Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10011–10050 · переход к 10016.
стр. 10011
الكتب
رسالة الحج
تأليف الأستاذ ح. ع. (دبلوماسي)
للأستاذ عبد الحميد العبادي
الأستاذ ح. ع. من خيرة رجالنا العاملين في السلك الدبلوماسي، مثل مصر ولا يزال يمثلها في ممالك الشرق العربي، فأفاد بذلك خبرة نادرة بأحوال البلاد العربية في الوقت الحاضر، وأنشأ لنفسه بخلقه وإخلاصه ونشاطه مكانة عالية عند ملوك العرب، وساستهم، وأدبائهم، وعلمائهم. وإني لسعيد بأن أقول إني اطلعت على ذلك بنفسي في بعض تجوالي في ربوع الشرقين الأدنى والأوسط
وقد واتى الحظ الأستاذ ح. ع. وساعفته ظروف عمله الدبلوماسي فأدى فريضة الحج ثلاث مرات استطاع أن يدرس في أثنائها على هدى التاريخ وفي ضوء الواقع حال ذلك النظام الإسلامي الجليل المعدود خامس أركان الإسلام. ثم صاغ خلاصة دراسته في رسالة لطيفة الحجم عظيمة الفائدة، يعرف فيها من يطالعها بلاغة الأدب، وفكرة الفيلسوف، ونزعة المصلح المؤمن برسالة الإسلام وبإمكان إنهاض المسلمين من عثارهم بالرجوع بهم إلى كثير من نظمهم وسننهم الأولى. فجاءت الرسالة من أحسن ما كتب عن (الحج)، ومن خير ما أخرجته المطابع المصرية في هذا العام
ينعى الأستاذ على المسلمين فيصدر رسالته إهمالهم أمر الحج حتى كاد هذا النظام العتيق يفقد على مر الزمن من الناحية العلمية الحكمة التي قصد إليها الشارع من تشريعه. فهو يقول: (أما بعد فقد أديت فريضة الحج ثلاث مرات، وشاهدت الحجيج من جميع الأجناس، وخالطت منهم طوائف كثيرة، وحادثت كبارهم وذوي العقول منهم، ودرست بفكري وعيني وقلبي، فكنت أرى وأفكر وأبحث، وكنت استلهم كل شيء حكمته، وكل مكان وحيه، وكل عمل سره، فظهر لي أخيراً أن الحج لا يزال مجهولاً في حقيقته، وأن الذين يحجون إنما يؤدون عملاً فردياً محضاً، ولا يعرفون إلا ظاهراً من الأمر. . .)
والرسالة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها في أن الإسلام دين إنساني عام، وأنه دين المساواة
стр. 10012
التي تظهر في شكلها المادي المحسوس في الحج، وأن الكعبة من العالم الإسلامي بمنزلة القلب من الجسم، فالتوجه إليها في الصلاة والحج ذو حكمة بالغة. والقسم الثاني يتناول الكلام على (مقاصد الحج)، وفيه يرى الأستاذ أن الحج كفيل بتحقيق مبدأ الرجوع إلى طهارة الطبيعة الذي دعا إليه الفلاسفة أمثال روسو ولكنهم عجزوا عن تحقيقه، وأن الحج يستوفي مزايا نظام الكشافة ويربى عليها، وأن الحج رمز للجهاد الإسلامي في أسمى وأشرف معانيه، وأن موسم الحج جدير بأن يصبح مؤتمرا عاماً لنشر الثقافة بين المسلمين لو حرصت كل أمة إسلامية على أن تحج كل عام نفرا من صفوة رجالها يبادلون نظراءهم من حجاج الأمم الأخرى الرأي والمشورة؛ والأستاذ يرى أن هذه المقاصد كلها مما يندرج تحت مدلول قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم)
على أن الجديد الممتع من هذه الرسالة هو قسمها الثالث، هو تلك الفصول التي عقدها الأستاذ لمناسك الحج وأسرارها التي خفيت على كثير من بحاث المسلمين حتى ذهب بعضهم إلى أنها أمور تعبدية توقيفية لا مجال لتفكير العقل البشري فيها؛ فالأستاذ يتناولها منسكاً منسكاً: من الإحرام، إلى الطواف حول الكعبة، إلى السعي بين الصفا والمروة، إلى الوقوف بعرفات، إلى رمي الجمار عند العقبة، إلى تقديم الهدي، إلى استلام الحجر الأسود والإهلال بالتلبية، فإذا هذه المناسك قد أفصحت عن سرها، وأبانت عن مكنون حكمتها. والحق أن هذا البحث ليكشف عن ناحية روحانية جميلة من نفس الباحث القدير
ثم يختم الأستاذ رسالته بمقترحات عملية يتقدم بها إلى الحكومات الإسلامية عامة والحكومة المصرية خاصة، راجياً الأخذ بها حتى ينتفع المسلمون بنظام الحج
وإن الذي يفرغ من قراءة هذه الرسالة ليتمنى أمرين: أن تجد دعوة الأستاذ ح. ع. من أولى الرأي في العالم الإسلامي آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، وألا يحرم الأستاذ الشباب المتعلم المثقف من نفثات يراعه، فهو يراع يصدر عن فكر ناضج وعاطفة نبيلة.
عبد الحميد العبادي
стр. 10013
العدد ١٢٢ - بتاريخ: ٠٤ - ١١ - ١٩٣٥
стр. 10014
في الجمال. . .
بحث تحليلي نهديه إلى الآنسة شرلوت واصف ملكة الجمال
العالمي في هذا العام
ما هو الجميل؟ الجميل في إجماع الناس هو ما ينشئ في الذهن فكرة سامية عن الشيء في الطبيعة، أو عن الموضوع في الفن فيبعث في نفسك عاطفة الإعجاب به. ولكن ما هي على التحديد الصفات التي تبعث اللذة وتثير الإعجاب في بدائع الفن أو في روائع الطبيعة؟ ذلك ما نحاول شرحه في شيء من الإفاضة.
الطبيعة والفن إنما يحدثان أثرهما في النفس إما بالفكرة وإما بالعاطفة وإما بالشعور الصادر عن آلات الحس؛ ومن ذلك تنوع الجمال فكان عقلياً وأدبياً ومادياً ما في ذلك شك. ففي أي الجهات إذن تتعرف النفس والعاطفة والحواس وجوه الجمال؟ إن الخصائص المميزة للجمال هي القوة، والفِرَة، والذكاء؛ والمراد بالقوة شدة العمل وحدته، وبالفرة كثرة الوسائل وخصوبتها، وبالذكاء الطريقة الرشيدة المفيدة لتطبيق هذه الوسائل. ولا جدال في أن الحواس ليست كلها أهلا لنقل هذه الخصائص الجمالية الثلاث، وإنما ينفرد منها السمع والبصر بنقل أحاسيسها نقلاً قوياً يثير الدهش والإعجاب واللذة. أما الانفعال الذي يأتيك عن طريق الشم والذوق واللمس، فلا ينشأ عنه فكرة ولا عاطفة، لأن الطعوم والروائح، والملوسة والخشونة، والصلابة واللدونة، والحرارة والبرودة، أحاسيس بسيطة عقيمة قد توقظ في النفس ذكرى خابيةً أو عاطفة غافيةً، ولكنها لا تنتج واحدة منهما. وإذا كان البصر آلة الجمال الحسي أو المادي، والسمع آلة الجمال العقلي والخلقي، فإن في هاتين الحاستين الدليل على خصائص الجمال الثلاث، ذلك لأن أجمل ما يؤثر في العين والأذن هو ما بلغ من القوة والفرة والذكانة أسمى غاية؛ وجمال الأشياء إنما يتفاضل فيهما بمقدار ما يشتمل عليه من هذه العناصر؛ وكلما نقص عنصر منها أو قل، ضعف فينا الشعور بالجمال على نسبته. ما الذي يجعل لعملي النفس وهما الفكر والإرادة هذه الصفة التي تملك اللب في العبقرية والفضيلة؟ لا شيء غير القوة والفرة والذكاء، سواء أكان ما تعجب به براعة الصنع أم مهارة الصانع. إن الطِّيبة في ذاتها فضيلة، ولكنها لا تكون جميلة إلا إذا اقترنت بالقوة؛ فسقراط في الحكماء، وعمر في الخلفاء، مثلان سائران في جمال الخلق، ولكنك إذا
стр. 10015
جردت أخلاقهما مما ينبئ عن القوة وخواصها من الصدق والصبر والشجاعة والسمو ذهب الجمال وبقيت الطيبة. إذا صنعت المعروف في صديقك وعدوك كان الفعل كريماً في الحالين، ولكنه في الصديق عادي لأنه بسيط سهل، وفي العدو ممتاز لأنه عظيم شاق؛ وفي هذه القوة التي تقتضيها تلك المشقة كان جماله. إن وفاء السموءل بدروع امرئ القيس فضيلة، ولكن اقترانه بالقوة على تضحيته بابنه جعله آية في جمال الوفاء؛ وإن تنفيذ بروتوس عقوبة الموت على أحد المجرمين عادة مألوفة، ولكن تنفيذه إياها على بنيه الذين ائتمروا بروما مثل نادر لجمال البطولة. وموقف هكطور مع أندروماك، وموقف أسماء بنت أبي بكر مع ابن الزبير لا يقلان جمالاً عن ذينك الموقفين. وسر الجمال في كل ذلك إنما هو تلك القوة الخارقة في تغليب فكرة الواجب على عاطفة البنوة.
كذلك الحال في أعمال الذهن؛ فحل معضلة في الهندسة، واكتشافٌ عظيم في الطبيعة، واختراع عجيب في الميكانيكا، ونظام محكم الوضع في التشريع، وقطعة قوية التفكير والتصوير في الأدب، كلها أعمال جميلة؛ لأنها تستلزم نصيباً موفوراً من الذكاء، وقوة عظيمة في التفكير؛ وشعور المرء بالجمال فيها، موقوف على إدراك القوة التي تقتضيها؛ فالعامي أمام الأحرف الهجائية، والتلميذ أمام منطق أرسطو، لا يجدان فيهما من الجمال ما يجده الفيلسوف، لأنه يدرك ما اقتضياه وتضمناه من الذكاء والقوة.
أما في البلاغة والشعر فأبْين خصائص الجمال الذكاء والفرة؛ فتزاحم العواطف، وتكاثر الصور، وتوافر الأفكار؛ ثم اتساع الخواطر بالذهن النير الذي يحييها ويقويها ويستولدها، وغزارة اللغة وخصوبتها وقدرتها على أن تعبر عن العلاقات الجديدة للحياة، أو على أن تفيض من الحرارة والقوة على الحركات المختلفة للنفس، كل أولئك يملأ شعاب القلب بالإعجاب، وذلك الإعجاب الذي نحسه هو عاطفة الجمال.
وشأن الجمال في المادة لا يختلف عن شأنه في الفكر والعاطفة؛ فإنك إذا رحت تبحث في الطبيعة عن الصفة العامة للجمال لم تجدها غير القوة، أو الفرة، أو الذكاء. ففي الحيوان تجد هذه الصفات الثلاث مجتمعة ومتفرقة، ففي جمال الأسد القوة، وفي جمال الطاووس الفرة، وفي جمال الإنسان الذكاء. ولا أقصد ذكاء الإنسان في نفسه، إنما أقصد ذكاء الطبيعة في تهيئته وتثقيفه؛ وذكاء الطبيعة معناه مطابقة طرائقها لصورها، وملاءمة وسائلها
стр. 10016
لغاياتها. فغايتها من الرجل غير غايتها من المرأة، ولذلك اختلفت الوسائل في الزوجين، وتباين مقياس الجمال في الجنسين. أرادت من الرجل أن يعمل ويقاتل ويحمي زوجه ويعول أسرته، فزودته بما يحقق هذا المراد ويُمضي تلك الإرادة: تركيب وثيق محكم تنم ملامحه على السرعة والمهارة والقوة والشجاعة، وجسم متجاوب الأعضاء متناظر الشكول متوازن الأوضاع يصلح لكل عمل ويقدر على كل حركة ويستقيم على أي صورة، وسِماتٌ من الشهامة والجرأة والحنان والحساسية تفيض من العيون وتنتشر على الوجوه وتختلج على الشفاه، وجملة من الصفات الخلقية والجسمية تؤلف في الإنسان مزايا الجمال المذكر؛ فإذا قلت رجل جميل كان معنا ذلك أن الطبيعة وهي تكوّنه عرفت ما تفعل، وفعلت ما تريد.
(للبحث بقية)
أحمد حسن الزيات
стр. 10017
فوق الآدمية
الإسراء والمعراج
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
من أعجب ما اتفق لي أني فرغتُ من تسويد هذا المقال ثم أردتُ نقله فتعسَّرَ عَّلي وصُرِفتُ عنه بألم شديدٍ اعتراني ونالتني منه ثقلةٌ في الدماغ؛ ثم كشفه الله بعد يوم فراجعتُ الكتابةَ، فإذا قلمي ينبعث بهذه الكلمات:
كيف يَستَوْطِئُ المسلمون العجز وفي أول دينهم تسخير الطبيعة؟
كيف يَسْتَمْهِدون الراحة، وفي صدر تأريخهم عملُ المعجزة الكبرى؟
كيف يَركَنُونَ إلى الجهل، وأول أمرهم آخرُ غايات العلم؟
كيف لا يحملون النور للعالَم، ونبيُّهم هو الكائن النورانيُّ الأعظم؟
قصة الإسراء والمعراج هي من خصائص نبينا محمد ﷺ ، هذا النجم الإنساني العظيم، وهذا النور المتجسِّد لهداية العالم في حَيرة ظلماته النفسية؛ فإن سماء الإنسان تُظلم وتُضيء من داخله بأغراضه ومعانيه. والله تعالى قد خلق للعالم الأرض شمساً واحدةً تُنيره وتُحييه وتتقلب عليه بليله ونهاره، بيد أنه ترك لكل إنسان أن يصنع لنفسه شمس قلبه وغمامها وسحابها وما تسفِرُ به وما تظلم فيه. ولهذا سمي القرآن نوراً لعمل آدابه في النفس، ووُصف المؤمنون بأنهم (يسعى نورُهم بين أيديهم وبأيمانهم)، وكان أثر الإيمان والتقوى في تعبير القرآن الكريم أن يجعل الله للمؤمنين نوراً يمشون به.
ولقد حار المفسرون في حكمة ذكر (الليل) في آية (الإسراء) من قوله تعالى: (سُبحانَ الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركْنا حوله لنُريه من آياتنا). فإن السُّرى في لغة العرب لا يكون إلا ليلاً؛ والحكمة هي الإشارة إلى أن القصة قصةُ النجم الإنساني العظيم الذي تحول من إنسانيته إلى نوره السماوي في هذه المعجزة، ويتمم هذه العجيبةَ أن آيات (المعراج) لم تجئ إلا في سورة (والنجم) وعلى تأويل أن ذكر (الليل) إشارةٌ إلى قصة النجم، تكون الآية برهان نفسها، وتكون في نَسَقها قد جاءت معجزة من المعجزات البيانية. فإذا قيل إن نجماً دار في السماء، أو قطع ما تقطعه النجوم من المسافات التي تعجز الحساب، فهل في ذلك من عجيب؟ وهل فيه شك أو نظرٌ أو تردد؟
стр. 10018
وهل هو إلا من بعض ما يسبَّح الله بذكره؟ وهل يكون إلا آية اتصلت بالآيات التي يراها اتصالَ الوجود بعضه ببعض؟
وأنا ما يكاد ينقضي عجبي من قوله تعالى: (لنٌرِيه من آياتنا) مع أن الألفاظ كما ترى مكشوفة واضحة، يخيَّل إليك أن ليس وراءها شئ، ووراءها السرُّ الأكبر؛ فإنها بهذه العبارة نصٌّ على إشراف النبي ﷺ فوق الزمان والمكان يرى بغير حجاب الحواس مما مرجعه إلى قدرة الله لا قدرة نفسه، بخلاف ما لو كانت العبارة (ليرى من آياتنا) فإن هذا يجعله لنفسه في حدود قوتها وحواسها وزمانها ومكانها، فيضطرب الكلام ويتطرق إليه الاعتراض ولا تكون ثمَّ معجزة. وتحويل فعل (الرؤية) من صيغة إلى صيغة كما رأيت هو بعينه إشارة إلى تحويل الرائي من شكل إلى شكل كما ستعرفه، وهذه معجزة أخرى يسجد لها العقل؛ فتبارك الله مُنزِلُ هذا الكلام!
وإذا كان ﷺ نجما إنسانياً في نوره فلن يأتي هذا إلا من غلبة روحانيته على مادته؛ وإذا غلبت روحانيته كانت قواه النفسية مهيأة في الدنيا لمثل حالتها في الأخرى؛ فهو في هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. فقُل الآن: أُُيعترضُ على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يرتفع في طيارة. . .؟
ومن ثمَّ كان الإنسان إذا سما درجةً واحدةً في ثبات قواه الروحية، سما بها درجاتٍ فوق الدنيا وما فيها، وسُخِّرت له المعاني التي تسخِّر غيره من الناس، ونشأت له نواميسُ أخلاقيةٌ غير النواميس التي تتسلط بها الأهواء. ومتى وُجد الشيء من الأشياء كانت طبائع وجوده هي نواميسه. فالنارُ مثلاً إذا هي تضرَّمت أوجدت الإحراق فيما يحترق، فإن وضع فيها ما لا يحترق أبطل نواميسها وغلب عليها.
وكل معجزة تحدث فهذا هو سبيلُها في إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطال النواميس المألوفة، وبهذا يقال إنها خرقت العادة؛ ومن النور نورٌ لا يشفُّ له غيرُ الهواء، ومنه أشعة (رنتجن) التي تشف لها الجدرانُ والحجب، فهذه معجزة في ذاك.
والنبي لا يكون نبياً حتى يكون في إنسانه إنسانٌ آخر بنواميسَ تجعله أقربَ إلى الملائكة في روحانيتها؛ وما ينزل إنسانُه الظاهرُ من الإنسان الباطن فيه إلا منزلةَ من يتلقى ممن يُعطي. فذاك الباطنُ هو للحقائق التي لا تحملها الدنيا، وهذا الظاهر لما يمكن أن يبلغ إليه
стр. 10019
الكمالُ في المثل الإنساني الأعلى، ولولا ذلك الباطن ما استطاع نبي من الأنبياء أن يحمل هموم أمة كاملة لا تضنيه ولا تغيره ولا تعجزه.
فحقيقةُ النبوَّة أنها قوةٌ من الوجود في إنسان مختار جاءت تصلح الوجود الإنسانيَّ به لتُقرَّ في هذه الحيوانية المهذَّبة مثلها الأعلى، بدلالتها على طريقها النفسيّ مع طريقها الطبيعي؛ فيكون مع الانحطاط الرقيّ، ومع النقص الكمال، ومع حكم الغريزة التحكم في الغريزة، ومع الظلمة المادية الإشراقُ الروحاني.
وما المعجزات إلا شأنُ تلك القوة الباطنة لا شأنُ إنسانها الظاهر. ومن الذي ينكر أن قوى الوجود هي في نفسها إعجاز للعقل البشري؟ وهل ينكر اليوم أحد شأنَ هذه القوة في (الراديو) حين مسته فجعلت الكلمة التي ترسل بين الشرق والغرب، كالكلمة بين اثنين يتحدثان في مجلس واحد؟
ونحن نرى معجزات التنويم المغناطيسي وما يبصره النائم وما يسمعه وما ينكشف له مما وراء الزمان والمكان؛ وليس التنويم شيئاً إلا تسليط الذات الباطنة بقواها الروحية العجيبة على الذات الظاهرة المقيدة بحواسها المحدودة، فتطغى عليها فتصبح الحواس مطلقة شائعة في الوجود بمقدار ما فيها من قواه لا بمقدار ما فيها من قوة شخصها، وعلى نحو ذلك يتصلُ الرجل الروحانيُّ بذاته الباطنة، فيوقع شخصه الظاهر في الاستهواء، فينكشف له الوجود ويبصر ما يقع على البعد ويرى ما هو آت قبل أن يأتي. وما الكون في هذه الحالة ألا كالمعشوق يقول لعاشقه الذي وقع في قلبه الحب: قد آتيتك نوراً تنظر به جمالي.
وفي علماء عصرنا من يفكر في الصعود إلى القمر، وفيهم من يعمل للمخاطبة مع الأفلاك، وفيهم من تقع له العجائب في استحضار الأرواح وتسخيرها. وكل ذلك أول البرهان الذي سَيُلْزِمُ الفم فيضطره في يوم ما إلى الإقرار بصحة الإسراء والمعراج. .
ونحن قبل أن نبدي رأينا في القصةُ نلمُّ بها إلمامةً موجزة؛ فقد اختلفت فيها الأحاديث ووقع فيها تخليط كثير فجاءت فنوناً وأنواعاً من طرق شتّى حتى جمعها بعضهم في جزءين، وما تحتمل كل ذلك ولا بعضه؛ ولكن روح الرواية في ذلك الزمن كانت كروح الصحافة في هذا العصر، متى فارت فَوْرَها استحدثتْ من كل عبارة عبارة أخرى، وعلى هذه الطريقة تخرج من العبارتين عبارة ثالثة، فيكون الأصل معنى واحداً وإذا هو يَمُدُّ من يمينه ويساره.
стр. 10020
ولا يرون بذلك بأساً فانهم يَشُدُّون به الرأي ويضاعفون منه اليقين، ويزيدون ضوءاً في نور المعنى، وما داموا قد أثبتوا الأصل واستيقنوه فلا حَرَجَ أن يؤيد القولُ بعضُه بعضاً باجتهاد في عبارة، واستنباط من أخرى، وزيادة في الثالثة - مما هو بسبيل منها، على نحو ما نرى من فن الرواية القصصية؛ إذ تتعدد الأساليب والعبارات مختلفة متنوعة، وليس تحتها إلا حقيقة واحدة لا تختلف. والقَصصُ الديني في هذه اللغة العربية فنّ كامل قائم بنفسه لا يُبدع العقل والخيال والعاطفة أقوى منه ولا أعجب ولا أغرب ,
هذا في متن القصة؛ أما في واقعتها فقد اختلفوا اختلافاً آخر؛ هل كان الإسراء والمعراج يقظةً أو مناماً، وبالروح وحدها أو بالروح والجسم معاً؟ وإنما ذكرنا هذا الخلاف لأنه الدليل القاطع على أن النبي ﷺ لم يخبر بشيء من ذلك فلم يعين لهم وجهاً من هذه الأوجه. والحكمة في ذلك أن عقولهم لم تكن تحتمل الإدراك العلمي الذي أساسه الكهرباء والأثير. .
والخلاصة التي تتأدَّى من القصة: أنه ﷺ كان مضطجعاً فأتاه جبريل فأخرجه من المسجد فأركبه البُراق فأتى بيت المقدس ثم دخل المسجد فصلى فيه، ثم عرج به إلى السموات فاستفتحها جبريل واحدة واحدة، فرأى فيها من آيات ربه، واجتمع بالأنبياء صلوات الله عليهم، وصعد في سماء بعد سماء إلى سِدْرة المنتَهى، فغَشيَها من أمر الله ما غشيها، فرأى ﷺ مظهر الجمال الأزلي، ثم زُجَّ به في النور فأوحى الله إليه ما أوحى ,
أما وَشى القصة وطرازُها فبابٌ عجيب من الرموز الفلسفية الإنسانية التي يُرمز بها إلى تجسيد الأعمال في هذه الحياة، تكون تعباً وتقع فائدة، أو تُلتمس منفعة وشهوة وتقع مضرَّةً وحماقة، ثم تفنى من هذه وتلك الصُّور الزمنيةُ التي توّهمها أصحابها، وتخلد الصور الأبدية التي جاءت بها حقائقها.
ومن هذه الرموز البديعة قوله: فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل أخذت الفِطرة. وإنه مرَّ على قوم يزرعون ويحصدون في كل يوم كلما حصدوا عاد كما كان؛ فسأل ما هذا؟ قال جبريل: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعَفُ لهم الحسنة سبعمائة ضِعف. ثم أتى على قوم تُرْضَخُ رءوسُهم بالصخر، كلما رُضِخَت
стр. 10021
عادت كما كانت ولا يُفَتّر عنهم من ذلك شيء. فقال ما هذا؟ قال جبريل: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحمٌ نضيج في قدر، ولحمٌ آخر نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث ويَدَعون النضيج. فقال ما هؤلاء؟ قال جبريل: هذا الرجل تكون عنده المرأةُ الحلالُ الطيّب فيأتي امرأة خبيثة، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيباً فتأتي رجلاً خبيثاً. ثم أتى على رجل قد جمع حزمةً عظيمةً لا يستطيع حملَها وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الرجل تكون عليه أماناتُ الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها. ثم رأى نساءً معلَّقاتٍ بثديِّهن، فسأل، فقال جبريل: هؤلاء اللاتي أدخلن على الرجال من ليس من أولادهم.
ونحن على الرأي الذي عليه جمهور العلماء من أن الإسراء والمعراج كانا بالجسم والروح معاً على التأويل الذي سنبينه. ويثبت ذلك قوله تعالى في سورة (والنجم): (إذ يغشى السِّدرةَ ما يغشَى، ما زاغ البصرُ وما طغى). فلا يكون البصر يزيغ ويطغى إلا في الجسم ولا ينتفي عنه ذلك إلا وهو في الجسم. ولم ينتبه أحد من المفسرين إلى المعنى المعجز العجيب في قوله ((وما طغى)؛ فذلك نص على أنه كان يرى بجسم قد تحول عن الطبيعة الآدمية المحدودة فليس فيه منها شيء، إذ لا يكون طغيان البصر إلا من تسلط الخيال عليه بأهواء الجسم التي لا يستقيم بها حكم على حقيقته، فما زاغ البصر بكونه مقيد الحاسة، ولا طغى بكونه مطلق الخيال، بل كان كما يُريه الله من آياته، أي كان حقيقةً كونيةً في غير حالتها الأرضية الناقصة.
والذين قالوا إن الإسراء والمعراج كانا رؤيا رآها النبي ﷺ ؛ احتجوا لذلك بقوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وقد خلط المفسرون في هذا أيضاً، وإنما كان التعبير بلفظ (الرؤيا) وهي التي تكون مناماً، لنفي تأثير الحواس على الرائي وإثبات أن الطبيعة الآدمية بجملتها كانت فيه كالنائمة عن حياتها الأرضية بحقائقها وأخيلتها معاً فليس نائماً كالنائم ولا مستيقظاً كالمستيقظ.
وفي أساس القصة جبريل والبراق؛ وهما القوة الملائكية، والقوة الطبيعية، أو الروح الملائكي والروح الطبيعي، ولم يوصف البراق بأنه دابة إلا رمزاً إذ لا يأتي للعرب أن يفهموا ما يراد منه وعندنا أنه سمي البراق من البرق، وما البرق إلا الكهربائية، وهذا هو
стр. 10022
المراد منه. فتلك قوة كهربائية متى نَبَضت جمعت أول العالَم بآخره. وهذه هي الحكمة في أن آية الإسراء لم تذكر أنه كان محمولاً على شيء إذ لم يكن محمولاً إلا على الروح الأثير.
وما دامت القوةُ الملائكية والقوة الطبيعية قد سُخرتا له ﷺ فلا معنى لأن يكون ذلك للروح وحدها، بل اجتماعهما معاً في القصة دليل على أن سر المعجزة إنما كان في تيسير ملاءمة جسمه الشريف لهاتين الحالتين؛ فيتحول في صورة كونية ملائكية بين سر الملك وسر الطبيعة، وحينئذ لا تجري عليه أحكامُ الحواس ولا أحكام المادة.
ومن الممكن أن تتحول الأجسام إلى حالتها الأثيرية في بعض الأحوال الخارقة، وبهذا يعلَّل طيُّ الأرض لبعض الروحانيين وتعلل خوارق كثيرة مما يَحدث في استحضار الأرواح لهذا العهد ومما يأتيه فقراء الهند، ومما كان يصنعه (لاهوديني) الأمريكي إذ كانوا يغلِّلونه بالسلاسل والقيود ثم يرونه طليقاً؛ ويحبسونه في السجون المحصَّنة يقوم عليها الحراس وتُمسكه فيها الأبواب والجدران، ثم يجدونه في بعض الفنادق.
وليس للعقل أن ينكر شيئاً من هذا ونحوه فان تركيب الطبيعة ردٌّ عليه، ونقصه هو ردٌّ على نفسه، والمستحيل على الأعمى هو أيسر الممكنات على المبصر.
فأنت ترى أن ذكر البراق والملك في أساس قصة الإسراء والمعراج هو صلة القصة بالمعجزة وهو عينه صلتها بالبرهان العلمي ولو لم يكونا فيها لما كان لها تفسير.
والقصة بعد ذلك تثبت أن هذا الوجود يرق وينكشف ويستضيء كلما سما الإنسان بروحه، ويغلظ ويتكاثف ويتحجب كلما نزل بها، وهي من ناحية النبي ﷺ قصةٌ تصفه بمظهره الكوني في عظمته الخالدة كما رأى ذاته الكاملة في ملكوت الله، ومن ناحية كل مسلم من أتباعه، هي كالدرس في أن يكون لقلب المؤمن معراجٌ سماويّ فوق هذه الدنيا ليشهد ببصيرته أنوار الحق، وجمالَ الخير، وتجسد الأعمال الإنسانية في صورها الخالدة؛ فيكون بتدبره القصة كأنما يصعد إلى السماء وينزل؛ فيستريح إلى الحقائق الأساسية لهذه الحياة فيدفع عن نفسه بذلك وتعقُّد الأخيلة الذي هو أساس البلاء على الروح.
ومتى استنار القلبُ كان حياً في صاحبه وكان حياً في الوجود كله. ومتى سلمت الحياة من تعقيد الخيال الفاسد لم يكن بين الإنسان وبين الله إلا حياةٌ هي الحق والخير، ولم يكن بينه
стр. 10023
وبين الناس إلا حياةٌ هي الرحمةُ والحب.
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10024
١ - مدينة الزهراء
وحياتها الملوكية القصيرة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
قرأنا منذ حين في بعض الأنباء الخارجية أن بعض الهيئات الأثرية في إسبانيا تعنى بالبحث لاكتشاف معالم مدينة الزهراء الأندلسية، وأنها قد وفقت بالفعل إلى اكتشاف بعض أسس قديمة في ضاحية قرطبة يظن أنها من أسس قصر الزهراء؛ وجدير بمثل هذا النبأ أن يثير شجناً في نفس أولئك الذين يستعرضون تاريخ الأندلس، وتاريخ قاعدتها الملوكية الشهيرة التي غاضت من صفحة الوجود حتى لم يبق من أطلالها اليوم ما يدل على مواقعها ومعالمها.
كانت الزهراء من أعظم القواعد الملوكية التي عرفها التاريخ، ولكنها لم تعمر طويلاً ولم تقم في تاريخ الأندلس بدور ذي شأن، ولم ينزلها سوى مؤسسها الناصر وولده الحكم وابنه المؤيد، ولم تعمر كقاعدة ملوكية أكثر من نصف قرن؛ ومن غرائب القدر أنه في الوقت الذي أكملت فيه الزهراء في عهد الحكم المستنصر، وضعت أسس قاعدة ملوكية إسلامية جديدة قدر لها أن تؤدي في تاريخ الإسلام وتاريخ الحضارة الإسلامية أعظم دور؛ تلك هي القاهرة المعزية التي أخذت تتفتح عظمتها وبهاؤها في نفس الوقت الذي ذوت فيه عظمة الزهراء وعصفت بها حوادث الدهر؛ ولم تكن الزهراء أول قاعدة ملوكية في الأندلس، ولم تكن القاهرة أول قاعدة ملوكية إسلامية في الشرق أو في مصر، فمن قبل أنشأ هشام بن عبد الملك رصافة الشام لتكون منزلاً ملوكياً لبني أمية، وأنشأ المعتصم سامراء لتكون منزلاً له ولعقبه من بني العباس، وأنشأ ابن طولون مدينة القطائع بمصر لتكون له ولعقبه قاعدة ملوكية إلى جانب الفسطاط عاصمة مصر الإسلامية؛ وفي الأندلس أنشأ عبد الرحمن بن معاوية مؤسس ملك بني أمية بالأندلس ضاحية ملوكية في قرطبة سماها الرصافة تشبهاً برصافة جده هشام؛ وسطعت كل من هذه القواعد الملوكية الإسلامية حيناً من الدهر، ولكنها اختفت جميعاً من صفحة الوجود، إلا القاهرة فإنها استحالت إلى عاصمة الإسلام في مصر، وما زالت تقطع الأحقاب قوية راسخة، تحمل حتى اليوم عمرها الألفي أعظم ما تكون الحواضر العظيمة والمدن الغراء ضخامة وفخامة وبهاء.
стр. 10025
كان عصر عبد الرحمن الناصر أعظم عصور الإسلام في الأندلس، وكانت قرطبة عاصمة الأندلس، قد بلغت يومئذ أوج العظمة والإزدهار، وأضحت تفوق بغداد، منافستها في المشرق، بهاء وفخامة، ولكن قرطبة كانت بمعاهدها ودورها وطرقها الزاخرة، وسكانها الخمسمائة ألف، تضيق بما يتطلبه ملك عظيم كملك الناصر من استكمال الفخامة الملوكية والقصور والرياض الشاسعة؛ بل كانت تضيق بهذه الأبنية الملوكية منذ عهد عبد الرحمن الداخل حيث أنشأ الرصافة في ظاهرها لتكون له منزلاً ومتنزهاً ملوكياً. وقد كان بناء القواعد الملوكية دائماً سنة العروش القوية الممتازة؛ فلما بلغ الناصر لدين الله ما أراد من توطيد ملكه وسحق أعدائه في الداخل والخارج، عنى بأن يعرض آيات من ملكه الباذخ، وثاب له رأي في أن يقيم بجوار قرطبة ضاحية ملوكية رائعة، فأنشأ مدينة الزهراء؛ ولإنشاء الزهراء قصة، وربما كانت أسطورة على مثل الأساطير التي ترتبط بقيام المدن والمنشآت العظيمة. ولم تقل لنا الرواية إن الناصر رأى حلماً كالذي رآه قسطنطين فأوحى إليه بإنشاء قسطنطينية، ولكنها تقول لنا إن الذي أوحى إلى الناصر ببناء هذه الضاحية الملوكية هي جاريته وحظيته (الزهراء)؛ وأنه ورث من إحدى جواريه مالاً كثيرا فأمر أن يخصص لافتداء الأسارى المسلمين، ولكنه لم يجد من الأسارى من يفتدى، فأوحت إليه (الزهراء) بأن ينشئ بهذا المال مدينة تسمى باسمها وتخصص لسكناها. بيد أنا نفضل أن نرجع مشروع الناصر إلى بواعث الملك والسياسة، وإلى عرض فخامة الملك والترفع بمظاهره وخصائصه عن المظاهر العامة لعاصمة مكتظة زاخرة.
والظاهر أيضاً أن شغفاً خاصاً بالعمارة والبناء كان يحفز الناصر ويذكي رغبته في إقامة هذه الضاحية الملوكية، وقد كانت المنشآت والهياكل العظيمة على مر العصور مظهر الملك الباذخ والسلطان المؤثل، وقد نسبت إلى الناصر في ذلك أبيات قالها في هذا المعنى:
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها … من بعدهم فبألسن البنيان
أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم … ملك محاه حوادث الأزمان
إن البناء إذا تعاظم شأنه … أضحى يدل على عظيم الشان
وهكذا اختطت الزهراء في ساحة تقع شمال غربي قرطبة على قيد أربعة أميال أو خمسة منها في سفح جبل يسمى جبل العروس؛ وكان البدء في بنائها في فاتحة المحرم سنة خمس
стр. 10026
وعشرين وثلثمائة (نوفمبر سنة ٩٣٦م). وعهد الناصر إلى ولده وولي عهده الحكم بالإشراف على بناء العاصمة الجديدة، وحشد لها أمهر المهندسين والصناع والفنانين من سائر الأنحاء، ولا سيما من بغداد وقسطنطينية، وجلب إليها أصناف الرخام الأبيض والأخضر والوردي من المريه وريه، ومن قرطاجنة أفريقية وتونس، ومن الشام وقسطنطينية؛ وكان يشتغل في بنائها كل يوم من العمال والفعلة عشرة آلاف رجل ومن الدواب ألف وخمسمائة، ويعد لها من الصخر المنحوت نحو ستة آلاف صخرة في اليوم؛ وقدرت النفقة على بنائها بثلثمائة ألف دينار كل عام طوال عهد الناصر أعني مدى خمسة وعشرين وعاماً، هذا عدا ما أنفق عليها في عهد الحكم وابتنى الناصر في حاضرته الجديدة قصراً منيف الذرى، لم يدخر وسعاً في تنميقه وزخرفته حتى غدا تحفة رائعة من الفخامة والجلال، تحف به رياض وجنان ساحرة؛ وأنشأ فيه مجلساً ملوكياً جليلاً سمي بقصر الخلافة صنعت جدرانه من الرخام المزين بالذهب، وفي كل جانب من جوانبه ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والآبنوس المرصع بالذهب والجوهر، وزينت جوانبه بالتماثيل والصور البديعة وفي وسطه صهريج عظيم مملوء بالزئبق، وكانت الشمس إذا أشرقت على ذلك المجلس سطعت جوانبه بأضواء ساحرة؛ وزود الناصر مقامه في قصر الزهراء وهو الجناح الشرقي المعروف بالمؤنس، بأنفس التحف والذخائر، ونصب فيه الحوض الشهير الذي أهدي إليه من قيصر قسطنطينية، وأقام عليه اثني عشر تمثالاً من الذهب الأحمر المرصع بالجوهر، وهي تمثل بعض الطيور والحيوانات وتقذف الماء من فيها إلى الحوض. وقد دون هذه الروايات والأوصاف العجيبة التي تشبه أوصاف قصور ألف ليلة المسحورة عن قصر الزهراء، أكثر من مؤرخ معاصر وشاهد عيان، وأجمعت الروايات على أنه لم يبن في أمم الإسلام مثله في الروعة والأناقة والبهاء.
وأنشأ الناصر في الزهراء أيضاً مسجداً عظيما تم بناؤه في ثمانية وأربعين يوماً، وكان يعمل فيه كل يوم ألف من العمال والصناع والفنانين، وزود بعمد وقباب فخمة ومنبر رائع الصنع والزخرف، فجاء آية في الفخامة والجمال، وأنشئت بها مجالات فسيحة للوحوش متباعدة الساح ومسارح للطير مظللة بالشباك، ودار عظيمة لصنع السلاح، وأخرى لصنع الزخارف والحلي؛ والخلاصة أن الناصر أراد أن يجعل من الزهراء قاعدة ملوكية حقة
стр. 10027
تجمع بين فخامة الملك الباذخ وصولة السلطان المؤثل، وعناصر الإدارة القوية المدنية والعسكرية.
وفي إقامة هذه المنشآت الباذخة وبذل هذه النفقات الطائلة ما يستوقف النظر، ويحمل على تأمل ذلك المدى المدهش الذي بلغته الدولة الأموية بالأندلس من القوة والضخامة والغنى؛ وقد انتهت إلينا في ذلك أرقام مدهشة، منها أن جباية الأندلس بلغت لعهد الناصر من الكور والقرى خمسة آلاف ألف (أعني خمسة آلاف مليون) وأربعمائة ألف وثمانين ألف دينار، ومن السوق والمستخلص سبعمائة ألف وخمسة وستين ألف دينار؛ هذا عدا أخماس الغنائم العظيمة التي لا تحصى؛ وقيل لنا إن الناصر خلف وقت وفاته في بيوت الأموال خمسة آلاف ألف (خمسة آلاف مليون) دينار؛ وكان يقسم الجباية من أجل النفقة إلى ثلاثة أثلاث، ثلث لنفقة الجيش، وثلث للبناء والمنشآت العامة، وثلث يدخر للطوارئ، ولم يتردد المؤرخ الحديث في قبول هذه الأرقام حتى أن دوزي ينقلها، ويقدر أن الناصر ترك عند وفاته في بيت المال عشرين مليوناً من الذهب ويقول لنا ابن حوقل الرحالة البغدادي الذي زار قرطبة والزهراء في ذلك العصر إن الناصر وبني حمدان ملوك حلب والجزيرة هم أغلى ملوك العالم في ذلك العصر؛ وهذه أرقام وروايات تشهد بضخامة الدولة الأموية وطائل غناها وبذخها في عصر الناصر، وتفسر لنا كيف استطاع الناصر إلى جانب حروبه وغزواته الكثيرة أن يضطلع بأعباء هذه المنشآت العظيمة الباهرة.
واستمر العمل في منشآت الزهراء طوال عهد الناصر أعني حتى وفاته في سنة خمسين وثلثمائة؛ واستمر معظم عهد ابنه الحكم المستنصر؛ واستغرق بذلك من عهد الخليفتين زهاء أربعين سنة. ولكنها غدت منزل الملك والخلافة، مذ تم بناء القصر والمسجد؛ وقد كان ذلك فيما يظهر في سنة تسع وعشرين وثلثمائة ففي شعبان من هذا العام تم بناء المسجد، وأقيمت به أول جمعة رسمية؛ وكان الناصر قبل ذلك بنحو عامين قد اتخذ سمة الخلافة وتسمى بألقابها (سنة ٣٢٧هـ)، فكانت الزهراء بذلك أول منزل للخلافة الإسلامية بالأندلس.
للبحث بقية (النقل ممنوع)
محمد عبد الله عنان
стр. 10028
بين المعجزة والعلم
للأستاذ زكي نجيب محمود
أخي س:
. . . لم أكن أتوقع من صروف الدهر مهما أسرفت في عبثها، أن تُخرج منك، وأنت القديس المتبتل في يفوعتك، زنديقاً يكفر بما كان يؤمن به قلبك ويدين!! حتى جاءتني هذه الرسالة منك، ففضضتها وأجلت فيها البصر سريعاً، فإذا بصفاتك تختفي وتتنكر، وإذا بك تبدو لعين صديقك إنساناً غريباً يشك بعد يقين، وينكر بعد إيمان! لقد مضيت في كتابك لي ترفض كل ما يزعمه الناس من المعجزات وخوارق الطبيعة، وتلوح في كل سطر بالعلم وقوانين العلم، وتعتز في كل سطر بالفلسفة ونتائج الفلسفة؛ ثم ختمت الرسالة بهذه العبارة أخذتها من كتاب سبينوزا (في الدين والدولة): (يظن الدهماء أن قوة الله وسلطانه لا يتجليان بوضوح إلا بالحوادث الخارقة التي تناقض الفكرة التي كونوها عن الطبيعة. . . إنهم يظنون أن الله يكون مُعَطَّلاً ما دامت الطبيعة تعمل في نظامها المعهود، وعكس ذلك صحيح، أي أن قوة الطبيعة والأسباب الطبيعية يبطل عملها ما دام الله فعَّالاً؛ وهم بذلك يتخيلون قوتين منفصلة إحداهما عن الأخرى: قوة الله وقوة الطبيعة؛ والواقع أن الله وقوانين الطبيعة شيئ واحد). ولقد ساءلتني بعد ذلك قائلاً: (ما حاجتك إلى التمسك بالمعجزات وخوارق الطبيعة ما دام العلم يفسر لنا كل شيئ بقانون؟!)
وإني لأستطيع أن أقوض علمك هذا من أساسه بضربة واحدة حين أُذكّرك بما انتهى إليه هذا العلم نفسه، من أن الطبيعة المادية لا تسير وفق قانون صارم كما يذهب بك الظن، بل إنها قد تغير سلوكها بما لا يمكن التنبؤ به، كالكائنات الحية سواء بسواء؛ وإن هنالك بين أساطين العلم من يزعم أنه ليس في الطبيعة كلها ذرة واحدة تخلو من الحياة أو ما يشبه الحياة، وكل الفرق بين حياتها وحياة الإنسان هو في الدرجة لا في النوع، فكما أنني لا أستطيع أن أتنبأ بما أنت فاعله غداً، كذلك لا يستطيع العلم أن يقطع جازماً بما ستؤول إليه هذه الذرة أو تلك، لأنها يا سيدي تتمتع بشيء مما تتمتع به أنت من حركة وإرادة، وليست مجرد آلة صماء في يد القانون!! ولكن يجب أن أسارع إلى القول بأنه وإن تكن الذرة الفردية على شئ من الحياة التي تغير في سلوكها، فإنها في مجموعها أقرب ما تكون إلى
стр. 10029
النظام الدقيق في سيرها، كما أن الإنسان الفرد حُرٌّ في تصرفه إلى حد بعيد، ولكنه في المجموع يسير وفق أسس وقواعد لا تكاد تعرف الشذوذ.
نعم أستطيع أن أقوض علمك هذا من أساسه بضربة واحدة حين أُذكّرك بهذه الحقيقة العلمية التي تعترف للطبيعة بإمكان التغير في بعض جوانبها، فذلك وحده كفيل بتعليل أي تبديل في نظام الكون المعهود، ولكني سأفرض معك أن قوانين الطبيعة يستحيل عليها الخطأ، وأن المادة لا تملك لنفسها تغييراً ولا تبديلاً عما رسمه لها قانونها الأعلى، فمن ذا الذي زعم لك أن المعجزة كسر لقانون الطبيعة، وإنه لذلك يجب اطراحها ونبذها؟ نحن نسلم معك أن قانون الجاذبية صارم لا يقبل الشذوذ، وأن التفاحة إذا انفصلت عن فرعها سقطت من فورها على الأرض بفعل قانون الجاذبية هذا، ولكن هب يداً امتدت إلى التفاحة أثناء طريقها إلى الأرض فلقفتها فحالت بذلك بينها وبين الأرض، أيكون ذلك كسراً للقانون؟ كلا! القانون لا يزال قوياً سليماً، غير أن إرادة بشرية حالت دون تطبيقه لا أكثر ولا أقل. . . أإذا تركت أقلامك وكتبك مبعثرة في أرض غرفتك ثم عدت بعد حين فوجدتها صعدت إلى ظهر المكتب صفوفاً منظمة، أفنقول إن قانون الجاذبية قد انقلب رأساً على عقب لأن الكتب والأقلام قد صعدت إلى أعلى بدل أن تستقر على الأرض منجذبة بها؟ أم أنت جازم في مثل هذه الحالة بأن شخصاً بشرياً قد تدخل في الأمر بإرادته وحال بين قانون الجاذبية وبين تنفيذه حيناً، فأمكن للكتب بذلك أن تفلت من يده، ولكن القانون لا يزال قائماً لم يخدش ذلك من قوته وشموله؟! لا أحسبك مرتاباً في صحة هذا القول، فأنت موافقي ولا شك أن الإرادة البشرية قد تستطيع أن تتوسط بين القانون وبين تطبيقه فتعطله دون أن تبطله، نعم إنك موافقي على ذلك، ولكني لو حورت العبارة قليلاً سائراً بها نحو الأقوم والأصح فستغضب للعلم وكرامة العلم؛ لو زعمت لك أن لله إرادة حرة كهذه التي للإنسان، يستطيع بها أن يعطل قانون الطبيعة حيناً قد يقصر أو يطول ولكنه يظل قائماً معمولاً به لا يصيبه عطب ولا خسارة، كان ذلك الزعم مني في رأيك جهلاً وحماقة، يا رعاكالله! أفتستطيع أن تحدثني بما يبرر عندك أن يكون للإنسان ما ليس لله؟!!
معذرة، يا صديقي، فسأقص عليك حديثاً عن كلبي، وللحديث صلة بموضوعنا، فقد وضعت كتاباً بالأمس على مقعد إلى جانبي، فجاء الكلب يتحسس ويتجسس ويشم الكتاب، وأظنه قد
стр. 10030
حسبه قطعة من الجماد لا خير فيها، فترك الكلبُ الكتاب وانصرف؛ وإذا فرضنا أن التفاهم مع الكلب ممكن، ثم جئت تقسم له أن في الكتاب ما ليس يدرك بالشم واللمس، وأن فيه معنى إذا كان لا يدركه هو فليس عجزه دليلاً على عدم وجوده، نفر وسخر وأكد لك أن حواسه مقياس للحقيقة لا يخطئ. . . وإني لأحسب الكون يا صديقي كتاباً مفتوحاً فيه من المعاني السامية ما يمكن فهمه وإدراكه لذوي البصيرة السليمة. ولكني أؤكد لك أن هنالك طائفة من الناس ستمد أيديها وأنوفها إلى جوانب الطبيعة تتحسسها، ثم تجزم في يقين لا يعرف الشك ولا التردد بأن هذه الطبيعة جماد في جماد يسيره هذا وهذا من القوانين في طريق مرسومة معلومة لن تشذ فيها خارقة ولا معجزة. . . وأعجب العجب أن تكون هذه الطريقة الكلبية علماً، وأن يكون كل ما عداها تخريفاً وجهلاً.
نشدتك الله إلا حدثتني كيف جاز لك أن تقطع أن ليس في الكون من الحقائق ما تعجز عقولنا وحواسنا عن إدراكه؟ ولم لا يكون في هذا الكون الفسيح من هو أكبر منا عقلاً وأحد ذكاء فيستطيعفي كتاب الكون ما لا نستطيعه؟ ترى لو أتانا الله حاسة سادسة وسابعة وثامنة، فماذا عسانا نعرف بتلك الحواس الزائدة، أم تظل أبواباً مغلقة لأن العلم قد نفد؟!
تعال معي إلى الكون نحتكم إلى ظواهره لنرى هل استطاع العلم أن يعللها جميعاً، أم أن هناك ألوفاً وألوفاً يقف أمامها العلم مكتوف الأيدي ولا يمكن فهمها إلا أن تكون (خوارق) فوق العلم وقوانينه. أم تُراك فاعلاً كما يفعل ذوو النزعة المادية الضيقة، فتطأ بقدمك كل الظواهر التي تستعصي على العلم وتنكر وجودها حتى لا ينثلم العلم ولا ينخدش، أو تطلب إلينا أن نصبر وأن ننتظر حتى تتم للعلم قوته وفتوته فيشمل الكون كله بالتفسير والتعليل؟ وفي الحق أن هذا السلاح الذي يشهره الماديون_سلاح التسويف والوعد بأن العلم سيتمكن في المستقبل مما لم يتمكن منه اليوم_يمكن استخدامه في كل حين، فليس بيننا وبينهم موعد يبطل بعد التسويف، ولكنها مماطلة متجددة لا تنقطع ولا تفرغ؛ فإذا فرضنا أن رجلاً استطاع أن يحز رأسه ويحمله فوق يديه سائراً به في الطريق، ثم سألت الماديين رأيهم في هذا أجابوك: اصبر فإن الزمن كفيل للعلم أن يبرهن على هذه الظواهر وأشباهها، فليس ذلك على العلم بعزيز. . . ولكن هل يتفق وروح العلم أن نلجأ إلى دليل غير موجود؟ أم أنه أحجى وأقرب إلى الصواب أن نعلل الظواهر بالأدلة التي بين أيدينا، حتى ولو تعارض
стр. 10031
ذلك مع آرائنا؟ فماذا يمنع أن نفرض أن هنالك قوى غير مادية تفعل فعلها وتؤثر في مجرى الطبيعة فتنتج كل هذه الخوارق والمعجزات؟
ولكن الماديين يركبون رؤوسهم ويحاولون أن يعللوا بقوانين العلم كل شئ، فإن عجزت أمهلونا إلى المستقبل القريب أو البعيد. والعجب أن لهؤلاء الماديين (شطحات) في التفكير تدعو إلى التأمل، فأنت إذا سألتهم مثلاً كيف نشأت هذه الخلائق؟ أجابوك: تسلسلت نوعاً عن نوع وجنساً عن جنس، وأصلها كلها خلية واحدة. . . حسن! وكيف نشأت هذه الخلية الواحدة؟ إنها تولدت بطريقة تلقائية آلية من الجماد! فانظر إليهم كيف تجيز لهم عقولهم صدق هذا النبأ مع أنه على فرض أنه صحيح فقد حدث في ماض بعيد سحيق، ولم يشهده شاهد ولا سجله مسجل، ولكنهم مع ذلك يقبلونه راضين مختارين؛ ثم إذا عرضنا عليهم خارقة من خوارق الطبيعة مما يقع على مرأى منا ومسمع، أنكروها في حمق مع أنها حاضرة بين أيديهم وليست بالماضي البعيد، وهي مشاهدة ومسجلة فكانت أجدر بالتسليم والقبول من تلك (الخارقة) البعيدة_ونسميها خارقة لأنه ليس من قوانين الطبيعة فيما نظن انبعاث الحياة من الجماد! ولكن القوم يختارون من الآراء والعقائد ما يتفق مع مذهبهم، كما يتخير النساء أزياءهن لكي تلائم ألوانهن وأجسامهن.
هب يا صديقي جماعة قد ارتطمت سفينتهم على جزيرة مهجورة لا أثر للحياة فيها، ولكنهم ألفوا على أرضها آثار أقدام ليست من آثارهم هم، فبماذا يعللون هذه الظاهرة إلا أن أناساً غيرهم كانوا بالجزيرة منذ حين؟ أظن هذا منطقاً لا صعوبة فيه ولا التواء: لكل أثر مؤثر، فإن رأينا أثراً ولم نجد بيننا مؤثره أيقنا أن هذا المؤثر لا بد أن يكون موجوداً في غير مكاننا. وها نحن أولاء ننظر فنرى أنفسنا فوق هذه الجزيرة المهجورة التي تسبح بنا في الفضاء، ثم ننظر فإذا بآثار لا يحصيها العد تفرض علينا فرضاً أن أحداً غيرنا قد اتصل بهذه الجزيرة وهو يتصل بها في كل حين ليحدث هذه الآثار.
ولست أدري ماذا يضيرك أن تعلل بالعلم ما يمكن العلم أن يعلله، وأن تُرجع إلى القوة التي فوق الطبيعة كلَّ ما تصادف من خوارق ومعجزات؟ يقول الماديون إن إدخال (الله) في مجرى الطبيعة عجز وقصور عن التعليل الصحيح، ويزعمون أن الإنسان الأول كان يفسر كل شئ بقوة الآلهة لقلة محصوله من العلم، فكان إذا اكتسب شيئاً من العلم يعلل به ظاهرة
стр. 10032
ما، أسقط هذه الظاهرة من دائرة نفوذ الله وأدخلها تحت سيطرة العلم؛ وهكذا أخذ العلم ينمو ويتسع كما أخذت العقيدة في تأثير الله على سير الطبيعة تضؤل وتضيق، وهم يرجون أن يطرد نمو العلم حتى يشمل الكون جميعاً ويفسر (الظواهر) كلها بغير استثناء؛ وهم بناء على ذلك يرفضون رفضاً قاطعاً أن يعللوا شيئاً إلا على أساس واحد: هو قانون الطبيعة ويلفظون من حظيرتهم كل من يحاول أن ينسب شيئاً إلى قوة أخرى غير قوة الطبيعة وقانونها! وقديماً كان العالم أو إن شئت فقل الكاهن يفسر كل شئ بقوة الآلهة وحدها، وينبذ كل من يحاول أن يفسر شيئاً على غير هذا الأساس! فهل ترى فرقاً بين الكاهن القديم والعالم الحديث؟ كلا، فكلاهما متعصب محدود الفكر، ضيق النظر، ولعمري إن العالم الماديِّ الحديث لم يزد على أن ارتدى رداء سلفه الكاهن مقلوباً ظهراً لبطن!
لعله أقرب لروح العلم الصحيح أن نتناول الأبحاث أحراراً من كل قيد، فلا نفرض لأنفسنا أساساً معيناً للبحث لا نمدوه، أعني أنه لا ينبغي أن نحتم على أنفسنا أن تفسر كل شئ بكذا أو بكذا؛ وإلا كنا كعلماء الفلك الأقدمين الذين كانوا ينظرون في السماء ويبحثون في النجوم على شرط أن يكون بحثهم مقصوراً على ما هو معروف من النجوم، فإن ظهر كوكب أو نجم جديد أنكروه ورفضوه!!
أردت يا أخي أن تكون حراً في البحث فكبلت نفسك بالأغلال والقيود! فارفع عن بصرك هذه الغشاوة عسى أن يهديك الله سواء السبيل.
زكي نجيب محمود
стр. 10033
٢ - منازل الفضل
دار علي مبارك باشا
للأستاذ محمد محمود جلال
من الأسماء ما يخف على سمعك لمجرد تركيبه ووقع نغمه في الأذن، ومنها ما يعجبك لمعنى يشير إليه؛ وقد يعجبك الاسم وقد خلا من هذين إعجاباً بشخصية قدَرت في التاريخ دورها؛ وقد يكون من بين الأسماء ما ينفر منه السمع، وهو مع ذلك حبيب إلى نفسك لذكرى تتصل به أو جميل أردفته بالعرفان.
ويقص المتشيعون للعلاقة بين الاسم والمسمى من علماء اللغة أن أحدهم سأل إعرابياً عن معنى (أذغاغ) فقال الإعرابي وهو لا يعرف من الفارسية شيئاً: (أرى فيه يبساً وصلابة، ولعله الحجر).
وليس للطفولة أن تسمو إلى شئ من ذلك البحث أو ذاك القياس، وإنما يسبق فيها الإحساس بالمعرفة، فما نظرت إلى شيء من ذلك يوم كان (شارع علي مبارك باشا بالحلمية) أحب الشوارع إلي سنة ١٩٠٨، فكنت أخصه بروحاتي وغدواتي، وأختص (اليافطة) أول سيري به بتجربة قدرتي على قراءة اليفط والخط المشبك.
سكنا الحلمية بعد أن هجرنا دارنا الأولى بدرب الجماميز حيث مأمورية الأوقاف الآن، على أثر خلاف بيننا وبين ديوان الأوقاف على حيازة القطعة المجاورة لتوسيع الدار بطريق البدل، ولا أجد اليوم تعليلاً معقولاً لتفضيلي إلا بالصلة التي توجدها النشأة، وقد نشأت في الريف، ومن أسرة فلاحة، واسم علي ومبارك كثيراً الشيوع في الفلاحين، فلم يكن عجيباً أن يكون هذا الاسم أقرب إلى النفس وأسهل في الحفظ من أسماء ندر أن نسمع بها (كسنجر الخازن) و (الأمير يوسف) وغيرهما.
أجل لم يكن بذلك الشارع بائع (سوداني) ولا شوكولاته، ولم تكن حوانيت الساندويتش انتشرت بعد، حتى أرد التفضيل إلى تلك المغريات في سن الطالب.
وفي عام ١٩١١ أهدتني الجمعية الخيرية الإسلامية مجموعة ثمينة من الكتب لنجاحي من الفرقة الثالثة في الشهادة الأبتدائية، كان من توفيق الله أن ضمت بين دفتيها (تاريخ علي مبارك باشا) ولن أنسى ما حييت غبطتي بهذا الكتاب، وذكرت على التو شارع علي مبارك
стр. 10034
باشا، وقلت: إذن فهذا رجل له في تاريخ البلاد شأن!
عكفت على القراءة مبتدئاً به، وخفق قلبي حين وقفت في أوله على نشأة (علي مبارك) فصدق ظني، فهو فلاح وابن فلاح مثلي، فلم أترك الكتاب حتى جئت على آخره، وأعدت قراءته مرات حتى كدت أحفظه عن ظهر قلب إذ ملئت إعجاباً بالرجل.
سميت المرحوم محمد شريف باشا حين كتبت عنه (رجل البرنامج)، وليس اليوم أحق بأن يسمى (رجل الواجب) من المرحوم علي مبارك باشا.
رأى صديقي المرحوم محمد رمضان بك القاضي السابق بالمحاكم الأهلية حين زار (فينا) عقب الحرب أحد ضحاياها (جول) يزحف وقد بقيت له ساق واحدة وذراع واحدة، وبيده الوحيدة مكنسة ينظف بها الرصيف، فسأله عن قصته.
قال جان: إنه كان يعمل في التحاليل الكيميائية، ويؤدي بذلك واجبه نحو بلاده وأسرته، وانخرط في سلك الجندية يؤدي واجبه نحو بلاده وأسرته، فلما فقد ساقه وجد مجال الواجب في عنابر الجيش يلف ويرتب بيديه، ولما فقد إحدى اليدين وكانت الحرب في نهايتها اشتغل كناساً، فهو بعد لا يستريح ضميره أن يكون من العاطلين، ومن بين إخوانه من هو أحق منه بالإعانة والإعاشة، وليس أحب إلى نفسه من أن يقوم بالواجب ويعيش من أداء الواجب، فليس فرق عنده بين المعمل والصفوف، ولا بين العنابر وكنس الرصيف!!!
حيَّاه صديقي عليه رحمة الله، وكتب عنه مقالاً كاملاً يذيع نبل نفسه ويضربه مثلاً لقومه.
وكذلك كان علي مبارك باشا، فهو من نوابغ البعوث العلمية في أول البعوث، وهو المبرز بين أفراد بعثته، وبلاده في حاجة إلى أمثاله، وفي حاجة أشد إلحاحاً إليه؛ ولكن لا زهو ولا صلف ولا استكانة! فالحاجة إليه يراها نعمة الله تستوجب الشكر، والعلم الذي يقدره الناس فيه يراه الثروة التي زكاتها البذل منها في خير البلاد.
ومن لم يجمّل فضله بتواضع … يَبِنْ فضله عنه ويعطل من الفخر
كان علي مبارك باشا (ناظراً) وزيراً للأشغال يسيطر على أكبر الإدارات صلة بحياة البلاد ومرافقها، يضع الخرط وينظم حفر الترع والجسور التي طالما أحيت مواتاً ودرت أخلاف الرزق على الملايين وتركت اليباب مزارع وحقولاً، في أول عهد البلاد بزراعة منظمة وري منظم.
стр. 10035
وبينما هو غارق فيما نعده اليوم أبهة المنصب، ينقل لسبب أو لغير سبب، لغضب أو لتقدير موهبة منتدباً لإصلاح طابية وهو من خريجي المعاهد الحربية، فينتقل قرير العين وكأن العالم صور فانحصر في تلك الطابية لا يرى أمامه إلا أن يُعِدَّها كما يجب أن تعد تقديراً لأمانة العلم وقياماً بالواجب.
ولي علي مبارك باشا في وقت ما وزارتين، وجيئ به وقتاً آخر يشرف على مد خط حديدي ليس أكثر من كبير مهندسين، جاءت خطته وأوضاعه وتنفيذ مشروعه آيات في حسن الوضع والتنفيذ؛ ولم يكن علي مبارك باشا ذو الوزارتين غير علي مبارك صاحب عيشة الخيام في براري البلاد يوطد أركان الدفاع عنها، ولا غير ذلك الرجل الهادئ رجل الواجب، يضع من قطع الحديد وصلاً لبلاد الريف وقراءة وتقريباً للشقة وتيسيراً لأمور الخلق، فهو إنما يعيش لبلاده، وإنما يخدم بلاده، وإنما يخدمها حيث يوضع، ويستثمر كفاءته في أي مجال. طريقته واحدة ونظرته واحدة، وهدفه واحد: الواجب.
وإنك لترى اليوم من شبابنا من ينقل من وظيفة إلى أخرى دون أن يمس راتبه ودون أن تمس درجته، فهو لا يكتفي بالشكوى والضجيج والإلحاح حتى يسمم عمله الجديد آثار غضبه ويأسه ولا يعيش إلا بخيال واحد وأمل واحد: أن يتغير العهد ويعود له ما كان فيه، بينما يقاسي المحكومون ممن تتصل أحوالهم بعمله ألواناً من البطء في شؤونهم وكثيراً من عنت لا ذنب لهم فيه.
هذه الظاهرة وحدها من سيرة (علي مبارك باشا) درس قيم في الأخلاق وتراث زاخر، وموعظة لهذا الجيل بالغة.
أما عمله في وزارة المعارف ففي كل ركن من أركان التهذيب والتثقيف له أثر عميق، كان لا يني عن زيارة المدارس زيارة لا يسبقها إعلان ولا شئ من جلبة الرسميات، ولو خلت من هذا وحده لكانت بذلك كافية في معنى الرقابة وما يتصل بالحرص على الواجب من الوقوف على درجة التقدم وعيوب التنظيم.
لكنها لم تقف عند ذلك الحد، فكان عليه رحمة الله يسأل أكثر من طالب في كل فرقة وفي أي مادة يتفق تدريسها مع ساعة الزيارة، وطالما كان له جولات في مختلف العلوم مع من يزورونه من الطلبة في الديوان سواء لرفع شكاة أو تبيان مصلحة.
стр. 10036
هكذا كان علي مبارك باشا. فانظر إذن وتخيل ما تكون عليه دار أسعدها الله بسكنى رجل الواجب.
كان عهده نادر المقاهي والسوامر والملاهي؛ وكانت الدور العامرة سواء في العواصم أو في الريف بدورها في صيانة الأخلاق وتكوين الجيل، والعلماء وقت ذاك قليل، وعلي مبارك بين القليل درة لامعة.
دار كانت بالوافدين والساعين إلى العلم أكثر ازدحاما مما ترى اليوم في جامعة أو في سينما، لكل فريق دور، والأدوار متعددة تنتهي بآخر السهرة من الليل لاختلاف أوقات الفضاء لصاحب الدار أو للوافدين.
دار طالما عمرت بصالح الحديث وبعدت بنازليها عن اللغو، فصفوة العلماء يبحثون ويباحثون، وللأدباء فيها نصيب كبير، وللطلاب النصيب الأوفر.
تزين الدار مكتبة جامعة، نصيب الرجل منها كنصيب أي واحد من قاصديه، وعليه هو القوامة على تنسيقها وحفظها، بل عليه أن يختار لكل ما يلائمه، يبذل من الكتب والمراجع كما يفيض من محفوظه وتجاريبه؛ وهل يستطيع علي مبارك إلا أن يكون واحداً في كل تصرفاته وفي روحاته وغدواته يقوده الواجب، وسيرته التماس النفع للبلاد؟
ولقد أعلم أن المرحوم (مصطفى كامل باشا) الذي ما زالت البلاد تعتز في ظل ما خلف إلى اليوم ما أحسن المحسن وما أساء المسيء، كان في شطر كبير من تكوينه العلمي أكبر حسنات تلك الدار، كما كان صاحب الدار أكثر الناس إعزازا للنجباء من أبناء البلاد، فمن نزح إلى أوربا يكمل تعلمه، لا يني في البحث عنه في العطلة الصيفية وفي عودته إلى الوطن، ولا تلبث الحلقات أن تعقد من أولئك الأنجاب في تلك الدار التي ازدهرت وقتاً ما فازدهرت بها حديقة العرفان وكللت جبين البلاد.
كانت مهمة الدار في أفق العلم مهمة الجامعات، فهي سيطرة رفيقة على تنظيم الثقافة وتوزيعها على قدر المختلفين إليها، وكانت فيما يمس الذين أكملوا دراستهم واسطة العقد، ووسيلة التعارف وأداة الوصل، كما كانت للنازحين في طلب العلم مرداً إلى عوارف الوطن، وجميل المدرسة الأولى، وخير مقرب بين الثقافتين، وخير قوام على تطبيق المعلومات وتهذيبها وصبغها بما يناسب صبغة البلاد.
стр. 10037
أين تلك الدار؟ وأين كعبة العلم؟ ذهبت بها تصاريف الزمان وعفاها ما يشبه الجحود منا حكومة وشعباً، ومثلها مثل قصر أم المحسنين في حي الدوبارة، قامت أحجاره يسخر منها (قصر العار) وخلى من كل شيء إلا من نسيج العنكبوت.
بل إن للعلم عند الله كرامة! فلئن ذهبت رسوم الدار بين الرياح من جنوب وشمأل فقد أكرم الله نازلها وعامرها بهذا العفاء، فلعلها لو عاشت لظهرت غريبة ولأزرى بها انصراف مؤمن عنها وشماتة من دور قامت على الإساءة للبلاد والسخرية مما ينفع الناس.
يبحث إخواننا من أهل العراق عن (المثنى) ويقيمون باسمه نادياً، فهلا نسمع من شباب الجامعة عزماً على البحث عن مكان الدار وتسمية ناديهم باسم (علي مبارك).
إذا كان هذا عزيزاً على أنواء الزمن فهل نسمع في القريب أنهم زينوا إحدى غرف النادي أو قاعات البحث بالجامعة باسم الراحل الكريم؟!.
أيها الناس أكرموا السلف يكرمكم الخلف، فكما يدين الفتى يدان
الشيخ عطا
محمود محمود جلال المحامي
стр. 10038
فُجور القانون
للأستاذ جمال الزرقاني
أعجبت أشد الإعجاب بسلسلة مقالات (الجمال البائس) للأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي وتتبعتها بمجلة (الرسالة) الغراء؛ وأعجبت منها خاصة بتصويره للقانون في مقاله الأخير ورميه بالفجور وقوله على الأستاذ (ح): (فالحقيقة التي لا مراء فيها أن فكرة الفجور فكرة قانونية، وما دام القانون هو الذي أباحها بشروط، فهو هو الذي قررها في المجتمع بهذه الشروط). وهذه فكرة كانت ظاهرة خافية معاً؛ فهي في القانون ولم ينتبه لها أحد ولا من رجال القانون. وقد صار من حق (الرسالة) وقرائها عليَّ أن اكشف هذا المعنى كشفه القانوني ليعرف القراء كيف غُرس الفُجور غرساً في قوانيننا المصرية.
لا مشاحة في أن قانون العقوبات قد اهتم لعقاب الجريمة بعد وقوعها اكثر من اهتمامه بالاحتياط لها والعمل على منعها قبل حدوثها؛ فمهمته في الواقع لم تخرج عن بيان الأفعال التي يعتبرها الشرع جرائم ومقدار الجزاء على كل منها، فهو يتضمن القواعد الموضوعية للقانون؛ بينما اهتم قانون تحقيق الجنايات (بالنظم والإجراءات) التي يجب أن تراعى لتنفيذ قانون العقوبات، أي لمعرفة الجاني إذا ما وقعت الجريمة، فهو يتضمن القواعد الشكلية فكلا القانونين اهتما كما قال الأستاذ الرافعي (لحالة الجريمة لا للجريمة نفسها) وتركا مسألة الجريمة وبلا احتياط لمنعها قبل حدوثها للقوانين البوليسية وللعقوبات الأدبية، وبهذا أضافا للخطأ خطأ آخر إذ أغفلا مسألة واقعة وهي أن العقوبة الأدبية قد أضعفتها عوامل المدنية الحاضرة ولم يبق في أكثر النفوس إلا سلطان القانون وحدوده. .
والسبب في تقصير القوانين الجنائية هذا التقصير الفاضح وخاصة في بلاد إسلامية تتخلق بأخلاق الفضيلة، هو أجنبية هذه القوانين فإنها فرنسية الأصل، فرنسية الوضع، فرنسية التطبيق، فرنسية المرجع، فمن ثمَّ لا يؤدي إلا ما تؤديه القوانين الفرنسية في بلادها. أما حالات الشرق الخاصة وتقويم تقاليده وأخلاقه، فهي عمياء عنه أو تخبط في عمياء؛ ومن البلاء أن نقل هذه القوانين كان من عمل متشرعين أجانب بعيدين عن المحيط القومي فنقلوا نقلاً ممسوخاً أضاع كل فائدة ترجى وخاصة في صميم المسائل الأخلاقية الشرقية. بل إن القانون وقف من هذه الأخلاق موقف الجامد الغافل أو المشجع المستهتر بالأباحة.
стр. 10039
ولو أنا عرضنا قانون العقوبات ووضعنا بعض المواد الصماء تحت نظر الفاحص لوضحت فكرتنا، فمن المعروف قانوناً أن حرية النيابة في (تحريك) الدعوى العمومية وفي استعمالها ليست مطلقة كل الإطلاق، فهناك أحوال تحد من تلك الحرية، ومنها ما يستوجب الإذن من صاحب الشأن كالحال في دعوى الزنا. والزنا في القانون يختلف عنه في اللغة وفي الشريعة، وبهذا اقتصر القانون على اعتباره كذلك إذا وقع من الزوج أو الزوجة وشريكيهما، وأحاطه بشروط خاصة ضيقة اشترط فيها قيام الزوجية فعلاً أو حكماً. فالفعل الواقع من الزوج أو الزوجة أثناء الخطبة أو بعد الطلاق البائن لا يعتبر جريمة. وكأن القانون في نقله ذلك عن المواد ٣٣٦ - ٣٣٩ من قانون العقوبات الفرنسي قد أغفل الأخلاق الشرقية وتناساها وترك حبل الشيطان على غاربه، بل هو قد شجع على ارتكاب هذا العمل من غير الزوج أو الزوجة بالشروط الخاصة بجريمتيهما، بل أكثر من ذلك أتاح الفرصة للزوج أن يفعل فعلته النكراء في غير منزل الزوجية بلا عقوبة. وبذلك ترك الأسرة تتدهور بتدهور عائلها ووقف موقفاً غريباً في صدد المساعدة على التدهور الأخلاقي، فجعل الحق في رفع دعوى الزنا للزوج وللزوجة وحدهما، فإذا رضي أحدهما عن فعلة الآخر وقف القانون مكتوفاً لا يمكنه التحرك إزاء العمل على سقوط الأسر واختلاط الأنساب والقضاء على الأخلاق، بل إنه يقف حائلاً دون الزوج نفسه في (تحريك الدعوى العمومية) إذا ما وقعت منه يمين الطلاق وهو في جنون غيظه من جريمة زوجته، وبذلك تتقي الزوجة وشريكها صولة القانون ويكون الطلاق كأنه محا الجريمة قانوناً مع أنه لم يقع إلا بها.
ولا دلالة على نقل القانون المصري نقلاً جامداً عن القانون الفرنسي أكثر من وقوفه بالمادة ٢٠١ عقوبات في جانب الزوج الذي يقتل زوجته في حالة التلبس بالجريمة، معتبراً ذلك ظرفاً قانونيا مخففاً يعاقب فيه بالحبس فقط، ثم يأبى ذلك على الأب والأخ الذين يمتد إليهما عار الجريمة أكثر من الزوج، فالزوج يتخلص منه بالطلاق، أما هما فالعار قد لصق بهما. وهذه القاعدة الفرنسية كانت معقولة في فرنسا في وقت وضع قانون العقوبات الفرنسي إذ كان الطلاق وفقاً للمذهب الكاثوليكي غير جائز، وإذ كانت الجريمة من ذلك لاصقة بالزوج أكثر من التصاقها بأسرة الزوجة.
стр. 10040
ومن التخريجات الغريبة والتطبيقات التي تنشأ عن القانون الجنائي المصري في هذا الصدد، حالة ما إذا فاجأ الزوج زوجته وشريكها، فحاول قتلهما فقتلته الزوجة أو شريكها، فلا عقوبة على فعلهما لاعتبار ذلك دفاعاً شرعياً عن النفس؛ ثم إنه بعد ذلك لا عقوبة على جريمة الزنا التي اقترفاها إذ فد مات الزوج صاحب الحق في الدعوى ضدهما. ولو حدث أن قتل الزوج زوجته سقط بذلك حقه في الدعوى ضد شريكهما، لأن حظ الشريك مرتبط بحظ الزوجة الزانية فيستفيد مما كان يفيدها. وقد ماتت فالشريك يعتبر بريئاً إذ لا عقوبة عليه إلا إذا حكم على الزوجة، وهذا غير متيسر لموتها.
وكذلك القانون لا يعاقب على جريمة الفسق ولا على تلك الجريمة النكراء الشنعاء: جريمة اللواط متى توفر الرضا إذا كان سنَّ الفتى أو الفتاة أكثر من ست عشرة سنة. فكأن القانون يشجع ذلك بعدم وضع الحظر عليه، بل أكثر من هذا فإنه يقف موقفاً غريباً بالنسبة للقاصر إذا جاوز السادسة عشرة فإنه يبيح له أن يجني ويبيح الجناية عليه. . . . بلا قيد، بينما لا يبيح له الزواج أو التصرفات المدنية إلا برضا وليه أو وصيه حسب الظروف، وهذه مسألة من الخطورة بمكان عظيم إذ تترك الشبيبة الناشئة تتلاعب بها الأيدي والأغراض، وتجرها المفاسد إلى غير مستقر بدون رقيب عليها، وهي عدة المستقبل وآمال الأمة. فإذا كانت هذه الشبيبة على ما يحوطها من المفاسد ويغريها لا يحميها القانون فيا سوءة المستقبل، ويا ضياع الآمال , ومن الواجب المحتم أن يتنبه المشرع إلى هذا النقص التشريعي فيسارع إلى علاجه قبل استفحاله كيلا يتهم بالمساعدة على التدهور الخلقي وعلى إفساد الأمة في أساسها الحي الذي هو الفتى والفتاة.
هذا بعض من كل من الأمثلة الدالة على فُجر القانون والمشجعة لضروب المنكر_قد يقال إن روح القوانين الحديثة أن تتجه نحو الحرص على عدم التعرض بالعقاب للجرائم الأخلاقية إلا في حدود معينة، فلم يعاقب على الرذائل والآثام لذاتها؛ بل لما يترتب عليها من الضرر للأفراد أو للمصلحة العامة. ولكن الرد على هذا سهل يسير وهو: أنه ما من جريمة أخلاقية إلا أصاب الغير ضررها بالذات أو بالواسطة حالاً أو مستقبلاً، وذلك بانتشار الرذيلة الذي يتبعه تأثر الوسط وفقدانه حيويته؛ والذي يتبعه حتماً كنتيجة مباشرة إنهيارُ البيئة الإجتماعية وتفشي الأمراض الخبيثة بينها وازدياد الأدواء المختلفة الجسمانية
стр. 10041
والأخلاقية، وبذا تتأثر المصلحة العامة؛ فلا حجة في تلك الحجة.
ومع ذلك فإن كثيراً من القوانين الحديثة لا تزال تحرم الرذيلة لذاتها، والقوانين الإنكليزية والألمانية والنمسوية والمجرية تعاقب على اللواط ولو وقع بالرضا، كما تعاقب أيضاً على اتخاذ القيادة حرفة ومرتزقاً؛ والقانون السويسري يعاقب على البغاء.
وهذه هي قوانين الدول المسيحية؛ أما الدول الإسلامية فإن قوانينها ولا كُفران لله قوانين واسعة سمحة. فيا ليت الحكومات الإسلامية تعمل بهذه الطريقة العكسية فتضع للشيطان قانوناً على الضد من طباعه، وبذلك يجئ قانون الشيطان مصلحاً لقانون الإنسان. . . . . .
جمال الزرقاني لسانسييه في القانون
стр. 10042
من أيام سورية التاريخية
ذكرى ٢٤ يوليو!
للأستاذين علي الطنطاوي وسليم الزركلي
قال الملك فيصل ﵀: (. . . وقد كان بين هؤلاء الذين سقطوا صرعى في ميسلون بعض رفاقي في معارك فلسطين؛ وإني لأحني رأسي احتراماً لجميع هؤلاء الذين ضحوا بحياتهم في سبيل اعتداء لم يعرف له التاريخ مثيلاً. . .) (جريدة الأيام الدمشقية العدد ٨٦٣ من هذا العام)
أخرجْ من دمشق، وخلِّف وراءك الجِسْرَ وفيكتوريا، وهذه البِنْيَة ذات الطبقتين، التي كانت منذ خمسة عشر عاماً (النادي العربي) مثوى الوطنية، ومثابة الإخلاص؛ ودِعْ عن شمالك المرجة الخضراء، التي وقفها نور الدين على سوائم المسلمين، فرعاها نفر من الأقوياء الحاكمين، وعاثوا فيها آمنين مطمئنين؛ وجُزْ بالمِزّة وقلاعها، لا تلتفت إليها، ولا تأبَهْ لها، واستقبل الربوة لا تحفِل بقرارها ومعينها، ولا تعجبْ لأنهارها السبعة، وقد امتدت بين عَدْوَتي الوادي بعضها فوق بعض، كعقود اللؤلؤ في جيد الحسناء، وتناسَ ما قال فيها ياقوت وقد طوَّف أنحاء الدنيا، وجاب أرجاء الأرض، ثم رجع فلم يجد في الدنيا أنزه منها؛ وعدِّ عن النَيْرَب لا تذكر عهده، ولا تَبْكِ أيامَه، فقد ذهب النيْربَ، وغبرت أيامه، وفارقه وأنشد قول ابن حمدان:
سقى الله أرض الغوطتين وأهلها … فلي بجنوب الغوطتين شجون
وما ذقت طعم الماء إلا استخفني … إلى بَرَدى والنير بين حنين
وقد كان شكي في الفراق يروعني … فكيف أكون اليوم وهو يقين
فو الله ما فارقتكم قالياً لكم … ولكن ما يقضى فسوف يكون
واسلك على وادي الشاذروان، ولا يقفك عن غايتك أنه وادٍ من أودية الجنة، هبط إلى الأرض لتذكر فيه النفس أيام الجنة الأولى، فتطير إلى سمائها بأجنحة من نشوة الذكرى، ولا يثنك عن وجهتك هذان الجبلان المتعانقان، كأنهما عاشقان قد لبسا من النجوم المزهرة، والأشجار المثمرة، حلة أبهى من السندس، ولا (يزيد) الذي يجري في صلب الجبل يزخر بالمياه، فيطفح بها، فتهبط الصخر من علو مائة ذراع متكسرة مزبدة، كأنما هي ذوب
стр. 10043
اللجين، حتى تعود إلى أبيها بردى، وهو يجري في بطن الوادي جياشاً ثائراً؛ واستقبل دُمّر لا تقف بجنانها ورياضها، ولا تفتنك قصورها ودورها، ولا يشبك هذا القصر العجيب، ذو المعارج الملتوية، والألوان والنقوش، والبرك والنوافير: قصر الأمير سعيد، ولا قصر شمعايا تجري من تحته الأنهار!
ودع عن يمينك معمل الأسمنت الفخم، الذي قام دليلاً على أن الشرق يستطيع أن يعمل، ويقدر أن يبني. ومركباته التي أبت أن تمشي على الأرض، فسارت متعلقة بأسلاك في الهواء. . وائت الهامة فدعها عن يمينك لا تنزل إلى السهل، ولا تفتنك أنهاره وبهجته، ولا تجذبك فسحته وخضرته، وامش واضعاً (قادسية) عن شمالك، ثم دُرْ دورة فاخرج من الوادي، وامش صُعُداً حتى تدع الوادي من ورائك، وتستقبل الصحراء الخالية القاحلة، فإذا أصحرت فدع الديماس وحدائقه وامش قدماً حتى ترى هذه الهضاب المتسلسلة، والآكام المتتالية، فاعلُها. . حتى إذا بلغت ذراها، ولمحت في عرض البادية، في حضن الجبل، بناءاً غريباً كأن سقفه جناحاً طيارة؛ ورأيت من أمامه سلسل ماء، فاهبط إليه، ثم قف خاشعاً منحنياً، فأنت في ميسلون، وأنت حيال قبر يوسف العظمة. . .
علي الطنطاوي
قِفْ عند هذا الضريح … واهتف بسكانهْ
هل حلّ فيكم جريح … من أجل أوطانه
أهوى بكم يستريح … من برح أحزانه
بغى عليه الزمان … والغاشم الغادرْ
فراح يبغي الأمان … في الفَلك الدائرْ
أصمته هوج الخطوب … ففجرت دمعهْ
ومرهقات الكروب … فأوقرت سمعهْ
ولم تدعه الحروب … فكسرت ضلعه
بكى له النيّران … والكوكب الساهر
فأين هذا الهوان … من مجده الغابر
الملك رهن الضيْاع … إن غيل في مهدهْ
стр. 10044
والسيف ما إن يطاع … ما دام في غمده
واحسرتا للشجاع … يبكي على مجدهْ
النذل والخوّان … والخاتل الماكرْ
يفوز بالجنان … ويطرد الثائر
تبكي عيون السماءْ … على أمانينا
وفي مجاري الدماء … خاضت مواضينا
ما زال رهن الفناء … شتى مرامينا
هل يرجع الفاتحان: … الأسد الزائر
للعرش والطيلسان … والفاتح الظافر
جاست دياري العداه … والدهر يبغينا
وعاث فينا الطغاه … ذلاً وتهوينا
لم تصف بعد الحياه … حتى تعادينا
آن أوان الطعان … فلينهض العاثرْ
لا يبلغ المجدَ وإن … عن نيله قاصر
فاستصرخي يا قبورْ … عزائم الأبرار
ولتحطمنَّ الدهورْ … صواعق الأحرار
لا عاش من لا يثور … ويستسيغ العارْ
إنا فدى الأوطان … من غاصب جائرْ
لا عيش للإنسان … في موطن صاغر
سليم الزركلي
стр. 10045
٢ - معركة عدوى
للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراق
وفيما يلي وصف الأرض العام في بلاد الحبشة: في الساحل أرض سهلة رملية، والرطوبة فيها تبلغ درجة عالية في موسم الأمطار، وحرها لا يطاق ألبتة؛ وكلما تقدمنا من الساحل إلى الداخل ارتفعت الأرض واختلفت تربتها وتنوع شكلها، فتكون ترابية وحصوية فصخرية فكلسية وهلم جرا، وتأخذ في التموج، وهذا التموج يجعل الأرض في بعض المحلات جبلية ذات غابات وأدغال، وكلما زاد الارتفاع كثرت الوديان الضيقة المكسوة بالغابات والأحراج الكثيفة. والانحدار في حافات الجبال شديد يحول دون تسلقها؛ والطرق فيها مسالك ضيقة تسلكها الدواب بصعوبة. وإذا ما دخلنا الهضاب اشتدت الوعورة، وازدادت المناعة. فالجبال تعلو في انحدار شديد، ويسيطر بعضها على البعض الآخر، وتكثر فيها المكامن والمضايق والفجوات والوهاد.
وقد شق الطليان طريقاً في مستعمرتهم اريترة يربط الميناء (مصوع) بالعاصمة (أسمرة)؛ وقد أنفقوا على شقه مبالغ طائلة من جراء انحدار الأرض وكثرة الوديان فيها؛ وكذلك السكة الحديدية التي تربط (مصوع) (بأسمرة) فإنها تعتبر من أرقى ما بلغه الفن الهندسي في مد السكك الحديدية، لأن السكة تتسلق الجبال ملتفة حولها عابرة على عدة جسور وملتوية الالتواء كله.
وتستطيع القوات القادمة من الساحل بفضل وسائط التجهيز والتموين السير في الأرض السهلة والأرض المتموجة، وإذا ما وصلت إلى السفوح الغربية بتوقف السير لمناعة الأرض وصعوبة سير العجلات والدواب فيها. ومع ذلك نجد أن فقدان المياه في الأرض السهلة والمتموجة مما يحول دون تسيير قوات كبيرة فيها.
الأمطار والبحيرات
والحقيقة أن بلاد الحبشة مدينة لغزارة الأمطار التي تنزل فيها، فهذه الأمطار تسقي بلاد الحبشة فتدر بركاتها على البلاد المجاورة لها، وتنزل الأمطار في بلاد الحبشة مرتين في السنة، صيفاً وشتاء؛ والصيف موسم الأمطار الطويل، فتبدأ الأمطار في هذا الموسم في أوائل آيار إلى نهاية أيلول، وتقع غالباً بعد الظهر، وتنزل بغزارة، وتقلب الأرض السهلة
стр. 10046
والمتموجة إلى بحيرات وسيول في مدة قصيرة، وتجري هذه المياه بسرعة الوديان الجافة إلى البحر، وبعض الماء تبتلعه الأرض.
وأما موسم الأمطار في الشتاء فهو شهرا كانون الثاني وشباط، والمطر فيه قليل. وأجل الأنهار شأناً في بلاد الحبشة هي تلك التي تنبع من السفوح الغربية في المنطقة الجبلية الداخلية وتصب في نهر النيل.
فنهر (صوباط) مثلاً يتكون من فرعين، ويجري في الجهة الجنوبية الغربية؛ ونهر (أباي) ينبع من بحيرة (تانا) وهو يؤلف القسم الأعلى من نهر النيل الأزرق.
وفي الشمال نهر (عطبرة) وهو يتألف من نابعين: نابع (مارب) في الشمال، ونابع (نكازة) في الجنوب، وبعد أن يسقي مقاطعة (تيجري) يجري شمالاً ويصب في نهر النيل في عطبرة شمالي الخرطوم.
ولنهري أباي وعطبرة تأثير شديد في اقتصاديات السودان؛ فالأمطار الصيفية تملأ أحواض هذين النهرين، فيفضيان بها ويسقيان مزارع السودان ويتركان الرسوب الغرينية في المزارع.
وبحيرة (تانا) التي تمثل دوراً خطيراً في تاريخ الحبشة من حيث تأثيرها في مياه النيل تعلو عن البحر ١٧٠٠متر، وتبلغ مساحتها زهاء ٣٠٠٠كيلو متر، وتحيط بها الجبال من كل جانب ,
وفي الجنوب وديان كثيرة تأتي من حافات الجبال، وأهمها نهر وادي (جبة) وهو الذي ينبع من الحافات الجنوبية للمنطقة الجبلية الداخلية ويجري في الأرض المتموجة والسهلة.
وتبدأ الوديان من حافات الجبال الشرقية، وتمتد إلى السهول، وإذا ما نزلت الأمطار جرت فيها المياه.
ومن المياه ما تتكون منه البحيرات الجنوبية في أرض الحبشة؛ وهذه البحيرات واقعة على طول الخط الممتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وتنتهي في شمالي بحيرة (فيكتورية) وأخطر هذه البحيرات بحيرة (رودولف) في الجنوب وبحيرة (استفاني) في الشمال.
تقسيم الأحباش البلاد
стр. 10047
والأحباش أنفسهم يقسمون بلاد الحبشة إلى ثلاثة أقسام من حيث أوصافها، وإليك بيانها:
القسم الأول: وهو القسم المنخفض، ويتفاوت الارتفاع فيه من (١٠٠٠ إلى ١٨٠٠) متر، وهذا القسم حار وتتفاوت درجة الحرارة فيه من ٢٠ إلى ٤٠ درجة سنتغراد؛ وفي هذا القسم المقاطعات (هرر) و (كانا) و (يديتو) و (سيدامو) و (شافكالة)؛ والحرارة في المحلات المنخفضة، وفي الوديان لا تطاق؛ والزرع فيه هو الذرة. وفي المحلات المرتفعة من هذا القسم يزرع قصب السكر والقطن والزعفران والموز والتمر الهندي والبن والنخيل وغير ذلك.
القسم الثاني: وهو القسم المتوسط من حيث ارتفاع الأرض إذ يتفاوت العلو فيه من (١٨٠٠ إلى ٢٤٠٠) متر. وتختلف درجة الحرارة فيه من ١٤ إلى ١٩ سنتغراد، والهواء فيه جيد، والربيع دائم، وتكثر فيه المياه والغابات.
القسم الثالث: وهو القسم المرتفع ويتفاوت الإرتفاع فيه من (٢٤٠٠ إلى ٣٤٠٠) متر، ومناخه يشبه مناخ جبال الألب، والشتاء فيه شديد وبرده قارص. وتختلف درجة الحرارة فيه من ١٠ إلى ١٢ سنتغراد ويجمد الماء في الليل. وبينما نجد القسم الأول جهنم الحبشة نرى القسمين الثاني والثالث جنتها.
التقسيمات الإدارية
تنقسم بلاد الحبشة إلى عدة مقاطعات، ويحكم كل مقاطعة رأس، وهو بمنزلة ملك تلك المقاطعة وله سلطة مطلقة عليها نالها إرثاً بحقوق الإقطاع. وكثيراً ما أطلق عاهل الحبشة على نفسه ملك الملوك بعد إخضاعه الرءوس في المقاطعات وتوحيده المملكة.
وفيما يلي المقاطعات الخطيرة: -
(أ) مقاطعة (تيجري) وهي واقعة في الشمال ومتاخمة لأريترة الصومالية والسودان، وفيها العاصمة المقدسة (أكسوم).
(ب) مقاطعة (أمحره)، وهي واقعة إلى جنوبي مقاطعة تيجري ومتاخمة للسودان.
(ج) مقاطعة (غوجام)، واقعة إلى جنوبي مقاطعة أمحرة.
(د) مقاطعة (شوعا)، وهي من أخطر المقاطعات وفيها عاصمة الدولة (أديس أبابا).
стр. 10048
(هـ) مقاطعة (كاتا)، وهي واقعة إلى الجنوب ومتاخمة للسودان ولمستعمرة أوغاندة البريطانية وفيها يزرع البن.
(و) مقاطعة (أوجادن)، وهي واقعة إلى الجنوب الشرقي ومتاخمة للصومال الطلياني.
نبذة من التاريخ
يزعم العلماء الضليعون في معرفة الأجناس والشعوب إن الأحباش هاجروا من جزيرة العرب إلى إفريقية عن طريق اليمن، ويعللون انتماء اللغة الحبشية إلى اللغات السامية بتلك الهجرة.
والمحقق أن الأحباش احتكوا بالمصريين في قديم الزمان واقتبسوا منهم بعض مظاهر الحضارة؛ ولما امتدت فتوح المصريين إلى بلاد النوبة والسودان إشتدت هذه العلاقة. ويؤيد التاريخ إستيلاء الأحباش على مصر العليا وتأسيسهم أسرة حاكمة هناك. ويزعم الأحباش أن الملك منليك الأول هو ابن سليمان من بلقيس ملكة سبأ. وشاعت النصرانية في الحبشة في أوائل القرن الرابع بعد الميلاد ورسخت فيها بعد ذلك. والمعلوم أن أبرهة قائد القوات الحبشية الذي استولى على بلاد اليمن وتقدم نحو الحجاز كان نصرانياً. والشائع أن الداعي إلى هجوم الأحباش على اليمن هو الانتصار لبني دينهم أهل نجران.
وكان الأحباش يدينون بالنصرانية لما هاجر المسلمون إلى الحبشة فراراً من الاضطهاد. وشاعت اليهودية في الحبشة في عهد هذا الملك. وتخليداً لهذه الذكرى أحدث ملك الحبشة في سنة ١٨٧٤ وساماً سماه (وسام خاتم سليمان).
وفي القرن السادس تبع الأحباش الكنيسة المصرية التي اعتقدت أن ليسوع (عيسى) طبيعة واحدة، وانضوى الأحباش من ذلك التاريخ لبطريرك الإسكندرية.
وفي القرن السابع استفاد اليهود القاطنون في الحبشة من الإنشقاق في العقيدة المسيحية، واتفقوا مع المعارضين والوثنيين وتغلبوا على الأحباش فأخرجوهم من مقاطعة أكسوم وحكموا البلاد زهاء مائتي سنة. وفي نهاية القرن الثامن قضى (لاليبا) على حكم اليهود ورجع الأحباش يحكمون بلادهم معتنقين المذهب اليعقوبي.
المسلمون والأحباش
стр. 10049
ولم يتوجه العرب في عهد فتوحهم نحو بلاد الحبشة بل اكتفوا بالاستيلاء على بلاد مصر والسودان فقط، وذلك على ما نعتقد لسببين: أولهما بُعد بلاد الحبشة عن طريق الاستيلاء ومناعتها، وثانيهما ذكرهم للأحباش بخير لأنهم آووا المسلمين الأولين وآمن نجاشيهم برسالة الرسول.
وفي القرن الثامن عشر ثارت الحروب بين الأحباش والمسلمين الذين أحاطوا ببلاد الحبشة من كل جانب. وقبل منتصف القرن الخامس عشر احتك البرتغاليون بالأحباش من أجل الحصول على موانئ صالحة في مغامراتهم في بحر المحيط الهندي، وسعوا لتأسيس علاقات ودية بينهم وبين الأحباش، وعقدوا أول معاهدة في سنة ١٥١٥؛ وكان من نتائج هذه المعاهدة أن المسلمين أخذوا يتوغلون في بلاد الحبشة لمحاربة الأحباش حلفاء البرتغاليين، وكلما انتصر المسلمون على البرتغاليين في البحر الأحمر وفي خليج عدن انتقموا من الأحباش الذين ناصروا البرتغاليين في حروبهم.
وفي سنة ١٥١٧ تحرك جيش كبير من المسلمين من (زيلع) وهجم على بلاد الحبشة واستولى على (أكسوم) العاصمة المقدسة، و (جوندار) عاصمة المملكة. وبعد أن مد البرتغاليون الأحباش بالمدافع وتولى (كريستوفوس دغاما) قيادة الجيش الحبشي انكسر المسلمون وانسحبوا.
ولما استولى العثمانيون على مصر اشتدت علاقة الترك بالأحباش، وأخذ سلاطين آل عثمان يساعدون المسلمين في البحر الأحمر على محاربة البرتغاليين والأحباش، وكان من نتائج ذلك أن استولى العثمانيون على مصوع وبربرة وهما من موانئ الحبشة، وتوغلوا في الداخل، وأخذ المسلمون القاطنون في السهول يشددون العزائم للهجوم على بلاد الحبشة ويسعون لنشر الدين الإسلامي فيها.
(يتبع) طه الهاشمي
стр. 10050
من ضحايا الوطنية
شارلوت كورداي
لتوماس كارليل
بقلم الأستاذ حسن عبد الحليم اليماني
يعي التاريخ مشهداً يذكره وسط الغموض والاضطراب اللذين لفا مدينة (كان) الفرنسية كما لفّا العالم بأسره في طليعة عهد الثورة الكبرى: أما مكانه فساحة مجلس (كان) النيابي، وأما أبطاله فرجل وفتاة أوشكا أن يفترقا بعد لقاءهما النائب باربارو وشارلوت كورداي ((دارمان) كما كانت أسرتها تلقب قبل الثورة التي ألغت رتب النبل وألقابه) كانت فتاة فارعة العود في عامها الخامس والعشرين، يتلألأ محياها جمالاً ووداعة؛ وكانت على أن ترحل إلى باريس في أمر ما، ولهذا تقابلت وباربارو فحملها توصية وتقدمة إلى صديقه الباريسي النائب دوبريه ذاكراً في خطابه (إنها لجمهورية الهوى من قبل أن ينادي بالثورة منادٍ، وإنها لم تكن في حاجة أبداً إلى الحماسة، ففي قلبها منها الكفاية). (أما الحماسة في رأيها فهي تلك العاطفة التي تدفع بالمرء إلى بذل روحه طائعاً في سبيل بلاده).
وقبيل ظهر الثلاثاء التاسع من شهر يولية من العام الرابع للثورة، اتخذت شارلوت مكانها من عربة بريد (كان) الراحلة إلى باريس مزودة بخطاب باربارو وبقليل من متاعها الخفيف. لم يكن في وداعها - كسنة السفار - أحد يتمنى لها رحلة طيبة موفقة، فهي قد بيتت عزيمتها بينها وبين نفسها مخلّفة لأبيها رقعة تفضي إليه فيها بأنها في طريقها إلى إنجلترا، وأنها ترجو أول ما ترجو أن يغفر لها فعلتها وأن ينساها إلى الأبد.
وزحفت عربة البريد بحملها، وكأنما لازمها نعاس ملح، ما زال يدفع بها وئيدة مهومة حتى بلغت جسر (نيلي)، وحتى لامست عجلاتها ثرى باريس في ضحى يوم الخميس ١١ يولية، حيث شهدت عينا شارلوت مدينتها المنشودة تطالع السحاب بقبابها العديدة السوداء وفي فندق البروفدانس بشارع دي فيو أوجستين احتجزت لنفسها غرفة سرعان ما احتواها فراشها، وسرعان ما راحت في سبات عميق بقية النهار وطيلة الليل، فلم تستفق منه إلا وشمس الجمعة قد علت في الأفق.
следующие страницы →