Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10151–10190 · переход к 10156.
стр. 10151
هل عائدٌ إليّ عه … دُ عيشيَ المنصرم
ماذا أقول والأسى … قيدُ لساني وفمي
وإن تكلمتُ فهل … تردَ حقي كلِمي
الهمُّ في رأسي كأن … هـ لظى جهنم
وهو إلى قلبي كجي … شٍ زاحفٍ عرمرم
نحسبه مخيّماً … وليس بالمُخيّمِ
لا أستطيع الخوضَ بع … د الشيب في الغطمطم
أخاف أن يبلعني الت … يّارُ بلعَ النَهِم
أإنني في يقظة … أم إنني في حُلُم
المرءُ بالأفعال لا … بالقول والتكلم
لقد رميتُ أسهماً … فارتدّ نحوي أسهمي
جرحن جلدي ثم لح … مي وبلغنَ أعظمي
فيا له من حادث … للروح مني مؤلم
أنتِ به مسؤولةٌ … ما أنا بالمتّهَم
في الموت كلُ راحتي … وبالردى مُعتَصَمي
إذا هلكتُ فادفنو … ني بالمكان الأشأم
قد عششت فيه على ال … أرماس أمّ قشعم
بغداد جميل صدقي الزهاوي
стр. 10152
النجاح
للأستاذ عبد الرحمن شكري
أنت رب الأوشاب والأعلياء … وجماع الجهود والأهواء
تُلْبِسُ المرَء منك حُلَّةَ فضل … يلهج الناس حولها بالثناء
أي فضلٍ للمرء إنْ لم تَحُكْهُ … وذكاءٍ إنْ لم تكن في الذكاء
فُرَصُ العيش كلها لك جند … والعطايا مواثلٌ كالإماء
وصروف الأقدار طراً عبيد … للذي تصطفيه للآلاء
لا يضير الذي اصطفيت عداءٌ … لا ولا يُزدرى لفرط الغباء
ويود الذكي لو كان غِرّاً … ثم تكسوه حُلة الأذكياء
أنت سِحْرٌ يكسوه القبيح جمالاً … ويُنِيلُ الوضيعَ أُفْقَ العلاء
وينيل القَمِيَء أجنحة النس … ر فيغدو لقومه كسماء
يرتجي الناس غيثها وعلاها … بخشوعٍ وذِلة ورياء
إيهِ يا مالك القلوب قلوب ال … ناس طراً طوع اللُّهَا والعطاء
رُبّ قلبٍ مُمَاكِسٍ لك في البي … ع وذاك المِكاس غير الإِباء
تنثر التبر مثلما تبعث الشم … س بأضوائها على الأرجاء
فوق وغدٍ أو فوق غِرِّ حَظِيٍّ … أو على ظافر من الفضلاء
لك ثوب يُخفي العيوبَ ويحبو ال … فضلَ فضلاً من روقة اللألاء
قَدَرٌ حاكه وليس صَنَاعٌ … كصناع يدعونه بالقضاء
معدن الخير والفضيلة والحك … مة من يرتدي بذاك الرداء
أي فضلٍ تعطي القوىَّ قواه … إن عداه النجاح في الأحياء
أي صيتٍ يُجْدِي الذكيَّ بيانٌ … لم يُصِبْ نهزة من الإصغاء
أي فضلٍ تحبو الحكيمَ نُهَاهُ … وهو لولا الأنصار كالأغبياء
سَرَفٌ أنْ أضاعه الدهرُ لا يُفْ … قِر دهراً أضاعه من ثراء
أترى التبر لو يضل دفيناً … كان يجبي أطايب الأشياء
أترى الحسن كان يُعتدُّ حسناً … وهو في خفية عن البصراء
стр. 10153
يغنم الظافر السعيد وإن ك … ذَّب منه النقاد بُطْلَ الطلاء
وهو في أعين الآنام نضار … وسواه في الخلق كالدقعاء
يغفر الناس شَرَّه وأذاه … ويمدونه بمحض الولاء
إنما الحق ما رأى الناس حقاً … ثابتاً في عقيدة الأهواء
والشريف الذي يرون شريفاً … نال أولم ينل مدى الشرفاء
والكريم الذي يرون كريماً … حاز أو لم يحز هوى الخبراء
صاحِ لو يُنْبَذُ المُزَيَّفُ طراً … حَرَبَ الناسَ كلُّ هذا الاباء
ثم باءوا بحيرةٍ وضلالٍ … في دعوى العقول والآراء
وإذا النجح لم يكن منه ميزا … نٌ فكلُ مُزَيَّفُ الأنباء
كن جديراً به وإنْ لم تنله … إنما الحقد آلة الأدنياء
ويضير الأنامَ كيْدُ حَقُودٍ … صد عن خير مطمح وعلاء
فدع الناس يكفلون بما شا … ءوا وَعِشْ في حقيقة الأشياء
إنْ تجدها أو لم تجدها فللع … يِّ وللجد نشوة الصهباء
نشوة النجح نشوة السعي والخا … سر من لم يَفُزْ له بطلاء
ولعل الأحقاد ما صَغَّرَ النج … ح وأنحى عليه بالإزراء
ورجاءُ للنجح خير من النج … ح فعش من طلابه في رخاء
إنَّ بَعْدَ الرجاءِ أَنْ تبلغ القص … د ولا قصد بعد نيل الرجاء
ولقد ينكب النجاح أُناساً … بالذي فاق نكبة للشقاء
والسعيد المحروم من أسلم الأط … ماعَ طُرّاً لصرف حكم القضاء
ويود الذي تود له الأق … دار يبغي فيها رخاء الرضاء
ذاك خُبْرٌ يغري الحكيم وإن شَقْ … قَ فَيُلْفِي رخاءه في العزاء
ولقد يحبط الطَمُوحُ إذا زح … زحه الهَمُّ عنه بالإعياء
وفُرُوضُ الحياة أخلق يالسع … ي وأحجى من اقتعاد السماء
إنَّ أعلى من العلاء خليقاً … بعلاء لا حائزاً للعلاء
والسعيد الحظيُّ من رُزِقَ الجدْ … دَ وفي الجد مصرع الثؤباء
стр. 10154
هو طب الملال إنْ أعنت العي … شُ وغالت غوائل البأساء
وسواء نُجْحٌ وفوتٌ إذا أح … مدت ما في مسعاته من دواء
والشقي المحروم من لا يرى في ال … عيش فرضاً ينأى به عن شقاء
ذاك من مات قلبه وهو حي … وغدت نفسه كقفر خلاء
خاصمته النعماء في كل أمر … وبدت فيه وحشة البيداء
خيبة المرء أن يمل مُنَاهُ … لا تمادي الحرمان والإبطاء
ولعل الإبطاء في النجح أهنا … وقصارى المبذول للإزراء
ويمُلُّ العطاءُ بعد أوان … كعزوفٍ من طول بُعْدِ الغذاء
والذي لا يمل فرضاً مُعاداً … كل يوم مُوَفَّقُ السعداء
لا ينال البعيدَ من لا يرى الأد … نى سبيلاً يُدْنِي إلى البعداء
خطوة إثْرَ خطوة هكذا س … نة عيشٍ وسنةُ في الجراء
وامتناع الطليب أهون من أنْ … يندب المرء خيبة الأهواء
هو خطب أدهى من الفوت وقعاً … وهو داءُ أشد من ذا الداء
كالذي يستطب بالخطب من خط … ب ويُقْصِي الأدواء بالأدواء
ليس يُدْعَى الرضاء يأساً فكم را … ضٍ وفي سعيه دبيب الرجاء
والذي يستدر نجحاً من الخي … بة أحجى برفعةٍ وعلاء
فإذا ما نكصت في العيش فاعْلَم … ليس في العيش موطن للنجاء
يُدْخِلُ المرء نفسه في الرزايا … كي يُدَاوَى من رعدة الجبناء
مثلما أسمعوا الجيادَ صليلاً … كي يهون الصليل في الهيجاء
صاحٍ ما العيش بالمُخَلَّدِ في الده … ر فترتد ناكصاً للوراء
وإذا ما ارتخصتَ ما هو مبذو … ل ويا رُبَّ مُرْخَصٍ مِنْ سخاء
فالهواء الحياةُ وهو مُذَالُ … لو نأى كان مُنْيَةَ الأحياء
لا تَقلْ خيبة الرجاء سموم … فالشقيُّ الشقيَّ بالأسماء
إنَّ بعض السموم منه دواء … كدواء الرمداء بالظلماء
وإذا ما هممتَ بالخير لا تو … لعْ بكسب الإجلال والإطراء
стр. 10155
ليس بين الإطراء والذم إلا … كانطباق الجفون في الإغفاء
واللبيب العليم بالناس لا يغ … تر بالمدح منهمُ والهجاء
غايظوا الراجح السعيد بمَنْ خا … ب ولو فاز كان في البغضاء
يزعمون الخُيَّابّ أحجى بفوزٍ … قد لواه القضاء ذو الأخطاء
زعموا الدهرَ يظلم الندب إذ يس … مو بشأو اللئام والأدنياء
فإذا الندب نال شأوأً أَعَدُّوا … ما أعدوا له من الإيذاء
ولعمري لو بُيِّنَ النقص والفض … ل لكانوا في النقص كالشركاء
باتِّفَاقٍ أو باقتدار نجاح … كان أو لم يكن لدى الفضلاء
ولو أن المفضولَ لم يُلْفِ نُجْحاً … ضاعف الفَوْتُ غبنَ صرف القضاء
نابَهُ النقص من قضاء فإن خا … ب فغبنٌ مضَاعَفٌ في الجزاء
ليس فوزُ الأباة قدرَ شقاء … هزم الذل نخوةَ الأحياء
لا بل الفوز صحة واقتدار … وببذلٍ للذخر أو للحياء
وبأَنْ تَطَّبى رضاء ذوي الجا … هـ وأهل الجدود والأقوياء
وبإحباط من يكيد بكيد … رب فوزٍ مستجلب بالدهاء
وبإطراء من ترى منه نفعاً … وبإرضاء كل دانٍ ونائي
واحتذاءِ الحياة ترضي الذي تر … ضاه من شيمة ومن سيماء
وَبِأَنْ لا تعاف كسباً ولا خُلْ … قاً يداني من مَطْلبٍ ورجاء
فإذا عفت كان سعدك في الخي … بة والنجح من صنوف الشقاء
رُبَّ قُوْتٍ للمرء منه سقام … وهو في جسم آخرٍ كالدواء
وكذا النجح منه عِزٌّ ونعما … ء ونجح يُلِمُّ بالبرحاء
عبد الرحمن شكري
القصص
стр. 10156
صور من هوميروس
١٣ - حُروب طَرْوَادَة
مقتل بتروكلوس
للأستاذ دريني خشبة
قتِل ساربيدون ملك ليسيا وقائد فرسانها، وأشجع مقاتل في جيش طروادة بعد هكتور؛ ووقف بتروكلوس على جثته يصليها سخرية وهزوا، ناسياً أنه إنما يهزأ بابن زيوس سيد الآلهة، من آثر زوجاته إليه، أوروبا الجميلة المفتان، التي وقفت من ذروة جبل إيدا تنظر إلى المعركة الحمراء، وتشهد مقتل ابنها. . . وتبكي!!
وتثور ثائرة الأم التاعسة، وتهيب بالإله الأكبر أن يحمي جثة ولدها، بعد إذ عجز عن حمايته حياً، إذ عجز عن دفع ما قضت به ربات القدر.
وينظر زيوس فيري إلى بتروكلوس واطئاً بقدمه صدر ساربيدون، عادةَ الجاهلية، ويسمع إليه يقذفه بأشنع عبارات التهكم والاستهزاء، غير راث لهذه الروح التي تفيض، أو معتبر جلال الموت الذي تخشع أمامه القلوب؛ فيثور الإله، ويحنق على بتروكلوس وجند بتروكلوس، ويأمر من لاتونا. . . أبوللو العظيم. . . فينطلق من فوره إلى معمعان الحرب، ويرسل إلهي النوم والموت فيحميان جثمان القتيل، ويدفعان عنه سباع الميرميدون التي تكاثرت حوله تريد لو تسبي سلاحه، وتستنقذ دروعه.
أما الجثة، فيحملها الإلهان الكريمان إلى ليسيا؛ وثمةَ، يخلطان بها حنوط المخلود، ويلفانها في ثوب سماوي من ثياب الرحمة، ويجمعان حولها عرائس الفنون تبكيها وتنشد لها أوجع ألحانها، وأشجى ما تكن موسيقاها.
ويبدو لبتروكلوس أن طروادة، بعد ساربيدون، لقمة سائغة، وغنيمة باردة، فيهتف بالإغريق مرة، وبالميرميدون مرة أخرى، أن يقاحموا نحو أسوارها، وأن ينتهزوا فرصة تفتح عليهم فيها المدينة الخالدة.
ولا تدري كيف يستيقظ الطرواديون وأحلافهم من سكرة الروع التي غشيتهم فينكشف لهم أن البطل الذي قتل ساربيدون وعشرات غيره من صناديدهم، ليس هو أخيل العظيم، وإن
стр. 10157
يكن يحمل خوذته، ويقنّع في دروعه، ويذرع الساحة بعربته. . فتهدأ أعصابهم، ويثبت جأشهم، ويأخذون في مناهضة الميرميدون والإغريق جميعاً.
ولكن بتروكلوس يهجم غير هياب، ويجندل من حوله الأبطال المذاويد، ويقود جنده إلى البوابة الكبرى حيث وقف هكتور ينظر إلى المعركة بعينين مشدوهتين، ونفس مذهوب بها، وقلب حيران متصدع. . .
ووقفت الآلهة دون البوابة تحمي طروادة الخالدة. . .
ذلك أن بتروكلوس كان كلما بلغ ثمة. . . وجده وجنده ينسحبون إلى وراء بقوة خافية لا يدرون سرها، ولا يعرفون من أين تأتيهم فتتخطفهم، وتردي جحافلهم. . . وهي على قاب قوسين من داخل المدينة. . . أو أدنى!
وفي الهجمة الثالثة، سمع بتروكلوس إلى صوت إلهي يقول: (بتروكلوس! ليس على يديك تفتح هذه المدينة الخالدة! بل هي لن تفتح على أخيل العظيم الذي هو أقوى منك، ومن عشرة من أمثالك! عد من حيث جئت، واحذر أن تكون آخرتك اليوم، في هذا الميدان المضرج بدماء ضحاياك).
وتلفت بتروكلوس فرأى الهاتف هو إله الشمس، أبوللو، أيوللو بعينه، رب طروادة العظيم، واقفاً فوق برجها الباذخ يقلب قوسه في يديه الجبارتين، مرسلاً في عساكر الميرميدون والجنود الهيلانيين، نظرات تقدح الشرر، وتوري نيران الكيد والجبروت!
واقشعر جسم بتروكلوس، وأيقن أن أبوللو هو الذي رفع جثمان ساربيدون من مكانه من المعمعة، وأنه أيضاً أقبل ليلعب دوره ضد الميرميدون وضد الإغريق، وضد بتروكلوس قبل كل شيء!!
ولكن بتروكلوس محارب، وقلب المحارب العظيم لا يعرف الجبن، ولا يتلجلج لقصف المنايا في المعركة، فكيف به يخفق فرقاً إذا رأى الآلهة نفسها تحارب في صفوف الأعداء!
أقبل يا بتروكلوس وأقدم، ولا يهولنك أبوللو، وألف ألف أبوللو، مادام العمر واحداً، والساعة آتية، ولن يفلت أحد مما قدر له!
وبهت الجمعان المقتتلان حول جثمان ساربيدون حين رأوْا إليه يرتفع في الهواء، ثم يتهادى إلى جهة ليسيا، موطنه الذي يبكي عليه، فعلموا أن السماء تعمل!
стр. 10158
وأحس الليسيُّون هذا الفراغ المفزع الذي خلفه ملكهم المقتول فيهم، فذهب رئيسهم المغوار، جلوكوز، نائب الملك وخير وجوه ليسيا، إلى حيث وقف هكتور ينظر إلى المعمعة قريباً من البوابة الكبرى، فوقف تلقاءه محطم القلب، دامع العين، موهون القوى، وقال: (يقف هنا بطل أبطال طروادة العظيم، ويدع أحلافه البواسل يجودون بأرواحهم من أجل اليوم، ويسيلون نفوسهم على ظبي الرقاق البيض التي يرهفها في وجوههم أعداؤكم! ولأي شيء!؟ لأنكم استجرتم بنا فأجرناكم وأسرعنا إليكم نفتديكم بالمهج الغالية والدماء الزكية! هكتور! لقد قتل ساربيدون، فهل علمت! هل علمت هذه النفوس التي يمضها الأسى، والعيون التي تقرحها الدموع، ويعصف بها الدم!؟ فيم وقوفك هكذا ترمق الساحة وقد رأيت من فتك الميرميدون بنا ما رأيت. هل فكرت في حماية مولانا الملك، أو على الأقل صيانة جثمانه العزيز؟! لقد سبوا دروعه وسلاحه، فأي عار يصمنا في طويل الأحقاب والآباد؟ يا لثأرنا. . . يا لثأرنا. . .؟
ولم ينبس هكتور!
ولكنه شاهد الميرميدون يعيدون الكرة بعد الكرة على الطرواديين، فينالون منهم ويمزقون صفوفهم، وشاهد البطل الإغريقي المشهور إيجيوس، يصول بين الجيشين ويجول، ويجندل الأبطال وببيد لها ميم الرجال، فأحذ هكتور حجراً كبيراً وانتهز فَرّة من إيجيوس، وقذف بالحجر فوق رأسه فشجعه، وبرز المخ، وتدفق الدم، وتردى البطل فوق الحدور حتى استقر في بسيط الساحة!
واستشاط بتروكلوس غضباً! ويود لو كان قريباً من هكتور فيضغط على عنقه ضغطة تذهب به إلى الجحيم! ولكنه لم يستطع إلا أن يثأر للقتيل بمثل ما صنع هكتور؛ فقد تناول جلموداً كبيراً، وقذف به ستينلاس الهائل، أشجع شجعان طروادة الأحياء، فأطاح جمجمته، وهوى الجلمود على مفرش جواده فقتله، بين عجب الطرواديين وشدة تحيرهم!!
ولكن جلوكوز - رئيس الليسيين - يرى إلى ذلك فيتسخط، وينقض على البطل الهيلاني الكبير باثيسيز، فيشكه برمحه شكة تذهب به، وتتركه يتشحط في دمه. وتستمر المعركة. . .
أما أبوللو! فيغيظه من هكتور هذا الجمود الذي استولى عليه، وذلك الموقف الجبان الذي
стр. 10159
يحول بينه وبين الميدان، وفي الحق، لقد كان هكتور ينظر إلى شياطين الميرميدون ولا يصدق أنهم مقاتلة من البشر، بل وقر في قلبه أنهم زبانية من جحيم بلوتو سلطتهم المقادير على الطرواديين يسومونهم الخسف وسوء العذاب!
وتنكر أبوللو؛ فبدأ في زي محارب في عنفوان الشباب، ثم أجرى في عروقه من دماء بني الموتى، وغضَّن قليلاً من جبينه، وسوى من ساعديه، ونثر فوق عدته من ثرى المعمعة، ولوَّح وجهه بملامح (أسيوس) العظيم، أخي هكيوبا، وخال هكتور؛ وسار قُدُما إلى حيث وقف فتى طروادة المسحور بروع الساحة الهوجاء:
(هكتور! فيم إحجامك عن لقاء الأعداء يا بني؟ هلم، هلم! فَوَ أرباب الأولمب لو كان لي شبابك وعنفوانك، لصاولت هؤلاء الميرميدون الألداء، ولأخليت منهم تلك الحومة التي ملأتك هلعاً! أقدم يا هكتور ولا تحجم هكذا! إلق بتروكلوس فقد تصرعه، وإنك لصارعه، وإنك لعاقد إكليلاً من المجد فوق رأسك لا يذبل أبد الدهر، وحسبك أن أبوللو صاحبك وحاميك ومسدد خطاك، ومضاعفٌ بتأييده ضرباتك! هلم، هلم، وعش عزيزاً يا هكتور، أو مت كريماً يا بني، بين طعن القنا وخفق البنود!)
وانفتل أبوللو فانخرط في صفوف المقاتلين، وطفق يُصرع أبطال الهيلانيين ليضرب المثل لهكتور، وليشحذ من همته الخابية، وليوقظ شبابه النائم.
فلما رأى هكتور جلائل هذه الفعال التي أبداها خاله - وما هو بخاله - انكشفت عنه هذه الغمة التي غمرته، وأمر سِبْريونيس، سائق عربته، أن ينطلق به إلى الحومة. فانطلق السائق المسكين نحو بتروكلوس، حتى إذا كان على مقربة من شباة رمحه، ترك صاحبه وجهاً لوجه معه. وكان السائق من مغاوير أبطال طروادة، فأخذ يناوش بتروكلوس هو الآخر، فما كان من قائد الميرميدون العظيم إلا أن قذفه بحجر هشم رأسه، وصدع فقاره، وطار بروحه إلى هيذر.
واقشعر هكتور من هول الضربة، وعز عليه أن يودي سبريونيس وهو بين يدي مولاه، فلا يجد له حامياً. ولكن الطرواديين تكبكبوا حول القتيل، يذودون الهيلانيين الذين كان كل همهم أن يفوزوا بعدته، أثراً حربياً خالداً!!
واشتد صيال القوم حول جثمان السائق، وصخبت زوبعة القتال فوقه، واشترك هكتور
стр. 10160
وبتروكلوس مع أجنادهما؛ فكان جماعة يشدون القتيل من قدميه، بينما جماعة أخرى تشده من الرأس، وهم يعفرونه فيما بين هذا وذاك بالتراب، ويلطخونه بالدم!
ووجد أبوللو فرصته!
أبوللو الخائن! أبوللو سيد الشمس الذي لا يستحي! أبوللو الإله الذي يفرق أن يلقى بتروكلوس وجهاً لوجه، فيأتيه من الظهر! كأجبن الجبناء!!
يا للآلهة! ومسكين يا بتروكلوس!!
لقد تقدم أبوللو، مستجمعاً كل قوته في قبضة يمينه الجبارة فأهوى على قفا بتروكلوس بضربةٍ خائنةٍ كضربات اللصوص، حين ينسلون تحت أستار الليل، فأطار صواب البطل، وأوقع الخوذة الأخيلية الهائلة، وغودر الرأس العظيم مكشوفاً في متناول كل ظباةٍ وكل سنان!
ولم يدع هكتور فرصته تمضي، بل سرعان ما أبصر بتروكلوس يتلفت يرى صافعه، حتى أرسل رمحه الرعديد الخائر، إلى الرأس العاري، فأقصده. . .
وسقط بتروكلوس المسكين. . . مضرجاً بدمه!!
ووقف هكتور يتشدق، ويفاخر تلك المفاخرة الكاذبة: (بتروكلوس! أرأيت؟ لقد انتهيت! ولقد طاحت آمالك وذهبت أمانيك فوق هذه الساحة أباديد! بتروكلوس! أكنت تحلم بأن تُفْتح طروادة عليك، فتسوق بيض خدورها إماء بين يديك إلى بلادك وتُقَرّن في الأصفاد أبطالها البهاليل!؟ أيها التاعس. لقد ترديت من عربة أخيل التي لم تكن يوماً أهلاً لها، وبعد قليل تنوشك سباع الطير، وتغادرك فوق ثرى طروادة صعيداً جرزاً ورفاتاً سحيقاً!!
بتروكلوس! يا أتعس قتيل في هذه الساحة الحمراء!
كم كنت تحدث نفسك أن لو كان هكتور، هكتور الحلاحل، قاتلك، وسافح دمك، هو الذي ينام تلك النومة الساعة بين يديك!!
وكم كنت تمني نفسك أن لوعدت بعدة هكتور وعتاده إلى مولاك، إلى أخيل الذي أرسلك إلى الحومة، ولم يجازف بنفسه فيها، وهو يعلم أن أسدها الهصور لا بد قاتله، فافتدى نفسه بك، وضحاك في سبيل خلاصه، من هذه الصرعة التي زلزلتك!
بتروكلوس!
стр. 10161
أهكذا قد غرر بك أخيل، فأطلقك إلى حيث تلقى حتفك وتسبح في دمك، وتغص بآلامك؛ وإنه ليسبح الآن في شهواته ويقارف لذاته، ولا يدري مصيرك المحزن، ولا يعرف ما حل بك من موتة زؤام!!. . . . . .)
وكان بتروكلوس العظيم يجود بروحه، ويسمع إلى هذا الهذر، ويبكي! فلما انتهى هكتور تأوه القتيل آهة عميقة، وقال:
(هكتور!
حق لك أن تفتخر الآن)
أما قبل هذه اللحظة، فقد كنت تبحث عن قلبك الرعديد فلا تجده، لأنه طاش من شدة ما عاينت من ضربات الميرميدون!
على أنك لو كنت رجلاً، لآثرت أن تدفن وجهك في الرغام، دون أن تفخر بنصر ليس لك في أقله يدان!
لست أنت الذي رميت يا هكتور، بل هو سيد الأولمب، وولده أبوللو، هما اللذان رميا، وهما اللذان كتبا هذا القضاء، وأبرما هذا القدر!!
وإلا، فو أرباب هيلاس، لو صاولت عشرين كلباً مثلك، لما أفلت منهم أحد أبداً؛ ولأرسلت أرواحهم الخبيثة تتردى في نار جهنم!!
أجلي هو الذي أعجلني يا هكتور، وأبوللو هو الذي فتك بي تلك الفتكة البكر، أما أنت، فلم تصنع شيئاً، أكثر من أن رميت رمية الجبان!!
على أني أقولها لك قولةً غير كاذبة
إنك ستشرب بالكأس التي شرب بتروكلوس، ولن تبسم لك الدنيا أكثر مما فعلت، فانتظر، فسيأتيك عذاب يشقيك، وسينتفض أخيل العظيم حين ينتهي إليه نبأ مصرعي، فيهرع إلى هذه الساحة، والويل لك من رمحه الظامئ إلى دمك!)
وكانت هذه المقالة قد أجهدته، فسكت قليلاً، ثم أغمض عينيه إغماضة متعبة، وفتحهما فجأة، ونظر إلى جنوده، وقال:
(ميرميدون!
وداعاً. . . سلامي. . . إلى. . . أخيل!!)
стр. 10162
وفاض الروح الكبير، وسكنت الساحة الحزينة كلها. . . كأنها تبكي. . .!
وكأنما هزت كلمات بتروكلوس فؤاد هكتور، وكأنما خشع بطل طروادة لجلال الموت، فصمت طويلاً. . . وقال، مخاطباً القتيل:
(بتروكلوس!
من يدري إذا كان أخيل هو الذي يقتلني، أو كنت أنا الذي أقتل أخيل!
هذه آجال يا أخي. . . فالسلام عليك!!)
ولم يتورع هكتور أن ينزع حربته من رأس البطل، ولم يتورع كذلك أن يأمر فينزع رجاله عدة أخيل. . .
تذكاراً حربياً!
وعتاداً مؤقتاً!
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 10163
البريد الأدبي
مؤتمر الشباب الأخلاقي - نداء لسعادة رئيسه
إلى شباب مصر:
أبنائي الأعزاء. . .
كان بودي أن أجمعكم في صعيد واحد لأقص عليكم هذا النبأ السار الذي تلتقيه بالغبطة والسرور من شباب رابطة الشباب المصري. . . وعهدي بكم سباقين إلى طريق الخير، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وهانحن أولاء نتقدم إليكم بفكرة هي أساس لهذا المعروف الذي جبلتم عليه وتسعون إليه. . .
ما أطيب أن تدعوكم هذه الجماعة الفتية لوضع دستور للشباب يتمخض من بين جموعهم، فيدعوهم إلى توحيد الصفوف توحيدا يبشر بالنجاح، وينظم حياتهم الخاصة والعامة تنظيماً يهيئ منهم جيلاً صالحاً نحن في أشد الحاجة إليه - ذلك لأن هذا النقص الذي نراه في بعض البيئات منا هو نتيجة لعدم تركيز حياتنا على أسس يجب أن تتوافر فينا جميعاً في هذا العصر وفي جميع العصور، فتجعل منا رجالاً يشرفون أنفسهم ويشرفون بلادهم؟ فإذا ما فهم الشباب حقيقة المقصد ونبل الغاية، فقد قدر لنا أن نحقق رسالتنا على يديه، ذلك لأنه الروح الدافعة، والقلب النابض في الأمة.
أبنائي: من منكم لا يريد الهداية لهذا الخلق الحائر. . . . المغمور فيما لا يرضي نفوسكم الطاهرة، فضموا الصفوف وتعالوا إلى كلمة سواء لتسمعوا آراء كبار مفكريكم في مؤتمر الشباب الأخلاقي، ثم نتناقش معاً في جو من الحرية ونزاهة القصد حتى يستقر عزمنا على تحقيق ما قمنا من أجله من وضع دستور تهذيبي يهيئ للشباب سبل الرشاد؛ هدانا الله سواء السبيل.
رئيس مؤتمر الشباب الأخلاقي
الأستاذ ساطع الحصري
قدم القاهرة منذ يومين الأستاذ الجليل ساطع بك الحصري الوكيل الفني لوزارة المعارف العراقية ومدير دار الآثار ببغداد، ليتصل برجال العلم وقادة الفكر في مصر، ويقف على
стр. 10164
نظم التربية وطرق التعليم ومناهج الدراسة في المعارف، فيقتبس من الأساليب ويختار من الكتب ما يلائم الحال في مدارس العراق، توثيقاً لرابطة الفكر وتحقيقاً لوحدة الثقافة بين البلدين الأخوين.
والأستاذ ساطع أحد الأعلام المعدودين في التربية؛ وقد كان عميد هذا الفن في تركية قبل الثورة العربية؛ فلما قامت الدولة الفيصلية في دمشق كان وزيراً للمعارف فيها، حتى إذا ما انتقلت إلى بغداد انتقل معها وتولى إدارة المعارف هناك، فوضع أساس التعليم للحكومة الجديدة على أساس الوحدة القومية وأحدث الطرق الفنية بالرغم من ندرة المعلمين ومشاكل الطائفية وعراقيل الإنتداب. وأفضل مزايا الرجل أنه صحيح المبدأ، منطقي الفكر، صليب الرأي، حي الضمير، يتقن العمل الذي يعمله، ويملأ المنصب الذي يَشغله.
له مؤلفات قيمة في التربية، ولكن أنفع آثاره وأخلدها مجلة التربية والتعليم التي كان يصدرها في بغداد، فإن مجموعتها سفر جليل حافل في التربية والأخلاق والأدب؛ وهو ولا شك ركن أساسي قوي من أركان النهضة العلمية في العراق؛ فأهلاً به وسهلاً.
حول قبر الصفدي
إلى الأخ (الصفدي) الفاضل، صاحب الكلمة الطيبة المنشورة في بريد الرسالة الحادية والعشرين بعد المائة. . . .
المعروف يا سيدي أن الصلاح الصفدي جاء إلى دمشق في آخر حياته، وتولى فيها وكالةً بيت المال وكتابة الدست وأقام عليهما إلى أن توفي سنة ٧٦٤. فلما قرأت كلمتك شككت في ذلك ورجعت إلى ما في خزانتي من مراجع، فإذا الذي في طبقات السبكي (٦: ٩٤) والسبكي معاصره وصديقه، والشذرات (٦: ٢٠١)، وتاريخ آداب اللغة العربية لزيدان (٣: ١٦١) والأعلام لخير الدين (١: ٢٩٦) أن وفاته في دمشق، وزاد في الذرات أنه دفن بالصوفية، ومقبرة الصوفية قد درست وقام عليها بناء الجامعة السورية والمستشفى الوطني، ولم يبق منها إلا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية قائما وسط المستشفى، وهي في أنزه موضع في دمشق معروف بمقبرة البرامكة.
فكيف يكون القبر الذي وصفت في صفد قبره؟ وعلام استند الأستاذ المحقق أحمد زكي باشا ﵀ في تأييد ذلك؟ هل وجد نصاً يطمئن إليه الباحث، ويثق به المنقب، أم اكتفى
стр. 10165
بالسماع، والشائع على ألسنة الناس؟
هذا وقد وقع لي مرة أني كنت ماراً في الزقاق الذي ينتهي إلى سوق الحميدية، وفيه دور المَرْدميين، والذي يسمى زقاق الفخر الرازي، فلمحت في خربة قذرة قد اتخذها الناس لمثل ما تتخذ له المراحيض. . . . . . لمحت حجراً أبيض مصقولاً عليه كتابة يبدو طرفه، وسائره غائص في الطين والأوساخ والتراب، فعالجته ودعوت من أعانني على استخراجه، فإذا هو الحجر الذي كان على قبر الإمام المصنف العظيم، علامة المسلمين، فخر الدين الرازي، وإذا عليه اسمه، فحملت الحجر إلى المدرسة التجارية، وذهبت مغتماً ثائراً، أقيم الأرض وأقعدها. . . ثم بدا لي فرجعت إلى ترجمته، فإذا من المتفق عليه أنه توفي ﵀ ببلدة هراة يوم الاثنين في عيد الفطر سنة ٦٠٦ ودفن فيها!
ولعل هذه من تلك؛ ولعل هذه المزبلة التي في صفد قبر رجل أخر غير الصلاح صاحب الوافي بالوفيات وتلك المصنفات. وإذن فلله الحمد، وإن كنا من قبل لفي خطأ مبين.
والسلام عليك أيها الأخ ورحمة الله وبركاته.
علي الطنطاوي
الشيخ عبد العزيز الميمني
قدم القاهرة الأستاذ العلامة الشيخ عبد العزيز الميمني الراجكوتي أستاذ اللغة العربية في جامعة عليكرة في الهند، وأحد أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وهو صاحب المصنفات والآثار الممتعة التي تمتاز بالتحقيق المنقطع النظير، ومنها:
(١) أبو العلاء وما إليه، وفي آخره فائت شعره ورسالة الملائكة.
(٢) تنكيتات وتعقبات على خزانة الأدب للبغدادي ,
(٣) اقليد الخزانة، وهو فهرس لما تضمنته خزانة الأدب من الكتب المنسوبة.
(٤) تحقيق (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد للمبرد).
(٥) تحقيق (أبواب مختارة للأصبهاني في مجازات العرب).
(٦) شرح (ما تلحن فيه العوام للكسائي ومقالة كلا لابن فارس).
(٧) النتف من شعر ابن رشيق وابن شرف.
стр. 10166
(٨) ابن رشيق حياته والبيئة التي نشأ فيها.
(٩) زيادات ديوان شعر المتنبي.
(١٠) تحقيق كتاب المداخل لأبي عمر الزاهد المطرز غلام ثعلب.
(١١) تحقيق كتاب جاويزان خِرَد (أي العقل السرمدي)، كان ترجم أيام المأمون من الفارسية القديمة إلى العربية، وهو أقدم كتاب في العالم على رأي الفرس إذ ينسبونه إلى حفيد آدم.
(١٢) وقد عني في هذه السبع السنوات الأخيرة بكتاب اللآلئ في شرح أمالي القالي لأبي عبيد البكري فصححه على نسختين بألمانيا ومكة، ونقحه بما لا مزيد عليه من العناية، وخرج كل ما فيه، وشاطر المؤلف في جميع المباحث، وذيله بإتمام الكلام على ذيل الأمالي بطريقة البكري نفسه. والأستاذ الميمني بعمله هذا قد أتى بفلقة من الفلق في هذه الأزمنة المتأخرة، ودل على اطلاع واسع في آداب اللغة العربية في زواياها المترامية الأطراف، وقد سد الفراغات وما بيض له البكري في كثير من الأمكنة التي كانت تحتاج لمزيد بحث وتدقيق.
إلى غير ذلك من مباحث مفيدة ومقالات مستفيضة نشرت في مجلتي المجمع العلمي والزهراء. والله نسأل أن يمتع الأدب العربي بطول بقائه.
محمد شفيق
سرقة أدبية
نبهنا الأستاذ علي الطنطاوي والأديب محمد يوسف قوره إلى أن القصيدة التي نشرت في عدد الرسالة الماضي تحت عنوان: (حمامتي) وفوق إمضاء (عيسى وهب الله الشمبيري) هي للشاعر محمود حسن إسماعيل صاحب (أغاني الكوخ) ترجمها ونشرها في مجلة الأسبوع عدد ٤ أبريل سنة ١٩٣٤! وأعجب ما في الأمر أن هذا السارق أرسل إلينا قطعة أخرى، ويرجو أن نشير إلى أن اسمه (عيسى وهب الله عبد المسيح) لا عيسى وهب الله الشمبيري كما نشر، فكأنه ساعد الحق على فضيحته!!
السياسة والتاريخ
стр. 10167
أضحى تعليم التاريخ في عصرنا من أكبر العوامل في تكوين العقلية والثقافات القومية. وقد لعبت الثقافة التاريخية أكبر دور في تكوين الجيل الألماني الذي قام بالحرب الكبرى، وكانت من أهم العوامل المعنوية في إذكاء الفكرة الجرمانية. وحيثما كانت السياسة تسيطر على سير الثقافة القومية نرى التاريخ يلعب دوراً كبيراً في تكوين النشء، ويصور بالألوان التي تلائم غايات الدعاية السياسية؛ ففي إيطاليا الفاشستية وفي روسيا البلشفية، وفي ألمانيا الهتلرية، يدرس التاريخ بالأساليب السياسية، ويستعمل أداة قوية لصوغ عقول الشباب وتوجيهها نحو الآراء والنقط الحساسة التي تستطيع السياسة متى حان الوقت أن تضرب على أوتارها. ولم ينس الدعاة الهتلريون في ألمانيا هذه الحقيقة بل عملوا علة استغلالها، وأنشأت الحكومة الهتلرية معهداً جديداً للتاريخ أسمته (المعهد القومي لتاريخ ألمانيا الجديدة) وفي أنباء برلين الأخيرة أن هذا المعهد قد أفتتح بالفعل في حفلة رسمية عقدت ببهو جامعة فردريش ولهلم، وشهدها جمهور كبير من زعماء الحزب النازي ومندوبي الجامعات الألمانية. وتحدث مدير المعهد الجديد الدكتور والتر فرانك عن (الوجهة الاشتراكية الوطنية لفهم التاريخ) وأفاض في استعراض المناهج السلبية القديمة لدراسة التاريخ وحمل عليها بشدة قائلاً: (إن صراعنا العلمي ممتزج بصراع أمتنا القومي، ولسنا نستطيع أن نكون في حياتنا وفي عملنا أكثر من تعبير عقلي عن التطور العظيم والعصر العظيم اللذين اضطلع بهما أدولف هتلر)
وشرح الدكتور والتر مهمة المعهد الجديد في ميدان الدراسة التاريخية ولخصها في أربع نقط هي:
أولاً - غزو الأفكار الغربية لألمانيا منذ سنة ١٧٨٩ (أعني منذ الثورة الفرنسية) إلى سنة ١٨٤٨.
ثانياً - الحركة القومية الدينية في القرن التاسع عشر.
ثالثاً - ألمانيا وتطور الفلسفة في القرن التاسع عشر.
رابعاً - المسألة الألمانية اليهودية منذ الثورة الفرنسية إلى الثورة الألمانية الوطنية الاشتراكية.
وظاهر من هذا الشرح أن مهمة المعهد الجديد هي توجيه الدراسة التاريخية بما يتفق مع
стр. 10168
النظريات النازية في شرح التطورات القومية. فالأفكار الغربية التي غزت ألمانيا، كما غزت العالم كله، منذ الثورة الفرنسية هي أفكار خطرة منحلة لأنها تذهب إلى أبعد الحدود في تصوير الفردية والحقوق والحريات العامة، بينما تذهب المبادئ الهتلرية في الحكم وفي تصوير حقوق الفرد إلى أبعد حدود الطغيان وإنكار الفردية؛ والمبادئ النازية تصور بأنها أمثل طرق الحكم وتكوين الفرد. وأما فيما يختص بالتطور الديني والتطور الفلسفي، والمسألة اليهودية، فلا ريب أنها ستصور جميعاً بصور مغرقة تبرر سياسة النازي وتؤيدها، وتبرر بالأخص نظريات الجنس والتفوق العقلي الجرماني وغيرها.
وسيكون المعهد الجديد مصدر الوحي والإلهام لدراسة التاريخ وكتابته في جميع المعاهد والمدارس الألمانية.
كتاب جديد عن لورد بيرون
كانت حياة اللورد بيرون الشاعر الإنكليزي الأشهر موضع التأمل والدرس لأكثر من كاتب ومؤرخ، فصدرت عنها بالإنكليزية وباللغات الأحرى كتب لا حصر لها، ولكن حياة لورد بيرون ما تزال في عصرنا، أعني لأكثر من مائة عام على وفاته مادة شائقة للدرس؛ وقد صدر أخيراً عن بيرون كتاب جديد عنوانه (بيرون: أعوام الشهرة) بقلم الكاتب الإنكليزي بيتر كنيل؛ وهو كتاب ضخم يفيض بالعرض الشائق ويتناول حقبة صغيرة من حياة بيرون هي ما بين سنتي ١٨١٢ و ١٨١٦، وهي الفترة التي استقبل بيرون فيها مجده الباذخ وغدا عزيز المجتمع المدلل.
وقد ولد بيرون سنة ١٧٨٨، من أسرة تشرفت بالنبل، ولكن عرف أفرادها بسوء الطباع وانحلال الخلق، ولم يكن بيرون يشذ عن هذه القاعدة؛ ولكن بيرون كان شاعر الطبيعة العبقري؛ بيد أن هذه العبقرية التي تفتحت بسرعة مدهشة، وغمرت كل ما حولها، لم تدم سوى فترة قصيرة هي التي اتخذها مستر كنيل موضوعاً لدراسته؛ ففي هذه الأعوام الأربعة أو الخمسة يبدو بيرون في ذروة قوته وخلاله، وقد استعرض المؤلف نفسية الشاعر وخواصه بإفاضة وبراعة، ونوه بنوع خاص بذلك المزيج المؤلم الذي يجثم في نفسيه بيرون وفي صفاته، والذي يجعل حياته الباهرة قطعة من العذاب المستمر؛ وذلك التباين المدهش الذي يجمع في صعيد واحد بين الخليع الصاخب والحيّ النقي، وبين المدنف الشره
стр. 10169
والقنوع الزاهد.
ومنذ سنة ١٨١٦ يأخذ نجم بيرون في الأفول، ولكن شهرته تصمد ردحاً آخر، وتنتهي حياته المضطربة الصاخبة بأن برغم على مغادرة إنكلترا إلى إيطاليا ثم إلى اليونان؛ وقد كان اسم اليونان الطامحة إلى حرياتها يجذب يومئذ كثيراً من عشاق الحرية، وكان بيرون في طليعة أولئك الذين جذبهم وسحرهم ماضي تلك الأرض القديمة؛ فغادر إيطاليا إلى اليونان في أوائل سنة ١٨٢٤ حينما علم بأن اللجنة الثائرة انتخبته عضواً فيها؛ وذهب إلى اليونان ليعمل في سبيلها بقلمه وماله وشخصه؛ ولكن جراثيم الداء الذي قوض حياة الشاعر كانت تعمل عملها، فلم تمض أشهر قلائل حتى توفي، واختتمت تلك الحياة الباهرة الصاخبة بسرعة، ولكن اسم الشاعر ما يزال بعد مائة واثني عشر عاماً من وفاته يفيض حوله أسمى معاني العبقرية والعظمة والخلود.
стр. 10170
الكتب
(١) المعجم الفلكي - للدكتور أمين المعلوف باشا
(٢) خصائص اللغة العربية - للأستاذ حبيب غزالة بك
(٣) الزراعة العملية الحديثة - للأستاذ الأمير مصطفى الشهابي
(٤) في أصول الأدب - للأستاذ أحمد حسن الزيات
(٥) تاريخ الأدب العربي - للأستاذ أحمد حسن الزيات
للأستاذ محمد بك كرد علي
- ١ -
بعد بحث الأستاذ أمين المعلوف في الحيوان سنين طويلة ألف كتاب معجم الحيوان، فوقع من نفوس العلماء أجلَّ موقع، وهاهو الآن ينشر المعجم الفلكي وهو يشمل الثوابت والكواكب السيارة والصور النجومية وبعض المصطلحات الفلكية. وقد جاءت فيه أسماء كثيرة أخذها الإفرنج عن العرب للدلالة على النجوم كانت على الدهر شاهدة بفضلهم في هذا العلم. وقد حقق الأستاذ المعلوف ألفاظاً لم يسبقه إليها أحد، وعلق شروحاً وحواشي مهمة وهو في ١٤٠ صفحة طبع في دار الكتب المصرية.
- ٢ -
يكتب الأستاذ حبيب غزالة بين حين وآخر أبحاثاً صغيرة مفيدة، ومنها ما نشره في جزيرة رودس وتاريخها، ونشر اليوم رسالة في خصائص اللغة العربية قال فيها إن مما امتازت به اللغة العربية من الخصائص المترادفات والتفصيل والتقسيم والأسماء المشتركة والتضاد والاشتقاق والقلب والنحت والتجوز والتعميم والتخصيص والاستعارة والمقصور والممدود والمثنى ومزدوج الكلام والاتباع والتكرار والزيادة والتأكيد والتصغير والكتابة والكنية والتفاؤل والتمويه والأمثال والجزاء أو المشاكلة والتزويج والتعويض والإدغام والتخفيف والإضمار وجمع الجمع والتناسب بين المعنى والاسم والبديع والاعتراض والإعراب والتصريف والحروف وخصائص الحروف. وأورد لكل ذلك أمثلة. وقد شفع هذا البحث بدرس في اللغات العربية العامية.
стр. 10171
- ٣ -
عرف الأمير مصطفى الشهابي في الأندية العلمية بأبحاثه الزراعية والاقتصادية واللغوية. وقد نشر إلى الآن عدة كتب في الزراعة ومنها كتاب (الزراعة العملية الحديثة) في خمسمائة صفحة، طبعه طبعة ثانية منقحاً مزيداً مزيناً بالصور بعبارة سلسة قل أن كتب في الزراعة مثلها. وللمؤلف معجم مفيد في الألفاظ الزراعية، وضع لكل لفظ من الألفاظ بالإفرنجية ما يقابلها بالعربية، ومنها ما كان من وضعه خاصة وهو بضع مئات؛ فحبذا لو صحت عزيمته على طبعه خدمة للعلم.
- ٤ -
أحسن الأستاذ أحمد حسن الزيات بنشر محاضرات له ومقالات في كتاب خاص؛ ومن أحق من بلاغة ابن الزيات بالتخليد؟ وقد درس في هذا الجزء عدة موضوعات ومن أهمها الأدب وحظ العرب من تاريخه والعوامل المؤثرة فيه، وتاريخ ألف ليلة وليلة، وبحثه في الروايات المسرحية كالمأساة والملهاة والدرامة والغنائية (الأوبرا)؛ ولاشك أن الكلام على ألف ليلة وليلة والروايات المسرحية من الأبحاث الممتعة التي وفق الأستاذ إلى وضعها ولم يسبقه أحد إلى تجليتها وتجويدها. وحبذا لو جمع أيضاً في كتاب بعض ما خطته أنامله على صفحات الرسالة من المقالات الممتعة، فإن الكتاب تتناقله الأيدي في كل زمان ومكان على صورة لم يكتب للمجلات حتى الآن مثلها.
- ٥ -
قلَّ في الكتب حتى المدرسية ما طبع بعض طبعات. وصدور الطبعة السادسة من تاريخ الأدب العربي دليل بيِّن على احتياج الطبقات المتأدبة إليه، وقد زاده المؤلف إمتاعاً فنقحه وذيله بمعجم فسر ما غمض من الألفاظ والتراكيب، حتى لا يحتاج طالب هذا الفن إلى الرجوع إلى كتاب آخر. وحبذا لو صحت عزيمة المؤلف الكبير على البحث في سني ولادات من ترجم لهم من الأدباء والعلماء، فللولادات كالوفيات دخل كبير في تصوير المترجمين؛ مثال ذلك عبد الله بن المقفع، فقد ذكر أنه قتل في السادسة والثلاثين، وعلى هذا جرى كل من ترجموا له ومنهم كاتب هذه الكلمة في (رسائل البلغاء) (طبعت طبعة
стр. 10172
ثانية في القاهرة سنة ١٩١٣م - ١٣٢٤هـ)، وتبين بعد ذلك أن ابن المقفع عاش أكثر من ذلك، فقد ذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب الذي طبعه في فينا السيد موجيك من علماء المشرقيات سنة ١٣٤٥ - ١٩٢٦ أن ابن المقفع كان يكتب لدواوين عمر بن هبيرة على كرمان؛ وعمر بن هبيرة عزله هشام بن عبد الملك عن العراق والشرق سنة خمس ومائة، وقال إنه كتب للمسبّح بن الحُوَّاري في نيسابور في ولاية عبد الله بن عمر بن عبد العزيز قبيل تقلص الدولة الأموية، وبهذا يصدق التخمين بأن عبد الله بن المقفع ولد في عشر التسعين ظناً، ولا يعقل أن يكتب لأحد قبل أن يتم له نحو خمس وعشرين سنة على الأقل، وإذا حسبنا ذلك كان ابن المقفع يوم قتل ابن ستين أو نحوها؛ وهذا هو المعقول لأنه كتب أكثر من عشرة كتب، والعمر الذي قال به من قال لا يتسع لكل هذا.
محمد كرد علي
стр. 10173
العدد ١٢٤ - بتاريخ: ١٨ - ١١ - ١٩٣٥
стр. 10174
على هامش الموضوع
في الجمال؟!
حاولت أن أتابع البحث (في الجمال) فنبا علىّ الفكر، وشرد عني الخيال، واستبهم أماميَ المسلك. وكيف يستطيع أن يبحث في الجمال من يرى القبح الشنيع قد هجم على المشاعر من وراء البحر، فآذى الأحداق، وسمم الأذواق؛ وشوه كل منظر؟ ومَن أقبح من قادر يختل، ومعاهد ينكث، وصديق يروغ، ومتمدن يعالن الناس بسخف الذمة، وذائد عن الحق يتبجح باهتضام الحق، وغارق في الثراء يتحلب ريقه على كفاف الفقير، وكابوس من الأنس يجثم على صدرك نصف قرن، تريد أن تزحزحه فيثقل، أو تخاطبه فيغبى، أو تغاضبه فيبرد؟
إن في بعض أعمال اللصوص جمالاً إذا نمّت جراءتها على القوة، أو دلت حيلتها على الذكاء؛ ولكن أي جمال في صوت يتحنن بالرياء في (جنيف)، ويتخشن بالعداء في (جلد هول)، ثم لا يختلف في مقامه وقراره عن عواء الذئب في روما؟ أليس هذا وذاك مظهرين وضيعين قبيحين من ضراوة الحيوانية في الإنسان الضعيف؟
على أن من يسطو وفي يده الخنجر، أدنى إلى الرجولة ممن يسطو وفي يده المسبحة؛ لذلك كانت قهقهة (الدوتشي) من تصريح (هور) سخرية أليمة، خنس لها الرياء، وخجل منها الدهاء، وفرت أمامها الحجة!
الحياة جميلة؛ ولكن هذا الإنسان يلونها بلونه فتقبح؛ وقد جاهد المرسلون والمصلحون أن يجلوها على صبغة الله فعجزوا أمام بغيه وجشعة!
ماذا يبتغي الإنسان من الإنسان إذا كان يفسح له في أرضه، ويفضل عليه من رزقه، ويقول له: هواك هواي، ورضاك رضاي، وعدوك عدوي، ولكن لي وطني ولك وطنك، فلينعم كلانا بسلطانه الطبيعي على ما يملك، وليكن بيننا ما بين الحليف والحليف من تعاهد في شرف، وتعاون في استقلال، وتعامل في حرية؟ هذا كلام على بساطته وصراحته ووضوحه ما يزال يعجز الإفهام في أمة تفاخر بالعلم والحكم، وتباهي بالديمقراطية والعدل؛ لأن الأنانية المسلحة إذا عصفت في النفوس غشّت على الحواس فلا تشعر، ورانت على الأذهان فلا تدرك، وأنبهم في الخواطر مفهوم الفضيلة في الإنسان، ومدلول الجمال في الطبيعة، فلا تدرك من معنى البحر غير الأسطول، ولا من دلالة الأرض غير الجيش، ولا
стр. 10175
من جمال غير الاستعمار الوقح.
من شذوذ هذه العقلية الغالبة في الغرب ما نعاني ويعاني الشرق من أرزاء ومحن!
ومن شذوذ هذه العقلية الطاغية ما تصبَّب أمس من نفوس الشباب على أديم الأرض! فدحتهم تركة الآباء الغارمة، وأحفظتهم سياسة الأصدقاء الجارمة، فغضبوا للحق الطعين، وفزعوا للأمل المخيَّب، ففاضت أرواح طاهرة، ودميت وجوه حرة، وضجت بالأنين مستشفيات، وجأرت بالشكوى سجون، وتجاوبت بالحزن بيوت، وتألف من هذه السطور الحمر صفحة بيضاء من تاريخنا الوطني الحديث.
جف اللسان وحفى القلم من استعداء القانون واستصراخ العدالة؛ والقانون والعدالة كلمتان لا تعنيان إلا إرادة القوى ومنفعة الغاصب؛ فإذا لم يكن بجانب الحق قوة تؤيده، وبازاء العدل سلطان يقيمه، كان استمساك الضعيف بهما استمساكاً بالهباء المنتثر!
إذا أعوزتك اليوم قوة السلاح فلا تعوزك قوة الخلق؛ وقوة الخلق ميسورة لك متى أقنعت نفسك بأنك إنسان له إرادة قبل الوظيفة، وكرامة فوق المال، وواجب مع الحق، وتاريخ بعد الموت. وقوة الخلق هي التي تجعل للأمة كلمة لا تتعدد، وسياسة لا تتردد، ومهابة في الصدور تكسر من طرف المحتقر، وتكف من شرة الطامع، وتصد من عادية الدخيل.
جربنا كل شئ في جهاد العادين فما أغنى عنا جهاد ولا تجربة، لأن العُدة كانت قوية إلا من ناحية الخلق. وإذا لم يكن الخلق كانت الشهوة والأثرة والتحاسد والتخاذل والتواكل والهوى؛ وهذه الرذائل مجتمعة ومتفرقة كانت في مدى أعوام الجهاد الستة عشر وباءً ذريعاً تسلطه الأقدار من حين إلى حين على جهود الشباب فيفنيها، وعلى آمال الأمة فيذويها، ثم يقطع ما بيننا وبين الزمن المتقدم فنسقط في هوة الماضي على الموقف الأول.
هانحن أولاء على جلَد الصخرة التي وثبت من فوقها الأمة: وراءنا الهدنة التي قُسمت عليها الأسلاب ووُزعت بينها الغنائم؛ وأمامنا أطلال من الجهود العافية، وأنقاض من الأماني المحطمة؛ وعن أيماننا وعن شمائلنا آثار أقوام كانوا قبلنا فغبَّروا في وجوهنا وانطلقوا خفافاً متساندين إلى الأمد البعيد. فهل لسادتنا الذين يتولون استئناف الجهاد أن يجربوا في قيادتهم قوة الخلق؟ إنهم إن فعلوا ذلك أمنوا ولا ريب نكسة العلة، ورِدَّة الهزيمة، وضلة الطريق. جاهدوا أنفسكم قبل أن تجاهدوا العدو، فإن من لم ينتصر على نفسه لا
стр. 10176
ينتصر على غيره، ومن لم يقد نفسه الواحدة، لا يستطيع أن يقود النفوس المتعددة.
أحمد حسن الزيات
стр. 10177
٦ - كَلِمة وكُلَيمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
أصوبُ الصوابِ عند المأفون غلطةُ تجلِبُ له الشهرة.
يرى المغرورُ أنه كالمسجد، إذا هدمه الناسُ بقيت أطلاله تصلي وتسلم على نفسها. . . .
عقلُ النملة يصوِّرُ لها ظلام الليل جيشاً من النمل قد ملأ العالم. . . . . . . . . . . . . .
تعدُّدُ الأحزاب في أُمة تحتاج إلى الحرية، كتعدد الأنبياء في أمة تحتاج إلى العقيدة؛ إذا وجد فيها نبيان كان اتفاقهما معاً دليلاً على كذبهما معاً، وكان أقل ما في اختلافهما أنه دليل على كذب أحدهما.
إنما أضعفَ السياسيين في الشرق أن ربحهم وخسارتهم من (الوظائف) لا غير.
من مصائب هذا الشرق أن الخصامَ السياسيَّ فيه لا يدلُّ على سياسة. . . تَبَرَأ متبوعٌ من تابع فاختصما، فكانا كرجُل وحذائه؛ يقول الرجل: أنا خلعتُ الحذاء، ويقول الحذاء: بل أنا خلعت الرجل. . . إذا كانت المشكلةُ بين الذئب والحَمَل، فلن يكون حلها إلا من أحد اثنين: إما لحم الخروف، أو عصا الراعي. . .
كلُّ دجال له أساليبُه التي صار بها دجالاً، وليس للمنخدعين إلا أسلوبٌ واحد في الغفلة؛ وشرٌّ من الشرِّ تعدُّدُه. . .
إذا اصطنعتَ سفيهاً يُسافِهُ عنك، فاحذَرْه لليوم الذي لا يكون فيه سفيها إلا عليك.
من أحْسَنَ تملُّق المرأة أحسنَ إخضاعها لا تملُّقَها.
ما رأيت امرأةً حمقاءَ إلا كان حمقُها من سخفه كأنه امرأةٌ أخرى حمقاء. . .
إذا أحببت ففكر في البغض لعله يكون، وإذا أبغضتَ ففكر في الحب لعله يعود؛ بهذا وهذا تكون دائماً محباً وإن أبغضت.
ما أعجبَ تناقُض المرأة! هي تريد أن تستقلَّ فتخرجَ عن طاعة الرجل، وهي لا تسعد إلا حين تجد رجلاً تشعر من حبه بوجوب طاعته.
من بلاءِ الحب أنه ينزِّه جمالَ المحبوب عن كل عيبٍ وكل نقص؛ ولكنه بذلك يدفع طبيعةَ العاشق إلى البحث عن كل نقص وكل عيب في أعمال المعشوق.
قاعدةُ الرجل مع المرأة التي يحبها أن تنتصر إرادته وإن ذلت كبرياؤه؛ وقاعدة المرأة مع
стр. 10178
الرجل أن تنتصر كبرياؤها وإن ذلت إرادتُها.
سؤال فيه جوابه: لماذا يكون حَقدُ المرأة الخائبةٍ في حبها حقداً شديداً على الرجل الذي أحبته حتى كأنه حقدُ أمٍ على قاتل أطفالها. . .؟
المرأةُ التي لا زوج لها منفيةٌ وإن كانت في دارها، لأن وطن قلبها الرجل.
إذا استسلمت المرأةُ لمحبها ظنت الحبَّ قد ابتدأ، وعلِمَهُ الرجلُ قد ابتدأ ينتهي. . . أذاك فرقُ ما بينهما في الحب أم فرقُ ما بينهما في الظلم؟
ما أعجبَ هذا! أرادت حبيبةٌ ظريفةٌ أن تكون مرةً سخيفة عند محبها، فلم تستطع أن تكون سخيفة إلا كما يحب.
ما هو السُّلوان في الحب؟ هو رجوعُ العقل من سَفَره الخياليّ في جسم المحبوب.
الرذيلة الصريحةُ رذيلةٌ واحدة، ولكن الفضيلةَ الكاذبةَ رذيلتان.
يرى الملحدون أن من حقهم أن يعملوا في النفس الإنسانية كما يعمل أهل الدين؛ فهل من حق أصابع الرجلين أن تمشي على البِيَانة كأصابع اليدين؟
لكل إنسان عقلٌ تحكمه الغريزة، وحقيقةُ الدين أن يكون للغريزة عقلٌ يحكمها.
إذا جئتَ بالنكتة وبالغتَ فيها، كنت كمن أضاء المصباح وأطفأه حين أضاء.
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10179
٢ - مدينة الزهراء وحياتها الملوكية القصيرة
للأستاذ محمد عبد الله عنان
تتمة البحث
وقد انتهت إلينا هذه الضاحية الملوكية الشهيرة أوصاف وأرقام مدهشة تنبئ عما كانت عليه من الضخامة والفخامة، فقد ذكر ابن حيان مؤرخ الأندلس أن الزهراء كانت تشغل مسطحاً قدره تسعمائة وتسعون ألف ذراع، وأن مبانيها اشتملت على أربعة آلاف سارية ما بين صغيرة وكبيرة، منها ما جلب من مدينة رومة، ومنها ما أهداه قيصر قسطنطينية، وأن مصاريع أبوابها كانت تبلغ زهاء خمسة عشر ألفاً، وكلها ملبسة بالحديد والنحاس المموه؛ وذكر مؤرخ آخر أن عدد الفتيان بالزهراء كان ثلاثة عشر ألفاً وسبعمائة وخمسين فتى، وعدد النساء والحشم بالقصر ستة آلاف وثلثمائة، يصرف لهم في اليوم ثلاثة عشر ألف رطل من اللحم سوى الدجاج والحجل وغيرها. وقد لا نجد في المنشآت الملوكية الحديثة ما يذكرنا بهذه الأرقام المدهشة سوى القصر البابوي أو قصر الفاتيكان الشهير برومة وما انتهى إليه خلال العصور المتعاقبة من الضخامة والفخامة والجلال، فإن هذا المقام الكنسي الملوكي الفخم يحتوي على أربعة آلاف غرفة وعلى مئات الأبهاء والساحات والأروقة، ويضم عدة أجنحة ومجالس رائعة أسبغ عليها أبدع ما عرف الفن الرفيع من آيات الزخرف والنقش والتصوير.
- ٢ -
ولم تعمر الزهراء طويلاً كقاعدة ملوكية؛ فقد لبثت قاعدة الملك والخلافة زهاء أربعين عاماً فقط، مذ نزل بها الناصر سنة ٣٢٩هـ حتى نهاية عهد ابنه الحكم المستنصر سنة ٣٦٦هـ؛ ولم يكن ذلك لأن الزهراء قد عفت كقاعدة ملوكية، ولكن لأن تحولاً خطيراً قد وقع في سلطان بني أمية؛ فقد ترك الحكم الملك لابنه الوحيد - هشام المؤيد - وهو طفل لم يجاوز الحادية عشرة؛ وسرعان ما استولى الوزير محمد بن عبد الله بن أبي عامر على مقاليد الحكم بمؤازرة صبح أم المؤيد ووصية العرش، ولم يمض قليل حتى استأثر ابن أبي عامر بكل سلطة ورياسة في الدولة؛ وفي سنة ٣٦٨هـ أنشأ له ضاحية ملوكية جديدة
стр. 10180
بجوار قرطبة على نهر الوادي الكبير وأسماها الزاهرة، وجعلها قاعدة الحكم، ونقل إليها خزائن الأموال والأسلحة ودوائر الحكومة، واتخذ سمة الملك وتسمى بالحاجب المنصور.
وهكذا فقدت الزهراء صفتها كقاعدة رسمية، وشاءت الأقدار ألا تكون منزل الملك والخلافة إلا في عهد مؤسسها وخلفه الذي أكمل بناءها. وكان قيام الحاجب المنصور في الواقع خاتمة لسلطان بني أُمية، ولم يبق لهم بعد ذلك من الملك سوى الاسم؛ وقد بقيت الزهراء حيناً آخر مقاماً ملوكياً للخليفة المحجور عليه، ولكنها فقدت إلى الأبد أهميتها السياسية، وروعتها الملوكية.
ثم كانت المحنة الكبرى بانهيار هذا الصرح البديع الذي شاده بنو أُمية بالأندلس، وانهيار الخلافة الأموية والدولة العامرية معاً، وسقوط الأندلس صرعى الحرب الأهلية. ففي سنة ٤٠١هـ (١٠١١م) زحف سليمان المستعين زعيم الثورة الأموية على قرطبة لينتزعها من المؤيد وواضح الحاجب التغلب عليه، ثم هاجم مدينة الزهراء واقتحمها، وفتك أنصاره البربر بسكانها، وعاثوا في معاهدها ورياضها، وأحرقوا المسجد والقصر؛ والظاهر أن الضربة كانت قاضية، فلم يبق من الضاحية الملوكية الباهرة سوى أطلال دارسة، ولا يكاد اسم الزهراء يذكر بعد ذلك في التاريخ الأندلسي إلا كأثر عصفت به صروف الدهر؛ وقد كانت الزهراء أيام روعتها وازدهارها وحي الشعر الرائع والخيال الرفيع، وقد تغزل بجمالها وفخامتها جمهرة من أكابر شعراء الأندلس وأمراء البيان، ثم رثوها بعد ذلك في مقطوعات مؤثرة؛ ومما قاله ابن زيدون أعظم شعراء العصر يشيد بالزهراء ورائع ذكرياتها:
خليلي لا فطر يسر ولا أضحى … فما حال من أمسى مشوقاً كما أضحى
لئن شاقني شرق العقاب فلم أزل … أخص بمخصوص الهوى ذلك السفحا
معاهد لذات وأوطان صبوة … أجلت المعاني في الأماني بها قدحا
ألا هل إلى الزهراء أوبة نازح … تقضت مبانيها مدامعه سفحاً
مقاصر ملك أشرقت جنباتها … فخلنا العشاء الجون أثناءها صبحا
يمثل قرطبها لي الوهم جهرة … فقبتها فالكوكب الرحب فالسطحا
محل ارتياح يذكر الخلد طيبه … إذا عز أن يصدى الفتى فيه أو يضحا
стр. 10181
هناك الحمام الورق تندى خفافها … ظلال عهدت الدهر فيها فتى سمحا
تعوضت من شدو القيان خلالها … صدى فلوات قد أطار الكرى صبحا
ونقل إلينا الشيخ محي الدين بن العربي أبياتاً قال إنه قرأها على بعض جدران الزهراء بعد خرابها، رثاء في المدينة الشهيرة وهي:
دَيار بأكناف الملاعب تلمع … وما إن بها من ساكن وهي بلقع
ينوح عليها الطير من كل جانب … فيصمت أحياناً وحيناً يرجع
فخاطبت منها طائراً متغرداً … له شجن في القلب وهو مروع
فقلت على ماذا تنوح وتشتكي … فقال على دهر مضى ليس يرجع
ويرثي الفتح معاهد الزهراء خلال رواية نقلها عن جولة لبعض الكبراء في تلك الأطلال: (وآثار الديار قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على خرابها، وانقراض إطرابها، والوهي بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار غراب ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلصت ظلالها وأوفياءها، وطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من شذاهم وأرجت، أيام نزلوا خلالها وتفيأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجناتها، ونبهوا الآمال من سناتها، ورعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأضحت ولها بالتداعي تلفع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلا نؤى وأحجار، وقد هوت قبابها، وهرم شبابها؛ وقد يلين الحديد، ويبلى على طيه الجديد. . .)
ويحدثنا الرحالة البغدادي ابن حوقل عن الزهراء - وقد زارها أيام الحكم - فيصف موقعها، ويقول إن العمارة اتصلت بينها وبين قرطبة، وأن لها مسجداً جامعاً دون جامع البلد (قرطبة) في المحل والقدر، وعلى سورها سبعة أبواب حديد، وليس لها نظير بالمغرب فخامة حال وسعة تملك، وابتذالاً لجيد الثياب والكسى، وفراهة الكراع وكثرة التحلي، وإن لم يكن لها في عيون كثير من الناس حسن بارع).
وكانت أطلال الزهراء ما تزال قائمة حتى القرن السابع، الهجري (القرن الثالث عشر) وقد ذكرها الشريف الإدريسي في معجمه الجغرافي الذي وضعه في منتصف القرن السادس وذكر أن بينها وبين قرطبة خمسة أميال؛ وذكرها أيضاً ياقوت الحموي في معجمه الجغرافي الذي وضعه في أوائل القرن السابع الهجري. وفي سنة ٦٣٦هـ (١٢٣٦م)
стр. 10182
كانت نكبة الأندلس، ونكبة الإسلام بسقوط قرطبة في يد النصارى، فطويت بذلك أسطع صحف الإسلام وصحف الخلافة في الأندلس؛ وكانت قرطبة قد فقدت أهميتها السياسية منذ الثورة وسقوط الدولة الأموية، ولكنها لبثت بعد ذلك عصراً تحتفظ بهيبتها الخلافية القديمة. ومن المرجح أن أطلال الزهراء بقيت بعد سقوط قرطبة في يد النصارى عصراً يصعب تحديده؛ غير أن قرطبة فقدت في ظل سادتها صبغتها ومعالمها الإسلامية بسرعة؛ ولم يبق اليوم من آثارها ومعاهدها الإسلامية الشهيرة سوى مسجدها الباهر الذي حوله الأسبان منذ افتتاحها إلى كنيسة جامعة؛ وقد شوهت بذلك معالمه ومناظره الأولى، ولكنه ما زال يحتفظ بكثير من أروقته وأبهائه القديمة، وما زال يلفت نظر الزائر المتجول بمسحته العربية والإسلامية، بل ما زال يعرف حتى اليوم بكلمة (مزكيتا) أي المسجد؛ ولم يبق غير المسجد من معاهد قرطبة وأبنيتها الفخمة القديمة سوى أنقاض بالية. أما الزهراء، فقد اختفت معالمها منذ عصر بعيد، ولم يبق منها اليوم أثر ما. بيد أن موقعها ما زال يعرف بالتقريب، في شمال غربي قرطبة، ويطلق عليه اليوم (قرطبة القديمة) ويقوم إلى جوار موقعها القديم إلى اليوم دير (سان جيرونيمو) ويقال إنه بني بأنقاض قصر الزهراء وقد عنيت الهيئات الأثرية الأسبانية في العهد الأخير بإجراء الحفر في تلك المنطقة محاولة استكشاف مواقع الزهراء ومعالمها الحقيقية.
وقد كان لهذا المصير المحزن الذي انحدرت إليه مدينة الناصر بسرعة مؤسية شبيه بين مصاير القواعد الملوكية الإسلامية؛ ذلك هو مصير مدينة القطائع الملوكية التي أنشأها ابن طولون إلى جانب الفسطاط، وأسبغ عليها ولده خمارويه آيات رائعة من الفخامة والبهاء، ثم شاء القدر أن تنهار دعائم الدولة الطولونية، وأن تمحى القطائع بين يوم وليلة، بعد حياة قصيرة لم تجاوز ثلث قرن؛ فكانت مأساة مؤثرة تشبهها مأساة الزهراء من وجوه كثيرة مع فارق في العظمة والمنزلة السلطانية، وفي ظروف العصر، وصروف الأحداث.
محمد عبد الله عنان
стр. 10183
مذاهب الفلسفة
٢ - المذهب الطبيعي
للأستاذ زكي نجيب محمود
إذن فالجامد والحي شيئان مختلفان أشد ما يكون الاختلاف، وليس من اليسير أن يسيغ العقل أنهما جانبان لحقيقة واحدة هي الطبيعة، وأنهما يسيران وفق قانون واحد هو قانون الطبيعة؛ ولعل أعقد المشاكل التي يصادفها المذهب الطبيعي هي هذه:
كيف أنتج الجماد عالم الأحياء وبين موات الجماد وحياة الأحياء ما رأينا من فروق؟ هنا تقدمت نظرية التطور لتأخذ بيد المذهب الطبيعي فتنجو به من هذا المأزق العسير بأن تفسر لنا كيف نشأت الحياة وكيف نشأ العقل.
أما دارون فلم يستطع ذلك، أو هو على الأصح لم يحاوله، فقد سلم بوجود الحياة تسليماً وفرضه فرضاً، ثم بدأ سيره من هذه النقطة بأن أخذ يبحث فيما يطرأ على الحياة من تغير وتحول، ومعنى ذلك أن دارون قد فرض أن الكائن الحي قد تسلسل من كائن حي قبله، وهذا من كائن حي قبله، وهكذا دواليك. فهو على ذلك لم يزد في بحثه على أن تتبع حلقات الاتصال بين أنواع الأحياء أي بين الكائنات السفلى والكائنات العليا، وإذن فدارون لم يقدم في نظريته حلاً للمشكلة الأولى: مشكلة المذهب الطبيعي، وهي، كيف نشأت الحياة من الجماد، وكيف نبت العقل مما لا عقل فيه؟
ثم جاء في أثره هربرت سبنسر وتناول بعقله الجبار نظرية دارون فأكمل نقصها وأتم مطلبها. فأقام الحجة على أن الحياة إن هي إلا ضرْب من ضروب المزيج الكيميائي بين أجزاء المادة، فإذا كنا نبغي الوصول إلى الحلقة التي تصل الحياة بالجماد، فما علينا إلا أن نلتمس علماء الكيمياء!. . . ولقد رأى سبنسر مما وصلت إليه العلوم في عهده أنه ليس بين قطع الجماد وكائنات الأحياء تلك الشقة الفسيحة التي توهمها الأولون، فالفرق كل الفرق بينهم اختلاف في درجة التعقيد والتركيب. أما العقل فضرب من ضروب الطاقة كالحرارة والكهرباء والضوء.
ولكن ما بالنا نركب رءوسنا فلا يرضينا إلا أن يقوم الدليل على أن العقل قد نشأ من الجماد نشأة تدريجية معقولة وإلا كان الأمر في أعيننا لغزاً مغلقاً؟ فلم لا تكون الحياة قد خرجت
стр. 10184
من الجماد خروجاً فجائياً مباغتاً بغير مقدمة ولا تمهيد؟ قلب النظر في جوانب الكون تر آلافاً من الأشياء التي جاءت إلى الوجود من غير مقدمة منطقية؛ خذ طعم الملح مثلاً وسائل نفسك من أين جاء؟ هو لم يكن في عناصر الملح الأولى التي من مزيجها نشأ الملح، وإذن فقد جاء هذا الطعم الذي نعرفه للملح طارئاً مباغتاً. فلماذا لا تكون الحياة ولا يكون العقل قد نشأ كلاهما على هذا النحو، فيكون لهما من الخصائص ما ليس لعنصرهما الأول: أعني ما ليس في مادة الطبيعة الجامدة. . . تلك حجة جديدة يؤيد بها المذهب الطبيعي رأيهم.
ولكن دعك بعد هذا كله من تطور العقل سواء أكان تدريجياً أم مفاجئاً، وحسبنا أن نأخذه كما بين أيدينا. فهل يستطيع المذهب الطبيعي أن يفسر كيف يعمل العقل؟ كيف يمكن لقطعة من اللحم أو الشحم أن تخلق فكراً وتبدع خيالاً كما نرى؟ إنه إن استطاع أن يعلل ذلك هان عليه بعد ذلك كل شئ، ولهذا تراه اليوم يجاهد جهاد الأبطال في ميدان علم النفس لعله واجد عنده نصيراً وظهيراً؛ وهاهو ذا علم النفس منذ منتصف القرن الماضي ينحو في بحثه نحواً فسيولوجياً، أي أنه يعتبر العقل وظيفة للمخ لا أكثر ولا أقل، فهو لذلك خاضع كبقية أعضاء الجسم لقوانين العلة والمعلول. وكثير بين علماء اليوم من يزعم أن كل ظواهر الإنسان الروحية والعقلية لا تعدو أن تكون نتائج كيميائية لبعض إفرازات الجسم. وليس بعيداً عن هؤلاء أن يحين الحين الذي يسيطر فيه الإنسان على قواه العقلية، بأن يبتكر طعاماً معيناً إفرازاً خاصاً يرفع الفدم الوضيعْ إلى مرتبة الفلاسفة والحكماء!!
المذهب الطبيعي والدين:
لما كان أنصار هذا المذهب يتشبثون بالطبيعة وحدها، فهم ينكرون أشد إنكار أن يكون وراءها أية حقيقة أخرى، وبعبارة موجزة واضحة: هم ينكرون الدين وكل ما يتصل بالعقيدة الدينية من حقائق لا تمت إلى ظواهر الطبيعة بسبب من الأسباب. فإن ساءلتهم قائلاً: إن كانت العقائد ضلالاً في ضلال فما الذي حدا بالإنسان بادئ ذي بدء أن ينظر إلى العالم بمنظار روحي، ومن أين جاءه هذا الاتجاه في التفكير؟ أجابوك إنه خطأ بشري ككل ما يقع فيه الإنسان من أخطاء، ولكنه في رأيهم خطأ واجب مفيد لم يكن للإنسانية عنه بد في حياتها الأولى.
إنما ينشد الإنسان الحقَّ في الرأي لا لشيء إلا أن تكون الحقيقة عوناً له في طريق الحياة؛
стр. 10185
إذ الفكرة الصائبة توضح السبيل وتيسر الطريق، وتعمل على استمرار البقاء واجتناب الخطر؛ وعلى نقيضها الفكرة الخاطئة، فهي مضللة للإنسان مبعثرة لجهوده في غير ما طائل، بل إنها قد تضره وتؤذيه وتؤدي به إلى الموت. ولما كانت العقائد الدينية مجموعة آراء نسجها الإنسان ووشج بينها، كان لنا أن نقول إنه كلما بعدت العقيدة عن الصواب كانت أدنى إلى إيذاء الإنسان والعمل على تدهوره، ولكن مما يهون الأمر أن الفكرة الخاطئة لا يستفحل خطرها وأذاها إلا إذا مست حياة الإنسان العملية فأثرت فيها أثراً مباشراً، فإن لم تكن كذلك كانت قليلة الخطر أو عديمته؛ فلما كان الإنسان مثلاً في العصور القديمة لا يتعدى بأسفاره ورحلاته نطاقاً محدوداً ضيقاً، لم تكن لتؤذيه فكرة أن الأرض مسطحة على خطئها، فالخطأ والصواب في مثل هذه الحالة سواء، بل كثيراً ما يكون الخطأ أنفع للإنسان من الرأي الصحيح كأن توهم المشفى على الموت بأنه قوي سليم.
وعلى هذا النحو كانت فائدة النظرة الروحية في مراحل الإنسانية الأولى، إذ كانت العقيدة أقوى حافز يدفعه إلى العمل والنشاط حينما كان الإنسان أشد ما يكون حاجة إلى التشجيع. فقد كان أول أمره يهيم مع أوابد القفر وضواري الغاب، يعيش لساعته عيش الحاجة والضرورة، فلما أراد أن يعلو على مستوى الحيوان وأن يتخذ لنفسه في الحياة منزلة رفيعة ومكانة ممتازة بين الأحياء، مستعيناً بما أوتي من عقل وخيال، رأى أن الوسيلة الأولى هي أن يحطم أغلال الضرورة ما استطاعت حيلته، وأن يوسع من أفق زمانه فينفذ ببصره إلى الغد، مهنا يعيش في جو من أحلام ينسجها لنفسه بقوة خياله، وسرعان ما ألقى في روع نفسه أن هناك - فوق العالم الذي يرى - قوة سامية سترعاه وتأخذ بيده مما يصادفه في حياته من عسر وإشكال، وتمكنت من نفسه العقيدة بأن تلك القوة العليا ستكون له خير هادٍ ومرشد في طريقه نحو الكمال الذي أخذ يرجوه ويبتغيه بعد أن نقض حياته الحيوانية الأولى، وتحرر من رق الضرورة واستعبادها.
تلك كانت نواة العقيدة الدينية التي عملت فيما بعد على تماسك الأفراد وترابطهم في تكوين المجتمع، إذ أوحت إلى الناس ضرورة احترام العادات والتقاليد التي هي الأساس الأول في بناء المجتمع، كما خلعت على السلطة المدنية مسحة مقدسة زادت من هيبتها واحترامها؛ وبديهي أنه لا بقاء لمجتمع بغير سلطان محترم مهيب، وهكذا كان الدين عماداً قويماً في
стр. 10186
بناء المجتمع أول الأمر كما كان خير مدرب لمشاعر الإنسان وعواطفه، إذ راضها وصقلها وأجراها في سبيل صالح مستقيم، ولعل هذا هو السبب الذي من أجله كان الدين كنفاً ترعرعت في ظله الفنون الجميلة على اختلافها إبان طفولتها.
كل هذه حسنات للدين مشكورة غير منكورة، ولكن قد يكون هذا الذي عاون الإنسان على السير في أول الطريق عائقاً يحول اليوم دون تقدمه، وقد يكون (فرويد) العالم النفسي الكبير مصيباً في رأيه بأن الدين صالح لتقويم الأخلاق إبان الطفولة حتى إذا ما نضج الإنسان كان لزاماً عليه أن يواجه مشكلات الحياة العملية في صرامتها وجدها، ولا ينبغي أن نطيل الوقوف عند هذه المرحلة الأولى - مرحلة الأحلام الجميلة والآمال الحلوة بأن قوة سامية ستحول بين صدورنا وبين ضربات القدر وسهامه، فلئن كان الدين قد ساهم بقسط وافر في تطور الحياة البشرية ورقيها فلقد فرغت رسالته وأصبحت الإنسانية اليوم في مرتبة من رشد الكهولة تجعلها في غنى عنه.
ويقول أوجست كونت في هذا الصدد إن طريقة تفكير الإنسان بازاء العالم قد سارت منذ نشأتها إلى اليوم في مراحل ثلاث: الأولى هي المرحلة اللاهوتية حيث كانت تُفسر. الأحداث بقوى الآلهة؛ والثانية، وهي المرحلة الغيبية حيث كان الإنسان يعلل حوادث الكون بمجموعة من القوى، فيعزو الحياة إلى القوة الحيوية، والنار إلى الحرارة، وسقوط الأجسام إلى قوة ثقل الجسم؛ والمرحلة الثالثة هي المرحلة الإيجابية التي فيها يفسر الناس ظواهر الوجود بأسباب مباشرة تسبق حدوث الظاهرة المعينة، فإذا وقعت العلة جاء في أثرها المعلول تبعاً لقانون معروف؛ وهذه المرحلة كما يقول كونت هي أسمى مراحل العقل البشري، وهي المرحلة التي تجتازها الإنسانية اليوم. وهكذا يدعو أصحاب المذهب الطبيعي إلى نبذ العقائد على الرغم من رسوخ قدمها في النفس وتأصل جذورها في القلوب، ويهيبون بالناس أن يواجهوا حقائق الكون الواقعة في شجاعة وإقدام.
والعجيب أن هذا المذهب الطبيعي لم يعدم في كل عصر من عصور الفكر ظهيراً ونصيراً، فقد وجد بين فلاسفة الإغريق من يقيمه ويؤيده كديمقريطس؛ ووفق في مستهل العصر الحديث إلى رجل مثل (توماس هويز) الذي أخذ على نفسه أن يفسر كل شئ في الوجود على أنه مادة متحركة ليس إلا، فتناول العقل نفسه وقال إنه نتيجة لجملة الأحاسيس التي
стр. 10187
تنفذ إلينا خلال الحواس الخمس، ولما كان هذا الإحساس أثراً مباشراً لتحرك الأعصاب، وهذه نتيجة لأزمة لما يقع بين الأشياء المادية من حركة، كان العقل بكل ما فيه من ذاكرة وخيال وما إليها ضرباً من ضروب الحركة المادية لا أكثر ولا أقل - هذا وإن ديكارت الذي يعتبر مؤسس الفلسفة الحديثة وواضع أصولها قد نادى بأن الكائن الحي لا يزيد على آلة صماء عمياء تسير في حياتها كما تسير الآلة الميكانيكية، وقال إن جسم الإنسان أيضاً آلة كسائر صنوف الحيوان ولو أنه استثنى العقل من هذه الآلية وقال إنه عنصر ممتاز. ثم جاء القرن التاسع عشر، وهو عصر ازدهرت فيه المادية ووجدت طائفة كبيرة من المشايعين، على رأسهم دارون وسبنسر وبخنر وهيكل وهكسلي ونيتشه، فسار المذهب الطبيعي على أيديهم شوطاً فسيحاً في تدعيم قواعده.
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 10188
النقد والمثال
الجمال الذاتي في بعض المعاني البسيطة
للأستاذ أحمد الزين
تحدثتُ في الفصل السابق عن نوعي المعنى الأصليّ والشعريّ؛ وقلت في المعنى الأول: إنه أول ما يخطر على الخاطر، وتتحدث به نفس الشاعر، وذكرتُ أنه لا يسمى شعراً، وليس من الشعر في قليل ولا كثير، وبينت المعنى الثاني الذي تصرفت فيه الملكة الفنية بإضافة شئ من المحسّنات الشعرية إليه، وقلت: إنه هو الذي يعدّ من مقومات الشعر وعناصره، ومثلت لكلا المعنيين بما فيه الكفاية من شعر المتقدمين والمحدثين.
وأقول في هذا الفصل:
إن بعض هذه المعاني الأصلية التي لم تتصرف فيها ملكة الشاعر قد يكون الحسن فيها أصلياً، والجمال فيها من ذاتها، فلا تتصرف فيها ملكة الشاعر تصرفاً كثيراً ولا قليلاً، ولا تتكلف فيها تحسيناً ولا تجميلاً، بل إن تصرف الشاعر فيها قد ينقص من جلالها، ويشوه من جمالها، ويحجب هذه الطبيعة الجميلة بثوب من التكلف يحول بينها وبين مشافهة الأذواق بجمالها، ومباشرة الاحساسات بتأثيرها؛ فهي أشبه بغانيات أبي الطيب اللاتي استغنين بما فيهن من جمال مطبوع، عما يُكسبهن الافتنان في الزينة من جمال مصنوع إذ يقول:
حسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ … وفي البداوة حسنٌ غيرُ مجلوب
أفدي ظِباء فلاةٍ ما عرفن بها … مضغَ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمّام مائلة … أردافهن صقيلات العراقيب
ومن هوى كل من ليست مموهة … تركتُ لون مشيبي غير مخضوب
وليس على الشاعر في أمثال هذه المعاني إلا ما يتعلق بالصياغة البيانية، من عذوبة العبارة، ورقة النسج، وشرف الألفاظ، واختيار الأسلوب الملائم لغرض الشاعر، وما إلى ذلك مما يتصل بالألفاظ والعبارات، دون المعاني والأغراض، وإنما يكون هذا الجمال الطبعيّ في المعاني البسيطة إذا صدرت عن عاطفة قوية في النفس، وتحدرت عن ينبوع صافٍ من الحِسّ، وكانت صُوَراً دقيقة للشعور الصادق في القلب الخافق، فهنالك لا يعد
стр. 10189
الشاعر إلا لساناً ناطقاً، لا مبتدعاً خالقاً.
وترى هذه المعاني الجميلة بطبيعتها مستفيضةً شائعةً في شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين إلى أواسط العصر الأموي، وإنما استفاضت هذه البساطة في شعر الأمويين لقرب عهدهم بعيش البساطة في البادية، ومشافَهة الطبيعة في صحراء الجزيرة، فهم رغم تفرقهم في الممالك التي فتحوها وانتشارهم في الأمصار التي مصّروها، ومفارقة الفطرة في بواديهم، لم يزل صوتها يناديهم، فيجيبونها في أشعارهم بالبساطة في معانيهم وأفكارهم.
وإنك لتستجلي ذلك في شعر النسيب وما هو بسبيله، من الحنين إلى الأوطان وما قضاه الشاعر فيها من لبانات وأوطار وما لقيه بعد فراقها من مِحَن وآلام وذِكر الشباب الزائل، وما كان فيه من لهو وباطل، ونفور الحسان من هذا الشعر الأبيض الذي يُقذي العيون، ويذهب باللهو والفتون، كما ترى هذه البساطة الفاتنة فيما تقرؤه أوائل قصائدهم في صفة الديار والأطلال، وما فعلت بها الرياح والأمطار، وما بقي فيها بعد من رحلوا عنها، وتحديد مواقعها بين الأمكنة التي تتصل بها أو تقرب منها.
وترى ذلك أيضاً في شعر الذكريات حين تنزل بالشاعر محنة من سجن أو إسار فيعزّي نفسه عن تقييد ساقيه بإطلاق فكره في تذكر أيامه الذاهبة، ولذاته الفائتة؛ وذِكر ما كان يحضره من مجالس الشراب والقيان، وبقائه رغم القيد على الوفاء لمن كان يجالسه من القدامى والصحاب، وإقدامه في القتال، وصبره على مقارعة الأقران ثم يأخذ في الافتخار بقومه وعشيرته ولومِهم على تركه لأعدائه، وبطئِهم عن فدائه؛ كلُّ ذلك في حسرة وألم يفريان الضلوع، ويستنزفان الدموع.
وأنا أعرض عليك في هذا الفصل أمثلةً يسيرة لما ذكرت مما اخترته من حفظي.
أما جمال هذه البساطة في النسيب، فكقول المجنون (وهو من أصوات الأغاني).
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا … سوى أن يقولوا إنني لكِ عاشقُ
لقد صدق الواشون أنت حبيبةٌ … إليّ وإن لم تَصْفُ منكِ الخلائق
ووجه الجمال في هذا الشعر مخالفةُ الشاعر غيرَه من المحبّين باحتقاره الوشاة، وعدم استحقاقهم لتكلّف المصانعة والمداراة وهو بذلك يصف حبَّه بالنقاء من الريبة، وأنه أسمى من أن يستره بحيلة، وأشرفُ من أن يُعمِل في إخفائه الوسيلة.
стр. 10190
ثم انظر إلى سحر هذه البساطة في ضد ذلك وتصوير الخوف من الوشاة والارتياع من مقالتهم؛ وشكوى الشاعر إلى حبيبته قلّة الرسل إليها، وأن الحيل قد أعوزته في لقائها، ثم إشارته بعد ذلك إلى عتابه عليها، وضراعته إليها؛ كل ذلك في بساطة ساحرة وجمال رائع يشبه جمال الأزهار التي كستها الطبيعة من ألوانها الفاتنة ما تقصُر عنه ريشةُ الفن بما تزوِّره من أصباغها الحائلة.
أريد شعر يزيد بن الطَّثرية حيث يقول:
أيا خُلة النفس التي ليس دونها … لنا من أخلاء الصفاء خليل
أما من مقام أشتكي غربة النوى … وخوف العدا فيه إليك سبيل
فديتكِ، أعدائي كثير، شقتي … بعيد، وأشياعي لديك قليل
وكنت إذا ما جئتُ بعلة … فأفنت علاتي فكيف أقول
فما كلَّ يوم بأرضك حاجةٌ … ولا كلَّ يوم لي إليك رسول
صحائف عندي للعتاب طويتها … ستنشر يوماً والعتاب طويل
فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة … فحمل دمي يوم الحساب ثقيل
ومثل هذه البساطة الساحرة ما تراه في شعر عبد الله بن الدُّميْنة حيث يقول:
ألا لا أرى وادي المياه يثيب … ولا النفس عن وادي المياه تطيب
أحب هبوط الواديين وإنني … لمشتهر بالواديين غريب
أحقاً عباد الله أن لست وارداً … ولا صادراً إلا عليَّ رقيب
ولا زائراً فرداً ولا في جماعة … من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحن نجيبة … إلى إلفها أو أن يحن نجيب
أما جمال هذه البساطة في معاني الحنين إلى الوطن فمن أحسن ذلك قول بعض الأعراب:
أحب بلاد الله ما بين منعج … إلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائمي … وأول أرض مس جلدي ترابها
وقول عبد الله بن نمير:
تعز بصبر لا وجدِّك لن ترى … عراص الحمى إحدى الليالي الغوابر
كأن فؤادي من تذكره الحمى … وأهم الحمى يهفو به ريش طائر
следующие страницы →