← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.

стр. 10116

والأسبق هو الفائز. . . . . . ولكن لماذا تسأل؟). قلت: لأن هناك طريقاً أخصر. . . . . . من طنطا إلى دسوق مباشرة). قالت: (وما الفرق؟). قلت: (ثلاثون كيلو. . . مسافة لا يستهان بها. . . والطريق أضيق ولكنه معبد). قالت: (وهل تظن أنه يجهل هذا الطريق؟). فهبط قلبي من صدري إلى حذائي، ولي العذر، فإن قريبنا هذا - ومراهننا، وصاحب الضيعة وداعينا إليها - أبرع مني وأعرف بالسكك المؤدية إلى قريته، ولاشك أنه أهمل النص على دمنهور في الرهان عمداً، لظنه أني لا أعرف غير سكة دمنهور، ثم لا أشك أنه تلكأ وراءنا ليغافلنا في طنطا، ويميل هو إلى الطريق الأخصر. . . . . . . . . وزاد الطين بلة أني أحسست ونحن ندخل بنها كأن قدمي قد شكت بمسمار محمي، فصرخت، ورفعت رجلي، واضطررت أن أميل بالسيارة إلى الرصيف. وخلعت الحذاء وجعلت أنظر، وأتحسس قدمي وأفركها، فقالت أختي: (ماذا جرى؟). وقال أخوها: (هل أدلكها لك؟ كلا، لا بأس! إذن لم يبق إلا العلاج بالإيحاء. إسمع! متى قلت: (واحد) فإن عليك أن تفرغ رأسك من كل شيء - وهذا سهل جداً ولن يكلفك عناء - ومتى قلتُ: (اثنين) فأعتقد أن الألم الذي لا تحسه، ليس إلا وهماً. . . ومتى. . .). فصحنا به نسكته، ولما انقطع اللغط قلت: (طول الضغط فعل هذا. . . على كل حال لا أظنني أستطيع أن أسوق السيارة، فعليك أن تتفضل وتجلس في مكاني، وأمرنا إلى الله، وأرواحنا في وديعته، وعوضنا الله خيراً، فقد ذهب الرهان والأمل في كسبه). فصاحت أختي: (ولكنه لا يحسن القيادة. . .). قلت: (وما الحيلة؟ سأجلس إلى جانبه - وأرشده). فقالت: بنت عمه: ولكنه سيقصر عمرنا. . .). فقلت: (وماذا نصنع غير ذلك؟). وقالت زوجته: (ولكني أخاف. . . أعني. . . إنه. . .).

стр. 10117

فقلت: (اطمئني. . . لا خوف عليه. . . ولا علينا، إذا كان هذا يعنيك). فالتفت إلينا وقال: (إن الذي فهمته هو أن هناك اقتراحاً منكم بأن تتمتعوا بقيادتي لهذه السيارة. . . حسن جداً. . . فلتبلغ الصحف، وليدع الشعراء). فقلت: (إن المسألة لا تحتمل هذا المزح. . .). وقالت أختي: لا تحتمله أبداً. . . عدني ألا تسرع. . . سر ببطء. . . على مهل. . . ولنصل بعد أسبوع. . . ماذا يهم؟ واحذر أن تسابق شيئاً. . .). فقال: (لا تخافي يا نور عيني. . . إذا صادفت في طريقي سيارة فإني أعدك أن أعطل المحرك، وأذهب فأختبئ تحت شجرة). ودخلت بينهما وقلت: (إن وعداً كهذا لا سبيل إليه، فإن علينا أن نصل إلى القرية في وقت معقول، إذا لم يكن علينا أن نكسب الرهان، ثم إني سأكون إلى جانبه وسأرشده، وسيكون هو السائق إسماً، فقط، فلا خوف.). فالتفت إلينا، بعد أن قعد في مكاني وقال: ولكني أشترط أن يكون الإرشاد بلغة مفهومة، أما أن تصيح بي (الهوا) أو (اكسر). . . فلا يا صاحبي. . . قل كلاماً مفهوماً أطعك! ولا تقلد ذلك الذي علمني، وصاح فجأة: (حش. . . حش) فوثبت عن المقعد، ولم أدر ماذا أحوش، ووثب الرجل الذي دعاني معلمي أن أحوش السيارة عنه. . . وعلى ذكر ذلك أقول إني لم أر في حياتي أحداً يثب كما وثب ذاك الرجل يومئذ!). فصاحت زوجته، وهي تنزل من السيارة: (إني لم أكن أعرف هذا الخبر، ويستحيل أن أدعك تسوق السيارة). وقعدت على الرصيف. وجعلت أنظر منها إليه، ومنه إلى بنت عمه، في صمت؛ ومضت دقائق كأنها الدهر طويلاً، مشيت بعدها إلى مقعد القيادة وقلت: (إنزل من فضلك. . . فإنك مطرود) فنزل وهو يقول: (ولكن رجلك. . . ثم إن هذا. . .). قلت: (لا بأس، سأجرب على الأقل).

стр. 10118

فدنت منا بنت عمه ووضعت كفيها على كتفينا وقالت لي (ألا تدعني أسوق؟. . . ربما. . . استطعت. . .). قلت: (حباً وكرامة، ولكن كيف يمكن؟ إنك. . .). قالت: (لست جاهلة جداً. . . وسأحتاج إلى إرشادك. . . والطريق خال). فقال: (نعم خال. . . جداً، إلا من البقر والجمال. . .). وركبنا جميعاً، وقلت لها: (الآن ضعي ناقل السرعة في. . . برافو. . . أنقليه برفق. . . برافو جداً. . . أظن أنه يحسن التأني حتى تبعد عنا هذه السيارة). فقالت: وهي تحول ناقل السرعة إلى المكان الثالث: (كلا أظن أن الأوفق أن نمر به). ومرقت كالسهم بجانبه، فالتفت إليها متعجباً، فما كنا نعرف أن لها دراية بالسيارات أو خبرة بقيادتها، ونظرت إلى العداد فإذا هو يشير إلى الخمسين. . . فالستين، فرفعت عيني إليها، فألقيت على ثغرها ابتسامة فاتنة، وقالت وهي تخطف بالسيارة: (أظن أن الأمل في الرهان لم يذهب. . . على كل حال (عبده) لا يزال وراءنا). فقالت أختي: (وراءنا؟ من قال هذا؟ لقد مرق وأنتم واقفون. . . رأيته بعيني). فعدنا إلى اليأس بعد أن كاد ينتعش الأمل، ولكن الفتاة قالت: (هذا أحسن. . . خيراً صنع. . . وأنا الآن مطمئنة). قلت: (ولكن كيف؟ أليس قد سبقنا؟). قالت: (سترى. . . معنا الله). وشارفنا طنطا، ولمحنا سيارة (عبده)، فتباطأت، وأبت أن تسبقه كما أشرت عليها؛ فلما صرنا في قلب المدينة، إغتنمْتُ فرصة الزحام، وتركْته يمضي في طريق، وضربت هي في طريق غيره، وأطلقت للسيارة العنان. وقالت بعد أن خرجت إلى السكة الزراعية: (إنه يعتقد الآن أننا وراءه، واعتقاده هذا ربح لنا، وبقي أن يغلط ويأخذ طريق دمنهور). فسألتها: (ولكن من أدراك أنه لم يسبقنا؟). قالت: (كلا. . . إن طريقي أخصر جداً. . . كن واثقاً). ومضينا على سكة دسوق، وكنا لا ننفك نلتفت وراءنا لعلنا نرى سيارة (عبده)، فلما طال

стр. 10119

ذلك علينا أيقنا أنه أخذ طريق دمنهور، فقد كان في وسعه أن يدركنا بسهولة. وسكة دسوق ضيقة كما أسلفت، وكانت إلى هذا كثيرة الزحاليق، وكانت السيارة تتلوى على المواضع البليلة، كالحية، ولكن سائقتنا كانت حاذقة، فسكن روعنا جميعاً، ووسعنا أن نضحك ونمزح. وقلت لها - همساً - (إني أحس غيرة. . . هنا) وأشرت لها إلى موضع القلب فابتسمت وقالت: (لماذا؟ قلت: (لأن على جبينك خصلة صغيرة جميلة يداعبها النسيم - أعني يقبلها - علناً وعلى مرأى منا جميعاً - وهذا. . . هذا. . . مخجل. . . فعسى ألا يُعديني بالجرأة). فتكلفت الجد وقالت: (إذا فعلت، فسأمضي إلى هذه الترعة. . . مباشرة). فهمست: (هش. . . لا تمزحي. . . إنها مسائل لا تحتمل المزح. . . ومن يدري؟؟ فقد تصيبك العدوى. . . ثم إنك لن تحسني التعبيس ما دام لك هذا المحيا الواضح الذي يضيئه الجمال، ويضحك فيه أيضاً). فلوت مُوَجِّه السيارة بلا كلام فصاح ابن عمها: (إلى أين بنا يا هذه؟). قالت بابتسام: (إلى الترعة. . . إذا لم يسكت). قال: (إذا كنت تريدين أن تستحمي فإن في البيت الذي نرجو أن نبلغه سالمين حماماً بديعاً، ولكن بغير ماء! على كل حال، أظن أن جارك مستعد أن يملأ لك الجرار، ويصبها عليك أيضاً). قالت: (إذا وعد بأن يكون حسن السلوك. . .). واستأنفنا السير بسرعة، ويطول بنا الحديث إذا أردت أن أسرد ما عانيناه من الغنم والبقر والجمال والسيارات؛ ولكن حادثاً واحداً وقع لنا لا أرى بداً من ذكره، ذلك أنا وقعنا في وحل عظيم، ولم يكن لنا مفر، ولا كان لنا مهرب، فقد كنا مقبلين بسرعة فإذا أمامنا - وإلى مسافة طويلة - ماء وطين ووحل شديد فارتطمنا فيه قبل أن ندرك ما حدث، وصارت العجلات تنزلق دائرة ولا تتقدم. فأوقفت المحرك وقالت: (هل مع أحد منكم سيجارة؟)

стр. 10120

وأشعلتها، ونفخت دخانها ثم قالت: (هذا أوان الحاجة إلى الرجال. . . فأخرجا، وابحثا عن قش تلقيانه تحت العجلات، أو اجرفا الطين أمامها وشقا لها طريقاً). فقال ابن عمها: (هذا بديع. . . لقد تركت أظافري تطول لمثل هذا اليوم. . . قم بنا يا أخي). ولكنا فعلنا غير ذلك، ودعونا أحد الفلاحين إلى معونتنا، فزعق فاجتمع حولنا نفر من الرجال والنساء، أعملوا أيديهم في الطين حتى رفعوه من طريقنا، فشكرنا لهم مروءتهم ومددنا لهم أيدينا بنقود، فأبوها كل الأباء؛ وقال الذي جمعهم: (عيب يا أفندي) فألححنا، فأصر على الأباء، وعلى أن هذا عيب، فكررنا له الشكر، وصافحناه ثم نظرنا في أيدينا فإذا كلها طين! فاستحيينا أن نقول شيئاً على مسمع منه. بلغنا البيت قبل صاحبه وقبل الموعد المضروب بنحو ربع ساعة، وكان الفضل لهذه السائقة البارعة التي كنا نجهل أن هذه من مزاياها؛ ولما أقبل مضيفنا بعد دقائق قال له نسيبي: (ليكن هذا درساً لك. . . هات الرهان). قال: (ولكن من أين جئتم؟) ثم كأنما تذكر فرفع يده إلى جبينه وصاح: (ما أغباني!) فقال نسيبي: (تمام. . . اعرف نفسك. . . هكذا قال الحكماء. . . وهذا هو ربحك اليوم. . . وأولى أن تسأل كيف جئنا. . . حدثه يا هذا، فإن بي كسلاً بعد الذي تجشمته من متاعب القيادة). فصحنا به منكرين هذا الكذب. . . إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 10121

حول السنيين والشيعة للأستاذ محمد بهجة البيطار قرأت ما كتبه العلامة الأستاذ أحمد أمين في الرسالة الغراء (عدد ١٢١) تحت عنوان (السنيون والشيعة) فرأيته يدعو إلى نبذ كلام الطاعنين من الفريقين، وإلى عقد مؤتمر للوحدة الإسلامية، يمهد له بالتماس وسائل الوفاق من الآن؛ ولعمري أن السنة والشيعة هما أكبر مظهر للمسلمين اليوم، وهم الموجودون لوراثة تلك الوحدة الدينية، وتجديد ذلك المجد الدارس علماً وديناً وأخلاقاً؛ وإن أضر شيء علينا هو هذه العصبية الموروثة، والعداوة الممقوتة، والتفرق الديني الذميم، (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء). أيها الشيعة الكرام: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أنتم تحبونها منا وهي تسرنا منكم، وهي أن نأخذ بأدب سيدنا علي وهديه، ونقف من محاربيه عند حدود أمره ونهيه، وإن لم تتجاوزا قوله ولا فعله، فأهل السنة معكم، وأنتم منهم وهم منكم، وها هي ذي أقواله وأعماله تعرض عليكم: لقد بايع الإمام علي للأمة الثلاثة من قبله، وتنازل ولده الحسن عن الخلافة لمعاوية من بعد، وأصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين طبقاً لما أخبر جده الصادق الأمين عليه وآله الطاهرين وصحبه الطيبين أفضل الصلاة والتسليم: في نهج البلاغة أن علياً ﵇ سئل عن الخوارج: أكفارٌ هم؟ قال من الكفر فروا؛ قيل: أفمنافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً، ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى؛ قيل فما هم؟ قال قوم بغوا علينا فقاتلونا وقاتلناهم. وفي نهج البلاغة أيضاً أنه ﵇ قال وقد سمع قوماً من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين: (إني لأكره أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر) أقول ومعلوم من حال أهل السنة أنهم يقصون ما جرى بين الصحابة (رض) ويصفون أعمالهم، ويذكرون حالهم، ويرون أن الحق في جانب عليّ ﵇، وأن محاربيه هم الفئة الباغية على الإمام الحق، وهم المخطئون في اجتهادهم، ولكنهم يؤولون التشاجر بينهم تأدباً واحتراماً لصحبتهم، وحفظاً لكرامتهم، وحسن بلائهم في نشر الدعوة الإسلامية، ويقولون: الكل ينشدون مصلحة الإسلام.

стр. 10122

أيها الأخوان الكرام: أليست الدعوة إلى عقد مؤتمر يعيد الوحدة الإسلامية على هذا الأساس الديني، السُّني العلَوي هو المطلوب ولا سيما في هذا الزمن العصيب؟ فنحن نعزز رأي الأستاذ الجليل أحمد أمين، ونرجو أن يعقد مؤتمر في الكنانة أو في دار السلام تزول به تلك الإحن، وتحول تلك المشاحنات إلى ما يعود على الأمة بالنفع العام من توحيد الكلمة، وتقوية الملة، وإنشاء دور العلم المشتركة، وإحياء ذكرى أئمة آل البيت ﵈ بتجديد هديهم وإصلاحهم. (دمشق) محمد بهجة البيطار

стр. 10123

أثر تشجيع الأمراء في الأدبين العربي والإنجليزي للأستاذ فخري أبو السعود نالت الآداب العربية من تشجيع الأمراء في مختلف العهود ما لم تكد تظفر به آداب أمة أخرى؛ ومن الأقوال المتواترة في كتب الأدب العربي وتاريخه أن ذلك التشجيع كان من أهم أسباب ازدهار الأدب، ولكن الحقيقة التي يراها المدقق أن ذلك التشجيع لم يكن له ذلك الأثر الطيب المعزوّ إليه، بل كان له في الأدب العربي أثر وخيم بعيد المدى. ذلك بأن الأمراء حين شجعوا الشعر وقربوا الشعراء وأغدقوا عليهم لم يقصدوا إلى تشجيع الفن لذاته أو إكرام أصحابه، وإنما كانت لهم غاياتهم الشخصية ومأربهم السياسية المعروفة، فكانوا يريدون من أولئك الشعراء التزكية وإعلاء الصيت ومناضلة أعدائهم والذب عن دعواهم في الملك والسيادة، ولذلك لم يطلبوا عندهم سوى فن واحد من فنون الشعر هو المدح، ولم نعلم عن أمير أجاز شاعراً لنبوغه في الوصف أو النسيب أو قول الحكمة وصرب الأمثال. فالشعر الذي شجعه الأمراء هو المدح دون غيره، وليس المدح بخير فنون الشعر ولا هو من الشعر على الإطلاق لمنْ طلب في الشعر تعبيراً عن شعور صادق قيم؛ وما كان المدح الذي أفشاه أولئك الأمراء في الشعر العربي إفشاء لا نظير له يحوي شعوراً صحيحاً ولا تفكيراً مستقيماً. إن أول خصائص الشعر الجيد صدوره عن دافع وجداني داخلي، وهذه صفة كانت تنقص شعر المدح الذي كان لا يصدر إلا عن دافع مادي هو صلة الممدوح، وإن لم يحسَّ الشاعر بحب له ولا إعجاب به، حتى ولو أضمر له البغض والإزدراء. فلا غرو، وقد فقد شعر المديح هذه الصفة الأساسية أن خالطه الكذب وأسرع إليه التهويل والمبالغة والتهافت والإسفاف والإحالة، وأغرى معالجيه بسد نقص الشعور بالتلاعب باللفظ واصطناع محسناته، وأولعهم بالسرقة من متقدميهم وتعَاوُر معانيهم توليداً وتخريجاً وابتذالاً، حتى لم تَعُدْ غاية قرض الشعر التعبير عن الشعور الصحيح - لأنه لم يكن هناك في الغالب شعور - بل عادت الغاية إبداء البراعة ومعارضة المتقدمين واستدرار أكبر الصلات.

стр. 10124

وشعر المديح استتبع ضرباً آخر من الشعر ليس أقل منه حطة في المرتبة وبعداً عن أغراض الشعر الصحيح، وهو الهجاء: لأن إرضاء الممدوح كان يستتبع ذم خصومه، ولأن المادح المخيَّب كان ينقلب في الغالب هاجياً مفحشاً لممدوحه أو للشاعر الذي زاحمه ونال الحظوة دونه، ولأن بعض الأمراء كان يشجع تراشُق الشعراء ببذيء القول شَغْلاً لأذهان الناس، وكان من ثمار هذه الخطة مقذعات جرير والفرزدق والأخطل. واستتبع شعر المديح ضرباً آخر من النظم بعيداً عن الشعر الصحيح والشعور المستقيم امتلأ أيضاً بأنواع الأغراب والإغراق والإسفاف، ذلك هو النسيب الاستهلالي الذي ألتزمه الشعراء المدَّاحون من أهل الحضر تشبها بالمداحين من الجاهليين وإمعاناً في تقليدهم. وكل هذه الرذائل التي تجمعتْ في شعر المديح - لخلوه من الدافع الوجداني والشعور الصادق - إنتقلت إلى ضروب القول الأخرى ففشت في الشعر كله عيوب التقليد والمبالغة والصناعة اللفظية ومحاولة إبداء البراعة. واسترقَّت هباتُ الأمراء - للأسف الشديد - رِقَابَ معظم أقطاب الشعر العربي، فلم ينزِّه شعرَهُ عن طلبها إلا القليل جداً ممن أبت لهم ذلك ظروف خاصة، كالشريف الرضي وأبي العلاء، وأضِيعَ جانبٌ من عبقريات أبي نواس والطائي والبحتري وابن الرومي والمتنبي وغيرهم من الفحول في نظم الأكاذيب والمفارقات طلباً لجوائز الأمراء، فكان من أقوال هؤلاء الفحول: تعود بسط الكف حتى لو أنه … ثناها لقبضٍ لم تطعه أنامله تكاد عطاياه يجن جنونها … إذا لم يعوذها بنغمة طالب وقد زعموا أن النجوم خوالد … ولو حاربته ناح فيها الثواكل وكشفن عن بَرَدٍ خشيتُ أذيبه … من حر أنفاسي فكنتُ الذائبا والمتأمل لهذه الأبيات يرى إلى أي حد من تفاهة المعاني وكذبها واستحالتها قد خرج المديح بالشعر وبفحول الشعر؛ بيد أن النُّقَّاد انساقوا في ذلك التيار، فعدُّوا هذا السفساف من غرر أولئك الشعراء وراحوا يقابلون بين هذه الأقوال ويفاضلون بين قائليها، والأديب الذي يريد من الشعر التعبير الصادق عن الشعور الصحيح لا يرى لأحدٍ من قائليها فضلاً بل يحذفها من عداد الشعر جملة.

стр. 10125

ولو أعرض أولئك الشعراء عن تلك السبيل وقَصَرُوا القول على بيان شعورهم الصحيح وأفكارهم الصادقة وتوفروا على الفن الذي حبتهم به الطبيعة جاعليه غاية لنفسه، إذن لربح الشعر العربي ربحاً جزيلاً ولَوَسَّعُوا من أغراضه وأوضاعه ورحّبوا من أطرافه وآفاقه. هذا أثر تشجيع الأمراء للشعر وصلتهم للشعراء: إدخالٌ لفارغ القول وكاذبه وسفسافه، وإزاغة للنظرة إلى الغرض منه، وتقييد لأغراضه ومذاهبه، وقعود بهمم رجاله عن استيفاء غاياته، وصرفٌ عن جِدِّ التفكير ونافعه؛ ولو أراد الأمراء بالشعر خيراً لكفُّوا عن رجاله صِلاتهم فطلب الشعراء الرزق من أبوابه التي يطلبه الناس منها، ونَّحوا الشعر عن المادة، وأبقوه كما يجب أن يبقى ترجمانا لمشاعر النفس ووصفاً لروائع الكون فجاء الأدب العربي أشد انطباعاً بطابع الصدق مما كان. لم يكن للأدب الإنجليزي - لحسن حظه - مثل هذا الاتصال الوثيق ببلاط الأمراء، ولم يتخذ حلية من حلي القصور وآلة من آلات السياسة إلا فترة وجيزة في أواخر القرن السابع عشر خالطه فيها الضعف والاستهتار والمجون وملاحاة، ثم كانت للأدباء بالنبلاء في بعض القرن الثامن عشر صلة، ولكن شتان بينهم وبين صلة من تقدم ذكرهم من الشعراء بالأمراء من العرب: كان الأديب يؤلف فيما عنَّ له ونال اهتمامه من موضوع ثم يهدي كتابه عند نشره إلى النبيل الذي يتولاه برعايته، وليس في هذا ضرر يقاس بالأضرار التي تقدم ذكرها في الأدب العربي. وقد نشأ منصب شاعر الملك في إنجلترا منذ زمان، ولكن الشعراء الذين شغلوه لم يتوفروا على الملوك توفر شعراء العربية، ولم يشغل المنصب من كبار الشعراء إلا القليل، وكان اختيارهم لملئه تقديراً صحيحاً لسالف جهودهم في عالم الأدب، ولم يكن ما قالوه بصفتهم شعراء الملك بخير ما قالوا، ولم يكن بالكثير، ولم تزل وظيفة شاعر الملك تتضاءل حتى صار المنصب إسمياً فخرياً لا أكثر. وقد جاء الأدب الإنجليزي لخلاصه من لوثة تشجيع الأمراء - أو بالأحرى تسخير الأمراء - وزلفى الأدباء إليهم حرَّ النزعة طليق الفكرة بعيد المرمى صادق التعبير، يعبر عن إحساسات الفرد ويترجم عن عواطف الجماعة، وانفسحت أمامه الآفاق إذ خلا من القيود، فتعددت أغراضه وتكاثرت أوضاعه، إذ كانت وجهته دائماً وجهة كل الفنون الرفيعة:

стр. 10126

التعبير الجميل عن شعور الإنسان الصحيح بروائع الحياة، بعيداً عن ذلك الغرض المادي الدخيل الذي تعثر الأدب العربي في قيوده طويلاً. فخري أبو السعود

стр. 10127

معركة عدوى للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي ثانياً - الأوربيون والأحباش وفي نهاية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر إحتك الفرنسيون بالأحباش على عهد ملكهم (ياسو الأول) الذي أرسل سفيراً حبشياً إلى بلاط الملك لويس الرابع عشر. وفي سنة ١٧٠٥ أرسل الفرنسيون المسيو رول سفيراً إلى الحبشة وتشجع الرهبان اليسوعيون الفرنسيون على الذهاب إلى بلاد الحبشة وأخذوا يحلون محل الرهبان اليسوعيين البرتغاليين. ولما مات ياسو الأول ثار الأهلون وقتلوا رجال السفارة الفرنسية، وأراد خلفه أن يحمي اليسوعيين فلم يوفق؛ وحدثت إضطرابات داخلية في المملكة استمرت مدة طويلة فاستفاد الصوماليون والغالا المسلمون من ذلك وهجموا بقوات كبيرة علة بلاد الحبشة فتوغلوا فيها وأمعنوا فيها قتلاً وتخريباً. والذي زاد الطين بلة أن الرهبان الكاثوليك أرادوا الاستفادة من هذه الاضطرابات وسعوا سعياً حثيثاً لاستمالة الأحباش إلى مذهبهم طالبين منهم أن يتركوا المذهب اليعقوبي. وفي سنة ١٨٣٨ إستولى رأس مقاطعة شوعا على العرش فأصبح ملكاً على البلاد وعقد معاهدة مع الفرنسيين. ثالثاً - علاقات الدول المستعمرة في سنة ١٨٥٥ استولى (عالي) أحد أغنياء الغالا على مملكة شوعا ونصَّب نفسه ملك ملوك الحبشة. ولم يوطد عالي حكمه فعلاً في البلاد فاستفاد صهره من الموقف فأصبح عاهلاً على جميع بلاد الحبشة باسم (تيودوروس الثاني) بعد أن استمال قبائل الغالا والأمحرة والتيجري إلى جانبه ونقل عاصمته إلى أنكوبار ولبس تاج الملك في القاعدة الدينية (أكسوم) أعلن ذلك على أوربة وغدا ملك ملوك الحبشة. ولم يكن تيودوروس من سلالة الملوك؛ وكان الملك الشرعي (هاتيلو ملكوت) ملك شوعا ووالد (ساهالا مريام) (منليك الثاني المنتظر) وتغلب تيودوروس على هذا الملك وعامله بإحسان.

стр. 10128

ومن الأمور الإصلاحية التي قام بها إلغاء المخصصات التي كان يتمتع بها الرؤوس بالإرث فلقي معارضة منهم واستطاع أن يقهرهم. وعاكسه الرهبان فتغلَّب عليهم، ولما علم بأن الرؤوس اجتمعوا في قصر خلسة ليدبروا ثورة عليه ذهب بنفسه إلى القصر المذكور وباغتهم وقتلهم جميعاً ما عدا الأمير الصغير (ساهالا مريام) الذي استطاع أن ينجو بنفسه فاراً. وفي دور الإضطراب كان ملوك الحبشة قد حرموا على الأجانب دخول بلاد الحبشة، بيد أن تيودوروس ألغى هذا التحريم زاعماً أن دخول الأجانب الحبشة يفيد أهل البلاد. فأرسل وفوداً إلى ملكة إنكلترا فكتوريا وإلى إمبراطور فرنسا نابليون الثالث وكلف هذا الأخير بتجديد المعاهدة المعقودة سنة ١٨٤٨. وكان البريطانيون قد أرسلوا قنصلاً إلى الحبشة إلا أنه قتل في الاضطراب الذي حدث في سنة ١٨٦٠. وفي سنة ١٨٦٢ أوفدت ملكة بريطانيا قنصلاً مع الهدايا، كما أن نابليون الثالث أيضاً أوفد قنصلاً. ولما رأى البريطانيون أن تيودوروس لقي مقاومة في الداخل وأن جيشه أخذ يضعف بالحروب المدبرة لم يميلوا إلى الاعتماد عليه، لذلك لما أراد إرسال سفير إلى إنكلترا لم يلب طلبه فضلاً عن أن القناصل البريطانيين أخذوا لا يعبأون به. واشترى الفرنسيون جزائر دسس وزولا في سنة ١٨٥٩ وميناء عبق في سنة ١٨٦٢ وجعلوها قاعدة لتموين بواخرهم بالفحم، وأرادوا تيودوروس أن يرسل سفيراً إلى فرنسا فلم يتلق جواباً من إمبراطورها. ولما اطلع على مخابرات القناصل إغتاظ من الأوربيين جميعاً وحبسهم في قلعة (مجدلة). فأرسل البريطانيون في سنة ١٨٦٤ وفداً برآسة السر هرمز رسام ليطلق سراح الأجانب، إلا أن تيودوروس امتنع وحبس رئيس الوفد أيضاً؛ فلما رأى البريطانيون ذلك وسَّطوا الخديو إسماعيل باشا فأرسل كتاباً إلى ملك الحبشة ولكنه لم يتلق جواباً عنه. . وفي سنة ١٨٦٦ ترك العثمانيون ميناءي مصوع وسواكن لخديو مصر فأصبحتا بعد ذلك من الممتلكات المصرية، وأضاف المصريون إليهما منطقة زولا أيضاً. واستفاد البريطانيون من هذا الحادث فقرروا الحملة على الحبشة فجهزوا جيشاً في بمبي

стр. 10129

بقيادة السير روبرت نابر بقوة (١٦ , ٠٠٠) جندي وأنزلوها في زولا. وساعد الخديو البريطانيين في هذه الحركة وأمر محافظ مصوع بالمساعدة، كما أنه كلف أسطوله في البحر الأحمر بأن يكون بجانب البريطانيين وأمدهم بالسفن النقلية، وقوى البريطانيون هذا الجيش بجنود أهليين وجهزوه بالوسائط النقلية فبلغت قوته (٤٠ , ٠٠٠) جندي. ومال بعض رؤوس الأحباش إلى جانب البريطانيين فلم يساعدوا ملكهم على القتال وامتنع رأس شوعا من إرسال الجند. أما رأس تيجري فاتفق مع البريطانيين الذين طمأنوه قائلين له إنهم لا يقصدون الإستيلاء على الحبشة و؟ إنما جل ما يريدونه خلع تيودوروس وتنصيب رأس تيجري بدلاً منه وأنهم سوف ينسحبون بعد ذلك. وساعد هذا الاتفاق على حركة الجيش فتقدم من طريق (سنافة - أدجرات - مكالو - انتالو) ووصل إلى أمام حصون مجدلة؛ ولما حبطت مساعي تيودوروس لاستمالة الرؤوس إلى جانبه التجأ إلى حصون مجدلة ولم يكن لديه سوى ٧٠٠٠ جندي وستة وعشرين مدفعاً. وفي ١٣ نيسان سنة ١٨٥٨ احتل البريطانيون حصون مجدلة واستمر تيودوروس على المقاومة في آخر حصن، ولما تيقن من أن المقاومة لا تجدي نفعاً مات منتحراً. فأخذ البريطانيون تاج تيودوروس ومعطفه الملكي وحفظوهما في المتحف البريطاني في إنكلترا، وأعادوهما إلى الرأس تفري لما زار إنكلترا في سنة ١٩٢٤. وانسحب الجيش البريطاني بعد أن أطلق سراح الأسرى الأجانب وأخذ معه ابن تيودوروس رهينة خشية أن ينتقم لأبيه وأرسله إلى إنكلترا فمات فيها. وفي الملاقاة التي تمت بين قائد الجيش البريطاني ورأس تيجري أهدى السير روبرت نابر ٩٠٠ بندقية إلى الرأس مكافأة له على صداقته. بعد أن بقي هذا الأمير في الأسر سبع سنوات هرب من منفاه، وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، ودخل مملكة أبيه شوعا. وبعد حادثة مجدلة أعلن استقلاله فحذا حذوه رأس أمحرة، واستقل الغالا ببلادهم وأخذوا يغيرون على بلاد الحبشة الداخلية جرياً على عاداتهم. وهكذا تجزأت المملكة الحبشية التي استطاع تيودوروس أن يجمع كلمتها ويؤلف منها مملكة كبيرة في مدة قصيرة. أراد رأس تيجري كاسيا أن يملك البلاد ويوحدها فتحرك على رأس جيشه البالغ ١٢ ,

стр. 10130

٠٠٠ جندي فتغلب في عدوى على جيش رأس أمحرة البالغ ٨٠ , ٠٠٠ بفضل البنادق التي أخذها من البريطانيين. وفي سنة ١٨٧٢ أعلن نفسه إمبراطوراً على الحبشة باسم (يوحانس السادس) وبعد اثنتي عشرة سنة تفاهم مع رأس شوعا وزوج ابنه من ابنته. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح ساهالا مريام حاكماً على مقاطعة شوعا وجميع بلاد غالا، وذلك ما ساعده بعد ذلك على توحيد المملكة والقبض عليها بيد من حديد فاعترفت باستقلالها الدول الإستعمارية مرغمة. رابعاً - المصريون والأحباش وبعد تتويج يوحانس في أكسوم شرع الخديو إسماعيل باشا في التأهب للزحف على الحبشة جاعلاً سواكن ومصوع قاعدتين لحركته. ولعله كان يطمع في ضم مقاطعة هرر التي يكثر فيها المسلمون إلى أملاكه والاستيلاء على منابع النيل الأزرق، أو أنه فكر في أن توسع الحبشة وتقوية جيشها مما يضر بمصالح المصريين ويجعل بلاد السودان معرضة للغارات، أو أن الدول الطامعة في بلاد مصر أرادت أن تشغل الجيش المصري القوي بالفتوح في الحبشة وتقضي عليه بالتدرج، ويجوز أن رغبة الخديو الشخصية كانت ترمي إلى التوسع. والظاهر من مجرى الأحوال أن توجيه المصريين أنظارهم إلى الحبشة قربت النكبة التي أصابت المصريين بعد ذلك. ولا شك في أن تجهيز الجيوش وإرسالها على التعاقب مما أحرج الموقف المالي الذي ساء من جراء بذخ إسماعيل باشا. وفي سنة ١٨٧٢ أنزل المصريون جيشهم إلى سواحل الصومال في زيلع، وتقدموا نحو مقاطعة هرر، ودخلوا شوعا، إلا أن الرأس ساهالا مريام أجلى الجيش المصري عنها وقضى عليه بالقرب من بحيرة (أوسة). وفي سنة ١٨٧٤ احتل المصريون هرر وأنزلو جيشاً بقوة ١٤ , ٠٠٠ في مصوع، فتقدم نحو عدوى، فتظاهر رأس تيجري في بادئ الأمر بالولاء له، وفي ليلة ظلماء باغته من كل جهة وقضى عليه، فلم يفلت منه إلا النزر القليل. وفي سنة ١٨٧٦ أراد الخديو أن ينتقم من الأحباش، فجهز جيشاً بقوة ٢٠ , ٠٠٠، وناط قيادته بابنه الأمير حسين باشا وأنزله في مصوع؛ ولما تقدم قابله الأحباش بقوة ٢٠٠ ,

стр. 10131

٠٠٠ جندي، وفي المعركة التي نشبت في جرة إنكسر الجيش المصري بعد أن خسر ١٣ , ٠٠٠ رجل، فوقع الأمير حسين باشا في الأسر مع هيئة أركانه، ولم يخل الأحباش سبيلهم إلا مقابل فدية من المال. والغريب في هذه الحركات أن الأجانب كانوا يتولون قيادة الجيش كأن المصريين من أهل البلاد لا يستطيعون القيادة، بينما التاريخ يشهد لهم ببراعتهم في ذلك، فالجيش الأول كان قائده موزنجر باشا، وكان يقود الجيش الثاني ضابط دنمركي الأصل، أما رئيس أركان الجيش الثالث وأركانه فكانوا أميركيين. وفي الوقت ذاته كان المسلمون في السودان بقيادة المهدي يهاجمون الحبشة من الشمال، فدخلوا جوندار وأحرقوها، وكان من أمر ذلك أن أرغم يوحانس المسلمين القانطين في الحبشة على الخروج منها، وأدى ذلك إلى هجرة كثير من المسلمين من الحبشة بعد أن كانوا متنعمين فيها، فتشتتوا هنا وهناك؛ أما الذين بقوا فيها فاضطهدهم الأحباش حتى اضطر بعضهم إلى التنصر، ولو لم ينزل الطليان إلى الساحة الإستعمارية في بلاد الحبشة لظل المسلمون مضطهدين، إلا أن محاولة الطليان التوغل في بلاد الحبشة اضطرت ملوك الحبشة إلى التساهل مع المسلمين تمهيداً لتوحيد المساعي إزاء هذا العدو الجديد. وبعد أن احتل البريطانيون أرض مصر لم يتدخلوا في الحروب التي وقعت بين السودانيين والأحباش. ولكي ينتقم يوحانس لوقعة جوندار جهز جيشاً كبيراً وتقدم على رأسه نحو قوات المهدي، وفي المعركة التي وقعت في متمة ١٣ آذار أواخر (مارس) سنة ١٨٨٩ وقع جريحاً ومات فانكسر جيشه. والحقيقة أن قيام المهدي وبسط نفوذه على السودان وانتصاره على الأحباش جعل البريطانيين يفكرون في العاقبة، لأن القوات البريطانية والمصرية وحدها لم تكن كافية للتغلب عليه. ولعل نزول الطليان إلى الساحة كان بتشويق من البريطانيين للتغلب على المهدي من جهة ولمشاغلة الحبشة بقوات جديدة من جهة أخرى لكيلا تسيطر دولة قوية على مياه النيل فتهدد مصالح البريطانيين المتوقعة في السودان. (يتبع)

стр. 10132

طه الهاشمي

стр. 10133

مذاهب الفلسفة المذهب الطبيعي للأستاذ زكي نجيب محمود هو ضرب من ضروب الفكر ونحو من أنحاء النظر، لا يذهب في بحثه وراء حجب الطبيعة وأستارها، بل يحصر نفسه في نطاق الطبيعة وحدها، يتقصى بالنظر ما شاء من وجوهها، ثم يقنع بهذا فلا يعدوه قيد أنملة. عنده أن الحقيقة التي لا حقيقة بعدها هي هذه الطبيعة التي تراها بعينك وتلمسها بيديك، وهي هذه الأرض وتلك السماء وما بينهما من أحياء وأشياء؛ أما أن تبعثك الطُّلَعة فتحاول أن تنفذ ببصرك إلى ما وراء ذلك، زاعماً أن ما تدركه الحواس عبث باطل، وأن الحقيقة الخالدة هي شيء مستور وراء هذه الحجب الصفيقة، فخداع وجهل في رأي هذا المذهب، إذ يرى أشياعه أن الطبيعة لا تبطن شيئاً وتظهر شيئاً آخر، بل هاهي ذي قد عرضت بضاعتها لمن شاء تحت السمع والبصر، وهي تسير وفقاً لقانون صارم جازم لا يشذ ولا يلين، فهو يسيطر بقوته على الكون بكل ما يحوي بين دفتيه؛ ثم ينهانا أتباع هذا المذهب أن نلقي بالا إلى ما قد يزعمه الزاعمون أن هنالك فوق الطبيعة حقيقة خالدة يدركها الفكر وتقصر عن إدراكها الحواس، فهم لا يصدقون أن يكون ثمت غير ما نرى أو أن يكون في الطبيعة شيء لا يخضع لقانونها خضوع الجماد الصامت، ولا يستثنون من قاعدتهم الإنسان بكل ما فيه من حياة وفكر وخيال لأنه في رأيهم هباءة في يد الطبيعة تطوح بها يمنة أو يسرة كيف شاء لها قانونها الجبار، وإن الإنسان ليخدع نفسه حين يوهمها أنها أرفع من الجماد منزلة وأسمى مقاماً؛ فإن اعترضت على رجال المذهب الطبيعي بأن قانون الطبيعة لا يفسر كل شيء، وأن هنالك آلافاً من الحقائق التي تنتظر الشرح والتعليل أجابوك أن ذلك رهين بالعلم وحده. فلن يفتأ العلم يجد في كشفها ويسعى، ولن تزال هي تبدو في ضوئه واحدة في إثر واحدة. وينقسم المذهب الطبيعي إلى شعب تتعدد بتعدد إدراك الإنسان لماهية المادة التي تملأ الكون؛ فإن رأيتَ أن قِوام الطبيعة ذرات مادية تتحرك في المكان، وأن كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة لا تعدو أن تكون مجموعة متراكمة من تلك الذرات فذلك هو المذهب المادي؛ وإن اعتبرت المادة نفسها ضرباً من ضروب الطاقة والقوة، فذلك هو المذهب

стр. 10134

الطاقي وأما إذا غضضت البصر عن أصل المادة الأول، ونظرت إلى الحقائق كما هي، مرتبطاً بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول، فذلك هو ما يسمى بالمذهب الوضعي. . . وكثيراً ما يطلق اسم (المادية) على هذه الشعوب كلها. لأنها مهما اختلفت فهي لم تزد على أن تناولت ظواهر الطبيعة المادية بالشرح والتعليل. وإن هذا المذهب الطبيعي ليبلغ أقصى قوته حينما يقف موقف الإنكار والرفض بإزاء ما يتعلق به الإنسان من صنوف العقائد وضروب الخيال، فهو لا يتردد في أن يتناول الأديان بكفه الباردة فيسحقها بين أنامله، لأنه لا يرضيه أن ينظر إلى الأشياء والحقائق نظرة مجردة عارية من كل ما ألبسها الإنسان من زخرف العقيدة وطلاء الخيال، فبقذفه واحدة ألقى في اليم كل ما أنتج الفكر البشري من آراء عن عالم الغيب المجهول، ولعله بذلك قد كفى نفسه مؤونة البحث في هذا المطلب الشاق العسير. وما دام هذا المذهب الفلسفي قد رفض عالم الغيب رفضاً قاطعاً، فهو إذن لا يعترف بالله إلا أن يكون ذلك هو الطبيعة نفسها، أو الإنسانية، أو ما شئت من ظواهر الكون المحسوس؛ وهو كذلك لا يقر الخلود إلا إذا قُصد به آثار الإنسان الخالدة وظهوره في أعقابه وما إلى ذلك من ضروب البقاء؛ أما أن يذهب الظن بالإنسان أنه باق بعد الحياة بقاء روحانياً فوهم خاطئ في رأي هذا المذهب، إذ ما بقاؤه وهذا جسده قد تبدد أشتاتاً فكان منه الشجر والحجر؟ ستقول إنه باق بروحه دون جسده، ولكن ما هو ذلك الروح؟ أهو جزء من الطبيعة أو عنصر شاذ لا يستقيم مع مادتها ولا يخضع لقانونها؟ اللهم أن كان هذا فلا روح، لأنه ليس في الطبيعة إلا الطبيعة نفسها! وهذه الطبيعة تسير وفق سنن معروفة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فلكل ظاهرة من ظواهرها أسباب لا بد أن تنتج مسبباتها، دون أن تحول بينها وبين ذلك معجزة أو خارقة، ودون أن يكون في مقدور الإنسان أن يغير من مجراها بما يزعم لنفسه من إرادة حرة، فليس الإنسان حراً فيما يفعل وفيما يترك، إنما هو آلة مجبرة على السير في طريق رسمتها له الطبيعة كما رسمتها للأنهار والأشجار والأحجار والكواكب وسائر ألوان الجماد. ولكن الإنسان المغرور كثيرا ما يلقي في روع نفسه أنه حر التصرف برغم أنف الطبيعة، فيقول مثلاً: إني لم أقرر بعد ماذا أصنع في كذا وكذا، ونسي المسكين أن مجموعة الذرات التي تتكون

стр. 10135

منها مادته قد قررت له ما يصنع - جهل بذلك أو علم - ولم تكن فيما قررت بمعزل عن سائر الكون، بل اشتركت في تقريره مع العالم كله، مع الطبيعة بأسرها. فخفف من غلوائك أيها الإنسان، واعلم أنك لا بد فاعل ما أريد لك أن تفعله، إذ ليس لك عن فعله منصرف ولا محيص. ومن منا لا يلوي شفتيه من الغضب، كلا، بل من ذا الذي لا يبتسم ساخراً من هذا المذهب الذي يريد أن ينتزع من الإنسان أعز جوانبه وأنفس عناصره؟ إنه يريد أن يسلبه إرادته فإذا هو صخرة تتحدر من قمة الحياة إلى واديها مدفوعة بقوة القانون! وليس له أن يقف حيث شاء ولا أن يسلك من السبل ما يشاء! كيف أكون مكتوف الإرادة وهأنذا أحب هذا فأعمله وأكره ذلك فأتركه؟ فبماذا تسمي هذا إن لم يكن إرادة حرة مطلقة التصرف؟ ولكن هاك ما يجيبنا به (سبنسر): نعم إنك تعمل ما تحب وتترك ما لا تحب، ولكن هل علمت أنك لا تحب إلا ما رغبت فيه الطبيعة؟ أن مولاتك الطبيعة قد حببتك فيما تراه هي صالحاً لسيرها، ونفَّرتك مما رأته مضراً بها معطلاً لها عن المضي في سبيلها. فما أحببت أن تعمله إن هو إلا ما أرادتك الطبيعة على حبه: (إنك تستطيع أن تعمل كما تحب، ولكنك لا تستطيع أن تحب كما تحب). فاختيارك هذا الشيء ورفضك ذاك، هو الوسيلة التي تتخذها الطبيعة لتنفيذها إرادتها في سلوك الإنسان. وأين المفر من الطبيعة وهي لا تني تذكرنا بما لها علينا من نفوذ وسلطان؟ فطر بالخيال إلى حيث شئت، فأنت مضطر آخر الأمر أن تنزل في معمعان الحياة لكي تضعك بين مطرقة الحقائق الواقعة وسندانها، تنظمك في سلكها، ولا تخلي بينك وبين خيالك! تحدَّ الطبيعة ما استطعت إلى تحديها من سبيل، وسترى نفسك بعد حين قصير مرغماً على التسليم والخضوع، وإلا فماذا أنت صانع أمام غائلة الجوع سوى أن تقتات بما يقيم الأود؛ ثم ماذا أنت صانع إذا أضناك الإجهاد وأعياك العمل إلا أن تسلم بضرورة النعاس؟ ثم ماذا تجدي إرادتك مهما بلغت قوتها أمام الموت إذا دنا الأجل؟ فالطعام والشراب والنوم والموت إعتراف متواصل بخضوع الإنسان لضرورات الطبيعية مهما يكن طاغياً جباراً. وكأني بالعلوم جميعها تناصر هذا المذهب وتؤيده، وتكاد تضطر العقل اضطرارا إلى اليقين بأن ما يقع في الطبيعة من أحداث مهما اختلف لونها وتباين شكلها خاضع للعلم وقوانينه

стр. 10136

التي تضرب بنفوذها على أطراف الكون فلا تدع جمالاً ينفذ إليه شيء من القوة المزعومة فيما وراء الطبيعة. وإن احتججت على العلم بأنه مبالغ في شأن نفسه مسرف في تقدير عمله، وأنه لا يزال قاصراً عن إدراك الحقائق كلها، فكيف يحق له أن ينكر شيئاً قد يكون جزءاً مما لم يدركه بعد؟ نقول إن احتججت على العلم بهذا أجابك في يقين ثابت، وكله أمل ورجاء: هأنذا أسير وأتقدم، ويستحيل ألا يؤدي هذا السير المطرد إلى حل ألغاز الكون كلها، ولا بد لي أن أصل يوماً إلى غاية الطريق، فإن لم يكن ذلك بعد حين قريب فامتداد الزمن كفيل بكل شيء، وإن العلم ليتمسك بتطبيق قانون (العلة الواحدة) الذي صاغه (وليام أوكام)، والذي مؤداه أن ما أمكن تعليله بعلة ما لا يجوز تعليله بعلة أخرى. وبناء على هذا القانون لا ينبغي أن نضيف إلى الظواهر الطبيعية التي أمكن تعليلها بقوانين العلم عللاً أخرى مما وراء الطبيعة، فإن تمكن العلم أن يتتبع حقائق الكون بالتفسير واحدة فواحدة وجب حتماً ألا نتردد في إنكار كل قوة أخرى. ولكن إذا كان أنصار هذا المذهب يريدون أن يحتكموا إلى العلم في كل شيء، وأن يفسروا به كل ظاهرة من ظاهر الوجود، فماذا هم قائلون في تعليل ظاهرتي الحياة والعقل اللتين تبدوان كأنهما شاذتان نابيتان لا تخضعان لقوانين الطبيعة التي تنتظم الجماد؟ وأين الجماد من الحياة المتوثبة والعقل المفكر؟ إنه إن صح مذهبهم للزم أن تكون الحياة قد تفرعت من الجماد الذي لا حياة فيه، ويستحيل أن يتفرع شيء من أصل لا يحتويه! إنك تستطيع أن تعلل بالعلم كل ما هو آلي رتيب، ولكن كيف بالحياة عامة والعقل بنوع خاص، وبينهما وبين الجماد الآلي من مسافة الخلف ما يكاد يجعلهما ضدين نقيضين؟ إن للكائنات الحية طابعاً يميزها عن الجماد تمييزاً واضحاً، ولعل خير ما يوضح ذلك الطابع المميز هو كلمة (بنفسها). فالكائن الحي يبني نفسه بنفسه، ويصلح عطبه بنفسه، ويدبر أمره بنفسه، ويعمل على حفظ بقائه بنفسه؛ نعم هنالك آلات تطعم نفسها ولكنها لا تنمو بما تطعم، وهنالك آلات تكتب من تلقاء نفسها، وسابحات في الماء تقود نفسها، ولكن هذه جميعاً لا تصلح لنفسها ما يصيبها من عطب، ولا تستطيع أن تلائم بين دخيلة نفسها وبين الظروف الخارجية المحيطة بها كما يفعل الكائن الحي؛ وليس بين الآلات أو صنوف الجماد ما ينشئ في باطنه نواة في مقدورها أن تنمو إلى ما يشبه الأصل الذي تفرعت منه،

стр. 10137

ثم يكون فيها بدورها قوة إنشاء نواة أخرى تعيد تاريخها وهكذا. . . . وأجدر من هذا كله بالذكر من خصائص الحياة التي تنفرد بها وتتميز عن الجماد هو أن الحياة في كل فرد من الأحياء لا تحصر عملها في حدود هذا الفرد الذي هي حالة فيه، بل يمتد نطاقها حتى يشمل النوع بأسره، أعني أن الحياة في كل فرد لا تكتفي بحفظ بقائها هي، بل تعمل على حفظ النوع كله. تلك هي خصائص الحياة؛ أما العقل فطابعه الذي يميزه هو علمه بالنفع والضرر، وهما ما نسميهما باللذة والألم؛ فكل الكائنات الشاعرة تعرف ما ينفعها فتقبل عليه وما يضرها فتنفر منه، هذا عما لها من قوة التفكير التي تستطيع بها أن تكون آراء عن الأشياء الخارجية ثم اتخاذ تلك الآراء وسيلة إلى فهم حقائق تلك الأشياء والوصول إلى ما يسيرها من قوانين وما تقصد إليه من أغراض. (يتبع) زكي نجيب محمود

стр. 10138

الذكرى الرابعة لشاعر البادية الشيخ محمد عبد المطلب للأستاذ فايد العمروسي الذكرى لا تتسع لدراسة أو تحليل، وحسبها أن تكون للقراء خاطرة وفاء، ونفحة تقدير؛ وعبد المطلب أحد شعراء العربية الذين خلفوا لنا تراثا ممتازاً يضاف إلى تراثي المرحومين (شوقي) و (حافظ)؛ غير أن هذا الرجل عاش مغبوناً، ومات مغبوناً، شأنه شأن (حافظ) بعد موته، فلم يفز ديوانهما بما كان ينبغي من عناية وتقدير، اللهم إلا مقالات كتبها كاتب هذه الكلمة في جريدة البلاغ بعد صدور الديوان في الجو الأدبي، وليس هذا بكاف في تقدير الأدباء للشعر، وخاصة لأعلامه وفحوله النابغين. والناظر إلى عبد المطلب لا يعرفه في ديوانه فحسب، لأنه ديوان ذو روح خاص، واتجاه صبغته الصنعة في أكثر مقاصده من فخر وحماسة وشكر ومديح وغزل ونسيب. . الخ وهذه ظواهر ما كان له أن يتخلى عنها وأن حاول، وما كان للفترة التي عاش فيها غير هذه المقاصد الشعرية تمشياً مع ميول الحياة التي ترغم الشاعر أن يتلون بلونها، والتي تكوِّن العناصر الأولى لفكره وخياله! وقد كان ﵀ شخصية عربية صميمة، تنبئ مظاهره الخلقية أنه من سكان نجد أو الحجاز، في ضآلة من الجسم، وقليل من القصر المتزن، تنطوي هذه الضآلة على قوة الأسد في عرينه، تبدو بها عيناه الواسعتان البراقتان اللتان تفيضان قوة وثقة واعتزاز؛ وكان ذا نفس أبيّة، وضمير حي، وشعور متقد، وإحساس صادق، يهيج لأتفه أسباب الخلاعة أو اللهو، فينفجر بأشد ما تكون الخلاعة قسوة وإيلاماً؛ وكان رجلاً بأسمى ما تكون الرجولة صفاء ونبلاً، رجلاً جم العطف، وافر الرحمة فياض الحنان. ولقد رأيته ﵀ أكثر من مرة يسكب الدمع من عينيه لأمور لا تهيج عواطف الناس، ولكنها تهيج ذوي النفوس السامية، والإحساس المرهف القوي. وشخصيته على ما كان فيها من خشونة البداوة كانت تذوب رقة وحناناً، وتفيض عطفاً ووداعة؛ وديوانه حافل بصور من هذه العاطفة التي فتشت في نواحي المجتمع المصري فعالجته بأثمن النصائح وأغلى الحِكم؛ وكم ودَّ تطهير النفوس، وتهذيب الوجدان، وصقل الإدراك؛ وكم ودَّ الرقي بالإنسان إلى درجات العفة والصفاء. وما أشبه الثلاثة بعضهم

стр. 10139

ببعض: (حافظ والمنفلوطي وعبد المطلب) في هذا المجهود! فترى الأخير يصف أسرة يتيمة بقطع من نفسه، وذوب من فؤاده، في قصيدته العصماء التي استهلها بقوله: أسألت باكية الدياجي ما لها … أرقت فأرقت النجوم حيالها باتت تكفكف بالوقار مدامعها … غلب الأسى عبراتها فأسالها وفيها يقول: ببعض: (حافظ والمنفلوطي وعبد المطلب) في هذا المجهود! فترى الأخير يصف أسرة يتيمة بقطع من نفسه، وذوب من فؤاده، في قصيدته العصماء التي استهلها بقوله: أسألت باكية الدياجي ما لها … أرقت فأرقت النجوم حيالها باتت تكفكف بالوقار مدامعها … غلب الأسى عبراتها فأسالها وفيها يقول: حتى إذا رقد الأسى بجفونها … وهفا النعاس برأسها فأمالها خلب الطوى أحشاءها فتفزعت … حيرى تعاني سهدها وملالها وله وطنيات حارة، ووصف رائع لمشاهد القومية المصرية، وله علويته المشهورة التي أنشدها على (جمل) متشبهاً بالشعراء في (عكاظ). والشاعر على ما أعتقد ليس إنتاجاً من قصائد عريضة طويلة، تطن بالرصانة، وترن بجودة السبك والإيجاد، وإنما هو نفس قبل كل شيء، وشعور يصدق فيما يحس أو يشاهد، شعور يمتزج بالمظاهر فيصير جزءاً منها أو تصير هي مزيجاً منه، لا يتخللها التفريق، ولا تحتوي هذه المواهب إلا النفوس الممتازة التي لا تتفتح في دائرة ضيقة محدودة، ولا تحيط في نظرها السطحي من الكائنات. وعبد المطلب كان هذه النفس التي تضيق بما فيها من عوالم تائهة، فتنبعث على الكون طائفة سابحة، تستشعر ما فيه من جمال فتطرب، وتحس ما فيه من آلام فتألم؛ نفس خلقت لغيرها فنال منها كل شيء، وهي لم تنل من شيء أي شيء؛ وروح قسمته العاطفة، ومزقته الرحمة، فراح يوزع فيه كأنه نهب مستباح، وهو إلى ذلك مطمئن الخاطر هادئ البال. . . وإنه شخصية ممتازة في جوهرها، قبل أن تكون ممتازة في شعرها وصنعتها؛ وكم من قائل إن عبد المطلب قديم في شعره، قديم في عاطفته، جاهلي في جميع نواحيه؛ ولست أدري كيف تكون العاطفة قديمة، وهي شعور إنساني لا يتغير في ذاته وجوهره، وإن تغير في اتجاهاته وميوله، فالشعور الذي يتجه إلى الألم فيستعذبه، وإلى الدمع فيسكبه، هو الشعور الذي تطربه المسرات، ويثمله النعيم، إلا أن انفعالات الشعور الأول من نوع فاتر حزين، وانفعالات الشعور الثاني من نوع متفتح مرح، وكلا الشعورين له قيمته وخطره؛ فالشعور بالألم يكون معظم عناصر الحياة، كما أن الشعور بالنعيم يمس طبيعتها الأولى وحقيقتها الواقعة، وهما شعوران تخلقهما في النفوس

стр. 10140

طبيعة الحياة التي تحياها. فليس في عبد المطلب قديم، إذ ليس هناك قديم أو جديد في الأدب، فهو فن والفن لا يتغير في قيمته الجوهرية، وإن تغير في عوارضه والمظاهر التي تسدلها عليه نوازع الإبتكار. وبعد، فتلك كلمة لذكرى شاعر البادية عبرة للشعراء، وتذكرة للأدباء الذين هم أحق بهذه الذكرى، وتلك الخاطرة. . . . . . فايد العمروسي من تراثنا الأدبي

стр. 10141

٣ - أبو العيْنَاء بقلم محمود محمود خليل لقد مات المأمون؛ ولقد حزن أبو العيناء حقاً عليه، حتى بكى بكاء مراً، وتقرحت عيناه؛ ويظهر من بكائه وحديثه عنه أنه راعا حق النعمة، وقام بإسداء الشكر لصاحبها، حتى بكاه بعد وفاته؛ وسواء أكانت خلة الوفاء موجودة فيه وهو ما لا أظنه، أم كان بكاؤه هذا لمنفعة شخصية فاتته، وخاف من انقطاع الرزق الذي أجراه عليه المأمون من بيت المال، فإن هَمَّ ضمان قوته كان يخالج فؤاده، ويخشى من يأتي بعده. ولقد تحققت مخاوفه، فإن عهد المعتصم والواثق لم يظهر فيه شأن أبي العيناء كثيراً، ويرجع هذا إلى الخصومة التي كانت قائمة بين الوزير في ذلك العهد محمد بن عبد الملك الزيات، وبين القاضي أحمد بن أبي دؤاد، تلك الخصومة التي اشتدت إلى درجة كبيرة، حتى جعلت ابن أبي دؤاد يأنف أن يقوم عند دخول ابن الزيات، وكان قد أوجب الخليفة الواثق أن ينهض قياماً له جميع الحاضرين في المجلس، ولم يرخص في ذلك لأحد، فاشتد الأمر على القاضي، ولم يجد لمخالفة الواثق سبيلاً، فالتجأ إلى حيلة لطيفة تخلصه من ذلك الموقف الحرج، فوكل بعض غلمانه بمراقبته، وموافاته بخبر قدومه، فإذا أقبل نهض يصلي، فقال ابن الزيات في ذلك: صلى الضحى لما استفاد عداوتي … وأراه يمسك بعدها ويصوم لا تعدمَّن عداوة موسومة … تركتك تقعد تارة وتقوم ويرجع سبب هذه العداوة إلى المنافسة في الرياسة التي كانت بين هذين الرجلين الفذين. لم يقف أبو العيناء إزاء تلك العداوة موقف الحياد، بل انضم إلى القاضي ابن أبي دؤاد، فأبعده هذا إلى حد ما عن مجلس الخليفة المعتصم والواثق ووزيرهما ابن الزيات؛ وقد انقسم الأدباء أيضاً إلى حزبين، حتى رأينا الجاحظ يميل إلى ابن الزيات ويكون من حزبه. ولقد سأل أبو العيناء الجاحظ مرة أن يشفع لصاحب له عند ابن الزيات، فكتب الجاحظ الكتاب، وناوله الرجل، فسار به إلى أبي العيناء، وقال له: قد أسعف بالمراد، قال: فهل قرأته؟ قال: لا. إنه مختوم. قال: ويحك فُضَّه لا يكون صحيفة المتلمّس؛ ففَضَّه فإذا فيه: موصل كتابي هذا سألني فيه أبو العيناء، وقد عرفتَ سفهه وبذوء لسانه، وما أراه لمعروفك

стр. 10142

أهلاً، فإن أحسنتَ إليه فلا تحسبه عليَّ يداً، وإن لم تحسن إليه لم أعده عليك ذنباً والسلام. فركب أبو العيناء إلى الجاحظ، وقال له: قرأت كتابك يا أبا عثمان، فخجل الجاحظ وقال: يا أبا العيناء هذه علامتي فيمن أعتني به، قال: فإذا بلغك أن صاحبي قد شتمك فاعلم أنها علامته فيمن شكر معروفه. وصلت العداوة إذن بين الكاتبين القديرين الجاحظ وأبي العيناء، وكان هذا أثراً لتشيع الحاشية وانقسامها على نفسها كما سبق؛ وها نحن أولاء نرى أبا العيناء يغشى مجلس القاضي ابن دؤاد في تلك المدة، ويتودد إليه، ويروي عنه أحاديث كثيرة آثرنا أن نثبت منها شيئاً؛ قال أبو العيناء للقاضي: إن قوماً من أهل البصرة قدموا إلى (سُرّ مَنْ رأى) يداً على، قال: يد الله فوق أيديهم، فقلت: إن لهم مكراً، فقال: ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقلت: إنهم كثير، فقال: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، فقلت: لله در القاضي، فهو كما قالت الصموت الكلابية: لله درك أي جُنة خائف … ومتاع دنيا أنت للحدثان متخمط يطأ الرجال شهامة … وطء الفنيق مدارج القِرْدان ويكبهم حتى تظل رءوسهم … مشجوجة تنحطّ للغربان ويفرّج الباب الشديد تاجُه … حتى يصير كأنه بابان وقال أبو العيناء: كنا عند القاضي ابن أبي دؤاد في جماعة من أهل العلم والأدب، فوفد عليه رسول الحاجب أبي منصور يقرئه السلام ويبلغه ألا يقصد القاضي إلى الحاجب، لأن ذلك يضر بسمعته عند الوزير ابن الزيات، فقال القاضي: أجيبوه عن رسالته، فلم ندر ما نقول، ونظر بعضنا إلى بعض، فقال: أما عندكم جواب؟ قلنا: القاضي أعزه الله أعلم بجوابه منا، فقال للرسول: اقرأ ﵇، وقل له ما أتيتك متكثراً بك من قلة، ولا متعززاً بك من ذلهٍ، ولا طالباً منك رتبة، ولا شاكياً إليك كربة؛ ولكنك رجل ساعدك زمان، وحركك سلطان، ولا علم يؤلف، ولا أصل يعرف، فإن جئتك فبسلطانك، وإن تركتك فلنفسك. فعجباً من جوابه. على أنه لا يغرنا مجالسه أبي العيناء للقاضي، فإنه قد وقعت بين الرجلين خصومة، فكان لا يرحمه فيها أبو العيناء، مما يدلنا على أنه كان من الرجال النفعيين الذين يؤثرون المنفعة

стр. 10143

الشخصية على تلك الصداقة التي لا تفيده شيئاً من المال الذي يحبه ويفضله على كل عزيز وحميم. ولكن ينبغي إلا نفهم من هذا أن أبا العيناء انضم إلى حزب ابن الزيات. كلا. بل أبغض الرجلين جميعاً، وذمهما معاً، وهذا حديث طريف أتى به صاحب زهر الآداب وقد آثرت أن آتي بجزء صالح منه حتى يكون معيناً لنا على الوقوف على مقدار بلاغة الرجل وأسلوبه في الكتابة. قال أبو العيناء: لما حبس الواثق إبراهيم بن رباح، وكان له صديقاً، صنعت له هذا الخبر راجياً أن ينتهي إلى أمير المؤمنين فينتفع به؛ ولقد سمعه الواثق فضحك واستظرفه، وقال ما صنع هذا كله إلا أبو العيناء بسبب إبراهيم بن رباح، وأمر بتخليته. والخبر هو: قال لقيت أعرابياً من بني كلاب، فقلت له ما عندك من خبر هذا العسكر؟ قال قتل أرضا عالمها؛ قلت فما عندك من خبر الخليفة؟ قال بخبخ في عزه، وضرب بجرانه، وأخذ الدرهم من مصره، وأرعف قلم كل كاتب بجنايته؛ قلت فما عندك في أحمد بن أبي دؤاد؟ قال: عضلة من العضل لا تطاق، وجندلة لا ترام، ينتحي بالمدى لتنحره فيجوز؛ وتنصب له الحبائل، حتى تقول الآن، ثم يطفر طفرة الذئب، ويخرج خروج الضب؛ والخليفة يحنو عليه، والقرآن آخذ بضبعيه. قلت فما عندك من خبر ابن الزيات؟ قال ذلك وسع الورى شره، وبطن بالأمور خيره، فله في كل يوم صريع، لا يظهر فيه أثر ناب ولا مخلب، إلا بتسديد الرأي. قلت فما عندك من خبر إبراهيم بن رباح؟ قال ذاك رجل أوبقه كرمه، وإن بقره للكرام قدح، فلا عزّ بهجائه؛ ومعه دعاء لا يخذله، ورب لا يسلمه، وخليفة لا يظلمه. ثم يأخذ في الحديث عن شأن أناس كثيرين من رجال الدولة مثل الخصيب والحسن بن وهب وأخيه سليمان، وهذا لا يعنينا في شيء لأننا لا ندرس أولئك الرجال الآن، ثم يقول قلت له: أين نزلت فأؤمك؟ قال مالي منزل تؤمه، أنا أستتر في الليل إذا عسعس، وأنتشر في الصبح إذا تنفس. ويلوح لي أن تلك الأحاديث هي التي فتحت باب المقامات، وأوجدت الفكرة الرئيسية فيها، حتى نسج على منوالها بديع الزمان الهمداني والحريري فيما بعد. قد عادى أبو العيناء ابن أبي دؤاد، ولكنه لم يمض في الخصومة إلى حد كبير، بل حفظ له جميل كرمه وقضاء حوائجه التي كثيراً ما كان يضايقه بها إبقاء على وده وصداقته ما

стр. 10144

دامت تجر عليه المنفعة حينا. قال له المتوكل يوماً: من أسخى من رأيت؟ قال ابن أبي دؤاد، فقال المتوكل تأتي إلى رجل رفضته فتنسبه إلى السخاء. قال إن الصدق يا أمير المؤمنين ليس في موضع من المواضع أنفق منه في مجلسك، وإن الناس يغلطون فيمن ينسبونه إلى الجود، لأن سخاء البرامكة منسوب إلى الرشيد، وسخاء الفضل والحسن ابني سهل منسوب إلى المأمون؛ فإذا نسب الناس الفتح وعبيد الله ابني يحيى بن خاقان إلى السخاء، فذلك سخاؤك يا أمير المؤمنين. قال صدقت. فمن هذا نعلم مبلغ تلك الخصومة وأنها كانت طفيفة، ويظهر أن سببها كان عدم إجابة طلب لأبي العيناء أو قبوله شفاعته، أو نحو ذلك من الأشياء التي كان يتطاول بها أبو العيناء على الرؤساء. دامت المنافسة على الرياسة بين ابن الزيات وابن أبي دؤاد مدة خلافة المعتصم والواثق حتى تولى المتوكل، وفي السنة الثانية من خلافته نكب ابن الزيات وأحرقه في التنور، وخلا الجو بهذا لحزب ابن أبي دؤاد، ووجد أبو العيناء الميدان أمامه فسيحاً، فاتصل بالمتوكل وحصلت له معه مجالس أدخل الرواة بعضها في بعض؛ ويظهر أن أعداءه قد وشوا به إلى الخليفة كي يوقعوه فيما وقع فيه ابن الزيات، ولكنه بفصاحته وذلاقة لسانه نجا. قال له المتوكل: بلغني أنك رافضي، فقال يا أمير المؤمنين وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة، ومنشئي في مسجد جامعها، وأستاذي الأصمعي، وليس يخلو القوم أن يكونوا أرادوا الدين أو الدنيا، فإن كانوا أرادوا الدين فقد أجمع الناس على تقديم من أخروا، وتأخير من قدموا وإن كانوا أرادوا الدنيا، فأنت وآباؤك أمراء المؤمنين، لا دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك. وكانت تلك الوشاية كفيلة بأن تقضي عليه، لأن المتوكل كان يكره الرافضة الذين يدينون بحب علىّ بن أبي طالب (ض) ولكنه تخلص بذكائه. ودخل أبو العيناء المتوكل في قصره المعروف بالجعفري فقال له الخليفة ما تقول في دارنا هذه؟ فقال يا أمير المؤمنين إن الناس بنوا الدور في الدنيا، وأنت بنيت الدنيا في دارك. فاستحسن كلامه وقال: كيف شرابك للخمر؟ قال أعجز عن قليله، وأفتضح عند كثيره؛ فقال له الخليفة دع عنك هذا ونادمنا، فقال لا أطيق ذلك، وما أقول هذا جهلاً بمالي في هذا المجلس من الشرف، ولكني رجل مكفوف البصر، وكل من في مجلسك يخدمك، وأنا

стр. 10145

محتاج أن أخدم، ولست آمن من أن تنظر إلي بعين راض، وقلبك علي غضبان، أو بعين غضبان وقلبك راض، ومتى لم أميز بين هذين هلكت، فأختار العافية على التعرض للبلاء. قال صدقت، ولكن تلزمنا، قال لزوم الفرض الواجب اللازم. فوصلني بعشرة آلاف درهم. تلك كانت منزلة أبي العيناء عند المتوكل يتمنى أن ينادمه، ويود ولو بجدع الأنف أن يتاح له حضور شخص فكه المحاضرة، عذب الحديث كأبي العيناء في مجلس شرابه، وقد كان المتوكل يمزح معه كثيراً قال له مرة: هل رأيت طالبياً حسن الوجه قط. قال يا أمير المؤمنين أرأيت أحداً قط سأل ضريراً عن هذا! قال لم تكن ضريراَ فيما تقدم، وإنما سألتك عما سلف؛ قال نعم رأيت منهم ببغداد منذ ثلاثين سنة فتى ما رأيت أجمل منه. قال المتوكل: تجده كان مؤاجَرا، وتجدك كنت قوادا عليه، فقال أبو العيناء: أو فرغت لهذا يا أمير المؤمنين، أتراني موالي على كثرتهم، وأقود على الغرباء، قال اسكت يا مأبون! قال مولى القوم منهم، قال المتوكل أردت أن أشتفي منهم، فاشتفى لهم مني. على أن عدم قبول أبي العيناء لمنادمة المتوكل قد عصمه إلى حد ما من القصف والمجون اللذين كان يجري في قصر الخلافة، وإن كنت أعتقد أن شخصاً متوقد الذكاء كأبي العيناء قد حمى نفسه من معاقرة الخمور، خوفاً من أن تضيع عقله، وتغلب على لبه، فيخرج عن صوابه، وهو ما كان يأباه على نفسه، فجوابه إذاً للمتوكل حين سأله عن الشراب بقوله: أعجز عن قليله، وأفتضح عند كثيره لم يكن للتخلص من منادمته، وإنما كان صادقاً في هذا القول، وإن كان قد ذهب إلى الإستمتاع بملذات الحياة من غير طريق الشراب، كلما حان له ذلك، ولكن ذهابي إلى هذا الرأي ليس معناه تنزيه أبي العيناء وجعله في عصمة الأنبياء والصديقين بل ربما يكون قد شرب ونادم وأفرط في الشراب وأخذ بحظه من اللهو والمجون مع غير المتوكل، لكنني لا أميل إلى اتهامه بأنه كان من المعاقرين للشراب والمدمنين على قرع الكؤوس، كالمتوكل أو وزيره الفتح بن خاقان مثلاً، كلا. وإنما كان لا يميل إلى تعاطي الكثير من الخمور لأنها تجره إلى الإفتضاح كما يقول. (يتبع) الزقازيقمحمود محمود خليل

стр. 10146

١ - عمرو بن العاص بقلم حسين مؤنس أصبح الرجل محزوناً كاسف البال، لم يبرح غرفته بل لم يبرح مكانه، وإنما هو مقيم حيث تركه ابنه عبد الله أمس، ساكنا لا يريم، صامتاً لا ينبس؛ وقد ارتسمت على وجهه أسارير من الحزن لا تخفى، وتراءت في قسماته ملامح من القلق الممض المشجي. . . بل كانت لا تخفى في عينيه علائم السهر الطويل. . . ومن يدري فربما انقضت هذه الليلة ولم يغمض له جفن، وربما أرق ليلة الأمس كذلك، وربما طواهما مسهداً في هذه الغرفة التي لا يبرحها. . . إنه يفكر تفكيراً طويلاً. . يفكر ويخاطب نفسه ويقلب كفيه، ويهمهم وإنه لينظر نظر الشجي (استعملتك على ظلمك وكثرة القالة فيك. .) والله لقد خلتها يا عثمان. . .! ثم يعود فيردد: (لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت!). . إن الحزن ليشتد بالرجل وإن الدمع ليترقرق في عينيه وإنه ليحني رأسه ويصمت صمتاً طويلاً. . وبينما هو في ذلك إذا يد خفيفة تمر على كتفه في رفق، وإذا صوت رقيق يهتف به: (رويدك يا ابن العاص. .) فيلتفت إليه ويقول: (حتى نحن يا سلامة. .). فيجيبه: (لقد متع الضحى) فيسترسل الرجل مرة أخرى في تفكيره ثم يقول: (رحمك الله يا ابن حنتمة. . والله لقد كانت فيك على شدتك رقة، وعلى جفائك وداً. . أما هذا. . أما هذا. .) فيقاطعه سلامة قائلاً: فليغفر له الله. . . (فيرد عليه محتداً. .) لا يا ابن روح. . لا غفر الله له أبداً. . لا غفر الله له أبداً. . لقد وليها عامرة. . ولن يعفيها حتى ينعق عليها البوم. . لقد عملنا لرسول الله ﷺ فرضى عنا، وعملنا لخليفته فأكرمنا. . وعملنا لعمر فانصرف عنا قرير العين، ثم جاءت أيامك يا ابن عفان. .! ويصمت الرجلان صمتاً بليغاً، ويسرع بهما الفكر إلى الجزيرة التي فرا بنفسيهما منها. . واطمأنا إلى الراحة في هذا القصر الذي يملكه عمرو في فلسطين، فهذه جزيرة العرب تموج موجاً وتضطرب اضطراباً، وقد فوقت إليها الفتنة سهاماً صائبات. . واصطلحت عليها من الشر حادثات. . وهذا عثمان في بيته بالمدينة وحيداً لا يطرق بابه أحد، فريداً لا يذكره أخ ولا ناصح بعد الذي كان من تقريبه آل أمية وآل مروان، وبعد الذي كان من خصومته مع علي وازوراره عن طلحة والزبير وعزله الصالحين من ولاة عمر. . وهاهي ذي الفتنة تتحرك في

стр. 10147

مضاجعها. . . والثائرون يتواصلون ويتابعون الشكوى ويجمع بينهم الظلم. . وهذا أبو ذر الغفاري يطوف ببلاد الإسلام يثير الفتنة ويقلب الأرض على عثمان. . . وهذا علي يباعد ما بينه وبين الخليفة مخافة أن يصيبه آل أمية بشر! وهم الساعة أصحاب الأمر وذوو السلطان على الخليفة الورع اللين الرقيق. . . وهم اليوم لبني هاشم بالمرصاد، وإن للبيتين فيما مضى لشأناً. وإن لهما فيما يقبل من الأيام لشأناً أكبر وقد أسخطته من عثمان أمور ونفرته منه شرور. وما يطيق الرجل صمتاً على ابن أبي سرح وآلياً على مصر، مكان ابن العاص القدير. فما زاد عثمان على أن قام على الناس رجلاً كرهه الرسول ولم يرض عنه إلا شفاعة وسماحة. . . ثم سكت طويلاً ثم أخذ يردد هذا الرجز الذي سيكون له في المحنة المقبلة أي شأن، والذي ستردده الجموع في الشام وتهتف به الجحافل في العراق. . . ويتردد صداه بعد ذلك على مدى الأيام: أصبحت الأمة في أمر عجب … والأمر مجموع غداً لمن غلب فقلت قولاً صادقاً غير كذب … إن غدا تهلك أعلام العرب! ثم بدا له فقام من مجلسه. . وأطل من النافذة على فناء (العجلان) فإذا أعرابي يسعى على راحلته وهو يردى بها مسرعاً. فهتف به فوقف، وسأله كيف عثمان: فقال الأعرابي: قد تركته محصوراً شديد الحصار ثم تركه وتولى مسرعاً وأي هلاك.! خليفة الله محصور. إن الأمر ليشتد وإن العاصفة لتنذر وإن العقبى لوخيمة. ترى أعيل صبر العرب فأتوا يقومون الخليفة بالسيوف. هنا أحس عمرو أنه لم يحسن الصنيع حين ترك عثمان وحده في المدينة، وأخذ يسأل: ترى ماذا يصنع علي وماذا تصنع البقية من الصحابة. إن فيهم لعصمة لابن عفان مما يراد به. . ولكن ما عساهم يصنعون وقد أبى عثمان أن يلقي لهم بالاً. فلتنفعه عصبية بني حرب لو كان فيهم خير. وليعصمه ابن أبي سرح لو كان يستطيع. أما الصحابة فها هم أولاء يعتزل منهم نفر فيهم سعد بن أبي وقاص، ويعلن العداء منهم نفر وفيهم أبو ذر الغفاري، ويشتد منهم نفر ولا يتحرج أن ينقد عثمان النقد الجارح الشديد وفيهم علي، وتنصرف منهم طائفة إلى ذات نفسها تجمع المال وتؤلف الأنصار وتعد العدة لما عسى أن يحدث من الأحداث وفيهم معاوية. ثم نظر

стр. 10148

فإذا شرذمة من الأعراب على الخيل والجمال يسعون نحو الشمال. وكان انصراف العرب عن الحجاز قد كثر هذه الأيام، وإذا بهم يعلنون مقتل عثمان في شيء من الإنكار والخوف والهلع. فإذا استوقفهم وسألهم فوصفوا له الأمر وصفاً دقيقاً، ثم تولوا وتولى، فإذا سلامة قد ترك المصحف الذي كان يقرأ فيه ووقع الخبر في نفسه موقع الصاعقة. وريعت نفسه ولم يطلق على الأمر صبراً. فنهض من مجلسه ونظر إلى عمرو فإذا به شجى يشرق بالدمع فقال له وإنه ليعاني ألماً بليغاً: (يا معشر قريش! إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك؟) فقال عمرو وإنه لذاهل: (أردنا أن نخرج الحق من خاصرة الباطل ليكون الناس في الحق شرعاً سواء.). وهل أصبح الناس الآن في الحق شرعاً سواء. .؟ أجل! وقد ذهب ولي الأمر وأصبح السيف بين الناس حكماً. . وليطلب الأمر من يجد في نفسه الإقتدار على النهوض به. . ترى من يكون هذا المقتدر الذي سيملك ناصية الأمر ويقدر له الفوز بهذا الغنم العظيم؟ كذلك كان ابن العاص يسائل نفسه. . وكذلك كان يمضي في نظر المسألة والتدقيق فيها. . . بدأ يستعرض جوانب القوة واحداً فواحداً ويوازن بين ما لديهم من (القدرة) لا من (الحق) موازنة طويلة حتى لا يخفى عليه منها وجه من وجوه الرأي. . وهذا رجل يتقن الحساب ويجيد المساومة. . . ولا يخطئ في تقدير ربحه من أي النواحي. . ولقد كان هذا موقفه في كل أزمة. . وتلك حالة قبيل كل عاصفة. . يقف ساكنا ويفكر طويلاً. . ثم يساوم في حرص. . وأخذ يستعرض ما انقضى من أيامه عسى يلقي الماضي على الحاضر ضوءاً. . . إنه ليذكر موقفه قبيل إسلامه. . . وقد بدأ أمر رسول الله ﷺ يظهر شيئاً فشيئاً. . . وبدأ الخوف من ناحيته يدب في قلوب قريش. . . وإن طائفة منهم لتشتد في عداوته شدة جاهلية. . . وإن طائفة أخرى لتسرع إلى رايته فتنضوي تحتها. . . وإن طائفة ليثقل عليها الأمر فتدع الميدان وتعتزل الحياة. . . ولكن عمراً لا يميل إلى أحد الجانبين ولا يعتزل بل يزن كل ناحية على مهل. . . ويقدر تقديراً طويلاً بل هو يبتعد عن الميدان كله إلى بلاد الحبشة. . . وهناك يرقب الأمور في صبر وحرص كما يرقب التاجر أسعار السوق. . . فإذا استبان له رجحان كفة الإسلام. . . وإذ رأى كنوز النصر تخفق. . . في بدر وفي الخندق، فقد أقبل إقبال الواثق ليتمم الصفقة وليشتري عن ثقة. . . ولكنه

стр. 10149

بعد ذلك كله يرجو أن يكون كسبه من الأمر أكثر من كسب الآخرين، إنه ليعود من الحبشة مسرعاً وقد حزم أمره على الدخول في الإسلام. . . ولكن انظر كيف أقنع نفسه بالبيعة للرسول، لقد بعثت إليه قريش تسأله ما عقد عليه النية. . . فلا يعلن إسلامه إعلان عمر، ولا يفسر إيمانه تفسير أبي بكر أو عثمان. . . وإنما هو يقول للرسول: أنحن أهدى أم فارس والروم؟ فيقول الرسول: (بل فارس والروم) فيقول عمرو. . . فما ينفعنا فضلنا عليهم في الهدى إن لم تكن إلا هذه الدنيا وهم أكثر فيها أمراً، قد وقع في نفسي أن ما يقول محمد من البعث حق. . . هذا منطق الرجل في الإيمان وهكذا يستوثق لنفسه من أنه لا (خسارة) عليها في ذلك، ثم يمضي حتى إذا أقبل على الرسول الكريم ومد يده فقد قبضها، فسأله الرسول ﷺ فقال: (أردت أن أشترط!) نعم يريد أن يشترط. . . يريد أن (يكسب) شيئاً في هذه البيعة الجديدة. . . فإذا سأله الرسول ما يشترط فقد تريث لحظة. . . وبدا له فطوى ما كان يريد أن يقول. . . وساعفته بديهته. . . فقال (يا رسول الله. . . إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر) فقال رسول الله ﷺ : (يا عمرو! بايع فإن الإسلام يجبُّ ما قبله وإن الهجرة تجبُّ ما قبلها). . . إنه يريد أن يشترط دائماً. . . هكذا كان موقفه في كل أمر. (للبحث بقية) حسين مؤنس

стр. 10150

تحطّمي تحطّمي! للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي يا ليل للنجم اكتم … ويا نهار أَظلم يا أدمعي فيضي ويا … نار فؤادي اضطرمي نفسيَ لي قد آلمت … فقل لها تألمي كمثل ما حطمتِني … تحطّمي تحطّمي مسؤولةً يا نفس أن … تِ عن حياتي ودمي ندمتِ مما جئتِه … ولات حين مندم بكِ العِدى تهكمت … وأنتِ للتهكم من قال إن لاقيت نا … راً تلتظي فاقتحمي ألم أقل تريّثي … فيما عزمتِ تسلمي مشيتِ بي في مزلق … صعبٍ فزلّت قدمي ما أنتِ من دمي بري … ئةٌ فلا تختصمي من ذا الذي أغراكِ يا … نفسي على التقحم قولي، أجيبي، بيني … شيئاً، أزيلي تُهَمي لا تلبثي ساكتة … تكلّمي تكلّمي يا نفس هذا وقت إن … تبكي فلا تبتسمي يا نفس من نفسِك قب … ل أن تموتي انتقمي بالكف يا نفسيَ قد … صفعتِني في الهرم للشيب في رأسيَ وال … قذال لم تحترمي أصبحتُ من موتي قري … باً فأقيمي مأتمي أنت حقيرة بعي … ن الفيلسوف الفهم وإن تردّيتِ ثيا … بَ السيّد المحترم أخرجتِني من ساحة ال … نور لساح الظلم فصرتُ في مشيي على … وجهي اللطيم أرتمي

стр. 10151

هل عائدٌ إليّ عه … دُ عيشيَ المنصرم ماذا أقول والأسى … قيدُ لساني وفمي وإن تكلمتُ فهل … تردَ حقي كلِمي الهمُّ في رأسي كأن … هـ لظى جهنم وهو إلى قلبي كجي … شٍ زاحفٍ عرمرم نحسبه مخيّماً … وليس بالمُخيّمِ لا أستطيع الخوضَ بع … د الشيب في الغطمطم أخاف أن يبلعني الت … يّارُ بلعَ النَهِم أإنني في يقظة … أم إنني في حُلُم المرءُ بالأفعال لا … بالقول والتكلم لقد رميتُ أسهماً … فارتدّ نحوي أسهمي جرحن جلدي ثم لح … مي وبلغنَ أعظمي فيا له من حادث … للروح مني مؤلم أنتِ به مسؤولةٌ … ما أنا بالمتّهَم في الموت كلُ راحتي … وبالردى مُعتَصَمي إذا هلكتُ فادفنو … ني بالمكان الأشأم قد عششت فيه على ال … أرماس أمّ قشعم بغداد جميل صدقي الزهاوي

стр. 10152

النجاح للأستاذ عبد الرحمن شكري أنت رب الأوشاب والأعلياء … وجماع الجهود والأهواء تُلْبِسُ المرَء منك حُلَّةَ فضل … يلهج الناس حولها بالثناء أي فضلٍ للمرء إنْ لم تَحُكْهُ … وذكاءٍ إنْ لم تكن في الذكاء فُرَصُ العيش كلها لك جند … والعطايا مواثلٌ كالإماء وصروف الأقدار طراً عبيد … للذي تصطفيه للآلاء لا يضير الذي اصطفيت عداءٌ … لا ولا يُزدرى لفرط الغباء ويود الذكي لو كان غِرّاً … ثم تكسوه حُلة الأذكياء أنت سِحْرٌ يكسوه القبيح جمالاً … ويُنِيلُ الوضيعَ أُفْقَ العلاء وينيل القَمِيَء أجنحة النس … ر فيغدو لقومه كسماء يرتجي الناس غيثها وعلاها … بخشوعٍ وذِلة ورياء إيهِ يا مالك القلوب قلوب ال … ناس طراً طوع اللُّهَا والعطاء رُبّ قلبٍ مُمَاكِسٍ لك في البي … ع وذاك المِكاس غير الإِباء تنثر التبر مثلما تبعث الشم … س بأضوائها على الأرجاء فوق وغدٍ أو فوق غِرِّ حَظِيٍّ … أو على ظافر من الفضلاء لك ثوب يُخفي العيوبَ ويحبو ال … فضلَ فضلاً من روقة اللألاء قَدَرٌ حاكه وليس صَنَاعٌ … كصناع يدعونه بالقضاء معدن الخير والفضيلة والحك … مة من يرتدي بذاك الرداء أي فضلٍ تعطي القوىَّ قواه … إن عداه النجاح في الأحياء أي صيتٍ يُجْدِي الذكيَّ بيانٌ … لم يُصِبْ نهزة من الإصغاء أي فضلٍ تحبو الحكيمَ نُهَاهُ … وهو لولا الأنصار كالأغبياء سَرَفٌ أنْ أضاعه الدهرُ لا يُفْ … قِر دهراً أضاعه من ثراء أترى التبر لو يضل دفيناً … كان يجبي أطايب الأشياء أترى الحسن كان يُعتدُّ حسناً … وهو في خفية عن البصراء

стр. 10153

يغنم الظافر السعيد وإن ك … ذَّب منه النقاد بُطْلَ الطلاء وهو في أعين الآنام نضار … وسواه في الخلق كالدقعاء يغفر الناس شَرَّه وأذاه … ويمدونه بمحض الولاء إنما الحق ما رأى الناس حقاً … ثابتاً في عقيدة الأهواء والشريف الذي يرون شريفاً … نال أولم ينل مدى الشرفاء والكريم الذي يرون كريماً … حاز أو لم يحز هوى الخبراء صاحِ لو يُنْبَذُ المُزَيَّفُ طراً … حَرَبَ الناسَ كلُّ هذا الاباء ثم باءوا بحيرةٍ وضلالٍ … في دعوى العقول والآراء وإذا النجح لم يكن منه ميزا … نٌ فكلُ مُزَيَّفُ الأنباء كن جديراً به وإنْ لم تنله … إنما الحقد آلة الأدنياء ويضير الأنامَ كيْدُ حَقُودٍ … صد عن خير مطمح وعلاء فدع الناس يكفلون بما شا … ءوا وَعِشْ في حقيقة الأشياء إنْ تجدها أو لم تجدها فللع … يِّ وللجد نشوة الصهباء نشوة النجح نشوة السعي والخا … سر من لم يَفُزْ له بطلاء ولعل الأحقاد ما صَغَّرَ النج … ح وأنحى عليه بالإزراء ورجاءُ للنجح خير من النج … ح فعش من طلابه في رخاء إنَّ بَعْدَ الرجاءِ أَنْ تبلغ القص … د ولا قصد بعد نيل الرجاء ولقد ينكب النجاح أُناساً … بالذي فاق نكبة للشقاء والسعيد المحروم من أسلم الأط … ماعَ طُرّاً لصرف حكم القضاء ويود الذي تود له الأق … دار يبغي فيها رخاء الرضاء ذاك خُبْرٌ يغري الحكيم وإن شَقْ … قَ فَيُلْفِي رخاءه في العزاء ولقد يحبط الطَمُوحُ إذا زح … زحه الهَمُّ عنه بالإعياء وفُرُوضُ الحياة أخلق يالسع … ي وأحجى من اقتعاد السماء إنَّ أعلى من العلاء خليقاً … بعلاء لا حائزاً للعلاء والسعيد الحظيُّ من رُزِقَ الجدْ … دَ وفي الجد مصرع الثؤباء

стр. 10154

هو طب الملال إنْ أعنت العي … شُ وغالت غوائل البأساء وسواء نُجْحٌ وفوتٌ إذا أح … مدت ما في مسعاته من دواء والشقي المحروم من لا يرى في ال … عيش فرضاً ينأى به عن شقاء ذاك من مات قلبه وهو حي … وغدت نفسه كقفر خلاء خاصمته النعماء في كل أمر … وبدت فيه وحشة البيداء خيبة المرء أن يمل مُنَاهُ … لا تمادي الحرمان والإبطاء ولعل الإبطاء في النجح أهنا … وقصارى المبذول للإزراء ويمُلُّ العطاءُ بعد أوان … كعزوفٍ من طول بُعْدِ الغذاء والذي لا يمل فرضاً مُعاداً … كل يوم مُوَفَّقُ السعداء لا ينال البعيدَ من لا يرى الأد … نى سبيلاً يُدْنِي إلى البعداء خطوة إثْرَ خطوة هكذا س … نة عيشٍ وسنةُ في الجراء وامتناع الطليب أهون من أنْ … يندب المرء خيبة الأهواء هو خطب أدهى من الفوت وقعاً … وهو داءُ أشد من ذا الداء كالذي يستطب بالخطب من خط … ب ويُقْصِي الأدواء بالأدواء ليس يُدْعَى الرضاء يأساً فكم را … ضٍ وفي سعيه دبيب الرجاء والذي يستدر نجحاً من الخي … بة أحجى برفعةٍ وعلاء فإذا ما نكصت في العيش فاعْلَم … ليس في العيش موطن للنجاء يُدْخِلُ المرء نفسه في الرزايا … كي يُدَاوَى من رعدة الجبناء مثلما أسمعوا الجيادَ صليلاً … كي يهون الصليل في الهيجاء صاحٍ ما العيش بالمُخَلَّدِ في الده … ر فترتد ناكصاً للوراء وإذا ما ارتخصتَ ما هو مبذو … ل ويا رُبَّ مُرْخَصٍ مِنْ سخاء فالهواء الحياةُ وهو مُذَالُ … لو نأى كان مُنْيَةَ الأحياء لا تَقلْ خيبة الرجاء سموم … فالشقيُّ الشقيَّ بالأسماء إنَّ بعض السموم منه دواء … كدواء الرمداء بالظلماء وإذا ما هممتَ بالخير لا تو … لعْ بكسب الإجلال والإطراء

стр. 10155

ليس بين الإطراء والذم إلا … كانطباق الجفون في الإغفاء واللبيب العليم بالناس لا يغ … تر بالمدح منهمُ والهجاء غايظوا الراجح السعيد بمَنْ خا … ب ولو فاز كان في البغضاء يزعمون الخُيَّابّ أحجى بفوزٍ … قد لواه القضاء ذو الأخطاء زعموا الدهرَ يظلم الندب إذ يس … مو بشأو اللئام والأدنياء فإذا الندب نال شأوأً أَعَدُّوا … ما أعدوا له من الإيذاء ولعمري لو بُيِّنَ النقص والفض … ل لكانوا في النقص كالشركاء باتِّفَاقٍ أو باقتدار نجاح … كان أو لم يكن لدى الفضلاء ولو أن المفضولَ لم يُلْفِ نُجْحاً … ضاعف الفَوْتُ غبنَ صرف القضاء نابَهُ النقص من قضاء فإن خا … ب فغبنٌ مضَاعَفٌ في الجزاء ليس فوزُ الأباة قدرَ شقاء … هزم الذل نخوةَ الأحياء لا بل الفوز صحة واقتدار … وببذلٍ للذخر أو للحياء وبأَنْ تَطَّبى رضاء ذوي الجا … هـ وأهل الجدود والأقوياء وبإحباط من يكيد بكيد … رب فوزٍ مستجلب بالدهاء وبإطراء من ترى منه نفعاً … وبإرضاء كل دانٍ ونائي واحتذاءِ الحياة ترضي الذي تر … ضاه من شيمة ومن سيماء وَبِأَنْ لا تعاف كسباً ولا خُلْ … قاً يداني من مَطْلبٍ ورجاء فإذا عفت كان سعدك في الخي … بة والنجح من صنوف الشقاء رُبَّ قُوْتٍ للمرء منه سقام … وهو في جسم آخرٍ كالدواء وكذا النجح منه عِزٌّ ونعما … ء ونجح يُلِمُّ بالبرحاء عبد الرحمن شكري القصص
следующие страницы →