Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10081–10120 · переход к 10086.
стр. 10081
يفدون من بلادهم في موسم الصيد ومعهم زوارقهم، وهم لا يفهمون من العربية شيئاً قط. أما أهل السلوم فمن فقراء الأعراب يعيشون عالة على الموظفين أو خدماً لهم، وترى خيامهم القليلة مبعثرة في سفح الجبل، وهم يحصلون على مائهم العذب بطريقة عجيبة بسيطة، فهم يحفرون الرمل بجوار البحر إلى عمق نصف متر فينز الماء ويملأ الحفرة ماء لا بأس بمذاقه، وهم في فقرة مدقع وبؤس مبيد خصوصاً بعد أن اجدبت منابت الشعير إجداباً تاماً هذا العام. ولقد أثر ذلك في حالتهم الصحية والخلقية تأثيراً سيئاً؛ وتلك فئة جديرة بعطف ذوي البر، وقد تبرعت لهم الحكومة ببعض الغلال ويا حبذا لو ضاعفت إحسانها فحفظت طائفة من سكان مصر من أن يلقوا بأنفسهم إلى أحضان الطليان في حدود طرابلس مستسلمين كأسرى البال؛ ونساء العرب هناك سافرات لهن جمالهن الخاص في أرديتهن الحمراء، وعند زواج إحداهن يجتمع الناس لتقدير المهر ويبدأ بنحو خمسين جنيهاً، ثم لا يفتأ يتدخل شيخ منهم ويقول (وعشان خاطري) فينزل المهر إلى أربعين. ثم إلى ثلاثين، وهكذا حتى ينزل إلى خمسة جنيهات. ويكاد الفرح يقصر على حفلات الرقص، ولهم حركات في غاية الرشاقة والخفة، وجل الرقص يوقع وفق تصفيق الجماهير؛ ويغلب أن تكون الراقصة ويسمونها الحجالة من الأوانس اللاتي يرغبن في الزواج، وهي ترقص وعلى وجهها قناع، وليالي الفرح أربع، وفي ليلة الزفاف تحمل العروس على جمل تحت هودج يسمونه (كرمود)؛ ويمسك بالخطام الفتيات البكر تفاؤلاً ويقتادها إلى بيت الزوج. ومن عاداتهم أن الفتاة إن طلبها أحد ذوي قرباها فضل على غيره حتى ولو لم يكن كفؤاً لها، وإن حصل ما يخالف ذلك فرضت على المعتدي الدية التي يختلف قدرها باختلاف مكانة الفتاة.
حدث مرة أن أجمل فتاة في قبيلة المعابدة هناك طلبها كل فتيان قبيلتها فرفضت لأنها كانت تحب فتى من قبيلة أخرى، وذات ليلة دبر ذلك الفتى أمر اختطافها، فكانت الدية ألف جنيه. والعجيب أن سائر رجال القبيلة لابد أن يتعاونوا على جمع تلك الدية ودفعها وإلا لحقهم العار ولزمهم الحق جميعاً، وأنت إذا مررت على (خيشة) من خيامهم وحييتهم وجب أن تعرج لتشرب الشاي. ولا بد من تقديمه ثلاث مرات: الأولى شايها ثقيل أسود مر لا يوضع به سكر قط، والثانية أخف منه وأحلى، والثالثة يقدم شايها وكأنه العسل وغليه النعناع،
стр. 10082
ويدور السقي إلى اليمين مهما كان من أمر الجالسين؛ وهم يدمنون الشاي إدماناً أثر على صحتهم ولو أنه أفاد من ناحية التطهير ضد بعض الأمراض.
وإذا اعتدى أحدهم على غيره وأصابه بسوء أرسل المصاب إلى (التَّطَّار)، وهو يقابل الطبيب الشرعي عندنا لتقدير الدية، وقوله نافذ على الجميع، وتلك الدية تسمى (كبارة)، والقاتل لا يقتل في عرفهم متى دفع الدية التي يقضي بها المحكمون، وهي حوالي مائتي جنيه في العادة، ويتعاون كل أغنياء القبيلة على دفعها.
طفنا ببلدة السلوم فإذا بها قرية شبيهة بمطروح في نظام بيوتها البيضاء الوطيئة، على أنها تفوقها وحشة، إذ يشعر الواحد فيها بأنه في معزل عن العالم. تسلقنا المرتفعات في طرق لياتها من الأعاجيب، وكلما علونا بدا مشهد خليج السلوم رائعاً بديعاً، وفوق الهضبة زرنا المعسكر وتوابعه في أبنية بالحجارة، فاخرة الإنشاء، لم أكد أصدق أنها أقيمت لجنودنا المصريين، وهنا تعسكر أورطة مصرية بكامل رجالها ومعداتها، وتشرف على الخليج إلى جانب المسكر طابية قديمة أسسها عصمت التركي سنة ١٣٢٢، وعليها الطغراء العثمانية، ويشغل القسم الأكبر منها اليوم السجن. ولقد أخذنا نشق تلك الصحاري المجاورة، ومررنا ببعض الآبار الرومانية القديمة، ومن أكبرها بئر وعرة نزلناها فإذا بها تجويف في الصخر الهائل، له شعاب ممدودة تحت الأرض فإذا ما أمطرت السماء سال الماء إليها خلال فتحات ضيقة وترشحت أوساخه مع الرمال الراسبة واستقى منها الناس. ثم سرنا حتى وصلنا الحدود الطليانية، وهم يمدون على طولها أسلاكاً شائكة. وزرنا طابية (مساعد) التي كانت لهم وتنازلوا عنها لمصر عند تحديد التخوم بعد أن أخذوا هم جنوب وما جاورها، وتركوا لنا تلك الطابية ومسافة قدرها زهاء عشرة كيلو مترات حول السلوم. وعجبت جداً لما لم أجد من الاستعداد لدفع طوارئ الهجوم على تلك الناحية المكشوفة من حدودنا، فعدد الجنود غير كاف ولم يزودوا من الأسلحة بشئ يدفع عنهم أذى، وحتى معسكر المدفعية رأيته يضرب خيامه أسفل الخليج بعيداً عن المرتفعات، لذلك يوجس الناس هناك خيفة هجوم العدو بين يوم وآخر. فهلا اهتمت وزارة حربيتنا بأمر تحصين ذلك الركن الهام من حدودنا فأمنتنا أخطاراً جسيمة وألقت شيئاً من مسئولية الدفاع عنا على عواتق أبنائنا المخلصين.
قمت من السلوم عائداً إلى الإسكندرية في الطوافة، وكان أجرها زهيداً جداً، إذ للموظفين
стр. 10083
جميعاً أن يدفعوا ربع الأجر فقط، والأجر الكامل للذهاب والإياب خمسة جنيهات في الدرجة الأولى، وبتنا فيها ليلتين، ثم دخلنا الإسكندرية في باكورة الصباح.
محمد ثابت
стр. 10084
البريد الأدبي
مشاكل الشرق الأقصى - كتاب طريف عنها
في العهد الأخير لفتت مسائل الشرق الأقصى أنظار العالم؛ وأثار توغل اليابان في الصين في بعض الدول التي تهتم بمجرى الحوادث في الشرق الأقصى شكوكاً ومخاوف جديدة، وأبدت اليابان رغبتها جلية واضحة في الاستئثار ببسط نفوذها على الصين ومقاومة النفوذ الأوربي، وما تزال مشكلة الشرق الأقصى جاثمة في الأفق تثير اهتمام السياسة الأمريكية، والسياسة الروسية، والسياسة البريطانية؛ وقد صدر في أمريكا أخيراً كتاب عنوانه (سحب الحرب في آفاق الشرق الأقصى). بقلم المحامي توم إيرلاند، تناول فيه المؤلف مسائل الشرق الأقصى بإفاضة، وذهب فيه إلى رأي جديد لا يبدو أنه متفق مع اتجاه السياسة الأمريكية الحاضرة. وخلاصة هذا الرأي هو أن أمريكا يجب أن تنفض يدها من التدخل في مسائل الشرق الأقصى، وأن تترك الصين لمصايرها؛ ويستند المؤلف في عرض رأيه إلى ما يأتي:
(١) أن التجارة الأمريكية في الشرق الأقصى لا تبرر هذا التدخل من حيث أهميتها.
(٢) أن أمريكا مضطرة إلى إنشاء أسطول ضخم تكون نسبته للأسطول الياباني كنسبة ٥ إلى ٣، إذا أرادت أن تتدخل لمقاومة اليابان تدخلاً فعلياً، وهذا يكلفها نفقات باهظة.
(٣) وحتى لو سلمنا بأن في استطاعة أمريكا أن تنشئ مثل هذا الأسطول فإنه لا يفيدها كثيراً، بعد أن فرطت في جزائر الفيليبين، وأصبح من المتعذر أن تتخذ منها قاعدة بحرية للعمل في المحيط الهادي.
(٤) أن اليابان سائرة في طريق التوسع، ومن حسن الحظ أنها وجدت في منشوريا (منشوكيو) مجالاً لنشاطها، وفي ذلك ما يدفع تيار الخطر الأصفر عن أمريكا.
وقد أريد بهذا الكتاب أن يصدر قبيل انعقاد المؤتمر البحري إذ ينتظر أن تطالب اليابان فيه بزيادة نسبة أسطولها نظراً لما تتطلبه حماية أملاكها الجديدة، ولأن أمريكا ما زالت تطالب في الصين بسياسة الباب المفتوح، وهي سياسة عتيقة أضحت لا تبررها الظروف.
ويقرن المؤلف عرضه بإحصاءات ووثائق اقتصادية كثيرة عن نشاط مختلف الدول ذات المصالح في الشرق الأقصى، وإحصاءات عن نفقات الحرب، وعن القوى البحرية، وسير
стр. 10085
المهاجرة، وسير المواليد، ويثبت فيه كل المعاهدات التجارية، ويتحدث طويلاً عن سياسة روسيا ونشاطها. والكتاب بموضوعه وتدليله يعتبر وثيقة هامة في التاريخ السياسي والاقتصادي المعاصر.
محنة الصحافة الألمانية في ظل الإرهاب الهتلري
من أنباء برلين الأخيرة أن جريدة (كرويتس تسيتونج) الشهيرة (جريدة الصليب) قد احتجبت واختتمت حياتها الصحفية الحافلة. وقد كانت (الكرويتس تسيتونج) من أعظم الصحف الألمانية وأقدمها، وأعرقها في الهيبة السياسية؛ وقد أنشئت سنة ١٨٤٨ لتكون لساناً للحزب المحافظ الذي أنشأه البرنس بسمارك عميد السياسة الألمانية في القرن التاسع عشر؛ وكان شعارها منذ نشأتها العبارة الشهيرة الآتية: (إلى الأمام مع الله، في سبيل الملك والوطن. نحن الألمان نخاف الله، ولا نخاف شيئاً آخر في العالم)؛ وكان هذا الشعار ما يزال يطبع في صدر الصحيفة حتى أيامها الأخيرة أعني حتى ٣١ أكتوبر المنصرم وهو آخر أيام حياتها؛ وكانت عند نشأتها تسمى (نوية برويسشه تسيتونج) أو الجريدة البروسية الجديدة، وقد اختطت لها منذ نشأتها نزعة بروسية محافظة تعبر عن آمال العسكرية والأرستقراطية وكبار الملاك؛ وتظهر صباحاً ومساءً في حجم كبير وتفوق في الانتشار معظم جرائد برلين الكبرى مثل التاجبلات وجرمانيا، والدويتشه الجمينة وغيرها؛ وكانت ما تزال حتى العهد الأخير تتمتع بمركز حسن وذيوع لا بأس به؛ ولكنها كانت تعاني منذ قيام الحكم الهتلري صعاباً جمة في التعبير عن آرائها؛ وكانت من الجرائد القليلة التي لم تقبل أن تخضع لأغلال النازي ونظرياتهم؛ وقد كان مصيرها الإغلاق والمصادرة منذ بعيد لو لم تكن تتمتع بتأييد نفوذ بعض الهيئات العسكرية والمحافظة القوية؛ ولو لم تكن تعتبر أثراً من آثار منشئها بسمارك. بيد أنها رأت أخيراً أنها لا تستطيع المضي في رسالتها تحت تأثير الضغط والوعيد الذي يفرض على الصحافة الألمانية في العهد الجديد، ولهذا آثرت الاحتجاب من تلقاء نفسها. وهكذا تختفي الصحف الألمانية الكبرى واحدة بعد الأخرى وتنحط الصحافة الألمانية تباعاً إلى عداد صحف الدعاية الحزبية. وباختفاء (كرويتس تسيتونج) ينهد ركن متين من أركان الصحافة الألمانية العريقة، وتسجل ضحية صحفية جديدة لحكم الإرهاب السائد في ألمانيا.
стр. 10086
مدينة للسينما في إنكلترا
كانت الأفلام الأمريكية قد اكتسحت بلدان العالم، وكادت الصناعة السينمائية تصبح وقفاً على أمريكا وعلى هوليوود مدينة الكواكب الشهيرة؛ ولكن كثيراً من الأمم تنبهت إلى هذا الخطر الذي يهدد صناعتها وثقافتها المحلية، فنهضت تنشئ لها صناعة سينمائية خاصة، وكانت بريطانيا العظمى وفرنسا وألمانيا وإيطاليا في مقدمة هذه الدول، فشجعت صناعة الأفلام القومية، ووضعت قيوداً مختلفة على عرض الأفلام الأجنبية. وقد قرأنا في البريد الأخير أن إنكلترا قد بدأت بإنشاء مدينة خاصة للصناعة السينمائية على نمط مدينة هوليوود الأمريكية. وموقع هذه الضاحية الفنية في دنهام من مقاطعة بوكنهام شير حيث تكثر المناظر الطبيعية البديعة؛ ومساحتها مائة وخمسة وستون فداناً من الأرض؛ وتبنى فيها الآن أبهاء التصوير (ستديو) بإشراف المهندس والرسام جاك أوكي، وستكون أعظم أبهاء من نوعها في القارة الأوربية، وهي ثمانية سيكلف صنعها ٤٠٠ ألف من الجنيهات، وسيكون في كل منها مسرح مجهز بالألوان لا يضارعه أي مسرح في أمريكا، وسيجهز بمولد كهربائي يكفي لإنارة مدينة كبيرة.
وينتظر أن ينفق نحو مليوني جنيه سنوياً على صناعة الأفلام في دنهام، وأن تخرج كل عام ٢٤ فلماً من الأفلام العظيمة، وستشترك في العمل فيها شركتان أمريكيتان كبيرتان إلى جانب شركات لندن الكبرى، وينتظر أيضاً أن يهرع إليها عدد كبير من نجوم هوليوود.
ولم ينته إلى اليوم من المدينة السينمائية العظيمة سوى الهياكل الحديدية، ولكن المنظور أن تنتهي بعد بضعة أشهر؛ وتحتوي الأرض المختارة على غابات وأشجار ورياض وأنهار وشواطئ بديعة؛ وستنشأ بها مكاتب ومطاعم وفنادق وكل ما يجب لتوفير الوقت والرفاهة لساكنيها من نجوم وغيرهم.
مجمع اللغة العربية الملكي
تقرر أن يبدأ مجمع اللغة العربية الملكي دورته القادمة في يوم الأربعاء ٢٠ من شهر شوال سنة ١٣٥٤ الموافق ليوم ١٥ من يناير سنة ١٩٣٦، وقد أرسلت سكرتارية المجمع رقاع الدعوة إلى الأعضاء في مصر وفي الخارج. وقد استأنفت لجانه أعمالها بعد فترة الصيف؛
стр. 10087
وقد انعقدت مساء يوم الجمعة الماضي بدار المجمع لجان الآداب والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية؛ وستوالي جميع اللجان اجتماعاتها لتعد ما سيجري البحث فيه في الدورة المقبلة، وقد استدعت اللجان بعض الخبراء الفنيين للاستعانة بهم في دراسة المصطلحات العلمية. هذا وستعجل إدارة المجمع بإصدار الجزء الثاني من مجلته تمهيداً لإصدار الجزء الثالث منها، بحيث يكون الجزءان بين أيدي الأعضاء في مفتتح الدورة المقبلة.
ذكريات عن أكابر الكتاب
ظهر في لندن أخيراً كتاب طريف عنوانه: (الصلات) بقلم المستر كورتس براون. ومستر براون ليس كاتباً بمهنته، ولكنه من أكبر (وكلاء الأدب) في إنكلترا، وله صلات وثيقة بمعظم الكتاب الإنكليز؛ وقد تعاقد مع كثيرين منهم على حقوق كتبه. ويعرف مستر براون جيل الكتاب المنصرم معرفة وثيقة، ويعرف الكثير عن أحوالهم وعاداتهم ومشاربهم، وأساليبهم في التفكير والكتابة؛ وقد وضع كتابه المشار إليه متضمناً ما يعرفه عن كثيرين من أقطاب الكتابة في أواخر القرن الماضي مثل توماس هاردي، وهول كين، وجورج مور، والسير كونان دويل، ولورانس وغيرهم. وكتب أيضاً عن بعض الكتاب الهواة مثل مستر لويد جورج واللايدي اسكويث وغيرهما. ونستطيع أن نستخلص من قراءة هذا الكتاب حقيقة مدهشة هي أنه وإن كان هؤلاء الكتاب يشتغلون دائماً بعالم التفكير والخيال، فإن بنهم رجالاً يحسنون فهم الأعمال التجارية والمالية، ويحرصون على مصالحهم المادية حرصاً عجيباً. بيد أن الكاتب يروي لنا أيضاً أن بعض هؤلاء الكتاب كان يفرط في حقوقه المادية تفريطاً مدهشاً، ويضرب لنا مثلاً بتوماس هاردي، ويقول لنا إنه لم يتقاض عن حق تأليف روايته الشهيرة: (تحف شجرة الغابة الخضراء) سوى ثلاثين جنيها!
стр. 10088
الكتب
١ - البُحَاثة اللغوية
عن قاعة البحث اللغوي بدار العلوم
٢ - القبس للإنشاء العربي
تأليف:
محمد رزق الدهشان - مدرس بالمدارس الثانوية
عبد الغني الصاوي - مدرس بالمدارس اثانوية
للأستاذ محمد سعيد العريان
في دار العلوم اليوم نهضة موفقة، يساهم فيها الشباب والشيوخ من أبناء هذه الدار التي قامت على العربية ستين عاماً، فأحسنت القوامة، ورعت الأمانة، وأدت حق العلم وحق اللغة أوفى أداء، وأثرت تأثيرها المبارك فيما ينتج الشعراء والكتاب من أدباء هذا الجيل؛ وهي نهضة حكيمة، بادية النشاط، بادية الأناة، تسير على سننها في رفق وقوة، وتمضي إلى غايتها في حماسة ووقار؛ فمن ثم لا تحاول أن تنسلخ جملة من ماضي التاريخ، وهي تأبى كذلك أن تصمّ أذنيها عن دعوة إلى الابتكار والتجديد.
وهذا أثر جديد، هو مجْلى من مجالى نشاطها الدائب؛ تحاول به أن تثبت للحاقدين من خصومها، والعاقِّين من بنيها، أن عندها هي وحدها تلتمس الأسبابُ لحياة هذه اللغة حياةً تكون بها بين اللغات ما كانت بينها في تاريخها المجيد.
ولقد أنشئت في دار العلوم منذ أكثر من عام (قاعة البحث اللغوي) لتكون ميداناً حراً لكل ذي فكر جديد، يتناول شأناً من شؤون اللغة. والعلم اليوم عرض وبحث ومذاكرة، لا تلقٍ وحفظٌ واستذكار؛ من أجل ذلك أنشئت هذه القاعة في دار العلوم، غير مسبوقة بمثال لها تتخذه قدوة وتسير على نهجه؛ على أنها قد أجدَّتْ فأجْدَتْ، واخترعتْ ففرعتْ؛ وهذا كتابها الثاني (البحاثة اللغوية) يدل على جهد مشكور، وعمل له ما وراءه.
وهو نهج جديد في فقه اللغة. وفقهُ اللغة عند القدماء أبوابٌ موضوعة، تضم من أشتات اللغة كلَّ معنى إلى ما يشاكله، وكل تعبير إلى ما يضاهيه، وكل لفظ إلى ما يرادفه؛ فهو عندهم معجم يرتِّب اللغة على أبواب المعاني لأعلى أبواب الحروف؛ وإذْ كانت اللغات
стр. 10089
تتطور، وحاجات العصر تطلب حقها من كل لغة، وأن تتعرف اسمها على كل لسان - كان همّ فقهاء اللغة من هذا الجيل أن يحاولوا الربط بين ألفاظ اللغة وحاجات العصر، وأن يكشفوا عن أوجه المشاكلة بين كل اسم ومسماه وما يتصل به، في أبواب يضعونها، وترتيب يخترعونه، إلا أنه لا يخرج في جملته ومعناه عن طريقة القدامى في الوضع والترتيب.
ولكن فقه اللغة شئٌ غير الكلمات الجديدة، وغير الجمع والترتيب والتبويب، وغير النحت والاشتقاق والترجمة - وإن يكن أولئك هو كل ما نطلبه من فقه اللغة لنساير بها حاجات العصر؛ إنما فقه اللغة أن نحاول الكشف عن أسرار اللغة، وتفهم طبيعتها، وفقه ألفاظها على حقيقتها وفي معناها الذي عناه الواضع الأول؛ ثم البحث في نشأة الكلمات، وتاريخها، واشتقاقها، وتطورها، وما استعملت فيه ودلت عليه من المعاني في مختلف العصور، وما صارت إليه وعرفت به في لغة الأحياء؛ ثم ما يهدي إليه هذا البحث مما تزيد به ثروة اللغة، ويصح به أسلوب الكلام.
وهذا هو ما رآه الأستاذ (محمد عبد الجواد) أستاذ فقه اللغة بدار العلوم، فدعا طلابه إليه، فهيأ لهم قاعة البحث اللغوي، فكان من عملهم هذه البحاثة اللغوية.
وهو كتاب دوريّ، سبقته البحاثة الأولى إلى الظهور باسم: أنابيش لغوية.
وهذه البحاثة كما يدلّ عليها اسمها والغرض منها هي خلاصة البحث اللغوي لطلاب دار العلوم في السنة الدراسية الماضية بتوجيه أستاذهم؛ ويبلغ الكتاب ثلثمائة صفحة، ثلثاها مما اختير من بحوث الطلاب أنفسهم في (رياضة لغوية في قراءة القاموس المحيط)؛ وقد نهج بهم أستاذهم منهجاً حسناً، هو يصفه في مقدمته لهذا الباب:
(. . . رأينا أن توزع عليهم أوراق من القاموس المحيط للبحث فيها واستخراج كنوزها ودفائنها، كي يوجه النظر إلى استعمالها، والانتفاع بها في حركة التجديد اللغوي. . . وقد طلب إليهم قراءتها بإمعان وتدبر، ووضع خط بالقلم الرصاصي تحت ما يصح أن يوضع لمسمى لم يعرف له اسم عربي، أو كلمات يتوهم أنها عامية وهي عربية، أو ما خرج به التحريف أو التصحيف عن عربيته الخ، أو أية لفظة يرى أنها جديرة بالنشر. وإذا كان لأحدهم مقترح، أو أراد التوسع في بحثه، شفع ما قرأ من الأوراق بتوضيح كتابيّ. . .)
стр. 10090
ولقد كانت رياضة لغوية مثمرة، تدل على جدوى هذا النهج الجديد في دراسة فقه اللغة؛ وإننا لنرى فيها جهد الطلاب ظاهراً قوياً، وقد وفق الكثير منهم توفيقاً يدعو إلى الإعجاب والرضى ويبعث على كثير من الاطمئنان والأمل؛ على أنه من التواضع أن يسمى كل هذا الجهد (محاولة)؛ فما أغلو إذا ادعيت أنه قد أضاف إلى العربية ثروة جديدة، وكشف عن دفائن تزيدها قوة وغنى.
على أن في الكتاب غير ذلك بحوثاً طريفة، وأبواباً قيمة، وطرائف من اللغة تروق الأدباء والمتأدبين. وإذا كان لنا أن نأخذ شيئاً على الكتاب، فذلك أنه كان في حاجة إلى العناية بترتيبه وتقسيم فصوله خيراً مما رُتِّب وقُسِّم، ليتأتى للمستفيد أن يقع منه على ما يريد من غير عناء، ولكننا نحب أن نعتذر عنهم من ذلك، بأنهم أرادوه ليكون أشبه بسجلّ يصوِّر مجهودهم، أكثر مما أرادوه كتاباً يتناوله القراء للبحث والانتفاع، وإن كان هو عندنا لأكثر من ذاك.
القبس للإنشاء العربي
وهذا كتاب آخر للإنشاء العربي، متين العبارة، قويّ الأسلوب، جميل التقسيم، أنشأه مؤلفاه الفاضلان ليستعين به التلاميذ في دروس الإنشاء العربي، فجاء وافياً بما يريدان من قوة السبك، وحسن الأداء، ودقة التقسيم.
ولكننا نعود فنسأل عن مدى استفادة التلاميذ مما يسمونه (كتب الإنشاء)؟
ليس من شك في أن تعليم اللغة تلقين ومحاكاة، يهيئان التلميذ من بعدُ للخلق والابتكار، ولكن وسائل التلقين ليست هي هذه الكتب التي توضع بين أيدي التلاميذ لغرض واحد، هو أن يقرءوها فيحاكوها، أو ينبشوها فيقتبسوا منها، والتي لا ينظرون فيها إلا على نية الأخذ عنها، والاستعانة بها على تجويد العبارة وصقل الكلام؛ إنما ينبغي أن يلقن التلميذ من حيث لا نشعره أنه يلقن: بأن نحمله على القراءة في كتب شتى، ونبعث فيه الشوق إلى المطالعة والنظر في كل كتاب، ونعوده حسن الاستماع لجيّد الكلام؛ فما يقبل التلميذ على مثل كتب الإنشاء هذه بقلبه وعقله، بل بحافظته؛ فمن ثم لا تراه ينظر فيها إلا ليسترق أو يقلد، فيؤول ذلك إلى أن تكون كتابته أشبه بطبع الرواسم (الأكلشيهات): عبارات محفوظة، وربط سقيم، وفكر بليد؛ ثم هي تجعل التلميذ لا يحاول أن يطالع أو أن يقرأ، إلا إذا طلب إليه أن يكتب
стр. 10091
أو أن ينشئ، للمدرس، أو للامتحان؛ لأنه لم يتعود أن يقرأ ليلذ نفسه ويرضي عاطفته، بل ليستعين على أداء تكليف ثقيل. . .!
وهذه الكتب الكثيرة للإنشاء، أثرٌ من إيحاء مناهج الدراسة ونظم التعليم في بلادنا، هذه النظم التي تقيس العلم بعدد الناجحين ونسبة النجاح، ومن ثم كانت أكثر محاولات المدرسين في مدارسنا للوصول إلى هذه الغاية؛ أما تربية الملكات، وصقل العقل، وإرهاف الحس، فذلك شئ قلما ترى من يحاوله منهم، ولعل لهم عذراً كبيراً من ذاك. . .!
ولقد يكون من الخير الكثير لو أن المؤلفين الذين يحاولون تأليف الكتب للإنشاء اتجهوا في ذلك اتجاهاً آخر، فوضعوا همهم وجهدهم في تأليف كتب أخرى مما يروق التلاميذ صغاراً وكباراً، ويشوقهم إلى قراءته غير محمولين عليه، مثل: القصص، والرحلات المشوّقة، وغيرها، ثم ليجعلوا في ثنايا ذلك ما يريدون أن يضيفوه إلى ثروة التلاميذ اللغوية والعلمية. فلعلهم إن فعلوا ذلك يكونون قد أضافوا إلى اللغة ثروة جديدة من أدب الأطفال، وعوَّدوا الأطفال أن يقرءوا التماساً للذة العقلية ومتاع الروح، بدل أن يقرءوا رغبة في النجاح وحسب.
وما نعني بهذه الكلمة - هذا الكتاب الجديد وحده، فلعله من خير ما أُلف في موضوعه، وإنما هو رأي نحب أن يسمعه كل القائمين على تعليم الإنشاء في المدارس المصرية.
محمد سعيد العريان
стр. 10092
العدد ١٢٣ - بتاريخ: ١١ - ١١ - ١٩٣٥
стр. 10093
في الجمال. . .
- ٢ -
لعل جمال المرأة أبرع مثل للجمال الطبيعي لو تدبرته؛ وسر الإعجاب
فيه هو سر الإعجاب في جمال الرجل: أعني الذكاء؛ والذكاء كما قلت
من قبل إبداع الوسائل الملائمة للغاية، ثم تطبيق هذه الوسائل على
غايتها في نظام دقيق محكم؛ فأنت لا تستطيع أن تفقه جمال المرأة إلا
إذا وقفت على حكمة الله فيها، وغرض الطبيعة منها، وأدركت ما بين
طبيعة خَلْقها وعلة وجودها من المواءمة التي تسترق الأفئدة وتدق على
إفهام البشر.
فالعلة الغائية لخلْق المرأة هي أن تكون زوجة وأُماً، وسبيلها أن تروق الرجل وتدمث خُلقه وترقق طبعه ليسكن إليها ويُشبل عليها بالمعونة والنجدة؛ وسكون الزوج إلى زوجه تدبير إلهي يقوم عليه بناء المجتمع وبقاء النوع، لأن المرأة وهي زوج تحمل، أو أم ترضع، لا تملك لنفسها ولأولادها غذاء ولا حماية؛ فما دام الولد في حاجة إلى أمه، فالأم في حاجة إلى أبيه. ولكن غريزة الاستقرار والاستمرار في الرجل ضعيفة، فلا بد لهذا الوحشي الشريد من صلة أخرى غير صلة الدم تحبسه على زوجه وتعطفه على بنيه؛ والحب وحده هو الذي مكن الطبيعة من هذه البُغية؛ فبفعل الجاذبية سكن النافر، وبسحر الجمال ثبت العَزوف. وللحب خصيصتان قويتان: الرغبة والحشمة؛ ومن ذلك كان جمال المرأة داعيَ الرغبة خافض الجناح حيي الطبع؛ والرجل مزهوٌّ على المرأة يُدل بحيازته لها، ويتعزز بقيامه عليها؛ فهو يريدها (ريحانة لا قهرمانة)، وحبيبة لا جليبة، لها سلطان ولكنه رفيق، وفيها إباء ولكنه رقيق.
ومن ذلك كان جمالها مزيجاً من الوداعة والعزة، وخِلطاً من الضعف والدلال، وطباقاً من الهيبة والنبل.
وجمال المرأة يحتفظ بدوامه وسحره ما دامت له روح من العاطفة تشع في نظراتها، وتنسم
стр. 10094
في بسماتها، وتشيع في قسماتها، وتنشر أضواءها السحرية على أعصاب الرجل - وهو بطبعه ولوع - فيتمتع بنعمة اختياره ولذة إيثاره، ويجد في الضعف الذي يستلم ويستكين، الحبَّ الذي يطول ويحكم.
إن شبهة الخداع والتصنع تمحق كل شيء: لذلك كان في مخايل الطيبة والنزاهة، وفي سمات الظرف الغرير يتراءى وهو يختفي، وفي أسرار الهوى المكتوم تفضحه البسمة الحنون من شفة مطبقة، وتعلنه الومضة الخاطفة من نظرة حبية، وفي دلائل الملامح المعبرة في الوجوه والعيون تقول وهي تنصت، وتريد وهي ترفض: كان في كل أولئك بلاغة الجمال؛ فإذا أصيب الحب بالفتور ابتُلي الجمال بالخرَس.
وسلطان المرأة القوي على قلب الرجل إنما يأتيها من ذلك الذكاء المستسرِّ ترعاه معه وفيه على غير علمه؛ فكان من مزايا جمالها أيضاً أن تلوح هذه البصيرة الدقيقة على أسرَّة وجهها، وتشرق على الأخص في تلك النظرة الوديعة التي تتغلغل في طوايا القلب فتنسخ ظلال الفتور، وتبدد ظلام الكآبة، وتشعل خمود الحب. . . . . .
ومن خصائص جمال المرأة الاحتفاظ بالقلب الذي تصبَّاه وسباه؛ ووسيلته أن يطرد السأم عنه، ويجدد الشوق فيه، فيعير العادة المملة ألوان الجدَّة، ويقبس الحياة الرتيبة حرارة التنوع؛ وذلك هو السر العجيب الذي وضعه الله في الجمال النسوي، فيتكرر ولا يُمل، ويستعلن ولا يُفهم، ويتجدد ولا يتناهى، ويتنوع ولا يختلف، ويتولد ولا يبيد!!
إن في خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس؛ وإن في تجميع النهر، وتكوين الجبل، وتصريف الريح، وإثارة البحر - لجمالاً رائعاً يجري في كل شعور، ويستولي على كل قلب، لأنه يعلن القوة الخارقة؛ والقوة أروع خصائص الجمال وأشدها أخذاً بمدارك الحس؛ كذلك تجد في صغار الأشياء مفاتن للجمال الطبيعي تهز النفس وتصبي المشاعر؛ فورقة الزهرة، وجناح الفراشة، يبعثان في قلبك من الإعجاب ما يبعثه الطود المتموج بالثلج، والمحيط الملفف بالعاصفة؛ ولكن خصيصة الجمال في الزهرة والفراشة هي فرَة الألوان، ونصاعة الأصباغ، وتعدد الصور؛ وخصيصة الفرة أضعف من خصيصة القوة لتأثرها بالذوق، وخمودها بالألف والعادة.
ولعل خصيصة الذكاء أخفى الخصائص الجمالية جميعاً، لأن مرجعها إلى التأمل والفهم،
стр. 10095
وهذان لا يتيسران في كل وقت، ولا لكل شخص؛ فالبركان والإعصار يروعان القلب بالقوة المجردة، ولكن الجمال إذا قام على خصيصة الذكاء وحده، وهي الترتيب والمواءمة والإنتظام، خبا أثره في الناس إلا إذا كان محسوساً شديد الغرابة! أليس الواقع أن براعة القدرة وسر الإبداع سواء في العظاية والأسد، وفي القصبة والدوحة؟ ولكنك تعجب بالأسد والدوحة، ولا تكاد تأبه للعظابة والقصبة، لأن سلطان القوة غالب، وسحر العظمة عجيب.
فاجتماع الخصائص الثلاث إذن ضروري لحصول الجمال الصحيح في مشاهد الطبيعة وروائع الوجود.
(للبحث بقية)
أحمد حسن الزيات
стр. 10096
اللون الأصفر
للأستاذ أحمد أمين
لفت نظري - وأنا أدرس الحياة الاجتماعية في العصر العباسي - ما رأيت من كثرة ما كتب عن اللون الأصفر في هذا العصر، وحلوله محلاً كبيراً غطى على كل الألوان الأخرى، وكثرة ما قيل فيه من أدب، فرأيت أن أعرض على قراء (الرسالة) شيئاً منه وأترك لعلماء الجمال ما يدل عليه انتشار اللون الأصفر في الشعوب من تحديد درجة الذوق في الرقي، وعلاقته بانتشار التهتك والخلاعة، ودلالته على مقدار ما وصلت إليه الأمة من حضارة.
رأيت العراقيين هاموا باللون الأصفر وتغزلوا بالوجوه الصفر، وصبغوا ثيابهم بالصفرة، وافتتنوا بالزهور الصفر، وأكثروا من اتخاذ الطعوم الصفر، ومدحوا الجواهر الصفر، وهكذا.
روى الجاحظ من الأمثلة المشهورة قولهم: (أهلك النساءَ الأصفران: الذهب والزعفران)، وهذا يدل على غرام النساء باللون الأصفر، وظهور هذا الغرام بحبهن للذهب والزعفران؛ أما حبهن للذهب فللونه ولأنه خير أنواع المال. وقد ظُلم النساء برميهن وحدهن بحب الذهب، فمن من الرجال كذلك لم يذله الذهب ويسترقه المال ويستعبده الدينار؟ ومن منهم لم يقس أخلاقية العمل بمقياس الذهب؟. . . لقد كان الحريري أصدق قولاً إذ يقول:
أكْرمْ به أصفرَ راقت صفرتهُ … جوّابَ آفاقٍ ترامت سفْرته
مأثورةً سمعتُه وشهرته … قد أودعت سر الغنى أسرَّته
وقارنت نجحَ المساعي خطْرته … وحُببت إلى الأنام غرَّته
لولا التَّقى لقلت جلت قدرته
وأما الزعفران (وهو نبت له أصل كالبصل وزهر أصفر إلى حمرة) فقد كان له سلطان في بغداد أي سلطان حتى لو سميْتَ بغداد في ذلك العصر مدينة الزعفران لم تُبعد؛ وقد جعلوا له قوة سحرية فقالوا: (إنه إذا كان في بيت لا يدخله سام أبرص) وإذا حسن في عينهم شيء أصفر شبهوه بلون الزعفران كما قال آدم بن عبد العزيز:
شربت على تذكر عيش كسرى … شراباً لونه كالزعفران
стр. 10097
وأكثروا من تلوين الطعام به؛ قال بديع الزمان في إحدى مقاماته: (ومعنا على الطعام رجل تسافر يده على الخوان، وتأخذ وجوه الزعفران).
وكان البغداديون يلونون الطعام ويكرهون أن يقدموه بلا تلوين، ويسمون الطعوم غير الملونة (الطعوم المُعتدَّة) تشبيهاً لها بالمرأة في العدة، لأنهم يكرهون منها أن تلبس الثياب الملونة، فكانوا يلونون الطعام بالزعفران وبالعصفر وهو أصفر أيضاً.
قال ابن حمدون:
هاتوا أطايب ثورٍ فائق سمناً … كالفيل قدّاً وان عدُّوه في البقر
وسكْبجُوها ووفوها توابلها … وزَعفروُها وصفوها عن الغير
وصبغوا بالزعفران ملابسهم؛ حكى الأغاني أن الرشيد دخل على أخته علية بنت المهدي في يوم قائظ فوجدها قد صبغت ثياباً بزعفران وصندل وجعلتها على الجبال لتجف، فجعلت الرياح تمر على الثياب فتحمل منها ريحاً بليلة عطرة فوجد لذلك راحة من الحر.
وكتبت جارية على قباء معصفر:
وما البدر المنير إذا تجلى … هدوا حين ينزل بالعراق
بأحسن من بثينة يوم قامت … تهادَى في معصفرة رقاق
وقد كثرت أسماء الثياب الصفر فسموا
التَّخمَةَ: الثياب المخططة بالصفرة
والرَّادعة: القميص لُمّع بالزعفران والطيب
والسبنيّة: نسبة إلى سَبَن قرية بنواحي بغداد وهي ثياب من حرير فيها أمثال الأترجّ (الأصفر)
والثياب المحرَّضة: وهي المصبوغة بالاحْريض وهو العصفر.
والثوب المُمصّر: قيل هو المصبوغ بصفرة خفيفة
والثوب الموَرّس: المصبوغ بالوَرْس وهو نبت أصفر يصبغ به.
وأكثر ما كانت العصائب التي تتزين بها النساء عصائب مصبوغة بالزعفران وشيتْ بخيوط من حرير وطرزت بسلوك من ذهب.
وقالوا أجمل شيء غلالة معصفرة على جارية
стр. 10098
ويروي الوشاء في كتابه الموشي أنه لا يحسن بالرجال لبس المصبوغ بالزعفران في مظاهر الجد لأن ذلك من لبس النساء والقيان؛ وقد يلبسه الرجال في أوقات الفصد والعجلات وأوقات الشراب، وربما استعملوا ذلك في وقت قصفهم وتظرفوا بها في مجالسهم. . . والظهور بها قبيح من السوقة مستحسن من أهل النعم وأبناء الخلفاء).
وحكى التنوخي في نشوار المحاضرة (أن الخليفة المتوكل اشتهى أن يجعل كل ما تقع عليه عينه في يوم من أيام شربه أصفر، فنصبت له قبة صندل مذهبة مجللة بديباج أصفر، مفروشة بديباج أصفر، وجعل بين يديه الدستنبور والأترج الأصفر وشراب أصفر في صواني ذهب، ولم يُحضر من جواريه إلا الصفر، عليهم ثياب قصب صفر، وكانت القبة منصوبة على بركة مرصعة يجري فيها الماء، فأمر أن يجعل في مجاري الماء إليها الزعفران على قدر ليصفر الماء، ويجري من البركة أصفر، ففعل ذلك وطال شربه فنفد ما كان عندهم من الزعفران، فاستعملوا العصفر، ولم يقدروا أنه ينفد قبل سكره فنفد، فلما لم يبق إلا قليل عرّفوه وخافوا أن يغضب إن انقطع. . . فلما أخبروه أنكر أنهم لم يشتروا أمراً عظيماً، وقال إن انقطع هذا تنغص يومي، فخذوا الثياب المعصفرة بالقصب فانقعوها في مجرى الماء ليصبغ لونه بما فيها من الصبغ. . . فحسب ما لزم ذلك من الزعفران والعصفر ومن الثياب التي هلكت فكان خمسين ألف دينار).
ونسبوا إلى أفلاطون أنه قال إن رائحة الزعفران تسكن الغضب، وإذا قرن اللون الأحمر بالأصفر تحركت القوة العشقية.
ولإعجابهم باللباس المعصفر أو المزعفر شبهوا به الخمر، فقال ابن وكيع:
فاشربْ مُعَصْفَرَةَ القميصِ سُلَافة … من صنعة البَرَدَان أو قُطْرَبُّلِ
وقال ابن المعتز:
لبسَتْ صفرةً فكم فتَنَت من … أعينٍ قد رأيْنَهَا وعقول
مثل شمس الغروب تسحب ذيلا … صبغته بزعفران الأصيل
وقال ابن الرومي في وصف شواء:
وسميطة صفراء دينارية … ثمنا ولونا زَفَّها لك جُؤْذر
وأكثروا من مدح المرأة الصفراء واستحسنوها، ففي الأغاني أن متَيَّم الهاشمية، ومحبوبة
стр. 10099
المتوكلية، ودنانير البرمكية، كن صفراوات مولدات، وسميت دنانير لصفرتها. وقال بعضهم في وصف جمال الصفرة:
وعهدي بها صفراء رود كأنها … نضى عرق منها على اللون مجسدا
ومدحوا الزهور الصفر والثمار الصفر
فمدحوا الآذَرْيْون وهو زهر أصفر في وسطه خمل أسود، قال فيه ابن المعتز:
كأن آذَرْيُونَها … والشمسُ فيه كاليه
مداهنٌ من ذهب … فيه بقايا غالية
كما مدحوا (الخِيريْ) وهو المنثور الأصفر.
وكان عندهم نوع من الياسمين أصفر قال فيه الشاعر:
كأنما الياسمين حين بدا … يشرق من جوانب الكثب
عساكر الروم نازَلَتْ بلداً … وكل صُلْبَانها من الذهب
ومدحوا التفاح الأصفر والخوخ الأصفر:
وتغزلوا بصفرة الخمر فقال أبو نواس:
صفراءُ لا تنزل الأحزانُ ساحتها … لو مسها حجرٌ مسته سراء
ويقول آدم بن عبد العزيز:
إسقني واسقي خليلي … في مدى الليل الطويل
لونها أصفر صاف … وهي كالمسك الفتيل
وبالغوا في حب الصفرة حتى كانت القينة أحياناً تلبس الثياب المعصفرة أو المزعفرة وتطلي ما ظهر من يديها ومن عنقها بالورس.
روى بعضهم قال: (رأيت جارية ببغداد وقد طلت يديها بالورس وفي عنقها طبل وهي تنشد:
محاسنها سهام للمنايا … مُرَيَّشةٌ بأنواع الخطوب).
وكثيراً ما قرنوا هذا اللون بالدلالة على الميل إلى الشهوات والفجور، فقد رأينا ولوع القيان بهذا اللون؛ ورمزوا للخليع بقولهم إنه (يلبس المُوَرَّس) واعتقدوا أن الورس يزيد الميل إلى النساء؛ وقرر ذلك الفيروزآبادي في القاموس وهو المولع دائماً بالنص على ذلك.
стр. 10100
هذه ظاهرة غريبة رأيتها وهي ظاهرة تستحق الدرس، وأحق الناس بالفتوى فيها علماء الجمال الاجتماعي.
أحمد أمين
стр. 10101
المُشكِلَة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
قالت لي صاحبةُ (الجمال البائس) فيما قالت: إن المرأةَ الجميلة تخاطب في الرجل الواحد ثلاثة: الرجلَ وشيطانه وحيوانه؛ فأما الشيطان فهو معنا وإن لم نكن معه. . . وأما الحيوان فله في أيدينا مقادةٌ من الغباوة، ومقادةٌ من الغريزة، إذا شمَسَ في واحدة أصحب في الأخرى وانقاد؛ ولكن المشكلة هي الرجل تكون فيه رجولة.
نعم إن المشكلة التي أعضلتْ على الفساد هي في الرجل القوي الرجولة يعرف حقيقةَ وجوده وشرفَ منزلته، ولهذا أوجب الإسلام على المسلم أن يكون بين الوقت والوقت في اليوم الواحد خارجاً من صلاة.
وإنما الرجولةُ في خلالٍ ثلاث: عمل الرجل على أن يكون في موضعه من الواجبات كلِّها قبل أن يكون في هواه؛ وقبوله ذلك الموضع بقبول العامل الواثق من أجره العظيم؛ والثالثة قدرته على العمل والقَبول إلى النهاية.
ولن تقوم هذه الخلال إلا بثلاثٍ أخرى: الإدراك الصحيح للغاية من هذه الحياة؛ وجعل ما يحبه الانسانُ وما يكرهه موافقاً لما أدرك من هذه الغاية؛ والثالثة القدرة على استخراج معاني السرور من معاني الألم فيما أحبّ وكره على السواء.
فالرجولة على ذلك هي إفراغ النفس في أسلوب قوي جزل من الحياة، مُتساوقٍ في نَمط الإجتماع، بليغ بمعاني الدين، مصقول بجمال الإنسانية، مسترسل ببلاغة وقوة وجمال إلى غايته السامية.
ولهذه الحكمة أسقطت الأديان من فضائلها مبدأ إرضاء النفس في هواها، فلا معاملة به مع الله إلا في إثم أو شر؛ وأسقطه الناس من قواعد معاملتهم بعضهم مع بعض، فلا يقوم به إلا الغش والمكرُ والخديعة، وكلُّ خارج على شريعة أو فضيلة أو منفعة اجتماعية، فإنما ينزع إلى إرضاء لنفسه وإيثاراً لها وموافقة لمحبتها وتوفيةً لحظها؛ وعمله هذا هو الذي يلبسه الوصفَ الإجتماعي الساقط ويسميه باسمه في اللغة، كالرجل الذي يرضي نفسه أن يسرق ليغتني، فإذا أعطى لرضاه فهو اللص، وكالتاجر في إرضاء طمعه هو الغاش، وكالجندي في إرضاء جبنه هو الخائن، وكالشاب في إرضاء رذيلته هو الفاسق، وهلمّ جراً وهلم
стр. 10102
جرجرة. . .
وأما بعد، فالقصة في هذه الفلسفة قصةُ رجل فاضل مهذب قد بلغ من العلم والشباب والمال، ثم امتحنته الحياة بمشكلة ذهب فيها نومُ ليله وهدوءُ نهاره حتى كسفت باله وفرّقت رأيه وكابد فيها الموت ليس بالموت وعاش بالحياة التي ليست بالحياة.
قال: فقدت أمي وأنا غلام أحوجَ ما يكون القلب إلى الأم، فخشي عليّ أبي أن أستكين لذلة فقدها فيكون في نشأتي الذلُّ والضراعة، وكبر عليه أن أحس فقدَها إحساس الطفل تموت أمه فيحمل في ضَياعها مثل حزنها لو ضاع هو منها. فعلمني هذا الأب الشفيق أن الرجل إذا فقد أمه كان شأنه غير شأن الصبي لأن له قوة وكبرياء، وألقى في روعي أني رجلٌ مثله، وأن أمه قد ماتت عنه صغيراً فكان رجلاً مثلي الآن. . .
وكان من بعدها إذا دعاني قال: أيها الرجل، وإذا أعطاني شيئاً قال: خذ يا رجل، وإذا سألني عن شأني قال كيف الرجل؛ وقلّ يومٌ يمرُّ إلا أسمعنيها مراراً حتى توهمتُ أن معي رجلاً في عقلي خلقته هذه الكلمة: وتمام الرجل بشيئين: اللحيةُ في وجهه، والزوجة في داره، فتجيء الزوجة بعد أن تظهر اللحية لتكون كلتاهما قوةً له، أو وقاراً أو جمالاً، أو تكون كلتاهما خشونة، أو لتكونا معاً سوادين في الوجه والحياة. . .
أما اللحية لي أنا أيها الرجل الصغير فليس في يد أبي ولا في حيلته أن يجئ بها، ولكن الأخرى في يده وحيلته؛ فجاءني ذات نهار وقال لي: أيها الرجل! إن فلانة مُتسماةٌ عليك منذ اليوم فهي امرأتك فاذهب لترى فيك رجلها. وفلانة هذه طفلة من ذوات القربى، فأفرحني ذلك وأبهجني؛ وقلت للرجل الذي في عقلي: أصبحتَ زوجاً أيها الرجل. . .
وكان هذا الرجلُ الجاثمُ في عقلي هو غروري يومئذ وكبريائي، فكنت أقع في الخطأ بعد الخطأ وآتي الحماقة بعد الحماقة، وكنت طفلاً ولكن غروري ذو لحية طويلة. . .
ونشأتُ على ذلك صلب الرأي معتدّاً بنفسي إذا هممتُ مضيت، وإذا مضيت لا ألوي؛ وما هو إلا أن يخطر لي الخاطر فأركبَ رأسي فيه، ولأن تكسرَ لي يدٌ أو رجل أهونُ علي من أن يكسر لي رأي أو حكم؛ وأكسبني ذلك خيالاً أكذب خيال وأبعده، يخلط عليَّ الدنيا خلطاً فيدعني كالذي ينظر في الساعة وهي اثنا عشر رقماً لنصف اليوم الواحد، فيطالعها اثني عشر شهراً للسنة. . .
стр. 10103
وترامت حريتي بهذا الخيال فجاوزت حدودها المعقولة. وبهذه الحرية الحمقاء وذلك الخيال الفاسد، كذبتْ علي الفكرة والطبيعة.
ولست جميل الطلعة إذا طالعتُ وجهي، ولكني مع ذلك معتقد أن الخطأ في المرآة. . . إذ هي لا تظهر الرجل الوضيءَ الجميل الذي في عقلي؛ ولست نابغة ولكن الرجل الذي في عقلي رجل عبقري؛ وهذا الذي في عقلي رجل متزوج فيجب عليَّ أنا الطفلَ - أن أكون رزيناَ رزيناً كوالد عشرة أولاد في المدارس العليا. . .
وذهبتُ بكل ذلك أرى زوجتي، فأغلقت الباب في وجهي واختبأت مني، فقلت في نفسي: أيها الرجل إن هذا نشوزٌ وعصيانٌ لا طاعةٌ وحب. وساءني ذلك وغمّني وكبر عليّ فأضمرت لها الغَدْر، فثبتت بذلك في ذهني صورةُ (الباب المغلق) وكأنه طلاق بيننا لا باب. . .
قال: ثم شب الرجلُ فكان بطبيعة ما في نفسه كالزوج الذي يترقَّبُ زوجته الغائبة غيبةً طويلة؛ كلُّ أيامه ظمأ على ظمأ، وكل يوم يمرّ به هو زيادة سنة في عمر شيطانه. . . وكان قد انتهى إلى مدرسته العالية وأصبح رجلَ كتب وعلوم وفكر وخيال. فعرضتْ له فتاة كاللواتي يعرضن للطلبة في المدارس العليا، ما منهن على صاحبها إلا كالخيبة في امتحان. . . بيد أن (الرجل) لم يعرف من هذه الفتاة إلا أوائل المرأة. . . ولم يكد يستشرفُ لأواخرها حتى سمِّيت على غيره فخطبت فزفَّت، زُفَّت بعد نصف زوج إلى زوج. . .
وعرف الرجل من الفلسفة التي درسها أنه يجب أن يكون حراً بأكثر مما يستطيع وبأكثر من هذا الأكثر. . . فقالها بملء فيه، وقال للحرية: أنا لك وأنت لي
قالها للحرية، فما أسرعَ ما ردت عليه الحرية بفتاة أخرى. . .
نقول نحن: وكان قد مضى على (الباب المغلق) تسع سنوات فصار منهن بين الشاب وبين زوجته العقلية تسعة أبواب مغلقة. ولكنها مع ذلك مسماةٌ له يقول أهله وأهلها (فلان وفلانة). وليس (الباب المغلق) عندهم إلا الحياء والصيانة؛ وليست الفتاةُ من ورائه إلا العفافَ المنتظِر؛ وليس الفتى إلا ابنَ الأبِ الذي سمَّى الفتاة له وحَبَسها على اسمه؛ وليست القربى إلا شريعة واجبة الحق نافذة الحكم.
стр. 10104
وعند أهل الشرفِ، أنه مهما يبلغ من حرية المرء في هذا العصر فالشرفُ مقيَّد.
وعند أهل الدين، أن الزواج لا ينبغي أن يكون كزواج هذا العصر قائماً من أوله على معاني الفاحشة.
وعند أهل الفضيلة، أن الزوجة إنما هي لبناء الأسرة؛ فإن بلغ وجهها الغاية من الحسن أو لم يبلغ، فهو على كل حال وجهٌ ذو سلطة وحقوق (رسمية) في الإحترام؛ لا تقوم الأسرة إلا بذلك ولا تقوم إلا على ذلك.
وعند أهل الكمال والضمير، أن الزوجة الطاهرة المخلصة الحبِّ لزوجها، إنما هي معاملةٌ بين زوجها وبين ربه؛ فحيثما وضعها من نفسه في كرامةِ أو مَهانة، وضع نفسه عند الله في مثل هذا الموضع.
وعند أهل العقل والرأي، أن كل زوجة فاضلة هي جميلةٌ جمال الحق، فإن لم توجب الحبَّ وجبت لها المودة والرحمة.
وعند أهل المروءة والكرم، أن زوجة الرجل إنما هي إنسانيته ومروءته؛ فإن احتملها أعلن أنه رجل كريم، وإن نبذها أعلن أنه رجل ليس فيه كرامة.
أما عند الشيطان لعنه الله، فشروط الزوجة الكاملة ما تشترطه الغريزة: الحب، الحب، الحب.
قال الشاب: وإذا أنا لم أتزوج امرأة تكون كما أشتهي جمالاً وكما يشتهي فكري علماً، كنت أنا المتزوج وحدي وبقي فكري عزبَا. . . وقد عرفتُ التي تصلح لي بجمالها وفكرها معاً، وتبوَّأتْ في قلبي وأقمت في قلبها. ثم داخَلْتُ أهلَها فخلطوني بأنفسهم وقالوا شابٌ وعَزَبٌ. . . ومتعلم وسريّ. . . فلم يكن لدارهم (بابٌ مغلق) حتى لو شيءت أن أصل إلى كريمتهم في حرام وصلت، ولكني رجل يحمل أمانة الرجولة. . .
أما الفتاة فلست أدري والله أفيها جاذبية نجم أم جاذبية امرأة! وهل هي أنثى في جمالها أو هي الجمالُ السماوي أتى ينقح الفنونَ الأرضية لأهل الفن؟
إذا التقينا قالت لي بعينها: هأنذي قد أرخيتُ لك الزمام فهل تستطيع فراراً مني؟ ونلتصق فتقول لي بجسمها: أليست الدنيا كلها هنا، فهل في المكان مكانٌ إلا هنا؟ ونفترق فتحصر لي الزمن كله في كلمة حين تقول: غداً نلتقي.
стр. 10105
كلامها كلامٌ متأدب، ولكنه في الوقت نفسه طريقة من الخلاعة تلفتك إلى فمها الحلو. والحركة على جسمها حركة مسْتَحِيَةٌ، ولكنها في الوقت عينه كالتعبير الفني المتجسم في التمثال العاري.
إنها والله قد جعلت شيطاني هو عقلي؛ أما هذا العقل الذي ينصح ويعظ ويقول هذا خير وهذا شر، فهو الشيطان الذي يجب أن أتبرأ منه. . .
قال: وألمَّ الأبُ بقصة فتاه، ويحسبها نزوةً من الشباب يُخمدها الزواج، فيقول في نفسه: إن للرجل نظرتين إلى النساء: نظرة إليهن من حيث يختلفن فتكون كل امرأة غير الأخرى في الخيال والوهم والمزاج الشعري؛ ونظرة إليهن من حيث يتساوَينَ في حقيقة الأنوثة وطبيعة الإحترام الإنساني، فتكون كل امرأة كالأخرى ولا يتفاوتن إلا بالفضيلة والمنفعة. ويقرر لنفسه أن ابنه رجل متعلم ذو دين وبصر، فلا ينظر النظرة الخيالية التي لا تقنع بامرأة واحدة بل لا تزال تلتمس محاسن الجنس ومفاتنه، وهي النظرة التي لا يقوم بها إلا بناءُ الشعر دون بناء الأسرة، ولا تصلحُ عليها المرأة تلد أولاداً لزوجها، بل المرأة تلد المعاني لشاعرها.
ثم احتاط في رأيه فقدَّر أن ابنه ربما كان عاشقاً مفتوناً مسحوراً ذا بصيرة مدخولة وقلبٍ هواء وعقل ملتاث، فيتمرد على أبيه ويخرج عن طاعته ويحارب أهله وربَّه من أجل امرأة، بيدَ أنه قال إنه هو والده وهو ربّاه وأنشأه في بيت فيه الدينُ والخلقُ والشهامةُ والنجدةُ، وأن محاربة الله بامرأة لا تكون إلا عملاً من أعمال البيئة الفاسدة المستهترة حين تجمع كل معاني الفساد والإباحة والإستهتار في كلمة (الحرية). وقال إن البيئة في العهد الذي كان من أخلاقه الشرف والدين والمروءة والغيرة على العِرض، لم يكن فيها شيء من هذا، ولم يكن الأبناء يومئذ يعترضون آباءهم فيمن اختاروهن، إذ النسل هو امتداد تاريخ الأب والابن معاً، والأب أعرفُ بدنياه وأجدر أن يكون مبرأ من اختلاط النظرة، فيختار للدين والحسب والكمال لا للشهوة والحب وفنون الخلاعة؛ ولا محل للإعتراض بالعشق في باب من أبواب الأخلاق، بل محلُّه في باب الشهوات وحدها.
ثم جَزَمَ الأبُ أن الولد الذي يجيء من عاشقين حريٌّ أن يرث في أعصابه جنون اثنين وأمراضهما النفسية وشهواتهما الملتهبة، ولهذا وقف الشرع في سبيل الحب قبل الزواج
стр. 10106
لوقاية الأمة في أولها، ولهذا يكثر الضعف العصبي في هذه المدينة الأوربية، وينتشر بها الفساد فلا يأتي جيلٌ إلا وهو أشد ميلاً إلى الفساد من الجيل الذي أعقبه.
ولم يكد ينتهي الأبُ إلى حيث انتهى الرأي به حتى أسرع إلى (الباب المغلق) يهيئ للزفاف ويتعجل لابنه المطيع. . . . نكبة ستجيء في احتفال عظيم. . . .
قال الشاب: وجن جنوني؛ وقد كان أبي من احترامي بالموضع الذي لا يلقى منه، فلجأتُ إلى عمي أستدفعُ به النكبة وأتأيَّد بمكانه عند أبي، وبثثته حزني وأفضيت إليه بشأني، وقلت له فيما قلت: افعلوا كل شيء إلا شيئاً ينتهي بي إلى تلك الفتاة، أو ينتهي بها إليّ. وما أُنكر أنها من ذوات القربى، وأن في احتمالي إياها واجباً ورجولة، وفي ستري لها ثواباً ومروءة، وخاصة في هذا الزمن الكاسد الذي بلغت فيه العذارى سن الجدات. . . والقلب العاشق كافر بالواجب والرجولة، والثواب والمروءة، وبالأم والأب، فهو يملك النعمة ويريد أن يملك التنعم بها؛ وكل من اعترضه دونها كان كاللص. . . . . .
قال: قَبح الله حباً يجعل أباك في قلبك لصاً أو كاللص
قلت: ولكني حر أختار من أشاء لنفسي. . . . .
قال: إن كنت حراً كما تزعم فهل تستطيع أن تختار غير التي أحببتها؟ ألا تكون حراً إلا فينا نحن وفي هدم أسرتنا؟
قلت: ولكني متعلم، فلا أريد الزواج إلا بمن. . . . . .
فقطع علي وقال: ليتك لم تتعلم، فلو كنت نجاراً أو حداداً أو حوذياً لأدركت بطبيعة الحياة أن الذين يتخضّعون للحب وللمرأة هذا الخضوع، هم الفارغون الذين يستطيع الشيطانُ أن يقضي في قلوبهم كلَ أوقات فراغه. . . . . .
أما العاملون في الدنيا، والمغامرون في الحياة، والعارفون بحقائق الأمور، والطامعون في الكمال الإنساني، فهؤلاء جميعاً في شغل شاغل عن تربية أوهامهم، وعن البكاء للمرأة، والبكاء على المرأة: ونظرتهم إلى المرأة أعلى وأوسع؛ وغرضهم منها أجل وأسمى. وقد قال نبينا ﷺ : اتقوا الله في النساء، أي انظروا إليهن من جانب تقوى الله فإن المرأة تقدِم من رجلها على قلب فيه الحبُّ والكراهةُ وما بينهما ولا تدري أي ذلك هو حظها، ولو أن كل من أحب امرأة نبذ زوجة لخربت الدنيا ولفسد الرجال، والنساء جميعاً.
стр. 10107
وهذه يا بني أوهام وقتها وعمل أسبابها، وسيمضي الوقت وتتغير الأسباب، وربما كان الناضج اليوم هو المتعفِّن غدا، وربما كان الفجُّ هو الناضج بعد!
وهبك لا تحب ذات رَحِمك ثم أكرمتها وأحسنتَ إليها
وسترتها، أفيكون عندك أجمل من شعورها أنك ذو
الفضل عليها؟ وهل أكرم الكرم عند النفس إلا أن
يكون لها هذا الشعور في نفسٍ أحرى؟ إن هذا يا بنيّ
إن لم يكن حبا فيه الشهوة فهو حب إنساني فيه
المجد. ووقعت (المشكلة) وزفَّت المسكينة؛ فكيف
يصنع الرجل بين المحبوبة والمكروهة؟
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10108
المأساة الفاشستية
بقلم باحث دبلوماسي كبير
في الثامن والعشرين من أكتوبر احتفلت إيطاليا باختتام العام الثالث عشر لظفر الفاشستية الإيطالية وقيام النظام الفاشستي؛ فمنذ ثلاثة عشر عاماً زحف موسوليني وأنصاره من ذوي الأقمصة السود على رومة، وانتزعوا مقاليد الحكم؛ ومنذ ثلاثة عشر عاماً يسيطر موسوليني وحزبه على مصاير إيطاليا ومصاير الشعب الإيطالي؛ ولكن الفاشستية الإيطالية تحتفل بعيدها لأول مرة في ظروف خاصة؛ فهي الآن في مأزق خطر، بل هي تجوز معركة الحياة والموت؛ وهي تشعر لأول مرة بمرارة الخيبة وانهيار الآمال، وترى مشاريعها الاستعمارية العريضة في ميزان القدر تكبدها من الخسائر والمشاق الفادحة ما لم تكن تحلم بتكبده ولا قبل لها باحتماله، وترى فوق ذلك نفسها تواجه كتلة عالمية من الأمم الناقمة الساخرة تحيطها بسياج من الحفيظة والبغض، وتنظم ضدها مقاومة مادية فعالة وتزمع أن تقضي على كل مطامعها وأحلامها.
والفاشستية هي التي جنت على نفسها وعلى إيطاليا، وهي التي زجتها إلى ذلك المأزق الذي تتخبط فيه ولا ترى سبيلاً إلى الخلاص منه؛ فهي التي أقدمت عامدة مصرة على غزو الحبشة وانتهاك المعاهدات الدولية؛ وهي التي لم تخجل أن تصرح في جرأة منقطعة النظير أنها تغزو الحبشة وتعتدي على استقلالها لأنها في حاجة إلى التوسع والإستعمار واستغلال الثروات الطبيعية التي تبطنها وهاد الحبشة؛ وهي التي أثارت بعدوانها وغرورها وقحتها السياسية إشمئزاز كل الشعوب المتمدنة؛ وهي الآن في محنتها ويأسها تحاول أن تتشح بثوب الظافر، لأن الجيوش الإيطالية استولت على بعض الأراضي الحبشية في الشمال وفي الجنوب؛ ولكن العالم يعرف جيداً أن هذا النصر اليسير لم يكن نتيجة معارك حقيقية ولا بطولة عسكرية، وأنه مع ذلك قد كبد إيطاليا أعظم الجهود والخسائر، وأن المعارك الفاصلة ما زالت تنتظر إيطاليا في الوهاد الحبشية السحيقة التي لن تبلغها إلا بأفدح تضحية من المال والرجال.
لقد كان قيام الفاشستية في إيطاليا أول ضربة حقيقية للديموقراطية والحريات الشعبية بعد الحرب الكبرى؛ وكانت الديموقراطية قد استطاعت غداة النصر أن تكتسح النظم
стр. 10109
الإمبراطورية في ألمانيا والنمسا؛ ولكن الديموقراطية انساقت في فورة الظفر إلى ألوان خطرة من التطرف والفوضى؛ وكانت إيطاليا لهذا التطرف، ففي غمر الإضطراب العام وثبت الفاشستية تؤيدها العسكرية، وتؤيدها الصناعات الكبرى والمالية العليا، وقبضت على زمام الحكم بقوة؛ وظن خصومها في المبدأ أنها فورة الساعة وأن ريحها لن تلبث أن تركد، ولكن فورة الفاشستية كانت أشد وأقوى مما تتصوروا، وكانت المعركة قصيرة المدى، فلم يمض سوى قليل حتى سحقت الفاشستية خصومها، وسحقت الإشتراكية والديموقراطية، وكل النظم البرلمانية الحقيقية، وأخضعت الصحافة لصولها، ولم تبق متنفساً للشعب الإيطالي سوى طريقها، ولم تسمح له بأن يفكر إلا برأيها أو أن يرى إلا بعينها، وامتزجت الدولة بالحزب، فغدت الفاشستية هي الحكومة وهي الدولة، وهي مصدر السلطات وهي كل شيء في حياة إيطاليا العامة، وفي مرافقها ومصايرها.
كان ظفر الفاشستية سريعاً، وكان مطلقاً، ولكنها لم تدخر لتحقيق هذا الظفر أية وسيلة مثيرة؛ ولسنا نقف طويلاً بهذه الوسائل الهمجية التي أصبحت روح النظم الطاغية في عصرنا، سواء في روسيا البلشفية أو تركيا الكمالية أو إيطاليا الفاشستية أو ألمانيا الهتلرية، والتي تقوم على القتل والسجن والنفي والمصادرة وغيرها من أساليب العنف المنظم؛ ولكنا نقول أيضاً في إنصاف هذه الفاشستية الهمجية أنها لم تكن شراً مطلقاً، بل كانت لها آثار داخلية حسنة، وقد أسفرت جهودها في سبيل الإنشاء والتنظيم عن نتائج مادية ظاهرة الأثر في تكوين إيطاليا الحديثة وفي تطورها وتقدمها؛ فقد سحقت عوامل التفرق القديم الذي خسرت إيطاليا من جرائه مغانم الحرب في معاهدة الصلح، وسحقت عوامل الفوضى التي كادت تشل الحياة الإقتصادية في إيطاليا، وبثت في الشعب الإيطالي روحاً جديداً وعزائم جديدة في ميادين النشاط والتفكير والعمل، فخطت الزراعة والصناعة والتجارة إلى الأمام خطوات واسعة، ونظمت موارد الثروة القومية تنظيماً مدهشاً؛ وبذلت الفاشستية جهوداً محمودة لمعالجة الركود الإقتصادي والعطلة، وحماية الإنتاج القومي، وقامت بمئات المشاريع العمرانية النافعة، ولم تترك وجهاً من وجوه الحياة العامة إلا عملت لإصلاحه وتقويمه؛ ولم تقف عند العمل في ميادين النشاط المادي، بل عملت أيضاً في النواحي المعنوية، فطهرت الحياة الإجتماعية من كثير من أدرانها القديمة، وبثت في الشعب
стр. 10110
الإيطالي روحاً جديداً من العزيمة والخلال الحسنة، وقد كان قبل قيام الفاشستية في حالة يرثى لها من الإنحلال الفكري والأخلاقي، ونظمت الشباب والنشء تنظيماً بديعاً؛ والخلاصة أنها من حيث الوجهة الداخلية، خلقت إيطاليا خلقاً جديداً، وسارت بها في سبيل التقدم شوطاً بعيداً. وأما من حيث الوجهة الخارجية فقد عملت الفاشستية أيضاً لتقوية إيطاليا في البر والبحر والهواء، ورفعتها من حيث القوة العسكرية والهيبة الدولية إلى مصافي الدول العظمى ذات الرأي المسموع.
كل ذلك عملته الفاشستية في أعوامها الثلاثة عشر؛ ولكنها عملته فوق أكداس من الجرائم والضحايا، وعلى أنقاض الحريات العامة والكرامة البشرية والاستقلال الروحي والفكري؛ والفاشستية مادية مغرقة في المادية، والمعنويات في نظرها وسيلة إلى تحقيق المصالح المادية؛ ومن ثم جعلت من الجبل الإيطالي الجديد، في تفكيره وعقليته وتصرفاته قطيعاً من البشر مسلوب الرأي والإرادة، توجهه الزعامة العنيفة أينما شاءت. وكان من أكبر وأخطر جرائم الفاشستية أنها بثت في الشعب الإيطالي روحاً خطرة هي روح الغرور المغرق؛ ولا بأس من أن يتصف الشعب بالكبرياء القومية وأن يستمد من ماضيه المجيد وعظمته الحاضرة أسباب العزة القومية، ولكن الفاشستية بثت في الشعب الإيطالي أخطر عوامل الكبرياء والتحدي الفارغة؛ فالإيطالي الجديد يعتبر نفسه اليوم أرقى الخليقة، وأنه خلع بارتداء الفاشستية أثواب أوربا البالية، وأنه غدا يشرف من ذروة عظمته الجديدة على بؤس القارة القديمة وتدهورها، وأنه سيقود أوربا الجديدة طبق مبادئه وآرائه؛ ثم هناك ما هو أخطر من هذه الأوهام المعنوية؛ فقد بثت الفاشستية في الجيل الجديد روح العداء لأوربا القديمة، وروح التطلع والتحفز والعدوان، ولقنته نظرية جديدة هي أن إيطاليا الفاشستية خليفة الدولة الرومانية القديمة وقرينتها؛ وأن موسوليني إن هو إلا قيصر يقودها في سبيل الفخار والمجد، وغمرت هذه الروح القيصرية ذلك الشباب المغرور المتحدي، فأصبح يتصور أنه سيعيد حدود الدولة الرومانية القديمة، وأنه سيفتح مصر والأناضول وسورية وشمال أفريقية، ويجعل من البحر الأبيض بحيرة رومانية؛ ومضت إيطاليا الفاشستية تسخر بلسان زعيمها من كل دعوة للسلام ونزع السلاح، وكل دعوة إلى تفاهم الأمم، وآثرت نغمة الوعيد والتهديد، والحرب والإنتقام.
стр. 10111
غير أن ذلك الروح الحربي المضطرم لم يتمخض عن إحياء الدولة الرومانية، ولا استعادة شيء من حدودها أو أملاكها القديمة، ولكنه تمخض عن مشروع استعماري مثير وضيع معاً: ذلك هو غزو الحبشة وافتتاحها لاستخلاص ثرواتها الدفينة، وليكون منها ومن الصومال والأرترية لإيطاليا القيصرية إمبراطورية استعمارية ضخمة؛ وقد كان زعيم الفاشستية يحلم بأن جيوشه ستكتسح الفريسة في سيل من النصر الباهر يدهش العالم ويروعه معاً. ولكن الفريسة صمدت للمعتدين عليها وأفهمتهم أن دون إزهاقها أهوالاً وتضحيات فادحة؛ وقد كانت الفاشستية في ذلك معتدية أثيمة تنكر أبسط مبادئ الحق والعدالة، بل تنكر ماضيها وعهودها وتصريحاتها التي أذاعتها لأول عهدها بلسان زعيمها. وإليك مبادئ السياسة الخارجية الفاشستية كما أذاعها موسوليني في أول برلمان فاشستي: (لا نريد استعماراً، ولا نريد اعتداء، ولكنا سنتخذ موقفاً يقضي على سياسة الإذلال التي جعلت إيطاليا أقرب إلى وصيفة وخادمة ذليلة للأمم الأخرى؛ إحترام للمعاهدات الدولية مهما كلفنا ذلك؛ إخلاص وصداقة نحو الأمم التي تقدم لإيطاليا أدلة صادقة على مبادلة هذه العواطف؛ تأييد للتوازن الشرقي الذي يقوم عليه سلام الدول البلقانية، ومن ثم يقوم عليه سلام أوربا وسلام العالم)، ولكن الفاشستية وهي حركة عنيفة تقوم على القوة وتعتبر الحق للقوة، لا يمكن أن ترتبط بعهد أو ذمام، ولا يمكن أن تؤمن بالحق لذاته أو العدالة لذاتها؛ وقد نمت الفاشستية واشتد ساعدها بسرعة، واستطاعت أن تخلق من إيطاليا قوة يخشى بأسها. بيد أنها بدلاً من أن تقف هذه القوة لتأييد الهيبة والمصالح القومية المشروعة، اتخذت منها أداة لتهديد سلام أوربا وسلام العالم، وجعلتها وقفاً على تحقيق الشهوات الحربية والاستعمارية، ولم تحجم عن أن تعرض سلام العالم للخطر فغي سبيل شهواتها وغاياتها.
واليوم وقد انساقت الفاشستية إلى مغامرتها الخطرة، فإنها تشعر لأول مرة في تاريخها بصدمة حقيقية؛ وقد كان موسوليني يظن أنه يستطيع افتراس الحبشة بأيسر أمر وعلى مرأى ومسمع من العالم، وأن صيحات الوعيد المتكرر تكفي لإخماد كل معارضة وتدخل: ولم يكن موسوليني ليقيم وزنا لعصبة الأمم، وقد سحق مبادئها من قبل يوم احتل جزيرة كورفو ليرغم اليونان علة تنفيذ مطالبه لخلاف نشأ بينهما من جراء مقتل بعض الرعايا
стр. 10112
الإيطاليين في الأراضي اليونانية؛ وكان موسوليني على حق في استخفافه بالعصبة وجهودها؛ ولكن من كان يظن أن عصبة الأمم ستضطرم فجأة بروح جديدة؟ ومن كان يعتقد أنها ستجرؤ على اتخاذ تلك القرارات التاريخية الشهيرة فتلقى تهمة الاعتداء العمد في وجه إيطاليا وتقضي عليها بالعقوبات الإقتصادية؟ ولكن عاملاً جديداً لم يكن يتصوره موسوليني قط هو الذي وثب فجأة ووقف للفاشستية ولإيطاليا بالمرصاد، واستطاع أن يقلب الأوضاع الدولية في أسابيع قلائل: ذلك هو تدخل إنكلترا وتحرك الإمبراطورية البريطانية. ولقد كانت إنكلترا تبغض الفاشستية منذ قيامها، وتعتبرها خطراً على السلم الأوربي؛ ولكنها مذ اشتد ساعد الفاشستية وذكا وعيدها وتدفقت جيوشها إلى شرق أفريقية، أدركت أن الفاشستية قد أصبحت بمطامعها ومشاريعها الاستعمارية خطراً داهماً على الإمبراطورية البريطانية، وعلى دولتها الاستعمارية في وادي النيل وشرق أفريقية، وعلى سيادتها في البحرين الأبيض والأحمر؛ ويجب لتأييد سلام الإمبراطورية وأمنها، أن تسحق هذه الفورة الخطرة؛ وهناك عامل معنوي آخر يقتضي في نظر إنكلترا الحكم على الفاشستية، هو أنها رمز النظم الطاغية العنيفة التي يمقتها الشعب الإنكليزي، ويراها خطراً على الديموقراطية التي غدت ملاذها وحصنها الأخير بعد أن اجتاحت معظم الدول الأوربية؛ وهكذا تستحيل المعركة اليوم إلى نضال خطير بين الفاشستية وبين الإمبراطورية البريطانية مستترة وراء عصبة الأمم؛ ولقد كان نجاح إنكلترا عظيماً في حشد أمم العالم ضد إيطاليا باسم العصبة، وفي تنظيم هذه العقوبات الاقتصادية التي ستشل عما قريب كل موارد إيطاليا وقواها المالية والاقتصادية؛ وهكذا تنهار تدابير الفاشستية فجأة، وترى نفسها وحيدة في الميدان، تواجه سخط العالم وتألبه، وتواجه الإمبراطورية البريطانية؛ وفي رأينا أنه ليس ثمة شك في نتيجة هذه المعركة، فالفاشستية تجوز معركة الحياة والموت، وهي تسير بلا ريب إلى انحلالها، وليس في وسعها أن تثبت طويلاً أمام هذه الصعاب الفادحة التي تواجهها في الخارج وفي الداخل؛ وتدل الطوالع على أن الحرب الحبشية التي أريد أن تكلل جبين الفاشستية بهالة من الظفر ستغدو قبراً للفاشستية؛ ومن المرجح أن يقترن فشل الفاشستية في مشروعها الاستعماري بانهيار سلطانها في الداخل، وعندئذ تختتم تلك المأساة الطويلة بانقلاب حاسم، وتتحرر إيطاليا من تلك الأغلال الحديدية التي صفدتها مدى ثلاثة عشر
стр. 10113
عاماً، ويتنفس العالم سعيداً إذ يرى مصرع تلك الفورة الطاغية الخطرة التي مازالت منذ قيامها تهدد أمنه وسلامه.
стр. 10114
كيف كسبت الرهان!
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
(تنبيه - الحادثة ليست شخصية - وليس لي أخت)
غام الزجاج أمامي من كثرة ما سقط عليه من ندى الفجر، وكنت - كلما قطعنا بضعة فراسخ - أمسحه بمنديل ثم أجلوه بورقة، وكان ذلك يحوجني إلى الوقوف ثم استئناف السير، وهذا مضيعة للوقت، والشقة بعيدة، والرهان جسيم؛ فقلت أرفع الزجاج، فإن التعرض للهواء البارد أيسر محملاً، وأهون من النظر من زجاج عليه ضبابة، وإن كانت رقيقة؛ وصحيح أن أختي كانت تصف لي الطريق وتسمي لي ما يعترضنا عليه، وتعين لي مواقع الأشياء، ولكن السائق لا يستطيع أن يعتمد على غير عينيه؛ ثم إن وصفها كثيراً ما كان يحيرني ويحدث لي اضطراباً، فقد كانت تقول مثلاً: (هذا رجل في وسط الطريق. . لا لا لا. . إنه أقرب إلى اليسار. . . إنتظر. . . بل هو يمشي يميناً. . . إمض على بركة الله. . . لا خوف).
فأتنهد، وأمضي على بركة الله، فما ثم شيء آخر أمضي عليه؛ وبودي لو تبين لي كيف أستطيع أن أتريث وأنتظر حتى تتثبت هي وتقطع الشك باليقين! ثم إني لم أكن أومن بأن نظرها أصح وأسلم وأقوى، وأنه يسعها ما أعياني من اختراق هذا الضباب - أعني النظر من خلال الزجاج المتغيم. لذلك توكلت على الله ورفعت الزجاج.
وقال زوجها: (لا بأس! ولم لا؟ إنه لن يصيبنا شر من الإلتهاب الرئوي.
فرمت إليه زوجته شيئاً وقالت: (تلفع بهذا).
فرده إليها وهو يقول: (الكلب لا يعض أذن أخيه. . . صدق والله!).
فثاروا به وشغبوا عليه، ولما قرت الضجة قلت:
(غط صدرك إذا كنت تخشى الهواء، وفمك أيضاً - فإني نويت أن أعوض ما خسرت الآن).
وضغطت بقدمي فانطلقت السيارة كالسهم، وانحنت أختي تنظر إلى العداد، وجعلت تعلن إلى الرقم كلما تغير، وتصيح: (٤٠. . . . ٤٣. . . . ٤٧. . . . ٥٠. . . . أوه! لقد وصل إلى الستين. . . .! السبعين. . . .).
стр. 10115
ثم أمسكت، فقد كان الهواء قوياً، ودفْعُه في الصدر شديداً، فلولا أن النظارة على عيني لما وسعني الصبر عليه؛ وكان الطريق مستقيماً، والتراب راقداً لكثرة ما نزل عليه من الطل؛ وبدت لعيني مركبة فسألت نفسي: ترى على أي ناحية من الطريق هي؟ ولكني جزتها ومرقت كالسهم في نفس اللحظة التي رأيتها فيها، فلا جواب لسؤالي؛ وأحسست أن سيارة مقبلة علينا، ثم تبينت أنها ماضية في اتجاهنا فما عتمت أن صارت وراءنا، وأحسب أن سائقها قد أوسعني شتماً ولعناً، فما نبهته ولا حذرته؛ وظهرت ضيعة، ورأيت بيوتها الواطئة المبينة من الطين، وأخذت عيني الأشجار المغروسة أمامها - أو خلفها، لا أدري - فقد غابت عن عيني بأسرع مما بدت لها؛ وكنت لا أجرؤ أن أصوب لحظي إلى عداد السرعة، ولكني كنت أحس كل كيلو نقطعه ومضيفه إلى ما فرغنا منه؛ وزاد ضغط قدمي، فتجمعت أختي ونظرت ثم قالت:
(٨٩. . . ٩٠. . . ٩١. . . ٩٢. . .)
ثم رأتني كالمسمر في مكاني، وكأنما أدركها العطف علي، أو قواها إصراري على الفوز، فعادت تنظر وتبلغني ما ترى.
(إلى اليمين شيء. . . عربة. . . خال. . . عربة. . . تتحرك. . . دراجة إلى يسارك. . . سيارة مقبلة. . . خال. . . لا. . . رجل يمشي. . . خال. . .)
فسألتها: (كم كيلو قطعنا؟ وكم الساعة الآن؟)
وكانت الساعة الرابعة صباحاً، ولا يزال أمامنا مائة وعشرة كيلومترات إلى دمنهور، ونحو ثلاثين أخرى إلى القرية، وثلاث ساعات نقطعها فيها.
فجعلت أدافع اليأس؛ ذلك أن الطريق إلى (بنها) واسع، ولكنه بعد ذلك يضيق، إلى قريب من طنطا، وسيزدحم بالجمال والأبقار والأغنام والدواب والسيارات، فسألت القوم: (هل ورد ذكر لدمنهور في الرهان؟).
فقالت أختي: (أظن. . . لا لا. . . لم يرد لها ذكر).
وقال زوجها: (أو ورد. . . . . . سيان. . . . . . . . . . . .).
فقاطعته ابنة عمه، وكانت معه على المقعد الخلفي وقالت:
لا، على التحقيق. . . كل ما اشترط هو الوصول إلى القرية الساعة السابعة صباحاً،
стр. 10116
والأسبق هو الفائز. . . . . . ولكن لماذا تسأل؟).
قلت: لأن هناك طريقاً أخصر. . . . . . من طنطا إلى دسوق مباشرة).
قالت: (وما الفرق؟).
قلت: (ثلاثون كيلو. . . مسافة لا يستهان بها. . . والطريق أضيق ولكنه معبد).
قالت: (وهل تظن أنه يجهل هذا الطريق؟).
فهبط قلبي من صدري إلى حذائي، ولي العذر، فإن قريبنا هذا - ومراهننا، وصاحب الضيعة وداعينا إليها - أبرع مني وأعرف بالسكك المؤدية إلى قريته، ولاشك أنه أهمل النص على دمنهور في الرهان عمداً، لظنه أني لا أعرف غير سكة دمنهور، ثم لا أشك أنه تلكأ وراءنا ليغافلنا في طنطا، ويميل هو إلى الطريق الأخصر. . . . . . . . .
وزاد الطين بلة أني أحسست ونحن ندخل بنها كأن قدمي قد شكت بمسمار محمي، فصرخت، ورفعت رجلي، واضطررت أن أميل بالسيارة إلى الرصيف.
وخلعت الحذاء وجعلت أنظر، وأتحسس قدمي وأفركها، فقالت أختي:
(ماذا جرى؟).
وقال أخوها: (هل أدلكها لك؟ كلا، لا بأس! إذن لم يبق إلا العلاج بالإيحاء. إسمع! متى قلت: (واحد) فإن عليك أن تفرغ رأسك من كل شيء - وهذا سهل جداً ولن يكلفك عناء - ومتى قلتُ: (اثنين) فأعتقد أن الألم الذي لا تحسه، ليس إلا وهماً. . . ومتى. . .).
فصحنا به نسكته، ولما انقطع اللغط قلت:
(طول الضغط فعل هذا. . . على كل حال لا أظنني أستطيع أن أسوق السيارة، فعليك أن تتفضل وتجلس في مكاني، وأمرنا إلى الله، وأرواحنا في وديعته، وعوضنا الله خيراً، فقد ذهب الرهان والأمل في كسبه).
فصاحت أختي: (ولكنه لا يحسن القيادة. . .).
قلت: (وما الحيلة؟ سأجلس إلى جانبه - وأرشده).
فقالت: بنت عمه: ولكنه سيقصر عمرنا. . .).
فقلت: (وماذا نصنع غير ذلك؟).
وقالت زوجته: (ولكني أخاف. . . أعني. . . إنه. . .).
стр. 10117
فقلت: (اطمئني. . . لا خوف عليه. . . ولا علينا، إذا كان هذا يعنيك).
فالتفت إلينا وقال:
(إن الذي فهمته هو أن هناك اقتراحاً منكم بأن تتمتعوا بقيادتي لهذه السيارة. . . حسن جداً. . . فلتبلغ الصحف، وليدع الشعراء).
فقلت: (إن المسألة لا تحتمل هذا المزح. . .).
وقالت أختي: لا تحتمله أبداً. . . عدني ألا تسرع. . . سر ببطء. . . على مهل. . . ولنصل بعد أسبوع. . . ماذا يهم؟ واحذر أن تسابق شيئاً. . .).
فقال: (لا تخافي يا نور عيني. . . إذا صادفت في طريقي سيارة فإني أعدك أن أعطل المحرك، وأذهب فأختبئ تحت شجرة).
ودخلت بينهما وقلت: (إن وعداً كهذا لا سبيل إليه، فإن علينا أن نصل إلى القرية في وقت معقول، إذا لم يكن علينا أن نكسب الرهان، ثم إني سأكون إلى جانبه وسأرشده، وسيكون هو السائق إسماً، فقط، فلا خوف.).
فالتفت إلينا، بعد أن قعد في مكاني وقال: ولكني أشترط أن يكون الإرشاد بلغة مفهومة، أما أن تصيح بي (الهوا) أو (اكسر). . . فلا يا صاحبي. . . قل كلاماً مفهوماً أطعك! ولا تقلد ذلك الذي علمني، وصاح فجأة: (حش. . . حش) فوثبت عن المقعد، ولم أدر ماذا أحوش، ووثب الرجل الذي دعاني معلمي أن أحوش السيارة عنه. . . وعلى ذكر ذلك أقول إني لم أر في حياتي أحداً يثب كما وثب ذاك الرجل يومئذ!).
فصاحت زوجته، وهي تنزل من السيارة: (إني لم أكن أعرف هذا الخبر، ويستحيل أن أدعك تسوق السيارة).
وقعدت على الرصيف.
وجعلت أنظر منها إليه، ومنه إلى بنت عمه، في صمت؛ ومضت دقائق كأنها الدهر طويلاً، مشيت بعدها إلى مقعد القيادة وقلت:
(إنزل من فضلك. . . فإنك مطرود) فنزل وهو يقول:
(ولكن رجلك. . . ثم إن هذا. . .).
قلت: (لا بأس، سأجرب على الأقل).
стр. 10118
فدنت منا بنت عمه ووضعت كفيها على كتفينا وقالت لي (ألا تدعني أسوق؟. . . ربما. . . استطعت. . .).
قلت: (حباً وكرامة، ولكن كيف يمكن؟ إنك. . .).
قالت: (لست جاهلة جداً. . . وسأحتاج إلى إرشادك. . . والطريق خال).
فقال: (نعم خال. . . جداً، إلا من البقر والجمال. . .).
وركبنا جميعاً، وقلت لها: (الآن ضعي ناقل السرعة في. . . برافو. . . أنقليه برفق. . . برافو جداً. . . أظن أنه يحسن التأني حتى تبعد عنا هذه السيارة).
فقالت: وهي تحول ناقل السرعة إلى المكان الثالث: (كلا أظن أن الأوفق أن نمر به).
ومرقت كالسهم بجانبه، فالتفت إليها متعجباً، فما كنا نعرف أن لها دراية بالسيارات أو خبرة بقيادتها، ونظرت إلى العداد فإذا هو يشير إلى الخمسين. . . فالستين، فرفعت عيني إليها، فألقيت على ثغرها ابتسامة فاتنة، وقالت وهي تخطف بالسيارة:
(أظن أن الأمل في الرهان لم يذهب. . . على كل حال (عبده) لا يزال وراءنا).
فقالت أختي: (وراءنا؟ من قال هذا؟ لقد مرق وأنتم واقفون. . . رأيته بعيني).
فعدنا إلى اليأس بعد أن كاد ينتعش الأمل، ولكن الفتاة قالت:
(هذا أحسن. . . خيراً صنع. . . وأنا الآن مطمئنة).
قلت: (ولكن كيف؟ أليس قد سبقنا؟).
قالت: (سترى. . . معنا الله).
وشارفنا طنطا، ولمحنا سيارة (عبده)، فتباطأت، وأبت أن تسبقه كما أشرت عليها؛ فلما صرنا في قلب المدينة، إغتنمْتُ فرصة الزحام، وتركْته يمضي في طريق، وضربت هي في طريق غيره، وأطلقت للسيارة العنان.
وقالت بعد أن خرجت إلى السكة الزراعية: (إنه يعتقد الآن أننا وراءه، واعتقاده هذا ربح لنا، وبقي أن يغلط ويأخذ طريق دمنهور).
فسألتها: (ولكن من أدراك أنه لم يسبقنا؟).
قالت: (كلا. . . إن طريقي أخصر جداً. . . كن واثقاً).
ومضينا على سكة دسوق، وكنا لا ننفك نلتفت وراءنا لعلنا نرى سيارة (عبده)، فلما طال
стр. 10119
ذلك علينا أيقنا أنه أخذ طريق دمنهور، فقد كان في وسعه أن يدركنا بسهولة.
وسكة دسوق ضيقة كما أسلفت، وكانت إلى هذا كثيرة الزحاليق، وكانت السيارة تتلوى على المواضع البليلة، كالحية، ولكن سائقتنا كانت حاذقة، فسكن روعنا جميعاً، ووسعنا أن نضحك ونمزح.
وقلت لها - همساً - (إني أحس غيرة. . . هنا) وأشرت لها إلى موضع القلب فابتسمت وقالت: (لماذا؟
قلت: (لأن على جبينك خصلة صغيرة جميلة يداعبها النسيم - أعني يقبلها - علناً وعلى مرأى منا جميعاً - وهذا. . . هذا. . . مخجل. . . فعسى ألا يُعديني بالجرأة).
فتكلفت الجد وقالت: (إذا فعلت، فسأمضي إلى هذه الترعة. . . مباشرة).
فهمست: (هش. . . لا تمزحي. . . إنها مسائل لا تحتمل المزح. . . ومن يدري؟؟ فقد تصيبك العدوى. . . ثم إنك لن تحسني التعبيس ما دام لك هذا المحيا الواضح الذي يضيئه الجمال، ويضحك فيه أيضاً).
فلوت مُوَجِّه السيارة بلا كلام فصاح ابن عمها:
(إلى أين بنا يا هذه؟).
قالت بابتسام: (إلى الترعة. . . إذا لم يسكت).
قال: (إذا كنت تريدين أن تستحمي فإن في البيت الذي نرجو أن نبلغه سالمين حماماً بديعاً، ولكن بغير ماء! على كل حال، أظن أن جارك مستعد أن يملأ لك الجرار، ويصبها عليك أيضاً).
قالت: (إذا وعد بأن يكون حسن السلوك. . .).
واستأنفنا السير بسرعة، ويطول بنا الحديث إذا أردت أن أسرد ما عانيناه من الغنم والبقر والجمال والسيارات؛ ولكن حادثاً واحداً وقع لنا لا أرى بداً من ذكره، ذلك أنا وقعنا في وحل عظيم، ولم يكن لنا مفر، ولا كان لنا مهرب، فقد كنا مقبلين بسرعة فإذا أمامنا - وإلى مسافة طويلة - ماء وطين ووحل شديد فارتطمنا فيه قبل أن ندرك ما حدث، وصارت العجلات تنزلق دائرة ولا تتقدم. فأوقفت المحرك وقالت:
(هل مع أحد منكم سيجارة؟)
стр. 10120
وأشعلتها، ونفخت دخانها ثم قالت:
(هذا أوان الحاجة إلى الرجال. . . فأخرجا، وابحثا عن قش تلقيانه تحت العجلات، أو اجرفا الطين أمامها وشقا لها طريقاً).
فقال ابن عمها: (هذا بديع. . . لقد تركت أظافري تطول لمثل هذا اليوم. . . قم بنا يا أخي).
ولكنا فعلنا غير ذلك، ودعونا أحد الفلاحين إلى معونتنا، فزعق فاجتمع حولنا نفر من الرجال والنساء، أعملوا أيديهم في الطين حتى رفعوه من طريقنا، فشكرنا لهم مروءتهم ومددنا لهم أيدينا بنقود، فأبوها كل الأباء؛ وقال الذي جمعهم: (عيب يا أفندي) فألححنا، فأصر على الأباء، وعلى أن هذا عيب، فكررنا له الشكر، وصافحناه ثم نظرنا في أيدينا فإذا كلها طين! فاستحيينا أن نقول شيئاً على مسمع منه.
بلغنا البيت قبل صاحبه وقبل الموعد المضروب بنحو ربع ساعة، وكان الفضل لهذه السائقة البارعة التي كنا نجهل أن هذه من مزاياها؛ ولما أقبل مضيفنا بعد دقائق قال له نسيبي:
(ليكن هذا درساً لك. . . هات الرهان).
قال: (ولكن من أين جئتم؟) ثم كأنما تذكر فرفع يده إلى جبينه وصاح: (ما أغباني!) فقال نسيبي: (تمام. . . اعرف نفسك. . . هكذا قال الحكماء. . . وهذا هو ربحك اليوم. . . وأولى أن تسأل كيف جئنا. . . حدثه يا هذا، فإن بي كسلاً بعد الذي تجشمته من متاعب القيادة).
فصحنا به منكرين هذا الكذب. . .
إبراهيم عبد القادر المازني
следующие страницы →