Полный текст (679 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
(١٩٨) قولهم تجزت القصيدة
ويقولون: نجزت القصيدة بفتح الجيم إشارة إلى انقضائها, وليس كذلك لأن معنء نجز بفتح الميم حضر ومنه قولهم: بعته ناجزاً يناجز أي حاضراً بحاضر ونقداً بنقدز فأما إن كان بمعنى الفناء والانقضاء فالفعل منه نجز بكسر الجيم. ذكر ذلك "أبو عبيد الهروى". في كتاب "القريبين" والشاهد عليه قول "النابغة":
(وكانوا ربيعا للتيامى وعصمة ... فملك "أبي قابوس" أضحء وقد نجز)
ــ
(نجز بفتح الجيم بمعنى حضر, ومنه قولهم: ناجزاً بناجز أي حاضراً بحاضر ونقداً بنقد, فأما إذا كان بمعنى الانقضاء فالفعل نجز بكسر الجيم) هذا غير متفق عليه, وفي "الحواشي" قال "ابن طريف" اللغوي: نجزت الحاجة نجازا, ونجز أيضاً ذهب وانقضى, فجعلها بفتح الجيم في الجميع, يقال: نجز الشيء نجزاً: ذهب وانقضى ونجزت الحاجة نجازاً انقضت ونجز الشيء نجازاً أحضر, ومنه ناجز ومناجز, وأجاز بعض أهل اللغة نجز أيضاً بالفتح. ثم أنشد المصنف شعر "النابغة" وهو:
(وإن امرءا يرجو الخلود وقد رأى ... سرير "أبي قابوس" يغدي به عجز)
(وكنت ربيعاً لليتامى وعصمة ... فملك "أبي قابوس" أضحى وقد نجز)
أقول: التحقيق في نجز ما في شرح "الكتاب" "لابن غالب" وهو: قال: "الحريري" في "الدرة": نجز بفتح الجيم من باب ضرب: حضر ومنه بعته ناجزاً بناجز وحاضراً بحاضر, وإذا كان بمعنى نفد أي في وانقضى فهو بكسر الجيم من باب علم كما في "الغريبين" "للهروي" وعليه قول "النابغة": أضحى وقد نجز ... وفي الحديث "في الصرف إلا ناجزاً بناجز لا يجوز غيره, ونجز ينجز إذا حضر, وأنجز وعده أحضره, والمناجزة في الجود المفاخرة, وأنشدوا:
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(فلتأكلن مناجزاً من مالنا ... ولتشربن بدن عام قابل)
أي بحاضر من مالنا, وأما نجز ينجز نجزا فبمعنى في. انتهى كلام "الهروي" وهو المعروف لا ما قاله "الأعلم". اهـ. [وهذا لم أقف عليه [إلا] بعد تتبع كثير فعليك بحفظه في خزاين الأفهام فإنه من الحور المقصورات في الخيام]. و"أبو قابوس" هو "النعمان بن المنذر" ملك العرب, و"قابوس" معرب "كاووس".
стр. 633
(١٩٩) جمع أسماء الأجناس .
ويقولون في جمع جوالق: حد القات فيخطئون لأن القياس المطرد أن لا تجمع أسماء الجنس المذكر بالألف والتاء, وإما أشذت العرب عن هذا القياس أسماء جمعتها بالألف والتاء تعويضاً لأكثرها عن تكسيره, وهي حمام, وساباط, وس رادق, وإيوان, وهاوون, وخيال, وجواب, وسجل, ومكتوب, ومقام, ومصام, وإوان - وهو حديدة تكون مع الرائض - وبوان بكسر الباء وضمها وهو عمود في الخباء. وقالوا في جمع [شعبان] ورمضان وشوال والمحرم: شعبانات ورمضانات وشوالات ومحرمات, وجميع ذلك مما شذ عن الأصول ولا يستعمل فيه غير المحصور المنقول, ولهذا عيب علء "أبي الطيب" جمعه بوقا علء بوقات في قوله:
(فإن يك بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول)
ــ
(ويقولون في جمع جوالق: حوالقات, فيخطئون فيه؛ لأن القياس المطرد أن لا يجمع أسماء الأجناس المذكرة بالألف والتاء). الجوالق: الغرارة, معرب "كوالة", وفي "القاموس" هو بكسر الجيم واللام بضم الجيم وفتح اللام وكسرها. وجمعه جوالق كصحائف وجواليق وجوالقات. اهـ. ومن حفظ أسماء الجنس المذكرة فعد منها: (حمام) وقالوا في جمعه: حمامات, وقد قيل: إنه سمع تأنيثه, وعربيته في القديم "ديماس", وقيل لبعض الحمقى: لم قيل في جمع الحمام حمامات وهو مذكر؟ قال إنما جمع لحمام النساء و (ساباط) مر تفسيره قريبا. (وسرادق) وهو ما يمد على صحن الدار, معرب "سراده" وجمعه سرادقات. و (إيوان) بكسر الهمزة صفة عظيمة ويجمع على إيوانات وأواوين.
стр. 634
فاْما جمعهم سراويل علء سراويلات وطريقًا علء طرقات فهو من قبيل جمع المؤنث لتأنيثها في بعض الدفات.
فأما جُوالق فذكر سيبويه" أنه لم يسمع عنهم في جمعه الاجواليق، وأجاز غيره أن يجمع على جوالق بفتح الجيم، كما قالوا في غرانق وهو الشباب غَرايق بالفتح، ومن حلاحل وهو السيد الوقور حَلاحِل بالفتح، ومن عُراعر وهو رئيس القوم عَراعر، فإن قيل: كيف جمع المصغر بالألف والتاء نحو: ثويبات دريهمات؟ فالجواب أن المصغر بمنزلة الموصوف، إذ لا فرق بين قولك بويب وباب صفير، وصفات المذكر الذي لا يعقل تجمع بالألف والتاء، نحو السيوف المرهفات والجبال الشامخات والأسود الضاريات، ومن حكم هذا النوع من المذكر المجموع بالألف والتاء أن يذكر في باب العدد بلا هاء كالمؤنث فيقال: كتبت ثلاث سجلات وبنيت ثلاث حمامات لأن الاعتبار في باب العدد باللفظ دون المعنى، وأجاز بعضهم أن تلحق الهاء في عدده اعتبارًا بمعنى واحِدِه لا بلفظ جمعه، فيقال: ثلاثة سجلات
ــ
و(خيال) ما يتراءى في اليقظة أو الحلم، وسمع فيه خيالة وجمعه على خيالات، ويقال: أخيلة أيضًا، قال "المتنبي":
إذا خيالاته أطفن بنا ... أضحكه أني لها حامد
وخيالات كما قال "الكندي" يجوز أن يكون جمع خيالة وهو الأصل، أو جمع خيال وهو القياس في جمع ما لا يعقل.
و(جواب) هو جواب السائل المعروف يجمع على جوابات، لكن قال "ابن الجوزي"
في "ذيل الدرة" قال "العسكري": العامة تقول في جمع الجواب: جوابات وأجوبة وهو خطأ، لأن الجواب مثل الذهاب لا يجمع قياسًا.
قال "سيبويه": الجواب لا يجمع، وقولهم: جوابات وأجوبة مولد. اهـ.
стр. 635
وخمس حمامات لأن واحدهما سجل وحمام، وكلاهما مذكر كما يقال: ثلاثة طَلَحات وخمسة حمزات. فأما حكم بطات وحمَامَات فعند أكثرهم أن الاعتبار فيها باللفظ فيقال: عندي ثلاث بطَّات ذكور، لأن نقطة البطة مؤنثة وان وقعت على مذكر.
[فلهذا فلهذا وجب أن يجرد العدد فيها من الهاء، وكذلك لما كان الغالب على المجموع بالألف والتاء أن يكون مؤنث الذي تجرد عدده من الهاء لحق به ما جمع عليهما من جنس المذكر ليطرد الحكم فيه، ويسلم أصله المنعقد من نقص يعتريه].
وذكر بعضهم أنه يراعى الأسبق من الُمفَسَّرَيْن فإن قال: عندي ثلاث بطات ذكور جرد من الهاء لتقدم المفسَّر المؤنث، وإن قال: عندي ثلاث ذكور من البط أثبت الهاء الهاء لتقدم المفسَّر المذكر.
ــ
تنبيه
من قال: الحمام مؤنث (٢) فشبهته أن "الجوهري" أنشد بيتًا وقع فيه مؤنثًا وهو:
وإذا دخلت سمعت فيها رنة ... صوت المعاول في بيوت هداد
ويروى: لغط المعاول. قال "التاج السبكي" كذا اْورده "الجوهري" في فصل العين من باب اللام. وعبارته "المعول": الفأس العظيمة ينقر بها الصخر وجمعه معاول، وأما قوله في صفة الحمام وأنشد البيت: معاول وهداد- فهما حيان من الأزد. اهـ.
والحمام مضبوط بتشديد الميم -ضبط قلم- وعليه عَوَّل "ابن الخباز" في قوله إنه مؤنث.
وفي "تاريخ المظفري" ما نصه أن "آمر بن حصن" كان يذبح الحمام، فخشي "الجعد السدوسي" أن يذبح حمامًا كان له فقال:
أمر "ابن حصن" بالحمام فساءني ... أخشى على طرفي نفاد تلادي
خضر مطوقة الغريد كأنما ... خضبت قوائمهن بالفرصاد
стр. 636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(وإذا دخلت سمعت فيها رنة ... لغط المعاول في بيوت هداد)
وهذا يقتضي أن الحمام مخفف الميم اسم للطائر المعروف, لا مشدداً اسماً للمكان. وفيه أيضاً المقاول جمع مقول بالقاف, وهو والقيل بمعنى في لغة اليمن. اهـ. من تذكرة "الصفدي"] وقوله: (وسجل) يجمع على سجلات, وهو مذكر, أو مؤول بصحيفة. (ولهذا عيب على "أبي الطيب" قوله:
(وإن يك بعض الناس سيفاً لدولة ... ففي الناس بوقات لها وطبول)
هو من قصيدة له مدح بها سيف الدولة, وأولها:
(ليالي بعد الظاعنين شكول ... طوال وليل العاشقين طويل)
ومعناه: من لا غنى فيه أو من يشيع أمره كالطبل والزمر, وإنما عيب عليه لأنه لفظ ثقيل مستهجن. قال "الواحدي": البوق جاء في كلام العرب وجمعه بوقات وإن كان مذكراً كحمام وحمامات. فقد عرفت أنه سمع جمعه, وإنما لم يعب عليه من هذه الجهة التي قالها المصنف, وإنما هو من جهة أنها لفظة غريبة مستكرهة في السمع, وهو معرب "بوري". وفي "الأساس": من المجاز رجل ينفخ في البوق إذا كان ينطق بالكذب والباطل وما لا طائل تحته, وجاء بالبوق ونطق بوقاً. قال "حسان":
(إلا الذي نطقوا بوقاً ولم يكن)
وتبوق فلان: كذب. (فأما جوالق فذكر "سيبويه" أنه لم يسمع عنهم في جمعه إلا جواليق, وأجاز غيره أن يجمع على جوالق بفتح الجيم كما قالوا في جمع غرانق). استطرد فذكر ما جاء من فواعل بالضم وجمعه فواعل بالفتح فلم يفرق بين مفرده وجمعه المكسر بغير حركة واحدة, وهو من النوادر, وذكر المصنف له أربعة أمثلة, وقد زاد "ابن السيد" في شرح "أدب الكاتب" الخشارم بضم الخاء في المفرد وفتحها في الجمع
стр. 637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- الذي يتطير - وقراقر وعذاقر. فصارت سبعة. (جمع المصغر بالألف والتاء نحو ثويبات ودريهمات). علله المصنف بأنه بمنزلة صفات ما لا يعقل, وهي تجمع كذلك كجبال شامخات, وعلله غيره بأنه إنما جمع كذلك لتسلم علامة التصغير ولو كسرت لزالت وجعلوا ما لا يعقل في حكم المؤنث. ولكل وجهة. (ومن حكم هذا النوع من المذكر المجموع بالألف والتاء أن يذكر في باب العدد بلا هاء كالمؤنث, فتقول: كتبت ثلاث سجلات وبنيت ثلاث حمامات؛ لأن الاعتبار في باب العدد باللفظ دون المعنى). هذا مذهب بعض الكوفيين. قال "الشاطبي" في شرح "الألفية": قالت طائفة من النحاة: يعتبر في العدد لفظ الجمع لا لفظ المفرد, فيقولون ثلاث سجلات وأربع حمامات وخمس سرادقات ونحوه, والعرب على خلاف ما قال هؤلاء, وهو مذهب البصريين. اهـ. فما قاله المصنف مبني على هذا المذهب الضعيف الذي ذهب إليه بعض الكوفيين. [والصحيح أنه يراعي في الجموع آحادها فتقول: ثلاثة أرغفة, فتثبت التاء في ثلاثة نظراً إلى الرغيف, وإن كان في أرغفة تاء التأنيث, وكذلك ثلاثة سجلات نظراً إلى السجل, فإن أضيف العدد إلى اسم مفرد وهو جمع معنى وليس جمع سلامة ولا تكسير روعي لفظه دون واحده, نحو ثلاثمائة, فراعيت المائة ولم تراع العدد, وكذلك ثلاث من الخيل والإبل لأنها اسم مفرد وليس بجمع. وأما ثلاثة طلحات فإنما لزمته التاء لأن العبرة في هذا الباب بالتأنيث المعنوي حقيقة أو مجازاً لا بالتاء, فافهم, فإن المصنف ضبط فيه خبط عشواء].
стр. 638
٢٠٠ - الفرق بين نعم وبلى
ومن أوهامهم [الزارية على أفهامهم, العاكسة معنى كلامهم] أنهم لا يفرقون بين معنى نعم وبلى, فيقيمون إحداهما مقام الأخرى, وليس كذلك؛ لأن نعن تقع في جواب الاستخبار المجرد من النفي, فترد الكلام بعد حرف الاستفهام, كما قال تعالى: ﴿فل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم﴾ لأن تقديره وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً, وأما بلى فتستعمل في جواب الاستخبار عن النفي, ومعناها إثبات المنفي ورد الكلام من الجحد إلى التحقيق, وهي بمنزلة بل, حتى قال بعضهم: إن أصلها بل, وإنما زيدت عليها الألف ليحسن السكوت عليها, وحكمها أنها متى جاءت بعد ألا وأما وأليس رفعت حكم النفي وأحالت الكلام إلى الإثبات, ولو وقع مكانها نعم لحققت النفي وصدقت الجحد, ولهذا قال "ابن
ــ
ثم قال: (إنهم لا يفرقون بين معنى نعن وبلى, فيقيمون إحداهما مقام الأخرى, وليس كذلك؛ لأن "نعن" تقع في جواب الاستخبار المجرد من النفي, فترد الكلام الذي بعد حرف الاستفهام). قال "ابن بري: اعلم أن "نعم" مصدقة للجملة التي قبلها فيقدر إعادتها بعد "نعم" من غير استفهام, فإذا قال: أزيد قائم؟ فقلت: نعم فتقديره: نعم زيد قائم, فإن قال: أزيد ليس قائماً؟ فقلت: نعم فتقديره: نعم ليس زيد قائماً, أبداً داخلة على الجملة التي قبلها تقديراً من غير استفهام, موجبة كانت أو سالبة. وأما "بلى" فلا تقع إلا بعد النفي موجبة للجملة, فإذا قال: أليس زيد قائماً؟ قلت: بلى فتقديره: بلى زيد قائم بتقدير جملة موجبة؛ لأنك تسقط أداة النفي مع حرف الاستفهام وتبقى الجملة بحالها. فإن قال: أليس زيد لا يملك ديناراً؟ فقلت: بلى فتقديره: لا يملك ديناراً, فيسقط النفي الأول المصاحب لألف الاستفهام لا غير, ويبقى الثاني لا يغيره, ولو أتيت بنعم في هذا الموضع لصار تقديره نعم ليس زيد لا يملك ديناراً فتوجب له ملك الدينار, وبلى تنفيه. (ولهذا قال "ابن عباس" ... الخ).
стр. 639
عباس" في تأويل قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ لو أنهم قالوا: نعم لكفروا, وهو صحيح لأن حكم نعم أن ترفع الاستفهام, فلو أنهم قالوا: نعم لكان تقدير قولهم: لست بربنا وهو كفر. وإنما دل على إيمانهم بلى التي يدل معناها على رفع النفي فكأنهم قالوا: أنت ربنا, لأن أنت بمنزلة التاء التي في لست. ويحكى أن "أبا بكر بن الأنباري" حضر مع جماعة من العدول ليشهدوا على إقرار رجل, فقال أحدهم للمشهود عليه: ألا نشهد عليك؟ فقال: نعم, فشهدت الجماعة عليه, وامتنع "أبو بكر بن الأنباري" وقال: إن الرجل منع أن يشهد عليه بقوله نعم, لأن تقدير جوابه بموجب ما بيناه لا تشهدوا علي.
ــ
[قال "ابن عادل": فيه نظر إن صح عنه, وذلك أن هذا النفي صار نقرراً فكيف يكفرون بتصديق التقرير, وإنما المانع من جهة اللغة, وهو أن النفي مطلقاً إذا قصد إيجابه أجيب ببلى وإن كان مقرراً بسبب دخول الاستفهام عليه, وإنما كان كذلك تغليباً لجانب اللفظ, ولا يجوز مراعاة جانب المعنى إلا في ضرورة شعر كقوله:
(أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا وذاك بنا تداني)
(نعم وأرى الهلال كما تراه ... ويعلوها النهار كما علاني)
وفيه بحث "لابن مالك" قال في "التسهيل": بلى لإثبات نفي مجرد أو مقرون باستفهام, وقد يوافقها بعض المقرون, ولم يقيده بضرورة الشعر, وكيف يصح أن يكون ضرورة؟ .
стр. 640
وفي لفظة "نعم" لغتان: كسر العين وفتحها, وقد قرئ [بهما] وجمع بعضهم بين اللغتين في بيت فقال:
(دعاني "عبد الله" نفسي فداؤه ... فيا لك من داع دعاني نعم نعم)
ــ
وقال "المرادي": إن منه قول الأنصار للنبي ﷺ وقد قال لهم: "ألستم ترون ذلك؟ قالوا: نعم". وإنما ساغ هذا لأمن اللبس, وقد تؤول بيت "جحدر" بأنه جواب لمقدر في نفسه من أن الليل يجمعه وأم عمرو, وأجاز بعضهم أن يكون جواباً لما بعده فقدم. وقال "أبو حيان": الأولى أن يكون جواباً لقوله: فذاك بنا تدانى. وقال "الكرماني": إنه كذلك في أصل اللغة, وأما العرف فلا يفرق بينهما, ومنه يعلم الجواب عما حكاه عن "ابن الأنباري". وفي "المغني": بلى لا يجاب بها الإيجاب وذلك متفق عليه, ولكن وقع في عدة أحاديث ما يقتضي خلافه كحديث "البخاري" أنه ﷺ قال لأصحابه: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: بلى, لكنه قليل لا يقاس عليه. (حتى قال بعضهم: إن أصلها بل, وإنما زيدت الألف ليحسن السكوت عليها)]. [قال "ابن فارس" في فقه اللغة للصحابي": إنها بل وصلت بها ألف لتكون دليلاً على كلام: يقول القائل: أما خرج زيد؟ فتقول: بلى. فبلى رجوع عن جحد, والألف فيها دلالة على كلام كأنك قلت: بل خرج زيد, يعني أنها مدة كمدة التذكير] [وفيما أنشده من قول الشاعر:
(فيا لك من داع دعاني نعم نعم)
جمع بين اللغتين ليتغاير لفظاهما, ولو فتحت عينها كان تأكيداً, ومما يحسن إيراده هنا قولي:
(وقائلة في فتية وعظوا وما ... لهم عظة تجدي لدى سائر الأمم)
(أهم إبل للماء يحمل ظهرها ... وقد ظمئت في البر؟ قلت: نعم نعم]
стр. 641
[٢٠١]- الفرق بين مساء صباح مركبة ومضافة
ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين قولهم: زيد يأتينا صباح مساء على الإضافة ويأتينا صباح مساء على التركيب, وبينهما فرق يختلف المعنى فيه, وهو أن المراد به مع الإضافة أنه يأتي في الصباح وحده؛ إذ تقدير الكلام يأتينا في صباح مساء, والمراد به عند تركيب الاسمين وبنيتها على الفتح أنه يأتي في الصباح والمساء. وكان الأصل هو يأتينا صباحاً ومساء فحذفت الواو العاطفة وركب الاسمان وبنيا على الفتح لأنه أخف الحركات, كما فُعِل في العدد المركب من أحد عشر إلى تسعة عشر.
ــ
(ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين قولهم: زيد يأتينا صباح مساء على الإضافة ويأتينا صباح مساء على التركيب). حاصل فرقه أن في الإضافة الإتيان [في الصباح فقط وفي التركيب] في الصباح والمساء معا, وليس كما قال؛ "ابن بري": ليس هذا الفرق مذهب أحد من النحويين [البصريين] قال "السيرافي": يقال سير عليه صباح مساءٍ وصباحَ مساءَ وصباحاً مساءً, ومعناهن واحد, وليس سير عليه صباح مساءٍ مثل ضربت غلام زيد في أن السير لا يكون إلا في الصباح كما أن الضرب لا يقع إلا بالأول وهو الغلام دون الثاني؛ لأنك لو لم ترد أن السير وقع فيهما لم يكن في إتيانك بالمساء فائدة, وهكذا قال "سيبويه" فلا عبرة بما قاله المصنف. وعلى ذكر صباح مساء يحسن إيراد قولي فيه:
(يا طرة من فوق غرة شادن ... تهدي لرائيها ضنى الأهواء)
(عبث الغرام بمهجتي في حبها ... عبث النسيم بها صباحَ مساءِ)
стр. 642
[٢٠٢]- الفرق بين الترجي والتمني
ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين الترجي والتمني, والفرق بينهما واضح, وهو أن التمني يقع على ما يجوز أن لا يكون, كقولهم: ليت الشباب يعود, والترجي يختص بما يجوز وقوعه, لهذا لا يقال: لعل الشباب يعود, ولأجل افتراقهما في هذا المعنى فرق البصريون من النحويين بينهما في باب الجواب بالفاء, فأجازوا أن تقع الفاء جواباً للتمني في مثل قوله تعالى: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً﴾ , ومنعوا أن تقع الفاء جواباً للترجي, وضعفوا قراءة من قرأ: ﴿لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى﴾ بنصب أطلعَ, ورجحوا قراءة من قرأ بالرفع.
ــ
(وأجازوا أن تقع الفاء جواباً للتمني في مثل قوله تعالى: ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً﴾ , ومنعوا أن تقع جواباً للترجي, وضعفوا قراءة من قرأ ﴿لعلي أبلغ الأسباب - أسباب السموات فأطلع ... ﴾ بالنصب). [قال في "المغني": قول "فرعون" لعلي أبلغ ... الخ] إنما قاله جهلاً ومخرفة وإفكا, قال "الزمخشري" وغيره: إنه أشربها معنى ليت, وليت تتعلق بالمستحيل غالباً وبالممكن قليلاً, فقد علم أنه يقام كل منهما مقام الآخر, وإن مثله ورد في النظم الجيد, وأثبته الثقات, فلا عبرة بما قاله المصنف.
стр. 643
[٢٠٣]- الفرق بين العَر والعُر
ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين العَر والعُر, بفتح العين وضمها, وبينهما فرق في اللغة, وهو أن العَر بالفتح الجرب, وبالضم قروح تخرج من مشافر الإبل وقوائمها, وكانت الجاهلية إذا رأتها ببعير كوت مشافر الصحاح, ويرون أنهم إذا فعلوا ذلك ذهبت القروح من إبلهم, على ما أبدعوه من أضاليل أحكامهم, وإلى هذا أشار "النابغة" في قوله:
(وحملتني ذنب امرى وتركته ... كذى العُر يكون غيره وهو راتع)
ومن رواه: كذى العَر بالفتح فقد وهم فيه؛ لأن الجرب لا تكوى الصحاح منه.
ــ
(ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين العَر والعُر بفتح العين وضمها, وبينهما فرق في اللغة, وهو أن العَر بفتح العين الجرب وبضمها قروح تخرج من مشافر الإبل). تبع المصنف فيما ذكره ظاهر كتب اللغة المشهورة, وقد ذهب كثير من أهل اللغة إلى خلافه, وفي "القاموس": العَر والعُر والعُرة أو بالفتح الجرب وبالضم قروح تخرج من أعناق الفصلان, وفي "الصحاح": العُر بالضم قروح مثل "القوبا" تخرج في الإبل متفرقة في مشافرها وقوائمها يسيل منها ماء أصفر, فتكوى الصحاح لئلا يعديها المرض, وكون المكوي هو الصحيح يشهد له بيت "النابغة" وقال "الأصمعي": يكوى واحد مما أصابه الداء, وقال "ابن بري": إنما تكوى مشافر الصحاح لأن من شأن الإبل أن يحك بعضها بمشافرها, فإذا كوي مشفر البعير لم يحك به فيأمن بزعمهم من العدوى, وقيل: إنما تكوى أعجازها لا مشافرها, لأن الذي به العر يحك مشافره بأعجاز ما صح منها وما سقم, فإذا حك بمواضع الكي ينتفع به. وما أنشد "للنابغة" من قصيدة يعاتب بها النعمان بن المنذر أولها:
(عفا ذو حسا من فرقتنا فالفوارع ... فجنبا أريك فالتلاع الدوافع)
стр. 644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(أترعد عبداً لم يخنك أمانة ... وتترك عبداً ظالماً وهو ضائع)
(حملت عليه ذنبه وتركته ... كذي العر يكوي غيره وهو راتع)
كذا رأيته في ديوانه، وما ذكره المصنف من أنه يكوي الصحيح فيبرأ السقيم قول «الأصمعي و «أبي عمرو»، وقال «ابن دريد»: إنما يكون الصحيح لئلا يتعلق به الداء لا ليبرأ السقيم، فمعني البين حينئذ أنك تركت المذنب وآخذت البري، وهذا مثله، لأن السقيم أولى بالكي.
وقيل: إن العرب كانت تكوي الناقة إذا أصاب فصيلها العر لفساد لبنها فإذا كويت بري فصيلها لبراءة أمه، وفي شرح «أدب الكاتب» قال «أبو عبيدة»: هذا تمثيل لا حقيقة كقولهم: «يشرب عجلان ويسكر مسلمة» ولم يكونا شخصين موجودين، وله نظائر كثيرة كقول «المتنبي»:
(وجرم جره سفهاء قوم ... فحل بغير جارمه العذاب)
وقول الآخر:
(رأيت الحرب يحييها رجال ... ويصلي قرها قوم براة)
وقول الآخر:
(غيري جني وأنا المعاقب فيهم ... فكأنني سبابة المتندم)
وقوله: كذي العر [حال] أي تركته شبيها بذي العر، أو قائم مقام المصدر أي تركا كتركك ذي العمر، وجملة وهو راتع حالية، وجملة يكوي مفسرة لما قبلها، فلا محل لها من الإعراب.
стр. 645
[٢٠٤]- الفرق بين قولهم: بكم ثوبك مصبوغاً، ومصبوغ ؟
ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين قولهم: بكم ثوبك مصبوغاً؟ وبكم ثوبك مصبوغ؟ وبينهما فرق يختلف المعنى فيه، وهو أنك إذا نصبت مصبوغاً كان انتصابه على الحال والسؤال واقع عن ثمن الثوب وهو مصبوغ، وإن رفعت مصبوغاً رفعته على أنه خبر المبتدأ الذي هو ثوبك، وكان السؤال واقعاً عن أجره الصبغ لا عن من ثمن الثوب.
ــ
(لا يفرقون بين قولهم: بكم ثوبك مصبوغاً وبكم ثوبك مصبوغ؟ وبينهما فرق).
لأن السؤال في الأول عن ثمن الثوب المصبوغ، وفي الثاني السؤال عن ثمن الصبغ نفسه، لأنه في النصب حال من الثوب، فكان صفة له معنى. وفي الثاني مصبوغ بالرفع خبر ثوبك، وبكم متعلق بالخبر، وهذا هو المتبادر منه.
قال «المبرد» في كتابه «المقتضب»: تقول: بكم ثوبك مصبوغ؟ لأن التقدير بكم فلساً ثوبك مصبوغ؟ أو بكم درهماً؟ كما تقول: علم كم جذعاً بيتك مبني، إذا جعلت «على كم» ظرفا لمبني ورفعت البيت بالابتداء وجعلت المبني خبراً عنه وجعلت على كم ظرفاً للمبني فهذا على قول من قال: في الدار زيد قائم. ومن قال: في الدار زيد قائماً، فجعل «في الدار» خبراً قال: على كم جذعاً بيتك مبنياً، إذا نصب مبنياً جعل على كم ظرفاً للبيت، لأنه لو قال لك على هذا المذهب: على كم جذعاً بيتك؟ لاكتفى بالكلام كما أنه لو قال: في الدار زيد لاكتفى به اهـ.
стр. 646
[٢٠٥]- الفرق بين لا رجل ولا رجل في الدار
وكذلك لا يفرقون أيضا بين قولهم: لا رجل في الدار ولا رجل في الدار، والفرق بينهما أنك إذا قلت: لا رجل في الدر بالفتح فقد عممت جنس الرجال بالنفي، وكان كلامك جواب من قال لك: هل من رجل في الدار؟ وإذا قلت: لا رجل في الدار بالرفع فالمراد بالنفي الخصوص وكأنه جواب من قال: هل رجل في الدار؟ ولهذا يجوز أن يقال في هذه المسألة: لا رجل في الدار بل رجلان؛ لأن معنى الكلام تخصيص نفي الواحد، ولا يجوز أن يقال: لا رجل في الدار بالفتح بل رجلان لتناقض الكلام فيه؛ لأن أول الكلام يقتضي عموم هذا النفي فكيف يعقب بالإثبات؟
ــ
(وكذلك لا يفرقون بين قولهم: لا رجل في الدار ولا رجل في الدار، والفرق بينهما أنك إذا قلت: لا رجل في الدار بالفتح فقد عمت جنس الرجال بالنفي وكان كلامك جواب من قال: هل رجل في الدار؟ فإذا قلت: لا رجل في الدار بالرفع فالمراد نفي الخصوص).
لا وجه لهذا أيضاً فإنه إذا بنى على الفتح كان نصبا في الاستغراق كما قالوه، واختلفوا في تعليله، وإذا رفع احتمل الاستغراق وعدمه، وقد يتعين فيه الاستغراق بقرينة قائمة عليه كما صرحوا به، ولهذا قرى بهما معاً في بعض الآيات، كما تقرر في محله كقوله تعالى: ﴿لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ فقوله: المراد نفي الخصوص ليس بصحيح على إطلاقه.
стр. 647
[٢٠٦]- الفرق بين مخوف ومخيف
وكذلك لا يفرقون بين معنى مخوف ومخيف، والفرق بينهما إذا قلت: الشيء مخوف كان إخباراً عما حصل الخوف منه كقولك: الأسد مخوف والطريق مخوف، وإذا قلت: مخيف كان إخباراً عما يتولد الخوف منه، كقولك: مرض مخيف، أي يتولد [منه] الخوف لمن يشاهده.
ــ
(وكذلك لا يفرقون بين معنى مخوف ومخيف، والفرق بينهما أنك إذا قلت: الشيء مخوف كان إخباراً عما حصل الخوف منه كقولك: الأسد مخوف، وإذا قلت: مخيف كان إخباراً عما يتولد الخوف منه كقولك: مرض مخيف أي يتولد الخوف منه لمن يشاهده).
قال «ابن بري»: إذا قلت خاف زيد الطريق فزيد الخائف والطريق مخوف، ولو قلت: أخاف زيد الطريق قزيد المخوف والطريق هو المخيف، ولا بد من تقدير مفعول محذوف تقديره: أخاف الطريق زيدًا الهلاك، لأن الهمزة زادته مفعولا، وزيدا وإن كان مفعولا فهو في المعنى فاعل، كما تقول: أضربت زيداً عمراً، فزيداً مفعول وهو في المعنى فاعل بالمفعول الثاني، أي جعلت زيداً [يضرب عمراً فهو الضارب لعمرو، وكذلك جعل الطريق زيداً] يخاف الهلاك فزيد هو الخائف، فبان بهذا أنك إذا قلت: طريق مخوف فليس الطريق هو المخوف المحذور، وإنما المخوف والمحذور غيره وهو ما فيه من الهلاك.
وإذا قلت: طريق مخوف فالطريق هو المحذور لا المحذر ولو كان الطريق هو المخوف في اللفظ فليس هو المخوف في المعنى، وإنما المخوف ما يتوقع فيه من هلاك وعطب.
فقد آل معناهما إلي شيء واحد؛ ألا ترى أنك إذا قلت: خفت الطريق فالطريق وإن كان مخوفاً فهو الذي أوجب أن يخافه، فهو إذن مخيف لك، وليس يحصل الخوف من
стр. 648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطريق، وإنما يحصل مما يتوقع فيه، وإن كان ليس هو الذي أوجب أن تخافه. فقولهم: الطريق مخوف لا خطأ فيه.
وفي «المصباح» خاف يخاف خوفاً وخيفة ومخافة وخفت الأمر، يتعدى بنفسه فهو مخوف، وأخافني الأمر فهو مخيف بضم الميم، وطريق مخوف بالفتح أيضاً لأن الناس خافوا فيه، ومال الحائط فأخاف الناس، والحائط مخيف ومخوف، ويتعدى بالهمزة والتضعيف فيقال: أخفته وخوفته.
стр. 649
[٢٠٧] الفرق بين خلف وأخلف
وكذلك لا يفرقون بين قولهم: خلف الله عليك وأخلف الله عليك، والفرق بينهما أن لفظة خلف الله عليك تقال لمن هلك له من لا يستعيضه، ويكون المعنى كان الله لك خليفة منه. ولفظة أخلف الله عليك تستعمل فيما يرجى اعتياضه ويؤمل استخلافه.
ــ
(ومن ذلك أهم لا يفرقون بين قولهم: خلف الله عليك وأخلف الله عليك، والفرق بينهما أن لفظ خلف الله عليك، يقال لمن هلك له من لا يستعيضه، ويكون المعنى كان الله خليفة لك عنه، ولفظ أخلف الله عليك يستعمل فيما يرجى اعتياضه).
هذا أحد قولين لأهل اللغة فيه، وفي «المصباح»: استخلفته جعلته خليفة لي، وخلف الله عليك كان خليفة أبيك عليك أو من فقدته ممن لا يتعوض منه كالعم، وأخلف الله عليك بالألف رد عليك مثل ما ذهب منك، ويقال: أخلف الله عليك مالك وأخلف لك بخير، وقد يحذف الحرف فيقال: أخلف الله عليك ولك خيراً. «قاله الأصمعي» اهـ.
وفي «القاموس» ما يشير إلي عدم الفرق بينهما، ولكل وجهة لمن تبصر.
стр. 650
[٢٠٨]- الفرق بين (أو) و (أم) في الاستفهام
ومن هذا النمط أنهم لا يفرقون بين «أو» و «أم» في الاستفهام، فينزلون إحداهما منزلة الأخرى فيوهمون فيه؛ لأن الاستفهام بأو يكون عن أحد شيئين فينزل قولهم: أزيد عندك أو عمرو؟ منزلة قولهم: أأحد هذين الرجلين عندك؟ ولهذا وجب أن تجيب عنه بنعم أو بلا، كما لو قيل لك: أأحدهما عندك؟
والاستفهام بأم وضع لطلب التعيين على أحد الشيئين فتعادل أم مع الهمزة لفظة أي، ولذلك وجب أن يجاب عنه بأحد الاسمين، كما لو قيل: أيهما عندك؟
قال شيخنا «أبو القاسم الفضل بن محمد النحوي»: وكان ترتيب الاستفهام أن يستفهم الإنسان في مبدأ كلامه بأو، ثم يعقب بأم لأن تقدير قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ أي قد علمت أن أحداهما عندك فبين لي أيهما هو؟
ــ
(لا يفرقون بين أو وأم في الاستفهام فينزلون إحداهما منزلة الأخرى فيوهمون فيه).
ما ذكره مقرر في كتب العربية غثة وسمينة، إلا أن فيما ذكره أموراً:
منها: أنه قال: يجب أن يجاب: أزيد عندك أم عمرو؟ بنعم أو بلا، وليس بسديد لما في «المغني» من أنه لو أجيب بالتعيين صح لأنه جواب وزيادة.
ومنها: أنه جوز العطف بعد همزة التسوية بأو وقد منعه «ابن هشام» على ما فيه من القيل والقال.
ومنها: أنه ذكر من معاني أو التقريب وهو معنى غريب وفيه كلام في محله.
(لا يفرقون بين الحث والحض، وقد فرق بينهما «الخليل» فقال: الحث يكون في السير والسوق في كل شيء، والحض يكون فيما عداهما).
ما ذكره «الخليل» هو في أصل وضعه، وأما في الاستعمال فلا يفرقون بينهما،
стр. 651
فوائد.
أ. ومما يمتزج بهذا الفصل أيضاً أنهم لا يفرقون بين قولهم: ما أدري [أأذن أو أقام؟ وقولهم: ] ما أدري أأذن أم أقام؟ . والفرق بينهما أنك إذا نطقت بأم في هذا الكلام كنت شاكاً فيما أتي به من الأذان أو الإقامة، وإذا أتيت بأو فقد حققت أنه أتى بالأمرين إلا أنه لسرعة ما قرب بينهما صار بمنزلة من لم يؤذن ولم يقيم، ويكون مجيء «أو» هنا للتقريب.
ب. ومن هذا القبيل: أيضاً أنهم لا يفرقون بين الحث والحض، وقد فرق بينهما «الخليل بن أحمد» فقال: الحث يكون في السير [والسوق وفي كل شيء، والحض يكون فيما عدا السير] والسوق نحو قوله تعالى: ﴿ولا يحض على طعام المسكين﴾.
ت. وكذلك لا يفرقون بين النعم والأنعام، وقد فرقت بينهما العرب فجعلت النعم اسماً للإبل خاصة أو للماشية التي فيها الإبل، وقد تذكر وتؤنث،
ــ
ولهذا سوى بينهما صاحب «القاموس»، وقال النحاة: حروف التحضيض هي للحث على الفعل، والأمر في ذلك سهل.
(وكذلك لا يفرقون بين النعم والأنعام، وقد فرقت بينهما العرب، فجعلت النعم اسماً للإبل خاصة أو الماشية التي فيها الإبل وقد تذكر وتؤنث، وجعلت الأنعام اسماً لأنواع المواشي من الإبل والبقر والغنم، حتى إن بعضهم أدخل فيها الظباء وحمر الوحش تعلقاً بقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾
قال «الراغب»: النعم يختص بالإبل وجمعه أنعام، وسميت بذلك لأنها من أعظم النعم عندهم، لكن الأنعام تقال للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها أنعام حتى يكون في جملتها الإبل، وقال «ابن بري»: هو من التغليب إذا غلبوا النعم على غيرها ولا فرق بينهما
стр. 652
وجعلت الأنعم اسماً لأنواع المواشي من الإبل والبقر والغنم، حتى إن بعضهم أدخل فيها الظباء، وحمر الوحش تعلقاً بقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾
ــ
في الحقيقة، وكونها شاملة للظباء وحمر الوحش ليس من اللفظ بل من جعل إضافة بهيمة الأنعام كلجين الماء، كما في «الكشاف» لا أنه من مسماه كما توهمه المصنف، ومن هنا علم ما في إقحام لفظ البهيمة من البلاغة لما فيها من التنصيص على التعميم؛ لأنه لو لم تذكر لربما توهم أن المراد بها الإبل فقط، وما في شرح «الكشاف» «للقطب» من أنه للإجمال ثم للتفضيل ليس بشيء، لأنه لم يعهد مثله في مضاف ومضاف إليه، وفي «درة التأويل»: لم قال: ﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ في سورة «النحل» وقال في سورة «لمؤمنون»: ﴿مما في بطونها﴾.
والجواب أن الأنعام في سورة «النحل» وإن أطلق لفظ جميعها فظاهر أن المراد بعضها، ألا ترى الدر لا يكون لجميعها وإنما لبعض إناثها فكأنه قال: وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه، ولهذا ذهب من ذهب إلي أنه رد على النعم لأنه يؤدي ما يؤديه الأنعام من المعنى، والمراد ما ذكرناه بالدلالة ما ذكرناه بالدلالة التي بيناها، ولا كذلك في سورة «المرمنين»؛ لأنه قال: ﴿نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون، وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ فأخبر عما تتصف به أصناف النعم ذكورها وإناثها، فلم يحتمل أن يراد بها البعض كما كان ثمة.
стр. 653
[٢٠٩]- معنى بات فلان .
ومن ذلك توهمهم أ، معنى بات فلان أي نام، وليس كذلك، بل معنى بات: أظله المبيت وأجنه الليل، سواء نام أم لم ينم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾ ويشهد به أيضاً قول «ابن رميض):
(باتوا نياما وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزلم)
(خذلج الساقين خفاف القدم ... قد لفها الليل بسواق حطم)
(ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا بجزار على ظهر وضم)
(من يودي ... كما أودت إرم)
ــ
(ومن ذلك توهمه أن معنى بات نام، وليس كذلك، بل معنى بات أظله المبيت وأجنة الليل، نام أو لم ينم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم﴾ الآية، ويشهد له أيضاً قول «ابن رميض»:
(باتو نياما وابن هند لم ينم ... بات يقاسيها غلام كالزلم)
وتمامه:
(خدلج الساقين خفاف القدم ... قد لفها الليل لسواق حطم)
(ليس براعي إبل ولا غنم ... ولا يجزار على ظهر وضم)
من يلقني يود كما أودت إرم:
стр. 654
فأخبر عنه أنه بات متصديا لحفظها ممن هم بخرابتها، أي سرقتها، لأن الخرابة اسم يختص بسرقة الإبل، والخارب: المتلصص عليها خاصة.
ــ
وهذا الشعر «لرشيد علم كمصغر الرشد ضد الغي- بن ربيض» بضم الراء المهملة وفتح الباء الموحدة ثم ياء مثناة تحتية، تليها ضاد معجمة بصيغة المصغر أيضاً.
من دهاء معاوية:
وروى «ابن المكرم» في كتاب «معاوية» لما رشح ابنه «يزيد» لولاية عهده وكان «عبد الله بن الزبير» يرى أنه أولى بالأمر منه، فلما قدموا مكة قال «ابن الزبير» لأهل مكة: هذا «يزيد» ابن أمير المؤمنين فسلوه. وقصد أنهم لإكثار المسألة عليه إذا ردهم نسبوه للبخل وزهدوا فيه. فلما ألحوا في السؤال [فهم ذلك «يزيد و] أخبر أباه بذلك وأنه من كيد «ابن الزبير» فقال: تكفاه إن شاء الله تعالى، وقال «لابن الزبير»: أنت أعلم بأهل مكة وأدري بقريش من «يزيد» فاقبض المال واقسمه فيهم كما تريد، فأتته قريش حتى أضجرته، وكن لبخله يصعب عليه خروج المال من يده، فما زال حتى صار ذميماً فيهم، ومعاوية وابنه محمودين، فسرهما ذلك، فلما أمسوا نزل «ابن الزبير» يرتجز ويقول:
(يلفها الليل بعصلبي ... مهاجر ليس بأعرابي)
[يعرض] بمعاوية لأنه لم يهاجر. فلما سمعه «يزيد» قال:
باتوا نياماً وابن هند لم ينم.
وأعجب بذلك لما فيه من التعريض بابن الزبير.
وكان يتمثل به غيره، ففي «مجمع البيان» أن رجلا من ربيعة يقال له:
стр. 655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحطيم بن هند البكري» أقبل حتى أتى النبي ﷺ وحده، وخلف خيله خارج المدينة، فقال: إلي م تدعو [يا محمد]؟ وكان ﷺ قال لأصحابه قبله: يدخل عليكم اليوم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان، فلما أجابه النبي ﷺ قال: أنظرني لعلي أسلم فلي من أشاوره، وخرج من عنده، فقال ﷺ : دخل بوجه كافر وخرج بوجه غادر، فمر بسرح لأهل المدينة فساقه، وانطلق به وهو يرتجز بقوله: قد لفها الليل ... إلخ.
وصحح «البلاذري أنه للحطيم، وهو «شريح بن ضبيعة بن عمرو بن مرثد» أحدبني ثعلب وهو ممن أسلم وارتد بعد وفاة النبي ﷺ .
واستعمال المبيت في أحد فردية بقرينة تدل عليه غير بعيد.
стр. 656
[٢١٠]- معنى القينة
ومن ذلك توهمهم أن القينة المغنية خاصة، وهي في كلام العرب الأمة، مغنية كانت أو غير مغنية، وعلى ذلك قول «زهير»:
(رد القيان جمال الحي فاحتملوا ... إلي الظهيرة أمر بينهم لبك)
[لبك: مختلط، يقال: لبكت على فلان الأمر إذا خلطته، وكذلك لبكت الطعم بالعسل وغيره، ويقال: ما ذقت عبكة ولا لبكة، العبكة: الكسرة من الخبز، واللبكة: اللقمة من الحيس وقيل من الثريد].
والأصل في اشتقاق اللقينة من قنت الشيء أقينه إذا لمحته ومنه قول الشاعر:
(ولي كبد مقروحة قد بدأ بها ... صدوع الهوي لو كان قين يقينها)
[وكيف يقين القين صدعاً فتشتفي ... به كبد سب الجرين أنينها]
ومن هذا سمي الصائغ والحداد قيناً وسميت الماشطة أيضاً قينة.
ــ
(ومن ذلك توهمهم أن القينة المغنية خاصة وهي في كلام العرب الأمة مغنية كانت أو غير مغنية).
وقيده «ابن السكيت» بالأمة البيضاء، واستعماله بمعنى المغنية كثير في كلام العرب نظماً ونثراً، وفي الحديث «كان لعبد الله بن خطل قينتان تغنيان» وفي «القاموس»: القينة المغنية أو أعم، وهو تخصيص للعام بأحد فرديه، أو من المجاز المشهور فلا وجه لإنكاره.
стр. 657
[٢١١]- الراحلة اسم يقع على الجمل والناقة
ومن ذلك توهمهم أن الراحلة اسم يختص بالناقة النجيبة، وليس كذلك، بل الراحلة تقع على الجمل والناقة، والهاء فيها هاء المبالغة كالتي في الواهية وراوية، وإنما سميت راحلة لأنها ترحل أي يشد عليها الرحل فهي فاعله بمعنى مفعولة، كما جاء في التنزيل: ﴿عيشة راضية﴾ بمعنى مرضية.
وقد ورد فاعل بمعنى مفعول في عدة مواضع من القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ أي لا معصوم، وكقوله تعالى: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله من رحم﴾ أي لا معصوم، وكقوله تعالى: ﴿من ماء دافق﴾ أي مدفوق. وكقوله جل ذكره: ﴿حرماً آمناً﴾ أي مأموناً فيه.
وجاء أيضاً مفعول بمعنى فاعل، كقوله تعالى: ﴿حجاباً مستوراً﴾ أي ساتراً، ﴿وكان وعده مأتياً﴾ أي آتيا.
وقد يكني عن النعل بالراحلة لكونها مطية القدم، وإليها أشار الشاعر الملغز بقوله:
(رواحنا ست ونحن ثلاثة ... نجنبهن الماء في كل مورد)
ــ
(ومن ذلك توهمهم أ، الراحلة تختص بالناقة النجبية، وليس كذلك بل الراحلة تقع على الجمل والناقة والهاء فيها هاء المبالغة).
هذا قول لبعض أهل اللغة، وذهب «الجوهري» إلي أن الراحلة هي الناقة التي تصلح لأن ترحل، قال: ويقال: الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى. اهـ.
فقد عرفت أنه أمر مختلف فيه عندهم، وكون الهاء في فاعلة بمعنى مفعول للمبالغة بناء على أنه لا يجوز تأنثيه كما نص عليه «سيبويه» وراضية أيضا كذلك، وفيه كلام في شروح «الكتاب».
стр. 658
[٢١٢]- البهيم لا يختص بالأسود .
[ومن هذا النمط توهمهم أن البهيم نعت يختص بالأسود لاستماعهم ليل بهيم، وليس كذلك، بل إن البهيم اللون الخالص الذي لا يخالطه لون آخر، ولا يمتزج به شية غير شيته، ولذلك لم يقولوا لليل المقمر: ليل بهيم لاختلاط ضوء القمر به، فعلى مقتضى هذا الكلام يجوز أن يقال: أبيض بهيم وأشقر بهيم، وجاء في الآثار: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة بهما» أي على صفة واحدة من صحة الأجساد والسلامة من الآفات، ليتم لهم بذلك خلود الأبد والبقاء السرمد].
ومنه أيضا توهمهم أن السوقة اسم لأهل السوق، وليس كذلك بل السوقة الرعية، سموا بذلك لأن الملك يسوقهم إلي إرادته، ويستوي لفظ الواحد والجماعة فيه فيقال: رجل سوقة وقوم سوقة. [كما قالت «الحرقة بنت النعمان»:
(فبينا نسوق الناس والأمر آمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف)
فأما أهل السوق فهم السوقيون واحدهم سوقي، والسوق في كلام العرب تذكر وتؤنث.
ــ
(البهيم اللون الخالص الذي لا يخالطه لون آخر سواء كان أبيض أم أسود أم غيره).
وهذا أيضا قول لبعض أهل اللغة، وخصه بعضهم بالأسود، وفي «القاموس» وغيره: البهيم الأسود. اهـ. وبه جري الاستعمال فليس ما أنكره بمنكر.
стр. 659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حرقة بين يدي سعد:
(فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف)
ذكر أهل التاريخ أنه لما قدم «سعد بن أبي وقاص» القادسية أميراً أتته «حرقة بنت النعمان بن المنذر» مع جوار لها زيهن كزيها تطلب صلتها، فلما وقفن بين يديه قال: أيتكن «حرقة»؟ قالت هي: أنا «حرقة» فما تكرارك للاستفهام عني؟ إن الدنيا دار زوال وإنها لا تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقالاً، وتعقبهم بعد حال حالاً، إنا قد كنا ملوك هذه الأرض قبلك، يجيء إلينا خراجها ويطيعنا أهلها، فلما أدبر الأمر وانقضي صاح بنا صائع الدهر، فصدع عصانا وشتت ملأنا وكذلك الدهر، يا سعد، إنه ليس من قوم في يسرة إلا والدهر يعقبهم عسرة، ثم أنشأت تقول من شعر لها:
(فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف)
(فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف)
فقال «سعد»: قاتل الله «عدي بن زيد» كأنه ينظر لهذه حيث يقول:
(إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبين قد أمنت الدهورا)
(كم بينت الفتى معاني فيردي ... ولقد كان آمناً مسرورا)
ولا زالت عندك لكريم حاجة، ولا نزع الله عن عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً في لردها عليه. وخرجت فقيل لها: ما صنع لك الأمر؟ فقالت:
(حاط لي ذمتي وأكرم وجهي ... إنما يكرم الكريم الكريم)
وقد روي: نسوق موضع نسوس وهو من السياسة، ونتنصف: نخدم، والسوقة: من عدا الملك مطلقا لا أهل السوق فقط، وهم سوقية بياء النسبة، وفي الكلم النوابغ السوقية كلاب سلوقية.
стр. 660
[٢١٣]- وهمهم: أن هوى لا يستعمل إلا في الهبوط
ومن أوهامهم أن هوى لا يستعمل إلا في الهبوط، وليس كذلك، بل معناه الإسراع الذي قد يكون في الصعود والهبوط، وفي حديث البراق: «فانطلق يهوي به» أي يسرع، وذكر أهل اللغة أن مصدر الصعود: الهوي بضم الهاء، ومصدر الهبوط الهوي بفتحها، فأما قوله تعالى: ﴿كالذي استهوته الشياطين﴾ فقيل: ذهبت به، وقيل: استمالته بالإضلال واختلسته بالأهواء.
ــ
(ومنه توهمهم أن هويا لا يستعمل إلا في الهبوط، وليس كذلك بل معناه الإسراع الذي يكون في الصعود أو الهبوط، وفي حديث البراق: فانطلق يهوي أي يسرع، وذكر أهل اللغة أن مصدر الصعود الهوي بضم الهاء، ومصدر الهبوط الهوي بفتحها).
ليس هذا مما اتفقوا عليه بل هو قول لبعض أهل اللغة، وفي شرح أشعار «هذيل» للإمام «المرزوقي» قال «الأصمعي»: يقال: هوت العقاب انقضت لغير الصيد وأهوت إذا انقضت له، وقيل: هما بمعنى. وقال بعضهم: هو يهدي هويا بفتح الهاء من أعلى إلي أسفل وبضمها بعكسه. اهـ.
стр. 661
التنبيه إلي بعض أخطاء إملائية
قال الشيخ الرئيس «أبو محمد القاسم بن علي». ﵀: وقد عثرت لجماعة من الكبراء على أوهام في الهجاء عدلوا في بعضها عن رسومه المقررة، ولم يفرقوا في بعضها بين مواقع اللفظة المستطردة، فرأيت أن أكشف عن عوارها، وأنبه على التعري من عارها، لتتنوع فوائد هذا الكتاب وتنجلي به أكثر الشبه عن الكتاب.
[٢١٤]- حذف الألف في بسم الله
فمن ذلك: أنهم يكتبون «بسم الله» بحذف الألف أينما وقع وحيثما اعترض، فيوهمون فيه، لأن الألف إنما حذفت منه إذا كتب في فواتح السور وأوائل الكتب لكثرة استعماله في كل ما يبدأ به ويشرع فيه.
وتقدير الكلام في البسملة المصدرة: أبدأ باسم الله أو فتتح باسم الله، فترك إظهار هذا الفعل لدلالة الحال الحاضرة عليه، فإن برز وجب إثبات الألف كما أثبتت في قولك: ﴿اقرأ باسم ربك﴾ و ﴿سبح باسم ربك﴾.
وقد رأيت أحد الأعيان المتشيعين بدعوى البيان كتب في صدر كتابه: بسم
ــ
التنبيه إلي بعض أخطاء إملائية:
ثم إن المصنف، -رحمة الله تعالى- جرى على نهج أهل العربية فختم كتابه بمسائل تتعلق برسم الخط فأفاد وأجاد، روح الله روحه فقال -مبتدئاً بالبسملة تيمناً وتبركاً وهو من حسن صنيعه:
(يكتبون بسم الله بحذف الألف أينما وقع وحيثما اعترض فيوهمون فيه)
يعني أنه لا يحذف ألفه في البسملة خاصة وعند حذف المتعلق، وهذا أيضاً مختلف فيه فقال «الكسائي»: لا تشترط الإضافة إلي اسم الجلالة فيحذفها في نحو قوله باسم القاهر، واشترط بعضهم الإضافة إلي لفظ «الله» وعدم ذكر المتعلق، وأما اشتراط تمام البسملة ففي شرح «التسهيل» فيه نظر، وكذا اشترط كونه واقعاً في الابتداء كما قاله
стр. 662
الله الرحمن الرحيم أستفتح وبه أستنجح فحذف الألف من بسم الله مع إظهار الفعل، وقد وهم في حذفه وأبان عن قصور الاستبصار وضعفه، وإنما كان يسوغ له حذف الألف لو أنه عطف بالواو على البسملة المجردة، كما يكتب قوم بعد البسملة وبه أستعين، فيكون تقدير الكلام: أفتتح باسم الله وبه أستعين.
نعم، وقد منع أكثر العلماء بأوضاع الهجاء من حذف هذه الألف إلا عند الإضافة إلي اسم الله تعالى خاصة، فإن أضيف إلي غيره من أسمائه الحسنى نحو الرحمن والقهار وجب إثبات الألف في كتبك باسم الرحمن، باسم القهار، وعلل في ذلك بعلة مدار هاتين اللفظتين ونظائرهما في الكلام وعند افتتاح الأعمال.
ــ
المصنف، على أن بعضهم ذهب إلي أ، هـ لا حذف في بسم الله، وإنما هو على لغة من يقول في اسم: اسم بلا همزة في أوله، ولما دخلته الباء خفف بتسكين السين [المتحركة].
стр. 663
[٢١٥]- حذف ألف ابن في كل موضع
ومن ذلك أنهم يحذفون الألف من ابن في كل موضع يقع بعد اسم أو كنية أو لقب، وليس ذلك مطرداً على ما توهموه، ولا يوجب حذف الألف ما تخيلوه، لأنه إنما تحذف الألف من ابن إذا وقع صفة بين علمين من أعلام الأسماء أو الكني أو الألقاب؛ ليؤذن بتنزله مع الاسم قبله بمنزلة الاسم الواحد، لشدة اتصال الصفة بالموصوف وحلوله محل الجزء منه، ولهذه العلة حذف التنوين من الاسم قبله فقيل: على بن محمد، كما يحذف من الأسماء المركبة من «رامهرمز» و «بعلبك» فما عدا هذا الموطن وجب إثبات الألف فيه، وذلك في خمسة مواطن:
أحدها: إذا أضيف ابن إلي مضمر كقولك: هذا زيد ابنك.
والثاني: إذا أضيف إلي غير أبيه كقولك: المعتضد ابن أخي المعتمد على الله.
والثالث: إذا نسب إلي الأب الأعلى كقولك: أبو الحسن ابن المهتدس بالله.
والرابع: إذا عدل به عن الصفة إلي الخبر كقولك: إن كعباً ابن لؤي.
والخامس: إذا عدل به عن الصفة إلي الاستفهام كقولك: هل تميم ابن مر؟
ــ
(تحذف الألف من ابن إذا وقع صفة بين علمين من الأعلام الأسماء والكنى).
هذا أيضاً مما اختلف فيه، فمنهم من لم يحذف مع الكنية، ومنهم من اشترط اشتهاره بها، وأما إذا وصف باسم الأب الأعلى فعند المصنف كغيره لا تحذف، وفي شرح «التسهيل»: الصحيح أنها تحذف، وأنشد «سيبويه»:
أو مثل أسرة منظور بن سيارة.
стр. 664
وذلك أن ابنا في الخبر والاستفهام بمنزلة المنفصل عن الاسم الأول؛ إذ تقدير الكلام أن كعباً هو ابن لؤي، وهل تميم هو ابن مر؟ فأثبت الألف فيه كما أثبتت في حالة الاستئناف به.
ــ
ومنهم من جوز الحذف إذا نسب إلي الأم، وعندي أنه إذا اشتهر بها أو لم ينسب إلي غيرها كعيسى بن مريم جاز، واشترط بعضهم أن لا يكون في أول السطر.
стр. 665
[٢١٦]- حذف ألف «الرحمن»
وكذلك يكتبون «الرحمن» بحذف الألف في كل موطن، وإنما تحذف الألف منه عند دخول لام التعريف عليه، فإن تعدي منها كقولك: يا رحمان الدنيا والآخرة أثبتت الألف فيه [ويماثل ذلك اختيارهم أن يكتب الحارث بحذف الألف مع لام التعريف وبإثباتها عند التنكير لئلا يشتبه بحرب.
ومن قبيل ما تثبت الألف فيه في موطن وتحذف في موطن: صالح ومالك وخالد، فتثبت الألف فيها إذا وقعت صفات كقولك: زيد صالح، وهذا مالك الدار، والمؤمن خالد في الجنة، وتحذف الألف منها إذا جعلت أسماء محضة].
فائدة:
ومن شذوذ هذا السمط أيضاً أنهم يكتبون: هاذاك وهاتاك بحذف الألف مقايسة على حذفها في هذا وهذه، ويوهمون فيه؛ لأن «ها» التي للتنبيه لما وصلت بذا جعلا كالشيء الواحد فحذفت الألف منها لهذه العلة، فإذا اتصلت بالكلمة كاف الخطاب استغنى بها عن حرف التنبيه فوجب لذلك فصله عن اسم الإشارة وإثبات لألف فيه.
فأما ثلاث فإن أفرد كقولك: بعت من النوق ثلاثاً كتبت بالألف لاتقاء اللبس فيه بثلث، وإن أضيف أو وصف كقولك: حلبت ثلث نوق وما فعلت النوق الثلث كتب بحذف الألف لارتفاع اللبس فيه، وكذلك يكتب: ثلثة وثلثون
ــ
(ومما يوهمون فيه كتبهم الحياة والصلاة والزكاة بالواو في كل موطن).
وهي كذلك ما لم تضف أو تثن، وكتابتها بالواو وكذلك برسم المصحف، وأما في غيره فمن الناس من يكتبها بالألف مطلقاً على القياس، وكلام «ابن مالك» مخالف لهذا فإنه
стр. 666
بحذف الألف لأن علامة الجمع الملتحقة بآخرها منعت من إيقاع اللبس فيهما.
ومما يوهمون فيه كتبهم الحياة والصلاة والزكاة بالواو في كل موطن، وليس ذلك على عمومه لوجوب إثبات الألف فيها عند الإضافة، ومع التثنية، كقولك: حياتك وزكاتك وصلاتك، وصلاتان وزكاتان، وإنما فعل ذلك لأن الإضافة والتثنية فرعان على المفرد، وقد يجوز في الأصل ما لا يجوز في الفرع.
ــ
يقتضي أن كتابتها بالواو قياسية؛ لأن من العرب من يفخمها فينحو بها نحو الواو، فجاء رسمها على ذلك وفيه تفصيل في شرح «الرائية».
стр. 667
[٢١٧]- فصل «ما» عما قبلها ووصلها
ومن ذلك أنهم يكتبون «كل ما» موصولة في كل موطن، والصواب أن تكتب موصولة إذا كانت بمعنى كل وقت كقوله تعالى: ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله﴾ وإن وقعت ما المقترنة بها موقع الذي كتبت مفصولة، نحو: كل ما عندك حسن [؛ لأن تقديره: كل الذي عندك حسن].
وكذلك حكم إن وأين وأي، إذا اتصلت بهن ما، التي [هي] بمعنى الذي كتبت مفصولة كقولك: إن ما عندك حسن، وأين ما كنت تعدني؟ وأي ما عندك أفضل؟ لأن تقدير الكلام: إن الذي عندك حسن، وأين الذي كنت تعدني؟ وأي الذي عندك أفضل؟ .
وإن وقعت ما موقع الصلة أو كانت كافة لإن عن العمل كتبت موصولة، كما كتبت في قوله تعالى: ﴿أيما الأجلين قضيت﴾ و ﴿إنما الله إله واحد﴾ و ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ لأن تقدير الكلام أن الله إله واحد، وأي الأجلين قضيت، وأين تكونوا.
وأما حيثما فالاختبار أ، تكتب موصولة؛ لأن «ما» لا تقع بعدها موقع الاسم، وكذلك طالما وقلما؛ لأن ما فيهما صلة بدليل شبههما بربما في أن الفعل لم يكن إحداهما إلا بعد اتصالهما بما، وقد جوز في نعما وبئسما أن تكتبا مفصولتين وموصولتين، إلا أن الاختبار في نعما الوصل لالتقاء الحرفين المتماثلين فيها بخلاف بئس ما.
وأما إذا التحقت ما بلفظة في فإن كانت للاستفهام حذفت ألفها وكتبت: فيم رغبت؟ وفيم جئت؟ وإن كانت بمعنى الذي وصلت وأثبتت ألفها فتكتب: رغبت فيما رغبت.
стр. 668
وتكتب عما موصولة كما كتبت في قوله تعالى: ﴿عما قليل﴾ إلا أن تكون استفهامية كمجيئها في قوله تعال: ﴿عم يتساءلون﴾ فتكتب بحذف الألف.
وتكتب كيما موصولة، وكي لا مفصولة؛ لأن ما المتصلة بها لم تغير معنى الكلام، ولا الملتحقة بها غيرت معناه.
وأما من إذا اتصلت بلفظة كل أو بلفظة مع لم تكتب إلا مفصولة، وإنما كتبت موصولة في عمن وممن لأجل إدغام النون في الميم، كما أدغمت في عما، وفي إن الشرطية إذا وصلت بما فصارت إما.
стр. 669
[٢١٨]- حذف نون «أن» مع لا
ومن ذلك أنهم إذا ألحقوا لا بأن حذفوا النون في كل موطن، وليس ذلك على عمومه، بل الصواب أن يعتبر موقع أ، ، فإن وقعت بعد أفعال الرجاء والخوف والإرادة كتبت بإدغام النون. نحو: رجوت ألا تهجر، وخفت ألا تفعل، وأردت ألا تخرج.
وإنما أدغمت النون في هذا الموطن لاختصاص أن المخففة في الأصل به، ووقوعها عاملة فيه، فاستوجب إدغام النون بذلك، كما تدغم النون في إن الشرطية عند دخول لا عليها، وثبوت حكم عملها على ما كان عليه قبل دخولها فتكتب: إلا تفعل كذا يكن كذا. وإن وقعت «أن» بعد أفعال العلم واليقين أظهرت النون لأن أصلها في هذا الموطن أن المشددة، وقد خففت، وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا﴾ وكذلك إن وقع بعد لا اسم نحو: علمت أن لا خوف عليه، لأن التقدير في الموطنين أنه لا يرجع إليهم قولا، وأنه لا خوف عليه، وإن كان وقوعها بعد أفعال الظن والمخيلة جاز إثبات النون وإدغامها لاحتمالها في هذا الموطن أن تكون هي الخفيفة في الأصل والمخففة من الثقيلة، ولهذا قري: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾ بالرفع والنصب، فمن نصب بها أدغم النون في الكتابة، ومن رفع أظهرها.
ــ
(ومن ذلك أنهم إذا ألحقوا لا بأن حذفوا النون في كل موطن، وليس ذلك على عمومه) كما فصله المصنف، وهو أيضاً مما اختلف فيه علماء الرسوم، فقيل: تكتب دائماً موصولة، وقيل: تكتب دائما مفصولة، وقيل: إن كانت عاملة وصلت وإلا فصلت، ومنهم من قال: إن أدغمت بغنة فصلت وإلا وصلت.
стр. 670
[٢١٩]- وصل (لا) بهل وبل وفصلها
وكذلك لا يفرقون في الكتابة بين موطني لا الداخلة على هل وبل، وقد فرق بينهما العلماء بأصول الهجاء، فقالوا: تكتب هلاً موصولة، وبل لا مفصولة، وعللوا ذلك بأن لا لم تتغير معنى بل لما دخلت عليها، وغيرت معنى هل، فنقلتها من أدوات الاستفهام إلي حيز التخصيص، فذلك معها، وجعلتا بمنزلة الكلمة الواحدة.
следующие страницы →