Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.
стр. 10186
بناء المجتمع أول الأمر كما كان خير مدرب لمشاعر الإنسان وعواطفه، إذ راضها وصقلها وأجراها في سبيل صالح مستقيم، ولعل هذا هو السبب الذي من أجله كان الدين كنفاً ترعرعت في ظله الفنون الجميلة على اختلافها إبان طفولتها.
كل هذه حسنات للدين مشكورة غير منكورة، ولكن قد يكون هذا الذي عاون الإنسان على السير في أول الطريق عائقاً يحول اليوم دون تقدمه، وقد يكون (فرويد) العالم النفسي الكبير مصيباً في رأيه بأن الدين صالح لتقويم الأخلاق إبان الطفولة حتى إذا ما نضج الإنسان كان لزاماً عليه أن يواجه مشكلات الحياة العملية في صرامتها وجدها، ولا ينبغي أن نطيل الوقوف عند هذه المرحلة الأولى - مرحلة الأحلام الجميلة والآمال الحلوة بأن قوة سامية ستحول بين صدورنا وبين ضربات القدر وسهامه، فلئن كان الدين قد ساهم بقسط وافر في تطور الحياة البشرية ورقيها فلقد فرغت رسالته وأصبحت الإنسانية اليوم في مرتبة من رشد الكهولة تجعلها في غنى عنه.
ويقول أوجست كونت في هذا الصدد إن طريقة تفكير الإنسان بازاء العالم قد سارت منذ نشأتها إلى اليوم في مراحل ثلاث: الأولى هي المرحلة اللاهوتية حيث كانت تُفسر. الأحداث بقوى الآلهة؛ والثانية، وهي المرحلة الغيبية حيث كان الإنسان يعلل حوادث الكون بمجموعة من القوى، فيعزو الحياة إلى القوة الحيوية، والنار إلى الحرارة، وسقوط الأجسام إلى قوة ثقل الجسم؛ والمرحلة الثالثة هي المرحلة الإيجابية التي فيها يفسر الناس ظواهر الوجود بأسباب مباشرة تسبق حدوث الظاهرة المعينة، فإذا وقعت العلة جاء في أثرها المعلول تبعاً لقانون معروف؛ وهذه المرحلة كما يقول كونت هي أسمى مراحل العقل البشري، وهي المرحلة التي تجتازها الإنسانية اليوم. وهكذا يدعو أصحاب المذهب الطبيعي إلى نبذ العقائد على الرغم من رسوخ قدمها في النفس وتأصل جذورها في القلوب، ويهيبون بالناس أن يواجهوا حقائق الكون الواقعة في شجاعة وإقدام.
والعجيب أن هذا المذهب الطبيعي لم يعدم في كل عصر من عصور الفكر ظهيراً ونصيراً، فقد وجد بين فلاسفة الإغريق من يقيمه ويؤيده كديمقريطس؛ ووفق في مستهل العصر الحديث إلى رجل مثل (توماس هويز) الذي أخذ على نفسه أن يفسر كل شئ في الوجود على أنه مادة متحركة ليس إلا، فتناول العقل نفسه وقال إنه نتيجة لجملة الأحاسيس التي
стр. 10187
تنفذ إلينا خلال الحواس الخمس، ولما كان هذا الإحساس أثراً مباشراً لتحرك الأعصاب، وهذه نتيجة لأزمة لما يقع بين الأشياء المادية من حركة، كان العقل بكل ما فيه من ذاكرة وخيال وما إليها ضرباً من ضروب الحركة المادية لا أكثر ولا أقل - هذا وإن ديكارت الذي يعتبر مؤسس الفلسفة الحديثة وواضع أصولها قد نادى بأن الكائن الحي لا يزيد على آلة صماء عمياء تسير في حياتها كما تسير الآلة الميكانيكية، وقال إن جسم الإنسان أيضاً آلة كسائر صنوف الحيوان ولو أنه استثنى العقل من هذه الآلية وقال إنه عنصر ممتاز. ثم جاء القرن التاسع عشر، وهو عصر ازدهرت فيه المادية ووجدت طائفة كبيرة من المشايعين، على رأسهم دارون وسبنسر وبخنر وهيكل وهكسلي ونيتشه، فسار المذهب الطبيعي على أيديهم شوطاً فسيحاً في تدعيم قواعده.
(يتبع)
زكي نجيب محمود
стр. 10188
النقد والمثال
الجمال الذاتي في بعض المعاني البسيطة
للأستاذ أحمد الزين
تحدثتُ في الفصل السابق عن نوعي المعنى الأصليّ والشعريّ؛ وقلت في المعنى الأول: إنه أول ما يخطر على الخاطر، وتتحدث به نفس الشاعر، وذكرتُ أنه لا يسمى شعراً، وليس من الشعر في قليل ولا كثير، وبينت المعنى الثاني الذي تصرفت فيه الملكة الفنية بإضافة شئ من المحسّنات الشعرية إليه، وقلت: إنه هو الذي يعدّ من مقومات الشعر وعناصره، ومثلت لكلا المعنيين بما فيه الكفاية من شعر المتقدمين والمحدثين.
وأقول في هذا الفصل:
إن بعض هذه المعاني الأصلية التي لم تتصرف فيها ملكة الشاعر قد يكون الحسن فيها أصلياً، والجمال فيها من ذاتها، فلا تتصرف فيها ملكة الشاعر تصرفاً كثيراً ولا قليلاً، ولا تتكلف فيها تحسيناً ولا تجميلاً، بل إن تصرف الشاعر فيها قد ينقص من جلالها، ويشوه من جمالها، ويحجب هذه الطبيعة الجميلة بثوب من التكلف يحول بينها وبين مشافهة الأذواق بجمالها، ومباشرة الاحساسات بتأثيرها؛ فهي أشبه بغانيات أبي الطيب اللاتي استغنين بما فيهن من جمال مطبوع، عما يُكسبهن الافتنان في الزينة من جمال مصنوع إذ يقول:
حسنُ الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ … وفي البداوة حسنٌ غيرُ مجلوب
أفدي ظِباء فلاةٍ ما عرفن بها … مضغَ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمّام مائلة … أردافهن صقيلات العراقيب
ومن هوى كل من ليست مموهة … تركتُ لون مشيبي غير مخضوب
وليس على الشاعر في أمثال هذه المعاني إلا ما يتعلق بالصياغة البيانية، من عذوبة العبارة، ورقة النسج، وشرف الألفاظ، واختيار الأسلوب الملائم لغرض الشاعر، وما إلى ذلك مما يتصل بالألفاظ والعبارات، دون المعاني والأغراض، وإنما يكون هذا الجمال الطبعيّ في المعاني البسيطة إذا صدرت عن عاطفة قوية في النفس، وتحدرت عن ينبوع صافٍ من الحِسّ، وكانت صُوَراً دقيقة للشعور الصادق في القلب الخافق، فهنالك لا يعد
стр. 10189
الشاعر إلا لساناً ناطقاً، لا مبتدعاً خالقاً.
وترى هذه المعاني الجميلة بطبيعتها مستفيضةً شائعةً في شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين إلى أواسط العصر الأموي، وإنما استفاضت هذه البساطة في شعر الأمويين لقرب عهدهم بعيش البساطة في البادية، ومشافَهة الطبيعة في صحراء الجزيرة، فهم رغم تفرقهم في الممالك التي فتحوها وانتشارهم في الأمصار التي مصّروها، ومفارقة الفطرة في بواديهم، لم يزل صوتها يناديهم، فيجيبونها في أشعارهم بالبساطة في معانيهم وأفكارهم.
وإنك لتستجلي ذلك في شعر النسيب وما هو بسبيله، من الحنين إلى الأوطان وما قضاه الشاعر فيها من لبانات وأوطار وما لقيه بعد فراقها من مِحَن وآلام وذِكر الشباب الزائل، وما كان فيه من لهو وباطل، ونفور الحسان من هذا الشعر الأبيض الذي يُقذي العيون، ويذهب باللهو والفتون، كما ترى هذه البساطة الفاتنة فيما تقرؤه أوائل قصائدهم في صفة الديار والأطلال، وما فعلت بها الرياح والأمطار، وما بقي فيها بعد من رحلوا عنها، وتحديد مواقعها بين الأمكنة التي تتصل بها أو تقرب منها.
وترى ذلك أيضاً في شعر الذكريات حين تنزل بالشاعر محنة من سجن أو إسار فيعزّي نفسه عن تقييد ساقيه بإطلاق فكره في تذكر أيامه الذاهبة، ولذاته الفائتة؛ وذِكر ما كان يحضره من مجالس الشراب والقيان، وبقائه رغم القيد على الوفاء لمن كان يجالسه من القدامى والصحاب، وإقدامه في القتال، وصبره على مقارعة الأقران ثم يأخذ في الافتخار بقومه وعشيرته ولومِهم على تركه لأعدائه، وبطئِهم عن فدائه؛ كلُّ ذلك في حسرة وألم يفريان الضلوع، ويستنزفان الدموع.
وأنا أعرض عليك في هذا الفصل أمثلةً يسيرة لما ذكرت مما اخترته من حفظي.
أما جمال هذه البساطة في النسيب، فكقول المجنون (وهو من أصوات الأغاني).
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا … سوى أن يقولوا إنني لكِ عاشقُ
لقد صدق الواشون أنت حبيبةٌ … إليّ وإن لم تَصْفُ منكِ الخلائق
ووجه الجمال في هذا الشعر مخالفةُ الشاعر غيرَه من المحبّين باحتقاره الوشاة، وعدم استحقاقهم لتكلّف المصانعة والمداراة وهو بذلك يصف حبَّه بالنقاء من الريبة، وأنه أسمى من أن يستره بحيلة، وأشرفُ من أن يُعمِل في إخفائه الوسيلة.
стр. 10190
ثم انظر إلى سحر هذه البساطة في ضد ذلك وتصوير الخوف من الوشاة والارتياع من مقالتهم؛ وشكوى الشاعر إلى حبيبته قلّة الرسل إليها، وأن الحيل قد أعوزته في لقائها، ثم إشارته بعد ذلك إلى عتابه عليها، وضراعته إليها؛ كل ذلك في بساطة ساحرة وجمال رائع يشبه جمال الأزهار التي كستها الطبيعة من ألوانها الفاتنة ما تقصُر عنه ريشةُ الفن بما تزوِّره من أصباغها الحائلة.
أريد شعر يزيد بن الطَّثرية حيث يقول:
أيا خُلة النفس التي ليس دونها … لنا من أخلاء الصفاء خليل
أما من مقام أشتكي غربة النوى … وخوف العدا فيه إليك سبيل
فديتكِ، أعدائي كثير، شقتي … بعيد، وأشياعي لديك قليل
وكنت إذا ما جئتُ بعلة … فأفنت علاتي فكيف أقول
فما كلَّ يوم بأرضك حاجةٌ … ولا كلَّ يوم لي إليك رسول
صحائف عندي للعتاب طويتها … ستنشر يوماً والعتاب طويل
فلا تحملي ذنبي وأنت ضعيفة … فحمل دمي يوم الحساب ثقيل
ومثل هذه البساطة الساحرة ما تراه في شعر عبد الله بن الدُّميْنة حيث يقول:
ألا لا أرى وادي المياه يثيب … ولا النفس عن وادي المياه تطيب
أحب هبوط الواديين وإنني … لمشتهر بالواديين غريب
أحقاً عباد الله أن لست وارداً … ولا صادراً إلا عليَّ رقيب
ولا زائراً فرداً ولا في جماعة … من الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحن نجيبة … إلى إلفها أو أن يحن نجيب
أما جمال هذه البساطة في معاني الحنين إلى الوطن فمن أحسن ذلك قول بعض الأعراب:
أحب بلاد الله ما بين منعج … إلي وسلمى أن يصوب سحابها
بلاد بها حل الشباب تمائمي … وأول أرض مس جلدي ترابها
وقول عبد الله بن نمير:
تعز بصبر لا وجدِّك لن ترى … عراص الحمى إحدى الليالي الغوابر
كأن فؤادي من تذكره الحمى … وأهم الحمى يهفو به ريش طائر
стр. 10191
وقول الصمة بن عبد الله القشيري:
قفا ودِّعا نجدا ومن حل بالحمى … وقلَّ لنجد عندنا أن يودعا
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربى … وما أحسن المصطاف والمتربَّعا
وليست عشيّات الحمى برواجع … عليك ولكن خل عينيك تدمعا
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني … على كبدي من خشية أن تَصدَّعا
فهل ترى أحد هؤلاء الشعراء الثلاثة قد زاد في هذا الحنين على ما يتحدث به إليك متحدث نأى عن بلده، وفارق أهله وعشيرته، من الحنين إليهم، والألم لفراقهم، وتذكر ما مضى له من عهود، وزمن لا يعود، وتَمنيه العودةَ إلى وطنه تمني اليائس من الأمنية، وتأميله الرجوع إلى بلده تأميل من يثق بالخيبة ويوقن بامتناع الأمل واجتهاده في الدعاء له وتوديعه إياه، وتفديته بالنفس؛ فلم يخترع أحدهم في الحنين معنىً جديداً، ولم يفكر تفكيراً بعيداً، ولم يُغرِب في خيال، ولم يبالغ في تصوير ما يشعر به من ألم الفرقة، ووحشية الغربة، ولم يُثقِل شعره بالمجازات والاستعارات، ولا بشيء من تلك الحُلي الظاهرية الزائدة على الحاجة في هذه المعاني وأشباهها.
ولما كان هذا الشعر خطاباً صادراً عن نفس الشاعر منبعثاً عن عاطفته كان لا بد من مشافهته لنفس السامع ومباشرته لها، ولا نزاع في أن إثقاله بتلك الحلي الظاهرية من الاستعارات والمجازات مما يحول بين معانيه ومشافهتها للنفس، ويباعد بينها وبين الحس، ويجعلها أشبه بالغناء الجميل تسمعه بواسطة (الحاكي) فإنه لا ينال من نفسك ما يناله الغناء المشافه.
وفي هذه الأمثلة التي رويتها لك فوق البساطة الساحرة في معانيها من رقة الأسلوب الملائم لمعاني الحنين، وعذوبة العبارة، وحلاوة الألفاظ - وهي كلُّ عمل الشاعر في أمثال هذه المعاني - ما يثير الشجن ويوقظ اللوعة، ويجتذب قلب السامع إلى قلب الشاعر حتى يصيرا قلباً واحداً متحد الإحساس، متفق الشعور، حتى يخيل للسامع - وهو في وطنه بين أهله وعشيرته - أنه غريب عنهما، وأن النوى قد قذفت به إلى مكان سحيق، فهو يشكو الغربة كما شكاها الشاعر، ويتمنى العودة كما تمناها؛ وقد كان بعض علماء الأدب المتقدمين ينشد أبيات الصّمّة بن عبد الله السابقة على تلامذته في مسجد الكوفة، ثم يبكي حتى تخضل
стр. 10192
لحيته، ويقول: ما أصاب أكبادكم! ألا تبكون عشيات الحمى؟
وسرّ الجمال في هذه المعاني مشافهتها للعاطفة ودخولها إلى النفس الإنسانية من ناحية الضعف الموجب للمواساة والرحمة؛ ونفوذها إلى إحساس العطف المشترك بين الأسرة البشرية الباعث على المشاركة في الألم والمحنة. أما بساطة هذه المعاني في أشعارهم إذا بكَوا الشباب وعهده، وذموا المشيب ووفدَه؛ ووقفوا على الأطلال والديار، فلا أريد أن أطيل عليك في هذا الفصل القصير بذكر أمثلتها، فإن ذلك مستفيض شائع في كلامهم بل هو جُلُّ شعرهم، وأكثرُ ما يبدأون به قصائدهم؛ فلا تكاد تجفّ قصيدة لأحدهم مهما يكن غرضها من دمعة حارّة يذريها الأسف على شباب ذاهب والارتياع من مشيبٍ طارق، والوقوف على طلل ما حل، ورسمٍ حائل، وذِكر ما قضاه الشاعر في أفياء هذه الرحاب وأكناف هذا الجناب، من أيامٍ عِذاب وليال قصرتها مُتَعُ الصِّبا ولهوُ الفتوّة إلى غير ذلك.
ولعلّهم جرَوا على ابتداء قصائدهم بهذه المعاني وتقديمها على الغرض المقصود بالشعر لتحريك القرائح الراكدة، وإيقاظ الشاعرية الراقدة، وتنبيه الأذهان التي قد تغفو، واقتياد الأفكار التي قد تعزب؛ ولما كانت هذه المعاني معروفة لديهم، معبدة طرقها لهم، محفوظاً أكثرها عندهم، كانت تجربة قرائحهم فيها أيسر، وتنشيط شاعريتهم في ميدانها أسهل، كما يجرب الجواد بإجرائه شوطاً قبل الانتظام في الحلبة، وكما ترى أرباب الموسيقى إذا قصدوا إيقاع إحدى النغمات، أوقعوا على الأوتار ما يقاربها من النبرات حتى يسَهل عليهم الخروج منها إلى النغمة المقصودة.
أما روعة هذه المعاني في قصائد الذكريات إذا نزلت بالشاعر محنةٌ من سجن أو إسار، فأنا أذكر لك أمثلة منها لقلتها وانتثارها في كتب الأدب، وصعوبة الظفر بها في دواوين العرب، وأكثرها من شعر لصوص البادية والمُغيرين على أموال القبائل وهم أفصح العرب شعراً، وأصرحُهم عربية؛ وكان بعض علماء الأدب المتقدمين وأحسبه الأصمعي يقول: (إذا أتاك بيت لصّ فاحتفظ عليه) وذلك لإخلادهم إلى سكنى البادية، وعدم اتصالهم بالحضر.
ومن أحسن ذلك شعر عبد يغوث بن وقّاص الحارثي، وكانت تيم قد أسرته وشدّوا لسانه، فقال من قصيدة
ألا لا تلوموني كفى اللوم ما بيا … فمالكما في اللوم خيرٌ ولا ليا
стр. 10193
أيا راكباً إمّا عرضت فبلّغن … نداماي من نجرانَ ألاّ تَلاقِيا
أقول وقد شدّوا لساني بنسعةٍ … أمعشر تيمٍ أطلِقوا عن لسانيا
أحقّا عباد الله أن لستُ سامعاً … نشيدَ الرِّعاء معزِ بين المتاليا
وقد علمت عرسي مُلَيكة أنني … أنا الليث معدوا عليّ وعاديا
وقد كنت نحّار الجزور ومُعمِل ال … عطيَّ وأمضي حيث لاحيَّ ماضيا
وأنحر للشَّرب الكرام مطيتي … وأصدع بين القينتين ردائيا
وكنت إذا ما الخيل شمسها القنا … لبيقا بتصريف القناة بنانيا
كأني لم أركب جواداً ولم أقل … لخيلي كُرّي نفِّسي عن رجاليا
ولم أسبأ الزِّق لبرَّويّ ولم أقل … لأيسار صدق أعظِموا ضوء ناريا
وإنك لتقرأ هذا الشعر بيتاً فلا ترى ملكة الشاعر قد تصرفت في هذه المعاني البسيطة الفاتنة ببساطتها تصرفاً قليلاً ولا كثيراً، ولا أضافت إلى هذا الجمال الطبعي الرائع بطبيعته من المحسنات الفنيّة ما يزيده روعة وحسناً؛ ولم يزد الشاعر على أن عرض صوراً دقيقة من حياته الماضية ولذاته المنصرفة، كما يتحدث به المتحدث، لا كما يتخيله الشاعر المتكلف؛ ودَعْني أيها الأديب المتذوق أعتمد على ذوقك في إدراك الجمال في هذا الشعر فإني أرى الإطالة في شرح الجمال الشعر والإبانة عن وجوه الحسن فيه كما يفعله علماء البلاغة مما يسخفه ويسمّجه، ويخرجه عن كونه احساسات نفسية، إلى جعله قواعد علمية. وسيمر بك أيضاً كثير من أمثلة هذا الجمال منتثرة في هذه الفصول.
أحمد الزين
стр. 10194
٤ - معركة عدوى
للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي
رئيس أركان حرب الجيش العراقي
علاقة الطليان بالحبشة
نشأت هذه العلاقة من اشتراك إيطاليا في سياسة الاستعمار. ففي اليوم الذي نال الطليان وحدتهم تامة غير منقوصة بعد حرب ١٨٧٠ أخذت الجرائد الطليانية تطالب بالمستعمرات الإيطالية بحجة أن الطليان في زيادة مستمرة في بلادهم فيحتاجون إلى أرض أخرى للسكنى فيها.
فاستأجرت في سنة ١٨٧٠ شركة (روباتينو) أرضاً من الأهلين في جوار (عصب) لمدة عشر سنوات. وكانت أرض مصوع وما يجاورها ملكاً للعثمانيين ولكنهم تنازلوا عنها لخديو مصر مقابل خراج سنوي. وعند انقضاء مدة الإيجار اشترت الشركة الأرض المذكورة. ولما احتل البريطانيون أرض مصر أعلن الطليان أن (عصب) مستعمرة طليانية فأخذت البعثات الطليانية تتجول في أرض دناكل والحبشة برغم هلاك بعضها بيد سكان البلاد، وكان البريطانيون في هذا التاريخ منهمكين في مقاتلة جماعة المهدي في السودان. وأراد الطليان أن يقلدوا البريطانيين في تشكيل القوات في المستعمرات فأخرجوا قوة طليانية صغيرة إلى (عصب) لحماية الشركة هناك وجعلوا هذه القوة نواة لتشكيلات أهلية أخرى أسوة بالبريطانيين.
وعقيب انتصارات المهدي في السودان اضطر المصريون إلى إخلاء مصوع وهرر وأرض الصومال والانسحاب إلى الشمال. فاستفاد الفرنسيون من ذلك فعقدوا معاهدة مع سلطان هرر واحتلوا خليج تاجورة بأجمعه. فارتاب البريطانيون في ذلك فأسسوا لهم مستعمرة في الصومال في جنوبي جيبوتي وجعلوا قصبة (زيلع) مركزاً لها وألحقوها بمستعمرة عدن وجعلوا سلطان هرر تحت حمايتهم.
ويظهر أن بريطانيا أرادت أن تشرك إيطاليا في حركاتها على المهدي وتجعل لفرنسا رقيباً في أرض الصومال فوافقت على أن تحتل إيطاليا مصوع في ٥ شباط ١٨٨٥، فخرجت
стр. 10195
يومئذ قوة طليانية إلى مصوع ورفعت العلم الطلياني على دار الحكومة. فلم يحرك خديو مصر ساكناً. بيد أن الفرنسيين لم يرتاحوا إلى ذلك، وبعد أن رسخت أقدام الطليان في مصوع وجهوا أنظارهم إلى الداخل للتوغل في أرض الحبشة، وكان هناك طريقان تجاريان يربطان مصوع بالداخل: أولهما طريق (مصوع - كرن - كسلا - الخرطوم). أما الطريق الثاني فكان متجهاً إلى الجنوب ويقطع جبال الحبشة من الشمال إلى الجنوب إلى أن يصل إلى شاطئ البحر الأحمر.
ولما كان هواء مصوع الحار الرطب غير ملائم للأوربيين فكر الطليان في الحصول على مركز في الداخل صالح للسكنى. فارتفاع قصبة كرن حوالي ١٣٤٠ متراً عن سطح البحر. أما كسلا فارتفاعها يبلغ ٥٣٠ متراً ولكنها محاطة برواب بشكل قلعة، ولكي يحصل البريطانيون على مساعدة الطليان في مقاتلة المهدي في السودان لوحوا للطليان بالطريق الأول.
فقررت الحكومة الطليانية تجهيز قوة لإنزالها في مصوع تأهباً لاحتلال الحبشة من جهة أخرى وذلك رغم كون القيادة في مصوع لفتت نظر ساسة الطليان إلى عاقبة الحركة في اتجاه كسلا. وكان في جنوبي مصوع ميناء عرفالي الذي كان الأحباش يعتبرونه من الموانئ الحبشية لأنهم كانوا يجلبون الملح منه، ولما رأى النجاشي (يوحانس) أن الطليان احتلوا هذا الميناء احتج على ذلك.
والحقيقة أن الحوادث بعد ذلك جعلت الحبشة وإيطاليا تقفان وجهاً لوجه لأن البريطانيين قضوا على حركة المهدي بعد وفاته واحتلوا السودان وثبتوا أقدامهم فيه.
لذلك لم يخش الأحباش خطراً من هذا الجانب. أما الطليان فأخذوا يوسعون نفوذهم في مستعمرة مصوع التي أطلقوا عليها اسم (أريترة) (أي الزنبقة الحمراء) ووسعوا ساحة الساحل باحتلالهم ميناء زولا وخليج (عدولي) ومنعوا الأحباش من أخذ الملح فاحتج النجاشي على ذلك أيضاً فلم يعبأ الطليان باحتجاجه بل سلكوا سبيل تخدير أعصاب الأحباش بإرسال البعثات وكانوا قبل ذلك أرسلوا بعثتين من (عصب) فقتلهما الدناكليون. وأرسلوا بعثة أخرى في سنة ١٨٨٦ فذبحت برمتها في هرر. وفي سنة ١٨٨٧ أرسلوا بعثة أخرى. ولما وصلت إلى ملك تيجري ألقى الرأس القبض عليها وحبسها. فأرسل
стр. 10196
الطليان قوة مؤلفة من ٥٠٠ جندي قضى عليها الأحباش فاغتاظ الطليان لذلك فأبلغوا قوتهم في مستعمرة أريترة إلى ١٨ , ٠٠٠ جندي وقرروا الحرب.
وحشد الأحباش رجالهم في آذار سنة ١٨٨٨ أمام موضع دفاع الطليان وكان عددهم بالغاً زهاء ١٠٠ , ٠٠٠. فخشي الطليان عاقبة الأمر ومالوا إلى المسألة فانسحب الأحباش لأن المهدي كان يهدد مقاطعة أمحرة فهاجمها بجيوشه ودخل عاصمتها جوندار فدمرها، فظن الطليان أن القتال بين الحبشة والمهدي سوف ينهك الأحباش فيجيبون مطالبهم لذلك أعادوا قواتهم إلى إيطاليا وتركوا ٨٠٠٠ جندي في أريترا.
وفي أوائل سنة ١٨٨٩ جهز الأحباش بقيادة النجاشي (يوحانس) جيشاً بقوة ١٨٠ , ٠٠٠ كما سبق ذكره وتقدموا نحو المهدي فوقعت معركة في (متمة) مات فيها النجاشي جريحاً وبعد أن ترك الأحباش ٣٠ , ٠٠٠ قتيل في ميدان المعركة رجعوا إلى بلادهم خاسرين.
منليك ملك الملوك
كان ملك شوعا أقوى ملوك الحبشة كما نعلم وكان من سلالة الملوك الذين يمتون بنسبهم إلى النبي سليمان وزوجته بلقيس ملكة سبأ. فاحتل منليك مدينة هرر في سنة ١٨٨٧ وبسط حكمه على الغالا كلها، واستولى على مقاطعة كانا وما يجاورها فأصبح بذلك ذا نفوذ عظيم، فأراد الطليان أن يستفيدوا من حرب داخلية بالانحياز إلى جانب منليك متألبين على النجاشي (يوحانس) فأعطوه ٥ , ٠٠٠ بندقية و ٢٠٠ , ٠٠٠ طلقة ليبقى على الحياد عندما يقاتل الطليان النجاشي (يوحانس)، وكان الكونت (انطونلي) على رأس الوفد الموفد إليه فتذاكر الوفد مع منليك في الوقت الذي مات (يوحانس) في معركة متمة. فقبل منليك شروط معاهدة (أوكسالي) في سنة ١٨٨٩ وكانت خلاصة أحكام المعاهدة ما يلي:
(تبادل الممثلين السياسيين، قبول خط الحدود بصورة عامة، دفع رسوم جمركية بمقدار ثمانية في المائة عن الأموال الطليانية التي تدخل أرض الحبشة عن طريق مصوع وضرب النقود الحبشية في إيطاليا، وقرض الحبشة أربعة ملايين ليرة ذهباً، وحرية التجارة على أن ينفذ حكم المعاهدة في بلاد الحبشة برمتها).
وكانت المادة السابعة عشرة تقضي على الحبشة بأن ترضى بتوسيط إيطاليا في علاقتها بالحكومات الأخرى. وكانت هذه المادة سبب الحرب بين الحبشة وإيطاليا.
стр. 10197
فاستفاد الطليان فوراً من أحكام المعاهدة واحتلوا الأراضي التي تركت لهم بموجب المعاهدة قبل أن يوقع عليها ملك إيطاليا واحتلوا أرضاً في بلاد الحبشة.
ولم يرض ملك تيجري بأن يتعاهد الطليان مع ملك شوعا وهو الذي ورث الملك عن أبيه يوحانس واعتبر نفسه ملكاً للملوك.
واحتل الطليان في حزيران ١٨٨٩ (كرن) وفي آب (أسمرة) واستمالوا أحد رؤساء تيجري إلى جانبهم. وهكذا استطاعوا أن يدخلوا (عدوى) عاصمة تيجري بسهولة.
وبهذه الواسطة تقدموا من مصوع مسافة ١٣٠ كيلو متراً فتوغلوا في أرض الحبشة واعتبروا أنفسهم حماة الحبشة بالملحق الذي أضافوه إلى المعاهدة بسهولة حتى أم ملك إيطاليا أضاف إلى ألقابه لقب (حامي بلاد الحبشة).
ولما ذهب الرأس (ماكونن) ابن عم منليك إلى رومة حاملاً مواد هذا الملحق لنص المعاهدة هلل الطليان فرحاً واستبشاراً. وكان من حقهم أن يهللوا لأنهم حصلوا على صك استعمار الحبشة دون أن يسفكوا دماً إيطالياً.
وفي تشرين الثاني سنة ١٨٨٩ وقع الرأس (ماكونين) على الملحق باسم منليك وقدموا إليه مقابل ذلك أربعة ملايين فرنك و ٣٨ , ٠٠٠ بندقية و٢٨ مدفعاً وعتاداً كثيراً عربوناً لإخلاصه.
فاعترفت الدول جميعاً بالمعاهدة وملحقها ما عدا روسيا. وفي سنة ١٨٩١ رضي البريطانيون بأن يحتل الطليان قصبة (كسلا) بصورة مؤقتة لأن قضية المهدي لم تكن قد انتهت.
أما النجاشي منليك فعني بتوحيد الحبشة وتوقيتها ونقل عاصمة البلاد من (جوندار) بعد أن أحرقها المهديون إلى أديس أبابا. ومنح الفرنسيين امتيازاً بإنشاء سكة حديدية تربط العاصمة بالساحل. ومن الطبيعي أن البريطانيين والطليان لم يرتاحوا إلى عمل منليك فاحتجوا عليه وحرضوا الرهبان عليه بدعوى أن السكة الحديدية من عمل الشيطان.
ولم يستطع الطليان أن يعملوا أكثر من ذلك لأنهم كانوا مكلفين بمساعدة البريطانيين في محاربة المهدي. وكانوا أرسلوا قوة في اتجاه كسيلا بدعوى حماية الأهلين من ظلم دراويش المهدي واحتلوا (أجوردة) وفي سنة ١٨٩٤ تقدمت قوات طليانية بقيادة الجنرال (باراتيري)
стр. 10198
نحو (كسلا) وبعد معركة حامية طردوا أتباع المهدي منها واحتلوها.
أما النجاشي منليك فكان يسعى لتوحيد البلاد فاستند في السياسة الخارجية إلى صداقة فرنسا وأخذ يستميل الرؤساء المخالفين إلى جانبه في الداخل واتفق مع رأس تيجري فاعترف هذا بمنليك ملكاً لملوك الحبشة وهكذا أصبح النجاشي يحكم فعلاً بلاد الحبشة برمتها.
وأول عمل قام به بعد إعلانه ملكاً لملوك الحبشة أنه أخذ يذيب كل العملة التي ضرب الطليان عليها رسم ملك إيطاليا ويضع بدلاً من رسم الملك الإيطالي رسم النجاشي منليك ويكتب اسمه فيها بالكتابة الحبشية ويضع في الوجه الثاني للعملة شعار الحبشة الأسد والتاج.
(يتبع)
طه الهاشمي
стр. 10199
شكاة واعتذار
قصة معلم
فمن كان يرثي قلبه لمعذب=فأجدر شخص بالرثاء المعلم
الرسالة ١١٧ (الأستاذ محمود غنيم)
للأستاذ علي الطنطاوي
قلت لصديق لي أديب:
- إني لأقرأ لك منذ عشر سنوات، فما رأيتك أسففت إسفافك في هذه الأيام، وإني لأشك أأنت تكتب ما تكتبه، أم يجري به قلمك وأنت نائم، فتأخذه فتضع عليه اسمك؟ فماذا عراك أيها الصديق فأضاع بلاغتك ومحا آيتك؟
- قال: دعني يا فلان دعني. . . فإن سراج حياتي يخبو، وشمعتي تذوب؛ وما اخالني إلا ميتاً عما قريب، أو دائراً في الأسواق مجنوناً. . . إنني انتهيت. . . بعت رأسي وقلبي برغيف من الخير. . . . . . . .
- قلت: أربع عليك أيها الرجل وأخبرني ما بك، فلقد والله أرعبتني. . . . . . . . . .
- قال: وماذا بي إلا أني معلم. إني معلم في مدرسة ابتدائية. . نهاري نهار المجانين، وليلي ليل القتلى، فمتى أفكر، ومتى أكتب. . . . وأنا أروح العشية إلى بيتي مهدود الجسم، مصدوع الرأس، جاف الحلق، فلا أستطيع أن أنام حتى أقرأ مائة حماقة، حتى أصحح مائة كراسة، فأعمي عيني بقراءتها، والإشارة إلى خطئها، وبيان صوابها، وتقدير درجاتها، فإذا انتهيت من هذا كله - ولا يقرأ تلميذ من كل هذا شيئاً، ولا ينظر فيه - عمدت إلى دفتر تحضير الدروس، وهو الموت الأحمر، والبلاء الأزرق، الذي صبّ علينا هذا العام صباً، فكتبت فيه ماذا أنا فاعل غداً في الفصل، دقيقة دقيقة، ولحظة لحظة. . . وماذا أنا قائل من كلمة، أو مقرر من قاعدة، أو ضارب من مثل، حتى إذا بلغت آخر كلمة فيه، استنفدت آخر قطرة من ماء حياتي، فسقطت في مكاني قتيلاً، فحملت إلى السرير حملاً. . فنمت نوماً مضطرباً ملؤه الأحلام المزعجة، والصور المرعبة، فأحس كأن أمامي ركام الدفاتر التي سأصححها غدا، فلا أنجو منها حتى أبصر المفتش يتكلم من فوق المآذن، فلا يدع قاعدة من
стр. 10200
قواعد التربية، ولا نظرية من نظريات التعليم، ظهرت في فرنسا أو إنكلترا، إلا أرادني على تطبيقها، في فصل فيه سبعون تلميذاً قد حشيت بهم المقاعد حشواً، وصفوا على الشبابيك، ووضعوا على الرفوف، ممالا يرضى عنه منهج من مناهج التربية، ولا قانون من قوانين الصحة؛ فإذا انمحت هذه الصورة، رأيت كأني أفهم تلميذاً وهو يصغي إليّ ولا يفهم، فأكرر وأعيد فلا يفهم، فأقوم إليه أنظر ما يصنع، فإذا هو منصرف إلى دُبيرة يربط رجلها بخيط. فإذا شتمته أو أخرجته من الفصل، ذهب يستنجد القانون الذي حرّم العقوبات كلها، وكفّ يد المعلم، وشد لسانه بنسعة. . . ولا أزال في هذه الأحلام، تنوء بي، فأتقلب من جنب إلى جنب، أحس كأن رأسي من الصداع بثقل أُحُد، حتى يصبح الله بالصباح، فأفيق مذعوراً، أخشى أن يسبقني الوقت، فلا أدري كم ركعت وكم سجدت، ولا كيف أكلت ولبست، وأهرول إلى المدرسة لا أستطيع التأخر عنها ولو طحنتني الأوجاع، أو أحرقتني الحمىّ، لأن المعلم لا يسمح له القانون أن يمرض في أيام المدرسة، وعنده أربعة أشهر (عطلة الصيف) يستطيع أن يمرض فيها، فإذا خالف ومرض، حرم الراتب ومنع العطاء!
أغدو إلى المدرسة، فأدخل على تلاميذ السنة الثالثة الأولية، وهؤلاء هم تلاميذي، لم يجدوني أهلاً لأكبر منهم. . . فلا أنفك أقطع من عقلي لأكمل عقولهم، وأمزق نفسي لأرقّع نفوسهم، ثم لا أفلح في تعليمهم ولا أنجح في تفهيمهم، ولا أدري من أين السبيل إلى مداركهم؛ فأنفق ساعة كاملة، أقلّب أوجه القول، وأستقري عبارات اللغة، لأفهمنهم كيف يكون (الاسم هو الكلمة التي تدل على معنى مستقل في الفهم وليس الزمن جزءاً منه) فلا يفهمون من ذلك شيئاً، ولا أقدر أن أطرح هذا التعريف السخيف أو أستبدل به، فأهذي وأهري ثم أقول: من فهم؟
فيرفع ولد إصبعه. فأحمد الله على أن واحداً قد فهم، وأقول:
- قم يا بني بارك الله فيك، فأخبرني عن معنى هذا التعريف
- فيقول: يا أستاذ! هذا داس على قدمي. فأصيح به ويحك
أيها الخبيث! إني أسألك عن تعريف الاسم، فلماذا تضع فيه قدمك؟ ألم أقل لكم إن هذه الشكاوي ممنوعة أثناء الدرس؟
- فيقول: ولماذا يدوس هو على رجلي؟!
стр. 10201
- فأصيح بالآخر: لم دست على رجله يا شيطان؟
- فيقول: والله لقد كذب، ما دست على رجله ولكن هو الذي عضّني في أذني فأغضب وأصرخ في وجهه:
- وكيف يعضك وأنا قاعد هنا؟
- فيقول: ليس الآن، ولكنه عَضّني أمس ويتطوع العفاريت الصغار للشهادة للمدعي وللمدعى عليه، ويزلزل الفصل فأضرب المنصة بالعصا وأسكتهم جميعاً مهدداً من يتكلم بأقسى العقوبات، ولا أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه؟. . . فيخنسون ويُبْلسون فأعود إلى الدرس فإذا هو قد طار من رؤوسهم، على أنه ما استقر فيها قط!
وينفخ في الصور، فتقوم القيامة، ويخرج الأولاد إلى الفرصة، ثم نرجع إلى درس القرآن. فأقول:
- من يحفظ سورة الفاتحة؟
- فيتصايحون: أنا. . . أنا. . . أنا
- سكوت! واحد فقط. . . اقرأ أنت
- الحمد لله رب العالمين. . . إياك نعبِد
- فأقول: إياك نعبُد. - فيقول: نعبد
- ويحك: نَعْ بُ د
- فيقول: نَعْ بِ د
- انتبه يا بني: نَعْ بود
فيقولها. حسن. قل نعبُد. فيقول: نعبِد فلا نزال في نعبُد ونعبِد حتى ينتهي الدرس. ولا يلفظونها إلا بالكسر لأنهم حفظوها من السنة الأولى خطأ.
ولا أزال في هذا البلاء بياض نهاري، ولا يأتي المساء وفيّ بقية من عقل، أو أثر من قوة، ثم لا أنا أرضيت الوزارة، ولا أنا نفعت أبناء المسلمين، ولا أنا انصرفت إلى مطالعاتي وكتابتي.
وهذه مكتبتي لم أدخلها منذ أول العام المدرسيّ، وهذه مشروعات المقالات والبحوث التي أكتبها، وهذه مسوّدات الكتاب الجديد الذي أؤلفه مبثوثة في جوانب الغرفة، ضائعة مهملة.
стр. 10202
أفتلومني بعد، على أني لا أجوّد في هذه الأيام؟ قلت: هذه والله حالي فلست ألومك؛ فرّج الله عني وعنك!
دمشق
علي الطنطاوي
стр. 10203
آيتان من آيات الله
للأستاذ قدري حافظ طوقان
حدثت منذ أسبوعين حوادث جوية في نابلس لا عهد لنا بها، ولا لمن هم أسن منا، أزعجت الناس وأدخلت خوفاً كثيراً إلى نفوسهم؛ هالتهم وعظمت عليهم، أقضت مضاجعهم ونفت الكرى عن عيونهم؛ أرجعتهم إلى الله يسألونه اللطف بالكهول والأطفال، وقام المؤذنون من أعلى المآذن يستنجدون بخالق السموات والأرضين أن ينظر بعين الرأفة إلى هذه الأمة التي توالت عليها المحن والمصائب من كل جانب؛ وكان صوت: (يا رب - يا لطيف) يدوي في الأجواء، ويرن في الآفاق، ترجعه الأصداء إلى الآذان، فيدخل إلى النفوس خشوعاً أحاطه الخوف، واستسلاماً أحاطه الإيمان والعقيدة، فاطمأن المؤمنون وقالوا: ليفعل الله ما يشاء؛ هو العليم وهو الحكيم، بيده الخير إنه على كل شئ قدير. وقال آخرون: إنها لعلامات تدل على قرب الساعة. وقال غيرهم: إنها لأشارات تنذر بالحروب والكوارث. وكيف لا تشغل هذه الظواهر أفكار الناس، وكيف لا تصبح حديثهم وموضع تنبؤاتهم وخوفهم وقد شغلت السماء كلها، بما على الأرض من رياح ومياه وأشجار ومبان؟؟. .
لاحظ الناس في مساء يوم الأحد الموافق ٢١ من الشهر الفائت أن الحالة الجوية غير طبيعية قبل غروب اليوم المذكور، فقد كانت تظهر في بعض جهات المشرق والجنوب بروق ولمعات فجائية، دامت إلى ما بعد الغروب، ثم ما لبثت هذه البروق وتلك اللمعات أن استحالت إلى بروق متواصلة متعاقبة الحدوث والظهور في نواحٍ عديدة إلى أن شملت السماء كلها، فإذا أضواء شديدة تنبعث من بين الغيوم من شرارات كهربائية كثيرة الشعب والتعاريج، كانت تظهر للناظرين وقد خيل إليهم أن السماء مفتحة الأبواب، تخرج منها أنوار تخطف الأبصار، مصحوبة برعود متعاقبة، لها قعقعة مختلفة الشدة، تبعها برد وأمطار غزيرة ورياح هائجة أحارت الناس وأذهلتهم.
ومما لا ريب فيه أن هذه الظواهر الجوية لا تحدث عفواً ومن دون أسباب، بل إن وقوعها لا يكون إلا حسب أنظمة خاصة لا تتعداها، خاضعة لنواميس طبيعية لا تشذ عنها، عرف الإنسان بعضها ووقف على أسرارها؛ وقد ثبت أن مدبر هذا الكون سائر بكونه على أساس من القواعد والقوانين متين، وقد أتبع كل شئ سبباً، وكلما عرف الإنسان شيئاً عن هذا
стр. 10204
النظام وهذا الناموس وتلك القواعد والقوانين تجلت لنا عظمته تعالى واضحة في آياته، وتجلت لنا حكمته في أفعاله وأعماله؛ وما البرق والرعد وما إليهما إلا آيات من آيات الله لا تحدث لموت أحد، ولا تنبئ عن وقوع حروب، بل هي ظواهر تسير حسب أنظمة تمكن العلماء من اكتشافها، وثبت لديهم أنها دلائل ساطعة على قدرته تعالى وأُلوهيته جل وعلا. . . . . . . . . .
لقد حسب كثير من الأقدمين أن هذه الظواهر الجوية من أفعال الشياطين تجري بموجب قدرة إلهية لتوقع القصاص على الكفار والمذنبين. هذا الرأي كان سائداً في الغرب وعند كثير من العلماء؛ ومن الغريب أن العرب لم يأخذوا بهذا الرأي، وقد استعملوا في تعليل بعض هذه الظواهر الجوية العقل والفكر فكان رأيهم في تعليل حدوث البروق والرعود والصواعق، مع بُعده عن الحقيقة، يدل على دقة في الملاحظة، ويدل أيضاً على أنهم كانوا لا يقبلون الآراء والنظريات المبنية على أوهام وخزعبلات فنجد أحد علمائهم وهو القزويني يقول في تعليل البرق والرعد ما يلي:
(إن الشمس إذا أشرقت على الأرض حللت منها أجزاء أرضية تخالطها أجزاء نارية ويسمى ذلك المجموع دخاناً، ثم الدخان يمازجه البخار ويرتفعان معاً إلى الطبقة الباردة من الهواء فينعقد البخار سحاباً ويحتبس الدخان فيه، فإن بقي على حرارته قصد الصعود، وإن صار بارداً قصد النزول، وأيَّا ما كان يمزق السحاب تمزيقاً فيحدث منه الرعد، وربما يشتعل ناراً لشدة المحاكة فيحدث منه البرق إن كان لطيفاً، والصاعقة إن كان غليظاً كثيراً فتحرق كل شئ أصابته، وربما تذيب الحديد على الباب ولا تضر بخشبه، وربما تذيب الذهب في الخرقة ولا تضر الخرقة، وقد يقع على الماء فيحرق حيتانه وعلى الجبل فيشقه. . . . .) وقال في سبب رؤية البرق قبل سماع الرعد. . . (واعلم أن الرعد والبرق يحدثان معاً لكن يُرى البرق قبل أن يسمع الرعد لأن الرؤية تحصل بمراعاة البصر، وأما السمع فيتوقف على وصول الصوت إلى الصماخ، وذلك يتوقف على تموّج الهواء، وذهابُ النظر (أي سير النور) أسرع من وصول الصوت. . .)
ولقد بقي تعليل البرق والرعد وغيرهما من الظواهر الجوية غامضاً إلى أن جاء فرنكلين الأمريكي في القرن الثامن عشر للميلاد فأوضح هو وغيره بأن في الجو كهربائية يمكن
стр. 10205
الحصول عليها، وقد أثبت وجودها بتجارب عديدة، وبين أيضاً أن هذه الكهربائية موجبة في غالب الأحيان، وأن كهربائية السحب تكون عادة سالبة، وقد تكون موجبة في بعض الأحيان، وأن هذا كله يتبع التغيرات الجوية، وعوامل عديدة بعضها معروف والبعض الآخر غير معروف؛ وقد قدم فرنكلين بنتيجة تجاربه تقريراً إلى جمعية الملكية بلندن؛ ومع أن أعضاء هذه الجمعية عدو تجاربه وآراءه خيالاً في أول الأمر إلا أنهم أقروا أخيراً نظرياته وأخذوا بآرائه ومنحوه نوطاً رفيعا الشأن اعترافاً بفضله وانتخبوه عضواً في جمعيتهم.
واختلف العلماء في منشأ كهربائية الجو والسحب؛ ومن الغريب أن هذا الاختلاف لا زال قوياً، إذ لم يستطع أحد البت في هذا الشأن. يقول بعض العلماء إن سبب وجود الكهربائية في الجو يرجع إلى تبخر الماء المحتوي على مقادير ضئيلة من الأملاح؛ ويقول آخرون إن منشأ الكهربائية الجوية بما فيها السحب هو الاحتكاك بين القطرات المائية الدقيقة بالثلج الموجود في الطبقات العالية من الجو. وهناك عوامل أخرى لها علاقة بمنشأ هذه الكهربائية لا تزال غامضة وفي حاجة إلى الاستقصاء وزيادة البحث. . . ولكن الثابت
المحقق أن في الجو كهربائية، وأنه يوجد سحب كثيرة مشحونة بكهربائية سالبة أو موجبة، فقد يصادف أن تمر سحابة مشحونة فوق سحابة أخرى أو فوق شجرة أو بناية، فتؤثر فيما تمر عليه وتجذب إليها الكهربائية المخالفة لها، وينتج عن ذلك اتحاد نوعي الكهربائية برغم الهواء ومقاومته، ومن هذا الاتحاد تتكون شرارة كهربائية ينبعث منها ضوء شديد نسميه (البرق)؛ وكثيراً ما يكون سير هذه منعرجاً، ويرجع العلماء سبب هذا إلى مقاومة الهواء الشديدة عند اتحاد نوعي الكهربائية؛ ويختلف طول الشرارة بحسب مقادير الشحنات الموجودة في السحب وعلى سطح الأرض فقد يبلغ ميلاً وقد يزيد على ذلك. ويلاحظ أن لون البرق يختلف، فبينما نراه أبيض في أسفل الجو نراه في أعلاه ضارباً إلى اللون البنفسجي أو مائلاً إلى الحمرة، وذلك لتخلخل الهواء في تلك الجهات المرتفعة.
والبرق على أنواع: منها برق كثير التعاريج وقد ظهر جلياً في تلك الليلة التي دفعتنا إلى كتابة هذا المقال.
وبرق يرى عند الأفق وهو في حدوثه كاللمعة الفجائية، وبرق كروي يمتد من السحاب إلى
стр. 10206
الأرض في بطء ويمكن العين أن تتبعه. وقد اختلف العلماء في منشأه وفي أسباب حدوثه ولم يستطيعوا أن يصلوا إلى نتيجة قاطعة في ذلك؛ وهناك برق يرى في ليالي الصيف برغم صفاء السماء، ويرجع منشأ هذا البرق إلى الغيوم الموجودة تحت الأفق، وهذه الغيوم تكون عادة بعيدة، وبعدها هذا من العوامل التي تحول دون سماع أصوات الرعود التي تحدث كنتيجة لهذا البرق. وقد أثبتت التجارب أن البرقة تتكون من شرارات عديدة يتبع بعضها بعضاً وإن مدة لبث ضوء البرق أقل بكثير من عشر الثانية.
أما الرعد فهو الصوت الذي يعقب البرق، وهو يسمع دائماً بعد رؤية البرق، والسبب في ذلك يرجع إلى أن سرعة الصوت أقل بكثير من سرعة الضوء، فالصوت يسير في الثانية الواحدة نحو ربع كيلومتر، بينما الضوء يقطع ثلثمائة ألف كيلومتر في الثانية الواحدة - فتأمل!!. .
وسبب حدوث الرعد يرجع إلى أنه عند ما يتحد نوعاً الكهربائية أي عند التفريغ الكهربائي بين سحابتين، أو بين سحابة والأرض، يتمدد الهواء في منطقة التفريغ ويحدث ضغطاً على الهواء المجاور ثم يأتي الهواء ثانياً إلى تلك المنطقة لتخلخل هوائها، وهكذا تتكرر هذه الحركات وينتج عن تعاقبها صوت نطلق عليه اسم (الرعد)، فإذا كان التفريغ في منطقة قريبة منا سمعنا صوتاً مزعجاً جداً؛ أما إذا كانت بعيدة فحينئذ يكون للرعد أصوات ليس فيها شدة نسمعها متتابعة آخذة في الازدياد من أزيز إلى قرقرة إلى قعقعة؛ وإذا حصل برق ولم يعقبه رعد فمعنى هذا أن التفريغ الكهربائي حدث في أماكن بعيدة أو في مناطق مرتفعة حيث الهواء قليل الكثافة.
وكثيراً ما نسمع بأن صاعقة وقعت على شخص فأفقدته حياته، وانهالت على بعض مواد قابلة للاشتعال فألهبتها، وأنها أصابت حيواناً فأماتته، وأنها نفذت إلى الأرض فأحدثت فيها فوهات عميقة، وقد تقع على قضبان من الحديد فتمغنطها وتظهر عليها آثار المغناطيسية بصورة ملموسة. فما هي هذه الصاعقة التي تحدث مثل هذه الأعمال؟ ما سبب حدوثها؟ لقد أثبتت التجارب أن الصاعقة ليست إلا تفريغاً كهربائياً بين سحابة مشحونة وبين الأرض. فالأرض تشحن بالتأثير بكهربائية مخالفة كهربائية السحابة فيحصل اتحاد بين نوعي الكهربائية وينتج عن ذلك شرارة كهربائية وهي ما نسميها بالصاعقة. وهي تتجه في
стр. 10207
سيرها في الطرق الأقل مقاومة لها من الهواء فتمر على المباني والأشجار وتؤثر فيها؛ وقد تحدث فيها أضراراً جمة، فإذا مرت على شخص أو حيوان فقد تفقدهما الحياة، ولهذا لا يستحسن أن يجلس الإنسان في الليالي الكثيرة البرق في أماكن مرتفعة (تحت السماء) أو تحت شجرة، ففي ذلك كله يعرض نفسه للخطر. وتسلح الأبنية في البلدان التي يكثر فيها وقوع الصواعق بجهاز خاص يطلق عليه اسم (مانعة الصواعق، أو مترسة الصاعقة) اخترعها فرنكلين لحفظ المباني والأماكن العامة من الأضرار التي تحدثها الصاعقة: وبرغم معارضة رجال الدين لهذا الاختراع الجليل في بادئ الأمر فقد انتشر انتشاراً كبيراً في أمريكا وأوربا، وذاع اسم مخترعه (فرنكلين) وأصبح حديث الحلقات العلمية وموضع إعجاب العلماء ورجال الأعمال. ولا بأس من الإشارة إلى أن فرنكلين لم يكن عالماً فقط، بل خدم العلم وقام بقسط كبير في تقدم الكهرباء، وإليه يرجع الفضل في إنشاء الجمعية الفلسفية الأمريكية وفي تأسيس جامعة بنسلفانيا الشهيرة، وفوق ذلك فقد كان من كبار سياسي زمانه الذين جاهدوا كثيراً في سبيل استقلال بلادهم، ومات وقد تحقق كثير من غاياته السياسية التي من أجلها ضحى وناضل. وهذا المخترع العالم جدير بأن يكون قدوة صالحة ومثلاً عالياً لعلمائنا الذين يقبعون في بيوتهم أو في معاهدهم ولا يبذلون شيئاً من مجهوداتهم وتفكيرهم لخير بلادهم.
وليت الأمر يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى أنهم لا يسيرون في ميادينهم العلمية سيراً قومياً، فلست ترى إلا نادراً من خصص بعضاً من وقته في ناحية الكشف عن مآثر أمته في الطب مثلاً أو التاريخ أو الرياضيات أو الآداب أو الطبيعيات أو الفلسفة أو في أي فرع من فروع المعرفة الأخرى وأثرها (أثر الأمة) في تقدم المدينة وسير الحضارة؛ وقد غرب عن بالهم أن علماء الأمم في هذا الزمان وفي الأزمنة السابقة قد خصصوا (ويخصصون) جانباً كبيراً من وقتهم وتفكيرهم في ناحية بعث الثقافة القومية وتبيان آثار أممهم في ميادين العلوم والفنون. نحن لا نقول بألا يواصل علماؤنا بحوثهم وألا يهتموا بالتنقيب، ولكننا نقول بأن يخصصوا جانباً من وقتهم للاشتغال في تحرير بلادهم من النير الأجنبي ولتوجيه بعض بحوثهم توجيهاً قومياً يخلق في النشء روح الاعتزاز والاعتقاد بالقابلية، وفي هذا قوى تدفع بالأمة المستعمَرة إلى ما تتمناه من رفعة وسؤدد واستقلال.
стр. 10208
ولنرجع الآن إلى مانعة الصواعق فنقول إنها تتركب من ساق وموصل، فالساق يتركب من قضيب حديدي مدبب في نهايته العليا لا يقل طوله عن خمسة أمتار ولا تقل مساحة مقطعه عن ٢٥ سنتيمتراً مربعاً يوضع في أعلى البناء المراد تسليحه، ويغطى طرفه الأعلى عادة بطبقة من البلاتين لكي تمنع تراكم الصدأ، وبذلك يبقى القضيب جيد التوصيل؛ أما الموصل فهو سلك من حديد أو عدة أسلاك تمتد من نهاية الساق إلى الأرض، ومن الضروري ملاحظة هذه النقطة - نقطة الاتصال الأرضي - إذ يجب أن يكون الاتصال (بالأرض) محكماً، وإلا لما كان للمانعة فائدة عملية، ويستحسن أن تكون نهاية الموصل في أرض مبللة أو في بئر، وإذا لم يمكن ذلك فمن الضروري عمل حفرة في الأرض تدخل فيها نهاية الموصل، ويراعى في هذه الحفرة أن تكون دائماً رطبة وذلك بتسليط مجرى مائي عليها، أو باستعمال طرق يمكن بواسطتها حفظ رطوبتها؛ ولكي يضمن الإنسان الفائدة العملية من المانعة يجب عليه أن يجعل لنهاية الموصل شعبتين أو ثلاثة. . وهناك طرق أخرى اخترعت لحفظ المباني من الصواعق وأضرارها يمكن لمن يريد الاطلاع على تفاصيلها أن يراجع الكتب الخاصة بذلك.
ولمانعة الصواعق عملان: الأول أنها تمنع تراكم الكهربائية على سطح الأرض؛ والثاني أنها ترجع السحب المكهربة إلى حالة التعادل؛ وهذان العملان يحولان دون حدوث الصاعقة ويحفظان الأبنية من آثارها؛ وقد تكون المانعة غير قادرة على منع حدوث الصاعقة، فحينئذ يحدث التفريغ وينتج عنه البرق، ولكن يقع التأثير كله وتقع الصدمة كلها على المانعة لأنها جيدة التوصيل، وبهذه الطريقة يصان البناء ويبقى سالماً.
لقد تكلمنا بإيجاز عن البرق والرعد والصاعقة، وعن كيفية حدوثها، ومن أراد زيادة البحث والاستقصاء فعليه أن يرجع إلى الكتب الموضوعة في علم الطبيعة وغيرها، ففيها الكفاية والتفصيل.
ويظهر لنا مما مر أن هذه الظواهر كغيرها تسير على قانون ونظام لا تخرج عنهما، وترتكز على أسس ومبادئ يسعى الإنسان للتعرف عليها والوقوف على دقائقها؛ وإن في تعرف الإنسان عليها ووقوفه على دقائقها لما يقوى فيه الاعتقاد بوجود قوة الله المدبرة الحكيمة المنظمة التي تشرف على هذا الكون وتسيطر على حركاته. أليس في البرق
стр. 10209
والرعد والصاعقة وفي كيفية حدوثها، وفي المبادئ الطبيعية التي تسودها ما يزيد المرء اعتقاداً بضآلته؟ أليس في عدم استطاعته اكتشاف كثير من القوانين التي تسود الكون، وفي عدم وصوله إلى نتائج حاسمة في الوقوف على أسرار بعض الظواهر الجوية ما يزيد الإنسان اعتقاداً بأنه لا يزال على عتبة اليقظة العقلية؟
أليس في معرفة شئ عن حقيقة هذه الظواهر الجوية ما يزيد في وداعة الإنسان وفي تواضعه، ويسمو به إلى عالم أسمى من عالمنا؟
أليست هذه الظواهر الجوية دلائل قاطعة على عظمة الله المبدعة وقدرته الخارقة؟
وأخيراً أليست هذه الظواهر من آياته فيها عبرة وعظة للذين يتفكرون في خلق السموات والأرض وما بينهما؟
نابلس
قدري حافظ طوقان
стр. 10210
بين الأدب والسياسة
للأديب أحمد الطاهر
نقصد بتاريخ الأدب - هنا - كل ما يتناول الحياة الأدبية للأمة، مما يطرأ عليها من القوة أو الضعف، والصعود أو الهبوط، وأسباب ذلك، وما ينتجه أصحاب البيان في مختلف مناحي القول، ودراسة حياة أولئك المنتجين، وأثر ما انتضحت به قرائحهم في اللغة.
ونقصد بالتاريخ السياسي والاجتماعي - هنا أيضاً - ما يطرأ على الأمة من أحداث وتغيير في نظامها السياسي وعلاقة الحاكم بالمحكوم ونظام الحكم فيها، وعلاقة الأمة بغيرها من الأمم، وكذا حالتها الاقتصادية والمالية، وعلاقة ذلك بمرافقها.
وما سقنا هذا التعريف - وهو غير جامع ولا مانع - إلا لنحد به موضع البحث في الصلة بين التاريخين، وهي صلة وثيقة واشجة. فقلّ أن يتأثر أحدهما بعامل من العوامل دون أن يبدو لذلك أثر في الآخر يبدل وجهته ويغير ديباجته - ذلك مالا خلاف فيه. أما ما اشتجر فيه الرأي وظهر الخلف: فأيهما يسبق الآخر فيمهد له الطريق ويعبد له المسلك؟ وأيهما أبلغ أثراً في الآخر؟ وفي هذا نسوق الحديث:
فجمهرة الأدباء على أن التاريخ الأدبي يسبق السياسي والاجتماعي: فينهج له السبيل، ويمهد له المنبت: فينشأ قوياً أو ضعيفاً، منتجاً أو عقيماً، حسبما تهيأ له.
وأغلب الظن أن هذا القول على إطلاقه لا يقصد به أن يكون قاعدة يعتبر ما شذ عنها استثناءً؛ ذلك بأن استقصاء تواريخ الأمم وتقريه يقف بنا في مراحل عدة نجد فيها التاريخ السياسي والاجتماعي سابقاً للتاريخ الأدبي، مؤثراً فيه أثراً عليه طابع السياسة وسمتها. بحيث لا يسع مؤرخ الأدب إلا أن يعترف بفعل السياسة فيه، وأثرها في أكثر مظاهره ونواحيه؛ ونزول الأدب على حكم السياسة، وكثرة هذه المراحل لا نطمئن معها إلى القول بأنها استثناء للقاعدة، ولعل من الخير ألا نقرر قاعدة بعينها في تحديد هذه العلاقة.
فالأمم الحية القوية التي نالت حظاً من الحضارة والحرية، إذا وقع فيها انقلاب سياسي أو اجتماعي، أو قلبت صفحة جديدة في سجل حياتها السياسية قل أن يحدث فيها هذا الانقلاب دون أن تسبقه نهضة أدبية تهيئه للوجود، وتعده للنهوض بما تفعل في الشعب من إيقاظ الشعور حتى الإحساس بضرورة التغيير، وحفز الهمم حتى تصدق العزائم على المضي إلى
стр. 10211
الغاية، وتمحيص الرأي حتى لا يتعثر في درجه مع سيل الحوادث.
ذلك فضل الأدباء والشعراء والخطباء والكتاب، وموضع الأدب هنا موضع السابق من المسبوق، والمتبوع من التابع.
ولا نغفل هنا أن الأدب لا يكتفي بالسبق، ولا يقنع بالقيادة: بل إنه ليلقى الانقلاب السياسي في الميدان بعد أن أفسح له الطريق فيدارجه ويرعاه بما يقويه، ويبعث النشاط في نواحيه، ويهدي الأمة في جهادها فيه، ويقف التاريخ السياسي والاجتماعي حيث قدر له أو حيث أراد، ولكن التاريخ الأدبي لا يقف عند هذه الغاية. بل يسير بعد ذلك ويمتد أثره: فما يزال أهل الأدب بعد الحدث السياسي أو الاجتماعي يحبُون الأمة بفضلهم، ويتعهدونها ببرهم، ويخرجون لها جميل آثارهم، ونتاج قرائحهم: يتحدثون عن الماضي وما كان فيه، ويذكرون الحاضر، ويستشرفون بالأمل في المستقبل، فتربو ثروة الأدب وتنمو. ويتسع مجال القول، وتخلد للأمة آثار تبقي ما شاء الله على تطاول الزمن.
ولا نُغفل كذلك أن الأدب في هذا الوضع يفضل السياسة من حيث ما تفيد الأمة من كليهما: ذلك بأن الانقلاب السياسي أو الاجتماعي غير مأمون العاقبة: فالأمة في سبيلها إلى الغاية السياسية أو الاجتماعية التي تقصد إليها يعرض لها ما يعرض للضاعن في طريقه: فقد تعيا فلا تصل إلى الغاية، أو تتكاءدها عقبات تحول دون الفوز بالمقصد؛ وقد تهب عليها من أية ناحية إعصار وأنواء تصدف بها عن المحجة، وتلوي بها عن القصد، وتضلها عن السمت، فلا تبوء الأمة بعد جهادها الطويل أو القصير إلا بالفشل فيما قصدت إليه، وخسران الأنفس والأموال فيما سمعت له، بَلْهَ جزيرة ذلك على حاضرها ومستقبلها.
أما النهضة الأدبية فقاعدتها بقاء الأصلح. وحكمها فناء السقيم: فمتى نهض أهل الأدب وبرزوا للناس بفضل أقلامهم فذلك هو الخير الذي لا سبيل إلى التشكك فيه من حيث هو ثروة وعتاد في الأدب. والبقاء مكفول لهذه الثروة ما بقي في الدنيا أدباء ومؤرخون؛ ولا بقاء للأدب الرخيص فإنه يذهب جفاء في اللحظة التي يظهر فيها للوجود. ومهما تكن النتائج السياسية أو الاجتماعية التي مهدت لها النهضة الأدبية أو كانت سبباً فيها فهذه النهضة الأدبية لها قيمتها في ذاتها وفيها خيرها من ساعة ميلادها: لا يغض من شأنها، ولا ينقص من قدرها، ولا تمتد إليها يد غاصب، ولا تعبث بها يد ظالم. ولا نقصد بقولنا إن
стр. 10212
الأدب الرخيص أو السقيم لا يقوى على الحياة أن أدب الأمة ما بقي لا يكون إلا قيماً ثميناً، إنما قصدنا إلى أن الأدب في فضله وما يتروى الناس منه كالكنز يخرج من بطن الأرض له قيمته وقدره، وقد يكون الكنز ذهباً أو فضة أو معدناً دون الذهب والفضة، ومهما يكن من شئ فهو ثروة لها قدرها ووزنها.
ولكن هناك شروطاً لا بد من وفائها حتى يفيض الأدب فضلاً على أمته، ويبلغ القصد من محجته، في هذا الوضع الذي بيَّنا: أولها أن تكون في الأمة حياة أدبية تثبت وجودها قبل الأحداث السياسية، وتستطيع أن تشق طريقها في ظلمات الانقلاب، وتسلك نهجها تحت عواصف الثورة، وتقوى على البقاء بعد أن تهدأ العاصفة؛ وثانيها أن تكون الأمة موفورة الحق في المتعة بحرية القول والبيان عن جدارة واستحقاق فلا تكتم عن الحق أفواه الخطباء، ولا تكتم عن الصدق أنفاس الشعراء، ولا تزم عن الكتابة أنامل الكتاب. وثالثها: أن يكون سواد الأمة مثقفاً ثقافة أدبية؛ فبغير هذا لا ينبت لأهل الأدب زرع، ولا يدر لهم ضرع، ولا يصيخ لهم سمع. وأقرب المثل لهذا الوضع وهذه النتائج الثورة الفرنسية ونهضة الأدباء قبلها وأثناءها وبعدها. وذلك مالا يحتاج إلى بيان.
أما الأمم الواهنة المستضعفة فالعلاقة بين تاريخها السياسي والاجتماعي وتاريخها الأدبي مضطربة متبلبلة، لا تسير على نهج واضح، وتنقطع حيناً وتتصل حيناً، وتضعف وتقوى؛ ذلك بأنها لضعفها واستكانتها وفرط ما كرثتها الحوادث تسلم سجل تاريخها السياسي للقدر، أو لمن بيده أمرها؛ يقلب صحافته كما يشاء، ويمحو ويثبت فيه ما يشاء. فلا موضع للقول بأن لأدبائها أو لتاريخها الأدبي أثراً في خلق انقلاب سياسي فيها، أو التمهيد له، أو تقويته، أو تعهده. فإذا حدث فيها انقلاب سياسي فهو في أغلب الأحيان مقطوع الصلة بحالتها الأدبية؛ على أنه إذا جد الجد، وقويت حركة الانقلاب السياسي وغلت مراجله حتى تنفست عن ثورة حادة، أو ما يشبه الثورة الحادة، فقد يؤثر ذلك في تاريخ الأمة الأدبي، فيطلق الألسنة من عقالها، ويمد القرائح بغذائها، فتنطلق في الجو صيحات تكون خافتة في مبدئها، وتستسلم بعد ذلك للأقدار، فأما أن تقوى وتشتد، وأما أن تضعف وترتد.
وهنا نرى للأدب فضلاً آخر لا يجوز إغفاله: ذلك بأن الأمة التي وصفنا قد تعوزها في جهادها السياسي وسائله وعدته، أو يقعد بها ضعفها عن النهوض له فتستخذى وتستسلم
стр. 10213
لضعفها أو قوة غلبها. أما أهل الأدب فلا ينضب لهم معين، ولا يقفر بهم منبت، فهذه الظلمات المحيطة بالأمة ينسجون من خيوطها شعراً، وهذه صخور الظلم والاستعباد يفتتونها بأسنة الأقلام ويبسطونها للناس نثراً، ومن هذا يحاولون إحياء شعور أماته الظلم، وإثارة همم قعد بها الخنوع. وقد يفلحون فيصلون بالأمة إلى غاية سياسية محمودة، وقد يخفقون ولكن بعد أن يتركوا للأمة ثروة أدبية؛ ولا تنس أن جهادهم شاق وعسير، وأن بلاءهم مرهق ومرير.
وهنا نجد التاريخ السياسي سابقاً ومتبوعاً، والتاريخ الأدبي لاحقاً وتابعاً؛ والأول مؤثر في الثاني أثراً قوياً أو ضعيفاً، وقد يبرز الأول في الميدان فلا يتبعه الثاني ولا يجاريه، وإن تبعه ففي تؤدة ووناء. على أنه يشترط أيضاً في هذه الحالة أن تكون الأمة مثقفة إلى حد معين حتى تستطيع في وسط هذا المضطرب أن ترى قبس النور ينبعث من قصبات الأقلام فتمشي على هداه، وأن تسمع صوت الحق من الخطباء فتلبي نداه. ذلك أن أتيح للأديب أن يكتب، وللخطيب أن يخطب.
ولا يتداخلنا العجب من أن يسبق التاريخ السياسي ويتقدم والمثل أمامنا واضحة بينة. فتاريخ الأدب الإسلامي إنما تأثر بما سبقه من عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية كان من مظاهرها نشوء الأحزاب السياسية وما فتح الله للمسلمين من بقاع الأرض؛ ذلك أثر في العقلية العربية فغير في أسلوب الشعر والخطابة والكتابة وموضوعاتها تغييراً ظاهراً. وأقرب من هذا المثل تلك الحرب الأوربية التي اندلعت نارها في الغرب، وامتد لهيبها إلى الشرق، فحركت النفوس وحفزت الهمم، وأثارت المطامع، وأبرزت في الشرق طبقةصالحة من الكتاب والأدباء، ما زالوا يعملون وما زال الشرق يرجو من غيثهم خيراً في الأدب وفي السياسة؛ أليست هذه نهضة أدبية قامت على أثر حركة سياسية؟
وليس سبق التاريخ السياسي على الأدبي قاصراً على الأمم الضعيفة أو المستضعفة، فقد يقع هذا في الأمم القوية كما يتضح من أثر تلك الحرب في الغرب، وأكثر أممه قوية متحررة، فقد تقدمت الحرب وأحداثها، ثم تبعها تغيير في الآداب من حيث الأسلوب ونظام القصة وطريقة التفكير، وكان تغييراً مستوياً كاملاً قوياً، بل كان نهضة حادة فتية.
أليس من الخير بعد هذا ألا نلتزم قاعدة بعينها نجري على سننها الأدب والسياسة ونقيد بها
стр. 10214
موضع أحدهما من الآخر وأثره فيه؟
ذلك ما أراه في هذا البحث، فإن رأى أئمة البيان وأهل الأدب غيره وجلوا لي وجه الصواب وبصروني مساقط الرأي فإنني لشاكر وسعيد.
اليوزباشي أحمد الطاهر
стр. 10215
٢ - عمرو بن العاص
بقلم حسين مؤنس
ثم انظر كيف فهم الرسول ﷺ نفس عمرو: لقد قال: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) لقد أسلم الناس حباً في الإسلام وقد دفعتهم عواطفهم وهدتهم طبائعهم، أما عمرو فقد حسب لأمر حسابه، ووزن ربحه وخسارته، حتى إذا اطمأن فقد آمن. وقد أقبل واثقاً. . هكذا أصاب الرسول الكريم في فهم الرجل الجليل. وأن الرسول ليعرف أن عمراً كان تاجراً داهية ومساوماً ماهراً. . . وأنه قد بذل الثمن وينتظر الربح، فهو لا يضن عليه بما يريد فيؤمره على سرية ذات السلاسل، ويؤمره على المدد الذي أرسله إليه وفيه أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ونفر من الأنصار والمهاجرين. . . إن الرسول ليعرف أن هؤلاء كلهم لا ينظرون إلى ولاية أو إمارة. . . لأنهم لا يلقون جزاءهم عن الأيمان إلا عند الله. . . أما عمرو فيجادل أبا عبيدة على الإمارة. . . ويقول له: (إنما قدمت على مدد، وأنا الأمير ولا أمارة لك. . .) فينزل له أبو عبيدة عن الأمارة وكفاه شرف الجهاد. . . ثم انظر كيف يفهم أبو بكر نفس عمرو. . . إنه ليفرده بفتح فلسطين. . . إنه ينقده ثمن ما سيبذل من جهد في الفتح ومهارة في القتال. . . ولو قد طلب إليه أن يكون مكان يزيد بن أبي سفيان مثلاً على جيش دمشق. . . لربما كره عمر. . . وربما لم يبد من المهارة ما أبدى في أجنادين، ولكنه خليفة رسول الله، كان يعرف عمراً خير المعرفة. . . فنزل له عما يريد. ولم يقصر الفاروق في هذا فتركه حراً في فلسطين، لم يعزله كما عزل خالداً. . . وكان عمر يعرف كذلك أن عمراً مغامر. . . وأي تاجر لا يغامر؟ وأي رجال المال لا يرتاح إلى المضاربة والمغامرة والتعرض للغنم العظيم أو الغرم الذي يقصم الظهر. . . ولكنه كان يعرف فيه حذق المضاربة. . . وأنه لا ينزل السوق إلا كاسباً، ولهذا. . . أقره على فتح مصر ولم يفرغ بعد من فتح الشام. . . وكان عمرو في ذلك مساوماً ماهراً ومقنعاً ذا حجة ودهاء. . . فلم تثبت اعتراضات عمر الثبت الحصيف الدقيق الذي يضن بمسلم واحد على أن يجازف به وإنما اقتنع سريعاً. . . كان عمرو ماهراً لسناً بارعاً حين خلا بابن الخطاب وهما عائدان من فتح فلسطين. . . وكان أمهر حين انساب في جنح الليل يسعى إلى مصر سعياً. . . لقد خشي أن يعود أمير المؤمنين فيقبض يده. . . وقد خشي أن يراجع عمر
стр. 10216
نفسه. . . أو خشي أن يثنيه أحد عن عزمه. . . وما أخطأ عمرو في ذلك. . . فها هي ساعات لا تنقضي على مسيرة عمرو حتى يقبل عثمان فيعلن إليه عمر نبأ غزاة مصر. . . فما يكاد عثمان يسمع الأمر حتى يراع ويصيح به: (يا أمير المؤمنين: إن عمراً لمجرَّؤ وفيه إقدام وحب للأمارة، فأخشى أن يخرج من غير ثقة ولا جماعة فيعرض المسلمين للهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا. . .) فيشفق عمر على المسلمين إشفاقاً شديداً. . . وتحدثه نفسه أن يستوقف عمراً، ولكن عمراً قد مضى من أيام. . . ولعله قد دخل حدود مصر، ولعل الرسول لا يبلغه إلا وقد دخلها. . . وما ينبغي لجيش إسلامي أن يدخل بلاداً ثم يبارحها من غير فتح. . . تلك إذن هزيمة لا تليق بجند الإسلام.
. . . إذن فليسرع بالكتابة إليه، فإن أدركه الرسول قبل أن يدخل حدود مصر فليرجع، وما في ذلك حرج. . . وإذا كان قد دخلها. . . فليمض على بركة الله، وليبعث إليه الإمداد سراعاً تباعاً. . . كأنما كان عمرو يقرأ ذلك لكنه من كتاب! وكأني به وقد قدر أن الخليفة لا بد أن يستدعيه، وأن أحداً لا بد لائمه في ذلك الأمر. . . فها هو ذا يقرأ كتاب الخليفة دون أن يفتحه!. . . وها هو ذا يحتال حتى يدخل أرض مصر. . . لا لأنه يعلم أن الخليفة قد قال ذلك. . . بل لكي يقول للخليفة إذا أمره بالرجوع: (وكيف أنسحب وقد دخلت أرض مصر. . . فكأني بالروم تقول: خافتنا العرب. . .)
إلى هذا الحد بلغ ذكاء هذا الرجل وحسن تقديره ودقة بصره. . . حتى عمر نفسه على ما عرف عنه من الذكاء الخارق لم يدرك شأو ابن العاص في فن الحساب والتقدير!. . . . . . . . .
وأي صفقة هذه. . . لقد ربحها ابن العاص. . . إنها مصر التربة الغبراء. . . والشجرة الخضراء. . . (طولها شهر وعرضها عشر) كما يقول في وصفه البليغ لعمر. . . ثم انظر كيف يعرف الرجل سبيل استغلال (هذه اللقمة) السائغة. . . إنه يقول: (ألا يتأذى خراج ثمرة إلا في أوانها. . . وأن يصرف ثلث ارتفاعها في عمل جسورها وترعها. . . . فإذا تقرر الحال مع العمال في هذه الأحوال. . . تضاعف ارتفاع المال. . .)
وتلك هي سبيل التاجر الذي يحسب مكسبه وطرق الفائدة منه. . . ثم استمع إلى ما يوصي به الناس غداة الفتح. . . إنه لا يقف كثيراً عن حض الناس على الصلاة والصيام. . .
стр. 10217
فتلك أمور بينهم وبين ربهم. . . أما هو فحسبه أن يقول (يا معشر الناس! إياكم وخلالا أربعة فإنها تدعو إلى التعب بعد الراحة. وإلى الضيق بع السعة. . . وإلى الذلة بعد العزة. . . إياكم وكثرة العيال. . . واخفاض الحال، وتضييع المال، والقيل والقال بعد ذلك في غير نوال، ثم يوصي الناس بالخيل ويطيل في ذلك. . . لأنها (رأس مال العربي) في الفتح والزرع!. . . وهكذا. . . كان الرجل يعرف قدر الصفقة التي كسبها من عمر، ويعرف سبيل الفائدة منها. . . وإحسان القيامة عليها، وإلى هنا ويبدأ الخلاف بينه وبين غيره. . . حتى عمر نفسه لا يداني ابن العاص في مسائل المال والاستثمار. . . فها هو ذا يكتب إليه يقول: (أما بعد فإني فكرت في أمرك والذي أنت عليه، فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة قد أعطى الله أهلها عدداً وجلداً. . . وقوة في بر وبحر، وأنها قد عالجتها الفراعنة وعملوا فيها عملاً محكماً مع شدة عتوهم وكفرهم. . . فعجبت من ذلك. . . وأعجب ما عجبت أنها لا تؤدي نصف ما كانت تؤديه من الخراج قبل ذلك على غير قحط ولا جدب!) فيرد عليه عمرو الرد الحكيم فيقول: (ولعمري. . . للخراج يومئذ (أي أيام الفراعنة) أوفر وأكثر، والأرض أعمر، ولأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم، أرغب في عمارة أرضهم منا مذ كان الإسلام. . .).
هنا نلمس الفرق بين عمرو وغيره من ساسة الإسلام، إنه يجيد الاستثمار، ويحسن القيام على المال. . . . . . وهل كان الولاة الأولون يعرفون من هذه الأمور كثيراً أو قليلاً؟ أترك الجواب على ذلك لابن خلدون فله من ذلك شكوى لا تنقطع. . .! وهنا سر الخلاف بين عمر وعمرو، ومبعث هذه المراسلات التي كانت تشتد وربما وصلت إلى التعريض. . . فهذا عمر يقول: (وقد علمت أني لست أرضى منك إلا بالحق المبين، ولم أقدمك مصر أجعلها لك طعمة!. . .) ثم يقول له في كتاب آخر: (إنه قد فشت لك فاشية من متاع ورقيق وآنية وحيوان لم تكن حين وليت مصر!).
إن ابن الخطاب يعرف أساليب عمرو بن العاص، إنه يخشى أن يدخر المال. . . إنه ليبعث إليه محمد بن مسلمة (ليقاسمه ماله) في ظاهر الأمر، وليكون عليه رقيباً حسيباً!. . . في باطنه؛ كان عمر يعرف في ابن العاص صفة التاجر المغامر. . . فعامله على حذر، وأفاد منه ولكن في حذق. ولكن عثمان قد عزله عن مصر. . . فأي خطأ هذا. . . وأي
стр. 10218
جهل بطبيعته. . . لو أنه وجه إليه كلاماً أفعل من كلام عمر لسكت. . . لو أنه فعل به أي شئ آخر لما أهاجه ذلك هذا الهياج. . . ولكن (الصفقة) ضاعت من يده؛ لقد عزل عمر بن الخطاب خالد ابن الوليد عن إمرة صد الشام فلم يحزن ولم يبتئس، ولكن ابن العاص لا يسكت. . . إنه يعرض بعثمان حيث جلس. . . إنه يخف إلى المدينة مسرعاً وإن الثورة على عثمان لتضطرب بين جوانحه. . . وأي ثورة هي أشد من هذا الحديث البديع الذي رواه لنا الطبري كاملاً:
قال عثمان: يا ابن النابغة!. . . أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بوجه آخر؟
عمرو - إن كثيراً مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتق الله يا أمير المؤمنين في رعيتك.
عثمان - استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك.
عمرو - قد كنت عاملاً لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض.
عثمان - لو آخذتك بما آخذك به عمر لاستقمت، ولكني لنت عليك فاجترأت، أما والله لأنا أعزمنك نفراً في الجاهلية، وقبل أن ألي هذا السلطان.
عمرو - دع هذا، فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد ﷺ وهدانا به، قد رأيت العاص بن وائل ورأيت أباك عفان، فو الله للعاص أشرف من أبيك.
عثمان - ما لنا ولذكر الجاهلية!
هكذا تنتهي المحاورة بين الخليفة وعمرو. . . ويخرج هذا الأخير وقد دبر في نفسه أمراً. . . إنه ليثير الناس على الخليفة ويقضي وقته متنقلاً من مجلس إلى مجلس يبسط للناس أخطاء عثمان. . . ويحرضهم على الثورة عليه. . . فإذا وفق إلى إثارة الناس وأنذرت الفتنة فقد انحاز إلى قصره (العميلان) بفلسطين. . . حيث وجدناه في أول هذا الحديث. . . فإذا بلغه مقتل عثمان فقد طرب لذلك ولم يكتم فرحه به. . . وصاح يقول: (أنا عبد الله. . . إذا حككت قرحة أدميتها، أنى كنت لأحرض عليه، حتى لأحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.
والآن! (قد خرج الحق من خاصره الباطل، وأصبح الناس في الحق شرعاً سواء!. مات ولي الأمر وأصبحت دولة الإسلام كلها (صفقة واحدة) تحسن المساومة فيها جملة، ولهذا
стр. 10219
أرق عمرو وسيأرق طويلاً، إنه ليتدبر الأمر تدبيراً، وإنه ليقلبه على وجوهه ويحسب مكسبه منه، وخسارته فيه، ثم يمضي على حذر، وسنرى.
للبحث بقية
حسين مؤنس
стр. 10220
في الأدب الإنكليزي
٥ - الكائنات الغيبية في شعر شكسبير
بقلم خيري حماد
الأحلام:
إن اهتمام شكسبير بالأحلام ليفوق اكتراثه للعفاريت، فقد جعل منها في كثير من الأحيان قسماً من أقسام الرواية الأساسية بحيث تشكل ما نسميه موضوع الرواية. وهناك عدد من الأحلام في رواياته كان له أثر غير قليل في مجرى الرواية وسياقها التمثيلي. فحلم كلوسستر في القسم الثاني من رواية هنري السادس، وحلم كلارنيس في رواية ريشارد الثالث، وحلم كلبورنيا في رواية يوليوس قيصر، وحلم العرّاف في سمبالين، كلها تكون جزءاً غير قليل من هيكل الرواية التي ذكرت فيها.
وجميع هذه الأحلام التي ذكرتها عدا حلم العراف سمبالين تنبئ عن الموت والخراب؛ فكلوسستر يرى في نومه غلاماً قد لدغته أفعى سامة فقتلته على الفور؛ وكلارنس يحلم أن أخاه قد رمي به في بحر خضم فأغرقه حيث لا رجعة له بعد ذلك؛ وكلبورنيا أبصرت في نومها زوجها قتيلاً بين أيدي مغتاليه ورأت جسده يسيل الدم من جوانبه وقد اجتمع جميع الرومانيين حوله ليرشفوا من دمائه.
وكان الناس على اختلافهم يعتقدون أن الملكة ماب تبعث هذه الأحلام في الصدور؛ وتتجلى لنا هذه الفكرة من أجابه مركونيو لرفيقه روميو إذ يقول: (وإني لأظن أن الملكة ماب قد لازمتك ليلة البارحة)
لقد تحققت جميع الأحلام التي وردت في روايات شكسبير؛ ومن هذا يظهر لنا أن الشاعر كان يعتقد اعتقاداً جازماً في الأحلام وتأثيرها على المجتمع البشري، وهذا الاعتقاد هو ما نسميه اليوم بعلم تفسير الأحلام.
التنبؤ والتنجيم:
تحتوي روايات شكسبير على عدد كبير من النبوءات التي تختلف بحسب أهميتها وكونها
стр. 10221
قسماً رئيسياً من أقسام الرواية. وأهم هذه النبوءات التي يطالعنا بها شكسبير هي نبوءة مرجريت في رواية ريشارد الثالث. فهي تتنبأ للملكة اليصابات بقدوم وقت قريب تحتاج في أثنائه لمعونة كل إنسان، وهي تنبئ كلوسستر بقرب ذلك اليوم الذي تقطع فيه الأحزان نياط قلبه؛ وإن من الغريب أن كلتا هاتين النبوءتين تتحقق في سياق الرواية.
وأما النبوءات التي فاهت بها الساحرات في رواية مكبث، فقد تحققت كذلك في نهاية الرواية. وهذه النبوءات كما ذكرنا سالفاً كانت على نوعين: أحدهما حدث قبل أن يكون ملكاً على اسكتلندة، والآخر بعد رُقيه العرش، وقد تحققت هذه النبوءات كما تحققت سالفتها.
وفي رواية (ترويلس وكريسييدا نرى هناك عدداً آخر من النبوءات التي تصدر عن أميرة حمقاء تدعى الكسندره، فقد تنبأت بقتل هكتور ودمار طروادة، وهذا ما حدث حقيقة في نهاية الرواية؛ وترى في بعض الروايات عرافين يتكهنون بحدوث الأمور قبل وقوعها؛ ففي رواية يوليوس قيصر يتكهن العراف يقتل قيصر، وهذا ما يتم فعلاً لننتقل الآن قليلاً إلى البحث في التنجيم والفلك، ونرى هل اهتم شكسبير بهذا النوع من المغيبات. لقد وردت إشارات عدة في كثير من رواياته إلى التنجيم وقدرته على حل رموز الغيب والمستقبل؛ فنرى في كل من هملت، ويوليوس قيصر، وكوريولانوس، والعاصفة، وهنري السابع، ومكبث، وقصة الشتاء ' ' عدداً من الظواهر الطبيعية التي تحدث عادة قبل وقوع أمر جلل.
سيطول بنا البحث كثيراً إذا أسهبت في وصف كل من هذه الظاهر الطبيعية وشرح أسبابها ونتائجها، ولذلك اقتصرت على ذكرها دون شرح أو تفسير، فمن هذه الظاهر الكثيرة ظاهرة سقوط المذنبات وارتفاع أمواج البحر وقدوم بعض الطيور وسخط الطبيعة وانتقال بعض أنواع الحيوانات من مكان إلى آخر، كلها كانت أموراً خارقة للمادة تنبئ عن حدث جلل ومصاب عظيم.
الملاك الحارس
يعرّف جونسون هذا النوع من المغيبات بأنه القوة السماوية التي تحفظ الإنسان من الشرور والآلام؛ وبولكير في كتابه (العقائد الإنكليزية) يقدم لنا تعريفاً أوسع وأكثر شمولاً، فهو يقول: (يكون الملاك الحارس ملاكاً خيراً أو شيطاناً مريداً).
стр. 10222
وقد ذكر شكسبير هذا النوع من المغيّبات في سبعة مواضع، وفي كل واحدة منها اتخذها عنواناً للفضيلة ومعنى من معاني الخير والصلاح إلا في روايته العاصفة عندما يصف فردناند هذا النوع من المغيّبات قائلاً: (إن شيطاني الحارس لن يكون قادراً على إيداع شرفي في الرغام، ولن يكون في استطاعته قط أن يغير معالم السرور التي تحيط بي الآن).
من هذه الفقرة يظهر لنا أن للإنسان ملاكاً وشيطاناً حارسين. يؤكد هذه النظرية خطاب فلستاف إلى بونيز قائلاً: (إن لهذا الغلام ملاكاً حارساً بعثه، ولكن له في نفس الوقت شيطاناً يعمي بصائره ويقوده إلى ما فيه شره ومضرته).
ولا يظهر هذا الملاك الحارس للملأ إلا بعد وفاة صاحبه، فيظهر في كل شبح من الأشباح يرتدي نفس الملابس التي كان صاحبها يرتديها قبل وفاته. ولننظر إلى حالة الذهول التي تستولي على الناس عند نهاية الرواية (مهزلة الغلطات فيرون رجلين متشابهين لا يمكن تمييز أحدهما من الآخر. اسمعهم يتهامسون (إن أحد هذين الرجلين ملاك للآخر أو صورة مطابقة له).
وهذا الملاك يلازم صاحبه تمام الملازمة في غدواته وروحاته وفي نومه ويقظته، وهنالك لا يحدث نزاع بين رجلين إلا ويصحبه نزاع آخر بين ملاكيهما الحارسين. ولنستمع إلى مكبث يقول عن بانكو: (إنه الشخص الوحيد الذي أخافه وأرهبه. إن ملاكي الحارس لا يستطيع القيام بأي أمر من الأمور مخافة غضبه وسخطه، كما كان ملاك أنطونيوس خاضعاً تمام الخضوع لملاك بروتس).
مما تقدم يتجلى لنا أن شكسبير عني بالملاك الحارس شيئاً غير الروح وغير الشبح. فما الملاك إلا باعث من بواعث الخير وداعٍ من دعاة الفضيلة بقي صاحبه ويحفظه من كل ما يهاجمه ويناوئه.
(للبحث بقية)
خيري حماد
стр. 10223
من تراثنا الأدبي
٤ - أبو العَيْناء
للأستاذ محمود محمود خليل
تتمة
قلت أن أبا العيناء اتسع أمامه الميدان أيام المتوكل، وظهر نجمه، وسعدت أيامه، فلم يقتصر الأمر على اتصاله بالخليفة، بل اتصل بوزيره الفتح وأخيه عبيد الله ابني يحيى بن خاقان واستفاد من عطاياهم وسخائهم مالاً كثيراً؛ ولقد مدح عبيد الله لدى المتوكل حينما سأله عنه فقال: (نعم العبد لله ولك، مقسَّم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عادَلَ بصلاح ملكك كل لذة). وله كتاب طويل كتبه إلى عبيد الله يستوهبه دابة يركب عليها حينما وهب له ابنه محمداً دابة، فزعم أنها غير فاره. وهذا الكتاب تستطيع أن تجده في كتب الأدب، وهو يدل على التلطف في المسألة، والاحتيال على هؤلاء الرؤساء بتلك الأحاديث الحلوة الفكهة، مما حبب أبا العيناء إليهم، وجعلهم يغضون عن بذاءته ويلبسونه على علاته.
انقضت دولة المتوكل ووزيريه الفتح وأخيه عبيد الله، واضطربت الأمور من بعده، حتى استتب الأمن، ورجعت المياه إلى مجراها، وتولى الوزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب في خلافة (المنتصر، المستعين، المعتز، المهتدي) فاتصل به أبو العيناء وحضر مجالسه؛ وطالما حدثنا الرواة عن كثير من حوادثه معه. دخل عليه ذات يوم فقال: أقرب مني يا أبا عبد الله. فقال أعز الله الوزير! تقريب الأولياء، وحرمان الأعداء. قال: تقريبك غنم وحرمانك ظلم، وأنا ناظر في أمرك نظراً يصلح من شأنك إن شاء الله. وقال له يوماً: اعذرني فإني مشغول. فقال: إذا فرغت من شغلك لم نحتج إليك، وأنشده:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما … تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
ثم قال يا سيدي قد عذرتك، فإنه لا يصلح لشكرك من لا يصلح لعذرك. ودخل عليه يوماً فقال من أين يا أبا عبد الله؟ قال من مطارح الجفاء. وأقبل يوماً إليه، فشكا سوء حاله، فقال له أليس قد كتبنا إلى إبراهيم بن المدبر في أمرك؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصَّر من همته
стр. 10224
طول الفقر، وذل الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخفق سعيي، وخابت طلبتي. فقال أنت اخترته قال: وما علىَّ أعز الله الوزير في ذلك، وقد اختار موسى قومه سبعين رجلاً، فما كان فيهم رجل رشيد، واختار النبي (ص) عبد الله بن سعد بن أبي سرح كاتباً فرجع إلى المشركين مرتداً، واختار علي بن أبي طالب (ض) حكماً له فحكم عليه؟! وإنما قال أبو العيناء ذل الأسر لأن إبراهيم المذكور كان قد أسره صاحب الزنج بالبصرة وسجنه فنقب السجن وهرب.
ولما نكب الخليفة المعتمد على الله عبيد الله بن سليمان وولي الوزارة صاعد بن مخلد حصل خصام بين الوزير وبين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الكاتب، فانضم أبو العيناء إلى حزب أبي الصقر ولكن ذلك الموقف الذي وقفه من صاعد لم يمنعه من أخذ عطاياه واستجدائه، وحضور مجالسه. وقد عادى أبو العيناء رجلاً يقال له أبو العباس بن ثوابة لمعاداته لأبي الصقر، حتى إن الرجلين اجتمعا في مجلس صاعد يوماً، وكان ابن ثوابة قد سبّ أبا الصقر قبل ذلك بيوم، فقال ابن ثوابة لأبي العيناء: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك: ضيق العطن، كثير الوسن، خاراً على الذقن، وقد بلغني تعديك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم يجد لك عزاً فيذله، ولا علوا فيضعه، ولا مجداً فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله وينهكه، ودمك أن يسفكه. فقال ابن ثوابة: ما تسابّ إنسانان إلا غلب آلامهما. فقال: لهذا غلبت أمس أبا الصقر!
ولقد كان من جزاء أبي العيناء من أبي الصقر على وقوفه منه هذا الموقف في سبيله أنه عندما تولى الوزارة خيّره فيما يحبه حتى يفعله به، فقال أريد أن تكتب إلى أحمد بن محمد الطائي تعرفه مكاني، وتلزمه قضاء حق مثلي من خدمة، فكتب إليه كتاباً بخطه فوصله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر واحد مقدار ألف دينار وعشرة أجمل، فانصرف بجميع ما يحبه. وله أحاديث كثيرة، ومجالس طريفة مع الوزير أبي الصقر. ويظهر أن هذا آخر وزير اتصل به أبو العيناء من وزراء الدولة العباسية فإنه لم يعش بعد ما نكب الموفق أبا الصقر إلا قليلاً، وتوفي سنة ٢٨٢ أو سنة ٢٨٣هـ.
مهاترته مع كاتبين في عصره
على أننا نرى من الواجب علينا أن نأتي بشيء مما جرى بين أبي العيناء وبين كاتبين
стр. 10225
قديرين في عصره، هما محمد بن مكرم، وأبي علي بن جعفر الضرير؛ أما مكرم فكانت له معه مداعبات، وكان يهاتره كثيراً؛ كتب إليه ابن مكرم يوماً: قد ابتعت لك غلاماً من بني ناشر ثم من بني ناعظ ثم من بني نهد. فكتب إليه: فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. وولد لأبي العيناء ولد، فأتى ابن مكرم فسلم عليه، ووضع حجراً بين يديه وانصرف، فأحس به فقال: من وضع هذا؟ فقيل ابن مكرم، فقال: لعنه الله إنما عرض بقول النبي (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقال لابن مكرم وقد قدم من سفر: مالك لم تهد إلينا هدية؟ قال: لم آت بشيء، وإنما قدمت في خِف، قال: لو قدمت في خف لخفت روحك. وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدد المكذبين بالبصرة؟ فقال: مثل عدد البغائين ببغداد!
وأما أخباره مع أبي علي الضرير فكثيرة، وكم أتمنى أن يتيح لي الزمن فرصة الموازنة بين هذين الرجلين، فإن بينهما شبهاً قوياً، وقد وجدا في عصر واحد، وكانا في البلاغة نسيج وحدهما، ولكن كانت بينهما منافسة قوية أدت إلى أن تجري بينَهما مساجلات ومفاخرات كثيرة، حتى إن فتى من أبناء الكتاب في بعض الدواوين تعرض لأبي العيناء، وكان فيه جرأة فقال: كل الناس يا أبا العيناء زوجة، وأنت زوجة أبي علي البصير. فقال له أبو العيناء: قد ملكنا عصمتك بيقين فحواك، ثم ننظر في شكوك دعواك، وقد طلقت الناس كلهم سواك، ذلك أدنى ألا نعول، وفيك ما يروي الفحول، ويتجاوز السول. ففضحه بهذا الكلام ولم يجبه.
وهذا الحديث يدل على أنه قد كان بين الرجلين تصادم؛ وإن شئت فسمه مشاكسة وجدلاً عنيفاً وصراعاً قوياً بالألسن وأنه كثيراً ما يكون الغلب في جانب أبي علي الضرير.
أدب أبي العيناء
ونقصد بهذا الأدب الشعر والنثر؛ أما الشعر فلا نستطيع أن نعد أبا العيناء شاعراً مكثراً من فحول الشعراء لأننا لم نجد له في كتب الأدب والتراجم التي بأيدينا شعراً كثيراً؛ إنما الذي نقدر أن نحكم له به أنه كان من شعراء الكتاب أضراب أحمد ابن يوسف الكاتب والوزير للمأمون فيما بعد، وقد تقدم له بضعة أبيات مدمجة في أحاديثه تؤيدنا في حكمنا هذا.
وأما النثر فقد كان أبو العيناء سباقاً فيه، وتمتاز كتابته بأنها تارة تكون مفرغة في قالب
следующие страницы →