← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10046–10085 · переход к 10051.

стр. 10046

والمتموجة إلى بحيرات وسيول في مدة قصيرة، وتجري هذه المياه بسرعة الوديان الجافة إلى البحر، وبعض الماء تبتلعه الأرض. وأما موسم الأمطار في الشتاء فهو شهرا كانون الثاني وشباط، والمطر فيه قليل. وأجل الأنهار شأناً في بلاد الحبشة هي تلك التي تنبع من السفوح الغربية في المنطقة الجبلية الداخلية وتصب في نهر النيل. فنهر (صوباط) مثلاً يتكون من فرعين، ويجري في الجهة الجنوبية الغربية؛ ونهر (أباي) ينبع من بحيرة (تانا) وهو يؤلف القسم الأعلى من نهر النيل الأزرق. وفي الشمال نهر (عطبرة) وهو يتألف من نابعين: نابع (مارب) في الشمال، ونابع (نكازة) في الجنوب، وبعد أن يسقي مقاطعة (تيجري) يجري شمالاً ويصب في نهر النيل في عطبرة شمالي الخرطوم. ولنهري أباي وعطبرة تأثير شديد في اقتصاديات السودان؛ فالأمطار الصيفية تملأ أحواض هذين النهرين، فيفضيان بها ويسقيان مزارع السودان ويتركان الرسوب الغرينية في المزارع. وبحيرة (تانا) التي تمثل دوراً خطيراً في تاريخ الحبشة من حيث تأثيرها في مياه النيل تعلو عن البحر ١٧٠٠متر، وتبلغ مساحتها زهاء ٣٠٠٠كيلو متر، وتحيط بها الجبال من كل جانب , وفي الجنوب وديان كثيرة تأتي من حافات الجبال، وأهمها نهر وادي (جبة) وهو الذي ينبع من الحافات الجنوبية للمنطقة الجبلية الداخلية ويجري في الأرض المتموجة والسهلة. وتبدأ الوديان من حافات الجبال الشرقية، وتمتد إلى السهول، وإذا ما نزلت الأمطار جرت فيها المياه. ومن المياه ما تتكون منه البحيرات الجنوبية في أرض الحبشة؛ وهذه البحيرات واقعة على طول الخط الممتد من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي، وتنتهي في شمالي بحيرة (فيكتورية) وأخطر هذه البحيرات بحيرة (رودولف) في الجنوب وبحيرة (استفاني) في الشمال. تقسيم الأحباش البلاد

стр. 10047

والأحباش أنفسهم يقسمون بلاد الحبشة إلى ثلاثة أقسام من حيث أوصافها، وإليك بيانها: القسم الأول: وهو القسم المنخفض، ويتفاوت الارتفاع فيه من (١٠٠٠ إلى ١٨٠٠) متر، وهذا القسم حار وتتفاوت درجة الحرارة فيه من ٢٠ إلى ٤٠ درجة سنتغراد؛ وفي هذا القسم المقاطعات (هرر) و (كانا) و (يديتو) و (سيدامو) و (شافكالة)؛ والحرارة في المحلات المنخفضة، وفي الوديان لا تطاق؛ والزرع فيه هو الذرة. وفي المحلات المرتفعة من هذا القسم يزرع قصب السكر والقطن والزعفران والموز والتمر الهندي والبن والنخيل وغير ذلك. القسم الثاني: وهو القسم المتوسط من حيث ارتفاع الأرض إذ يتفاوت العلو فيه من (١٨٠٠ إلى ٢٤٠٠) متر. وتختلف درجة الحرارة فيه من ١٤ إلى ١٩ سنتغراد، والهواء فيه جيد، والربيع دائم، وتكثر فيه المياه والغابات. القسم الثالث: وهو القسم المرتفع ويتفاوت الإرتفاع فيه من (٢٤٠٠ إلى ٣٤٠٠) متر، ومناخه يشبه مناخ جبال الألب، والشتاء فيه شديد وبرده قارص. وتختلف درجة الحرارة فيه من ١٠ إلى ١٢ سنتغراد ويجمد الماء في الليل. وبينما نجد القسم الأول جهنم الحبشة نرى القسمين الثاني والثالث جنتها. التقسيمات الإدارية تنقسم بلاد الحبشة إلى عدة مقاطعات، ويحكم كل مقاطعة رأس، وهو بمنزلة ملك تلك المقاطعة وله سلطة مطلقة عليها نالها إرثاً بحقوق الإقطاع. وكثيراً ما أطلق عاهل الحبشة على نفسه ملك الملوك بعد إخضاعه الرءوس في المقاطعات وتوحيده المملكة. وفيما يلي المقاطعات الخطيرة: - (أ) مقاطعة (تيجري) وهي واقعة في الشمال ومتاخمة لأريترة الصومالية والسودان، وفيها العاصمة المقدسة (أكسوم). (ب) مقاطعة (أمحره)، وهي واقعة إلى جنوبي مقاطعة تيجري ومتاخمة للسودان. (ج) مقاطعة (غوجام)، واقعة إلى جنوبي مقاطعة أمحرة. (د) مقاطعة (شوعا)، وهي من أخطر المقاطعات وفيها عاصمة الدولة (أديس أبابا).

стр. 10048

(هـ) مقاطعة (كاتا)، وهي واقعة إلى الجنوب ومتاخمة للسودان ولمستعمرة أوغاندة البريطانية وفيها يزرع البن. (و) مقاطعة (أوجادن)، وهي واقعة إلى الجنوب الشرقي ومتاخمة للصومال الطلياني. نبذة من التاريخ يزعم العلماء الضليعون في معرفة الأجناس والشعوب إن الأحباش هاجروا من جزيرة العرب إلى إفريقية عن طريق اليمن، ويعللون انتماء اللغة الحبشية إلى اللغات السامية بتلك الهجرة. والمحقق أن الأحباش احتكوا بالمصريين في قديم الزمان واقتبسوا منهم بعض مظاهر الحضارة؛ ولما امتدت فتوح المصريين إلى بلاد النوبة والسودان إشتدت هذه العلاقة. ويؤيد التاريخ إستيلاء الأحباش على مصر العليا وتأسيسهم أسرة حاكمة هناك. ويزعم الأحباش أن الملك منليك الأول هو ابن سليمان من بلقيس ملكة سبأ. وشاعت النصرانية في الحبشة في أوائل القرن الرابع بعد الميلاد ورسخت فيها بعد ذلك. والمعلوم أن أبرهة قائد القوات الحبشية الذي استولى على بلاد اليمن وتقدم نحو الحجاز كان نصرانياً. والشائع أن الداعي إلى هجوم الأحباش على اليمن هو الانتصار لبني دينهم أهل نجران. وكان الأحباش يدينون بالنصرانية لما هاجر المسلمون إلى الحبشة فراراً من الاضطهاد. وشاعت اليهودية في الحبشة في عهد هذا الملك. وتخليداً لهذه الذكرى أحدث ملك الحبشة في سنة ١٨٧٤ وساماً سماه (وسام خاتم سليمان). وفي القرن السادس تبع الأحباش الكنيسة المصرية التي اعتقدت أن ليسوع (عيسى) طبيعة واحدة، وانضوى الأحباش من ذلك التاريخ لبطريرك الإسكندرية. وفي القرن السابع استفاد اليهود القاطنون في الحبشة من الإنشقاق في العقيدة المسيحية، واتفقوا مع المعارضين والوثنيين وتغلبوا على الأحباش فأخرجوهم من مقاطعة أكسوم وحكموا البلاد زهاء مائتي سنة. وفي نهاية القرن الثامن قضى (لاليبا) على حكم اليهود ورجع الأحباش يحكمون بلادهم معتنقين المذهب اليعقوبي. المسلمون والأحباش

стр. 10049

ولم يتوجه العرب في عهد فتوحهم نحو بلاد الحبشة بل اكتفوا بالاستيلاء على بلاد مصر والسودان فقط، وذلك على ما نعتقد لسببين: أولهما بُعد بلاد الحبشة عن طريق الاستيلاء ومناعتها، وثانيهما ذكرهم للأحباش بخير لأنهم آووا المسلمين الأولين وآمن نجاشيهم برسالة الرسول. وفي القرن الثامن عشر ثارت الحروب بين الأحباش والمسلمين الذين أحاطوا ببلاد الحبشة من كل جانب. وقبل منتصف القرن الخامس عشر احتك البرتغاليون بالأحباش من أجل الحصول على موانئ صالحة في مغامراتهم في بحر المحيط الهندي، وسعوا لتأسيس علاقات ودية بينهم وبين الأحباش، وعقدوا أول معاهدة في سنة ١٥١٥؛ وكان من نتائج هذه المعاهدة أن المسلمين أخذوا يتوغلون في بلاد الحبشة لمحاربة الأحباش حلفاء البرتغاليين، وكلما انتصر المسلمون على البرتغاليين في البحر الأحمر وفي خليج عدن انتقموا من الأحباش الذين ناصروا البرتغاليين في حروبهم. وفي سنة ١٥١٧ تحرك جيش كبير من المسلمين من (زيلع) وهجم على بلاد الحبشة واستولى على (أكسوم) العاصمة المقدسة، و (جوندار) عاصمة المملكة. وبعد أن مد البرتغاليون الأحباش بالمدافع وتولى (كريستوفوس دغاما) قيادة الجيش الحبشي انكسر المسلمون وانسحبوا. ولما استولى العثمانيون على مصر اشتدت علاقة الترك بالأحباش، وأخذ سلاطين آل عثمان يساعدون المسلمين في البحر الأحمر على محاربة البرتغاليين والأحباش، وكان من نتائج ذلك أن استولى العثمانيون على مصوع وبربرة وهما من موانئ الحبشة، وتوغلوا في الداخل، وأخذ المسلمون القاطنون في السهول يشددون العزائم للهجوم على بلاد الحبشة ويسعون لنشر الدين الإسلامي فيها. (يتبع) طه الهاشمي

стр. 10050

من ضحايا الوطنية شارلوت كورداي لتوماس كارليل بقلم الأستاذ حسن عبد الحليم اليماني يعي التاريخ مشهداً يذكره وسط الغموض والاضطراب اللذين لفا مدينة (كان) الفرنسية كما لفّا العالم بأسره في طليعة عهد الثورة الكبرى: أما مكانه فساحة مجلس (كان) النيابي، وأما أبطاله فرجل وفتاة أوشكا أن يفترقا بعد لقاءهما النائب باربارو وشارلوت كورداي ((دارمان) كما كانت أسرتها تلقب قبل الثورة التي ألغت رتب النبل وألقابه) كانت فتاة فارعة العود في عامها الخامس والعشرين، يتلألأ محياها جمالاً ووداعة؛ وكانت على أن ترحل إلى باريس في أمر ما، ولهذا تقابلت وباربارو فحملها توصية وتقدمة إلى صديقه الباريسي النائب دوبريه ذاكراً في خطابه (إنها لجمهورية الهوى من قبل أن ينادي بالثورة منادٍ، وإنها لم تكن في حاجة أبداً إلى الحماسة، ففي قلبها منها الكفاية). (أما الحماسة في رأيها فهي تلك العاطفة التي تدفع بالمرء إلى بذل روحه طائعاً في سبيل بلاده). وقبيل ظهر الثلاثاء التاسع من شهر يولية من العام الرابع للثورة، اتخذت شارلوت مكانها من عربة بريد (كان) الراحلة إلى باريس مزودة بخطاب باربارو وبقليل من متاعها الخفيف. لم يكن في وداعها - كسنة السفار - أحد يتمنى لها رحلة طيبة موفقة، فهي قد بيتت عزيمتها بينها وبين نفسها مخلّفة لأبيها رقعة تفضي إليه فيها بأنها في طريقها إلى إنجلترا، وأنها ترجو أول ما ترجو أن يغفر لها فعلتها وأن ينساها إلى الأبد. وزحفت عربة البريد بحملها، وكأنما لازمها نعاس ملح، ما زال يدفع بها وئيدة مهومة حتى بلغت جسر (نيلي)، وحتى لامست عجلاتها ثرى باريس في ضحى يوم الخميس ١١ يولية، حيث شهدت عينا شارلوت مدينتها المنشودة تطالع السحاب بقبابها العديدة السوداء وفي فندق البروفدانس بشارع دي فيو أوجستين احتجزت لنفسها غرفة سرعان ما احتواها فراشها، وسرعان ما راحت في سبات عميق بقية النهار وطيلة الليل، فلم تستفق منه إلا وشمس الجمعة قد علت في الأفق.

стр. 10051

غادرت شارلوت فندقها في ذلك الصباح لمقابلة النائب دوبريه، فلما سلمته رقعة صديقه باربارو علم منها أن لصاحبتها أوراقاً تتعلق بأسرتها، وأن صديقه يرجو مساعدتها حتى تحصل عليها من وزارة الداخلية. وأنالها دوبريه بغيتها وقضت نشدتها في اليوم نفسه، وغادرته ولم تشر بطرف إلى رحيل أو بقاء. وفي باريس طالعت نواحي عديدة وصوراً متباينة، ولكنها لم تهتد إلى لقاء (مارا والتحقق من قسمات وجهه فقد احتبسه المرض إذ ذاك في منزله. باتت ليلتها في الفندق، حتى إذا أسفر الصبح غادرته حوالي الساعة الثامنة لتشتري خنجراً، ثم لتأخذ عربة من ميدان الانتصارات ميممة مسكن مارا بشارع مدرسة الطب رقم ٤٤، حتى إذا بلغته حال مرضه دون لقائها، فأهمها أن تفشل في وسيلة ركزت فيها كل آمالها وأحلامها. يالشارلوت الجميلة المنكودة! ويالمارا القبيح المنكود! أي قدر يسعى بفتاة من (كان) في أقصى الغرب، وبرجل من نيوشاتل في أقصى الشرق ليلتقيا؟ وأي شأن يربط بين حظيهما فيجذبهما إلى أن يصطدما؟ وإذ عادت إلى فندقها بعثت إليه بورقة تحمل اسمها واسم بلدتها: (كان مهد الثورة)، وتحمل فوق هذا رجائها ولهفتها إلى لقائه، حتى تدفع إليه (ما يعينه على أن يسدي لفرنسا يداً) ولكنها لم تتلقى عليها جواباً، فخطت إليه أخرى أقوى من سابقتها رجاء وعاطفة، وحملتها بنفسها إلى مسكنه في مساء اليوم نفسه ١٣ يولية. كان مساء شاحباً، وقد مضى على المساء الذي سقط فيه الباستيل أربعة أعوام كاملة، ذلك المساء الذي وقف فيه مارا على رأس جموع الشعب، طالباً من رجال فرقة الهوسار - حرس الباستيل وكانت قلوبهم مع الشعب - أن يخلوا أمكنتهم وأن يلقوا بأسلحتهم. وبهذا الحدث ارتفع مارا إلى الذروة - ذروة البطولة والوطنية، وها قد مضت أربعة أعوام حافلة - فأية طريق اشتقها مارا إلى المجد وأية طريق دفع بنفسه في شعابها؟ لقد كان في الآونة التي يممت فيها شارلوت صوب داره، ينتقع في حوض استحمامه، وقد تجرد من ملابسه إلا قليلاً، وكانت الساعة حوالي منتصف الثامنة مساءاً، وكان منهوكاً محطماً يحمل في يده قصاصات من الورق، وأمامه منضدة مثلثة القوائم، يتكئ عليها كلما هم بالكتابة. كان وحيداً في مسكنه اللهم إلا إذا اعتبرنا خادمه الشوهاء رفيقة تطرد الوحدة

стр. 10052

وتخفف أثقالها. فهل انتهى به الطريق إلى أن يلقى خاتمته على هذا الوضع وفي تلك الصورة؟ قُرع الباب وتكرر القرع، ونفذ إلى مسمعيه صوت ليّن حلو، يرفض صاحبه أن يغادر مكانه من الباب أو تقضى حاجته. كانت صاحبته هي المواطنة شارلوت كورداي، تلك التي تريد (أن تعينه حتى يسدي للوطن يداً) - عرف (مارا) من كلماتها تلك أنها صاحبة الرقعة الأولى التي وصلته، فنادى خادمه: أن دعيها تدخل؛ ودخلت شارلوت قائلة: (أيها المواطن مارا! إنني من (كان) مهد الثورة، وأريد أن أفضي إليك بأمر). فرد عليها قائلاً: (اجلسي يا طفلتي! ما وراءك من أخبار كان وأخبار خونتها؟ ومن ترى فيها من النواب الآن؟). ولما سمت له شارلوت بعض النواب، زمجر (صديق الشعب) قائلاً: (ستطاح رؤوسهم في مدى أسبوعين)؛ واجتذب المنضدة إليه ثم أخذ يكتب (باربارو، بتيون. . .) واستدار في الحوض مصلحاً من جلسته (بتيون. . . لوفيه و. . .)، وفي أسرع من اللمح استلت شارلوت خنجرها من غمده، ثم أهوت به إلى قلبه. لم تمهله حشرجة الموت طويلاً؛ فلم يستطع إلا صرخة واحدة: (إليّ يا عزيزي - الغوث يا عزيزي!) سارعت الخادم إليه فإذا به لقي لا روح فيه، وقد انكفأ على وجهه الذي بدا مغيظاً محنقاً. . . وهكذا قضى مارا (صديق الشعب) وليس إلى جواره صديق! إلى هنا تمَّ لشارلوت ما دبَّرت وأنّى لها أن تلقى جزاء عاجلاً محتوماً. . . فقد تدفق الجيران على صرخة مارا الأخيرة والتفوا بشارلوت التي قاومت قليلاً، حتى إذا حضر الشرطة أسلمت نفسها لهم طائعة. واقتيدت لتوها إلى سجن (أباي حيث احتوتها إحدى غرفه هادئة ساكنة، وقد ماجت باريس حول محبسها، ودَوَّت أصوات الشعب في خليط يتذبذب بين الدهشة والغضب والإعجاب. بعد أيام أربعة، طالعت الجموع المحتشدة في قصر العدالة، حيث تعقد محكمة الثورة، وجه شارلوت جميلاً هادئاً كعادته، وما إن دخلت القاعة حتى سرت فيها همهمة ليس من السهل أن نستبين العاطفة التي أوحتها! - وهنالك وقف تنقيل ليقيم الدعوى مستعيناً بالشهود وببائع الخنجر الذي حضر المحكمة ليدلي بالواقعة أمامها، ولكن شارلوت قاطعته قائلة (لا

стр. 10053

حاجة بكم إلى هذه التفاصيل (إنني أنا القاتلة) (وبإيحاء من؟) (لم يوح إلي أحد) (إذاً فما الدافع؟) (جرائمه) ثم زادت في صوت صاخب مرتفع (لقد قتلت فرداً لأنقذ مئات الألوف، مجرماً لأنجي أبرياء، حيواناً مفترساً لأريح بلداً بأسره! لقد اعتنقت مبادئ الجمهورية قبل أن تقوم للثورة قائمة، ولم أكن أبداً في حاجة إلى الحماسة أو التشجيع!). وهكذا قطعت عليهم كل سبيل إلى الكلام، وحملق الجمهور مشدوهاً بينما أتم القضاة إجراءاتهم في صمت وسكون، وصدر الحكم بإعدامها لجريمة القتل فتلقته هادئة، وفي لهجة رقيقة تشف عن روح نبيلة عالية شكرت محاميها، كما شكرت القسيس الذي أحضروه لها معتذرة له في لطف بأنها ليست في حاجة إلى شئ من بضاعته! وفي مساء ذلك اليوم نفسه خرج سكان باريس - على بكرة أبيهم - إلى الطرقات والمنافذ ليلقوا على شارلوت نظرة أخيرة. . وظهرت عربة السجن المشئومة تحمل تلك المخلوقة الصغيرة في ملابس الإعدام الحمراء، حلوة وادعة، غضت الإهاب ريانة الغصن تسعى إلى حتفها وحيدة وسط هذا العالم الصاخب! كثير هم أولئك الذين حيوها في احترام برفع قبعاتهم، فأي قلب لا يمس هذا المشهد قرارته؟ بينما طاوعت بعض الآخرين نفوسهم فزمجروا وهدرت أصواتهم لدى رؤيتها! وفي (ميدان الثورة) حيث ينتظرها الموت، لم يتسلل إلى أساريرها الجميلة الهادئة أي شحوب أو فرق، بل حافظت على ثباتها وحيويتها؛ ولما تقدم الجلادون لقيد ساقيها، احتجت متذمرة، وقد حسبت أنهم إنما يفعلون ذلك رأفة بها، وقد لحظوا في أنوثتها ضعفاً لا يقوى على مجابهة الموت إلا مكبلاً! حتى إذا أفهموها أنها إجراءات تتبع في كل حالة اعتذرت لهم باسمة وخضعت راضية! وفي المشهد الأخير عندما جردوا عنقها من لفائفه وهيأوه لسيف الجلاد، تمشت في عنقها ووجهها الجميل حمرة من خجل العذارى ضلت تصبغ خديها النديين حتى بعد أن رفع

стр. 10054

الجلاد رأسها المفصول ليراه جمهور النظارة! فيا للجمال ويا للقبح ممثلين في شارلوت ومارا! يصطدمان فيلاشي كلاهما الآخر! ويالكما من منكودين أنهلهما العدم كأسه مترعة! فلتناما في أحضان أمكما الأرض، تلك التي حملتكما معاً! حسن عبد الحليم اليماني

стр. 10055

في الأدب الإنجليزي ٤ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير بقلم خيري حماد الأشباح: تشتمل الأشباح التي وردت في روايات شكسبير نوعين مختلفين: أشباحاً مرئية وأشباحاً غير مرئية. أما الأشباح المرئية فهي التي في استطاعة كل شخص أن يراها ويبصرها. وأما الأشباح غير المرئية منها فهي التي اختفت عن أعين الجميع إلا عن أعين بطل الرواية. استعمل شكسبير نظرية الأشباح في عدد غير قليل من رواياته ومؤلفاته، فهناك شبح في رواية الملك ريشارد الثالث لم يره إلا ريشارد وريشموند، وهناك شبح آخر في رواية يوليوس قيصر يعجز الخدم عن رؤيته بينما يظهر جلياً لبروتوس. وفي رواية سمبالين أشباح متعددة تظهر لبوشيموس في سجنه في حالة لا يراها الحرس والسجانون. وكانت مخاطبة الأشباح تقتصر على نفر قليل ممن كانت لهم قوة التنبؤ والاستنباط، فكان في استطاعتهم أن يرسلوا الأرواح في مهماتهم الخصوصية. وقد ذكرهم شكسبير في كثير من رواياته كرواية سمبالين ورواية يوليوس قيصر بقوله: (قد استطعت التغلب على روحي الخفية بواسطة حيلك السحرية) وفي رواية ' بقوله: (هل يوجد هناك من مشعوذ يستطيع أن يزيل ما أمام عيني من الشك). وهذا النوع من الرجال كان ينتظر منه الإلمام باللغة اليونانية واللاتينية والاضطلاع الواسع على الآداب القديمة. وتظهر لك هذه الميزة جلياً في رواية هملت عندما يظهر الشبح، فيقول مارسيليوس مخاطباً هورايتو: (إنك متعلم ومطلع على الآداب، ولذا وجبت عليك مخاطبته يا هورايتو).

стр. 10056

ويصحب ظهور الأشباح عادة تغيير في الأنوار، فنرى ريشارد الثالث بتغير في الأضواء قبل ظهور الشبح؛ وفي رواية يوليوس قيصر نرى نفس الظاهرة بجلاء ووضوح، فيرى بروتس تغيراً في ضوء الشمعة يسترعي انتباهه ويهتف قائلاً: (ما لهذه الشمعة قد شحب ضوؤها؟ من القادم؟). وتظهر الأشباح بصورة عادية مرتدية نفس الملابس التي كان أصحابها يرتدونها قبل موتهم. ففي رواية هملت يظهر الشبح بنفس الأردية التي كان يرتديها الملك قبل وفاته، وهذا ما دعا هورايتو إلى الهتاف قائلاً: (إنه ليشبه والدك تمام الشبه مرتدياً نفس الملابس والأسلحة التي كان يرتديها قبل وفاته؛ وفي رواية مكبث يظهر شبح بانكو بنفس الحلة التي وجد فيها قبل وفاته لساعات قليلة. ولهذه الأشباح طبائع غريبة وأخلاق شاذة، فهي لا تستطيع احتمال الأسئلة الكثيرة بل تهملها. وفي رواية هنري السادس نرى الشبح وقد ضاق ذرعاً بالأسئلة الكثيرة التي وجهت إليه فأجاب سائله بقوله: (اسأل ما بدا لك ولكني لا أجيب إلا عما أريد الإجابة عنه) ز وكانت الأشباح تفضل الصمت على الشغب والضوضاء، ولذا نرى بروسبيرو يطلب الهدوء التام عند ظهور الأشباح. وتختلف هذه المخلوقات الغيبية عن سابقتها بكونها لا تستطيع الظهور مطلقاً إلا عند سدول الظلام، فلا يظهر الشبح في رواية هملت إلا بعد غروب الشمس؛ وعندما يشعر باقتراب النهار يفر مسرعاً إلى عالمه العلوي. فالنهار والضوء عدوان لدودان للأشباح. قال جبسن في ختام بحثه عن الأشباح: (إن المهارة والمقدرة التي أظهرها شكسبير في تصوير الأشباح لما يؤكد لنا اعتقاده الجازم بها) وهذا الحكم الذي يصدره ناقد معروف كجبسن لجدير بالتفكير والبحث. نعم إن شكسبير لم يوفق في بحثه عن الأشباح وتصويرها كما وفق في الساحرات والجنيات؛ فخياله المبدع الذي رأيناه سابفاً لا نشاهده في الصورة الحالية؛ وقد يكون هذا النقص ناتجاً عن عدم اعتقاده بالأشباح؛ خصوصاً وأن الرجل لا يحسن ما لا يؤمن به ويعتقد فيه، فكان بحثه تعوزه المقدرة، وينقصه الخيال الواسع والفكر العميق. العفاريت:

стр. 10057

كان من السائد على معتقدات الناس في ذلك العصر أن العفاريت هم من سلالة الآلهة القدامى. وما عفاريت شكسبير إلا صور مصغرة من آلهة الرومان واليونان والفلسفة الشمالية، فهم مصدر شقاء وينبوع آلام. نعم إن مقدرتهم لم تصل إلى تلك الدرجة من القوة التي وصلت إليها مقدرات الساحرات، ولكنهم رغماً عن ذلك كانت لهم القدرة الكافية على الاختفاء بالشكل الذي يريدون. وفي رواية تايمون أثينا نرى وصفاً مسهباً لهذا النوع من العفاريت عندما يتكلم المهرج قائلاً: (إنها روح شريرة تظهر مرّة بشكل سيد من الأسياد، وأخرى بشكل محام بارع، وثالثة بشكل فيلسوف شهير). وكانت في بعض الأحيان تتخذ لها وسيطاً من بني البشر، فيكون لهن من روحه مكاناً يقمن فيه، ويعامل هذا الرجل (المسكون) عادة أشد المعاملة وأقساها، فهو عرضة للشتائم وشتى أنواع العذاب والهوان. وفي رواية (مهزلة الأخطاء) نرى بنسن يخبر خليلته بأن زوجها وخادمه قد أصابهما مس من الجنون، وأن العفاريت قد اتخذت من روحيهما مسكناً مريحاً، فمن الواجب إذن القبض عليهما وإيداعهما حجرة مظلمة. وفي حديث غرامي بين روزاليذ وعاشقها رولاندز في رواية (كما تريد نرى الفكرة نفسها واضحة جلية؛ فهي تقول له: (إن الحب جنون، وما العاشق إلا مجنون يجدر به أن يكون حبيس غرفة مظلمة لا يدخلها الضوء؛ ولكن المحب لا ينزل به هذا النوع من العقاب، لأن الحكام والقضاة قد كانوا في نفس الحالة يوماً ما، ولذا كان من الواجب مداواته بالنصيحة والمشورة). يندر أن تجد عفريتاً من هذه العفاريت يظهر بشكله الحقيقي على مسرح شكسبير؛ ولا أذكر في رواياته كلها غير مرة واحدة تراءى العفريت فيها للنظارة، وهذه المرة تقع في رواية هنري السادس عندما تدخل العفاريت المسرح بعد إلحاف شديد من الساحر (لابوسيل)، فيقومون بأعمال كثيرة تعد في حكم المستغربة الشاذة، فيدخلون دون أن ينطقوا بأية كلمة، ومن ثم يلقون برؤوسهم إلى الأسفل، ثم يرفعونها مرة ثانية ويغادرون القاعة حيث لا رجعة بعد ذلك. من هذه الأعمال الغريبة التي كان العفاريت يقومون بها نستنتج أن هذه المخلوقات تعد من

стр. 10058

أغرب أنواع المغيبات، وتختلف عن سائر الأنواع الأخرى باختفائها الدائم في الهواء؛ وقد ختم جبسن بحثه عن العفاريت بقوله: (إن شكسبير لم يهتم بهذه المخلوقات اهتمامه بالأنواع الأخرى المشابهة لها؛ وإن معاملته الشاذة لها لجديرة بالاستهزاء بدل الإجلال والتقدير) وهذا الحكم على درجة كبيرة من الصحة والصواب؛ فلا نجد هنالك إلا عدداً قليلاً من الأماكن التي يأتي ذكرها فيها؛ ولو فرضنا جدلاً أن شكسبير ذكرها في عدة أماكن لرأينا أن ذكره لها لا يتجاوز عدداً من الأسطر؛ ثم يتركها على ألا يعود إليها ثانية. ومن هذا يظهر جلياً أن شكسبير كان يحتقر هذا الاعتقاد في العفاريت فلم يولها جانباً من اهتمامه. (يتبع) خيري حماد

стр. 10059

الدكتور محمد إقبال فلسفته معالم الاتفاق والاختلاف بينه وبين فلاسفة الغرب للسيد أبو النصر أحمد الحسيني إن أول مَن لَحِظَه التوفيق بين فلاسفة الغرب في أن يثبت بالدلائل القاطعة والشواهد الصادقة أن الإنسان لا يقدر على حل العقد المستغلقة والمعضلات الغامضة في هذه الكائنات بالعقل المجرد، هو الفيلسوف الألماني الكبير (كانت). وعلى هذا أثبت كانت عن طريق فلسفي ضرورة وجود الله ولزوم الإيمان به، وبرهن في مصنفه (نقد العقل العملي) على أن قواعد عقل الإنسان العملي ودعائم عمله ووطائد اختباره ثلاثة: حرية الإرادة، وخلود الروح، والإيمان. ووضح أن الإنسان لا يمكن أن يكون مسؤولاً عن أعماله إذا لم يكن فيها بالخيار. لذلك كان (كانت) بكشف هذه الحقائق وأمثالها في عالم الفلسفة قد قام للإنسانية بخدمة عظيمة. ونحن قد أبنا لك في المقال السابق أنه على حسب فلسفة إقبال أيضاً يكون لكمال الإنسان وتقدمه ثلاث دعائم: إحراز الغاية القصوى من الحرية والاختبار بنيل الأنانية العظمى، ونيل الخلود باتصاف الأنانية بحالة الجد المستمر، ثم بلوغ منزلة الخلافة الإلهية التي هي نهاية عليا لذلك الكمال والتقدم: فعلى هذا يتفق إقبال مع كانت في التصورات الثلاثة أساسياً، ويختلف عنه في أن ليس لدى كانت تصور الخلافة الإلهية. وأما تصور (كانت) الثالث وهو الإيمان فهو أساس جميع تصورات إقبال، لذلك لم يحتج إقبال إلى إثبات ضرورة وجود الله والإيمان به في فلسفته كما احتاج إليه كانت، ولأن مبدأ فلسفة إقبال الأنانية المتصفة بحالة الجد المستمر. وآخر الجد المستمر الإيمان كما هو أوله، لأن الإنسان لا يقدم على عمل ويستمر فيه إذا لم يك مؤمناً بنتيجته ونجاحه فيه، وكذلك إقبال لم يحتج إلى إثبات قانون أخلاقي خارجي كما احتاج إليه كانت في بيان نظريته الأخلاقية، لأن قانون الأخلاق عند اقبال ينجم عن ضروريات الأنانية الباطنية، فكل شئ يقوي الأنانية عنده خير وحسن، وكل ما يضعفها شر وقبيح؛ فكأن أنانية الإنسان المتصفة بالجد المستمر

стр. 10060

عنده ضمنية لإنتاج ذلك القانون، فلا يحتاج إلى البرهان والدليل. ويختلف إقبال عن كانت في أن اكتساب الحرية والاختيار ونيل الخلود والدوام في فلسفته ثمرة الجهد المستمر لا يفوز بها إلا الذي اتصفت أنانيته بتلك الصفة، أي الجد المستمر. فكل من رغب فيها وطمح ' ليها ينبغي له عنده أن يسعى لذلك بعزم وحزم لا يشوبها على الزمن خلل ولا وهن، وأما كانت فقد تصدى لفكرة الحرية والاختيار والخلود والدوام في فلسفته ليقول إن العدل جار في الكائنات وإنه يوجد فيها المطابقة بين الأعمال ونتائجها، وبين الأمور وعواقبها. إن فلسفة إقبال فلسفة تفاؤل لأنه تخلق في الإنسان الأماني تتري، وتبعث فيه الهمة القصية المرمى، وتحفزه لبذل الجهد واستفراغ الوسع في تحقيقها بالمثابرة والمواظبة. فهي لذلك تخالف فلسفة التشاؤم التي كان أكبر أئمتها الفيلسوف الألماني شوبنهاور. كان شوبنهاور هذا متأثراً بأفكار البوذية الهندية، فنظر إلى العالم نظرة التشاؤم، وقرر أن حقيقة الكائنات القصوى هي الإرادة، لكنها لا تقدر أن تملك لقصدها مشمولاً خاصاً يمكن أن يعرض عملياً في الذهن، لأن كل مشمول مثل هذا يتعلق بخارجها. فلذلك تملك الإرادة الكونية لقصدها نفسها، أي هي تريد لأن تريد. هي تريد لأن تكون حقيقياً، فإن كل شئ حقيقي ليس إلا الإرادة الممثلة. فبهذا المفهوم سمى شوبنهاور تلك الإرادة (إرادة الحياة)، ورأى أنها جوهرياً شر، فإنها لا يمكن أن تقع؛ هي ألم. هي ألم غير القانع؛ وعلى هذا فالحياة حمأة الطموح الذي لا يشبع، وثورة التوقان الذي لا يقنع. لذلك كانت نهاية الإنسان دائماً في الشكوى، ولن يتم له حسن الحظ أبداً. ولكن إقبالاً يرى أن سوء الحظ وآلام الحياة أكثر فائدة للإنسان إذ بها تربى أنانيته وتدرب، فيطأ بها أعراف المجد، ويتسور شرفات الكمال؛ ثم شوبنهاور ينكر الفردية أي وجود الأشياء المنفردة أو (الإرادات المنفردة) كما يقول، ويرى أنها وهم تتوقف على الفروق الزمنية والمكانية، بينما أساس فلسفة إقبال هو الفردية. أما من يوجد بين فلسفته وفلسفة إقبال معالم المشابهة وملامح المماثلة أكثر فهو الفيلسوف الألماني الكبير نيتشه. والمزية الكبرى لنيتشه هذا بين فلاسفة الغرب أن عبقريته صبغت الفلسفة بصبغة الإلهام، ولم تكتف في المباحث الفلسفية بانتقاد الفن، بل أتت للعالم بمقياس جديد للحسن والقبح، والخير والشر. وفلسفته ثمرة مزيج من أفكار كانت، وشوبنهاور،

стр. 10061

وداروين. فقد استنبط من نظرية العلم لكانت أن ليس هناك شئ يقال له علم، بل كل شئ خيال ووهم، وذلك لأن الحقيقة لا يكشف عنها بل تُخلق، ولا يبحث عنها بل تُخترع، وهو أيضاً قد قرر مثل شوبنهاور أن حقيقة الكائنات القصوى هي الإرادة، ولكن ليست (إرادة الحياة) كما رأى شوبنهاور بل (إرادة القوة)، وهي عنده مصدر كل خير وفلاح كما أن (إرادة الحياة) عند شوبنهاور منبع كل شر وخسران. وما أحسن قول البعض أن ما يراه شوبنهاور شيطاناً يراه نيتشه إلهاً. يرى نيتشه أن (إرادة القوة) هذه دافع قويّ غريزيّ سارٍ في الكائنات، فهو مركز الحياة الإنسانية، بينما إقبال يرى أن مركز حياتها هي الأنانية المتصفة بحالة الجد المستمر. ولكنهما يتفقان في أن خوض غمار الآلام ومكابدة المصائب، ومعاناة النوازل، مما لا محيص عنه لصعود الإنسانية في معارج الشرف ولبلوغ تقدمها غاية الكمال. ويتفقان أيضاً في أن هذا العالم المادي هو ذريعة إلى تلك البغية ووسيلة إلى ذلك المطلب، وأن الفن يجب أن يكون ملتقى الجمال والقوة كما يتفقان في أن فلسفة الأخلاق المسيحية غير وافية لضروريات تقدم الإنسان وتسمنه ذروة الكمال. غير أن نيتشه قدح فيها قدحاً شديداً وانتقدها انتقاداً لاذعاً وصرح بأن المسيحية تدعو إلى (أخلاق العبيد) في حين أن إقبالاً اكتفى بالإشارة إلى أنها غير مفيدة للإنسانية لأنها لا تقدر على إماطة اللثام عن قواها الخفية، ولا على الكشف عن استعداداتها المكنونة، وذلك لأنها تدعو إلى الرهبة وترك العالم. وبناء عليه فدعوة إقبال خلاف ذلك كما قال في بيت ترجمه: غص في البحر وحرب الأمواج … فإن خلود الحياة في المحاربة يتفق إقبال ونيتشه في تصور كمال الإنسانية؛ بيد أن نيتشه يراه ممثلاً في سوبرمان (أي فوق البشر) وإقبال يراه في خليفة الله. والفرق الأساسي بين تصوريهما هو أن نيتشه ينكر وجود الله ويقول: (اقتلوا الله! كل شئ مباح. إن الطبيعة والدوافع الطبيعية ليست شراً. ابْعدوا الحياء والكظم! ابْعدوا الأدب والتقيد! إن أخلاق الرجل الحر ستكون الأخلاق المعبرة عن الذات حقيقة)، وعلى هذا فسوبرمان نيتشه محصور في نفسه ومحدود في ذاته، ليس لديه غاية يجري إليها ولا هم يتفرّغ له. وأما الخليفة عند إقبال فحياله الأنانية العظمى، أي الله ذو الرحمة الواسعة، وصاحب العطاء المتصل، فله عنده الدرجات العلى، يجزي بها بما

стр. 10062

يسعى؛ ثم سوبرمان نيشته عارٍ عن العاطفة جافي الطبع، شديد الوطأة، لأن روح أفكار نيشته أرستقراطية، فرأى أن حقيقة الكائنات القصوى (إرادة القوة)؛ وقرر أنها هي الدافع الغريزي الأقوى في الإنسان فعليه أن يطلبها، ولكن هذا الطلب غير المشروط كان ينجم عنه نظام القِيَم الذي ظلت الحضارة مشتبكة فيه إلى الآن. فهنا أتى نيشته بفكرة (وراء الحسن والقبح) فإرادة القوة عنده لا تعرف حدود الحل والحرمة، والحسن والقبح، لأن كل شئ مصدره ونهايته قوة، عندها حلال وحسن، وكل شئ مصدر ونهايته ضعف، عندها حرام وقبح، والعقائد كذلك ليست عندها متساوية متماثلة، فالفرق الحقيقي بينها ليس عندها من حيث كونها حقاً وباطلاً، بل من حيث كونها مفيدة وغير مفيدة. وهكذا شعرت أرستقراطية نيشته بضرورة أي تغيير جميع القِيَم، فمثل في أن واحد دور الفيلسوف، والمصلح الأخلاقي، والشارع، وخالق الحضارة الجديدة. وكان في دور ارتقاء أفكاره الأخير شاعراً بمهمته هذه. فعلى هذا النمط وصل نيشته إلى تصور كمال الإنسانية في صورة (سوبرمان) بازاء عامة الناس الذين هم موضع قنوطه ويأسه. فأنشأ فكرته الجديدة للحضارة بتوزيع الاجتماع الإنساني في طبقتين متناقضتين: ذات أخلاق السادة وذات أخلاق العبيد. وقرر أن الأولى منشأ سوبرمان، وأن لأفرادها وهم الأقوياء حق معاملة أفراد الأخرى وهم الضعفاء بالظلم والعدوان، وإن واجب القوى في شريعة الارتقاء وتنازع البقاء الولوغ في دماء الضعيف وفتح جميع أبواب الجور عليه بكل وحشية، فإن السوبرمان أو الإنسان القوي الكامل الصالح للحياة لا يظهر إلا بتدمير الضعيف غير الكامل وغير الصالح للحياة. وأما طبقة الضعفاء أو (ذوو أخلاق العبيد) كما يسميهم هو فقد خلقوا لأستمال الأقوياء فقط، وهم موضع بأس نيشته، لذلك سد عليهم نيشته جميع أبواب التقدم كما سدت ديانة البراهمة على المنبوذين في الهند. فلذلك كان تصور الخليفة لدى إقبال خيراً من تصور السوبرمان عند نيتشه، لأن روح أفكار إقبال الديمقراطية الإسلامية فالخليفة عند إقبال شخصية محبوبة إلى جميع طبقات البشر تسعى لخيرهم، وتسبغ من خصب طبعها عليهم وتقربهم إلى نفسها؛ فكلما تتقربوا إليها تتدرج حياتهم في مدارج الكمال؛ وهي تمثل اللين كما تمثل الشدة. وهاتان الصفتان لا

стр. 10063

محيص عنهما لتقدم الاجتماع البشري. قال إقبال في بيتين ما ترجمتهما: اخلق من حفنة ترابك … جسما أوطد من حصن منيع وليكن في داخله قلب رقيق … كالنهر في جنب الجبل الراسي إن ما حدا بنيتشه إلى هذه التصورات الأرستقراطية هو خوضه غمار الأدب اليوناني، وهو لم يشعر بأن النظام الاجتماعي اليوناني في هذا الأمر كان ناقصاً. فلو شعر بذلك لم يحسب العبودية كالجزء الضروري للتمدن. فظهور سوبرمانه في الحقيقة على حساب تلك العبودية، وهو يحوز قصب السبق على جهود هؤلاء العبيد، وعلى هذا فشخصيته عند فلسفة إقبال ليست بأكثر من شخصية مستجد (للمقال بقية) السيد أبو النصر أحمد الحسيني الهندي

стр. 10064

كلمات للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي حياةٌ ولكن الحياة تزول … ودنيا ولكنَّ البقاء قليل ودهرٌ طويلٌ ماله من نهاية … ولكنَّ فيه العيشَ ليس يطول وشمسٌ يسرّ الناظرين طلوعُها … ولكن لها بعد الطلوع أفول وفي كل يوم للنهار إذا أتى … غدوٌّ ومن بعد الغدو أصيل ربيعٌ ولكن لا يطول زمانهُ … وزهرٌ ولكن يعتريه ذبول وإن حياة المرء آفةُ نفسه … فإن لم يَغُله الموت فهي تغول وفي القبر قد تبقى من الميْت أعظم … ومما بناه أرسمٌ وطلول وما الموت للإنسان إلا ضرورة … فينشأ من جيل تقاعس جيل يواري الفتى تحت التراب صديقَه … ويدفن في الأرض الخليلَ خليل كأن الأسى جمرٌ له من لهيبه … ذوائب أصلى نارَها وذيول كأن فؤادي يستحيل بها إلي … دموع ومن عيني الدموع تسيل أمامي أرى ماءً نميراً وبي صدى … ومالي إلى الماء النمير سبيل يبيتُ ابن أرض الرافدين على الطوى … ويشبع من خير البلاد دخيل وما الأرض بين الرافدين شحيحةُ … ولا الماء يسقي الرافدين قليل تهون فلول السيف في حومة الوغى … إذا لم تصب نفسَ الكماة فلول أفكّر في الماضي فلا هو عائدٌ … إليّ ولا عن ناظريّ يزول ولو كنتُ ممن يؤثرون نفوسهم … لملت مع الأيام حيث تميل طريقي طريق الصدق لو كان منجياً … فما ليَ حتى الموت عنه نكول ولي كبدٌ أخشى عليها من الجوى … إذا ما نأى بالظاعنين رحيل وكم مرّة واريتُ صحبيَ للثرى … على وجه مَن عزُّوا عليّ أهيل يقولون ما للدهر يقسو بصرفه … عليك ويبغي غِرَّةً ويصول ومن أنا من دهري فيطلب غِرَّتي … ويغريه بي بعد المشيب ذُحول أكوّن رائي في الحياة مفكّراً … ولكنَّ رائي في الحياة يفيل

стр. 10065

ورب عويصٍ في الحياة أمامه … يظلّ سواءً عالمٌ وجهول من الدهر تبغي خَلْقَ ذي عبقرية … ولكنه بالعبقريّ بخيل من الغُرّ أما عقله فهو راجح … يصيب وأما وجهه فجميل ويعرف من نور السهى ما بجوفها … على أن ما يأتيه منه ضئيل إذا الشمس ذرّت من وراء حجابها … فللأرض منها غرّة وحجول أُلام على نَيْلي من الشعر شهرةً … ومَن ذا يعاف المجدَ وهو أثيل يجيش بصدري الشعر من سورة الأسى … فأشدوا به مستعبراً وأقول ورب يراع جاء في كف شاعر … بما لم يجئه السيف وهو صقيل إذا امتلك الذعرُ النفوسَ فجاءة … فأوَّل ما يَلقي الضياع عقول وإن حياة الشيخ بعد صراعه … وخيبتِه عبءٌ عليه ثقيل لقد حال مني كل شئ عرفته … سوى ذكرياتٍ لا تكاد تحول

стр. 10066

الموت للأستاذ فخري أبو السعود أيا قادماً تخشَى النفوس قُدُومَه … لأنْتَ صديقٌ في ثياب غريم قدومُك تحريرُ الأُسارى ولو درتْ … لما أنكرتْك النفسُ يوم قدومِ كما يُنكرُ الطفلُ الطبيبَ وعنده … له بُرْءُ أسقامٍ ودَمْلُ كلوم بَلَوْتَ نفوسَ الخلْق من عهد آدم … فأنتَ بها يا موت جدُّ عليم إذا قسَت الدنيا على مُتعَب بها … بسطتَ له لأْياً جناحَ رحيم ومن شَفَّهُ قيظُ الحياةِ أغَثتَهُ … بِبَرْد نسيم في الأصيل رخيم فأنت لِنِضْوِ العيش من دون صحبه … ومن دون قُرباه أُبَرُّ حميم وأنتَ دواءُ الجسم قد خيلَ داَءهُ … تميط الأذَى عن مُوجَع وسقيم وأنت بلاغُ النفس حَيْرى مَرُعَةً … بوادي شكُوكٍ جمةٍ وهموم وفيك ابتعادٌ عن جهالة جاهل … وعن قول مَأْفونٍ وفعل لئيم وعندك نسيانٌ وطول زهادة … لكل مُراد في الحياة عقيم فأنت - وإن غُلْتَ المنى - أطْيَبُ المنى … وفيك نعيمُ المرءِ أيّ نعيم لعمرك ما حَيٌّ بأرْوَحَ منزِلاً … على الأرض من بالٍ بها ورميم ولو علم الجاني لما جادَ عامداً … على خَصمه بالموت جُود كريم وتمحو يداك الحقدَ والخوفَ والأسى … وكلَّ بلاءٍ في النفوس قديم وكلُّ بلاءٍ لم يسِغ طعمَه الفتى … عليه طَوَى بالأمس كشح كظيم وأنت تُريح الفكر من كلِّ مُعْضِلٍ … يَظَلُّ لَهُ في حَيرةٍ ووجوم وتطوِي عن الأجفان صفحة عالمٍ … مَليءٍ بأنواع الشرور ذميم وتطوي كتاب الأمس طياً وما مضى … به من بغيضٍ ذكرُه وأليم عزاءٌ لبعض الناس أنك قادمٌ … وأن شقاَء العيش غيرُ مقيم

стр. 10067

المادة للأستاذ محمود غنيم فتَّشتُ بين الناس عن زاهدِ … فلم تقع عيني على واحدِ ما أزهدَ المرَء إذا لم يجدْ … وأبعدَ الزهدَ عن الواجد لا يُزْهَ إنسانٌ بآدابه … أو يفتخر بالسلف البائد المجد إما سطوةٌ أو غنىً … ما العاجزُ المعدِمُ بالماجد فقيمةُ الشعب إذا قستها … بقيمة الصَّادر والوارد وقيمةُ الفرد بما يملك الْ … فَرْدُ من الطّارف والتَّالد كم طفلةٍ أوْدَعَ من هِرَّةٍ … حَوَّلها الجوعُ إلى مارِد قد يُحسدُ المرءُ على رزقهِ … ولا أرى للفضل من حاسد لم يفتتن بالمكْرُماتِ امرؤٌ … والغانياتُ فتنةُ العابد العلمُ والأخلاق ما قُدِّسا=إلا لنفع منهما عائدِ لا يَردَعُ التاجرَ عن غشِّهِ … إلا اتِّقاءُ المتجرِ الكاسد لم يَخْتَر الناسُ دياناتهم … بل أخذوا بالمذهَب السائد ليس جمالُ الطبع في غادةٍ … مثلَ جمال اليَدِ والسَّاعد يا زاعمَ العِّفةِ في حبهِ … ما تبتغي من كاعبٍ ناهد؟ لم يتَّقِ اللهَ امرؤٌ للتقى … بل لنعيم الجنة الخالد تَيمَت الناسِكَ حُورِيةُ … ذاتُ قوامٍ أهْيَفٍ مائد تَسقيه كأساً حُلوَةَ الطعم من … خمرِ الجنانِ السيِّغ البارد لولا جمال الحورِ ما لامَسَتْ … أرضَ المُصلَّى جَبهةُ الساجد هل كنتَ تلقي في الورى ساعياً … لو كان يسعى الرِّزقُ للقاعد سِيَّان مَنْ يسعى إلى قُوتِهِ … بالسلْبِ أو بالوَرَع الزائد كم لحيةٍ أجْدَى على ربِّها … من ألفِ سهمٍ بِيَدِ الصائد جُرْحُ يد المرءِ لَهُ قائدٌ … وما لجُرح العِرْضِ من قائد كم مُجرمٍ يقتُل روحاً ولا … يُجزَى جزاَء القاتل العامد

стр. 10068

قد يُتركُ الأولادُ من جهلهم … صَرْعى ولا حدَّ على الوالد صاح دَع الرُوحَ ودع قُدْسها … نحن عبيدُ الجسد الفاسد

стр. 10069

حمامتي! للشاعر الإنجليزي (كيتس بقلم عيسى وهب الله الشمبيري أظنها من حزنها قد ذوت … ورفرف الموت على وكرها ويلاه! ماذا ساءها فانزوت … تطفئ بالحزن سنا عمرها كانت على سيقانها الناعمة … خيوط خز صنعتها يدي تزهو بها، كالوردة الحالمة … على غُصين مائس أمْلد جفت وأبلى السقم سيقانها … واحسرتا من سكرات السقام! يا زهرة أذبل عيدانها … عصف الردى كيف أتاك الحمام؟ قد ضمك زماناً مضى … لم تسعدي فيه بنجوى الحبيب والآن قلبي وكرك المرتضى … فكيف هدت جانبيك الكروب والحمص الأبيض كم أشرقت … في ثغرك المحبوب حباته! والشاعر المحزون كم صفقت … فوق لماك العذب قبلاته! فَلِمْ هجرت الدار لم تسعدي … بين يدي فيها بعيش مصون!! لو كان أمر الموت طوع اليد … فديتك اليوم بروحي الحزين!

стр. 10070

القصص صور من هوميروس ١٢ - حروب من طَرْوادَة بتروكلوس للأستاذ دريني خشبة إن يكن قد أصاب الطرواديين قَر ﴿حٌ فقد أصاب الهيلانيين قَرحٌ مثله. ذلك أنه ما كاد يغادر نيتيوما حومة الوغى، صادعاً بأمر الإله الأكبر، حتى أفاق الطرواديون وأحلافهم، كما أفاق الهيلانيون من قبل حين غادر الحومة مارس وزبانيته. أفاق الطرواديون إذن، وصحا زيوس من رُقْية حيرا، فأقسم إلا أن تدور الدائرة على جنودها من شانئ أخيل، وإلا أن يحيق بهم مكر هذا السحر ملأ جفنيه، وغلّق سمعيه، وأطلق أيديهم في أبناء طروادة يضربون منهم كل عنق كريم وكل بنان!! وما هي إلا أن لم الطرواديون شعثهم، ورتقوا فتقهم، حتى استطاعوا أن يعيدوا الزحف، ويأخذوا أعدائهم المزهوين بنشوة النصر، على غرة منهم؛ ويطّلع سيد الأولمب من ذروة جبل إيدا فيمكن لهم من أبناء هيلاس، ثم يسلط عليهم صواعقه، ويفتح عليهم السماء فتمطرهم بعذاب واقع، ليس له من دونه دافع، إلا أن يُثأر لابن ذيتيس، حبيبة القلب. . . ومنية النفس! وفزع أوليسيز إلى رمحه. . . وأجاممنون إلى سيفه. . . وديوميد إلى صَعْدته. . . وأجاكس إلى جُرازه. . . وفزع الجنود إلى أسلحتهم يشحذونها، وإلى دروعهم يلبسونها، وإلى الجياد الصافنات يمتطون صهواتها. . . . وإلى الواقعة فيخوضون خُبارها، ويثيرون عجاجتها. . . ولكن!. . . بلا جدوى. . .! فلقد طوردوا حتى بلغوا سيف البحر؛ وضُيّق عليهم حتى نظروا إلى الهزيمة تأخذهم من

стр. 10071

هنا وهنا؛ ورأوا إلى هكتور كالأسد الهصور يزلزل الساحة بزئيره؛ ويثير في قلوب جنوده الحمية بافدامه، وأينما توجه الموت في ركابه، وقطرت المنية من سنان سيفه، وانقدح الشرر من حوافر خيله، وتناثر الزبد من أشداقها، فيكون سُماً في قلوب الهيلانيين. وطرب الطرواديون لهذا النصر المفاجئ، وشاعت الخيلاء في أعطافهم حين أبصروا فرأوا أوليسيز يغادر الميدان متأثراً بجراحه، وأجاممنون يفر بنفسه كأحقر الأجناد، وديوميد محمولاً إلى سفينته كمن يجود بروحه، وأجاكس العظيم يولي دبره غير متحرّف لقتال. . . . فأوقدوا مشاعلهم، وأججوا نيرانهم، واعتزموا إضرامها في أساطيل الأعداء، ليكفوا طروادة شرورهم، وليأمنوا آخر الدهر مكرهم، وليتم نصرهم. . . وهنا. . . . . . . . . . . . . . .؟!! انتفض بتروكلوس! بتروكلوس الكبير، صديق أخيل، وأعز الناس عليه، وجذوة الحماسة المتأججة في ضلوع الميرميدون! لقد نظر بتروكلوس فرأى جموع الهيلانيين تنهزم إلى البحر فتلقى بعتادها فيه، ثم يسبح منهم من يسبح إلى الأسطول الحزين بدا عليه كأنه يرثى لرجاله، ويبكي على أبطاله، ثم يغرق منهم خلق كثير، فيبتلعهم اليم. . . إلى غير عود. . . ونظر فرأى الطرواديين وأحلافهم وعلى رأسهم هكتور الهائل كأنه زوبعة يأخذون أبناء هيلاس غير راحمين. . . ثم نظر أخيراً فرأى إلى حَمَلة المشاعل والنيران يزحفون إلْباً فيكونون غير بعيد من السفائن اليونانية، لو أعملوا منجنيقهم في قذفها لأصبح الأمر غير الأمر، ولأتوا على آخر قوة لبني قومه، ولباء بنو قومه بالفشل العظيم! ولعاد الميرميدون كاسفي البال يحملون إلى هيلاس أنباء مصارع إخوانهم، الذين تخلى عنهم أخيل وجنوده وهم أقصى ما يكونون حاجة إليهم؛ ولكن أخيل لا يرضى أن ينسى الضغينة التي بينه وبين أجاممنون حتى في هذه الساعة العصيبة، فينهض لنصرة إخوانه اليونانيين، وليدفع عنهم هذا البلاء الذي حاق بهم، وليرد عنهم عادية هذه الكلاب التي تنوشهم وتمزق صفوفههم. . . . . . . . . . . . ورأى يتروكلوس أنه لا سبيل لعودة الميرميدون إلى وطنهم بفرض نجاتهم من نيران الطرواديين، يجرون أذيال الخيبة، ويلملمون أكفان الفشل، فثارت في قلبه نخوة الجندي الباسل، واشتعلت في أضالعه نيران الغيرة من مفاخرات هكتور ومنابذاته التي يملأ بها

стр. 10072

السهل والجبل، ثم تفطر قلبه أسى وحسرة على هذه الجموع الهيلانية التي تتدافع إلى البحر. . . . . . فكأنها تفر من موت إلى موت، وتنجو من حمام إلى حمام. . . . . . فذهب من فوره إلى أخيل، واقتحم بابه غير مستأذن؛ وقال: (أخيل!) (فتى هيلاس وغَوْثَها في كل رَوْع!) (يا سليل الآلهة، المترفع عن الدنايا!) (أرأيت؟!. . .) (ماذا تتحدث القرون إذا قيل إن الهيلانيين باءوا بالهزيمة، فلم ينهض أخيل لنصرتهم؟ وماذا تحمل إلى هيلاس إذا أُبنا غداً غير أنباء السوء ووقائع تلك النهاية المحزنة؟ وكيف نلقى الأمهات المعولات على أبنائهن؟ وماذا نقول للوطن إذا طالبنا بصحيفة الحساب عن هذا اليوم الأسود الذي بدت بوادره، وأخيل العظيم لا يحرك ساكناً؟ وكيف نتقي نقمة الشعب الذي ندبنا لهذا الأمر إذا خُنا أمانته، وبددنا ثقته، وحطمنا آماله؟ وأين تذهب الشهرة الطويلة التي أحسبنا خدعنا بطراوة العيش فيها والأحاديث الممسولة عنها؟). (أخيل!) (بل فكر معي إذا تم النصر لهذه الذئاب الوالغة في دمائنا، هل يكون بحسبها أن تستأصل شأفة هذا الجيش المنهزم، وتحرق سفنه، ثم لا تعتزم غزو هيلاس العزيزة، لتتأثر لهذه السنين السوداء التي أذقناهم طوالها رهق الحياة وخباثة العيش!!). (ثم أين لوطننا قوة بعد هذه القوى المبعثرة، وأنى له جيش بعد هذا الجيش المُراع، ومن لنا بأسطول يعنو له الموج، وتذل لعزته البحار؟) (أخيل!) (أنظر إلى الميرميدون تكاد تقتلهم الحُنْقَةُ على هذه البلادة التي أخمدت سورة الحرب في نفوسهم، وأطفأت جذوة البطولة في قلوبهم. . . أنظر إليهم يكادون يقذفون بجموعهم من سفائنك لنصرة إخوانهم، وليلقوا على هكتور درساً في النزال لا ينساه آخر الحياة!) (مالك لا يحركك هذا اللظى يا أخيا؟! إن هذا يوم ينسى فيه أمثالك أحقادهم، ويدفنون سخائمهم، ولا يبالون ألف متعسِّف أفاقٍ مثل أجاممنون! إن هذا يوم هو كله للوطن من دون

стр. 10073

أيام الدهر جميعاً، فإذا أفلتت فرصته من أيدينا، أفلتت عزة الحياة وكرامة العيش من أيدي الهيلانيين جميعاً؛ ولن يقال في سبب ذلك إلا أن أخيل العظيم قد تقاعس بجنوده عن نصرة الوطن، وفي سبيل إشباع شهوة الخصومة قامر بالوطن، وأبناء الوطن، ومستقبل الوطن!. .) (إيه يا فتى هيلاس، وحامي ذمارها إذا اشتد بها الكرب!) (مالك تصمت هكذا كأنك تسمع إلى ألف قرن تناديك، وتضع ثقتها فيك؟!) (أنا زعيم لك يا فتى هيلاس، أن هذه الجحافل الطروادية سترتد على أعقابها فتكون للهيلانيين الكرّة عليهم إذا رأوْا خوذتك التي تكسف بلألإها شمس الضحى، وشاهدوا هذه الشعرات البيض التي تزين ذؤابتها!) (أخيل!) رد على أعز الناس عليك، فالظرف أحرج من المطل، وأقصر من هذا الصمت! والساعة مفزعة مروعة، وإخواننا في الوطن والآلهة يصرخون ويموتون! (أخيل!) إن كان يعز عليك أن تحنث في عزمتك التي عزمت، فأذن لي أن ألبس خوذتك، وأمتشق سيفك، وأحل في دروعك السوابغ، ثم أسوق الميرميدون باسمك، فأرد عادية القوم، وأجير إخواننا الهيلانيين!. . . . . . . . . وكان بتروكلوس يكلم أخيل وكأنما وحي السماء يتنزّل على قلب البطل، بلاغة وحرارةً وقوةً إيمان وثبات يقين، ونفساً تجيش بالحب وأقدس المنى لوطنٍ مصابٍ في أبطاله، منقوصٍ في عزائم بنيه، يتلفَّت من خلف البحار، يرى ماذا يصنع أخيل في هذا الروع، وجنوده الميرميدون!! وهب أخيل من جلسته الخاملة، وأخذ يدَيْ بتروكلوس في كلتا يديه، وطبع على جبينه المرتجف قبلةً مهر بها صك التضحية في سبيل الوطن الشقي، وقال لصديقه: (بتروكلوس! أخي! يا أعز جنودي عَليّ! (أما أن أذهب أنا فأرد هذه الذئاب، فلا! ولكني آذن لك بكل ما أردت من قوة وعتاد، ما دمت تؤثر صالح الوطن، وتحرص على حقن دماء الهيلانيين)

стр. 10074

بتركلوس! لا يَدُرْ بخلدك يا صديقي الكريم أنني انتويت أن أغضب غضبةً لا انتهاء لها؛ ولكنني أُمرت أن أنتظر حكم السماء بيني وبين خصمي الذي لم يتورع أن يهتك أمر السماء، فيسلبني ثمرة خلعها رمحي علي، وقدمها لي جيش بأسره. . . هلم يا بتروكلوس فالبس دروعي واسبغ عليك لأمتي، وشرف خوذتي بجبينك، ولأذهب أنا فأعد لك الميرميدون، ولتبرهنوا لناكر الجميل أننا سبب مجده وخير جنده، وذخيرته كلما حز به كرب، أو ألم به خطب (هلم. . . . . هلم. . . . .) وانطلق أخيل فصاح بجنوده، فهرعوا إليه في سُفُنِه الخمسين، الراسية بمعزل من سائر الأسطول الهيلاني. . . . وكم كان رائعاً أن يتحرك أسطول أخيل، في أحرج ساعةٍ مرت بهذا الجيش المغير، الذي وقع فريسة كله في قبضة الطرواديين! لقد كان أجاممنون وجنوده ينظرون إلى سفن أخيل؛ وكأنها الخلاص من الموت الذي يلاحقهم، والمنايا التي ترقص فوق هاماتهم، وهي مع ذاك فيما خُيل لهم تزور عنهم، وتشيح عن نجدتهم، لأنهم لؤموا مع زعيمها، وأنكروا عليه ما اعترفت به السماء أنه حقه خالصاً له! أقلع أسطول أخيل، ولكنه لم يقلع ليفر من واجبه، بل أقلع نحو الشمال ليكون جنده بمأمن، يهبطون إلى الشاطئ من كبسة الصفوف الظافرة، المشغولة باستئصال شأفة الهيلانيين. وما هي إلا ساعة حتى رسا شمال طروادة، وحتى أخذ سيل الميرميدون ينهمر على شاطئها الشاحب فيملؤه، وكأنهم كِسف من العذاب أرسله نيتيون، رب البحار، من أعماق أليم ليقذف بها في قلوب الطرواديين! وطفق أخيل يجيشهم، فجعل منهم خمسة جحافل كقطع الليل البهيم؛ فكان على رأس الجحفل الأول البطل الحلاحل، والقائد المناضل، منستيوس بن سبرخيوس، ابن السماء وصاحب العزة القعساء.؛. وعقد لواء الجحفل الثاني لابن هرمز المقدام، الفتى يودوروس، الذي طالما كان جزعاً في فؤاد الردى، ووجلاً في قلوب المنايا!!. ووضع على رأس الجيش الثالث القائد بيزاندر، ابن ميمالوس، صفي الآلهة وهبة الأولمب. وأقام على الجيش الرابع صديقه فونيكس، الذي آثر البقاء إلى جانب أخيل حين أقبل مع أوليسيز وأجاكس، يفاوضون في الصلح من قبل أجاممنون؛ أما الجيش الخامس فقد عقدت رايته لابن ليرسيز،

стр. 10075

الكميدون العظيم، أخي الغمرات وصاحب الثارات. أما بتروكلوس! فقد أقدم يتخايل فوق عربة أخيل، يجرها جواداه الأشبهان، إكسانثوس وبليوس، أعز خيل زفيروس، وأحب دوابه إليه، ولقد كان مظهره الوقور يبعث الروع في النفوس: فهذي خوذة أخيل تتألق فوق هامته، والريح العاصف تداعب شعراتها فتجعل منها بركاناً يقذف الحمم. وهذي دروع أخيل سابغة فوق الصدر والفخذين والذراعين، كأنها لبدٌ نبتت فوق حيدْ جبل شامخ ينطح السماء برَوْقيه. وتقدم أخيل فصافحه، ومنحه شرف القيادة العامة، وخطب الجنود فقال: (إيه أيها الميرميدون! هذا يومكم! لقد كنتم تنظرون إلى الساحة، وبكم من الظمأ إلى اقتحامها ما لو أن بعضه بكم الآن لزلزلتم الجبال وخرقتم الأرض؛ ولقد كنتم تعذلونني فتقسون علي في أني أحتجزكم هنا ووقفت في سبيلكم دون نصرة إخوانكم، فها هو الميدان أمامكم فاشفوا صدوركم وأنقذوا أجاممنون مما حاق به، ولا يجرمنكم شنآنه ألا تغيثوه، أغيثوه فنصره عز لكم؛ شد الإله أزركم، وباركت الأرباب أسيافكم، وأحبت مجد الوطن بما أنتم قادمون عليه؛ سيروا على بركة زيوس، وفي حمى حيرا، وعين ميزفا تكلؤكم). وانطلق الميرميدون فانطوت الأرض من تحتهم، ورجف الوادي رجفة أجفل منها السهل والجبل؛ إذ كانوا ينسابون فلا يربعون على شئ، ويتدفقون فما تحجزهم لابة، ولا يعوقهم جُرفُ، وتسجد من دونهم حزون الأرض وآكامها. وانتظم خميسهم؛ فبرز القلب تتبعه الميمنة، تلقاءها الميسرة؛ وهرول الجناحان فأخذا السبيل على جحافل الطرواديين. ونفخ في البوق فانقض الميرميدون على مؤخرة الأعداء الظافرين، فبدّلو نشوة ظفرهم بأنكر من سكرة الموت، وانطفأ في أبصارهم بريق النصر فكان أغطش من ظلام الهزيمة؛ ونظروا فرأوا تلك الخوذة المذهبة التي طال عهدهم بها، وحسبوا أنهم أصبحوا بنجوة منها: خوذة أخيل التي كانت تكفي وحدها لإلقاء الرعب في قلوب الطرواديين، وقذف الوجل في نفس كل منازل أو مناجز. وتصايح بعضهم ببعض: (يا للهول يا صاح! لقد أقبل أخيل! النجاء النجاء! أين كان

стр. 10076

الطاغية؟. . . . . .) ثم تنادوا يحذر بعضهم بعضاَ: (أي أيها الطرواديون! خذوا حذركم! الفرار الفرار من الداهية الجبار! لقد قطع الميرميدون رجعتنا! دعوا الهيلانيين وانشدوا خلاصكم، إلى البوابة العظمى! أيها المقاتلون! لا تزحموا الجسر! القهقري القهقري!. . . . . . (إلى أخر هذا النداءات المنزعجة الواجفة. . . ولكن أين يهرب الطرواديون من بتروكليس؟! لقد كان إكسانثوس وبليوس - الجوادان الكريمان - زوبعتين مُغْضَبتين، تثيران الرهج وتعقدان العجاجة، في جميع أنحاء الميدان: في القلب، في الميسرة، في الميمنة، في الجناح الأيسر، في الجناح الأيمن. . . . . . بل. . . في السماء!! وكانت الشمس، شمس طروادة الملتهبة، تعكس أضواءها على خوذة أخيل، فتذهب أفئدة الطرواديين! واختلط نظام القوم، وتدافعت جموعهم مذعورة مولية نحو الجسر الكبير، الذي نصبوه فوق الخندق حول اليوم. ولم يحتملهم، فهوى بالألوف المؤلفة في جوف الخندق؛ ولكن المؤخرة، وكانت غالبية الجيش، لم تنتبه لما حل بأكثر المقدمة وكذلك تدافعت لا تلوي على شئ، فجعلت من جثث الموتى قنطرة تعبر فوقها إلى. . . طروادة!! وأخذ الميرميدون السبيل على كتائب كثيفة فأبادوها، ثم جال بتروكلوس جولة هنا وجولة هناك، يبحث عن أصحاب النداءات المنكرة التي كانت تملأ الساحة شماتة بالهيلانين، منذ لحظات، فلقي منهم برنوس فصرعه، ثم ثستور فجند له، ثم اريالوس فأرسل به إلى الجحيم، وعشرات غيرهم من بني طروادة النجب. وكانت أعز أمانيه أن يلقى هكتور؛ فسعى إليه وضيق الحصار عليه، وأرسل إليه طعنة لو أصابت جانب الجبل لصدعته، ولكن، يا لهكتور!! لقد ريع من هول ما رأى من مقاحمة بتروكلوس، فألهب جياده الضاريات فعدت به وأنقذته من قتلةٍ محققة وموت مبين. ولشد ما شده بتروكلوس إذ رأى إلى جانبه فتى هيلاس، ومحاربها الصنديد أجاكس، يقود فلول الهيلانيين، ويقتحم بهم الحلبة كرة أخرى!؟ غير مبال بجروحه التي يتدفق من أفواهها الدم صبباً. وكم كان سرور الهيلانيين عظيماً حين استيقظوا من سكرة هزيمتهم فرأوا جنود أخيل

стр. 10077

الأنجاد يذودون عنهم، ويردون عادية الموت والقتل والغرق عن جموعهم!؟ ونشبت ملاحاة بين بتروكلوس قائد الميرميدون، وساربيدون البطل الطروادي الكبير، أدت إلى مبارزة دامية، وانتهت إلى فجيعة طروادة في أشجع فتيانها بعد هكتور! إذ شكه بتروكلوس شكة جرعته غصة الردى، وقربت إليه ورد الحمام!!. . . . . وانكشفت غمة الهيلانيين ولكن الميرميدون هم الذين دفعوا ثمن هذا النصر، ودفعوه غالياً وعزيزاً!! يا للهول! لقد قُتِل بتروكلوس!! فمن لك بعده يا أخيل!! (لها بقية) دريني خسبة

стр. 10078

رحلة إلى حدود مصر الغربية مرسى مطروح، سبوه، السلوم للأستاذ الرحالة محمد ثابت وللقوم عادات عجيبة في الأفراح، فإذا ما تم الاتفاق على المهر وقدره ستة ريالات (ومن هنا جاءت الأغنية القديمة: بستة ريال بابا جوزني) تعهد به الزوج على أن يدفع عند حلول أحد الأجلين الموت أو الطلاق، ثم يقدم قطعاً من القماش، وفي ليلة الزفاف يدعى الأحباب إلى الطعام، ويطوف عليهم خلال ذلك كشف بأسمائهم، فيتبرع كل منهم بما تجود به نفسه، وقد شهدت فرحاً اكتتب المدعوون فيه بأربعين جنيهاً، وذلك الاكتتاب يعد ديناً عليه يؤديه كلما دعي في أفراحهم؛ وجل تكاليف الفرح تقع على عاتق أهل الزوجة؛ وفي ليلة (الحنة) تمشط رأس العروس في حفل كبير يحضره نساء من الفريقين وتلبس حلي ثقيلة من فضة، تكاد تغطي جسمها كله، والعجيب أنها مقترضة من الغير فلا يجوز لها أن تلبس حليها الخاصة إلا بعد الزفاف، وتلك الحلي المقترضة ترد لأصحابها بعد الزفاف بأيام؛ وفي ليلة الزفاف يقوم بين الفريقين شبه شجار ومشادة يشترك فيها نساء الفريقين، طائفة تحاول أخذ العروس بالقوة، والأخرى تحاول منعها، وعند بزوغ الفجر تخطفها إحدى السيدات وتجري بها إلى بيت الزوج، وبعد أن يدخل الزوج بها يظل الثلاثة الأيام الأولى نافراً من أهله وصحبه، يخرج قبيل الشمس ويظل في الحقول إلى المساء لكيلا يراه أحد منهم، وفي ذلك شئ من التأدب والاحتشام لا بد منه! ثم يعد أهل العروس صحافاً من طعام (الرقاق) أو من العدس والحمص يسمونه (أطقاع) يحمل إلى بيت الزوج، ويحاول أهل الفريقين أن يتخاطفوه في الطريق، فإن وصل إلى الزوج سالماً أكله وإلا التهمه الناس في الطريق تيمناً. وفي صباح اليوم الأول من الزفاف (الصباحية) يعد أهل الزوج (شجرة العرس) وهي من جمار (لباب) نخلة طيبة تخرط في شكل أنيق وفي طول العروس تم تزين بالأعلام وسائر أنواع الفاكهة، وتعلق عليها الحلي الفضية التي كانت قد اقترضتها الفتاة، ثم تحمل تلك الشجرة وسط حفل يكاد يحضره كل أهل البلدة، ويطاف بها في الطريق إلى أن تصل بيت العروس، وهناك تقوم وسط البيت أياماً وكأنها عروس قامت تعوضهم عن فتاتهم، وإذا ما قاربت اليبس قطعت وأكل منها المحبون، وبخاصة الفتيات

стр. 10079

اللواتي يرغبن في الزواج تيمناً وتبركاً؛ وإذا ما رزق الزوجان مولوداً سارع المحبون بتقديم قطع من قماش أبيض إن كان المولود ذكراً أو قماش ملون إن كانت أنثى، وقد تبلغ تلك القطع بضع مئات تسد حاجة الطفل من الملابس شطراً كبيراً من عمره. وإذا مات الزوج عكفت الأرملة في معزل من الناس جميعاً لتقضي عدتها وقدرها ثلاثة أشهر وثلاثة أيام، وفي صبيحة اليوم الأخير تخرج لزيارة قبر زوجها، والويل لمن لاقاها في طريقه إذ ينصب عليه نحسها، لذلك ينبه الناس بعضهم بعضاً ألا يخرجوا في الصباح لأن (الغولة) ستكون في طريقها إلى المقابر؛ وقد يطوف بالنبأ مناد ينبه الناس، وبعد عودتها تقصد إحدى العيون (عين طموس) فتغتسل فيها، فإن اتفق أن لاقاها شخص أصابه نحسها كله، وإلا استأجر أهلها فقيراً يلقاها ليرفع عنها وصمة النحس، وبعد ذلك تسير حرة ولا ضير على من لاقاها أو تحدث إليها أو رغب في زواجها. وعادة الندب ولطم الخدود شائعة لديهم، ومقابرهم متجاورة، إلا من اشتغل بالذبح (القصابون)، أو بعصر الزيتون، فهؤلاء يدفنون في أماكن نائية، فكأنهم من المنبوذين. ومن أشهى الأطعمة لديهم (لِمْصَفَّة) وهي مزيج من القرع والطماطم واللحم والزيت، ثم (إنْقطة) وهي فطير بالزيت والعجوة، وكل غذائهم بالزيت، ولا يكادون يعرفون (السمن) قط؛ وأحب المشروبات عندهم (اللقبي) يتخذ من عصارة لباب النخيل، وذلك بأن يكشف عن لباب النخلة وتجرح وتوضع تحتها آنية يتجمع فيها السائل، وقد تدر النخلة منه صفيحة كبيرة (٤ جالون) في اليوم الواحد، وتظل تعطي النخلة هذا القدر زهاء نصف عام، ثم تموت، لذلك تراهم لا يأخذون من النخيل الجيد إلا القليل كل يوم لكيلا يؤثر ذلك على حال الشجرة فيضنيها. وطعم ذلك الشراب وهو طازج حلو لذيذ، لكنه إذا ترك قليلاً تخمر فأصبح مسكراً قوياً، وهم يشربونه متخمراً، وبعضهم يدمن تناوله. ويدهشني تقاعد الناس هناك عن استغلال موارد تلك الواحة الغنية، فالأرض المنزرعة محدودة جداً وهم لا يحاولون زيادتها رغم وفرة المياه وسهولة الري فيها، وحتى البساتين لا تلقى من عنايتهم إلا القليل رغم أن المنطقة جد صالحة لسائر أنواع الفاكهة والزيتون والحبوب، وقد تمثل الفرق أمامي مجسماً بين الناس هنا وبين أهل (الواحات الخارجة) فهم هناك يستنبتون الحبوب وبخاصة الأرز والقمح والشعير بكثرة هائلة، وينتجون غلتين في

стр. 10080

الأرض الواحدة كل عام، ويعنون بتسميدها ولا يفتأون يوسعون المساحة المنزرعة يوماً بعد يوم وينقبون عن ينابيع جديدة؛ أما أهل سيوة فمتواكلون قانعون حتى ملاك الأراضي يتركونها لطبقة العمال (الزجالين) ولا يكاد المالك يزور بستانه مرة كل أعوام. وعندي أن الحكومة لو أوفدت طائفة من (الصعايدة) وأقطعتهم مساحات في مجاورة الينابيع في سيوة لكان لتلك الواحة شأن آخر في الإنتاج خصوصاً وأن الطرق المعبدة الجيدة تربطها بالسلوم وبمطروح والسيارات تقطعها في أقل من عشر ساعات. قمنا نودع سيوة عائدين إلى مطروح، ثم أقلتنا إحدى الطوافات وكانت أجمل البواخر وهي (الأميرة فوزية) إلى السلوم فقضينا يوماً كاملاً ونحن نسير إزاء السواحل المصرية الوطيئة. وفي باكورة الصباح دخلنا خليج السلوم الذي حاكي (الحويصلة) في تقوسه ورسونا على شاطئه الرملي فأشرفت الجبال من ورائه في طوق هائل أظهر لنا متعة الموقع من الناحية العسكرية؛ وتلك الجبال هي حافة الهضبة الصحراوية الداخلية التي تؤدي إلى الحدود الطليانية وارتفاعها ١٩٠ متراً. وما كادت الباخرة ترسو حتى تهافت أهل البلدة عليها في جموع لا حصر لها من سائر الطبقات، وكانت تبدو عليهم علائم الفرح والسرور لأنها تحمل إليهم مؤونتهم من الطعام والخضر والفاكهة وحتى الماء لأن موارد ماء الشرب هناك معدومة تقريباً، فالباخرة تملأ لهم مستودع الماء الذي منه توزع على الموظفين يومياً بمعدل (صفيحة واحدة) لكل فرد، وإن اعوزهم الماء بعد ذلك أتموا حاجتهم من المياه المكثفة من البحر وقد قامت الآلة المكثفة (كندنسر) على حافة الماء. على أن ماءها رغم نقاوته غير صحي لخلوه من المواد اللازمة للجسم التي لا يخلو منها ماء الشرب عادة. ويوم وصول الباخرة عندهم هو يوم (الملوخية)، لأن الناس جميعاً يطبخونها لأنها أسرع الخضر تعرضاً لليبس والعطب، ولقد خلقت الباخرة جو عمل وحركة غير عاديين وسط تلك الجهات الساكنة، فقد تهافتت سيارات النقل والحمالون وبدأت العربات المعلقة الهوائية تشحن حاجات الجيش المعسكر فوق المرتفعات، فترى العربات تجري معلقة على الأسلاك إلى قمة الجبل ثم تعود فارغة، وحتى زوارق صيد الإسفنج تبتاع ماء الشرب لها من الطوافة؛ والمنطقة غنية جداً بالإسفنج الجيد وأصحاب امتياز صيده طائفة من اليونانيين

стр. 10081

يفدون من بلادهم في موسم الصيد ومعهم زوارقهم، وهم لا يفهمون من العربية شيئاً قط. أما أهل السلوم فمن فقراء الأعراب يعيشون عالة على الموظفين أو خدماً لهم، وترى خيامهم القليلة مبعثرة في سفح الجبل، وهم يحصلون على مائهم العذب بطريقة عجيبة بسيطة، فهم يحفرون الرمل بجوار البحر إلى عمق نصف متر فينز الماء ويملأ الحفرة ماء لا بأس بمذاقه، وهم في فقرة مدقع وبؤس مبيد خصوصاً بعد أن اجدبت منابت الشعير إجداباً تاماً هذا العام. ولقد أثر ذلك في حالتهم الصحية والخلقية تأثيراً سيئاً؛ وتلك فئة جديرة بعطف ذوي البر، وقد تبرعت لهم الحكومة ببعض الغلال ويا حبذا لو ضاعفت إحسانها فحفظت طائفة من سكان مصر من أن يلقوا بأنفسهم إلى أحضان الطليان في حدود طرابلس مستسلمين كأسرى البال؛ ونساء العرب هناك سافرات لهن جمالهن الخاص في أرديتهن الحمراء، وعند زواج إحداهن يجتمع الناس لتقدير المهر ويبدأ بنحو خمسين جنيهاً، ثم لا يفتأ يتدخل شيخ منهم ويقول (وعشان خاطري) فينزل المهر إلى أربعين. ثم إلى ثلاثين، وهكذا حتى ينزل إلى خمسة جنيهات. ويكاد الفرح يقصر على حفلات الرقص، ولهم حركات في غاية الرشاقة والخفة، وجل الرقص يوقع وفق تصفيق الجماهير؛ ويغلب أن تكون الراقصة ويسمونها الحجالة من الأوانس اللاتي يرغبن في الزواج، وهي ترقص وعلى وجهها قناع، وليالي الفرح أربع، وفي ليلة الزفاف تحمل العروس على جمل تحت هودج يسمونه (كرمود)؛ ويمسك بالخطام الفتيات البكر تفاؤلاً ويقتادها إلى بيت الزوج. ومن عاداتهم أن الفتاة إن طلبها أحد ذوي قرباها فضل على غيره حتى ولو لم يكن كفؤاً لها، وإن حصل ما يخالف ذلك فرضت على المعتدي الدية التي يختلف قدرها باختلاف مكانة الفتاة. حدث مرة أن أجمل فتاة في قبيلة المعابدة هناك طلبها كل فتيان قبيلتها فرفضت لأنها كانت تحب فتى من قبيلة أخرى، وذات ليلة دبر ذلك الفتى أمر اختطافها، فكانت الدية ألف جنيه. والعجيب أن سائر رجال القبيلة لابد أن يتعاونوا على جمع تلك الدية ودفعها وإلا لحقهم العار ولزمهم الحق جميعاً، وأنت إذا مررت على (خيشة) من خيامهم وحييتهم وجب أن تعرج لتشرب الشاي. ولا بد من تقديمه ثلاث مرات: الأولى شايها ثقيل أسود مر لا يوضع به سكر قط، والثانية أخف منه وأحلى، والثالثة يقدم شايها وكأنه العسل وغليه النعناع،

стр. 10082

ويدور السقي إلى اليمين مهما كان من أمر الجالسين؛ وهم يدمنون الشاي إدماناً أثر على صحتهم ولو أنه أفاد من ناحية التطهير ضد بعض الأمراض. وإذا اعتدى أحدهم على غيره وأصابه بسوء أرسل المصاب إلى (التَّطَّار)، وهو يقابل الطبيب الشرعي عندنا لتقدير الدية، وقوله نافذ على الجميع، وتلك الدية تسمى (كبارة)، والقاتل لا يقتل في عرفهم متى دفع الدية التي يقضي بها المحكمون، وهي حوالي مائتي جنيه في العادة، ويتعاون كل أغنياء القبيلة على دفعها. طفنا ببلدة السلوم فإذا بها قرية شبيهة بمطروح في نظام بيوتها البيضاء الوطيئة، على أنها تفوقها وحشة، إذ يشعر الواحد فيها بأنه في معزل عن العالم. تسلقنا المرتفعات في طرق لياتها من الأعاجيب، وكلما علونا بدا مشهد خليج السلوم رائعاً بديعاً، وفوق الهضبة زرنا المعسكر وتوابعه في أبنية بالحجارة، فاخرة الإنشاء، لم أكد أصدق أنها أقيمت لجنودنا المصريين، وهنا تعسكر أورطة مصرية بكامل رجالها ومعداتها، وتشرف على الخليج إلى جانب المسكر طابية قديمة أسسها عصمت التركي سنة ١٣٢٢، وعليها الطغراء العثمانية، ويشغل القسم الأكبر منها اليوم السجن. ولقد أخذنا نشق تلك الصحاري المجاورة، ومررنا ببعض الآبار الرومانية القديمة، ومن أكبرها بئر وعرة نزلناها فإذا بها تجويف في الصخر الهائل، له شعاب ممدودة تحت الأرض فإذا ما أمطرت السماء سال الماء إليها خلال فتحات ضيقة وترشحت أوساخه مع الرمال الراسبة واستقى منها الناس. ثم سرنا حتى وصلنا الحدود الطليانية، وهم يمدون على طولها أسلاكاً شائكة. وزرنا طابية (مساعد) التي كانت لهم وتنازلوا عنها لمصر عند تحديد التخوم بعد أن أخذوا هم جنوب وما جاورها، وتركوا لنا تلك الطابية ومسافة قدرها زهاء عشرة كيلو مترات حول السلوم. وعجبت جداً لما لم أجد من الاستعداد لدفع طوارئ الهجوم على تلك الناحية المكشوفة من حدودنا، فعدد الجنود غير كاف ولم يزودوا من الأسلحة بشئ يدفع عنهم أذى، وحتى معسكر المدفعية رأيته يضرب خيامه أسفل الخليج بعيداً عن المرتفعات، لذلك يوجس الناس هناك خيفة هجوم العدو بين يوم وآخر. فهلا اهتمت وزارة حربيتنا بأمر تحصين ذلك الركن الهام من حدودنا فأمنتنا أخطاراً جسيمة وألقت شيئاً من مسئولية الدفاع عنا على عواتق أبنائنا المخلصين. قمت من السلوم عائداً إلى الإسكندرية في الطوافة، وكان أجرها زهيداً جداً، إذ للموظفين

стр. 10083

جميعاً أن يدفعوا ربع الأجر فقط، والأجر الكامل للذهاب والإياب خمسة جنيهات في الدرجة الأولى، وبتنا فيها ليلتين، ثم دخلنا الإسكندرية في باكورة الصباح. محمد ثابت

стр. 10084

البريد الأدبي مشاكل الشرق الأقصى - كتاب طريف عنها في العهد الأخير لفتت مسائل الشرق الأقصى أنظار العالم؛ وأثار توغل اليابان في الصين في بعض الدول التي تهتم بمجرى الحوادث في الشرق الأقصى شكوكاً ومخاوف جديدة، وأبدت اليابان رغبتها جلية واضحة في الاستئثار ببسط نفوذها على الصين ومقاومة النفوذ الأوربي، وما تزال مشكلة الشرق الأقصى جاثمة في الأفق تثير اهتمام السياسة الأمريكية، والسياسة الروسية، والسياسة البريطانية؛ وقد صدر في أمريكا أخيراً كتاب عنوانه (سحب الحرب في آفاق الشرق الأقصى). بقلم المحامي توم إيرلاند، تناول فيه المؤلف مسائل الشرق الأقصى بإفاضة، وذهب فيه إلى رأي جديد لا يبدو أنه متفق مع اتجاه السياسة الأمريكية الحاضرة. وخلاصة هذا الرأي هو أن أمريكا يجب أن تنفض يدها من التدخل في مسائل الشرق الأقصى، وأن تترك الصين لمصايرها؛ ويستند المؤلف في عرض رأيه إلى ما يأتي: (١) أن التجارة الأمريكية في الشرق الأقصى لا تبرر هذا التدخل من حيث أهميتها. (٢) أن أمريكا مضطرة إلى إنشاء أسطول ضخم تكون نسبته للأسطول الياباني كنسبة ٥ إلى ٣، إذا أرادت أن تتدخل لمقاومة اليابان تدخلاً فعلياً، وهذا يكلفها نفقات باهظة. (٣) وحتى لو سلمنا بأن في استطاعة أمريكا أن تنشئ مثل هذا الأسطول فإنه لا يفيدها كثيراً، بعد أن فرطت في جزائر الفيليبين، وأصبح من المتعذر أن تتخذ منها قاعدة بحرية للعمل في المحيط الهادي. (٤) أن اليابان سائرة في طريق التوسع، ومن حسن الحظ أنها وجدت في منشوريا (منشوكيو) مجالاً لنشاطها، وفي ذلك ما يدفع تيار الخطر الأصفر عن أمريكا. وقد أريد بهذا الكتاب أن يصدر قبيل انعقاد المؤتمر البحري إذ ينتظر أن تطالب اليابان فيه بزيادة نسبة أسطولها نظراً لما تتطلبه حماية أملاكها الجديدة، ولأن أمريكا ما زالت تطالب في الصين بسياسة الباب المفتوح، وهي سياسة عتيقة أضحت لا تبررها الظروف. ويقرن المؤلف عرضه بإحصاءات ووثائق اقتصادية كثيرة عن نشاط مختلف الدول ذات المصالح في الشرق الأقصى، وإحصاءات عن نفقات الحرب، وعن القوى البحرية، وسير

стр. 10085

المهاجرة، وسير المواليد، ويثبت فيه كل المعاهدات التجارية، ويتحدث طويلاً عن سياسة روسيا ونشاطها. والكتاب بموضوعه وتدليله يعتبر وثيقة هامة في التاريخ السياسي والاقتصادي المعاصر. محنة الصحافة الألمانية في ظل الإرهاب الهتلري من أنباء برلين الأخيرة أن جريدة (كرويتس تسيتونج) الشهيرة (جريدة الصليب) قد احتجبت واختتمت حياتها الصحفية الحافلة. وقد كانت (الكرويتس تسيتونج) من أعظم الصحف الألمانية وأقدمها، وأعرقها في الهيبة السياسية؛ وقد أنشئت سنة ١٨٤٨ لتكون لساناً للحزب المحافظ الذي أنشأه البرنس بسمارك عميد السياسة الألمانية في القرن التاسع عشر؛ وكان شعارها منذ نشأتها العبارة الشهيرة الآتية: (إلى الأمام مع الله، في سبيل الملك والوطن. نحن الألمان نخاف الله، ولا نخاف شيئاً آخر في العالم)؛ وكان هذا الشعار ما يزال يطبع في صدر الصحيفة حتى أيامها الأخيرة أعني حتى ٣١ أكتوبر المنصرم وهو آخر أيام حياتها؛ وكانت عند نشأتها تسمى (نوية برويسشه تسيتونج) أو الجريدة البروسية الجديدة، وقد اختطت لها منذ نشأتها نزعة بروسية محافظة تعبر عن آمال العسكرية والأرستقراطية وكبار الملاك؛ وتظهر صباحاً ومساءً في حجم كبير وتفوق في الانتشار معظم جرائد برلين الكبرى مثل التاجبلات وجرمانيا، والدويتشه الجمينة وغيرها؛ وكانت ما تزال حتى العهد الأخير تتمتع بمركز حسن وذيوع لا بأس به؛ ولكنها كانت تعاني منذ قيام الحكم الهتلري صعاباً جمة في التعبير عن آرائها؛ وكانت من الجرائد القليلة التي لم تقبل أن تخضع لأغلال النازي ونظرياتهم؛ وقد كان مصيرها الإغلاق والمصادرة منذ بعيد لو لم تكن تتمتع بتأييد نفوذ بعض الهيئات العسكرية والمحافظة القوية؛ ولو لم تكن تعتبر أثراً من آثار منشئها بسمارك. بيد أنها رأت أخيراً أنها لا تستطيع المضي في رسالتها تحت تأثير الضغط والوعيد الذي يفرض على الصحافة الألمانية في العهد الجديد، ولهذا آثرت الاحتجاب من تلقاء نفسها. وهكذا تختفي الصحف الألمانية الكبرى واحدة بعد الأخرى وتنحط الصحافة الألمانية تباعاً إلى عداد صحف الدعاية الحزبية. وباختفاء (كرويتس تسيتونج) ينهد ركن متين من أركان الصحافة الألمانية العريقة، وتسجل ضحية صحفية جديدة لحكم الإرهاب السائد في ألمانيا.
следующие страницы →