← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقوله (ومنه قول الشاعر: سقاها من الوسمي .... ). ثم قال: (فأما قول الأعرابي في خبر الاستسقاء: (دقاق العزائل جم البعاق ... أغاث به الله عليا مضر) الخبر المذكور هو ما رواه "البيهقي" في "أعلام النبوة" عن "هشام بن عروة" عن أبيه عن "عائشة" ﵂ أنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يشكو القحط-: أتيناك يا رسول الله ولم يبق لنا جمل يئط ولا صبي يصيح، ثم أنشد: (أتيناك والعذراء تدمى لثاتها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل) في أبيات أخر معه. فقام ﷺ يجر رداءه حتى رقي المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم رفع نحوه السماء يديه، فقال: "اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً سحا سجالا غدقاً طبقا ديما درراً عاجلاً غير رائث نافعاً غير ضار ينبت به الزرع ويملأ به الضرع وتحيى به الأرض بعد موتها".

стр. 562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قالت "عائشة": فوالله ما رد رسول الله ﷺ يديه نحو نحره حتى ألقت السماء بأرواقها، وجاءه أهل البطنان يصيحون إليه: يا رسول الله، الغرق الغرق، فأومأ بطرفه إلى السماء وضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل، ثم قام رجل من "كنانة" فأنشده: (لك الحمد والحمد ممن شكر ... سقينا بوجه النبي المطر) (دعا الله خالقه دعوة ... إليه وأشخص منه البصر) (فما كان إلا كما ساعة ... وأسرع حتى رأينا الدرر) (دقاق العزائل جم البعاق ... أغاث به الله عليا مضر) (به يسر الله صوب الغمام ... فهذا العيان كذاك الأثر) (فمن يشكر الله يلق المزيد ... ومن يكفر الله يلق الغير) فقال له رسول الله ﷺ : "اجلس فإن يك شاعر أحسن فقد أحسنت اهـ. وفي "النهاية لابن الأثير" العزائل أصله العزالي مثل الشائك والشاكي، والعزالي جمع عزلاء، وهي فم المزادة الأسفل، شبه اتساع المطر واندفاعه بالذي يخرج من فم المزادة، ومنه الحديث "فأرسلت السماء عزاليها".اهـ. [والبعاق كغراب بموحدة وعين مهملة وألف وقاف: المطر واندفاعه]. والجم: الكثير، ومضر: قريش معروفة، وعليا بالضم والقصر أعلاها.

стр. 563

[١٦٨]- قولهم: جاء القوم بأجمعهم ويقولون: جاء القوم بأجمعهم، لتوهمهم أنه أجمع الذي يوكد به في مثل قولهم: هو لك أجمع، والاختيار أن يقال: جاء القوم بأجمعهم بضم الميم، لأنه مجموع جمع فكان عل أفعل، كما يقال: فرخ وأفرخ وعبد وأعبد، ويدل على ذلك أيضاً إضافته إلى الضمير وإدخال حرف الجار عليه، وأجمع الموضوع للتوكيد لا يضاف ولا يدخل عليه الجار بحال، ونظير أجمع قولهم في المثل المضروب لمن كان في خصب ثم صار إلى أمرع منه: وقع الربيع إلى أربع يعني بأربع جمع ربيع. ــ (ويقولون: جاء القوم بأجمعهم لتوهمه أنه أجمع الذي يؤكد به في قولهم: هو لك أجمع والاختيار أن يقال: جاء القوم بأجمعهم بضم الميم لأنه مجموع جمع، فكان على أفعل، كما يقال: فرخ وأفرخ، ويدل على ذلك إضافته للضمير وإدخال الحرف الجار عليه). ما منعه جوزه النحاة واللغويون وجرى به الاستعمال، وعلى الأصح فهو أجمع المؤكدة زيدت فيها الباء لا لفظ آخر، كما قال "الرضي": قد يضاف أجمع إضافة ظاهرة فيؤكد به لكن بباء زائدة، نحو جاءني القوم بأجمعهم؛ فقول "ابن بري": حكى "ابن السكيت" في باب "ما يضم ويفتح" بمعنى جاء القوم بأجمعهم [وأجمعهم]، وكذا حكاه "الجوهري" وغيره، وقال "أبو علي": ليست أجمع هي التي يؤكد بها وإنما هي لفظ آخر بمعنى الجماعة، ويدلك على أنه ليس هو أجمع الذي للتأكيد إضافته للضمير، وهذا بعينه ما قاله المصنف. ومنشا الاختلاف فيه أنه لما امتنع صرفه ذهب بعضهم أنه للوزن والتعريف، وتعريفه بنية إضافته، وقيل: هو نوع آخر من التعريف مستقل، فمن أجاز إضافته بناء على الأول، ومن منعه بناه على الثاني لأنه كالعلم فلا يضاف. وأما كونه لا يدخله الجار لأن دخوله يخرجه عن التبعية ولا يخفى ضعفه، وقد اضمحل هذا كله بالسماع وأن الباء تزاد في بعض ألفاظ التوكيد كما في نحو جاءني زيد بنفسه وبعينه، وقول "ابن هشام": لو كان توكيداً لكانت فيه زائدة مثلها في قوله:

стр. 564

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا لجدكم الصغار بعينه لكان يصح إسقاطها فراراً مما ذكرناه وفيه نظر، وعلى ذكر قول بعينه يحسن أن نورد هنا ما تظرف به بعضهم حيث قال: (بدا وقد كان اختفى ... وخاف من مراقبه) (فقلت: هذا قاتلي ... بعينه وحاجبه)

стр. 565

[١٦٩]- قولهم لمن انقطعت حجته: مقطع ويقولون: لمن انقطعت حجته: مقطع بفتح الطاء، والصواب أن يقال بكسرها، لأن العرب تقول للمحجوج: أقطع الرجل فهو مقطع، وأما المقطع بفتح الطاء فيقع على العنين وعلى من أقطع قطيعة، وعلى المحروم دون نظرائه، ويقال: رجل مقطوع به إذا قطع عليه الطريق، ومنقطع به إذا عجز عن السفر. وحكي "المدائني" قال: دخلت على صديق لي وعنده رجل، فقلت: من هذا؟ فقال: منقطع إلي وأنا منقطع به. ونظير تحريفهم في المقطع قولهم: جاءوا كالجراد المشعل بفتح العين، والعرب تقول: جاءوا كالجراد المشعل بكسر العين، ومعنى المشعل المنتشر، ومنه قولهم: كتيبة مشعلة أي متفرقة [الحريق] [وإلى هذا ذهب "جرير" بقوله فيما يهجو به "الأخطل": (أفبالصليب ومار جرجس تبتغي ... شهباء ذات مناكب جمهورا) (عانيت مشعلة الرعال كأنها ... طير يحاول في شمام وكورا) ــ (ويقولون لمن انقطعت حجته: مقطع، والصواب أن يقال بكسرها؛ لأن العرب تقول للمحجوج المتقطع من القول: أقطع الرجل فهو مقطع).

стр. 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا بناء منه على أن أقطع بهذا المعنى لا يكون إلا لازما، ولذا اقتصر عليه "الجوهري"، وفي "القاموس": قطعة بالحجة بكته كأقطعه. أهـ. فعلى هذا يصح فيه الفتح.

стр. 567

[١٧٠]- قولهم: كلمته فاختلط ويقولون: كلمت فلاناً فاختلط، أي اختل رأيه وثار غضبه، فيحرفون فيه، لأن وجه القول: فاختلط بالحاء المغفلة لاشتقاقه من الاحتلاط وهو الغضب، ومنه المثل المضروب: أول العي الاحتلاط وأسوأ القول الإفراط. ــ (ويقولون: كلمت فلاناً فاختلط، أي اختل رأيه وثار غضبه، فيحرفون فيه؛ لأن وجه القول فاختلط بالحاء المغفلة لاشتقاقه من الاحتلاط وهو الغضب). الاحتلاط بالمهملة الغضب، وبالمعجمة يقال في اختلال العقل أيضاً، والغضبان لشدة غضبه ربما عرض له ذلك أو ما يشبهه، فيجوز أن يكنى به عنه أو يتجوز فيه، مع أن صاحب "القاموس" ذكره وأثبته، فاندفعت الأغلاط وبان الاختلاط من الاحتلاط. ثم [إن المصنف] أورد المثل، وهو أول العي الاحتلاط وأسوأ القول الإفراط وأول من قاله "علقمة بن علاثة" وإنما كأن أول العي لأن من اشتد غضبه لا يقدر على ألزم خصمه غالباً لشدة تهوره كما لا يخفى.

стр. 568

[١٧١]- قولهم: الأسود والأبيض في الكناية عن العربي والعجمي ويقولون في الكتابة عن العربي والعجمي: الأسود والأبيض، والعرب تقول فيهما: الأسود والأحمر تعني العرب والعجم، لأن الغالب على ألوان العرب الأدمة والسمرة، والغالب على ألوان العجم البياض والحمرة، والعرب تسمي البيضاء حمراء، كما تسمي السوداء خضراء. وفي الأخبار المأثورة أنه ﷺ كان يسمي "عائشة". ﵂. حميراء. وأما قولهم: الحسن أحمر، فمعناه أنه لا يكتسب ما فيه الجمال إلا بتحمل مشقة يحمار منها الوجه، كما قالوا للسنة المجدبة: حمراء، وكنوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر، وأما قول الشاعر: (هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق به العينين والحسن أحمر) فإنه عنى به أن الحسن في حمرة اللون مع البياض دون غيره من الألوان. ــ (ويقولون في الكناية عن العربي والعجمي: الأسود والأبيض، والعرب تقول فيهما: الأسود والأحمر يعني العرب والعجم) لغلبة ذلك اللون فيهما، وقال "ابن بري": ذكر "الهروي" أن بعض الناس روى الحديث بلفظ بعثت إلى الأسود والأبيض، وحينئذ فلا خطأ فيما اشتهر على الألسنة بعد وروده في كلام أفصح الناس، خصوصا والمراد بالأحمر الأبيض كما صرح به هو، على أنه لو قيل على هذا إنه كناية عن جميع الناس كالعرب والعجم لكان أحسن وأكمل. (وأما قولهم: الحسن أحمر فمعناه أنه لا يكتسب ما فيه الجمال إلا بمشقة يحمار منها الوجه، كما قالوا للسنة المجدية: السنة الحمراء، وكنوا عن الأمر المستصعب بالموت الأحمر). قيل: المراد بقولهم الحسن أحمر أن المرأة إذا تقنعت أو لبست أحمر زاد حسنها كما

стр. 569

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال الشاعر: (وإذا أتيت تقنعي ... بالحمر إن الحسن أحمر) وقيل: معناه أن الحسن يتحمل له الشدائد كما يقال: موت أحمر وإن يجر فيه دم، ومنه بالحديث: "كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله ﷺ " أي اشتد البأس كما وقع في رواية أخرى. وقيل: معنى المثل من طلب الجمال تحمل المشقة، وقيل: أريد بالأحمر الأبيض، والعرب تسمي الموالي من الفرس والروم الحمر لغلبة البياض عليهم. وقد ضعف الوجه الأول بأنه خلاف الظاهر وما ذكره من شعر "لبشار" لا يستشهد به، على أن "ابن رشيق" قال: إنه محتمل المعاني المذكورة، وأما قولهم للسنة المجدبة حمراء فليس كما ذكره؛ فإنه قيل: إن من علامات الجدب عندهم أن يعرض في الغداة أو العشي بالسماء حمرة من غير سحاب كما قال في "العراقيات": (وإن كان يوم عاد في المحل أفقه ... يمج نجيعاً وهو في حلل حمر) وقال "المعري": (القاتل المحل إذ تبدو السماء لنا ... كأنها من نجيع الجدب في أزر)

стр. 570

[١٧٢]- قولهم للمعرس: قد بنى بأهله ويقولون للمعرس: قد بنى بأهله، ووجه الكلام: بنى على أهله، والأصل فيه أن الرجل كان إذا أراد أن يدخل على عرسه بني عليها قبة، فقيل لكل من عرس: بان، وعليه فسر أكثرهم قول الشاعر: (ألا يا من لذا البرق اليماني ... يلوح كأنه مصباح بان) وقالوا: إنه شبه لمعان البرق بمصباح الباني على أهله؛ لأنه لا يطفأ تلك الليلة. على أن بعضهم قال: عني بالبان الضرب من الشجر، فشبه سنا برقه بضياء المصباح المتقد بدهنه، ويجانس هذا الوهم قولهم للجالس بفنائه: جلس على بابه، والصواب فيه أن يقال: جلس ببابه؛ لئلا يتوهم السامع أن المراد به استعلى على الباب وجلس فوقه. ــ (ويقولون للمعرس: قد بني بأهله، ووجه الكلام فيه: بنى على أهله، والأصل فيه أن الرجل أراد أن يدخل على عرسه بنى عليها قبة، فقيل لكل من أعرس: بان). ما أنكره مما لا شبهة في صحته فإنه بمعنى دخل [بها] فيتعدى تعديته لتضمنه معناه، وقال "ابن بري": بنى بأهله غير منكر؛ لأن بني بها بمعنى دخل بها، وقال "ابن قتيبة": يقال لكل داخل بأهله: بان، والباء وعلى قد يتعاقبان على معنى واحد، نحو أفاض بالقداح وعليها. وفي "الأساس" وتبعه صاحب "القاموس": بنى على أهله وبها زفها كابتنى، وقد تناوله الفصحاء من غير إنكار كما قال "أبو تمام": (لم تطلع الشمس فيه يوم ذاك على ... بان بأهل ولم تغرب على عزب (جلس على بابه، والصواب جلس ببابه) هذا أيضاً ليس بشيء، فإن [الباء مثل

стр. 571

قال الشيخ الرئيس "أبو محمد". رحمة الله.: وقد أذكرني ما أوردته نادرة تليق بهذا الموطن، حكاها لي الشريف "أبو الحسن" النسابة المعروف بالصرفي. ﵀. قال: اجتاز "البستي" "بابن البواب" وهو جالس على عتبة بابه، فقال: أظن الأستاذ يقصد حفظ النسب بالجلوس على العتب. ومما يوهمون فيه أيضاً قولهم: خرج عليه خراج، ووجه القول أن يقال: خرج به. وكذلك يقولون: رميت بالقوس، والصواب أن يقال: رميت عن القوس أو على القوس، كما قال الراجز: (أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وإصبع) ــ حرف] الاستعلاء فيه، كقولهم: مررت على فلان [ومررت بفلان] وأما توهم [خلافه] فلا يخطر ببال عاقل، وكذلك قولهم: خرج عليه خراج، مما لا شك في صحته لتحقق الاستعلاء فيه. (ويقولون: رميت بالقوس، والصواب أن يقال: رميت عن القوس أو على القوس). في شرح "أدب الكاتب" "لابن السيد" قال بعضهم: لا يجوز رميت بالقوس فالصواب عن القوس، كما قال "طفيل": رمت عن قسي الماسجي رجالنا وإنما أنكره لأنه توهمه بمنزلة رميت بالشيء إذا ألقيته عن يدك، وليس كذلك، لأن

стр. 572

فإن قيل: هلا أجزتم أن تكون الباء في هذا الموطن قائمة مقام عن أو على، كما جاءت بمعنى عن في قوله : ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ [المعارج: ١]، وبمعنى على في قوله تعالى: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها﴾ [هود: ٤١]؟ فالجواب عنه أن إقامة بعض حروف مقام بعض إنما جوز في المواطن التي ينتفى فيها اللبس، ولا يستحيل المعنى الذي صيغ له اللفظ، ولو قيل: ههنا رمى بالقوس لدل ظاهر الكلام على أنه نبذها من يده، وهو ضد المراد بلفظه، فلهذا لم يجز التأول للباء فيه. ــ المعنى رميت السهم بالقوس فالباء للآلة أو بمعنى عن كما في قوله: (فإن يسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب) وفي شرح "اللباب" يجوز رميت بالقوس نظراً إلى أن القوس آلة الرمي المستعان بها فيه، ورميت على القوس بالنظر إلى أن يد الرامي اعتمدت على القوس في الرمي، ورميت عن القوس بالنظر إلى أن الرمي تجاوزها. وحكي "الفراء" رميت عن القوس وبها، وتوهم أن القوس مرمية على الثاني كما مر ليس بشيء، وتحقيق هذا ما في "الكشاف" في سورة "الأعراف" في تفسير قوله تعالى ﴿ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم﴾ [الأعراف: ١٧] الآية، من أن المفعول فيه تعدى إليه الفعل تعديته إلى المفعول به، فكما اختلفت حروف التعدية في ذاك اختلفت في هذا، أو كانت لغة توجد ولا يقاس عليها وإنما يفتش عن صحة موقعها فقط، فلما سمعناهم يقولون: جلس عن يمينه وعلى يمينه وعن شماله وعلى شماله قلنا معنى على يمينه أنه تمكن من جهة اليمين تمكن المستعلي من المستعلى عليه، ومعنى عن يمينه أنه جلس متجافيا عن صاحب اليمين منحرفاً عنه، غير ملاصق له، ثم كثر حتى استعمل في المتجافي وغيره كما ذكرنا في تعال ونحوه من المفعول به.

стр. 573

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولهم: رميت عن القوس وعلى القوس ومن القوس، لأن السهم يبعد عنها ويستعليها إذا وضع على كبدها للرمي ويبتدى الرمي عنها، وكذلك قالوا: جلس بين يديه وخلفه بمعنى في؛ لأنهما ظرفان للفعل، وكذلك من بين يديه ومن خلفه؛ لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، كما تقول: جئته من الليل تريد بعض الليل. اهـ.

стр. 574

[١٧٣]- إمالة حتى ومتى ويقولون: حتى فيميلونها مقايسة على إمالة متى، فيخطئون فيه، لأن متى اسم وحتى حرف، وحكم الحروف ألا تمال، كما لم يميلوا إلا وأما ولكن وعلى ونظائرها. ولم يشذ من هذا الأصل إلا ثلاثة أحرف أميلت لعلل فيها، وهي: يا، وبلى، ولا في قولهم: افعل هذا إما لا. والعلة في يا أنها نابت عن الفعل الذي هو أنادي، وفي بلى أنها قامت بنفسها واستقامت بذاتها، وفي إمالا أن هذه الكلمة على الحقيقة ثلاثة أحرف، وهي إن، وما، ولا، . جعلت كالشيء الواحد، وصارت الألف في آخرها تشبه بألف حبارى فأميلت كإمالتها، ومعنى قولهم: افعل هذا إما لا أي إن لا تفعل كذا فافعل كذا. ــ (ويقولون: حتى فيميلونها مقايسة على إمالة متى فيخطئون)؛ لأن الحروف لا تمال إلا ما استثناه وليس كما قال. وفي "التسهيل" في رسم الخط "حتى" يكتب بالياء وقياسها الألف، قال "ابن عقيل" في شرحه: قد وجه الشذوذ فيه بأنه رويت فيه الإمالة لأن بعض العرب أمال حتى. ثم ذكر المصنف أنه لم يمل من الحروف غير ثلاث (وهي يا، وبلى، وفي بلى أنها قامت بنفسها واستقامت بذاتها) فأشبهت غير الحروف، وهو وجه جيد، وقيل: إنما أميلت لأن ألفها للتأنيث يعني تأنيث الكلمة في ربت وثمت فلا إشكال في إمالتها. (وفي إمالاً لأن هذه الكلمة على الحقيقة ثلاثة أحرف، وهي إن، وما، ولا. وجعلت كالشيء الواحد وصارت الألف في آخرها لتشبه ألف حبارى فأميلت إمالتها، ومعنى قولهم: افعل هذا إمالا، أي إن لا تفعل كذا فافعل كذا). قال في "التسهيل": والتزام حذف "كان" معوضا عنها "ما" بعد "إن" كثيراً وبعد إن قليلاً.

стр. 575

و [من] وهمهم أيضاً في الإمالة أنهم يقولون: هذه بكسر الهاء الأولى، والأصح أن تفخم الهاء ولا تمال. وحكي أن أعرابية سمعت بنيا لها يقول: هذه الناقة فزجرته، وقالت له: أتقول هذه؟ ألا قلت: هذه؟ ــ وقول "سيبويه" إمالا كأنه يقول: افعل هكذا إن كنت لا تفعل غيره، ولكنهم حذفوا إن لكثرة استعمالهم إياه وتصرفه حتى استغفوا عنه بهذا. قال "السيرافي": أي على معنى إن كنت لا تفعل غيره فافعل هذا، ثم زيدت ما كما تزاد في حروف الجزاء، ثم حذف الفعل لكثرة استعماله في كلامهم، وصارت "أما" مع "لا" كالشيء الواحد عندهم، فأجازوا فيهما الإمالة، ولو انفردت لم تجز فيها الإمالة، وكونها لا تمال مفردة مذهب "السيرافي" وتبعه المصنف، وفي شرح "التسهيل" حكي عن "قطرب" إمالة "لا" في الجواب وحدها بدون "إما"، وفي "المصباح" لا في قولهم "إما لا" فافعل هذا عوض عن الفعل، والتقدير إن لم تفعل ذلك فافعل هذا، والأصل فيه أن الرجل تلزمه أشياء يطالب بها فيمتنع منها ويقنع ببعضها فيقال له: إمالا، أي إن لم تفعل الجميع فافعل هذا، ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال وزيدت "ما" على "إن" توكيداً لمعناها، قال بعضهم: ولهذا تمال "لا" لنيابتها عن الفعل كما أميلت "بلى" و "يا" في النداء، ومثاله: من أطاعك فأكرمه ومن لا فلا تعبأ به، وقيل: الصواب عدم الإمالة لأن الحرف لا يمال كما قاله "الأزهري". ثم اعلم أن "الزمخشري" في قوله تعالى ﴿فليعبدوا رب هذا البيت﴾ [قريش: ٣] قال في تقديره: إما لا فليعبدوا، فجعل إما لا مقدرة في النظم، وفيه نظر لا يخفى، فإن فيه إجحافاّ بتكرر الحذف وكثرته.

стр. 576

[١٧٤]- قولهم: قتله شر قتله بفتح القاف ويقولون: قتله شر قتلة بفتح القاف، والصواب كسرها؛ لأن المراد به الإخبار عن هيئة القتلة التي صيغ مثالها على فعلة بكسر الفاء كقولك: ركب ركبة أنيقة وقعد قعده ركينة، ومنه المثل المضروب في الحاذق: "إن العوان لا تعلم الخمرة" من الاختمار، ومن شواهد حكمة العرب في تصريف كلامها أنها جعلت فعلة بفتح الفاء كناية عن المرة الواحدة، وبكسرها كناية عن الهيئة وبضمها كناية عن القدر؛ لتدل كل صيغة على معنى يختص به ويمتنع من المشاركة فيه وقرى ﴿إلا من اغترف غرفة بيده﴾ [البقرة: ٢٤٩] بفتح الغين وضمها، فمن قرأها بالفتح أراد بها المرة الواحدة، فيكون قد حذف المفعول به الذي تقديره إلا من اغترف ماء مرة واحدة، ومن قرأها بالضم أراد بها مقدار ملء الراحة من الماء. ــ (إن العوان لا تعلم الخمرة) بكسر الخاء المعجمة، تغطية الرأس من الخمار، وهو مثل يضرب للعارف بأمره. (ومن شواهد حكمة العرب في تصريف كلامها أنها جعلت فعلة بفتح الفاء كناية عن المرة الواحدة وبكسرها كناية عن الهيئة وبضمها كناية عن القدر). فإن قلت: كون فعلة بالفتح للمرة وفعلة بالكسر للهيئة معروف في العربية بخلاف فعله المضمومة للقدر، قلت: قد ذكر ما قاله المصنف غيره، ففي "أسرار العربية" فعيل للمشاركة كجليس ورضيع، وفعيلة لما يتخذ من الأطعمة كعصيدة، وفعول بالفتح للأدوية كنخالة، وفعلة بالضم لقدر من جملة كلقمة. فإن قلت: قد مر أن المصنف قال: إن الغسلة بكسر الغين الغسول بالفتح وهو ما يغسل به وهو مخالف لهذا. قلت: ما هنا هو القياس وما مر سماعي، كما صرحوا به في كتب اللغة فلا تنافي بين كلامية.

стр. 577

[١٧٥]- إعراب أسماء الأعداد المرسلة ويقولون: هذا واحد اثنان ثلاثة أربعة، فيعربون أسماء الأعداد المرسلة، والصواب أن تبنى على السكون في حالة العدد، فيقال: واحد بسكون الدال، وكذلك اثنان ثلاثة أربعة، وكذلك حكم نظائره، اللهم إلا أن توصف أو يعطف بعضها على بعض فتعرب حينئذ بالوصف كقولك: [تسعة أكثر من ثمانية، وثلاثة نصف ستة، والعطف كقولك: واحد واثنان وثلاثة وأربعة]، لأنها بالصفة والعطف صارت متمكنة فاستحقت الإعراب. وعلى هذا الحكم تجري أسماء حروف الهجاء، فتبنى على السكون إذا تليت مقطعة، ولم يخبر عنها كما قال تعالى: ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] و ﴿حم * عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] فتعرب إذا عطف بعضها على بعض كما حكى عن "الأصمعي" قال: أنشدني "عيسى بن عمر" بيتاً هجا به النحويين وهو [قوله]. ــ ثم ذكر الأعداد المسرودة وأنها لا تعرف ما لم تركب مع غيرها [وما ذكره دخل في أمثلته، والأمر فيه سهل، ثم استطرد بذكر أمور مناسبة] فقال: (فإن عورض بقوله تعالى في مفتتح سورة "آل عمران": ﴿ألم* الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ [آل عمران: ١ - ٢] فالجواب عنه: أن أصل الميم السكون، وإنما فتحت لالتقاء الساكنين وهما الميم واللام من اسم الله، وكان القياس أن يكسر على ما يوجبه التقاء الساكنين، إلا أنهم كرهوا الكسر لئلا يجتمع في الكلمة كسرتان بينهما ياء) إلى آخر ما فصله.

стр. 578

(إذا اجتمعوا على ألف وباء ... وتاء هاج بينهم قتال) فإن عورض ذلك بفتح الميم من قوله تعالى في مفتتح سورة "آل عمران": ﴿ألم الله لا إله إلا هو﴾ فالجواب عنه أصل الميم السكون، وإنما فتحت لالتقاء الساكنين وهما الميم واللام من اسم الله تعالى، وكان القياس أن تكسر على ما يوجبه التقاء الساكنين، إلا أنهم كرهوا الكسر لئلا يجتمع في الكلمة كسرتان بينهما ياء هي أصل الكسرة، فتثقل الكلمة، فلذلك عدل إلى الفتحة التي هي أخف، كما بنى لهذه العلة كيف وأين على الفتح. ــ وحاصلة أن الفتح لالتقاء الساكنين وكان الأصل الكسر ولكنها فتحت للخفة، وهذ هو المشهور، وليست حركته حركة نقل؛ لأن النقل شرطه كون الهمزة همزة قطع عند "القراء" والنحاة، وتمحل "الزمخشري" لهذا فقال: حقها أن يوقف عليها كما وقف على ألف ولام وأن يبدأ بما بعدها، كما تقول: واحد اثنان وهي "عاصم"، وأما فتحها فهي حركة الهمزة ألقيت عليها حين أسقطت للتخفيف، فإن قلت: كيف جاز إلقاء حركتها عليها وهي همزة وصل لا تثبت في درج الكلام فلا تثبت حركتها لأن ثبات حركتها كثباتها؟ قلت: هذا ليس بدرج لأن الميم في حكم الوقف، والسكون والهمزة في حكم الثابت، وإنما حذفت تخفيفاً وألقيت حركتها على الساكن قبلها لتدل عليها، ونظيره قولهم: واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال. فإن قلت: هلا زعمت أنها حركة الساكنين؟ قلت: لا، لأن التقاء الساكنين لا يبالى به في باب الوقف، واعلم أن "الزمخشري" خالف في هذا "الزجاج" و"أبا علي" وقوله في "المفصل" أيضاً، واختار أن الفتح لنقل الحركة لالتقاء الساكنين، وأورد حجة "أبي علي" سؤالا على نفسه واعتذر لمخالفته لنفسه فيما قاله في "المفصل" بأن غرضه فيه تلخيص كلام "سيبويه" فلذا تابعه هناك، وما ذكره هنا هو مختاره، وله تفصيل في شروح "الكشاف" فاعرفه.

стр. 579

[١٧٦]- قولهم: ما أحسن لبس الفرس ويقولون: ما أحسن لبس الفرس، إشارة إلى تجفافه فيضمون اللام من لبس، والصواب كسرها، كما يقال لكسوة البيت: لبس، ولغشاء الهودج: لبس، ومنه قول "حميد بن ثور": (فلما كشفنا اللبس عنه مسحنه ... بأطراف طفل زان غيلا مؤشما)

стр. 580

[١٧٧]- قولهم: مائة ونيف بإسكان الياء ويقولون: مائة ونيف بإسكان الياء، والصواب أن يقال: نيف بتشديدها، وهو مشتق من قولهم: أناف ينيف على الشيء إذا أشرف عليه، فكأنه لما زاد على المائة صار بمثابة المشرف عليها ومنه قول الشاعر ابن الرقاع]: (حللت برابية رأسها ... على كل رابية نيف) وقد اختلف في مقدار النيف، فذكر "أبو زيد" أنه ما بين العقدين، وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة، فأما البضع فأكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر، وقيل: بل ما دون نصف العقد، وقد أثر القول الأول إلى النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون* في بضع سنين﴾ [الروم: ٣ - ٤] وذلك أن المسلمين كانوا يحبون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يميلون إلى فارس لأنهم أهل أوثان، فلما بشر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون ــ (ويقولون: مائة ونيف بسكون الياء والصواب أن يقال بتشديدها لأنه مشتق من قولهم: أناف على الشيء إذا أشرف عليه). وزن نيف فيعل وتخفيفه بحذف العين، قال "ابن مالك" في "التسهيل": لايقاس عليه لا في الواوي كسيد، ولا في اليائي كلين، وكلام غيره أنه مقيس وخالف في ذلك "الفارسي"، وقال "أبو حيان": لا نعلم خلافاً في اقتباس الواوي. اهـ. وعلى قياسه التخفيف في مثله فهو جائز، وفي "القاموس" نيف ككيس [في] الزيادة وقد تخفف. اهـ وأما البضع فقد مر تحقيقه.

стр. 581

في بضع سنين سر المسلمون بذلك، حتى أن "أبا بكر". ﵁. بادر إلى مشركي قريش فأخبرهم بما نزل عليهم فيه، فقال "أبي بن خلف": خاطرني على ذلك فخاطره على خمس قلائص وقدر لهم مدة الثلاث سنين، ثم أتى النبي ﷺ وسأله: كم البضع؟ فقال: ما بين الثلاثة إلى العشرة فأخبره بما خاطر فيه "أبي بن خلف" فقال: ما حملك على تقريب المدة؟ قال: الثقة بالله ورسوله. فقال له النبي ﷺ : "عد إليهم فزدهم في الخطر وازدد في الأجل، فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين. فأظفر الله تعالى الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقاً لتقدير "أبي بكر". ﵁ ..

стр. 582

[١٧٨]- قولهم: هو يصبو عنه يوقولون لمن يصغر عن فعل شيء: هو يصبو عنه، والصواب أن يقال: هو يصبأ عنه، لأن العرب تقول: صبا من اللهو يصبو صبوا، والفعلة منه صبوة، وصبي من فعل الصبي يصبي صبياً بكسر الصاد والقصر، وصبا بفتحها والمد، والفعلة منه صبية، ومنه قول الراجز: (أصبحت لا يحمل بعضي بعضاً ... كأنما كان صبائي قرضا) فالفعل الأول من الواو والثاني من الياء. ومثله قولهم: للمعرض عنك: هو يلهو عن شغلي، ووجه الكلام: يلهى، لأن العرب تقول: لها يلهو من اللهو، ولهي عن الشيء يلهى إذا شغل عنه، ومنه الحديث: "إذا استأثر الله بشيء فاله عنه" وجاء في الأثر أيضاً: "إذا وجدت البلل بعد الوضوء فاله عنه" أي أعرض عنه. ــ (ويقولون لمن يصغر عن فعل الشيء: هو يصبو عنه، والصواب أن يقال: هو يصبي عنه؛ لأن العرب تقول: صبا من اللهو يصبوا صبواً والفعل منه صبوة، وصبى من فعل الصبي يصبى صبى بكسر الصاد والقصر وصباء بفتحها والمد والفعلة صبية، ومنه قول الراجز: (أصبحت لا يحمل بعضي بعضاً ... كأنما كان صباي فرضا) فالفعل الأول من الواو والثاني من الياء. ما ذكره من الفعل صحيح وأما في المصدر فلا، قال "ابن بري": اختصاصه لصبي وصبا بأنهما لصبي الذي للصغر ليس بصحيح، بل قد يكونان مصدرين لصبا يصبو. حكى أهل اللغة: صبا يصبو صبا وصباء وصبواً وصبوة، وحكوا أيضاً في يصبو الصباء والصبي، والصبيان والصبية واوية عند النحاة وإنما قلبت واوها [ياء تخفيفاً، ويقال في جمعه صبية وصبوة على الأصل، وإنما قلبت إتباعاً لصبي ومراعاة للفظ الفعل.

стр. 583

[١٧٩]- قولهم، فعلته مجراك ويقولون: فعلته مجراك، فيحيلونه في بنيته ويحرفونه عن صيغته؛ لأن كلام العرب فعلته من جراك، فيحيلونه في بنيته ويحرفونه عن صيغته؛ لان كلام العرب فعلته من جراك، وفي الحديث "إن امرأة دخلت النار من جرا هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". ومعنى قولهم: فعلته من جراك أي من جريرتك، كما أن معنى قولهم: من أجلك أي من كسبك وجنايتك، وعليه فسر قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾ [المائدة: ٣٢]. والعرب تقول: فعلته من أجلك وإجلك بفتح الهمزة وكسرها، وفعلته من أجلك وجراك وجرائك بالقصر والمد، وأنشد "الليحاني" على شاهداً على هاتين اللغتين فيه: (أمن جرا بني أسد غضبتم ... ولو شئتم لكان لكم جوار) (ومن جرائنا صرتم عبيداً ... لقوم بعدما وطى الخبار)

стр. 584

[١٨٠]- قولهم الصيف ضيعت اللبن ويقولون للرجل المضيع لأمره المتعرض لاستدراكه بعد فوته: الصيف ضيعت اللبن، بفتح التاء. والصواب أن يخاطب بكسرها وإن كان مذكرا، لأنه مثل، والأمثال تحكى على أصل صيغتها وأولية وضعها. وهذا المثل وضع في الابتداء بكسر التاء لمخاطبة المؤنث به، وأصله أن "عمرو بن عمرو بن عدس" كان تزوج ابنة عم أبيه "دختنوس بنت لقيط بن زرارة" بعدما أسن، وكان أكثر قومه مالا فكرهته، ولم تزل تسأله الطلاق حتى طلقها فتزوجها "عمير بن معبد بن زرارة" وكان شاباً مملقاً، فمرت بها ذات يوم إبل "عمرو" وكانت في ضر، فقالت لخادمتها: قولي له: ليسقينا من اللبن، فلما أبلغته قال لها: قولي لها: "الصيف ضيعت اللبن" فلما أدت جوابه إليها ضربت يدها على كتف زوجها وقالت: هذا ومذاقه خير. ــ (ويقولون للرجل المضيع لأمره المتعرض لاستدراكه بعد فوته: الصيف ضيعت اللبن بفتح التاء والصواب أن يخاطب بكسرها وإن كان مذكراً، لأنه مثل والأمثال لا تغير وتحكى على أصل صيغتها وأولية وصفها). كون الأمثال لا تغير إذا قصدت مما اتفق عليه أهل المعاني والأدب. وفي شرح "الفصيح" قال الأستاذ هذا يضرب مثلاً لمن فرط في طلب ما يحتاج إليه حتى فاته ثم يطلبه وهو بكسر التاء من ضيعت؛ لأن المثل أول ما وقع في مخاطبة امرأة، ثم أجرى على ذلك اللفظ ولم يغير. لأن الأمثال لا تغير، لأنها جاءت على معنى أنت

стр. 585

وإنما خص الصيف بالذكر لأنها كانت سألته الطلاق فيه، فكأنها يومئذ ضيعت اللبن. وينخرط في هذا السلك ما أنشدته في أبيات المعاني [للراجز]: (قالت له وهو بعيش ضنك ... لا تكثري لومي وخلي عنك) ومعناه أن هذا الرجل المخاطب كان يبذر في ماله، فإذا عذلته زوجته على إسرافه قال لها: لا تكثري لومي وخلي عنك، فلما نفد ماله وساءت حاله قالت له: أما تذكر قولك عند نصحي لك لا تكثري لومي وخلي عنك؟ وقصدت أن تندمه على إضاعة ماله فيالة رأيه. ومن أوهامهم في هذا الفن أنهم ينشدون بيت "ذي الرمة": ــ وقال "أبو عبيدة": وكان "المفضل" يذكر حديثه فقال: صاحبه "عمرو بن عدس ابن زيد التميمي" وكانت تحته "دختنوس بنت لقيط بن زرارة" وكان ذا مال كثير إلا أنه كبير السن، فقلته، ولم تزل تسأله الطلاق حتى فعل، فتزوجها بعده "عمير بن معبد بن زرارة" ابن عمها، وكان شاباً معدماً، فمرت إبل "عمرو" ذات يوم "بدختنوس" فقالت لخادمتها: انطلقي فقولي له: يسقينا من اللبن فأبلغته فقال في جوابها: "الصيف ضيعت اللبن" وقال "أبو عبيد البكري" تمام الحديث على ما رواه "ابن الأعرابي" أرسل لها

стр. 586

(سمعت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا) فينصبون لفظة الناس على المفعول، ولا يجوز ذلك، لأن النصب يجعل الانتجاع مما يسمع، وما هو كذلك، وإنما الصواب أن ينشد بالرفع على وجه الحكاية؛ لأن "ذا الرمة" سمع قوماً يقولون: الناس ينتجعون غيثاً فحكى ما سمع على وجه اللفظ المنطوق به. وفسر بعضهم قوله تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخرين* سلام على إبراهيم﴾ [الصافات: ٧٨ - ٧٩] أنه على الحكاية وأن المراد أن يقال له في الآخرين: سلام على إبراهيم، وتشهد هذه الأية باتفاق كافة أهل الملل على الإيمان بنبوته والتسليم عليه عند موته. ــ قلوصين ورواية من لبن، فأتاها الرسول .. وقال .. "أبو شريح": أرسل هذا ويقول لك: الصيف ... الخ. فقالت. وكان "عمير" عندها وضربت بين كتفيه-: هذا ومذاقه خير. فأرسلتها مثلاً يضرب للشيء القليل الموافق لمحية الطبع لمحبة الطبع حتى يرجح على الكثير المخالف له. كذا قال "أبو عبيدة": وأما "أبو عبيد معمر بن المثنى" فذكر أن "دخنتوس بنت لقيط" كانت تحت "عمرو بن عمرو بن عدس" وكان شيخاً أبرص، فوضع رأسه يوماً في حجرها وأغفى فسال لعابه، فانتبه فألفاها تتأفف أي تقول: أف أف. فقال لها: أيسرك أن أفارقك؟ قالت: نعم، فرقها، ونكحت شاباً وسيما من بني زرارة، ثم إن "بكر بن وائل" أغارت على بني "دارم" فأخذوها "دخنتوس" وقتلوا زوجها فأدركهم الحي فقتل "عمرو بن عمرو" ثلاثة منهم، وكان في السرعان، وسل منهم "دخنتوس" وجعلها أمامه وهو يقول: (أي خليليك رأيت خيرا ... ألعظم فيثة وأيرا) (أم الذي يأتي العدو سيرا) وردها إلى أهلها فتزوجت بآخر منهم، ثم أجدبوا فبعثت "دخنتوس" إلى "عمرو" تطلب منه حلوبة فقال: الصيف ... الخ، فذهبت مثلا، فلما سمعته ضربت على منكب زوجها [وقالت]: هذا ومذاقه خير.

стр. 587

وذكر " أبو الفتح عثمان بن جني" قال: أنشدني شيخنا "أبو علي الفارسي" قول الشاعر: (وتنادوا بالرحيل غدا ... وفي ترحالهم نفسي) فأجاز في الرحيل ثلاثة أوجه: الجر بالباء، والرفع والنصب على الحكاية، فحكاية الرفع كأنهم قالوا: الرحيل غدا، وحكاية النصب على تقدير قولهم: اجعلوا الرحيل غدا. ــ قال "أبو عبيدة": معناه أن سؤالك إياي الطلاق كان بالصيف فيومئذ ضيعت اللبن بالطلاق. وقال بعض الناس: معناه أن الرجل إذا لم يطرق ماشيته كان مضيعاً لألبانها حينئذ. وقال "ابن درستويه": العامة تقول: في الصيف ضيحت اللبن، وهو خطأ، وإنما الضياح من اللبن الخاثر الذي يمزج بالماء حتى يرق، يقال: ضيحت اللبن فهو مضيح ومضيح. وذكر "أبو سليمان الخطابي" أن هذا المثل يروى: الصيف ضحيت اللبن بالحاء بدل العين من الضياح والضيح وهو اللبن الممذوق بالماء، يريد الصيف أفسدت اللبن وحرمته على نفسك. قال الأستاذ: يروى أيضاً الصيف ضييعت اللبن بفتح التاء كما حكاه "ابن الأنباري" في "الزاهر" عن "الفراء" ولم أره لغيره. والصيف منصوب على الظرفية لضيعت واللبن مفعوله. و"عدس" بفتح العين المهملة وضم الدال، وليس في الأعلام عدس مضمومها غيره. ومما ذكر علمت أن ما أنكره المصنف مروي عن "الفراء". (ومن أوهامهم في هذا المعنى أنهم ينشدون بيت "ذي الرمة": (سمعت الناس ينتجعون غيثاً ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا) وهذا من قصيدته التي مدح بها "بلالا بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري" وكان والياً على البصرة وبعد هذا قوله: (تناخي عند خير فتى يمان ... إذا النكباء عارضت الشمالا) (وأبعدهم مسافة غور عقل ... إذا ما الأمر ذو الشبهات عالا) (وخيرهم مآثر أهل بيت ... وأكرمهم وإن كرموا فعالا) قيل: إنه- لما أنشده- قال: يا غلام مر له بعلف؛ لانه لم يعجبه مدحه بجعله مرعى للناقة، وهو نقد جيد. (فينصبون لفظ الناس على المفعول ولا يجوز ذلك لأن النصب يجعل الانتجاع مما يسمع وهو ليس كذلك، وإنما الصواب أن ينشد بالرفع على وجه الحكاية).

стр. 588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يعني أن سمع إذا نصب اسم ذات غير مسموح نحو: سمعت زيداً يقول كذا، شرط النحويون أن يكون ما بعده مما يسمع، وهو محل الفائدة في صحة التعلق به، وهل "هي" حينئذ مما ينصب مفعولين أو مفعولاً واحداً؟ والجملة بدل أو حال أو صفة بعد النكرة؟ فيه اختلاف عندهم ليس هذا محله. والانتجاع لا يلائم السمع؛ لأنه التردد في طلب العشب والماء، وليس قولا [يتعلق به السماع] فيتعين حكايته إما بقول مقدر على مذهب من اشترط في الحكاية القول، أو بسمعت على خلافة. أما ما ذكره المصنف فمردود بأنه قد سمع فيه النصب أيضاً كما حكاه "الرضي" وشارح أبيات "الإيضاح"، ولا بد له حينئذ من مسوغ، فذهب "الرضي" إلى أنه لا يشترط ذكر مسموع بعدها وأن اشترطه أكثري، وهذا من القليل الوارد على خلافه. وقيل: الانتجاع طلب النجعة وهي مكان المطر إذا أجدبوا، والطلب إما بالسؤال وهو قول، أو بالتردد ذهاباً ومجيئأ وفيه حركات مسموعة، و"صيدح" اسم ناقة. وقال المصنف: (بأتفاق كافة أهل الملل) استعمل فيه كافة على خلاف ما قدمه، فكأنه نسيه، أو الله أنطقه بالحق".

стр. 589

[١٨١]- قولهم: طرده السلطان ويقولون: طرده السلطان، ووجه الكلام أطرده؛ لأن معنى طرده أبعده بيده أو بآلة في كفه، كما يقال: طردت الذباب عن الشراب، وما المقصود هذا المعنى، بل المراد به أن السلطان أمر بإخراجه عن البلد، والعرب تقول في مثله: أطرده، كما تقول: أطرد فلان إبله أي أمر بطردها [والطرد وبسكين الراء المصدر، وبالفتح مطاردة الصيد، الطريدة هي الصيد]. ــ (ويقولون: طرده السلطان، ووجه الكلام أن يقال: أطرده، لأن معنى طرده أبعده بيده أو بآلة في كفه، كما يقال: طردت الذباب عن الشراب، وما المقصود هذا المعنى، بل المقصود أن السلطان أمر بإخراجه عن البلد، والعرب تقول في مثله: أطرده). هذا غير مسلم؛ لأن الأمر يجعل كالمباشرة، يقال: قتله السلطان أو قطع يده إذا أمر بذلك وأيضاً أن النبي ﷺ قال "لأبي سفيان" أنت الذي طردتني كل مطرد، وقيل "للحكم" طريد رسول الله ﷺ . وكون الطرد باليد أو بآلة غير لازم لأنه يكون بالقول كقم واذهب. كذا قيل، وفيه نظر. والذي وقع مع "أبي سفيان" أنه قال للنبي ﷺ حين أسلم عام الفتح: (هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردته كل مطرد) [فضرب النبي ﷺ صدره وقال له: أنت طردتني كل مطرد]؟ والرواة ضبطوه بتشديد الراء فلا شاهد فيه، وتفصيله في شروح السير. أقول: هذا كله من ضيق العطن، وما قاله هو عين ما قاله "سيبويه" في "الكتاب" في باب التعدية.

стр. 590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعبارته: يقال طردته إذا نحيته وأطردته إذا جعلته طريداً هارباً، وطردت الكلاب الصيد إذا جعلته تنحيه. اهـ. وقال "السيرافي" في شرحه: يعني أن أطرد ليس [تبعاً لطرد كذهب وأذهب. اهـ. إلا معنى أطرد ليس] كما قاله وإن كان ليس ببعيد منه، والبيت من شعر "لأبي سفيان بن الحارث" وكان أخا رسول الله ﷺ من الرضاعة، فلما بعث أظهر له العداوة ووقع منه أمور كثيرة من أذية المسلمين وهجائه، فلما ضرب الإسلام بجرانه وفتحت مكة أتاه هو و"عبد الله بن أمية بن المغيرة" فلقياه بين مكة والمدينة، فكلمته "أم سلمة" فيهما فقال: لا حاجة لي بهما. فقال "أبو سفيان": لآخذن ابني وأذهب في الأرض حتى أموت عطشاً، فرق رسول الله ﷺ لهما فأدخلا عليه فأنشده "أبو سفيان" قوله: (لعمرك إني حين أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد) (لكا لمدلج الحيران أظلم ليلة ... فهذا أواني حين أهدى وأهتدي) (هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردته كل مطرد) (أصد وأنأى جاهلاً عن محمد ... وأدعى وإن لم أنتسب لمحمد)

стр. 591

[١٨٢]- قولهم لما ينبت من الزرع بالمطر: بخس ويقولون لما ينبت من الزرع بالمطر: بخس، فيلفظون بما تلفظ به العجم ولا تعرفه العرب، ووجه القول أن يقال فيه: طعام عذي، كما يقولون: أرض عذاة وعذية إذا كانت لينة تكتفي بماء المطر. ــ (ويقولون لما ينبت من الزرع بالمطر: بخس، فيلفظون بما تلفظ به العجم ولا تعرفه العرب، ووجه الكلام أن يقال فيه: طعام عذي، كما يقولون: أرض عذاة وعذية إذا كانت لينة تكتفي بماء المطر). في "معجم البلدان: العذي بالبادية الموضع الذي ينبت في الشتاء والصيف بلا ماء، وقال "الأزهري ": كذا قال "الليث"، وليس بذلك، إنما العذى النخل والزرع الذي لا يسقى إلا بماء السماء. اهـ. وفي كتاب "النبات": العذى بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة والمثناة التحتية وجمعه أعذاء النبات الذي لم يشرب غير المطر، وأهل اليمن يسمونه الطمى، وهو أيضاً العثري بتشديد الياء، ومثله البعل عن الأحمر فإن زرع على الماء فهو سقى وإلا فعذي. قال "ابن رواحة":

стр. 592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (هنالك لا أبالك نخل سقي ... ولا بعل وإن عظم الإباء) فما ذكره المصنف في العذي صحيح لغة، وإما إنكاره البخس فلا، فإنه بمعنى النقص [وهو مما نقص سقيه عن غيره، وفي "القاموس" البخسي أرض تنبت من غير سقي]، وفي كتاب "الشروط" العمل دية البخس بياء النسبة- خلاف السقي- منسوب إلى البخس، وهي الأرض التي تسقيها السماء فقط لأنها مبخوسة الحظ من الماء. اهـ. والعذي بعين مهملة مكسورة وتفتح وبذال معجمة ساكنة وتحتية مخففة أرض لا يسقيها إلا المطر ولا خمس فيها.

стр. 593

[١٨٣]- قولهم: هاون وراوق ويقولون: هاون وراوق، فيوهمن فيهما؛ إذ ليس في كلام العرب فاعل والعين منه واو، والصواب فيهما: هاوون وراووق لينتظمها فيما جاء على فاعول مثل قارون [وفاروق] وماعون وعليه قول "عدي بن زيد العبادي": (ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق) (قدمته على عقار كعين الديك ... صفى سلافها الراووق) حكاية بديعة: ولهذه القطعة حكاية تنشر مآثر الأجواد وترغب المتأدب في الازدياد، وهي ما حكاه "حماد الراوية" قال: كنت منقطعاً إلى "يزيد بن عبد الملك" وكان أخوه ــ (ويقولون: هاون وراوق فيوهمن فيهما، إذ ليس في كلام العرب فاعل بفتح العين كخاتم والعين منه واو، والصواب أن يقال فيهما: هاوون وراووق لينتظمها على فاعول مثلي: فاروق وماعون). في "الحواشي" ذكر "ابن قتيبة" في باب الأسماء الأعجمية الطابق والطاجن والهاون، وكذا ذكره "الجوهري" وقال: أصله هاوون فحذفت منه الواو الثانية استثقالاً لاجتماع واوين، فبقي هاون بضم الواو، فقالوا هاون بالفتح لأنه ليس في كلامهم فاعل بضم العين. اهـ فقد ثبت أن أنكره صحيح، ومثله من الأسماء الأعجمية "لاوذ بن نوح" و"لاون" عالم رومي، وإنما قال "الجوهري": أصله هاوون لأنه جمع على هواوين كقانون وقوانين لا أنه الصحيح دون غيره كما توهمه المصنف، لأن فاعل بالفتح كثير، وفي

стр. 594

"هشام" يجفوني لذلك في أيامه، فلما مات "يزيد" وأفضت الخلافة إلى "هشام" خفته، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سراً، فلما لم أسمع أحداً يذكرني في السنة أمنت فخرجت، فصليت الجمعة في "الرصافة" فإذا شرطيان قد وقفا علي فقالا: يا حماد، أجب الأمير "يوسف بن عمر" فقلت في نفسي: من هذا كنت أخاف، فقلت: هل لكما أن تدعاني حتى آتي أهلي فأودعهم ودلع من لا يرجع إليهم أبداً [ثم أصير معكما إليه؟ ] فقالا: ما إلى ذلك من سبيل، فاستسلمت في أيديهما. وصرت إلى "يوسف بن عمر" وهو في الإيوان الأحمر فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن هشام أمير إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية ــ الأسماء الأعجمية كبابك ولامك، ويجيء في المعتل أيضاً كما سمعت، ويقال: هاوون أيضاً بواوين كما في "القاموس" وغيره. ثم ذكر (حكاية تنشر مآثر الأجواد وترغب المتأدب في الازدياد، وهي ما حكى "حماد" الرواية). "حماد" بتشديد الميم ابن "أبي ليلى ميسرة أبو القاسم" الكوفي المعروف بالرواية لكثرة روايته للأخبار والأشعار، وكان خبير بأيام العرب في عهد بني أمية، وكانوا يقدمونه ويؤثرونه، وقد اتهم بالكذب والزندقة. جمعه المعلقات: وهو الذي جمع السبع المعلقات، وسميت المعلقات لأنهم كانوا إذا أنشدوا شعراً في مجامعهم يقول كبراؤهم: علقوها إشارة إلى أنه مما ينبغي أن يحفظ، وما قيل من أنها علقت بالكعبة لا أصل له، كما قاله "ابن النحاس". "والرصافة" بضم الراء ببغداد، [والغرز بغين معجمة وراء مهملة ساكنة للإبل بمنزلة الركاب للخيل، وقوراء بقاف وراء مهملة ممدودة بمعنى واسعة].

стр. 595

من يأتيك به من غير تروع ولا تتعتع وادفع إليه خمسمائة دينار وجملاً مهريا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. فأخذت الدنانير، ونظرت فإذا جمل مر حول فجعلت رجلي في الغرز، وسرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت دمشق، ونزلت على باب "هشام" فاستأذنت فأذن [لي] فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرخام وبين كل رخامتين قضيب من ذهب، و"هشام" جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب حمر من الخز وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت فرد على السلام، واستدناني فدنوت حتى قبلت رجله، فإذا جاريتان لم أر مثلهما قط، في أذني كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان تتوقدان فقال لي: كيف أنت يا حماد؟ وكيف حالك؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين، ــ وقوله: أجب الأمير "يوسف بن عمر". هو "الحجاج". قد أخطأ المصنف في هذا. قال "ابن خلكان": لا يمكن أن تكون هذه الواقعة مع "يوسف بن عمر الثقفي" لأنه لا يمكن أن يكون والياً بالعراق في التاريخ المذكور في كلام "الحريري". ثم الشعر فيه ما يحتاج إلى التفسير كقوله: موثوق أي محبوس من الوثاق، وفي بعض النسخ مرهوق وهو بمعناه، وقوله: فدمته بالفاء وتشديد الدال المهملة أي وضعت عليه الفدام بالكسر وهو ما يوضع على فم الإناء ليصفى ما فيه، والتصفيق المزج،

стр. 596

فقال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، قال: بعثت إليك لبيت خطر بالي لم أدر من قائله. قلت: ما هو؟ فقال: (ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق) فقلت: يقول "عدي بن زيد" في قصيدة له. قال: أنشدنيها فأنشدته: (بكر العاذلون في وضح الصبح ... يقولون لي: أما تستفيق؟ ) (ويلومون فيك يابنة عبد الله ... القلب عندكم موهوق) (لست أدري إذا أكثروا العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق) قال: وانتهيت فيها إلى قوله: (ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق) (قدمته على عقار كعين الديك ... صفى سلافها الراووق) (مرة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذ طعمها من يذوق) (وطفا فوقها فقاقيع ... كالياقوت حمر يزينها التصفيق) (ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرى آجن ولا مطروق) قال: فطرب، ثم قال: أحسنت والله يا حماد، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ــ والصرى: المتغير، والمطروق: المورود، والراووق: مصفاة الشراب تعلق ليصفى بها، ولهذا أجاد "ابن الوكيل" في قوله: (لم يصلب الراووق إلا أنه ... قطع الطريق على الهموم وعاقها) ويطلق على الشراب المروق أيضاً. ويروى أنه أرسل إليه بدرة وقال له: استعن بها في سفرك ولم يكلفه الإقامة عنده لإساءته أدبه يطلب الجارية التي رآها [بين يديه] تخدمه.

стр. 597

ذهبت بثلث عقلي، فقال: أعده فأعدته فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه فسقتني فذهب ثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: كائنة من كانت؟ قال: نعم. قلت إحدى الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما. ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها فلم أعقل حتى أصبحت والجاريتان عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد بدرة، فقال أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: خذ هذه فانتفع بها في سفرك، فأخذتها والجاريتين وعاودت أهلي.

стр. 598

[١٨٤]- قولهم: شفعت الرسولين بثالث ويقولون: شفعت الرسولين بثالث فيوهمن فيه؛ لأن العرب تقول: شفعت ارسول بآخر أي جعلتهما اثنين، ليطابق هذا القول معنى الشفع الذي هو في كلامهم بمعنى اثنين، فأما إذا بعثت ثالثاً فوجه الكلام أن يقال: عززت الرسولين بثلث كما قال سبحانه: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤] والمعنى في عززته: قويته. ومن كلام العرب: أعززت الرجل أي جعلته عزيزاً، وعززته أي جعلته قوياً. فإن واترت الرسل فالأحسن أن تقول: قفيت بالرسل، كما قال الله تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ [الحديد: ٢٧].

стр. 599

[١٨٥]- قولهم للمدينة المشهورة: سامرا ويقولون للبلدة التي استحدثها "المعتصم بالله" "سامري" فيوهمن فيه كما وهم "البحتري" فيها إذ قال في صلب "بابك": (أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علماً بسامراء) والصواب أن يقال فيها: "سر من رأى" على ما نطق بها في الأصل؛ لأن المسمى بالجملة يحكى على عكس صيغته الأصلية، كما يقال: جاء "تأبط شرا" وهذا "ذرى حبا" ومنه قول الشاعر: (كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... إني "شاب قرناها" تصر وتحلب) يعني بني التي تسمى "شاب قرناها"، ولهذا نظائر في كلام العرب وأشعارهم ومحاوراتهم وأمثالهم. ــ (ويقولون للبلدة التي استحدثها "المعتصم بالله": سامر فيوهمون فيه كما وهم "البحتري" إذ قال في صلب "بابك": (أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علماً بسامراء) والصواب أن يقال فيها: سر من رأى على ما نطق به في الأصل لأن المسمى بالجملة يحكى على صيغته الأصلية). قال "ابن بري": سامراً هو قول "ثعلب" و"ابن الأعرابي"، وأهل الأثر يقولون: اسمها القديم ساميراً تسميته لها "بسامير بن نوح" لأنه أقطعه إياها، فكره المعتصم هذه التسمية وغيرها إلى "سر من را" وكراهة المعتصم لاسمها يشهد لأن اسمها "سامر" مغيرا عن سامير ولذلك غيرها المعتصم. على أنه قد حكى أهل اللغة أنها قد سميت "ساء من رأى" فيكون سامرا على هذا

стр. 600

وحكاية المسمى بالجملة من مقاييس أصولهم وأوضاعهم، فلهذا وجب أن ينطق باسم البلدة المشار إليها على صيغتها الأصلية من غير تحريف فيها ولا تغيير لها، وذلك أن "المعتصم بالله" حين شرع في إنشائها ثقل ذلك على عسكره، فلما انتقل بهم إليها سر كل منهم برؤيتها فقيل فيها: سر من رأى، ولذمها هذا الاسم، وعليه قول "دعبل" في ذمها: (بغداد دار الملوك كانت ... حتى دهاها الذي دهاها) (ما سر من را بسر من را ... بل هي بؤس لمن رآها) وعليه أيضاً قول "عبيد الله بن عبد الله" في صفة "الشعرى": (أقوال لما هاج قلبي الذكرى ... واعترضت وسط السماء الشعرى) (كأنها ياقوتة في مدرى ... ما أطول الليل بير من را) ــ صحيحاً وحذفت منه همزة ساء وهمزة رأى لطول الكلمة، وقد حكوا فيها ست لغات: سر من راء، وسر من رأى، [وساء من رأى]، وسامرا، وساميرا، [وساء مراء]، وهذا مغير من سا من رأى أو مغير من ساميرا. وفي "معجم البلدان" سامراً لغة في سر من رأى، وهي مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة، فخربت وفيها لغات: سامراء ممدوداً ومقصوراً، وسر من راء مهموزاً وغير مهمور في قول "الحسين الضحاك":
следующие страницы →