيغلطون فيه؛ لأن المنفوع من أوصل إليه النفع، والصواب أن يقال: ما لي فيه نفع ولا منفعة، فإن توهم متوهم أنه مما جاء على المصدر فقد وهم فيه؛ لأنه لم يجي من المصادر على وزن مفعول إلا أسماء قليلة وهي الميسور والمعسور بمعنى اليسر والعسر، وقولهم: ما له معقول ولا مجلود، أي ليس له عقل ولا جلد، وقولهم: حلف محلوفاً، وقد ألحق به قوم المفتون، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿بأييكم المفتون﴾ [القلم: ٦] أي الفتون وقيل؛ بل هو مفعول، والباء زائدة وتقديره: أيكم المفتون. ــ (لم يجي من المصادر على وزن مفعول إلا أسماء قليلة وهي الميسور والمعسور بمعنى اليسر والعسر، وقولهم: ماله معفول ولا مجلود أي ليس له عقل ولا جلد، وقولهم: حلف محلوفاً وقد ألحق به قوم المفتون). ومما جاء منه أيضاً [المرفوع والموضوع لضربين من السير كما في "الإقليد" ومنه] أيضاً مرجوع ومردود ومحصول، وقد يجيء بالتاء كمكروهة ومصدوقة، وكما جاء المصدر على مفعول ومفعولة جاء أيضاً على فاعل وفاعلة، ولم يثبت "سيبويه" المصدر على مفعول، وتأول قولهم: دعه إلى ميسوره أو معسوره، وقال: كأنه قال دعه إلى أمر يوسر فيه أو يعسر فيه، ويتأول المعقول أيضاً كما قاله "الجوهري". وأما تخطئة المصنف للناس في قولهم ماله منفوع بمعنى منفعة بأن مجيء المصادر على مفعول سماعي ولم يسمع هذا، اللهم إلا أن يدعي فيه أنه مؤول كما قال "سيبويه" في أمثاله، إلا أنه قال في كتاب "الدر اللقيط" "لابن أم مكتوم" قال "أبو حيان" في

стр. 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ شرح "الدر" "للرماني" في النحو، وهو تأليف رجل يقال له "الأهوازي" [وليس "بأبي علي الأهوازي] المقري: إنه لا يقال من نفع ينفع اسم مفعول، والقياس النحوي يقتضيه، وقال "ابن أم مكتوم": قال "ابن القطاع": نفعك الله نفعا أحسن إليك. اهـ. فصار نفع مثل ضرب في ضرب ومضروب فكذلك يقال في مفعول: نفع وما ذكره في شرح الموجز ليس بظاهر. اهـ. وفيه نظر.

стр. 555

[١٦٤]- قولهم للمريض: به سل ويقولون للمريض: به سل، ووجه القول أن يقال: به سلال بضم السين، لأن معظم الأدواء جاء على فعال، نحو الزكام والصداع والفواق والسعال. ــ (ويقولون للمريض: به سل، ووجه القول أن يقال: به سلال بضم السين، لأن معظم الأدواء جاء على فعال نحو الزكام والصداع). [هذا مأخوذ من فقه اللغة "للثعالبي" فإنه قال في باب الأدواء منه: أكثر ما جاء من أسماء الأدواء على فعال كالهلاس والسلال، اهـ، إلا أنه قال بعد فصول منه: والسل أن ينتقص لحم الإنسان بعد سعال ومرض، وإذا انتهى الإنسان إلى ضنى وذبول فهو السل والسلال والدق والزق والإجل بكسر الهمزة وهو وجع العنق. اهـ. وكذا أفاده "ابن دريد" فقد علمت أن أسماء الأمراض كما تجي على فعال بالضم تجي على فعل بالكسر، وإن كان الأول أكثر من الثاني، فإن [لفظ] السل مما أثبته أهل اللغة وشاع في الاستعمال وجاء به السماع أيضاً كقول "عروة بن حزام" فيما أنشده "ابن قتيبة": (أبي السل أو داء الهيام أصابني ... وإياك عني لا يكن بك ما بيا) وقال "رؤبة": كأن بي سلا وما لي ظبظاب

стр. 556

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال "جران العود": (تشفي من السل والبرسام ريقتها ... رشف لمن أسقمت داء عقابيل) وقال أيضاً: (وبرية لا يشتكي السل أهلها ... بها العيش مثل السابري رقيق) وقال "سيبويه" في "الكتاب": إذا قالوا جن وسل فإنما يقولون حصل فيه الجنون والسل، قال "المحشي": فأثبت لفظة السل. أع هـ. وإنما قال أثبتها لجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه كما عرف في أمثاله. فتدبر.

стр. 557

[١٦٥]- قولهم: حلا الشيء في صدري وبعيني ويقولون: حلا الشيء في صدري وبعيني، فيخطئون فيه، لأن العرب تقول: حلا في فمي وحلا في عيني، وليس الثاني من نوع الأول، بل هو من الحلي الملبوس فكان المعنى حسن في عيني كحسن الحلي الملبوس فهو من ذوات الياء، والأول من ذوات الواو، إلا أن المصدر منهما جميعاً الحلاوة، والاسم منهما حلو، ولا يجوز أن يقال: حالٍ؛ لأن الحالي هو الذي عليه الحلي وهو ضد العاطل. ــ (ويقولون: حلا لي الشيء في صدري وبعيني فيخطئون فيه؛ لأن العرب تقول: حلا في فمي وحلى في عيني، وليس الثاني من نوع الأول، بل من الحلى الملبوس فكأن المعنى حسن في عيني كحسن الحلى). إلى آخر ما فصله، وحاصله أنهم لا يفرقون بين حلا في فمي وحلا في صدري وبعيني في اللفظ، مع أن الأول كدعا يدعو، والثاني كرضي يرضى فلفظهما مختلف كأصل اشتقاقهما؛ لأن الأولى واوي والثاني يائي، وفي "المحكم": حلى بفمي وعيني يحلى وحلا يحلو حلاوة وحلواناً، وفصل بينهما بعضهم فقال: حلا الشيء في فمي وحلا بعيني، إلا أنهم قالوا: هو حلو في المعنيين، وقال قوم من أهل اللغة، ليس حلى من حلا في شيء، وهذه لغة على حدتها كأنها مشتقة من الحلى الملبوس لأنه حسن في عينيك لحسن الحلى، وليس بقوي ولا مرضي. اهـ. وإذا عرفت هذا ففي كلامه أمور: الأول: أن التفرقة بينهما رواية "الأصمعي"، ومن الناس من سوى بينهما، وجعلهما كدعا يدعو، كما في "الصحاح" وغيره. الثاني: قوله: أن الثاني يأبى الأول ليس بمسلم لثبوت خلافه؛ قال "ابن بري": حلا في فمي وحلى بعيني مأخوذان من الحلاوة، وإنما غير بناؤهما للفرق بينهما، وما ذكره من أنه لا يقال حالي بمعنى حلو مما غفل عنه بعضهم فاستعمله في شعره وبنى عليه التورية "كابن حجة" وأضرابه.

стр. 558

[١٦٦]- قولهم: مرايا في جمع مرآة ويقولون في جمع مرآة: مرايا، فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين حين قال: (قلت لما سترت ... لحيته بعض البلايا) (فتن زالت ولكن ... بقيت منها بقايا) (فهب اللحية غطت ... منه خدا كالمرايا) (من لعينيه التي ... تقسم في الناس المنايا؟ ) والصواب أن يقال فيها: مراءٍ على وزن مراعٍ، فأما مرايا فهي جمع ناقة مري، وهي التي تدر إذا مري ضرعها، وقد جمعت على أصلها الذي هو مرية، وإنما حذفت الهاء منها عند إفرادها لكونها صفة لا يشاركها المذكر فيها. ــ (ويقولون: في جمع مرآة: مرايا فيوهمون فيه، والصواب أن يقال: مراءٍ على وزن مراع، وأما مرايا فهو جمع ناقة مري وهي التي تدر إذا مري ضرعها) أي مسح ثديها وأمر عليه اليد، كما يفعل ذلك في حالة الحلب. وما ذكره غير صحيح رواية ودراية؛ قال "ابن بري": حكى "ثعلب" في "الفصيح" أنه يقال: هذه ثلاث مراء فإذا كثرت فهي المرايا، وذكر ذلك جماعة من أهل اللغة "كابن السكيت" و"ابن قتيبة" وكفى بذلك سنداً، إلا أن قول "ثعلب" مرائي للقلة ووزنه مفاعل لم يظهر لي وجهه، والداعي للمصنف إلى ما قاله أن مفاعل ونحوه قد تفتح فيه الهمزة العارضة فتنقلب الياء ألفاً وتقع الهمزة مفتوحة بين ألفين وهي تشبه الألف مخرجاً، فيشبه ما توالى فيه ثلاثة أمثال فتبدل ياء. وهذا قياس في الهمزة العارضة. وأما الأصلية فلا يجري فيها ذلك على المشهور، إلا أنه قال في "التسهيل": وقد

стр. 559

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تعامل الأصلية معاملة العارضة. قال شراحه: وذلك كقولهم في جمع مرآة مرايا، ومرآة مفعلة من الرؤية وهي آلتها كمطرقة، فالهمزة فيها أصلية وليست عارضة للجمع، والأصل مرأية، وقالوا في جمعها: مرائي وهو القياس ومرايا معاملة للهمزة الأصلية معاملة العارضة. فقد عرفت صحة مرايا نقلاً وعقلاً وسماعاً وقياساً لمن جليت مرآة بصيرته وما أنشده من الشعر الذي فيه: (فهب اللحية غطت ... منه خدا كالمرايا) لا وهم فيه كما توهم. وتشبيه الخد بالمرآة مطبوع مشهور، ومن أحسنه ما سمعت لبعض المغاربة قوله: (قالوا التحى وانكسفت شمسه ... وما دروا عذر عذاريه) (مرآة خديه جلاها الصبا ... فبات فيها فيء صدغيه)

стр. 560

[١٦٧]- قولهم لفم المزادة: عزلة ويقولون لفم المزادة: عزلة، وهي في كلام العرب عزلاء وجمعها عزالى، ومنه قوله الشاعر: (سقاها من الوسمي كل مجلجلٍ ... سكوب العزالي صادق البرق والرعد) فأما قول "ابن الأعرابي" في خبر الاستسقاء: (دقاق العزائل جم البعـ ... ـاق أغاث به الله عليا مضر) فإنه جاء على القلب كما جاء في التنزيل: ﴿على شفا جرف هار﴾ [التوبة: ١٠٩] أي هائر، فأخر القلب. ــ (ويقولون لفم المزادة: عزلة وهي في كلام العرب عزلاء وجمعها عزالى). هذا مما لا شبهة فيه، إلا أن أحداً لم يقله سواه، فلذا قصد إظهار سعة عمله. قال العلامة "الزخشري": كأنها في الأصل صفة وهي تأنيث الأعزل، شبهت بالذنب الأعزل وهو المائل في شق كما قال "امرؤ القيس": بضاف فويق الأرض ليس بأعزل والجمع عزالى بكسر اللام وفتحها، وبه تشبه مخارج الودق من السحاب فيستعار لها كما في قول بعض الأعراب: (فأسقاها فرواها بودق ... مخارجه كأفواه المزاد) فجاء هذا بتفسير العزالى، ومنه علم معنى الشعر الذي أنشده المصنف. وأشار إليه

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقوله (ومنه قول الشاعر: سقاها من الوسمي .... ). ثم قال: (فأما قول الأعرابي في خبر الاستسقاء: (دقاق العزائل جم البعاق ... أغاث به الله عليا مضر) الخبر المذكور هو ما رواه "البيهقي" في "أعلام النبوة" عن "هشام بن عروة" عن أبيه عن "عائشة" ﵂ أنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يشكو القحط-: أتيناك يا رسول الله ولم يبق لنا جمل يئط ولا صبي يصيح، ثم أنشد: (أتيناك والعذراء تدمى لثاتها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل) في أبيات أخر معه. فقام ﷺ يجر رداءه حتى رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم رفع نحوه السماء يديه، فقال: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً سحا سجالا غدقاً طبقا ديما درراً عاجلاً غير رائث نافعاً غير ضار ينبت به الزرع ويملأ به الضرع وتحيى به الأرض بعد موتها".

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قالت "عائشة": فوالله ما رد رسول الله ﷺ يديه نحو نحره حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاءه أهل البطنان يصيحون إليه: يا رسول الله، الغرق الغرق، فأومأ بطرفه إلى السماء وضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل، ثم قام رجل من "كنانة" فأنشده: (لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا بوجه النبي المطر) (دعا الله خالقه دعوة ... إليه وأشخص منه البصر) (فما كان إلا كما ساعة ... وأسرع حتى رأينا الدرر) (دقاق العزائل جم البعاق ... أغاث به الله عليا مضر) (به يسر الله صوب الغمام ... فهذا العيان كذاك الأثر) (فمن يشكر الله يلق المزيد ... ومن يكفر الله يلق الغير) فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فإن يك شاعر أحسن فقد أحسنت اهـ. وفي "النهاية لابن الأثير" العزائل أصله العزالي مثل الشائك والشاكي، والعزالي جمع عزلاء، وهي فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة، ومنه الحديث "فأرسلت السماء عزاليها".اهـ. [والبعاق كغراب بموحدة وعين مهملة وألف وقاف: المطر واندفاعه]. والجم: الكثير، ومضر: قريش معروفة، وعليا بالضم والقصر أعلاها.

стр. 563

[١٦٨]- قولهم: جاء القوم بأجمعهم ويقولون: جاء القوم بأجمعهم، لتوهمهم أنه أجمع الذي يوكد به في مثل قولهم: هو لك أجمع، والاختيار أن يقال: جاء القوم بأجمعهم بضم الميم، لأنه مجموع جمع فكان عل أفعل، كما يقال: فرخ وأفرخ وعبد وأعبد، ويدل على ذلك أيضاً إضافته إلى الضمير وإدخال حرف الجار عليه، وأجمع الموضوع للتوكيد لا يضاف ولا يدخل عليه الجار بحال، ونظير أجمع قولهم في المثل المضروب لمن كان في خصب ثم صار إلى أمرع منه: وقع الربيع إلى أربع يعني بأربع جمع ربيع. ــ (ويقولون: جاء القوم بأجمعهم لتوهمه أنه أجمع الذي يؤكد به في قولهم: هو لك أجمع والاختيار أن يقال: جاء القوم بأجمعهم بضم الميم لأنه مجموع جمع، فكان على أفعل، كما يقال: فرخ وأفرخ، ويدل على ذلك إضافته للضمير وإدخال الحرف الجار عليه). ما منعه جوزه النحاة واللغويون وجرى به الاستعمال، وعلى الأصح فهو أجمع المؤكدة زيدت فيها الباء لا لفظ آخر، كما قال "الرضي": قد يضاف أجمع إضافة ظاهرة فيؤكد به لكن بباء زائدة، نحو جاءني القوم بأجمعهم؛ فقول "ابن بري": حكى "ابن السكيت" في باب "ما يضم ويفتح" بمعنى جاء القوم بأجمعهم [وأجمعهم]، وكذا حكاه "الجوهري" وغيره، وقال "أبو علي": ليست أجمع هي التي يؤكد بها وإنما هي لفظ آخر بمعنى الجماعة، ويدلك على أنه ليس هو أجمع الذي للتأكيد إضافته للضمير، وهذا بعينه ما قاله المصنف. ومنشا الاختلاف فيه أنه لما امتنع صرفه ذهب بعضهم أنه للوزن والتعريف، وتعريفه بنية إضافته، وقيل: هو نوع آخر من التعريف مستقل، فمن أجاز إضافته بناء على الأول، ومن منعه بناه على الثاني لأنه كالعلم فلا يضاف. وأما كونه لا يدخله الجار لأن دخوله يخرجه عن التبعية ولا يخفى ضعفه، وقد اضمحل هذا كله بالسماع وأن الباء تزاد في بعض ألفاظ التوكيد كما في نحو جاءني زيد بنفسه وبعينه، وقول "ابن هشام": لو كان توكيداً لكانت فيه زائدة مثلها في قوله:

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا لجدكم الصغار بعينه لكان يصح إسقاطها فراراً مما ذكرناه وفيه نظر، وعلى ذكر قول بعينه يحسن أن نورد هنا ما تظرف به بعضهم حيث قال: (بدا وقد كان اختفى ... وخاف من مراقبه) (فقلت: هذا قاتلي ... بعينه وحاجبه)

стр. 565

[١٦٩]- قولهم لمن انقطعت حجته: مقطع ويقولون: لمن انقطعت حجته: مقطع بفتح الطاء، والصواب أن يقال بكسرها، لأن العرب تقول للمحجوج: أقطع الرجل فهو مقطع، وأما المقطع بفتح الطاء فيقع على العنين وعلى من أقطع قطيعة، وعلى المحروم دون نظرائه، ويقال: رجل مقطوع به إذا قطع عليه الطريق، ومنقطع به إذا عجز عن السفر. وحكي "المدائني" قال: دخلت على صديق لي وعنده رجل، فقلت: من هذا؟ فقال: منقطع إلي وأنا منقطع به. ونظير تحريفهم في المقطع قولهم: جاءوا كالجراد المشعل بفتح العين، والعرب تقول: جاءوا كالجراد المشعل بكسر العين، ومعنى المشعل المنتشر، ومنه قولهم: كتيبة مشعلة أي متفرقة [الحريق] [وإلى هذا ذهب "جرير" بقوله فيما يهجو به "الأخطل": (أفبالصليب ومار جرجس تبتغي ... شهباء ذات مناكب جمهورا) (عانيت مشعلة الرعال كأنها ... طير يحاول في شمام وكورا) ــ (ويقولون لمن انقطعت حجته: مقطع، والصواب أن يقال بكسرها؛ لأن العرب تقول للمحجوج المتقطع من القول: أقطع الرجل فهو مقطع).
следующие страницы →