← Язык

Язык · id 29600

شرح درة الغواص للشهاب الخفاجي

الشهاب الخفاجي

Полный текст (679 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فقال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، قال: بعثت إليك لبيت خطر بالي لم أدر من قائله. قلت: ما هو؟ فقال: (ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق) فقلت: يقول "عدي بن زيد" في قصيدة له. قال: أنشدنيها فأنشدته: (بكر العاذلون في وضح الصبح ... يقولون لي: أما تستفيق؟ ) (ويلومون فيك يابنة عبد الله ... القلب عندكم موهوق) (لست أدري إذا أكثروا العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق) قال: وانتهيت فيها إلى قوله: (ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق) (قدمته على عقار كعين الديك ... صفى سلافها الراووق) (مرة قبل مزجها فإذا ما ... مزجت لذ طعمها من يذوق) (وطفا فوقها فقاقيع ... كالياقوت حمر يزينها التصفيق) (ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرى آجن ولا مطروق) قال: فطرب، ثم قال: أحسنت والله يا حماد، يا جارية اسقيه فسقتني شربة ــ والصرى: المتغير، والمطروق: المورود، والراووق: مصفاة الشراب تعلق ليصفى بها، ولهذا أجاد "ابن الوكيل" في قوله: (لم يصلب الراووق إلا أنه ... قطع الطريق على الهموم وعاقها) ويطلق على الشراب المروق أيضاً. ويروى أنه أرسل إليه بدرة وقال له: استعن بها في سفرك ولم يكلفه الإقامة عنده لإساءته أدبه يطلب الجارية التي رآها [بين يديه] تخدمه.

стр. 597

ذهبت بثلث عقلي، فقال: أعده فأعدته فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه فسقتني فذهب ثلث آخر من عقلي، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: كائنة من كانت؟ قال: نعم. قلت إحدى الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما. ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها فلم أعقل حتى أصبحت والجاريتان عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد بدرة، فقال أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: خذ هذه فانتفع بها في سفرك، فأخذتها والجاريتين وعاودت أهلي.

стр. 598

[١٨٤]- قولهم: شفعت الرسولين بثالث ويقولون: شفعت الرسولين بثالث فيوهمن فيه؛ لأن العرب تقول: شفعت ارسول بآخر أي جعلتهما اثنين، ليطابق هذا القول معنى الشفع الذي هو في كلامهم بمعنى اثنين، فأما إذا بعثت ثالثاً فوجه الكلام أن يقال: عززت الرسولين بثلث كما قال سبحانه: ﴿إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث﴾ [يس: ١٤] والمعنى في عززته: قويته. ومن كلام العرب: أعززت الرجل أي جعلته عزيزاً، وعززته أي جعلته قوياً. فإن واترت الرسل فالأحسن أن تقول: قفيت بالرسل، كما قال الله تعالى: ﴿ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم﴾ [الحديد: ٢٧].

стр. 599

[١٨٥]- قولهم للمدينة المشهورة: سامرا ويقولون للبلدة التي استحدثها "المعتصم بالله" "سامري" فيوهمن فيه كما وهم "البحتري" فيها إذ قال في صلب "بابك": (أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علماً بسامراء) والصواب أن يقال فيها: "سر من رأى" على ما نطق بها في الأصل؛ لأن المسمى بالجملة يحكى على عكس صيغته الأصلية، كما يقال: جاء "تأبط شرا" وهذا "ذرى حبا" ومنه قول الشاعر: (كذبتم وبيت الله لا تنكحونها ... إني "شاب قرناها" تصر وتحلب) يعني بني التي تسمى "شاب قرناها"، ولهذا نظائر في كلام العرب وأشعارهم ومحاوراتهم وأمثالهم. ــ (ويقولون للبلدة التي استحدثها "المعتصم بالله": سامر فيوهمون فيه كما وهم "البحتري" إذ قال في صلب "بابك": (أخليت منه البذ وهي قراره ... ونصبته علماً بسامراء) والصواب أن يقال فيها: سر من رأى على ما نطق به في الأصل لأن المسمى بالجملة يحكى على صيغته الأصلية). قال "ابن بري": سامراً هو قول "ثعلب" و"ابن الأعرابي"، وأهل الأثر يقولون: اسمها القديم ساميراً تسميته لها "بسامير بن نوح" لأنه أقطعه إياها، فكره المعتصم هذه التسمية وغيرها إلى "سر من را" وكراهة المعتصم لاسمها يشهد لأن اسمها "سامر" مغيرا عن سامير ولذلك غيرها المعتصم. على أنه قد حكى أهل اللغة أنها قد سميت "ساء من رأى" فيكون سامرا على هذا

стр. 600

وحكاية المسمى بالجملة من مقاييس أصولهم وأوضاعهم، فلهذا وجب أن ينطق باسم البلدة المشار إليها على صيغتها الأصلية من غير تحريف فيها ولا تغيير لها، وذلك أن "المعتصم بالله" حين شرع في إنشائها ثقل ذلك على عسكره، فلما انتقل بهم إليها سر كل منهم برؤيتها فقيل فيها: سر من رأى، ولذمها هذا الاسم، وعليه قول "دعبل" في ذمها: (بغداد دار الملوك كانت ... حتى دهاها الذي دهاها) (ما سر من را بسر من را ... بل هي بؤس لمن رآها) وعليه أيضاً قول "عبيد الله بن عبد الله" في صفة "الشعرى": (أقوال لما هاج قلبي الذكرى ... واعترضت وسط السماء الشعرى) (كأنها ياقوتة في مدرى ... ما أطول الليل بير من را) ــ صحيحاً وحذفت منه همزة ساء وهمزة رأى لطول الكلمة، وقد حكوا فيها ست لغات: سر من راء، وسر من رأى، [وساء من رأى]، وسامرا، وساميرا، [وساء مراء]، وهذا مغير من سا من رأى أو مغير من ساميرا. وفي "معجم البلدان" سامراً لغة في سر من رأى، وهي مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة، فخربت وفيها لغات: سامراء ممدوداً ومقصوراً، وسر من راء مهموزاً وغير مهمور في قول "الحسين الضحاك":

стр. 601

فنطق الشاعران باسمها على وضعه وسابق صيغته، وإن كانا قد حذفنا همزة رأى لإقامة الوزن وتصحيح النظم. ــ (سر من را أسر من بغداد ... فاله عن بعض ذكرها المعتاد) وسر من راء ممدود الآخر كما قال "البحتري". (لأوحلن وآمالي مطرحة ... يسر من راء يستبطى بها القدر) وساء من راء، وسر من را عن "الجوهري". وقال الناس في سامرا سامرة مخففة وينسبون إليها بسرمري، وقيل: أصلها "سام راه" لأنه بناها "سام" وقيل: إنها وضع عليها الخراج فقالوا لها بالفارسية: ساامره أي موضع الحساب. وقال "حمزة": كانت مدينة عتيقة من مدن الفرس يحمل إليها الإتاوة، و"مره" اسم العدد وقيل: إن ساما كان يصيف بها، وكانت للأكاسرة ثم جددها "المعتصم" سنة إحدى وعشرين ومائتين لما ضاقت بغداد عن مماليكه وعسكره وتبرم الناس من ذلك، حتى شكوا إليه وخشي الفتنة، على ما فصله "ياقوت". و"بابك" بالفتح علم رجل خرج زمان العباسيين، وهو ممنوع من الصرف، والبيت من قصيدة أولها: (زعم الغراب منبى الأنباء ... أن الأحية آذنوا بتناء) و"البذ" بفتح الموحدة وتشديد الذال المعجمه كورة بين "آران" و"آذربيجان"، وضمير قراره يرجع إلى "بابك".

стр. 602

[١٨٦]- قولهم لما يجمد من البرد: قريص ويقولون لما يجمد من فرط البرد: قريص بالصاد، فيوهمون فيه ما وهم بعض المحدثين فيما كتب إلى صديق يدعوه: (عندنا قبج مصوص ... ولنا جدي قريص) (ومن الحلواء لونان ... عقيد وخبيص) (ونبيذ لو خرطناه ... أتت منه فصوص) والصواب أن يقال فيه: قريس بالسين لاشتقاقه من القرس وهو البرد، ومنه الحديث: "قرسوا الماء في الشنان" أي بروده، ويدل عليه قول "آبي زبيد" [الطائي]: (وقد تصليت حر حربهم ... كما تصلى المقرور من قرس) وقد يقال بإسكان الراء والشاهد عليه قول الشاعر: (مطاعين في الهيجا مطاعيم في القوى ... إذا اصفر آفاق السماء من القرس) يعني بالقوى المكان المقفر، وقد رواه بعضهم: مطاعيم في القرى، والرواية ــ (ويقولون لما يجمد من فرط البرد: قريص فيوهمون فيه). ما أنكره أطبقت عليه كتب اللغة، إلا أنك عرفت فيما أسلفناه أن السين تبدل صاداً فلا وجه لإنكاره هنا. وقوله في الشعر (قبح) بقاف مفتوحة وباء موحدة ساكنة وآخره جيم نوع من الطير

стр. 603

الأولى أفخم في المعنى وأبلغ في المدح. وأما القارص بالصاد فهو الذي يلذع اللسان، ويقال منه: لبن قارص ونبيذ قارص. ــ مشهور، ومصوص كصبور مهملاً طعام من لحم يطبخ وينقع في الخل أو يكون من لحم الطير خاصة. ومطاعيم في القوى بقاف وواو وألف مقصورة، وروي بالقرى براء مهملة، والشعر "لأوس بن حجر"

стр. 604

[١٨٧]- قولهم: قتله الحب ويقولون: قتله الحب, والصواب أن يقال فيه: اقتتله كما قال "ذو الرمة": (إذا ما حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل) (تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى ... وفترن من أبصار مضروجة كحل) [وعنى به عين البرقع, ويقال أيضاً: اقتتل فلان إذا قتله عين النساء والجن]. ــ (ويقولون: قتله الحب، والصواب أن يقال: اقتتله كما قال "ذو الرمة" (إذا مامرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين النفوس ولا ذحل) (تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى ... وفترن من ألحاظ مضروجة كحل) قال "ابن بري": قتل عام في الحب وغيره، قال "امرؤ القيس": (اغرك مني أن حبك قاتلي ... وأنك مهما تأمري القلب يفعل) وقال "مروان بن هماس": (هويتك حتى كاد يقتلني الهوى ... وزرتك حتى لا مني كل صاحب) وإذا بني الفعل للمفعول في قتله الحب: أقتتل أي بالحب، وكذا من الحب، ولا تقل: قتل لأن اقتتل خاص بالحب وقتل عام في الحب وغيره، وهذا هو الذي غلط "الحريري" فيه فلم يفرق بين الفعل المبني للفاعل والمبني للمفعول، لأنه إذا قيل: قتل لم يدر ما الذي قتله وأما اقتتل بالحب لا عموم له.

стр. 605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قلت وقع الحديث على المقتتلين أن ينجز الأول فالأول, وفي "النهاية الأثيرية" يقال: اقتتل فهو مقتتل, غير أن هذا إنما يكثر استعماله فيمن قتله الحب. اهـ. وهذا هو الحب الحقيق بالاتباع. وحاولن بمعنى طلبن بحيلة ثم عم في كل طلب, والإحنة بكسر الهمزة وسكون الحاء المهملة: الحقد, وكذا الذحل بذال معجمة وحاء مهملة, ونور الأقاحي: أسنان الثغر على التشبيه, وفي الثرى أي التراب. هنا تجريد, ومضروجة بمعنى واسعة من العيون, وكحل جمع كحلاء صفة من الكحل بفتحتين لا من الكحل.

стр. 606

[١٨٨]- قولهم: ما يعرضك لهذا الأمر ويقولون: ما يعرضك لهذا الأمر بضم الياء وكسر الراء وتشديدها, والصواب ان يقال: ما يعرضك لهذا الأمر بفتح الياء وضم الراء, أي ما ينصب عرضك له, وعرض الشيء جانبه, ومنه قولهم: ضرب به عرض الحائط أي جانبه, أي أحد نواحيه, وأما الخبز: "كل الجبن عرضاً" أي ممن يعترض ولا تفحص عنه هل جبنه مسلم أو مشرك؟ ــ (ويقولون: ما يعرضك لهذا الأمر بضم الياء وكسر الراء وتشديدها، والصواب أن يقال: ما يعرضك بفتح الباء وضم الراء، أي ما ينصب عرضك له، وعرض الشيء جانبه). في "القاموس" عرضه بالتشديد أي جعله عرضاً له بمعنى معترضاً وهو بهذا المعنى، ولم أر أحداً من أهل اللغة منعه، ومنه التعريض ضد التصريح. (كل الجبن عرضاً أي ممن يعترض ولا تفحص عنه). هو مثل يضرب لترك الفحص والسؤال في أكثر الأمور، لأنه ربما يظهر منه ما يؤذي ويؤلم، ومثله في المعنى قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [المائدة: ١٠١]، وأول من قال هذا "محمد بن الحنفية بن علي". ﵃ .. والجبن هنا هو المأكول المعروف، وهو بضم الجيم والباء وتشديد النون في اللغة الفصيحة، وفيه لغة أخرى كلفظ الجبن ضد الشجاعة وهي الشائعة في لسان العامة. كما قال بعضهم وقد أمر بالقتال: (فلا تأمرني بالشجاعة إنني ... وحقك عبد يأكل الخبز بالجبن) وعرضاً بضم العين وسكون الراء، فسره المصنف أي اشتره ممن وجدته ولا تسأل

стр. 607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عمن عمله: أمسلم أم كافر؟ حثا له على ترك الفحص لئلا يؤدي إلى ما يسوؤه, ومثله قولهم: (كل البقل من حيث تؤتى به ... ولا تسألن عن المبقلة) [وللمصنف ﵀] (فكل ما حلا حين تؤتى به ... ولا تسأل الشهد عن نحله) وقلت أنا: (وإذا انتشيت من الطلا ... لا تسألن عن عاصره) وقلت: (اترك سؤالا لا يضرك تركه ... فلربما قد ساء ما ابداه) (وإذا هنالك مشرب لا تسألن ... من أين سال وما جرى مجراه)

стр. 608

[١٨٩]- قولهم: ما كان ذلك في حسابي ويقولون: ما كان ذلك في حسابي أي في ظني, ووجه الكلام أن يقال: ما كان ذلك في حسباني, لأن المصدر من حسبت بمعنى ظننت محسبة وحسبانا بكسر الحاء, وأما الحساب فهو اسم للشيء المحسوب, واسم المصدر من حسبت الشيء بمعنى عددته [الحسب] والحسبان بضم الحاء ومنه قوله تعالى: ﴿والشمس والقمر بحسبان﴾ [الأنعام: ٩٦]. وقد جاء الحسبان بمعنى العذاب, كقوله تعالى: ﴿ويرسل عليها حسبانا من السماء﴾ [الكهف: ٤٠] وأصله السهام الصغار, الواحدة حسبانة. ــ (ويقولون: ما كان ذلك في حسابي أي ظني، ووجه الكلام أن يقال: ما كان ذلك من حسباني، لأن المصدر من حسبت بمعنى ظننت محسبة وحسبان بكسر الحاء، فأما الحساب فهو اسم للشيء المحسوب). في شرح "المفصل" "للسخاوي" من قال: لم يكن ذلك في حسابي أي ظني أخطأ، فإنه استعمل مصدر العدد في باب الظن وغلط، إلا أن يريد لم يكن فيما عددته، فإن الحساب مصدر حسبت الشيء أي عددته وكذلك الحسابة والحسبة، والحسبان جمع حساب. وفي "أدب الكاتب" أن الحساب يكون مصدر حسب بمعنى ظن أيضاً، وقال "ابن بري": يجوز أن يريد القائل بقوله ما كان في حسابي أي محسوبي أي معلومي ومظنوني توسعاً، فالمصنف على كل حال في تخطئته مخطي، وقد جرى الاستعمال على خلاف ما قاله.

стр. 609

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعجب منه أن يقول في شعر له كما في "الخريدة": (بلت يدي منك بما لم يكن ... يخطر في الوهم ولا في الحساب) وهكذا دأبة يقع في معراته، ومن اللطائف هنا قولي أنا: (لله دهر فيه روض الصبا ... زاه واغصان التصابي رطاب) (وآه من تشتيت شمل ومن ... تفريق جمع لم يكن في الحساب) وقال الإمام "الراغب": في قوله تعالى: ﴿وترزق من تشاء بغير حساب﴾ [آل عمران: ٢٧] أنهم ذكروا فيه أوجهاً: منها تعطيه بحسب ما تعرفه من مصلحته. وأما الحسبان في قوله تعالى: ﴿ويرسل عليها حسباناً﴾ [الكهف: ٤٠] فقيل: معناه عذاباً وناراً.

стр. 610

[١٩٠]- قولهم: تنوق في الشيء ويقولون: تنوق في الشيء والأفصح أن يقال: تأنق كما روي "للمنصور" ﵀: (تأنقت في الإحسان لم آل جاهدا ... إلى "ابن أبي ليلى" فصيره ذما) (فو الله ما آسى على فوت شكره ... ولكن فوت الرأي أحدث لي هما) واشتقاق هذه اللفظة من الأنق وهو الإعجاب بالشيء، ومن أمثالهم: "ليس المتعلق كالمتألق" أي ليس القانع بالعلقة وهي البلغة كالذي يطلب النقاوة والغاية، ويضرب أيضاً للجاهل الذي يدعي الحذق: "خرقاء ذات نيقة". ــ (ويقولون: تنوق في الشيء والصواب أن يقال تأنق). [قال "ابن بري": تأنق في الشيء وتنوق كلاهما مسموع]، فتأنق مأخوذ من الأنق وهو الإعجاب بالشيء، وتنوق مأخوذ من النيقة، ومنه قولهم: رجل نواق إذا كان حسن الإصلاح للشيء، وفي الأمثال "خرقاء ذات نيقة" أي أنها محكمة لما تعانيه مع كونها خرقا، وفي "الأساس" إن هذا المثل يضرب للجاهل يدعي المعرفة. ومن المجاز تأنق في عمله وفي كلامه، أي فعل فعل المتأنق في الرياضة يتتبع ما يوافقه من الآنق والأحسن، وقال "علي بن حمزة": الوجه تنوق في الشيء من النيقة، وأما

стр. 611

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تأنق فهو من الأنق وهو الإعجاب بالشيء، ومنه قول "ابن مسعود ﵁": صرت إلى روضات أتأنق فيهن. ومنه: آنقنى الشيء أعجبني فلا معنى لتكدير الأفهام بتكثير الأوهام. (ومن أمثالهم: ليس المتعلق كالمتأنق، أي ليس القانع بالعلقة وهي البلغة كالذي يطلب النقاوة والغاية) لا يخفى أن مادة النقاوة ليست من التأنق في شيء، فإن قصد بيان حاصل المعنى فيها وإلا فهو وهم فتدبر.

стр. 612

[١٩١]- قولهم للمخاطب: هم فعلت وهم خرجت ويقولون للمخاطب: هم فعلت وهم خرجت، فيزيدون هم في افتتاح الكلام وهو من أشنع الأغلاط والأوهام، وحكى "أحمد بن إبراهيم المعدل" قال: سمعت "الأخفش" يقول لتلامذته: جنبوني أن تقولوا: بس، وأن تقولوا: هم، وأن تقولوا: ليس لفلان بخت. والمنقول من لغات العرب أن بعض أهل اليمن يزيدون أم في الكلام فيقولون: أم نحن نضرب الهام أم نحن نطعم الطعام، أي نحن نضرب ونطعم، وأخذوا في زيادة أم مأخذ زيادة معكوسها، وهو ما في مثل قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله﴾ [آل عمران: ١٥٩] و ﴿عما قليل﴾ [المؤمنون: ٤٠] وقد روي عن "حمير" أنهم يجعلون آلة التعريف أم فيقولون: طاب ام ضرب يريدون طاب الضرب، وجاء في الآثار فيما رواه "النمر بن تولب" أنه ﷺ نطق بهذه اللغة في قوله: "ليس من ام برام صيام في ام ــ (ويقولون للمخاطب: هم فعلت وهم خرجت فيزيدون هم في افتتاح الكلام، وهو من أشنع الأغلاط والأوهام) أقول: وقع في "البخاري" في كتاب الحج: هم هذا الحديث حديث مالك. قال "الكرماني": هم بفتح الهاء وسكون الميم قيل: عربية، ومعناها قريب من لفظة أيضاً. وقال نجم الأئمة "الرضى" في بحث حروف التنبيه: أما حرف استفتاح وقد تبدل همزتها هاء أو عيناً نحو: هما وعما، وقد تحذف ألفها في الأحوال الثلاثة نحو أم وهم وعم. اهـ فعلى هذا هي لغة في أما الاستفتاحية لبعض العرب، وإبدال الهمزة هاء وارد في كلامهم نحو أراق وهراق. قال بعضهم: (سمعت "الأخفش" يقول لتلامذته: جنبوني أن تقولوا: بس [وأن

стр. 613

سفر" يريد: "ليس من البر الصيام في السفر". وحكى "الأصمعي" أن "معاوية" قال ذات يوم لجلسائه: من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط، فقال: قوم تباعدوا عن عنعنة "تميم" وتلتلة "بهراء" وكشكشة "ربيعة" وكسكسة "بكر" ليس غمغمة "قضاعة" ولا طمطمانية "حمير" فقال: من أولئك؟ قال: قومك يا أمير المؤمنين. وأراد بعنعنة "تميم" أن "تميما" يبدلون من الهمزة عينا كما قال "ذو الرمة": (أعن توسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم) (يريد أن توسمت، وأما تلتلة "بهراء" فيكسرون حروف المضارعة فيقولون: أنت تعلم. وحدثني أحد شيوخي- ﵀ أن "ليلى الأخيلية" كانت ممن يتكلم بهذه ــ تقولوا هم] وأن تقولوا: ليس لفلان بخت). اهـ. في "القاموس" بس بمعنى حسب أو هو مسترذل، وفي شرح "التسهيل" بس بفتح الباء الموحدة وكسر السين المهملة المشددة، تقول: بس زيد، أي أرفق به، وقالوا: ضربه فما قال حسن ولا بس. وأهل زماننا يستعملونها بمعنى اترك القول أو الفعل ويسكنونها، وهذا فاش في لسان أهل مصر، وقد سمعت الكلام على هم، وأما بخت فبمعنى الحظ مولدة أو معربة. وقوله: (وقد روي عن "حميد" أنهم يجعلون آلة التعريف أم فيقولون: طاب أم ضرب، يريدون طاب الضرب) وفي "المغني" أنها نقلت عن "طي وحمير" وقيل: إن هذه اللغة مختصة بالأسماء التي لا تدغم لام التعريف في أولها، ولعل ذلك لغة لبعضهم لا لجميعهم، ألا تراها دخلت في الحديث على النوعين.

стр. 614

اللغة, وأنها استأذنت ذات يوم على "عبد الملك بن مروان" وبحضرته "الشعبي" فقال له: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحكك منها؟ قال: افعل, فلما استقر بها المجلس, قال لها "الشعبي": يا ليلى, ما بال قومك لا يكتنون؟ فقالت له: ويحك أما نكتني؟ فقال: لا والله ولو فعلت لاغتسلت, فخجلت عند ذلك واستغرق "عبد الملك" في الضحك. وأما كشكشة "ربيعة" فإنهم يبدلون عند الوقف كاف المخاطبة شيناً فيقولون للمرأة: ويحك ما لش فيقرون الكاف التي يدرجونها على هيئتها ويبدلون من الكاف التي يقفون عليها شيناً [قال راجزهم]: (تضحك مني إن رأتني أحترش ... ولو حرشت لكشفت عن حرش) عن واسع يغرق فيه القنفرش] وفيهم من يجري الوصل مجرى الوقف فيبدلون الكاف فيه أيضاً شيناً, وعليه أنشد بيت المجنون: (فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولكن عظم الساق منش دقيق) ــ (وحكي "الأصمعي" أن "معاوية" قال يوماً لجلسائه: من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط وقال: قوم تباعدوا عن عنعنة تميم وتلتلة بهراء وكشكشة ربيعة وكسكسة بكر ليس فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير, فقال: من أولئك؟ قال: قومك يا أمير المؤمنين).

стр. 615

وأما كسكسة "بكر" فإنهم يزيدون على كاف المؤنث في الوقف سيئاً ليبينوا حركة الكاف فيقولون: مررت بكس. وأما غمغمة "قضاعة" فصوت لا يفهم تقطيع حروفه. وأما طمطمانية "حمير" فقد مضى تفسيرها فيما تقدم. ــ في "كامل المبرد" قال "معاوية" يوماً: من أفصح الناس؟ فقام رجل من السماط فقال: قوم تباعدوا عن فراتية العراق وتيامنوا عن كشكشة تميم وتياسروا عن كسكسة بكر, ليس فيهم غمغمة قضاعة ولا طمطمانية حمير فقال "معاوية": من أولئك؟ قال: قومي يا أمير المؤمنين. قال: من أنت؟ قال: رجل من جرم, وجرم من أفصح الناس. اهـ. وهم من اليمن لكنهم جاوروا مضر. ثم قال: وبكر تختلف في الكسكسة, فقوم منهم يبدلون من الكاف سيناً كما فعل التميميون في الشين, وقوم منهم يثبتون حركة الكاف ويزيدون بعدها سيئاً, و"بنو عمر بن تميم" إذا ذكروا كاف المؤنث ووقفوا عليها أبدلوا منها شيئاً لقرب الشين من الكاف في المخرج, لأنها مهموسة مثلها, فأرادوا البيان في الوقف لأن في الشين تفشياً والتي يدرجونها يدعونها كافاً وربما أبدلوا الكاف الأصلية المكسورة شيئاً فقالوا في ديك ديش كما قاله "ابن السيد", وروي بدل قوله: فراتية العراق لخلخانية العراق, واللخلخانية اللكنة من قولهم لخ في كلامه إذا جاء به ملتبساً, وعن "الأصمعي" نظر فلان نظر اللخلخانية وهو نظر الأعاجم, ولخلخان قبيلة أو موضع ينسب إليه. وفي "فقة اللغة" يعرض في لغة أعراب "الشحر" و"وعمان" كقولهم في ما شاء الله مشا الله. والغمغمة أن لا تبين الكلام, ويقال لأصوات الأبطال والثيران عند الذعر غماغم. والطمطمانية العجمة يقال: رجل طمطماني وطمطم, منه قالوا للعجيب: جعلت طمطم لما فيه من منكراً المنكرة الأعجمية كما في "الفائق". [وقال الثعالبي: هو إبدال الكلام ميماً]

стр. 616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والسماط الصف من الناس مأخوذ من السمط, ويقال لما يمد عليه الطعام تشبيهاً له أو للمجاورة. والعنعنة تكرير لفظة عن, [ومنه قول المحدثين: عنعنة فليست بمولدة كما توهمه المصنف.] وأما قصة "ليلى الأخيلية" فقيل نقلها عن "الشعبي" غير صحيح لأنه إمام ورع, وقد رويت على وجه آخر أنه قيل للمرأة ذلك فقالت له: كيف تقطع قول الشاعر: (حولوا عنا كنيستكم ... يا بني حمالة الحطب) فلما قطعه قال: ناكني وأراد أن يقول فاعلن, فقالت له: من هو الفاعل؟ اهـ. وهذه حكاية موضوعة. ولو قالته بعد قوله فاعلن لكانت النادرة أتم. وفي "فقه اللغة للصحابي" أجمع العلماء ورواة أشعار العرب وأيامها على أن قريشاً أفصح العرب ألسنة وأصفاهم لغة؛ لأن الله تعالى اختارهم من جميع العرب واصطفاهم واختار منهم نبي الرحمة فجعل قريشاً قطان حرمه وجيران بيته الحرام وولاته, وكانت وفود العرب حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة المشرفة للحج ويتحاكمون في أمورهم إلى قريش, وكانت قريش تعلمهم مناسكهم وتحكم بينهم, ولم تزل العرب تعرف لقريش فضلها وتسميها أهل الله, لأنهم الصريح من ولد إسماعيل ﵇ لم تشبهم شائبة ولم تنقلهم عن مناسبهم ناقلة تفضيلا من الله وتشريفا؛ إذ جعلهم رهط نبيه الأدنين وعشيرته الصالحين, وكانت قريش على فصاحتها وحسن لغتها ورقة ألسنتها إذا أتتهم وفود العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلماتهم, فاجتمع ما تخيروه من تلك اللغات إلى سلائقهم التي طبعوا عليها فصاروا بذلك أفصح العرب, ثم يليهم في الفصاحة الست من القبائل وهم خمس من "هوازن" يقال لهم: عليا

стр. 617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ "هوازن" وعجز "هوازن" ومنها "سعد بن بكر" و"جشم بن بكر" و"نضر ابن معاوية" و"ثقيف" ثم سفلى "تميم". قال "أبو عبيد": وأفصح هؤلاء بنو سعد بن بكر ولذلك قال ﷺ : "أنا أفصح العرب بيد أني من قريش وأني نشأت في بني سعد بن بكر" وكان مسترضعاً فيهم, وبهذا فسر "ابن عباس" الحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف".

стр. 618

١٩٢ - قولهم قرضته بالمقراض وقصصته بالمقص ويقولون: قرضته بالمقراض وقصصته بالمقص, فيوهمون فيه كما وهم بعض المحدثين حين قال في صفة مزنون بالقيادة وإن كان قد أبدع الإجادة: (الق "ابن إسحاق" تلاقي فتى ... ليس امرؤ عنه بمعتاض) (إذا حبيب صد عن إلفه ... تيها وأعيى كل رواض) (ألف فيما بين شخصيهما ... كأنه مسمار مقراض) والصواب أن يقال: مقراضان ومقصان وجلمان لأنهما إثنان. ونظير هذا الوهم قولهم للاثنين: زوج وهو خطأ, لأن الزوج في كلام العرب هو الفرد المزواج لصاحبه, فأما الاثنان المصطحبان فيقال لهما: زوجان, كما قالوا: عندي زوجان من النعال أي نعلان, وزوجان من الخفاف أي خفان. ــ (ويقولون: قرضته بالمقراض وقصصته بالمقص فيوهمون فيه, كما وهم بعض المحدثين, حين قال في مزنوق بالقيادة وإن كان قد أبدع في الإجادة: (إذا حبيب صد عن إلفه ... تيها وأعيى كل رواض) (ألف فيما بين شخصيهما ... كأنه مسمار مقراض) هذا الشعر "لابن الرومي" كما ذكره "ابن بسام في "الذخيرة" في صفة قواد, ورواه هكذا إلا قوله: يسعى لكي يجمع وسطيهما .. قال "ابن بري": جاء العرب مقراض وجلمة بالإفراد كما قال الشاعر: (فعليك ما اسطعت الظهور ... وعلي أن ألقاك بالمقراض)

стр. 619

وكذلك يقال للذكر والأنثى من الطير: زوجان كما قال تعالى: ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى﴾. ومما يشهد بأن الزوج يقع على الفرد المزواج لصاحبه قوله تعالى: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾ ثم قال سبحانه في الآية التي تليها: ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ فدل التفصيل على أن معنى الزوج الإفراد. ــ وقال "سالم بن وابصة": (آذيت صدري طويلاً عمره حقداً ... منه وقلمت أظفاري بلا جلم) وله نظائر كثيرة تركناها خوف السآمة: وفي معنى الشعر قولهم: الباب وعقد درر الأحباب, وأشباهه وأشباهه. وفي قول المصنف مزنون. قيل: الصواب مزن أي متهم, وقيل: إنه مظنون, أبدلت ظاؤه زايا, وقد مر ما فيه فتذكر. (قال للذكر والأنثى من الطير: زوجان, كما قال تعالى: ﴿خلق الزوجين﴾). ذكر أهل اللغة "كالراغب" وغيره أن الزوج يطلق على كل واحد من القرينين وعلى مجموعهما, وقد سمع كل منهما من العرب لأنهما مزدوجان, وكل منهما مزواج لغيره بدليل هذه الآية قوله تعالى ﴿ثمانية أزواج﴾ ثم فسرها بقوله: ﴿من الضأن اثنين ... الخ﴾.

стр. 620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وفي "الدرر والغرر العلوية" في قوله تعالى: ﴿من كل زوجين اثنين﴾ قيل: المراد به من كل ذكر وأنثى اثنين, يقال لكل واحد من الذكر والأنثى: زوج [وقال آخرون: الزوجان هنا الضربان]. وقال آخرون: الزوج: اللون, وكل ضرب يسمى زوجا واستشهدوا بقول "الأعشى": (وكل زوج من الديباج يلبسه ... "أبو قدامة" مجبور بذاك معا)

стр. 621

(١٩٣) قولهم في تصغير شيء وعين شوئ وعوينة: ويقولون في تصغير شيء وعين: شوئ وعوينة, فيقلبون الباء وفيهما واوا, والأفصح أن يقال: شيء وعيينة بإثبات الياء وضم أولهما, وقد حوز كسر أولهما في التصغير من أجل الباء ليتشاكل الحرف والحركة, ومن هذا القبيل قولهم في تصغير ضيعة: ضويعة بيت: بويت, والاختيار فيهما: ضييعة وبييت كما أنشدت "اللخطيل بن أحمد". (إنه لم يكن لك ... أغناكا خل وزيت) (أو لم يكن ذا ولا ذا ... فكسرة وبييت) ــ (ويقولون في تصغير شيء وعين: شويء وعوينة فيقلبون الياء فيهما واوا والأفصح أن يقال: شييء وعيينة بإثبات الياء فيهما). ليس هذا بمتعين وقوله (الأفصح) ينادي عليه, فعده ذلك من الأوهام من فضول الكلام. وقد صرحوا به وفي "التسهيل" بجعل العين قبل حرف التصغير واواً وجوباً إن كانت ألفاً منقلبة عنها, فتقول في باب بويب, وجوازاً مرجوحاً إن كانت ياء أو ألفاً منقلبة عنها, فيجوز في شيخ وناب وشويخ ونويب, وكذا ضويعة وبويت, وقد أجاز ما منعه المصنف بعضهم, ونقله في "الدر المصون" عن الكوفيين, فقال: هم يقولون في تصغير شيء شويء, فليس ما ذكره المصنف بشيء.

стр. 622

(١٩٤) قولهم أشرف على الإياس . ويقولون: أشرف فلان على الإياس من طلبه, فيوهمون فيه كما وهم "أبو سعيد السكري" وكان من رحلة النحويين وأعلام العلماء المذكورين فقال: إنه إياساً سمن بالمصدر من أيس, وليس كذلك, وفي الكلام أنه يقال: أشرف على اليأس, لأنه أصل الفعل من يئس على وزن فعل. كما قال تعالى: ﴿قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور"﴾. ــ (ويقوون: أشرف فلان على الإياس من طلبه فيوهمون فيه). قال "أبو علي" في كتاب "الحجة": أيس مقلوب من يئس ييأس, وهو الأصل؛ لأنا لا نعلم المصدر جاء إلا على تقديم الياء نحو قوله: من يأسة اليائس أو حذارا. فأما "إياس" علم رجل فليس مصدر أيس, ولو كان كذلك كان من باب جذب وجبيذ, في أن كل واحد منهما أصل على حدة بلا قلب, وإياس مصدر أستة أأوسه أوسا إذا أعطيته, وإياس كقيام, ويسمى بإياس وأوس كما سموا بعطاء وعطية ومنه قول "النابغة": (وكان الإله هو المستآسا)

стр. 623

فأما قولهم: أيس بتقديم الهمزة فإنه مقلوب من يئس, واستدل شيخنا "أبو القاسم" على صحة ذلك بأن لفظة يئس تساوي لفظة اليأس الذي هو الأصل في نظم الصيغة ونس الحروف لكون الياء مبدوءا بها فيهما, والهمزة مثنى بها بخلاف العلة حكم على لفظة أيس بأنها مقلوبة من يئس. والمقلوب لا يتصرف تصرف الأصل ولا يكون له مصدر, وأما إياس فهو عند المحققين مصدر أسته أي: أعطيته, والاسم منه الأوس الذي اشتقت منه الموساة, فكأنهم سموا "إياساً" بمعنى تسميتهم عطاء. قال الشيخ "أبو القاسم" الفضل النحوي ﵀: فأما قولهم: جذب وجبذ فليست هاتان اللفظتان عند المحققين من النحويين من قبيل المقلوب كما ذكر أهل اللغة, بل هما لغتان, وكل واحدة منهما أصل في نفسها, ــ وهو مستفعل من العطاء [أي يسأل أن يعطي] وأما الأسوة فمن أسوت الجرح إذا داويته. اهـ .. وقال "ابن السكيت" أيس يأساً ويئس يأساً مصدرهما واحد, وأما "ابن القويطة" فقال: أيس من الشيء يأسا وإياساً فهو آيس. وفي قول المصنف (والاسم منه الأوس) نظر. وقوله: (اشتقوا منه المواساة) فيه أن [مادة] أوس من الأجوف, والمواساة معتلة اللام فهما أصلان مختلفان فكيف يشتق أحدهما من الآخر؟ وأيضاً المواساة بالواو, وإن

стр. 624

ولهذا اشتق لكل منهما مصدر من لفظة فقيل في مصدر جبذ كما قيل في مصدر جذب جذب. زمما يوهمون فيه أيضاً من شجون هذه اللفظة قولهم للقانط هو مؤيس من الشيء, والصواب أنه يقال فيه: يائس منه أو أيس, والأصل فيه يائس, ومنه قول "مقرون بن عمر الشيباني": (فما أنا من ريب المنون بجباً ... وما أنا من سيب الأله بيائس) فأما المؤيس فهو الذي عرضه لليأس وألجئ إليه. ــ جوزت على قلة خطأ عند المصنف فالصواب المؤاساة بالهمز, وقاعدة القلب التي قررها مما فصل في كتب الصرف. [وقولهم للقانط: مؤيس ليس بخطأ كما زعمه المصنف؛ لأن الله ألجأه إلى ذلك, فبهذا الاعتبار يصح. وجبأ كشكر مشدد الباء مهموز بمعنى جبان].

стр. 625

(١٩٥) قولهم: رزبطانة . يقولون: للقناة الجوفا, التي يرمى عنها بالبندق: زربطانة, والصواب أنه يقال فيها: سبطانة لاشتقاق اسمها من السبوطة وهو الطول والامتداد, ومنه الساباط لامتداده بين الدارين. ــ (يقولون للقناة) الجوفاء التي يرمى بها البندق: زربطانة, والصواب أن يقال فيها: سبطانة لاشتقاق اسمها من السبوطة وهي الطول والامتداد, ومنه سمي الساباط لامتداده بين الدارين). الزريطانة القناة المذكورة وما يضاهيها, استعملها المولدون كقول "ابن حجاج": (لها في صرمها بعر صغار ... على مقدار حب السيسبانة) (به ترمي لحى متعشقيها ... كما يرمي الفتى بالزربطانة) وهي لفظة غير صحيحة, وأما كون السبطانة بهذا المعنى عربية [صحيحة] فلست على ثقة بذلك ولم يذكرها إلا المصنف و"الجواليقي". والساباط بمعنى السقيفة عربي, وأما اسم البلدة فأعجمي كما قيل.

стр. 626

(١٩٦) قولهم: جرح الرجل في ثديه . ويقولون: جرح الرجل في ثديه, فيوهمون فيه والصواب أنه يقال: جرح في ثندؤته, لأن الثدي يختص بالمرأة, والثندؤة تختص بالرجل, وفيها لغتان: وثندؤة بضم الثاء والهمزة وثنوة بفتح التاء وترك الهمزة, وتجمع الثندؤة على الثنادي وقد قيل فيها: إنها طرق الثدي. فأما تسمية المقتول من الخوارج بالنهر وأنه "ذا الثدية" فليست الإشارة فيم إلى أن له ثدياً فأضيف إليه, ولا التصغير واقع على الثدي أيضاً, لأن الثدي مذكر والمذكر لا تلحقه الهاء إذا صغر, وإنما المراد منه أنه يده كانت لنقص خلقها تشبه بالقطعة من ثدي المرأة فأنثت عند التصغير أسوة المؤنث المصغر, ويعضد هذا القول ــ (ويقولون: جرح زيد في ثديه, فيوهمون فيه والصواب أن يقال في ثندوته) لأن الثدي يختص بالمرأة والثندوة تختص بالرجل. هذا مما ذهب إليه بعض اللغويين, وذهب غيره إلى عمومه فقال: الثدي يذكر ويؤنث, وهو للرجل والمرأة, واقتصر في "القاموس" على تذكيره وهو الشهر. وفي "صحيح مسلم": أن رجلا من الصحابة وضع ذباب السيف بين ثدييه" فاستعمل الثدي للرجل, وفي شرحه؛ الثدي مذكر على اللغة الفصيحة وعليها اقتصر "الفراء" و"الثعلب" وكثير من أهل اللغة. وحكى "ابن فارس" و"الجوهري" فيه التذكير والتأنيث, وقال "ابن فارس": الثدي للمرأة يقال لذلك الموضع من الرجل ثندوة بالفتح بلا همزة وبالضم مع الهمزة. قال "الجوهري": الثدي للمرأة والرجل, فعلى قول "ابن فارس" يكون الثدي استعير

стр. 627

أنه قد سمي في بعض الروايات: ذا اليدية تنبيها على المعنى المبدوء به, وذكر بعضهم أنه التصغير وقع على لحمة كانت ملتصقة بالثندوة تشبه لحملة, فجأة والتأنيث من قبل اللحمة لا من قبل الثدي, والدليل على تذكير الثدي قول الشاعر: (وصدر مشرق النمر ... كأن ثدييه حقان) ــ للرجل, وفي الحديث الصحيح "أنه حفر للغامدية إلى ثندوتها" كما رواه "أبو داود" وصحيحه" "ابن حجر" وقال: إنه استعمل فيه الثندوة للمرأة فليست مخصوصة بالرجل كما قيل. ومن الغريب هنا قول بعض علماء العصر على تقدير تذكير الثدي واختصاصه بالمرأة مع تأنيث الثندوة واختصاصها بالرجل يكون ما للرجل مؤنثاً وما للمرأة مذكراً كما في باب العدد, وهما كلمتان مختلفتان. [ومن الفوائد هنا ما] في "القصريات" ["لأبي علي الفارسي"] فإنه قال في جمع فِعْل على فِعَلَة نحو: قِرْد وقِرَدَة, وبابه ألزم الهاء ليفرق بين جمع المؤنث والمذكر مثل كِسْرة وخرقة وكِسَر وخِرَق, وهي لتأكيد الجمع كما في أسماء العدد لأنها بمعنى الجماعة ثم حذفت من المذكر للفرق بينهما.

стр. 628

ويروي ثدياه بالرفع على تقدير إضمار الهاء أي كأنه, وقد قيل: إنه كأن جاءت بمعنى لكنه فلهذا رفع, ورواه "المبرد" كأنه ثدييه, فقيل له: بأي شيء نصيته؟ فقال: أراد كأنه فأعملها مع التخفيف. ومن أوهامهم أيضاً الثدي جميعهم إياه على ثدايا, والصواب جمعه على ثُدِي, وكان الأصل فيه ثدوء على وزن فعول, فقلبت الواو ياء لسكونها قبل الياء ثم أدغمت إحدى الياءين في الأخرى. ــ (فأما تسمية المقتول بالنهروان "ذي الثدية" فليست لإشارة فيه إلى أن له ثديا). [يعنى أن المراد به أن يده لنقص خلقتها شبهت بثدي المرأة بدليل أنه روى ذا اليدية بياء تحتية فليس مما نحن فيه حتى يرد نقصا]. وقيل: إنه مصغر ثدي بناء على أنه مؤنث كما مر, وقيل: هو مصغر ثندوة بحذف نونه وقلب واوه ياء. وفي "مسلم" في حديث الخوارج: فيهم رجل له عضد وليس له ذراع وعلى [عضده] مثل حلمة الثدي عليه شعرات [بيض] .. الحديث, وفي "أبي دواد" مثله, وهو "نافع المخدع" ولقب ذا الثدية, كما في "جامع الأصول".

стр. 629

(١٩٧) قطع همزة الوصل في ابن وابنة واثنين واثنتين ومن جملة أوهامهم أنهم إذا ألحقوا لام التعريف بالأسماء التي أولها ألف وصل نحو: ابن وابني واثنين واثنتين سكنوا إم التعريف وقطعوا ألف الوصل احتجاجاً بقول "قيس بن الخضيم": (إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... يبث وتكثر الوشاة قمين) والصواب من لك أن تسقط همزة الوصل وتكسر لام التعريف. [العلة والعلة فيه أنه لما دخل لام التعريف عي هذه الأسماء صارت همزة ــ (إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... يبث وتكثر الوشاة قمين) هذا من قصيدة "لقيس بن الخطيم" الأنصاري, والخطيم مصغر بخاء معجمة وطاء مهملة, ومنها: (أجود بمضمون اللاد وإنني ... بسرك عما ساءني لضنين) (إذا جاوز الإثنين سر فإنه ... ببث وتكثير الحديث قمين) (فإن منع الإخوان سراً فإنني ... كتوم الأسرار العشير أمين) (يكون له عندي إذا ما ضمنته ... مكان بسوداء الفؤاد كمين) سل من جليسي في الندى وصاحبي ... ومن هو لي بين الرجال خدين)

стр. 630

الوصل حشوا, والتقء في الكلمى ساكنان: لام التعريف] والحرف الساكن الذي بعد همزة الوصل, فلها وجب كسر لام التعريف. فأما البيت المستشهد به فمحمول على ضرورة الشعر, علء أن "أبا العباس المبرد" كر أن الروايى فيه: إذا جاوز الحلين ... وإنت كان الأشهر الروايى الأولى, حتى أن بعضهم أشار إلى أنه عني بالاثنين الشفتين. وكذلك الحكم فيما يلحق بأسماء المصادر التي أولها همزى الوصل من لام التعريف من إسقاط الهمزى وكسر لام التعريف كقولك: إقتدار وانطلاق والاحمرار للعلة التي تقدم ذكرها. وأمثلة ها القبيل من المصادر تسعة: ثلاثة خماسية وهي: أفتعل نحو اقتدر, وانفعل نحو انطلق, وافعل نحو احمر, وستى سداسية وهي: استفعل نحو استخرج وانفعلل نحو اقعنس, وافعوعل نحو اخشوشن, وافعول نحو اجلود, وافعال نحو احمار وافعلل نحو اقشعر. ــ (وأي أخي حرب إذا هي شمرت ... وقدوة خصم يا نوار أكون) (وما يحذر الجار الغريب خيانتي ... وإن لم يزل في المقرفين خؤون) وهي طويلة, والبث بالباء الموحدة بمعنى الإفشاء, ويروى نبث بالنون, وهو بمعناه. وقمين بمعنى حقيق وجدير.

стр. 631

(١٩٨) قولهم تجزت القصيدة ويقولون: نجزت القصيدة بفتح الجيم إشارة إلى انقضائها, وليس كذلك لأن معنء نجز بفتح الميم حضر ومنه قولهم: بعته ناجزاً يناجز أي حاضراً بحاضر ونقداً بنقدز فأما إن كان بمعنى الفناء والانقضاء فالفعل منه نجز بكسر الجيم. ذكر ذلك "أبو عبيد الهروى". في كتاب "القريبين" والشاهد عليه قول "النابغة": (وكانوا ربيعا للتيامى وعصمة ... فملك "أبي قابوس" أضحء وقد نجز) ــ (نجز بفتح الجيم بمعنى حضر, ومنه قولهم: ناجزاً بناجز أي حاضراً بحاضر ونقداً بنقد, فأما إذا كان بمعنى الانقضاء فالفعل نجز بكسر الجيم) هذا غير متفق عليه, وفي "الحواشي" قال "ابن طريف" اللغوي: نجزت الحاجة نجازا, ونجز أيضاً ذهب وانقضى, فجعلها بفتح الجيم في الجميع, يقال: نجز الشيء نجزاً: ذهب وانقضى ونجزت الحاجة نجازاً انقضت ونجز الشيء نجازاً أحضر, ومنه ناجز ومناجز, وأجاز بعض أهل اللغة نجز أيضاً بالفتح. ثم أنشد المصنف شعر "النابغة" وهو: (وإن امرءا يرجو الخلود وقد رأى ... سرير "أبي قابوس" يغدي به عجز) (وكنت ربيعاً لليتامى وعصمة ... فملك "أبي قابوس" أضحى وقد نجز) أقول: التحقيق في نجز ما في شرح "الكتاب" "لابن غالب" وهو: قال: "الحريري" في "الدرة": نجز بفتح الجيم من باب ضرب: حضر ومنه بعته ناجزاً بناجز وحاضراً بحاضر, وإذا كان بمعنى نفد أي في وانقضى فهو بكسر الجيم من باب علم كما في "الغريبين" "للهروي" وعليه قول "النابغة": أضحى وقد نجز ... وفي الحديث "في الصرف إلا ناجزاً بناجز لا يجوز غيره, ونجز ينجز إذا حضر, وأنجز وعده أحضره, والمناجزة في الجود المفاخرة, وأنشدوا:

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ (فلتأكلن مناجزاً من مالنا ... ولتشربن بدن عام قابل) أي بحاضر من مالنا, وأما نجز ينجز نجزا فبمعنى في. انتهى كلام "الهروي" وهو المعروف لا ما قاله "الأعلم". اهـ. [وهذا لم أقف عليه [إلا] بعد تتبع كثير فعليك بحفظه في خزاين الأفهام فإنه من الحور المقصورات في الخيام]. و"أبو قابوس" هو "النعمان بن المنذر" ملك العرب, و"قابوس" معرب "كاووس".

стр. 633

(١٩٩) جمع أسماء الأجناس . ويقولون في جمع جوالق: حد القات فيخطئون لأن القياس المطرد أن لا تجمع أسماء الجنس المذكر بالألف والتاء, وإما أشذت العرب عن هذا القياس أسماء جمعتها بالألف والتاء تعويضاً لأكثرها عن تكسيره, وهي حمام, وساباط, وس رادق, وإيوان, وهاوون, وخيال, وجواب, وسجل, ومكتوب, ومقام, ومصام, وإوان - وهو حديدة تكون مع الرائض - وبوان بكسر الباء وضمها وهو عمود في الخباء. وقالوا في جمع [شعبان] ورمضان وشوال والمحرم: شعبانات ورمضانات وشوالات ومحرمات, وجميع ذلك مما شذ عن الأصول ولا يستعمل فيه غير المحصور المنقول, ولهذا عيب علء "أبي الطيب" جمعه بوقا علء بوقات في قوله: (فإن يك بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول) ــ (ويقولون في جمع جوالق: حوالقات, فيخطئون فيه؛ لأن القياس المطرد أن لا يجمع أسماء الأجناس المذكرة بالألف والتاء). الجوالق: الغرارة, معرب "كوالة", وفي "القاموس" هو بكسر الجيم واللام بضم الجيم وفتح اللام وكسرها. وجمعه جوالق كصحائف وجواليق وجوالقات. اهـ. ومن حفظ أسماء الجنس المذكرة فعد منها: (حمام) وقالوا في جمعه: حمامات, وقد قيل: إنه سمع تأنيثه, وعربيته في القديم "ديماس", وقيل لبعض الحمقى: لم قيل في جمع الحمام حمامات وهو مذكر؟ قال إنما جمع لحمام النساء و (ساباط) مر تفسيره قريبا. (وسرادق) وهو ما يمد على صحن الدار, معرب "سراده" وجمعه سرادقات. و (إيوان) بكسر الهمزة صفة عظيمة ويجمع على إيوانات وأواوين.

стр. 634

فاْما جمعهم سراويل علء سراويلات وطريقًا علء طرقات فهو من قبيل جمع المؤنث لتأنيثها في بعض الدفات. فأما جُوالق فذكر سيبويه" أنه لم يسمع عنهم في جمعه الاجواليق، وأجاز غيره أن يجمع على جوالق بفتح الجيم، كما قالوا في غرانق وهو الشباب غَرايق بالفتح، ومن حلاحل وهو السيد الوقور حَلاحِل بالفتح، ومن عُراعر وهو رئيس القوم عَراعر، فإن قيل: كيف جمع المصغر بالألف والتاء نحو: ثويبات دريهمات؟ فالجواب أن المصغر بمنزلة الموصوف، إذ لا فرق بين قولك بويب وباب صفير، وصفات المذكر الذي لا يعقل تجمع بالألف والتاء، نحو السيوف المرهفات والجبال الشامخات والأسود الضاريات، ومن حكم هذا النوع من المذكر المجموع بالألف والتاء أن يذكر في باب العدد بلا هاء كالمؤنث فيقال: كتبت ثلاث سجلات وبنيت ثلاث حمامات لأن الاعتبار في باب العدد باللفظ دون المعنى، وأجاز بعضهم أن تلحق الهاء في عدده اعتبارًا بمعنى واحِدِه لا بلفظ جمعه، فيقال: ثلاثة سجلات ــ و(خيال) ما يتراءى في اليقظة أو الحلم، وسمع فيه خيالة وجمعه على خيالات، ويقال: أخيلة أيضًا، قال "المتنبي": إذا خيالاته أطفن بنا ... أضحكه أني لها حامد وخيالات كما قال "الكندي" يجوز أن يكون جمع خيالة وهو الأصل، أو جمع خيال وهو القياس في جمع ما لا يعقل. و(جواب) هو جواب السائل المعروف يجمع على جوابات، لكن قال "ابن الجوزي" في "ذيل الدرة" قال "العسكري": العامة تقول في جمع الجواب: جوابات وأجوبة وهو خطأ، لأن الجواب مثل الذهاب لا يجمع قياسًا. قال "سيبويه": الجواب لا يجمع، وقولهم: جوابات وأجوبة مولد. اهـ.

стр. 635

وخمس حمامات لأن واحدهما سجل وحمام، وكلاهما مذكر كما يقال: ثلاثة طَلَحات وخمسة حمزات. فأما حكم بطات وحمَامَات فعند أكثرهم أن الاعتبار فيها باللفظ فيقال: عندي ثلاث بطَّات ذكور، لأن نقطة البطة مؤنثة وان وقعت على مذكر. [فلهذا فلهذا وجب أن يجرد العدد فيها من الهاء، وكذلك لما كان الغالب على المجموع بالألف والتاء أن يكون مؤنث الذي تجرد عدده من الهاء لحق به ما جمع عليهما من جنس المذكر ليطرد الحكم فيه، ويسلم أصله المنعقد من نقص يعتريه]. وذكر بعضهم أنه يراعى الأسبق من الُمفَسَّرَيْن فإن قال: عندي ثلاث بطات ذكور جرد من الهاء لتقدم المفسَّر المؤنث، وإن قال: عندي ثلاث ذكور من البط أثبت الهاء الهاء لتقدم المفسَّر المذكر. ــ تنبيه من قال: الحمام مؤنث (٢) فشبهته أن "الجوهري" أنشد بيتًا وقع فيه مؤنثًا وهو: وإذا دخلت سمعت فيها رنة ... صوت المعاول في بيوت هداد ويروى: لغط المعاول. قال "التاج السبكي" كذا اْورده "الجوهري" في فصل العين من باب اللام. وعبارته "المعول": الفأس العظيمة ينقر بها الصخر وجمعه معاول، وأما قوله في صفة الحمام وأنشد البيت: معاول وهداد- فهما حيان من الأزد. اهـ. والحمام مضبوط بتشديد الميم -ضبط قلم- وعليه عَوَّل "ابن الخباز" في قوله إنه مؤنث. وفي "تاريخ المظفري" ما نصه أن "آمر بن حصن" كان يذبح الحمام، فخشي "الجعد السدوسي" أن يذبح حمامًا كان له فقال: أمر "ابن حصن" بالحمام فساءني ... أخشى على طرفي نفاد تلادي خضر مطوقة الغريد كأنما ... خضبت قوائمهن بالفرصاد
следующие страницы →