← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 9976–10015 · переход к 9981.

стр. 9976

إلى أجناده وفرسانه وقبيلته وهي تعبر النهر على مهل؟. . وأين له الراحة أو الانصراف عن التفكير وهو يعلم أن الرومان قد علموا بأمره وأنهم ساعون في أثره مرسلون قوادهم خفافاً للحاق به والقضاء عليه؟. وهذه عيونه تنبئه بأن مارسلوسن ماض في الطريق إليه، وإنه ليخشى ذلك كثيراً، إذ كيف تكون العاقبة لو لحق به الرومان وهو يعبر النهر؟. إذاً لقضوا عليه في يسر وهينة. ثم هذه عيونه تنهى إليه أن آل سيببو يثيرون عليه النافو ويقيمون عليه قيامة الشعب. فإذا متع الضحى فقد أقبل عليه رئيس فرسانه ينبئه بأن الجيش قد فرغ من العبور وأنه لم تبق في الضفة الأخرى إلا شراذم من المشاة وأشتات من المؤن التي لا يؤذي ضياعها. هناك ينهض الرجل الذي أجهده الإعياء وثقلت عليه قلة النوم، ويأوي إلى فسطاطه. . . ويطلب النوم فيسرع إليه النعاس. . . ولكنه على رغم ذلك مضطرب ما يزال. . . وأن الذكريات لتسعى إليه في الحلم فتروعه. هذا هو أبوه هملكار يخطو إليه رهيباً جليلاً. . . يذكره بعهده الذي قطعه على نفسه وهو أبن سنوات تسع، وهذا صوت الصبي الصغير يتردد على سمعه واضحاً بيناً، إنه يقسم أن يكون عدواً لدوداً لروما إلى الأبد. وها هو ذا يرى نفسه صبياً وفتى يافعاً، ثم رجلاً في مداخل الرجولة، إنه ليمضي الوقت في قفار إسبانيا ووهادها، لم ينصرف إلى شيء مما ينصرف إليه الشبان، ولم يترك لنفسه فرصة للراحة أو الدعة، وإنما أشتد على نفسه عشرين سنة كاملة حتى أوفى على الثلاثين. . . حتى إذا أكتمل الأهبة، فقد أتخذ سبيله إلى إيطاليا، وكان الرومان قد أخذوا عليه سبيل البحر بعد أن قضوا على أسطول قرطاجنة، ولم يبق له إلا أن يمضي فيخترق هذه المجاهل الجافة حتى يصل إلى سهول إيطاليا؛ ولقد فصل عن قرطاجنة الجديدة وهو في تسعين ألفاً فتهاوى منهم الآلاف في الطريق تعباً وإجهاداً. . . ولولا بقية من أمل معقودة بلواء فرسان نوميديا، لأدركه اليأس وكر راجعاً إلى بلده. . . هكذا كانت حياته: واقع أشبه بالحلم، وحلم أشبه بالواقع! إنه ينام ليحلم بحرب روما، ويقوم ليمضي لخراب روما. ومضى أمامهم فمضوا من خلفه، وهم أشد ما يكونون رهبة من هذا الذي يمضي بهم إليه؛ إنهم ليشعرون الرهبة من هذه الجبال السامقة التي تطل عليهم وتنذرهم بالموت. . . وأين لأبدانهم المتعبة أن تتوقل هذه النجاد الوعرة، وأن تنحدر على

стр. 9977

هذه الصخور القاسية؟ وأين لجسومهم العزم الذي يخوضون به هذه الركام المثلوجة التي تبهر عيونهم على قنن الجبال؟. . . ولكنهم لا يملكون لأمر قائدهم دفعاً. . . بل هو لا يملك لأمر نفسه دفعاً. وإنه ليمضي ليوفي عهد أبيه لا يكاد يفطن إلى شيء مما حوله. فها هو ذا في مقدمة الجيوش يصعد في إعياء ويسير في هينة، والجنود يتساقطون من حوله إجهادا والخيل تنبت من تحته نافقة، وهو في طريقه لا ينبس. . حتى ينتهوا إلى السهول فينحدروا إليها سراعاً. هنا ترجع بنا الذاكرة إلي معبد (بعل) في قرطاجنة. . . تلك هي القديسة تضطرب تحت يد هملكار الذي يقدمها إلى الآلهة طاعة ونسكا. . . وتلك هي روما تضطرب تحت يد ابنه هانيبال الذي يقدمها إلى أبيه قرباناً زكياً. . وهؤلاء هم الرسل مقبلين على مدينة التلال السبعة يرجفون بالأخبار ويزعزعون العزمات من رهبة الوعيد، ويضطرب الأمر بين الرومان اضطراباً شديداً، ويقذفون بجيوشهم إلى هانيبال في شجاعة وأقدام حقيقين بالإعجاب. . والقرطاجني متربص يفني الجيوش فناء، ويبتلع القادة ابتلاعاً وهذه تربيا تشهد يوم اجبر هانيبال العدو على النزول إلى الميدان في البكرة القارسة والشمس لا تزال في خدرها، وكيف انسابت الكمائن من فرسان نوميديا على جوانب الجيش الروماني فأكلته أكلا. . . وهذه ترازمين تذكر يومها العبوس من شتاء سنة ٢١٧. . هذا هانيبال يخبئ جنوده في باطن الجبل المطل على أمواج البحيرة، ويترك منهم نفراً يناوش القنصل فلامينيوس، ويتقدم الروم ثم يندفعون اندفاعاً شديداً. . فإذا انتهوا إلي ساحل البحيرة فقد القوا أنفسهم في وابل من نبال الغال، ونار من فرسان النوميديين وإذا العدو يسد عليه طريق الرجوع، وإذا الماء يعين عليهم الخصم. . وإذا هزيمة ساحقة لم ينج منها إلا نفر مضى إلى روما يزلزل أهلها بالمصيبة النازلة، والفاجعة التي لم تذر. . وهؤلاء أهل المدينة مروعين قد انتابهم هلع شديد. . إذ ترامى إلى أسماعهم أن الرجل قاصد إليهم. . ثم هاهو ذا على أميال من روما. . ليس من الموت بد! ولكن هانيبال لا يتقدم، إنما يطوي عن المدينة ويتجه إلى الجنوب. ترى ماذا صد هانيبال عن روما؟ كانت الحصون واهنة والجيوش منكسرة ولا يكلف الاستيلاء على المدينة الا اقل الجهد. . ولكن هانيبال كان يرجو شيئاً آخر. . كان لا يريد

стр. 9978

أن يقتل الفريسة دفعة واحدة وإنما يقطع أعضاءها عضواً عضواً، ويمزق أشلاءها شلواً شلواً: ثم يدعها تموت؛ كان يرجو أن يمزق جسد روما جزءاً جزءاً ويبتر مستعمراتها عنها على مهل! لم يمزق الرومان أملاك قرطاجنة واحدة فواحدة لكي تموت على مهل. هكذا كان يريد أن ينفذ انتقامه الشديد - ولهذا مضى يثير أنصار روما ويؤلب عليها أحلافها. . . انه ليعلن انه اقبل ليحارب الرومان لا الايطاليين، وانه ليطلق الأسرى الإيطاليين دون الرومان وانه ليكسب من هذا كسباً عظيماً. . هذه (كبوا) تسارع إليه بقواتها وأحلافها. . وهذه المدن الإغريقية في (تارنتم) تعلن ولاءها. . وهؤلاء هم الرومان يشتد بهم الخوف فيختارون (فابيوس) لهم قنصلاً. . فيختط لمحاربة هانيبال خطة صارت علماً عليه في التاريخ: هي أن يجنب نفسه وجيوشه لقاء العدو في موقعة حاسمة. . بل يناوشه ويتخطف جنوده، ويقفل طريق الإمداد من الشمال. . ويمضي على ذلك حتى يضعف فمره ويفني جنوده. . ولكن الرومان لا يطيقون صبراً. . أن هانيبال ليفسد عليهم جيرانهم واتباعهم. . ويتلف مزارعهم ويهدم حصونهم ويمضي من بلد إلي بلد، تاركاً جنوده يأتون من الأمر ما يحبون ويصيبون من العدو ما تصل إليه أيديهم، حتى يضيق ذرع اللاتين فيعزلوا فابيوس ويولوا قنصلاً آخر يمضي مسرعاً حتى يلقي هانيبال في (كاني) على ساحل الأدرياتيك، وهناك تظهر قدرة الرجل في الحرب في أجمل آياتها. . . إنه ليصف جندوه صفوفاً طويلة تكاد تخفي جناحي الفرسان. . وانه ليلقي العدو وينثني قلب جيشه حتى يصير الصف نصف دائرة تحتوي الرومان ثم يقبل الفرسان فيقضون على العدو قضاء مبرماً. ندع هانبيال في سيره إلى جنوب شبه الجزيرة ونخف إلى روما لنشهد اضطراب الشيوخ وهياج الشعب واشتداد الأمر ولنشهد مشهداً من أصدق مشاهد الرجولة القوية والبطولة الخالدة. . . إن (آل سيببو) لا يحفت لهم صوت ولا يضعف لهم أمل. . . لقد مات الأخوان في وعور إسبانيا، وهما في طريقهما إلى بلادهما بعد أن استوليا على (قرطاجنة الصغيرة) قاعدة هانيبال في أيبريا، وشطرا شبه الجزيرة كلها عن القرطاجني حتى حصروه حصاراً شديداً. . . وها هوذا أخوه (هازدرونال) أخو هانيبال يجمع له ما تيسر من فلول المرتزقة ويمضي إلى إيطاليا فيلقاه الرومان ويفتكون به ويقتلونه. . . ثم يحملون رأسه إلى أخيه ويلقون به بين يديه.

стр. 9979

ثم ينهض سيببو الصغير ويقود حملة من أعنف حملات التاريخ؛ فهذا فتى في الخامسة والعشرين ولكنه روماني عزيز. . . إنه ليقطع شبه الجزيرة على عجل. . . ثم يركب البحر إلى صقلية ثم يخف إلى أفريقية وينزل على مقربة من قرطاجنة ثم يبدأ يصنع في أفريقية ما يصنعه هانيبال في إيطاليا. . .! هنالك يتأمل هانيبال رأس أخيه الشهيد ويستمع إلى أخبار سيببو فتأكل الحسرة قلبه ويفزع على مصير قرطاجنة، ويسرع لنجدتها. . . ولا تكاد قدمه تمس ثرى أفريقية. . . حتى تسرع نحو سيببو. . . فيمضي هذا أمامه. . . ولم يكن أخطر على الجيش الروماني من هذا المضي الذي يباعد ما بينه وبين الشاطئ. . . ولكن. . . أنظر إنه ليثير النوميديين على قرطاجنة، إنه ليطويهم تحت رايته حلفاء أقوياء. . . ثم يثبت لهانيبال عند (زاما) ويرسل فرسانه في طرفي مشاته. . . ويصف الجنود صفاً طويلاً، ويباعد بين الجندي والجندي حتى ليدع بينهما طريقاً رحباً. . . ثم يقبل هانيبال. . . ويدور فرسانه فإذا هم وجهاً لوجه أمام فرسان سيببو. . . فيفسحون لهم الطريق، فيندفع هؤلاء إلى ما وراء الجيش وهناك ينتظرون. . . وتشد المعركة، ويثار النقع، حتى إذا بلغ الإعياء من جيش قرطاجنة أقبل فرسان الرمان فقضوا عليهم قضاءً أخيراً. أليست هذه أساليب هانيبال؟ أليست تلك خطته في كاني؟ وإنها لبينة واضحة على عبقريته، وآية باقية على ما خلف للعالم من تراث. ويخف هانيبال إلى قرطاجنة، ويأمر بأسوارها أن تقفل ويسودها الهرج والاضطراب، ويجتمع مجلسها ويتعاقب الخطباء منادين بالحرب والثأر. . . ولكن الرجل لا يطبق. . . إنه يعرف خصمه جيداً فينهض ويسكت الخطيب. . . ويعتذر لمواطنيه عن هذه الجفوة التي لا محيص له عنها بعد ست وثلاثين سنة في ميادين الحروب. . . ثم يوافق على شروط الصلح التي قدمها سيببو. ثم يبدأ صراع هو أشبه بصراع المائة يوم بين نابليون وخصومه. . . ولكن يطول سبع سنوات، يصر الشيوخ في السناتو على القضاء على الرجل. . . ويطلبونه ويجدون في طلبه. . . وهو لا يفقد الأمل في الغلبة عليهم والانتقام منهم. . . لقد فشل في أن يثير عليهم الغرب، فلملا يقيم عليهم قيامة الشرق؟. . . ها هو ذا يخف إلى بلده (صور)، فإذا

стр. 9980

هي ترتعد فرقاً من روما وجيوشها فيفصل عنها إلى (إنطاكية) حيث يستقبله ملكها أثينوكس، إذ كان بعد حملته على روما. . . ويدبر معه الأمر. . . ويرسم معه مشروعاً خطيراً. . . ولا يكادان يشرعان في العمل حتى يفاجئهما الرومان فيقضوا على أثينوكس في داره فيفر إلى بيثتنيا حتى يلقاه ملكها مرحباً. . . . ويأويه ويكرمه. ولكن الرومان لا يسكتون عنه. . . ويطلبونه ويجدون في طلبه. . . وإنه لجالس ذات يوم في ملجئه. . . إذ أحس اضطرابا وسمع وقع أقدام جنود يقتربون منه. . . فنادى بخادمه. . . وأمر بالسم فأتى به إليه. . . وقال وهو يدني الكأس من شفتيه: (لكي تستريح روما إذا كان لا يرضيها أن تترك شيخاً في الستين يموت على مهل). حسين مؤنس

стр. 9981

١٣ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية للأستاذ عبد المتعال الصعيدي وأما عتابه فنذكر منه عتابه لصالح الشهرزوري، وكان أبو العتاهية صديقاً له، وآنس الناس به، فسأله أن يكلم الفضل ابن يحيى البرمكي في حاجة له، فقال له صالح: لست أكلمه في أشباه هذا، ولكن حملني ما شئت في مالي، فأنصرف عنه أبو العتاهية، وأقام أياماً لا يأتيه، ثم كتب إليه: أقلل زيارتك الصديق ولا تطل … إتيانه فَتِلجَّ في هجرانه إن الصديق يلجُّ في غشيانه … لصديقه فيملَّ من غشيانه حتى تراه بعد طول مَسَرة … بمكانه متبرِّماً بمكانه وأقل ما يلقى الفتى ثِقَلاً على … إخوانه ما كف عن إخوانه وإذا توانى عن صيانة نفسه … رَجلٌ تنقص وأستخف بشأنه فلما قرأ الأبيات قال سبحان الله! أتهجرني لمنعي إياك شيئاً تعلم أني ما ابتذلت نفسي له قط، وتنسى مودتي وأخوتي، ومن دون ما بيني وبينك ما أوجب عليك أن تعذرني؟ فكتب إليه أبو العتاهية: أهل التخلق لو يدوم تخلُّقٌ … لكنت ظُل جناح من يتخلق ما الناس في الإمساك إلا واحد … فبأيهم إن حصِّلوا أتعلق هذا زمان قد تعود أهلهِ … تِيهِ الملوك وفعل من يتصدق أي يطلب الصدقة كما قال في بيت آخر: هذا زمان ألحَّ الناس فيه على … تيه الملوك وأخلاق المساكين فلما أصبح صالح غدا بالأبيات على الفضل بن يحيى وحدثه بالحديث، فقال له لا والله ما على الأرض أبغض إليَّ من إسداء عارفة إلى أبي العتاهية، لأنه ليس ممن يظهر عليه أثر صنيعة، وقد قضيت حاجته لك، فرجع وأرسل إلى أبي العتاهية بقضاء حاجته، فقال يشكره: جزى الله عني صالحاً بوفائه … وأضعَف أضعافاً له في جزائه بلوت رجالاً بعده في إخائهم … فما ازددت إلا رغبة في إخائه

стр. 9982

صديقٌ إذا ما جئت أبغيه حاجة … رجعت بما أبغي ووجهي بمائه ولم يكن أبو العتاهية كما قال الفضل ممن لا يظهر عليه أثر الصنيعة، ولكنه كان يعاشر هؤلاء العظماء معاشرة الند للند، لا كما كان يفعل غيره من الشعراء المستجدين عند هؤلاء العظماء، وإنما كان البرامكة يكرهون من أبي العتاهية إيثاره الفضل ابن الربيع عليهم، وهو منافسهم السياسي في دولة الرشيد، وقد صحبه أبو العتاهية صحبة طويلة؛ ومازال الفضل من أميل الناس إليه، فلما رجع من خراسان بعد موت الرشيد دخل عليه أبو العتاهية، فأستنشده فأنشد: أفنيت عمرك أدباراً وإقبالاً … تبغي البنين وتبغي الأهل والمالا الموت هولٌ فكن ما شئت ملتمساً … من هوله حيلة أن كنت محتالا ألم تر الملك الأمسيَّ حين مضى … هل نال حيٌ من الدنيا كما نالا أفناه من لم يزل يُفني القرون فقد … أضحى وأصبح عنه الملك قد زالا كم من ملوك مضى ريب الزمان بهم … فأصبحوا عبراً فينا وأمثالا فأستحسنها الفضل، وطلب إليه أن يعود إليه في وقت فراغه ليقعد معه ويأنس به، فلما كان يوم فراغه صار إليه، فبينما هو مقبل عليه يستنشده ويسأله فيحدثه إذا أنشده: ولي الشباب فما له من حيلة … وكسا ذؤابتي المشيبُ خِمارا أين البرامكة الذين عهدتهم … بالأمس أعظَم أهلها أخطارا فلما سمع ذكر البرامكة تغير لونه، ورأى أبو العتاهية الكراهية في وجهه، فما رأى منه خيراً بعد ذلك. وقد حدث أبو العتاهية هذا الحديث الحسن بن سهل في دولة المأمون فقال له: لئن كان ذلك ضرك عند الفضل بن الربيع لقد نفعك عندنا؛ ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، وأجرى له كل شهر ثلاثة آلاف درهم، فلم يزل يقلبها دارة إلى أن مات. وكان الحسن بن سهل فارسياً مثل البرامكة، وكان الفضل بين الربيع عربي النزعة، وقد انتهت تلك العصبية بين الفرس والعرب في هذه الدولة بضياع أمرها منهما معاً. ومن عتابه أيضاً ما كان منه لأحمد بن يوسف وكان صديقاً له فلما خدم المأمون وخص به رأى منه جفوة فكتب إليه: أبا جعفر إن الشريف يشينُه … تَتَاُهُهُ على الإخلاء بالوفر

стр. 9983

ألم تر أن الفقر يُرجَى له الغنى … وأن الغني يُخشى عليه من الفقر فإن نلت تيهاً بالذي نلت من غني … فإن غنايَّ في التجمل والصبر ومن شعره في الاستعطاف إلى الرشيد وهو في سجنه: يا رشيد الأمر أرشِدْني إلى … وجه نجْحيِ لا عدمت الرَشدا لا أراك الله سوءاً أبداً … ما رأت مثَلَك عينٌ أحدا أعِنِ الخائف وارحم صوته … رافعاً نحوك يدعوك يدا وإبلائي من دعاوي آِملِ … كلما قلت تدانى بعدا كم أمَني بغدٍ بعد غَدٍ … ينفد العمر ولم ألق غدا وأما الزهد والحكمة والمثل فهي الفنون التي أستفرغ فيها جهده، وأربى فيها على غيره، ونظم فيها ما استفاده من أهل العلم من السنن وسير السلف الصالح، وأشعاره في ذلك لا مثيل لها لأنها مأخوذة من كتب الدين والسنة، وما جرى من الحكم على ألسنة هذه الأمة. ومن بدائعه في ذلك أرجوزته المزدوجة التي سماها ذات الأمثال، وتبلغ في الطول ما لم يبلغه شعر قبلها، ويقال إن فيها أربعة آلاف مثل، وهي تجديد عظيم في الشعر العربي بهذا الطول البالغ فيها هذا المبلغ، وبهذه القافية التي مكنت له من المضي فيها إلى الحد، وهذا ما ذكره منها صاحب الأغاني: حسْبكَ مما تبتغيه القوتُ … ما أكثر القوت لمن يموت الفقر فيما جاوز الكفَافَا … من أتقى الله رجا وخافا هي المقادير فلمني أو فَذَرْ … إن كنتُ أخطأتُ فما أخطا القدرْ لكل ما يؤذي وإن قل أَلمْ … ما أطولَ الليل على من لم ينم ما أنتفع المرء بمثل عقله … وخير ذخر المرء حسن فعله إن الفساد ضده الصلاح … وربّ جد جرّه المزاحُ من جعل النمامَ عيناً هَلَكا … مُبلغكَ الشر كباغيه لكا إن الشباب والفراغ والجِدِهْ … مفسدة للمرء أيُّ مفسده يغنيك عن كل قبيح تركَه … يرتهن الرأيَ الأصيل شكه ما عيش من آفته بقاؤه … نغَّص عيشاً كُلُه فناؤه

стр. 9984

يا رب من أسخطنا بجهده … قد سرنا الله بغير حمده ما تطلع الشمس ولا تغيب … إلا لأمر شأنه عجيب لكل شيء معدن وجوهر … وأوسط وأصغر وأكبر من لك بالمحض وكلُّ ممتزجْ … وسَاوسٌ والصدر منه تعتلج وكل شيء لاحقٌ بجوهره … أصغره متصل بأكبره ما زالت الدنيا لنا دار أذى … ممزوجة الصفو بألوان القذى الخير والشر بها أزواج … لذا نِتَاجٌ ولذا نتاج من لك بالمحض وليس مَحَضُ … يخبث بعضٌ ويطيب بعض لكل إنسان طبيعتانِ … خير وشر وهما ضدان إنك لو تستنشق الشَحيحا … وجدته أنتن شيء ريحا والخير والشر إذا ما عُدّا … بينهما بَونٌ بعيد جداً عجبت حتى غمني السكوت … صرت كأني حائر مبهوت كذا قَضَى الله فكيف أصنع … الصمت إن ضاق الكلام أوسع قال أبو الفرج وهي طويلة جداً وإنما ذكرت هذا القدر منها حسب ما استاق الكلام من صفتها. عبد المتعال الصعيدي

стр. 9985

في وادي الهوى للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي شدا فوق فرع مورق بلبل الوادي … فيا حبذا الوادي ويا حبذا الشادي فقلتُ له زدني بربك أنني … إلى نَغَمٍ حُلو تُرجعه صاد وما لحياة بهجةٌ وحلاوةٍ … إذا كنتَ في وادي الهوى غير غرّاد أفدني بأسرار المحبة خُبرَةً … فأنت عليمٌ بالخفي وبالبادي ضللتُ طريق في هوى من أحبّه … وإنك في وادي الهوى وحدك الهادي فقال أتحميني من الموت إنني … أراه فأخشاه على نبل صياد توسمتُ فيه الشرَّ لمّا رأيتهُ … يسدد نحوي السهمَ من عطفة الوادي فطرتُ بعيداً عنه أهرب واقعاً … على فَنَنٍ في ذروة الدوح ميّاد ومن هجمات للغراب شديدة … يريد بها عن موطني النضر إبعادي يطاردني في موطني معتمداً … وما زال فيه واقفاً لي بمرصاد ينازعني في الشدو حق زعامة … توراثتها من والديّ وأجدادي فيهدم عشّي وهو ما قد بنيتهُ … بنفسيَ من نبتٍ يبيس وأعواد وماذا من الإجرام كنتُ أتيتهُ … فيصبح هذا الأسود النحس جلادّي براني في وادي الهوى اللهُ شاعرا … فأطرَبَ فيه الزهرَ شعري وإنشادي وما طال لولا الزهرُ فيه إقامتي … وما كنت لولا الزهر بالرائح الغادي لقد كنتُ في الوادي إلى الزهر مُخِلداً … فهل كان يؤذي ذا جناحين إخلادي سل الطير بي هل كنتُ في العمر مرّةً … على واحدٍ منها إلى جانب العادي وإن أضمرت نفسي على ذي تجاوزي … من الطير أحقاداً تناسيتُ أحقادي بلانيَ ربي كل يوم بظالم … فما القصد من خلقي شقيّاً وإيجادي ولو كنت ذا ظفرٍ حديدٍ منسرٍ … تجنبت الغربان بطشي وأرصادي وإنيَ في الوادي الذي هو معبدي … بروحيَ للزهر الذي يحتوي فاد فما أجَملَ الزهرَ الذي هو مشرق … كنجم بدا في آخر الليل وقّاد وقل لبني الضاد اجمعوا أمركم فما … لقوم كسالى نهضةٌ يا بني الضاد

стр. 9986

جميل صدقي الزهاوي

стр. 9987

في وصف الطباع وصف شامل للنفس وطباعها للأستاذ عبد الرحمن شكري ما ازدريت الأنام الاوهان ال … كيد منهم وهان منهم عداء وتفردت لا أصول بكيد … وتزهدت واستقام العزاء ومن الناس مَنْ إذا ما ازدراهم … كان منه الإجرام والاعتداء ولو أنى أكبرتهم لم يروني … غافراً واحتوتنيَ البغضاء ولو أنى أكبرتهم لم تر الرح … مة ديني وما بهم رحماء ودهم مثل بغضهم فيه عدوى … مثل عدوى تسعى بها الثؤباء ويرى المرء انه كان كل شيء … هو تبر وما عداه هباء مركز الكون حوله دارة الأف … ق وبهو من فوقه وسماء ولقد تحمد الخليل طويلاً … ثم يبدو ما كان منه انطواء فإذا الغدر شيمة وطباع … وإذا الود والوفاء رياء وإذا النفس جانب مدلهم … بالدنايا وجانب وضاء وإذا المرء يحمد الصحب منه … جانباً والكريه منه خفاء ومع الخبر بالأنام فقد يع … رو الفتى عند غدرهم إعياء كل يوم يخال منه جديداً … وهو رث وما طواه العفاء قلبه الأمل المضلل بالو … د يقود الأسى إليه الرجاء ومع اليأس منهم كرم الصف … ح إذا الحتم ما جنوا والقضاء كلهم يشتكي ويشمت بالشا … كي وكلٌّ كما يسيء يساء كلهم يندب الوفاء وكلٌ … يتأذى وطبعه الإيذاء كلهم قانص يرى في وفاء ال … بخل صيداً وليس منه وفاء كلهم لا يود للناس ماَ ير … غب فيه لنفسه ويشاء ويُسَرُّ الفتى ويُبدى اكتئاباً … إنْ ألَمَّتْ بصاحي بأساء صادق العطف كان أو كاذب العط … ف ففي نحس خله سراء

стр. 9988

وارتياح أَن لم يُصَبْ مثل خل … نزل الحزن داره والشقاء وسواء خب وغِرُّ ولا غَرْ … وَفللغر صولة وعداء كلهم إن يرقك منه ذكاء … بعد حين يرعْك منه غباء فكأن الذكاء منه وميض ال … برق والعقل كله ظلماء كلهم يبغض النقيصة حقاً … حذر الناس بغضه إخفاء واكتساباً للحمد والربح يقلا … ها ولولاهما لعيف الرياء كلهم يُلْبِسُ النقيصةَ منه … حلة الخير وهو منه بَرَاءُ يغضب المرء للفضيلة كيما … يحسب الناس أن ذاك نقاء وسواء نقص وفضل لديه … إنْ تدانت من كسبه النعماء ومن الناس من يبوح بنقص … وكثيرٌ من قوله إطراء كالذي قال إنما أفقدته ال … حلم منه صراحة وإباء يمدح الحلم مغرياً وهو يسطو … مغنم الحب في الورى الحلماء وحذاراً للشر يمدح خيراً … ذاك جبن في طبعه واتقاء قسم النقص والمحامد بين ال … ناس منه الأحقاد والأهواء فلئيمٌ من كان منه جفاء … وكريمٌ من كان منه إخاء ذاك ميزانه وما الحق إلا … ما رأى الحق يأسه والرجاء ويرى الأخرقَ الذي يرحم النا … سَ وإن ود أنهم رحماء كي يمدوه بالذي ضن عنهم … بجداه وهكذا الأحياء كل حي يصون منه حياة … ولئن غال ما عداه العفاء حاطها بالصيال والمكر والقَسْ … وِ ولم عم سواه الشقاء وبإنكار كيده وأذاه … وبدعوى الكمال وهو طلاء يتدنَّى يبغي العلاء ولا يث … نيه عما يحط منه إباء غير من آثروا على أنفس من … هم نفوسَ الورى وقد قيل داء وعجيب إِنْ كان أَطْهَرُ ما في ال … نفس داءً والحرص منه الشفاء واشد القُساَةِ يُنِكُر لؤم ال … ناس كيما يكون منه مضاء

стр. 9989

وهو يُطْرِى الحياة بُقيا على الكيد وذعراً يكون منه الثناء بين أمرين يدرج الناس طراً … جوع بطن أو أن يكون امتلاء ومن الجوع أو حذاراً له أو … خشية الموت كم قسا الأحياء وامتلاء يصير شهوة جسم … يهتك الطهرَ حفزها والمضاء هَيِّنٌ بعدها إذا ما الضحايا … نال منها نحس ونال شقاء خمص بطن ونهمة وحذار … واحتيال وقسوة ورياء ذلك العيش ثم ما كان من خي … ر بَكِىٍّ لولاه عيف البقاء وقتالٌ على الحياة دعاه ال … حيُّ فضلاً يبغي به ما يشاء ذاك فضلُ إذا أساء ولكن … هو نقص في الناس حين يُساء ولو أن السبيل للموت سهل … لم تكن عنه نجوة أو عزاء فاحمد العيش إن حبك للعي … ش مُلِحٌّ مما تمادى العناء إنَّ أقوى الرجاء ما تعرف النف … س وإنَّ قَبَّحَ الحياةَ الذكاء لم يعفها وإنما شاء أن يُبْ … صِرَ قدماً من حسنها ما يشاء دائب بَصَّرَ الأنام بما جَ … مَّلَ عَيشاً ووصفة إِغراء والذي يكلأ الحياة على العل … م بها لا تروعه الأشياء يمدح المرء مثل ما حاز من فض … ل فإنْ زاد كان منه هجاء فقليل ما تصدق النفس قولاً … وكثير من أجل ذاك المِراء مهجة الحاسدين في سورة الأح … قاد والبغض مهجة هوجاء ساء فعلٌ منهم فساءت ظنون … والورى في طباعهم شركاء سوء ظن الأنام طبع ولكن … مقلة الظن مقلة حولاء كل حي أمامه ما جنى الخص … م يراه وما جناه وراء وعجيبٌ أن يُحْسَد المرء حتى … بعد أنْ لم تَدمُ له النعماء أي نفس من أنفس الناس عافت … حسداً للقلوب منه اكتواء لا بل الفضل إنْ تضاءل ما في ال … نفس منه ولم يكن إيذاء كلهم ذلك الحسود ولكن … هَيّنٌ ما بدت به الفضلاء

стр. 9990

لو ينال الأنام ما حسدوه … حسدوا ضده وليِمَ القضاء حسبوا اللؤَم من ذكاء وعقل … فادَّعاه الطغام والأعلياء وتباهوا بقدره اللؤم فيهم … استشاطوا إنْ قيل هم لؤماء وقليل ما يندم المرء أن لم … يك جُرْم من بعده الازدراء فإذا الناس زَيَّنُوا منه جرماً … شملته مِنْ مدحهم خيلاء ومضى سادراً يرود من الآ … ثام مرعى ودأبه الكبرياء يبتغي المرء أن يرى الناس طراً … حيث يرضى وخلقهم ما يشاء وهو لا يستطيع تغيير ما في … نفسه كي يكون منهم رضاء وحقيق بالشك مَنْ رأيه يت … بع ما خولجت به الحوباء رأيه مثل خلقه وهواه … حاكم فيه جَوُّه وُالغذاء في قنوط ومطمع وانقباض … وارتياح تناكرت آراء لو بدا الشر في النفوس تعادت … رحم الله فاحتواه كساء وإذا الشر أعوز المرء عجزاً … ادعَّىَ أن عجزه استعلاء ومُقِرَّ بالشر كي يُغْفَرَ الش … رَّ وكيما يعود منه اعتداء واعتراف بالجود حرصٌ وكسبٌ … وهو منه استزادةٌ لا وفاء ولقد يحقد العشير إذا خ … لاّك رزء وكان منه رثاء يجرأ الفرد بالجميع على الش … ر ولولاه غاله استخذاء شد من أزر سافل أنَّ شراً … جُمِعَتْ في مناله الجبناء فجبان يشد أزر جبان … وعداء يكون منه عداء ولقد يفعلون خيراً ليخفى الش … ر منهم وذاك منهم رياء والشقي الجزوع من شر قوم … جر نفعاً منه إليهم رجاء مستنيم إلى الولاء ويكوي … قَلْبَه أن يغيض منهم ولاء جاهل بالأنام يخدعه المُط … ري نفوساً لهم وحق الهجاء لقنوه أن المروءة أن يغ … تر بالناس وهو منه غباء لا بل الفضل خيره وهو يدري … إنْ بلاهم أنَّ قد يعز الجزاء

стр. 9991

مطمئناً بعد اصطناع جميل … عندهم إنْ دهاه منهم بلاء كلهم ظالم وان كان مظلو … ماً ما رأى أنَّ قَسْوَةُ استشفاء يشتفي من لواعج الغيظ والذ … ل بظلم الأذَلِّ بئس الدواء يظلم الصاغر الضعيف كما يظ … لمه من له عليه اعتلاء طبقاتٌ مقدرَّات من الطغ … يان ما إن يُخَال فيها انتهاء ومع الشر والأباطيل في النف … س فللخير أنة سيماء عبد الرحمن شكري

стр. 9992

القصص صور من هوميروس حروب طروادة أندروماك للأستاذ دريني خشبة استطاع نبتيون أن يزلزل قلوب الطرواديين وحسبه أن يفر من ميدانهم مارس الجبار، وأن يفر في أثره أتباعه إله الروع، وفينوس، أصل البلية التي حاقت باليوم، لينتقل النصر طفرة من جانبهم إلى جانب الهيلانيين. وبرزت شمس اليوم التالي على الساحة الملطخة بآثام الإنسانية، المضرجة بأوزار الإلهة، المصطخبة بأنين الموتى. . . لتشهد من جديد صراع الضغائن وتصاوُل الأحقاد، وأخذ السخائم بعضها برقاب بعض، وهذه الكتل البشرية يفني بعضها بعضاً. وأشتد الهيلانيون في طلب الطرواديين، وأستبسل هؤلاء، فكانت أمواج الغزاة تتكسر على صخور شجاعتهم. . . . . ولكنها لا تتلاشى. وعظم الخطب، ومارت الأرض، وأنعقد رَهَجُ الحرب مما تثير الخيل من هَبَوات، وإشتجرت الهيجاء، حتى لكأنها قطع من الليل، وصلصلت الدروع حتى لكأنها عواء ذئاب الجن، واستشرى الشر حتى لا ترى إلا إلى منايا وآجال، في قتال ونزال. وأحسن جنود طروادة بلُغوب الوغى، وشعروا بالرجفة تأخذهم من كل جانب، وكان هكتور العظيم يخطف كالبرق بين صفوفهم يحضهم ويحرضهم؛ بيد أن الشجاعة لا تغني في موقف الموت شيئاً، فقد شرعت فيالقهم تتقهقر ببطء نحو الأسوار، حتى إذا بلغوها لبثوا ثمة يُصلون أعداءهم وابلاً من السهام، تساعدهم الرماة من فوق الأبراج. . . لكن الهيلانيين ما تفتر لهم همة، ولا يصل إلى حماستهم كلال؛ فقد صمدوا في مواقفهم، وثبتو وصابروا، وأبدوا من ضروب البسالة واليأس ما حير ألباب أعدائهم، وجعلهم ألباً عليهم واحداً!! وفي عنفوان المعمعة لقي هيلانوس بن بريام الملك، أخاه المغوار هكتور يقصف بين

стр. 9993

الصفوف ويرعد، ويرغي بين المحاربين الصناديد ويزبد؛ وكان هيلانوس خير كأشفى الغيب، وعرافي الطرواديين؛ وكان حبيباً إلى الآلهة، جميل الطلعة، بسام الثغر، حتى في الحرب؛ وكان إلى ذلك حازماً موفور الحزم، صارماً شديد البأس، يقهر الغير على احترامه ولو كانوا يكبرونه سناً؛ فلما رأى هكتور يعبس تلك العبوسة القمطرير لما يحيق بجنوده من أذى، ذهب إليه قُدماً وقال: (أي أخي! أي هكتور العظيم!). وما كاد هكتور يسمع النداء الحبيب حتى هرع إلى أخيه يلتمس في صدره الحنون برداً لحر تلك الجحيم التي لفحت شجعان طروادة بزفيرها، وصاح به: (هيلانوس! أنت هنا؟ أدع لنا آلهتك يا أيها العزيز! لقد كؤد النصر بعد إذ حسبناه في أيدينا أمس. . . أدع لنا آلهتك فقد عيينا بهؤلاء الهيلانيين الأبالسة!. .) - (هكتور! أصغ إليَّ! لن تظفروا بهؤلاء مادامت مينرفا معهم تؤيدهم، وتشد أزرهم، وترد عنهم سهامكم، فتجعلها في نحوركم!!). (هكتور! هلم إلى القصر يا أخي، فالق والدتك المرزأة ثمة، فتوسل إليها أن تذهب من فورها، مرتدية أبهى ملابسها إلى هيكل مينرفا، فلتبك عند قدمي تمثالها، ولتقدم الضحايا، ولتُقرب القرابين، ولتحرق البخور المقدس، الممزوج بالأفاويه والصندل وطيوب الهند؛ ولتنذر أن تذبح اثنتي عشرة بقرة من خير أبقار اليوم، فتتصدق بلحومها، وتهب الكهنة شحومها، إذا وعدت ربة الحكمة أن ترفع مقتها وغضبها عن طروادة!) وألحف هيلانوس على هكتور، فألقى نظرة على المعركة، وكاد قلبه يتفطر على هذه الأشبال التي تسقط هنا وهناك، وفي كل صوب وحدب، لاقيةً حتوفها في سبيل اليوم، وذرف عبرات تذوب حناناً ورحمة، ثم لوى عنان حصانه إلى البوابة الكبرى، فدخلها وقلبه يتصدع من الهم، ووقف مرة أخرى يلقي على الساحة المضطربة نظرة قائد بجنوده جد رحيم. . . وأنطلق إلى القصر الملكي المنيف ذي الشرفات والآكام. . . وهناك. . . عند بوابة القصر، وتحت البلوطة الكبرى الوارفة، أجتمع حول هكتور نسوة كثيرات، هن أزواج المحاربين البواسل وأخواتهم وبناتهم، وأمهاتهم كذلك، إزدحمن حول

стр. 9994

يسائلن عن رجالهم، هل أودى بهم حتف القضاء؛ واسقوا نرى الوطن العزيز من دمائهم، أم ما يزالون يناضلون الأعداء، ويردون عن طروادة حُمى البلاء؟. . . ولكن هكتور يوشك ألا يسمع لهن، لأنه ينطلق من فوره إلى داخل القصر،. . . وها هو ذا يهرع في أبهائه العظيمة، ماراً بتلك الغرف الخمسين التي تضم أزواج أبيه وأطفالهن، ثم بالبهو الأكبر ذي العماد الشامخة، ثم بالجواسق الذهبية ذات الدُّمى والتماثيل، حتى يكون عند ردهة الملكة، فتلمحه أخته الجملية ذات المفاتن لاؤوديس فتجري إليه، وتلف ذراعيها حول ساقيه، فيتخلص منها برفق. . . وتكون والدته قد أحست وجوده فتهرع إليه، وتهتف به: (هتكور! بُني! ماذا جاء بك هنا؟ لمن تركت الساحة يا ولدي! أهكذا تدع أبناء طروادة للموت الأحمر وتجيء إلى الحرم تنشد الراحة يا هكتور؟ لا. لا. لا أحسبك تتخلى عن جنودك لحظة. ولكن هلم إليَّ! إليك هذه الكأس من أشهى ما عصر باخوس! رَّو ظَمأتك منها وعد إلى الميدان. .) بيد أن هكتور يتهجم تجهمة مُغضَبة، ويهتف بها: (أماه! حاشاى يا أماه! حاشاى يا أعز الأمهات! لن تهرق الخمر بأسمي، وتلك دماء أخواني تهرق بإسم الوطن وتُراق! حاشاى يا أماه أن أتذوق قطرة واحدة من تلك الكأس، وهناك. . . في سعير المعمعة، يجرع أبناء طروادة الأعزاء كؤوس المنايا وذوب الحمام! أريقيها على مذبح مينرفا إذن! هلمي ولتك معك أزواج القادة والمحاربين جميعاً، فالبسن أبهى ثيابكن الحريرية المفتلة، وحبركن المفوفة، وانطلقن إلى هيكل مينرفا، فصلين لها، وأحرقن البخور الغالي من الأفاويه والصندل أفخر طيوب الهند، ثم أركعن عند قدمي تمثالها المعبود، وإبكين بكاء طويلاً، وسبحن بإسم آلهة الحكمة، واغسلن الأرض عندهما بدموعكن، ثم توسلن إليها أن ترفع عن الطرواديين مقتها وغضبها وأنذرن أن تقربن، لو فعلت، إثني عشرة بقرة من خير أبقار اليوم، يتصدق على الفقراء وأبناء السبيل والمعترين بلحومهن، وعلى كهنة الهيكل بشحومهن. . . (أماه! إن لم تفعلن كما أخبرتك فلا نصر لنا. . . بل لنا الهوان والهزيمة المؤكدة. . . وعليك وعلى نساء طروادة السلام من أربابها الكرماء!. .).

стр. 9995

وصمت هكتور! وأربد وجه هكيوبا! وأنطلق البطل إلى قصر أخيه. . . إلى قصر باريس فوجده يلهو ويلعب، ولا يأبه بهذه الأرواح الغالية التي تصطرع في الميدان، فأخذته الحنقة، وصب عليه شواظ غضبه. . . (أنت! أنت باريس بن بريام! عجباً وزيوس الأكبر! أنت هنا تلهو وتلعب، وتدع ضحاياك تنافح عن آثامك تحت أسوار اليوم، وتذوق الردى بجريرتك؟!. . .). وأطلق العنان للخيل، فذهبت عربته الحربية المطهمة تطوي الطريق إلى الميدان. . . أما أمه فقد جمعت نساء طروادة وجماعة المتوسلات، وذهبن جميعاً إلى هيكل مينرفا. . . وصلين وبكين، وغسلن بدموعهن قدمي التمثال المعبود، ونذرن لآلهة الحكمة ما أمر به هكتور أن يُنذر. . . ولكن! لقد أصمت مينرفا أذنيها! ولم تُصخْ لهذه المتوسلات المكلومة، ولم ترق لتلك العبارات المسفوحة، ولم تطمع أبداً في ضحايا وقرابين تكفر عن خطيئات باريس؛ ذاك الراعي المفتون الذي آثر الجمال الفاني على الحكمة الخالدة، فقضى في التفاحة لفينوس، ربة الحسن والحب، تلك الحية الرقطاء التي لدغت طروادة بأسرها، فهي إلى اليوم تصرخ من سمها الزعاف يسري في أرواح أبنائها، فينكل بهم، ويكاد يقضي عليهم. . . ولا ذنب لهم ولا جريرة، إلا لبنات الهوى الآنم، والغرام الشائن، والحب المجرم المهين!! وأحس هكتور وهو منطلق إلى الميدان كأن منيته تنوشه من مكان بعيد، وأحس في صميمه بشوق حار إلى لقاء أندروماك، زوجه العزيزة عليه، الأثيرة إلى قلبه، شوقاً يشبه وداع الحياة في حرارته وأسره، وشوقاً يشبه الاستمتاعية الأخيرة من مباهج هذه الدنيا. . . في حزنه الصامت، ومعناه العميق! وأحس كذلك بلوعة إلى التزود بنظرات من سكمندريوس طفله الحبيب؛ هذه الهبة السماوية التي توشك أن تصبح نقمة من نقمات اليتم، إذا كان صحيحاً هذا الهاجس الذي وقر في قلب هكتور، والذي صور له أنه مقتول اليوم لا محالة. . . وألح الشوق على قلب البطل، فثنى عنان الخيل إلى الطريق المؤدية إلى قصره الممرد، ليشفي حاجات الفؤاد المعذب.

стр. 9996

وذهب من توه إلى مخدع أندروماك! ولكنه لم يجدها هنالك، فبحث عنها في الغرف والردهات والأبهاء، ولكنه عبثاً حاول الوقوف لها على أثر! وسأل عنها حشم القصر، وكان صدره يعلو ويهبط حين كن يتحدثن إليه عن أندروماك العزيزة وما تلقاه دائماً من القلق، وما تتفزع به روحها من الهواجس ما دام زوجها يخوض غبار هذه الحرب! فهل هي من الأرض الثقيلة المخضبة بالدماء هذه العواطف المشتركة، أو هي من السماء الصافية التي لا يرتفع إليها نغل، ولا يروي فيها زند عداء، ولا تشب فيها سخيمة؟! وأخبرنه أنها يممت شطر برج طروادة الرفيع، تشهد منه ما يحدث في المعركة من أهوال، وذلك عندما ترامت الأخبار أن الإغريق قد ضيقوا الحصار على جنود طروادة، وأنهم خضدوا شوكتهم، وفلجوا عليهم، ونخبوا قلوبهم، وضعضعوا أركانهم. . . فريعت أندروماك، وذهبت من فورها إلى البرج لتطمئن على رجلها وذخر حياتها، وسندها في هذه الحياة السوداء. ونهد هكتور إلى البرج، فلقيته أندروماك بعينين مغرورقتين ووجه شاحب وجبين مغضن، وصدر ينوء بما فوقه من الهموم. كانت تقف أبنت إبتيون، الجملية البارعة، وعلى ذراعها المرمري الفاتن طفلها الرضيع الشاحب، الذي حل بهذه الدنيا الهازلة ليكون عبرة سخينة من عبرات الحزن القاهر، ثم ليكون مأساة وحده حين تضع هذه الحرب الضروس أوزارها، وحين يشب فلا يرى حوله إلا الباكين والمحزونين، وإلا هذه المدينة الكاسفة التي تعصف بها آلهة الحرب، من غير ما شفقة ولا مرحمة! وتعلقت أندروماك بذراعي زوجها، وشرعت تنظر في عينيه المبللتين، وتقول له: (هكتور! رجلي وذخري من هذه الحياة! إلى أين أيها الحبيب؟ أما لهذه الحرب الطاحنة من نهاية؟ أهكذا قضت الآلهة على طروادة الخالدة بالحزن الأبدي والأسى المقيم؟ هكتور ألا تفكر في سلم يرفرف على ربوع الوطن، ويبقى على هذا الشباب الذي تعصف به ريح الحرب؟ رَجُلي!

стр. 9997

إن آلافاً من الهواجس السوداء تضغط على قلبي تحدثه بالعُقَبى الوخيمة، والأيام الباكية القريبة! هكتور؟ هذه أشباح القتلى الأعزاء من بني وطني تحدثني عن مأساة أبي، وأخوتي السبعة، والمئين من أهلي، قتلهم أخيل الجبار بيده السفاحة وجعل من جثثهم كومة عالية تقص على القرون تاريخنا الحزين! لقد هرعوا جميعاً إلى هذه الساحة من سيليسيا، ملبين نداء الملك، الملك التاعس، أبي، الذي سعى إلى طروادة لينام أبد الدهر في ظل أسوارها نومةً غير قريرة ولا هانئة. . . هكتور! لقد نام أعز الآباء في تراب ساحتكم دفاعاً عن مدينتكم، ولكن المأساة لم تتم بقتله وقتل أبنائه والمئين الأعزاء من بني جلدته، ولكن المأساة أبت إلا تكون أمي. . . آه يا أمي العزيزة! أن تكون هذه الأم صفحة محلولكة من صفحاتها التي تفجر الدم في القلب، وتضرم النار في الحشا! لقد ساقها أخيل يا هكتور في جملة السبي، ولولا القَود الكبير، والفدية الغالية التي بذلناها من أجلها، لكانت إلى اليوم، لو مد في أجلها، إحدى خادمات الأعداء الذليلات، اللواتي لا يملك لهن في هذا الإسار عزة، ولا يقدر لها أحد شأناً! لكنها سقطت هناك، في هامش هذه الساحة الظالمة، ضحية سسهم مراش من قوس الآلهة ديان، فكأنما رفضت أن ترفع كأس هذه الحياة إلى فمها النقي الطاهر. بعد إذ لوثته أجداث الدهر بذل الإسار!! هكتور!! كل هذه النوازل هدت نفسي، وحطمت قلبي، وأثلجت مشاعري، وجعلتني بائسةً تاعسة موهونةً لا حول لي. . . لولا أنك إلى جانبي تأسو جراحي وتؤنس وحشتي، وتشيع نوراً متلألئاً في ظلمات حياتي. . .! فأنت لي اليوم أب نعم الأب، وأنت لي في وحدتي بقلبك الحنون أم نعم الأم، وأنت لي أخ، بل أنت لي كل شيء في هذه الدنيا! هكتور! أبق إلى جانبي فأنا لا أستغني عنك بأب أو أم أو أخ، أو بمملكة يزين مفرقي تاجها

стр. 9998

المشرق، ولا يشد يميني صولجانها الرنان! أبق إلى جانبي يا هكتور! أبق إلى جانبي وأرع هذا الطفل، ولا تسلمه وتسلمني لليتم والشقاء. هتكور! إن المستقبل يعبس من اليوم لولدك سكمندريوس؛ فرده عنه، وأدفع عاديات الزمان من الآن عن فلذة كبدك، وحبة قلبك، واستشعر نحوه حنان الأب الرحيم، ولوعة الأم المفئودة!. . . .) وخنقتها عبرة حجبت عن ناظريها نور الحياة، وحبس منطقها كمد ممض، وحزن أليم؛ ووقف هكتور مبهوتاً لا يحير، ينظر إليها مرةً، وإلى ولده أخرى، ثم يلقي على طروادة نظرات. . . واستقيظ بطل اليوم من غفوته الصاحية، وأنطلق لسانه من عقاله يقول: (أندروماك! أيتها الحبيبة! أسمعي إلي!) لا تخالي يا أعز الناس إلى أن قلبي قد تحجر فلم يخفق لكل ما ذكرته من قبل! لا! لقد خفق كثيراً بمثل هذه الهواجس! بل هو قد ذكرك، وقد تصور إن هكتور مقتول، وكأنك كما ذكرت عن أمك في جملة السبي، وأنك تؤوين مع أحد القادة الهيلانيين إلى هيلاس! وإن القائد الغليظ قد ضمك إلى حرمه، أو بالغ في الإيذاء فجعلك إحدى سراريه أو خدمه، كلما مر بك أحد أشار إليك بالبنان: (مسكينة! هذه زوجة هكتور فتى طروادة، وأين ملكها المقدام، البطل الذي سفك الدماء وسعر الهيجاء، تعمل هنا اليوم خادمة ذليلة، كسيرة القلب، مهيضة الجناح، تأتمر بأمر السفلة والاخساء! لا يا أندروماك! لقد ذكرت ذلك جميعاً، ومن أجل هذا فأنا لهذه الحرب، وأنا لهؤلاء الأعداء! سأحطمهم! سأدك الأرض من تحتهم! سأُسقط السماء عليه كسفاً. . .! من أجلك! يا وطني! يا بلادي!. . .). وسكت فتى طروادة قليلاً، ثم ذكر المعركة وما يدور فيها، فتقدم إلى زوجه فطبع على جبينها قبلة كلها هموم: ومد يده يريد أن يأخذ سكمندرويوس فيداعبه أو يودعه؛ ولكن الطفل صرخ مروعاً من هذه القبعة النحاسية المذهبة التي تحمى مفرق أبيه! وأبتسم والداه، برغم

стр. 9999

حزنهما، ورفع هكتور القبعة وألقاها على الأرض المعشوشبة، وتناول الطفل فأرقصه قليلاً حتى انفرجت شفتاه عن ضحكة عالية، ولثمه كما تلثم العاصفة فنناً وارفاً فتلفحه، ودفع به إلى حضن أمه. وأنطلق يطوي الطريق إلى المعمعة. . . (لها بقية) دريني خشبة

стр. 10000

٢ - رحلة إلى حدود مصر الغربية مرسى مطروح، سيوه، السلوم للأستاذ الرحالة محمد ثابت أقلتني سيارة برفقة الأخ النبيل الكريم حسن حشمت، من خيرة الشبان وأكفأ ضباط الحدود، وطفنا بكثير من البساتين والينابيع، وهي عماد موارد الواحة وخير ما يميزها، تنتثر في أطرافها في عدد لا حصر له، وحولها تقوم غابات النخيل تتخللها أشجار الفاكهة، أخص بالذكر منها الكروم والزيتون، ثم الرمان والتفاح والبرقوق والموالح، على أن البساتين تفتقر إلى عناية كبيرة من أهلها، فهي مهملة إلى حد كبير، إذ تغص أرضها بالطفيليات، وتزدحم بالأشجار المتجاورة، مما يؤثر ولاشك في مقدار إنتاجها عاماً بعد عام. ويخيل إلى أن الناس هناك أميل إلى الكسل، إذ كنا نرى ماء الينابيع المتفجرة يجري على غير هدى، ويؤدي بعضه إلى مستنقعات فسيحة هائلة بعضها يبدو كالملاحات المديدة. نرى كتل الملح الأبيض الوضاء تكسو جوانبه إلى مد البصر، ولقد حاولت وزارة الزراعة إصلاح تلك الأرضي وحث الناس على استغلالها بطريقة أنجع من طريقتهم الحالية في الحرث وتعهد الأرض، وكذلك في الاستفادة بذلك الماء الوفير الذي يضيع سدى، ولقد قامت وزارة الزراعة هناك بمجهود يشكر في توزيع أشجار الزيتون والخروب على الناس مجاناً، وفي الاحتفاظ بمياه الينابيع فأقامت حول كل عين أحواضاً كبيرةً من البناء تؤدي منها المجاري الصغيرة إلى مختلف النواحي، بحيث تشعر وأنت تجوب أطراف الواحة من كثرة القنوات وتقاطعها وتشعبها أنك وسط قطر زراعي ممتاز، لكن رغم ذلك يضيع جانب كبير من ذلك الماء سدى، ولقد ساعدت تلك القنوات على تجفيف كثير من المستنقعات التي كانت مربى خصيباً لبعوض الملاريا الذي كان يفتك بالناس فتكاً ذريعاً، وهي تبث في تلك المياه نوعاً من السمك الصغير الذي يعيش على بويضات ذاك البعوض استئصالاً له. ولقد زرنا مصنع وزارة الزراعة الذي أقامته لاستغلال أكبر موردين للناس: هناك البلح والزيتون؛ وهي تبتاع من الآهلين جانباً كبيراً من أجود أنواع البلح، وتخضعه لعملية الغسيل والتطهير والتبخير، ثم الكبس في صناديق من خشب تبطن بالورق الصقيل، وتصدر منه بين ٢٠٠٠ و٤٠٠٠ طن في العام؛ وفي جانب من المصنع معصرة آلية للزيتون بكامل معداتها، يعصر

стр. 10001

فيها الزيتون وينقى الزيت بعدة عمليات، ثم يوضع في صفائح ويصدر؛ وإنتاج المصنع آخذ في الزيادة، ولذلك تفكر الوزارة في توسيعه باطراد. وللأهلين كثير من المعاصر الخاصة للزيت ومساطح البلح الذي يعدون منه (العجوة) السيوي الشهيرة؛ أما باقي أنواع الفاكهة فلا يكادون يستفيدون منه تجارياً، حتى البيع لأهل الواحة نفسها غير مباح، ذلك لأن المالك يعد بيع الثمار للناس معرة لا تليق بكرامته، ولكل إنسان أن يدخل البساتين ويأكل منها ما يشاء بدون مقابل، ولكن ليس له أن يحمل إلى الخارج شيئاً منها إلا في حالات خاصة، عندما يريد المالك تقديم الهدايا من ثمار حديقته لبعض ذوي المكانة والجاه من الغرباء أو الأهلين. ولم أدرك من صنوف الثمار شيئاً، اللهم إلا أردأ أنواع البلح هنالك ويسمونه البلح الفراوي، أما البلح الممتاز المسمى الصعيدي، والذي يليه جودة الفريحي فلا يزال فجاً غير ناضج. أذكر أنا دخلنا بستاناً وتفيأنا بشجرة، وكانت الأرض تحت النخيل يكاد يفرشها ذاك البلح الرديء (الفراوي) فطلب الأخ حشمت إلى الرجل أن يذيقنا أطيب ذاك البلح، فاعتلى الرجل النخلة وهز عرجونها، فأمطرت وابلاً من رطب أصفر كبير، فأقبلنا ننتقي منه أطيبه ونغسله في ماء النبع حولنا ونأكله، فكان لذيذاً شهياً، وما كدت أمتدحه حتى سارع الرجل بالاعتذار بأن الأنواع الجيدة لما تنضج بعد، وأن هذا النوع الذي نأكله غير جدير بنا، لأنه عندهم طعام الحمير! وقد علمت أنهم حقاً يقدمونه علفاً للحمير، والنوى تأكله المعزى. وأكبر عيون الواحة عين قريشت التي تبعد عنها بنحو عشرين كم، ثم عين تاخررت التي تنفجر بقوة هائلة ويتدفق منها ٤٠٠٠ طن يومياً يضيع جله في متسعات الملاحة بالبحر؛ ثم عين الشفا، وتقول خرافة قديمة إنها كانت متصلة بالجن، خاضعة لعبثهم، ثم اكتسبت هبة سحرية هي شفاء الأمراض كافة، لذلك يكاد يغتسل فيها الناس جميعاً كل يوم، فالنساء يقمن مبكرات ويغسلن أجسادهن دون رأسهن احتفاظاً بجمال الشعر أفخر آيات تجملهن، ثم يعقبهن في ساعة متأخرة الرجال؛ والعين التي يستقي منها الناس جميعاً عين تأبه أمام مركز البوليس؛ وكم كان يروقني منظر الناس وبخاصة النساء وهن يردن تلك العين في بكرة الصباح وعند الأصيل يملأن جرارهن! هذه سيوية في نصف سفور، وقد ارتدت

стр. 10002

جلباباً فضفاضاً من قماش يغلب على نقوشه التخطيط الأزرق، وقد ضفرت شعرها في جدائل متعددة، بعضها يتدلى إلى جانبي الرأس والبعض أمامها؛ وتنتهي الجدائل الخلفية بقطع من جلد خشن كان سبباً في أنهن لا يستطعن النوع على ظهورهن أبداً، وتزين أذنيها أقراط ثلاثة، في أسفل الأذن في طوق كبير يعلوه في وسط الأذن واحد أصغر منه، ثم يعلو هذا ثالث هو دونه حجما، وتكاد تكسو رقبها أطواق من الفضة بعضها خارج بعض، وهؤلاء لا يغسلن رأسهن إلا في فترات تعد بالأعوام، وبعضهن لم يغسلنها منذ نشأن، وذلك خشية إفساد زينة الرأس، وهن كل أسبوع يتعهدن الشعر ببعض الزيوت والأعطار، ويخيل إليَّ إن سبب تلك العادة سقوط الشعر من أثر أملاح مياه الينابيع مما نفرهن من غسله فأضحت عادة فيهن. والسيويات جميلات الوجوه بألوانهن الخمرية وتقاطيعهن الدقيقة النحيلة. وإلى جانب السيوية كنت أرى عربية ازينت بجلبابها الأحمر، وأحاطت خصرها بحزام معوج من الأمام، وكانت تهولني أكمامها الكبيرة، ولقد خبرني الطبيب بأنه عند الكشف على إحداهن لا تضطر السيدة أن تخلع ثوبها ويكفي أن ترفع ذراعها فيظهر كل جسدها من كمها. وللقوم لغتهم السيوية الخاصة، كنت أستمع إليها في رطانة هي أبعد من اللهجات الأوربية عنا، وقد حاولت أن أتعقب في كلماتها شيئاً يمت إلى العربية أو اللاتينية بصلة فلم أهتد إلى كلمة واحدة؛ وهم يتخاطبون بها دائماً، لكنهم إذا تحدثوا إلى الغريب تكلموا بالعربية، وأطفالهم لا يعرفون إلا اللغة السيوية. وإليك أمثلة من تلك اللغة: تلحاك أنك (كيف حالك؟)، أمقحاط: (أين تذهب؟)، سقم أنا سيط: (من أين تجيء؟)، أفتك اللون: (أفتح الشباك)، أفن شاشنك أخفنك (ألبس الطاقية على رأسك)، أفن شخشيرك في أشكنك (ألبس الجورب في رجلك) أشوُّ (الطعام) الخ. وما إلى تلك الألفاظ التي تمعن في الغرابة بالنسبة للغتنا، وحتى أسماؤهم تجد من بينها عجباً: تلشلشت، زوبَّاي، بيًّخ. ولهم تدليل خاص لبعض أسمائنا فمثلاً ينادون: أبا بكر باسم كاكال، إبراهيم باسم بابي، أحمد باسم حيدة؛ ويقال إن أصل تلك اللغة بربري ما زجتها العربية ثم الرومانية. ولا تزال للرومان هنالك بعض الآثار؛ أشهرها مبعد المشتري (جوبتر أمون)، وكان مقر الكهنة ذرعه ٣٦٠ ٣٠٠ قدم، ومن أحجاره ما يبلغ ٣٣ ٢٦ قدماً، وقد زاره الإسكندر بعد أن قاسى المتاعب الممضة وبعد أن نضب ماؤه

стр. 10003

وأشرف على الهلاك لولا أن سقط المطر فأنجاه هو ورجاله. وكان يقوم في هذا المعبد صنم أسمه سيوح هو الذي أكسب الواحة أسمها؛ وقد زرت هذا المعبد وألفيته في حال يرثى لها، فأنت لا تكاد تجدبه حجراً قائماً على أصله وذلك من أثر أحد المأمورين الذين رأوا في أحجاره مادة صالحة لإقامة مركز البوليس، فقام يهدم المعبد ويستخدم أحجاره فيما أراد، والمفروض أنه من مثقفي القوم ومن الذين يعرفون قيمة الاحتفاظ بمثل تلك الآثار الجليلة، وهو لا يزال مأموراً إلى اليوم في ناحية أخرى من مراكز الحدود؛ عفا الله عنه وكفر له عن سيئته. ويقال إن تلك الواحة كانت تسمى عند العرب (سنتريه)، بناها منافيوس مؤسس بلدة أخميم، أقامها من حجر أبيض وشيد وسطها ملعباً من سبع طبقات وعليه قبة من خشب على عمد من رخام، وكانت كل طبقة لطائفة من الناس على حسب مكانتهم، على إني لم أجد لكل هذا أية بقية أو أثر. وقد حاول قمبيز تدميرها وهدم معبد أمون الذي بها فهلك جيشه العظيم في طريقه إليها. ولقد زاد ذلك في قدسيتها لأنهم عزوا ذلك إلى غضب الآلهة، ولم تدخل تلك الواحة تحت حكم مصر إلا في عهد المغفور له محمد علي باشا حين أرسل إليها حسن بك الشماشرجي، حاكم البحيرة إذ ذاك، فأخضعها وتعهد بها عرب أولاد علي إلى زمن سعيد باشا ثم ضمت لمديرية البحيرة، وهم يؤدون ضريبة النخيل الحكومة، وكان مجموعها زهاء ٨٠٠ جنيه وزعت على عدد النخيل الجيد الذي يثمر البلح الصعيدي، فخص كل نخلة نحو تسعة مليمات ضريبة تدفع للدولة كل عام؛ ويكاد يكون لهم نظام حكم خاص بهم فالحكومة تكل أمرهم إلى المشايخ وعددهم سبعة يتقاضون مرتبات تتراوح بين جنيهين وأربعة كل شهر، وهؤلاء الوسطاء بين الدولة وبين الأهلين؛ وعند انتخابهم يجتمع أعيان الواحة ممن تزيد ملكيتهم على مائة نخلة وينتخبون الشيخ ولا تقل أملاكه عن ٢٥٠ نخلة؛ وغالب منازعتهم تحل بطريق التحكيم فيختار كل من الخصمين رجلين يوكل إليهما الأمر وقضاؤهما نافذ بعد عرضه على المأمور، وأساس تشريعهم القواعد التي وضعها لهم عالم أسمه محمد يوسف، وتكاد تكون وفق تقاليدهم الخاصة، إلا في الزواج والميراث فهم خاضعون لقضائنا. وعدد سكان الواحة يقرب من خمسة آلاف ليس بينهم مسيحي واحد؛ ويقولون إن أربعين رجلاً من العرب والبربر وقبيلة أغورمي وفدوا إلى تلك البقعة وأقاموا

стр. 10004

لهم معصرة ودونوا أسماءهم في سجلاتهم، ثم تكاثر نسلهم حتى بلغ هذا العدد ومن لا ينتمي إلى واحد من أولئك الأربعين يعد دخيلاً عليهم. وطبقة العمال هناك يسمون الزجالة أو الزجالين، يزيد عددهم على الخمسمائة، وهم الذين يقومون بخدمة الأرض نظير قيام السيد بمؤنتهم الضرورية، ولكل خادم جبة من صوف وثوب من قماش كل عام، وعند جمع المحصول يتسلم الواحد ٣٢ صاعاً من الحب وأربعين من البلح الصعيدي الجيد. وتلك الطائفة كبيرة العدد مفتولة السواعد ممتلئة الجسوم، ممنوع أفرادها من الزواج مخافة أن يزيد نسلهم فتزيد النفقة على سيدهم، ومن تزوج منهم طرده سيده وتخلص منه؛ وهذا لا شك من أسباب قلة النسل في الواحة كلها، وقد أخذ ذلك يهدد السكان بالإنقراض، فضلاً عن إنه ساعد على انتشار الفساد إلى درجة كبيرة. (يتبع) محمد ثابت

стр. 10005

البريد الأدبي وفاة الشيخ محمد بخيت في اليوم الثامن عشر من هذا الشهر استأثر الله بالفقيه العلامة الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية السابق؛ وهو خاتم طبقة من العلماء المحققين الذين تميزوا في حياة الأزهر بالتبسط في العقائد، والتعمق في الفقه، فانتهت إليه الأمانة فيهما حيناً من الدهر. كان - غفر الله له - من أشد المعارضين لحركة الإصلاح التي قام بها الإمام محمد عبده، دفعه إلى تلك المعارضة الثائرة شهوة المنافسة من جهة، وتحريض أولي السلطان من جهة أخرى، وكان في الشيخ زكانة شاهدة، ودعابة لطيفة؛ وطموح إلى مساماة الإمام في منصبه ونفوذه وشهرته حرك فيه الأخذ بنصيب من الأدب والثقافة العامة. ولعله كان أعلم أهل جيله بدقائق الفقه الحنفي، وأبسطهم لساناً في وجوه الخلاف بين أصحاب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة. ولد في بلدة المطيعة من أعمال أسيوط في سنة (١٢٧١ هـ) (١٨٥٦م)، ثم دخل الأزهر في سنة ١٢٨٢ هـ وتخرج منه سنة ١٢٩٢ فأشتغل بالتدريس فيه. ثم أنتقل سنة ١٢٩٧ إلى القضاء فتقلب في مناصبه حتى تولى قضاء مصر نيابة عن القاضي التركي نسيب أفندي. وفي سنة ١٩١٤م عين مفتياً للديار المصرية، وظل في هذا المنصب حتى أحيل على المعاش سنة ١٩٢١م وقضى بقية أيامه في الإقراء والإفتاء حتى قبضه الله إلى رحمته. اختراع الخراع للصفدي وقع الأستاذ الطنطاوي على نسخة من هذا الكتاب الغريب عند بعض أصدقائه الأدباء، وقد وصفها في العدد الماضي وفي هذا العدد، وقال إنها ناقصة من أولها وآخرها، وقد أخبرنا صديقنا الأستاذ محمود حسن زناتي أمين الخزانة الزكية إن من هذا الكتاب نسخة مخطوطة كاملة في مكتبة المرحوم عبد الله باشا فكري، وهي الآن في حوزة حفيده الأستاذ محمد أمين فكري بك بوزارة المالية؛ فعسى أن يتيح الله لهذا الكتاب الطريف من ينشره. قبر الصفدي

стр. 10006

إلى الأخ الأديب الأستاذ على الطنطاوي ذكرت يا سيدي أثراً من آثار صلاح الدين الصفدي بعدد (الرسالة) العشرين بعد المائة ودللت على فضل الرجل وعلى أثره في الأدب العربي، فهل تدري يا سيدي ابن يرقد هذا الرجل الفذ؟ إن قبره في مدينة صفد (فلسطين) قبر متهدم، في حارة لليهود، في بقعة لا تزيد على خمسين متراً مربعاً. . . أتريد أن تعلم أكثر من ذلك؟ - إن جيرانه لا يأنفون أن. . . يقذفوا قبره بزبالة بيوتهم. قبر مندرس، في مكان ضيق قذر، مجهولة قيمة ساكنه، لا يزار ولا يعرفه إلا القليل، وما كان ليعرفه كل من يعرفه الآن لولا زيارة المرحوم شيخ العروبة له قبل عشر سنوات، والتبرع. . . ببناء جدار حوله! منذ الحرب حتى يومنا هذا لم يزر قبر (إمام عصره) من الأدباء إلا المرحوم أحمد زكي باشا، فهل هذا هو التقدير لأدبائنا؟ أمة تنشد الحياة والاستقلال وإحياء الماضي العزيز، أيليق بها أن تهمل قبور رجال العلم والأدب فيها لتصبح. . . مزابل؟ قارن بين وستمنستر والبانطيون و (مقبرة) صلاح الدين تعلم السر في الفرق بين من أدباؤهم السابقون في وستمنستر، ومن قبور أدبائهم كقبر ابن أيبك! ها قد مر على رقدة صلاح الدين الأخيرة خمسمائة وتسعون سنة كاملة، وبعد عشرة سنوات تبلغ الستمائة، فماذا أعددنا لإحياء ذكراه الستمائة؟ في وقت يقيم الغربيون المهرجانات الكبيرة لأحياء ذكر أدبائهم في كل عام! عسى ألا تمر العشر السنوات الباقية لذكرى الستمائة سنة لوفاته وقبر مهمل قذر لا يزار. (صفدي) نظريات الجنس والسلالة والخصومة السامية اتخذت نظريات الجنس والسلالة في العهد الأخير أهمية خاصة؛ فهي اليوم روح النظام الذي يسود ألمانيا، وقد أخذت تثير في بعض الدول الأخرى جدلاً لا نهاية له؛ وقد كان اليهود ضحية هذه الفورة التي اتخذت في ألمانيا أشكالاً من العنف والهمجية تذكرنا بروح العصور الوسطى وأساليبها؛ على أن نظرية الجنس وتفوق السلالة لم تقف عند اضطهاد

стр. 10007

اليهود، ولو وقفت عند هذا الحد لكانت مسألة محلية بالنسبة لألمانيا، ولكن هتلر ودعاته ذهبوا بعيداً في صوغ النظرية الجنسية، فنادوا بتفوق السلالة الجرمانية أو السلالة الشمالية (النورديكية) على جميع أجناس البشر، ووصموا الأجناس السامية كلها بالانحطاط وعدم الأهلية لإنشاء الحضارة، ونادوا بوجوب إخضاعها وتمدينها واستغلالها بواسطة الشعوب الشمالية. ومن هنا تتخذ الدعاية الهتلرية أهميتها بالنسبة للشعوب الشرقية، وهي التي وصمت بهذه الوصمة وصدر في حقها هذا الحكم؛ وقد كانت ألمانيا وما زالت مهد التعصب الجنسي، وكانت بالأخص مهد الخصومة السامية؛ ولم يأت زعيم الدولة الألمانية في ذلك بجديد في كتابه (كفاحي) الذي يحدثنا فيه طويلاً عن عناصر الانحطاط والخطر في اليهودية، فإن الثقافة التي تلقاها لا تسمح له بمناقشة هذه الشؤون العلمية والتاريخية؛ ولكنه نقل معظم أقواله من الكاتب الألماني كرستيان لاصن؛ وقد كان لاصن أول من صاغ من الخصومة السامية نظرية علمية تاريخية، وأول من تحدث عن انحطاط الأجناس السامية في كتاب نشره في منتصف القرن الماضي؛ ثم تلاه المؤرخ الفرنسي أرنست رينان؛ واتخذت نظرية الخصومة السامية من ذلك الحين شكلها الجدلي. نكتب ذلك لمناسبة كتاب ظهر أخيراً بالإنكليزية عنوانه: (كيف التباين من الله) بقلم الكاتب الإنكليزي لويس بروان؛ وموضوع الكتاب هو الحديث عن مركز اليهود في المجتمع والإنسانية؛ وقد يبدو لأول وهلة إن المؤلف وهو يهودي يجري على نغمة الدفاع عن جنسه؛ ولكن الواقع أنه لا يبدي في ذلك حماسة خاصة؛ وإنما لب الكتاب وموضوعه الأول هو تحليل النظريات الجنسية التي ترتبت عليها الخصومة السامية؛ وشرح الأسباب التي أدت إلى تفاقمها وإلى الصراع بين اليهودية وخصومها، ويرى الكاتب أن الحركة اليهودية لم تتخذ هذه الأهمية من تلقاء نفسها، ولكنها نمت وأشتد ساعدها بسبب الاضطهاد والمطاردة؛ ويدلل الكاتب على نظريته بسير الحركات العالمية الكبرى، فالنصرانية ما كانت لتنمو وتنتشر هذا الانتشار لو لم تطارد في بدء ظهورها بعنف وقوة، وكذلك اليهودية؛ فمنذ غابر العصور كان اليهود موضع الاضطهاد والبغض والزراية، وكانوا يجلدون ويعذبون وتحرق منازلهم وتصادر أموالهم، ولكن اليهودية هي اليوم أقوى ما تكون حياة وحيوية؛ بل هي اليوم في ازدهار وتقدم، وقد نتساءل أيكون ذلك رغم الاضطهاد

стр. 10008

والمطاردة؛ ويقول الكاتب كلا بل بسبب الاضطهاد والمطاردة. ثم يقول إن اليهود لم يكونوا قط جنساً أو شعباً متحداً، ومن الخطأ أن نعتقد أن العصبية الدينية هي التي تربطهم وتقوي تضامنهم؛ ذلك أن اليهودية دين سهل، يقبل مختلف التطورات والتفسيرات؛ ولكن اليهود يجتمعون في مسألة واحدة ما زالت قائمة خلال القرون، تلك هي أنهم دائماً موضع البغض والزراية من بني الإنسان؛ وقد أرغموا خلال العصور على أن يناضلوا من أجل حياتهم، فبث فيهم النضال قوة؛ واليهودي يشعر أنه ليس كباقي الناس، ولكنه يحمل دائماً على أن يشعر بأنه يوجد شيء ضده؛ ومن ثم تعلم الحذر والتحوط إلى درجة يدهش لها الجمهور الرفيع. ويكتب لويس براون بوضوح وسلالة ويستعرض ما في بني جنسه من عيوب وفضائل بروح الاعتدال والإنصاف، ويحلل نظريات الجنس والسلالة بقوة وذكاء، ويفند ما فيها من تحامل وسفسطة، ويتساءل عن المعيار الذي يتخذه دعاة النظرية لتفاضل الجنس والسلالة: أهي المظاهر الخلقية المادية كالجمجمة والفك والشفتين واللون وغيرها، وهذه جميعاً يختلف معيار التفاضل فيها عن مختلف الأجناس والشعوب، وربما فضل الزنجي الرجل الأشقر في بعض تقاطيعه أو خواصه، وربما فضل المغولي الأصفر القصير باقي الأجناس بدقة شفاهه وحمرتها، وهكذا. ولا يحاول لويس براون بأي حال أن يزعم أن لليهود تفوقاً خاصاً، ولكنه يقول فقط إن الجمهور الرفيع لم يترك باباً من أبواب الاضطهاد والمطاردة، لسحق اليهود إلا ولجه، وحيثما ترك اليهودي لنفسه ولم يزعج نراه نسياً منسياً، ولكن حيث يواجهه الصراع والمطاردة نراه قوياً يغالب الحوادث. وقد أثار كتاب لويس براون في الداوئر السياسية والاجتماعية كثيراً من الاهتمام والجدل؛ وربما كان كتابه أول كتاب من نوعه، يذكرنا بمؤلفات سلفه ومواطنه الكاتب والفيلسوف اليهودي الأكبر (مكس نردو) الذي لفت أنظار العالم منذ ثلث قرن بقوة جدله في نقض أصول المدنية الحاضرة وأكاذيبها الاجتماعية والجنسية والسياسية. تمثال لحنة بافلوفا من أنباء لندن أنه سيقام في إحدى حدائقها تمثال بديع للراقصة الروسية الشهيرة حنه بافلوفا، وقد أوصت بصنع هذا التمثال لجنة من محبي الفنون في لندن حيث عاشت

стр. 10009

الراقصة الشهيرة حيناً من الدهر؛ وعهد بصنعه إلى المثال السويدي الكبير كارل ميلس، وستبلغ نفقاته ثلاثين ألف جنيه؛ وتقرر أن يقام في بستان ريجنت في حديقة الورد، وهي تقع إلى جانب بركة البجع، وهو الطير الذي أوحت حركاته إلى بافلوفا بأشهر وأروع رقصاتها المسماة (رقصة البجع). وتعول اللجنة على جمع المال المطلوب من إيراد (فلم) يمثل حياة بافلوفا في طائفة من أبدع رقصاتها ومنها (رقصة البجعة المحتضرة)؛ وقد أخذت هذه المناظر قبل وفاة بافلوفا بقليل وأشترك فيها مع الفنانة الشهيرة بعض كبار الراقصين الذي عملوا معها. وتمثل حياة بافلوفا وحدها طوراً من أعظم أطوار الفن الراقص؛ وقد ولدت هذه الراقصة المبدعة في بتروجراد في سنة ١٨٨٥، وتعلمت الرقص في بعض مسارحها، ولم تبلغ العاشرة من عمرها حتى ذاعت شهرتها وتقدمت في سبيل المجد والرياسة الفنية بسرعة مدهشة؛ وكانت فنانة رائعة الإبتكار، وعلى يدها دخلت أوضاع (الباليه) الراقصة في طور جديد وبلغت ذروتها من الافتنان والروعة. وكان الفن لديها وحياً وسمواً. وقد طافت عواصم العالم الكبرى مثل لندن وبرلين وباريس ونيويورك ولقيت فيها جميعاً فوزاً باهراً. وقدمت إلى مصر سنة ١٩٢٩ ففتنت المجتمع المصري برائع فنها ولا سيما برقصة (البجعة المحتضرة) وتوفيت سنة ١٩٣١ في مدينة لاهاي وطويت بوفاتها صفحة من أروع صفحات الفن الحديث. أرض السعداء يوجد بين جزائر المحيط الهادي التابعة لإنكلترا جزيرة صغيرة يصح أن تسمى بالجزيرة السعيدة. وتسمى هذه الجزيرة (جزيرة تونجا) وهي إحدى مجموعة جزائر (الأحباب) التي وقف بها الرحالة الشهير (كابتن كوك) أثناء طوافه في أواخر القرن الثامن عشر بهذه المياه الخطرة. وأمير هذه الجزيرة زنجي يسمى البرنس (توفا آهو) وهو شاب في الثامنة عشرة ولكنه طويل القامة جداً، وهو يدرس الحقوق في مبلورن ووجه الرضى والسعادة في (تونجا) هو أنه ليس بها فقير ولا معوز ولا تدفع فيها ضرائب. وكل فرد من سكانها يبلغ السادسة عشرة يعطى أرضاً مساحتها نحو ثمانية فدادين ومسكناً قروياً، أو بعبارة أخرى تهيأ له كل أسباب العيش والرخاء.

стр. 10010

وقد استبدلت ضريبة الدخل بجعل سنوي قدره جنيهان يدفعه كل ذكر بالغ؛ ولكنه ليس بضريبة في الواقع لأنه يخول له مقابله أن يعالج مجاناً هو وأفراد عائلته في مستشفى الحكومة؛ ومعظم إيراد الحكومة يجبى من الجمارك وضريبة السيارات. ويكفل التعليم الحر بوجود المدارس الابتدائية وهي كلها مجانية؛ وهناك كليتان صغيرتان. ومن مفاخر هذه الجزيرة النائية التي لا يجاوز سكانها ثلاثين ألف نفس أن ليس بها أمي واحد.

стр. 10011

الكتب رسالة الحج تأليف الأستاذ ح. ع. (دبلوماسي) للأستاذ عبد الحميد العبادي الأستاذ ح. ع. من خيرة رجالنا العاملين في السلك الدبلوماسي، مثل مصر ولا يزال يمثلها في ممالك الشرق العربي، فأفاد بذلك خبرة نادرة بأحوال البلاد العربية في الوقت الحاضر، وأنشأ لنفسه بخلقه وإخلاصه ونشاطه مكانة عالية عند ملوك العرب، وساستهم، وأدبائهم، وعلمائهم. وإني لسعيد بأن أقول إني اطلعت على ذلك بنفسي في بعض تجوالي في ربوع الشرقين الأدنى والأوسط وقد واتى الحظ الأستاذ ح. ع. وساعفته ظروف عمله الدبلوماسي فأدى فريضة الحج ثلاث مرات استطاع أن يدرس في أثنائها على هدى التاريخ وفي ضوء الواقع حال ذلك النظام الإسلامي الجليل المعدود خامس أركان الإسلام. ثم صاغ خلاصة دراسته في رسالة لطيفة الحجم عظيمة الفائدة، يعرف فيها من يطالعها بلاغة الأدب، وفكرة الفيلسوف، ونزعة المصلح المؤمن برسالة الإسلام وبإمكان إنهاض المسلمين من عثارهم بالرجوع بهم إلى كثير من نظمهم وسننهم الأولى. فجاءت الرسالة من أحسن ما كتب عن (الحج)، ومن خير ما أخرجته المطابع المصرية في هذا العام ينعى الأستاذ على المسلمين فيصدر رسالته إهمالهم أمر الحج حتى كاد هذا النظام العتيق يفقد على مر الزمن من الناحية العلمية الحكمة التي قصد إليها الشارع من تشريعه. فهو يقول: (أما بعد فقد أديت فريضة الحج ثلاث مرات، وشاهدت الحجيج من جميع الأجناس، وخالطت منهم طوائف كثيرة، وحادثت كبارهم وذوي العقول منهم، ودرست بفكري وعيني وقلبي، فكنت أرى وأفكر وأبحث، وكنت استلهم كل شيء حكمته، وكل مكان وحيه، وكل عمل سره، فظهر لي أخيراً أن الحج لا يزال مجهولاً في حقيقته، وأن الذين يحجون إنما يؤدون عملاً فردياً محضاً، ولا يعرفون إلا ظاهراً من الأمر. . .) والرسالة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أولها في أن الإسلام دين إنساني عام، وأنه دين المساواة

стр. 10012

التي تظهر في شكلها المادي المحسوس في الحج، وأن الكعبة من العالم الإسلامي بمنزلة القلب من الجسم، فالتوجه إليها في الصلاة والحج ذو حكمة بالغة. والقسم الثاني يتناول الكلام على (مقاصد الحج)، وفيه يرى الأستاذ أن الحج كفيل بتحقيق مبدأ الرجوع إلى طهارة الطبيعة الذي دعا إليه الفلاسفة أمثال روسو ولكنهم عجزوا عن تحقيقه، وأن الحج يستوفي مزايا نظام الكشافة ويربى عليها، وأن الحج رمز للجهاد الإسلامي في أسمى وأشرف معانيه، وأن موسم الحج جدير بأن يصبح مؤتمرا عاماً لنشر الثقافة بين المسلمين لو حرصت كل أمة إسلامية على أن تحج كل عام نفرا من صفوة رجالها يبادلون نظراءهم من حجاج الأمم الأخرى الرأي والمشورة؛ والأستاذ يرى أن هذه المقاصد كلها مما يندرج تحت مدلول قوله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم) على أن الجديد الممتع من هذه الرسالة هو قسمها الثالث، هو تلك الفصول التي عقدها الأستاذ لمناسك الحج وأسرارها التي خفيت على كثير من بحاث المسلمين حتى ذهب بعضهم إلى أنها أمور تعبدية توقيفية لا مجال لتفكير العقل البشري فيها؛ فالأستاذ يتناولها منسكاً منسكاً: من الإحرام، إلى الطواف حول الكعبة، إلى السعي بين الصفا والمروة، إلى الوقوف بعرفات، إلى رمي الجمار عند العقبة، إلى تقديم الهدي، إلى استلام الحجر الأسود والإهلال بالتلبية، فإذا هذه المناسك قد أفصحت عن سرها، وأبانت عن مكنون حكمتها. والحق أن هذا البحث ليكشف عن ناحية روحانية جميلة من نفس الباحث القدير ثم يختم الأستاذ رسالته بمقترحات عملية يتقدم بها إلى الحكومات الإسلامية عامة والحكومة المصرية خاصة، راجياً الأخذ بها حتى ينتفع المسلمون بنظام الحج وإن الذي يفرغ من قراءة هذه الرسالة ليتمنى أمرين: أن تجد دعوة الأستاذ ح. ع. من أولى الرأي في العالم الإسلامي آذاناً صاغية، وقلوباً واعية، وألا يحرم الأستاذ الشباب المتعلم المثقف من نفثات يراعه، فهو يراع يصدر عن فكر ناضج وعاطفة نبيلة. عبد الحميد العبادي

стр. 10013

العدد ١٢٢ - بتاريخ: ٠٤ - ١١ - ١٩٣٥

стр. 10014

في الجمال. . . بحث تحليلي نهديه إلى الآنسة شرلوت واصف ملكة الجمال العالمي في هذا العام ما هو الجميل؟ الجميل في إجماع الناس هو ما ينشئ في الذهن فكرة سامية عن الشيء في الطبيعة، أو عن الموضوع في الفن فيبعث في نفسك عاطفة الإعجاب به. ولكن ما هي على التحديد الصفات التي تبعث اللذة وتثير الإعجاب في بدائع الفن أو في روائع الطبيعة؟ ذلك ما نحاول شرحه في شيء من الإفاضة. الطبيعة والفن إنما يحدثان أثرهما في النفس إما بالفكرة وإما بالعاطفة وإما بالشعور الصادر عن آلات الحس؛ ومن ذلك تنوع الجمال فكان عقلياً وأدبياً ومادياً ما في ذلك شك. ففي أي الجهات إذن تتعرف النفس والعاطفة والحواس وجوه الجمال؟ إن الخصائص المميزة للجمال هي القوة، والفِرَة، والذكاء؛ والمراد بالقوة شدة العمل وحدته، وبالفرة كثرة الوسائل وخصوبتها، وبالذكاء الطريقة الرشيدة المفيدة لتطبيق هذه الوسائل. ولا جدال في أن الحواس ليست كلها أهلا لنقل هذه الخصائص الجمالية الثلاث، وإنما ينفرد منها السمع والبصر بنقل أحاسيسها نقلاً قوياً يثير الدهش والإعجاب واللذة. أما الانفعال الذي يأتيك عن طريق الشم والذوق واللمس، فلا ينشأ عنه فكرة ولا عاطفة، لأن الطعوم والروائح، والملوسة والخشونة، والصلابة واللدونة، والحرارة والبرودة، أحاسيس بسيطة عقيمة قد توقظ في النفس ذكرى خابيةً أو عاطفة غافيةً، ولكنها لا تنتج واحدة منهما. وإذا كان البصر آلة الجمال الحسي أو المادي، والسمع آلة الجمال العقلي والخلقي، فإن في هاتين الحاستين الدليل على خصائص الجمال الثلاث، ذلك لأن أجمل ما يؤثر في العين والأذن هو ما بلغ من القوة والفرة والذكانة أسمى غاية؛ وجمال الأشياء إنما يتفاضل فيهما بمقدار ما يشتمل عليه من هذه العناصر؛ وكلما نقص عنصر منها أو قل، ضعف فينا الشعور بالجمال على نسبته. ما الذي يجعل لعملي النفس وهما الفكر والإرادة هذه الصفة التي تملك اللب في العبقرية والفضيلة؟ لا شيء غير القوة والفرة والذكاء، سواء أكان ما تعجب به براعة الصنع أم مهارة الصانع. إن الطِّيبة في ذاتها فضيلة، ولكنها لا تكون جميلة إلا إذا اقترنت بالقوة؛ فسقراط في الحكماء، وعمر في الخلفاء، مثلان سائران في جمال الخلق، ولكنك إذا

стр. 10015

جردت أخلاقهما مما ينبئ عن القوة وخواصها من الصدق والصبر والشجاعة والسمو ذهب الجمال وبقيت الطيبة. إذا صنعت المعروف في صديقك وعدوك كان الفعل كريماً في الحالين، ولكنه في الصديق عادي لأنه بسيط سهل، وفي العدو ممتاز لأنه عظيم شاق؛ وفي هذه القوة التي تقتضيها تلك المشقة كان جماله. إن وفاء السموءل بدروع امرئ القيس فضيلة، ولكن اقترانه بالقوة على تضحيته بابنه جعله آية في جمال الوفاء؛ وإن تنفيذ بروتوس عقوبة الموت على أحد المجرمين عادة مألوفة، ولكن تنفيذه إياها على بنيه الذين ائتمروا بروما مثل نادر لجمال البطولة. وموقف هكطور مع أندروماك، وموقف أسماء بنت أبي بكر مع ابن الزبير لا يقلان جمالاً عن ذينك الموقفين. وسر الجمال في كل ذلك إنما هو تلك القوة الخارقة في تغليب فكرة الواجب على عاطفة البنوة. كذلك الحال في أعمال الذهن؛ فحل معضلة في الهندسة، واكتشافٌ عظيم في الطبيعة، واختراع عجيب في الميكانيكا، ونظام محكم الوضع في التشريع، وقطعة قوية التفكير والتصوير في الأدب، كلها أعمال جميلة؛ لأنها تستلزم نصيباً موفوراً من الذكاء، وقوة عظيمة في التفكير؛ وشعور المرء بالجمال فيها، موقوف على إدراك القوة التي تقتضيها؛ فالعامي أمام الأحرف الهجائية، والتلميذ أمام منطق أرسطو، لا يجدان فيهما من الجمال ما يجده الفيلسوف، لأنه يدرك ما اقتضياه وتضمناه من الذكاء والقوة. أما في البلاغة والشعر فأبْين خصائص الجمال الذكاء والفرة؛ فتزاحم العواطف، وتكاثر الصور، وتوافر الأفكار؛ ثم اتساع الخواطر بالذهن النير الذي يحييها ويقويها ويستولدها، وغزارة اللغة وخصوبتها وقدرتها على أن تعبر عن العلاقات الجديدة للحياة، أو على أن تفيض من الحرارة والقوة على الحركات المختلفة للنفس، كل أولئك يملأ شعاب القلب بالإعجاب، وذلك الإعجاب الذي نحسه هو عاطفة الجمال. وشأن الجمال في المادة لا يختلف عن شأنه في الفكر والعاطفة؛ فإنك إذا رحت تبحث في الطبيعة عن الصفة العامة للجمال لم تجدها غير القوة، أو الفرة، أو الذكاء. ففي الحيوان تجد هذه الصفات الثلاث مجتمعة ومتفرقة، ففي جمال الأسد القوة، وفي جمال الطاووس الفرة، وفي جمال الإنسان الذكاء. ولا أقصد ذكاء الإنسان في نفسه، إنما أقصد ذكاء الطبيعة في تهيئته وتثقيفه؛ وذكاء الطبيعة معناه مطابقة طرائقها لصورها، وملاءمة وسائلها
следующие страницы →