Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.
стр. 10221
قسماً رئيسياً من أقسام الرواية. وأهم هذه النبوءات التي يطالعنا بها شكسبير هي نبوءة مرجريت في رواية ريشارد الثالث. فهي تتنبأ للملكة اليصابات بقدوم وقت قريب تحتاج في أثنائه لمعونة كل إنسان، وهي تنبئ كلوسستر بقرب ذلك اليوم الذي تقطع فيه الأحزان نياط قلبه؛ وإن من الغريب أن كلتا هاتين النبوءتين تتحقق في سياق الرواية.
وأما النبوءات التي فاهت بها الساحرات في رواية مكبث، فقد تحققت كذلك في نهاية الرواية. وهذه النبوءات كما ذكرنا سالفاً كانت على نوعين: أحدهما حدث قبل أن يكون ملكاً على اسكتلندة، والآخر بعد رُقيه العرش، وقد تحققت هذه النبوءات كما تحققت سالفتها.
وفي رواية (ترويلس وكريسييدا نرى هناك عدداً آخر من النبوءات التي تصدر عن أميرة حمقاء تدعى الكسندره، فقد تنبأت بقتل هكتور ودمار طروادة، وهذا ما حدث حقيقة في نهاية الرواية؛ وترى في بعض الروايات عرافين يتكهنون بحدوث الأمور قبل وقوعها؛ ففي رواية يوليوس قيصر يتكهن العراف يقتل قيصر، وهذا ما يتم فعلاً لننتقل الآن قليلاً إلى البحث في التنجيم والفلك، ونرى هل اهتم شكسبير بهذا النوع من المغيبات. لقد وردت إشارات عدة في كثير من رواياته إلى التنجيم وقدرته على حل رموز الغيب والمستقبل؛ فنرى في كل من هملت، ويوليوس قيصر، وكوريولانوس، والعاصفة، وهنري السابع، ومكبث، وقصة الشتاء ' ' عدداً من الظواهر الطبيعية التي تحدث عادة قبل وقوع أمر جلل.
سيطول بنا البحث كثيراً إذا أسهبت في وصف كل من هذه الظاهر الطبيعية وشرح أسبابها ونتائجها، ولذلك اقتصرت على ذكرها دون شرح أو تفسير، فمن هذه الظاهر الكثيرة ظاهرة سقوط المذنبات وارتفاع أمواج البحر وقدوم بعض الطيور وسخط الطبيعة وانتقال بعض أنواع الحيوانات من مكان إلى آخر، كلها كانت أموراً خارقة للمادة تنبئ عن حدث جلل ومصاب عظيم.
الملاك الحارس
يعرّف جونسون هذا النوع من المغيبات بأنه القوة السماوية التي تحفظ الإنسان من الشرور والآلام؛ وبولكير في كتابه (العقائد الإنكليزية) يقدم لنا تعريفاً أوسع وأكثر شمولاً، فهو يقول: (يكون الملاك الحارس ملاكاً خيراً أو شيطاناً مريداً).
стр. 10222
وقد ذكر شكسبير هذا النوع من المغيّبات في سبعة مواضع، وفي كل واحدة منها اتخذها عنواناً للفضيلة ومعنى من معاني الخير والصلاح إلا في روايته العاصفة عندما يصف فردناند هذا النوع من المغيّبات قائلاً: (إن شيطاني الحارس لن يكون قادراً على إيداع شرفي في الرغام، ولن يكون في استطاعته قط أن يغير معالم السرور التي تحيط بي الآن).
من هذه الفقرة يظهر لنا أن للإنسان ملاكاً وشيطاناً حارسين. يؤكد هذه النظرية خطاب فلستاف إلى بونيز قائلاً: (إن لهذا الغلام ملاكاً حارساً بعثه، ولكن له في نفس الوقت شيطاناً يعمي بصائره ويقوده إلى ما فيه شره ومضرته).
ولا يظهر هذا الملاك الحارس للملأ إلا بعد وفاة صاحبه، فيظهر في كل شبح من الأشباح يرتدي نفس الملابس التي كان صاحبها يرتديها قبل وفاته. ولننظر إلى حالة الذهول التي تستولي على الناس عند نهاية الرواية (مهزلة الغلطات فيرون رجلين متشابهين لا يمكن تمييز أحدهما من الآخر. اسمعهم يتهامسون (إن أحد هذين الرجلين ملاك للآخر أو صورة مطابقة له).
وهذا الملاك يلازم صاحبه تمام الملازمة في غدواته وروحاته وفي نومه ويقظته، وهنالك لا يحدث نزاع بين رجلين إلا ويصحبه نزاع آخر بين ملاكيهما الحارسين. ولنستمع إلى مكبث يقول عن بانكو: (إنه الشخص الوحيد الذي أخافه وأرهبه. إن ملاكي الحارس لا يستطيع القيام بأي أمر من الأمور مخافة غضبه وسخطه، كما كان ملاك أنطونيوس خاضعاً تمام الخضوع لملاك بروتس).
مما تقدم يتجلى لنا أن شكسبير عني بالملاك الحارس شيئاً غير الروح وغير الشبح. فما الملاك إلا باعث من بواعث الخير وداعٍ من دعاة الفضيلة بقي صاحبه ويحفظه من كل ما يهاجمه ويناوئه.
(للبحث بقية)
خيري حماد
стр. 10223
من تراثنا الأدبي
٤ - أبو العَيْناء
للأستاذ محمود محمود خليل
تتمة
قلت أن أبا العيناء اتسع أمامه الميدان أيام المتوكل، وظهر نجمه، وسعدت أيامه، فلم يقتصر الأمر على اتصاله بالخليفة، بل اتصل بوزيره الفتح وأخيه عبيد الله ابني يحيى بن خاقان واستفاد من عطاياهم وسخائهم مالاً كثيراً؛ ولقد مدح عبيد الله لدى المتوكل حينما سأله عنه فقال: (نعم العبد لله ولك، مقسَّم بين طاعته وخدمتك، يؤثر رضاك على كل فائدة، وما عادَلَ بصلاح ملكك كل لذة). وله كتاب طويل كتبه إلى عبيد الله يستوهبه دابة يركب عليها حينما وهب له ابنه محمداً دابة، فزعم أنها غير فاره. وهذا الكتاب تستطيع أن تجده في كتب الأدب، وهو يدل على التلطف في المسألة، والاحتيال على هؤلاء الرؤساء بتلك الأحاديث الحلوة الفكهة، مما حبب أبا العيناء إليهم، وجعلهم يغضون عن بذاءته ويلبسونه على علاته.
انقضت دولة المتوكل ووزيريه الفتح وأخيه عبيد الله، واضطربت الأمور من بعده، حتى استتب الأمن، ورجعت المياه إلى مجراها، وتولى الوزارة عبيد الله بن سليمان بن وهب في خلافة (المنتصر، المستعين، المعتز، المهتدي) فاتصل به أبو العيناء وحضر مجالسه؛ وطالما حدثنا الرواة عن كثير من حوادثه معه. دخل عليه ذات يوم فقال: أقرب مني يا أبا عبد الله. فقال أعز الله الوزير! تقريب الأولياء، وحرمان الأعداء. قال: تقريبك غنم وحرمانك ظلم، وأنا ناظر في أمرك نظراً يصلح من شأنك إن شاء الله. وقال له يوماً: اعذرني فإني مشغول. فقال: إذا فرغت من شغلك لم نحتج إليك، وأنشده:
فلا تعتذر بالشغل عنا فإنما … تناط بك الآمال ما اتصل الشغل
ثم قال يا سيدي قد عذرتك، فإنه لا يصلح لشكرك من لا يصلح لعذرك. ودخل عليه يوماً فقال من أين يا أبا عبد الله؟ قال من مطارح الجفاء. وأقبل يوماً إليه، فشكا سوء حاله، فقال له أليس قد كتبنا إلى إبراهيم بن المدبر في أمرك؟ فقال: كتبت إلى رجل قد قصَّر من همته
стр. 10224
طول الفقر، وذل الأسر، ومعاناة محن الدهر، فأخفق سعيي، وخابت طلبتي. فقال أنت اخترته قال: وما علىَّ أعز الله الوزير في ذلك، وقد اختار موسى قومه سبعين رجلاً، فما كان فيهم رجل رشيد، واختار النبي (ص) عبد الله بن سعد بن أبي سرح كاتباً فرجع إلى المشركين مرتداً، واختار علي بن أبي طالب (ض) حكماً له فحكم عليه؟! وإنما قال أبو العيناء ذل الأسر لأن إبراهيم المذكور كان قد أسره صاحب الزنج بالبصرة وسجنه فنقب السجن وهرب.
ولما نكب الخليفة المعتمد على الله عبيد الله بن سليمان وولي الوزارة صاعد بن مخلد حصل خصام بين الوزير وبين أبي الصقر إسماعيل بن بلبل الكاتب، فانضم أبو العيناء إلى حزب أبي الصقر ولكن ذلك الموقف الذي وقفه من صاعد لم يمنعه من أخذ عطاياه واستجدائه، وحضور مجالسه. وقد عادى أبو العيناء رجلاً يقال له أبو العباس بن ثوابة لمعاداته لأبي الصقر، حتى إن الرجلين اجتمعا في مجلس صاعد يوماً، وكان ابن ثوابة قد سبّ أبا الصقر قبل ذلك بيوم، فقال ابن ثوابة لأبي العيناء: أما تعرفني؟ فقال: بلى أعرفك: ضيق العطن، كثير الوسن، خاراً على الذقن، وقد بلغني تعديك على أبي الصقر، وإنما حلم عنك لأنه لم يجد لك عزاً فيذله، ولا علوا فيضعه، ولا مجداً فيهدمه، فعاف لحمك أن يأكله وينهكه، ودمك أن يسفكه. فقال ابن ثوابة: ما تسابّ إنسانان إلا غلب آلامهما. فقال: لهذا غلبت أمس أبا الصقر!
ولقد كان من جزاء أبي العيناء من أبي الصقر على وقوفه منه هذا الموقف في سبيله أنه عندما تولى الوزارة خيّره فيما يحبه حتى يفعله به، فقال أريد أن تكتب إلى أحمد بن محمد الطائي تعرفه مكاني، وتلزمه قضاء حق مثلي من خدمة، فكتب إليه كتاباً بخطه فوصله إلى الطائي، فسبب له في مدة شهر واحد مقدار ألف دينار وعشرة أجمل، فانصرف بجميع ما يحبه. وله أحاديث كثيرة، ومجالس طريفة مع الوزير أبي الصقر. ويظهر أن هذا آخر وزير اتصل به أبو العيناء من وزراء الدولة العباسية فإنه لم يعش بعد ما نكب الموفق أبا الصقر إلا قليلاً، وتوفي سنة ٢٨٢ أو سنة ٢٨٣هـ.
مهاترته مع كاتبين في عصره
على أننا نرى من الواجب علينا أن نأتي بشيء مما جرى بين أبي العيناء وبين كاتبين
стр. 10225
قديرين في عصره، هما محمد بن مكرم، وأبي علي بن جعفر الضرير؛ أما مكرم فكانت له معه مداعبات، وكان يهاتره كثيراً؛ كتب إليه ابن مكرم يوماً: قد ابتعت لك غلاماً من بني ناشر ثم من بني ناعظ ثم من بني نهد. فكتب إليه: فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. وولد لأبي العيناء ولد، فأتى ابن مكرم فسلم عليه، ووضع حجراً بين يديه وانصرف، فأحس به فقال: من وضع هذا؟ فقيل ابن مكرم، فقال: لعنه الله إنما عرض بقول النبي (ص): الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقال لابن مكرم وقد قدم من سفر: مالك لم تهد إلينا هدية؟ قال: لم آت بشيء، وإنما قدمت في خِف، قال: لو قدمت في خف لخفت روحك. وقال له ابن مكرم يوماً يعرض به: كم عدد المكذبين بالبصرة؟ فقال: مثل عدد البغائين ببغداد!
وأما أخباره مع أبي علي الضرير فكثيرة، وكم أتمنى أن يتيح لي الزمن فرصة الموازنة بين هذين الرجلين، فإن بينهما شبهاً قوياً، وقد وجدا في عصر واحد، وكانا في البلاغة نسيج وحدهما، ولكن كانت بينهما منافسة قوية أدت إلى أن تجري بينَهما مساجلات ومفاخرات كثيرة، حتى إن فتى من أبناء الكتاب في بعض الدواوين تعرض لأبي العيناء، وكان فيه جرأة فقال: كل الناس يا أبا العيناء زوجة، وأنت زوجة أبي علي البصير. فقال له أبو العيناء: قد ملكنا عصمتك بيقين فحواك، ثم ننظر في شكوك دعواك، وقد طلقت الناس كلهم سواك، ذلك أدنى ألا نعول، وفيك ما يروي الفحول، ويتجاوز السول. ففضحه بهذا الكلام ولم يجبه.
وهذا الحديث يدل على أنه قد كان بين الرجلين تصادم؛ وإن شئت فسمه مشاكسة وجدلاً عنيفاً وصراعاً قوياً بالألسن وأنه كثيراً ما يكون الغلب في جانب أبي علي الضرير.
أدب أبي العيناء
ونقصد بهذا الأدب الشعر والنثر؛ أما الشعر فلا نستطيع أن نعد أبا العيناء شاعراً مكثراً من فحول الشعراء لأننا لم نجد له في كتب الأدب والتراجم التي بأيدينا شعراً كثيراً؛ إنما الذي نقدر أن نحكم له به أنه كان من شعراء الكتاب أضراب أحمد ابن يوسف الكاتب والوزير للمأمون فيما بعد، وقد تقدم له بضعة أبيات مدمجة في أحاديثه تؤيدنا في حكمنا هذا.
وأما النثر فقد كان أبو العيناء سباقاً فيه، وتمتاز كتابته بأنها تارة تكون مفرغة في قالب
стр. 10226
فكاهي مضحك، تقرؤها فلا تكاد تملك نفسك من الضحك، ولكنه إذا أفرغها في قالب الجد أتى بالفقر القصيرة حيناً والطويلة حيناً آخر؛ وكثيراً ما تكون مرسلة، وقد يقيدها بالسجع. فأسلوبه من السهل الممتنع كما يقولون، ويكفيه في منزلته من البلاغة تعجب المتوكل منه، إذ سأله: أكان أبوك في البلاغة مثلك؟ فأجابه بقوله: لو رأى أمير المؤمنين أبى لرأي عبداً له لا يرضاني عبداً له. ونرى كاتباً معاصراً له يشهد له شهادة قيمة وهو محمد بن مكرم الكاتب قال: من زعم أن عبد الحميد أكتب من أبي العيناء إذا أحس بكرم أو شرع في طمع فقد ظلم. ونحن إن كنا نعتقد أن في كلامه غلواً مراعاة للصداقة المحكمة الأواصر بينهما، إلا أن الحال التي وصف فيها أبا العيناء بالإجادة خليقة بتقدير النقد الأدبي لها. فإننا نرى الرجل يأتي برسائل ممتعة حقاً نعجب كيف صدرت عنه، ولكننا لو علمنا أن الدافع له إحساسه بالكرم، أو شروعه في الطمع كما يقول ابن مكرم لا نستغرب هذا.
وإني أريد أن أؤيد كلامي بنماذج من رسائله، ولقد كنت في غنى عن هذا لما تقدم من أحاديثه وكتاباته، ولكني لم أر بداً من الإتيان بنبذ يسيرة منها، فمن رسائله الفكاهية: ما كتبه إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان حينما أهدى إليه ابنه محمد دابة زعم أنها غير فاره:
أعلم الوزير أعزه الله أن أبا علي محمداً أراد أن يبرني فعقني، وأن يربكني فأرجلني: أمر لي بدابة تقف للنبرة، وتعثر بالبعرة، كالقضيب اليابس عَجَفاً، وكالعاشق المجهود دنفاً، قد أذكرت الرواة عذرة العذرى، والمجنون العامري. يساعد أعلاه لأسفله،. . . مقرون بسعاله، فلو أمسك لترجيت، أو أفرد لتعزيت، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور، والمجلس المشهور، كأنه خطيب مرشد، أو شاعر منشد، تضحك من فعله النسوان، وتتناغى من أجله الصبيان، فمن صائح يصيح داوه بالطباشير، ومن قائل يقول نقّ له من الشعير، قد حفظ الأشعار، وروى الأخبار، ولحق العلماء في الأمصار، فلو أعين بنطق، لروى بحق وصدق، عن جابر الجعفي، وعامر الشعبي، وإنما أتيت به من كاتبه الأعور، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر، وإذا اختار لغيره أخبث وأنزر. فإن رأى الوزير أن يبدلني ويريحني بمركوب يضحكني كما ضحك مني، يمحو بحسنه وفراهته، ما سطره العيب بقبحه ودمامته، ولست أرد كرامة، سرجه ولجامه، لأن الوزير أكرم من أن يسلب ما يُهديه، أو ينقض ما يمضيه.
стр. 10227
فوجه إليه الوزير برذونا من براذينه بسرجه ولجامه؛ ثم اجتمع مع محمد بن عبيد الله عند أبيه، فقال الوزير شكوت دابة محمد، وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار، وما هذا ثمنه لا يشتكي. فقال أعز الله الوزير لو لم أكذب مستزيداً لم أنصرف مستفيداً، وإني وإياه لكما قالت امرأة العزيز: الآن حصحص الحق، أنا راودته عن نفسه، وإنه لمن الصادقين، فضحك الوزير وقال: حجتك الداحضة بملاحتك وظرفك أبلغ من حجة غيرك البالغة.
ومن رسائله الجدية ما كتبه إلى عبيد الله بن سليمان بن وهب: أنا أعزك الله وولدي وعيالي زرع من زرعك، إن سقيته راع وزكا، وإن جفوته ذبل وذوى، وقد مسني منك جفاء بعد بر، وإغفال بعد تعاهد، حتى تكلم عدوّ، وشمت حاسد، ولعبت بي ظنون رجال كنت بهم لاعباً، ولهم مجرّساً. ولله درّ أبي الأسود في قوله: -
لا تهني بعد إكرامك لي … فشديد عادة منتزعه
وتلك الرسالة كانت كافية في أن تطلق يد عبيد الله بالعطاء فوقع في رقعته: أنا أسعدك الله على الحال التي عهدت، وميلي إليك كما علمت، وليس من أنسأناه أهملناه، ولا من أخرناه تركناه، وقد وقعت لك برزق شهرين، لتعرفني مبلغ استحقاقك، لأطلق لك باقي أرزاقك، إن شاء الله والسلام.
وكتب إلى الوزير أبي الصقر يشكوه: أنا أعزك الله طليقك من الفقر، ونقيذك من البؤس، أخذت بيدي عند عثرة الدهر، وكبوة الكبر، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء والأشكال، والإخوان والأمثال الذين يفهمون في غير تعب، وهم الناس الذين كانوا غياثاً للناس فحللت عقدة الخلة، ورددت إلى بعد النفور النعمة، فأحسن الله جزاك، وأعظم حماك، وقدمني أمامك، وأعاذني من فقدك، فقد أنفقت علي مما ملكك الله، وأنفقت من الشكر ما يسره الله لي، والله يقول لينفق ذو سعة من سعته، فالحمد لله الذي جعل لك اليد العالية، والرتبة الشريفة، لا أزال الله عن هذه الأمة ما بسط فيها من عدلك، وبث فيها من رفدك والسلام.
الزقازيق
محمود محمود خليل
стр. 10228
وداع والد
للأستاذ محمود خيرت
أخوان ما آب المسافر منهما … حتى استطاب أخوه هجران الحمى
فالقلب بينهما الغداةَ موزَّع … حيرانُ يخفق نشوةً وتألُّماَ
ولشدّ ما يجد المُفارِقُ ما انتهى … مِن جنة اللّقيا إليه جهنما
يا أكبر الأبناء خلّف بعده … صبراً تقطّع حبلُه وتصرّما
لم تَدْرِ يوم البين ما فعَل الأسى … بأبيك لما أن دنوتَ وسَلّما
عقد الذهولُ عن الكلام لِسَانَه … فتكلَّم الدمع العَصِيُّ وترجما
ومشى إليك مشرّداً متخاذلاً … يأبى عليه الهول أن يتقدّما
حتى إذا نأتِ السفِين بركبها … وغدوتَ بالبُعد الطويل ملثَّما
بَدَتِ الحقيقة كالخيال فها أنا … إما أراك غداً أراك توهّما
والدار تنعى أُنسها الماضي وقد … أمسى على ظَمْأَى النفوس محرّما
يا من كساها مِن بشاشته سَنىً … عكسَت جوانبُها صداه تبسّما
للدور أرواح تحِنّ لأهلها … وتطوف مِن خَلل الحواجِز حُوّما
وضّاءة بهمُ الزمانَ فإِن هُمو … نزحوا تغشاها الظلام وخيّما
كم كنت ترعاني وتأسُو علَّق … وتحولُ دون الدّاء أن يتحكَّما
ولكَم سهرتَ عليّ فيه ليالياً … لا عابساً فيها ولا متبرِّما
وتخِذتُ منك وأنتَ منّي عدّة … عند الزمان إذا الزمان تجهّما
فالبعد أقسى ما يمُرُّ به أبٌ … ثقُلت عليه همومُه فتهدّما
لكنْ رحلتَ ونصبُ عينك غايةٌ … كانت أعزّ من البقاء وأكرما
وطَّنتَ نفسك في أمانيها على … أن تركب الأخطار كي تتعلّما
محمود خيرت
стр. 10229
سليل الأكابر
بقلم رفيق فاخوري
حَسِبَ الدنَى قيدتْ له … والكونَ مخلوقاً معهْ
يحيا له ويموتُ إذ … تطوي الليالي أجمعَهْ
لم يبك من حظٍ يجدِّ … د للفقير على المدَى
بؤساً ويرسم في محيّ … اه اكتئاباً سرمداً
فإذا أصاب الدمعُ في … عين الشجيّ مسيلَهُ
رقصتْ بكفيه المنَى … فشفى بهنَّ غليله
ورثَ الجهالة فاستعا … نَ على الجهالة بالغنَى
ويُرَى وضيعاً وهو في … عُرْف الدراهم فوقنا
أبداً تواكبه وفو … دُ السعد أنىَّ يمما
وتصوغ أحلامُ الفرا … غِ له المكارة أنعُما
يمسي ويصبح سادراً … يأتيه سعياً رزقُهُ
ونظل نطلب ما حَيي … نا والمطالبُ حقهُ
تُفْدَى سلامته بأرْ … واح لنا لا تفتدى
الويلُ للخَوَلِ الأصا … غرِ إن أضاعوا السيدا
إنا بنو الفقر ابتني … نا بالمساعي مجدنا
وشروا بماء الوج … هـ حظاً خاسراً لا يقتنَى
ليس الغنَى ما أورثَ ال … آباءُ أو ما خَلَّفوا
فاشحذْ قواكَ لغَدوةٍ … تُندي الجبينَ وتُرْعف
يا ويحَ للقوم النيا … مِ على تصاريف الزمن
الوادعينَ الآكلي … ن جَنَى العِباد بلا ثمن
يغدو النعيمُ جسومَهمْ … أبداً فتعتلُّ النُّهَى
لكأنهم إبِلٌ هوا … ملُ غفلةً أو دونها
جمعوا فما أغناهمُ … مالٌ عصارتُه الندمْ
стр. 10230
إن لم تكن بالنفس ذا … مالٍ فأنت أخو العدم
حمص
رفيق فاخوري
стр. 10231
أسمى
[مهداة إلى الأستاذ الكبير المازني]
للأستاذ الياس قنصل
يروق له اصطداميَ بالصعابِ … ويعجبُه اتصاليَ بالعذابِ
فيغريني حديثٌ منه خافٍ … يخدّرُني بآمالٍ عِذابِ
ويدفعُني إلى بحر الرزايا … أصارع منه أمواج العباب
إذا سلّمت نفسي من بلاءٍ … أشارَ على سواه باطّلابي
أريد البعد عن كل اضطرابٍ … ويأبى أن أكون بلا اضطرابِ
وقفتُ على كرامته حياتي … وصنتُ علاءه من كلّ ناب
وفضّلتُ الكفاف على ثراءٍ … يلطّخُ عزَّه برشاشِ عاب
وشدتُ له بآي الفنّ قصراً … متين الأُسّ مرفوع القباب
تذيع قصائدي منه دوياً … ستصحبه إلى يوم الحساب
نصيبيَ أن أهيئ وهو يحبني … وينعم من جهادي بالثواب
فإن أنشرْ مقالاً أو كتاباً … تخايلَ في مقالي أو كتابي
وإن أسعفْ صديقاً مستجيراً … تبختر بين أفواهِ الصحاب
وإن أبعثْ إلى أحد خطاباً … تخطّر في الخطابِ وفي الجوابِ
وإن أرحلْ وإن البثْ مكاني … تمايل في المجيء وفي الذهاب
فلستُ حياله إلاّ خيالاً … يجدُّ - متى يجدّ - إلى سراب
نكبت بشرِّهِ وأنا وليد … ورافقني أذاه في شبابي
وسوف يظلُّ مرصوداً لرزئي … إلى ما بعد درجي في التراب. .
(عاصمة الأرجنتين)
إلياس قنصل
стр. 10232
القصص
صور من هوميروس
١٤ - حُروب طَرْوَادَة
أخيل يبكي بتروكلوس
للأستاذ دريني خشبة
قتل بتروكلوس!
وانقلب هذا النصر المؤزّر إلى ذهول استولى على أفئدة الميرميدون، صيرته الصدمة الهائلة أشبه شئ بالهزيمة المؤكدة!
وبينما كانت أبصارهم زائغةً تنظر إلى ما حل بمولاهم، وبينما كانوا ينظرون إلى أشباح المنايا ترف فوق الساحة، وتُدَوّم على رؤوسهم، تكاد تخطفهم، كان هكتور وملؤه ينزعون عدة أخيل، دون أن يلقوا أقل معارضة!. . . . . . . .
ثم أفاق الميرميدون بصيحةٍ من منالايوس العظيم، اقتحم الحلبة نحو زعيمهم قُدُماً، وناضل وحده عن الجثمان العزيز، الذي كان هكتور يمني نفسه بحمله إلى طروادة ليجعله مَعْرِضاً هنالك، يشهد له بالشجاعة المغتصبة، والجراءة المزوّرة، والبطولة التي لم يكن لها أهل؛ ثم ينبذه بعدها بالعراء فتنوشه الطير، وتغتذي بلحمه المر سباع طروادة وكلابها!. . . . . .
وانقض الميرميدون يذودون عن الجثة مع منالايوس، ولكنه انقضاض المهموم المحزون، وهجمة المرَزّأ المكدود؛ فلم تكن ضرباتهم الواهية تخيف الطرواديين بعد إذ أُنقذوا من بتروكلوس الداهية، ولم تكن صيحاتهم الوانية تهز بضعة من قلوب أعدائهم الذين أصبحت لهم الكرة عليهم. . . . . . . . . .
واستطاع منالايوس، بعد لأي شديد وجهد أن يحمل الجثة، يساعده مريونيس الكبير، وأن يقتحما بها المعترك المصطخب إلى الصفوف الخلفية، يحمي ظهورهما أجاكس وجنوده وذعر قادة الهيلانيين حين رأوا شدة هجمات الطرواديين بعد مقتل بتروكلوس، وحين نظروا فوجدوا الميرميدون يشتغلون عن المعركة بالبكاء على مولاهم، والرثاء لما حل بهم من بعده، والفزع الأكبر للقاء أخيل. . . . لا يتقدمهم إليه قائدهم. . . .
стр. 10233
ولجأ منالايوس إلى الحيلة، وفكر من فوره في إثارة النخوة في قلب أخيل، عسى أن يقدم فيقود أجناده، ويتم النصر للهيلانيين، فأرسل إليه أنتيلوخوس يحمل النبأ العظيم، ويزلزل من تحته الأرض حين يقص عليه ما لغط به هكتور.
ولو قد علم أنتيلوخوس ما يثيره هذا النعي في قلب أخيل، ما آثر أن ينفذ إليه به! فلقد صرخ ابن ذيتيس صرخة اضطرب لها البحر، وماد الشاطئ، وتجاوبت لها جنبات الجبال، ثم بكى، فاربد أديم السماء واعتكر، واحتلك الضحى وبسر، وشاعت في العالم ظلمه أهول من ظلمة القبور!
(بتروكلوس!. . . . . . . . . . . .)
أفي الحق يا أعز الأصدقاء أنك أوديت! وا حرباً! أإذا لقيتك الآن فأنت ما تحرك شفتيك لتكلمني، وما تفتح عينيك لترى إلى أخيل؟! ألا ينبض قلبك بعد اليوم يا بتروكلوس، حتى ولا بحبي؟!. . . . . .
أإلى حتفك كنت تستأذنني إذن؟. . . . . . . .
ويلي عليك يا بتروكلوس! ويلي عليك يا أعز الأحباب. . .
ولم يُطق، فطفق يحثو التراب على رأسه، ويشد شعره، فيكاد ينزعه، ويرسل في السماء وفي الأرض والبحر صرخاته الداويات.
وانتفض الموج، وفار الماء؛ وكأنما اتصل قلب أخيل باليم فاضطرب بما فيه من وجد، واصطخب بما يؤوده من كمد، وشاعت فيه أشجانه وأحزانه، حتى وصلت إلى الأعماق. . . . حيث تأوي ذيتيس إلى زوجها، رب البحار السفلية، فشعرت الأم المحزونة بما ينتاب ولدها في أسطوله الراسي على هامش طروادة، وأحست بما يأخذه من ألم، ويمزق حشاه من عناء؛ فصرخت ثمة صرخةً اجتمع لها كل عرائس البحر، وعذارى الماء، من حوريات نريوس، وأخذن يلطمن خدودهن الوردية تحت الثبج، ويذرين من نرجس عيونهن فيضاً من الدمع الدري، ثم انتظمن صفوفاً صفوفاً، ورحن يتاهدين وراء ذيتيس، مرسلاتٍ في الأعماق أناشيد الحَزَن، طاوياتٍ ذلك الرحب الذي يفصل بين مملكة مولاهن، وبين شطئان اليوم؛ حتى إذا كُنّ عند الأسطول الهيلاني طفون فوق الماء، فانقلبت اللجة بجمعهن جنة، وارتد البحر بربربهن فردوس نعيم!!
стр. 10234
وبرزت ذيتيس فَرَقَت سفينة ابنها أخيل الباكي الآنَّ الحزين؛ وتقدمت فضمته إلى صدرها الحنون، وجعلت تُهوِّن عليه أمر صاحبه، وتصرفه عن هذه الحرب التي يفرق من هولها قلبها الخفَّاق أشد الفَرَق، لما تعلمه منذ قديم من القتلة التي تخترم ولدها تحت أسوار طروادة، كما أنبأتها بها ساحرات الماء. .
وأن أخيل أنة شديدة، وقال لأمه: (أماه! هكذا قدر لنا أن نلقي ما حتمه القضاء علينا، وهكذا شاء سيد الأولمب الكبير المتعال، ولكن خبريني بربك ما قيمة هذه الحياة ما لم يعد بتروكلوس ينضرها ويزين حواشيها، وما دام أعز أحبابي وأودائي ملقى هذه الساحة النكراء، ذبيحاً بين أشقى الخصوم الألداء!!
أه يا بتروكلوس! لقد شفي هكتور غلة قلبه حين سفك دمك غادراً، وحين انتزع عدتك غادراً، وحين يفاخر بكل أولئك غادراً!
وهذه العدة يا أماه! أيلبسها هذا الشقي وهي هدية الآلهة إلى بليوس، أبي، رب الأعماق، وهدية من أبي إلي؟!
أبداً لن أعود معك إلى حيث العار الأبدي ينتظرني، ما لم أثأر لأوفى أحبائي بتروكلوس، من هذا النذل، هكتور، وما لم أرو هذه الصعدة الظامئة من دمه النجس، وأقذف في وجهه بمفاخراته الكاذبة وإهاناته للقتيل الكريم. . .
لا. لا، لا تتحدثي إلي عن أوية تصمنا بالذل إلى الأبد يا أماه، وإني لأقسم بالسماء ومن فوقها، لن أبرح الأرض حتى ينفذ هذا السنان في صدر هكتور!)
وصمتت ذيتيس قليلاً، ثم لم تطق أن تخفي ما تخشاه على ولدها من ذلك القضاء المحتوم، فأخبرته بما تحدثت به العرافات عام ولُد؛ وما تخافه من أمر هذه النهاية المحزنة، والفجيعة التي لا تكون مثلها فجيعة.
ولكن أخيل تبسم ابتسامة محزونة، وتحدث إلى أمه عن المجد الخالد الذي سيحمله اسمه آخر الدهر: (واستبشار الهيلانيين بعودتي لمناصرتهم ووضوح الحق وجلائه لأجاممنون إنني روح الجيش وحماسة الجند، والقوة المذخورة لدحر الطرواديين! صه يا أماه! فلن تزعجني مخاوفك، ولن تلقي في روعي أقل الجزع. . . لأنه إن كان حقاً ما تحدثن إليك به، فأين يهرب أحدنا من القضاء!؟!)
стр. 10235
وبهتت الأم مما صمم عليه ولدها؛ ولما أيقنت أن لا سبيل لها إلى قلبه الجريء، بدا لها أن تعاهده على ألا يخوض الكريهة حتى تعود إليه من عند فلكان، الإله الحداد؛ الذي ستذهب هي إليه تكلفه بعمل درع وخوذة تحملهما إليه، ليحمياه في كل يوم روع!! وعاهدها أخيل.
وأمرت ذيتيس عذارى الماء فانثنين إلى مملكة بليوس، يحملن إليه أنباء ولده. أما هي، فانطلقت إلى فلكان. . . هناك. . . هناك فوق ذروة جبل إطنة، حيث وجدته ينفخ في لظى كيره الضخم. . . يصنع الدروع والعُدد. . .
ولقيها الإله الحداد بالترحاب، وشرع من فوره يصنع عدة لم تر العين مثلها، ولم يأبه أن يصنع مثلها حتى للآلهة!!. . . (وكيف لا، وأخيل الحبيب سيدّرع بها وتحميه من أوشاب الطرواديين، وأوغاد هذا الأخ اللئيم مارس، الذي تعلمين مما كان من أمره مع فينوس ما تعلمين. . لقد فضحني السافل فضحته المقادير. . . . . .)
ولكن الساحة كانت تضطرب، وجموع الطرواديين تأخذ الهيلانيين من كل فج؛ وكانت حيرا، ملكية الأولمب، تطلع من عليائها فتأخذها الرهبة لما يحيق بعبادها من تصريع وتقتيل؛ وكانت مينرفا كذلك تهلع عليهم هلعاً شديداً. . .
وتشاور الرّبتان، واتفقتا على أن تُنفذا إيرليس إلى أخيل، تأمر أنه يخوض الكريهة في جانب الهيلانيين. ولكنه قص على الرسول ما عاهد أمه عليه فعاد الرسول إلى الأولمب يحمل نبأ هذه المعاهدة. . .
بيد أن حيرا أشارت على مينرفا أن تنفذ الرسول إلى أخيل يحمل إليه درعها، وكان لمينرفا درع اسمه ايجيس لم يَصْنع مثله لأحد من قبلُ فلكان؛ وأن يَنهي إليه أنهما تأمرانه بالتوجه إلى الساحة فيطلع عليها ليراه الطرواديون، فإنه بحسبهم أن يروه فيولوا الأدبار!!
وانطلق إيرليس برسالته إلى أخيل؛ فاهتز البطل من نشوة الطرب، وشاعت الكبرياء في أعطافه لأنه سينال شرفاً لم ينله أحد من قبل، وذلك بأنه سيدّرع بقميص مينرفا، المسرودة من حديد!!
وعندما نهض ليلبس الدرع رأى مينرفا نفسها تساعده بيديها الطاهرتين النقيتين كالبلور وتضع فوق جبينه إكليلاً وضاءً من الذهب، ثم تقوده إلى الساحة!!
وهناك، وقف أخيل العظيم فوق ربوة عالية تشرف على الساحة كلها، ثم أرسل في الآفاق
стр. 10236
صيحةً داوية، كانت تنفخ فيها مينرفا فتزيدها قوة وعنفواناً، فزلزل قلوب الطرواديين وجعلها تدق في صدور ذويها كالنواقيس!!
وما كاد الأعداء يستيقنون أن الصيحة صيحة أخيل، وما كادوا ينظرون إلى هذه الآراد المُنتشَّرة فوق رأسه، والأضواء المتلألئة من إكليله، حتى سقُط في أيديهم وارتعدت فرائصهم وولوا على أعقابهم مدبرين! وكانت خيولهم المذعورة تولي هي الأخرى فتطأ الفرسان هنا وهناك، وتسقط في الخنادق المحيطة بطروادة، فتلقي فيها حتفها بمن عليها!!
وتوارت الشمس بالحجاب.
فتحاجز الجمعان وذهب كل ليستريح من هذا اليوم العصيب وكانت صيحة أخيل أكبر عون لمنالايوس وزميله في الإسراع بجثة بتروكلوس إلى مؤخرة الجيش، حيث الأمان والاطمئنان؛ فلما عاد أخيل كانت جثة صديقه أول ما وقع بصره عليه. . . فبكى. . . وبكى. . . واجتمع حوله الميرميدون يبكون.
ثم رثاه بكلمة دامعة، ترجمت عن نفس مكلومة؛ وأمر فأوقدت نار كبيرة وضع عليها دست ماء كبير؛ وأخذوا جميعاً في غسل الجثة المعفرة بالتراب، ودهنها بالطيوب ثم تحنيطها بالأفاوية والبهار والقرنفل، ولفوها في مدارج طويلة من الحبر الغاليات البيض.
واجتمع قادة الطرواديين يتشاورون في هدأة الليل، فخطب بعضهم ناصحاً بوجوب التحرز داخل الأسوار في غد، مخافة أن يبطش بهم أخيل وشياطينه، لا سيما وهم سيخوضون الوغى بقلوب جرحها مصرع بتروكلوس، وهم لا بد مثئرون له، مهما كلفهم الأثئار من أرواح ودماء!
ولكن هكتور أبى إلا أن يخرج للقوم، وكأن قتله بتروكلوس غيلة قد خدعه عن شجاعة أخيل، وما قدر له مما سيلقاه من بطشة أخيل. . . وهل غد بعيد!!؟؟
وفي اللحظة أيضاً، كان زيوس يتحدث إلى حيرا حديث الذي أُظفر بأعدائه وكأنما أطرب الإله الأكبر أن أخيل يعود إلى المعركة بعد أن أديل له من الهيلانيين ومن الطرواديين على السواء.
وكانت حيرا تسمع إليه وهي تطفر فرحاً! كيف لا؟ وهذا أخيل يعود إلى أعدائها في الغد، فيصليهم عذاباً، ويجرعهم غصصاً ما ذاقوا مذ ترك الحلبة أمثالها!؟ ولتحزن فينوس!
стр. 10237
وليحل غضب السماء على باريس، ولتذهب التفاحة المشئومة إلى الجحيم. . .
وأشرقت شمس الغد.
ولاحت ذيتيس تتهادى فوق الزبد في الأفق الغربي، تحمل الدرع التي لم يصنع مثلها فلكان.
حتى ولا للآلهة أنفسهم!
والويل لك يا هكتور!!
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 10238
غريب
بقلم حبيب الزحلاوي
لم يكن باقياً من سنة ١٩١٣ سوى شهر واحد وبضعة أيام وقتما وصلت مصر قادماً من دمشق هرباً من مطاردة الحكومة إياي.
الليلة عيد، وأجراس الكنائس تدق، والناس بين داخل البَيع بوجوه تعلوها سيماء الرضى والإيمان، وبين خارج منها مسرع الخطى إلى الفنادق الكبرى والمنتديات الخاصة تطلعاً إلى الاشتراك في حفلات العيد.
كنت مع الماشين إلى النادي الشرقي وكأني منساق معهم إليه؛ ولما دخلته حسبت الناس ينظرون إلي نظرات الاستيحاش والاستغراب.
أهاجت فرحة الناس نفسي فتذكرت والدتي وأهلي وإخواني وقد خلفتهم في غير هذا البلد الذي كل ما فيه يناديني: (غريب)
تركت صحبي ومواطني هناك؛ تركت قلباً وذريات تتأجج نارها كلما طال البعاد، وما أحراها بالاضطرام ليلة العيد إذ ذهبت وحدي إلى ذلك النادي أقضي ساعات مع أناس يعرفونني ولا أعرفهم من أبناء الجالية السورية.
كان كل ما في النادي في تلك الليلة ينم عن المرح والحبور، وكنت الصامت المستوحش الساهم وحدي بين الجمع، لأني (غريب).
انقضت سنوات عدة كنت خلالها لا أنقطع عن زيارة النادي، إذ أصبح لي فيه إخوان وأصدقاء لا يقلون حباً لي ولا يقل تعلقي بهم وإخلاصي لهم عن أولئك الأصدقاء والأخوان الذين خلفتهم في دمشق.
زرت النادي في ليلة الأحد وأنا متأبط ذراع فتاة عرفتها فيه، وقد صارت لي زوجة، وصرت لها بكليتي، وعقدت حظها بحياتي، ووقفت على إسعادها وجودي، وأحسب أني كنت في تلك الليلة من أسعد الناس، وأوفرهم غبطة، وأحرصهم على تكييف كل شيء بالهناء المرفوف على نفسي؛ وحينما كان يطوف بذهني خيال والدتي وأنا وحيدها، وصورة شقيقتي المحبوبة كنت أحاول استهواء ذاتي وإقناعها بأن قد صار لي في امرأتي حنان كحنان الأم، وألفة كألفة الأخت، فوق حب الزوج لزوجه، بحيث أضحى محالاً أن يطوف
стр. 10239
بخاطري طيف (الغريب) أو وحشة البعيد عن أهله ووطنه.
طوتني مصر كما طوت الآلاف من الناس الذين وفدوا مثلي عليها، فأقلمتني بإقليمها، ونفخت فيّ روحها، وألهمتني وحي بيئتها، فصيرتني كأحد أبنائها أقوم بالواجب المفروض بمثل ما يقوم به كل مصري مخلص حرّ، ولما كنت أعود بذاكرتي صوب الشام، مسقط رأسي ومهد حداثتي، كنت أحس بالحرمان يمزقني ويكبت روحي، وأشعر بالواقع يسترضيني ويتودد إليّ. .
حقاً لقد علمتني مصر أن أرى فيها وطني وأهلي، ولقد تعلمت منها كيف أبادلها الجميل بجميل والوفاء بوفاء؛ لقد علمتني كيف أحبها وكيف أحافظ على حبي مسقط رأسي ومهد ذكرياتي، وكنت أصيخ بسمعي دائماً إلى أنات قومي وأوجاعهم، وأسعى جهدي إلى مزجها بأنات إخواني المصريين الموجعين؛ وكنت أعمل، وسأعمل على أن أجعل من تفاعلات تمازج الأنات المؤلمة ما يزيل العلة الموجعة.
انقضت سنوات أخرى كنت لا أنفك خلالها عن المجيء إلى النادي الشرقي؛ وحدث في عصر يوم من أيام الشتاء أن ذهبت إليه، وكنت متعب الجسم، مكدود القوى، موزع الخاطر، مشرد الفكر، فرحت تواً إلى صالة الرقص وانتحيت ناحية فيها أرفه عن خاطري بقدح من الشراب.
ما كنت لأعبأ بالراقصات والراقصين رغم ما فيهم من رشاقة ودلال جذابين؛ وما كنت لأحس ضربات (الجازبند) العنيفة المؤذية للنفس لأني كنت في شاغل عن كل ذلك.
طال بي الجلوس؛ هممت بالنهوض؛ رفعت رأسي عفواً وإذا بي ألمح سيدة جالسة قبالتي على قيد أمتار مني، ما كدت أتبينها حتى نهضت مسرعاً لتحيتها.
عرّفتني السيدة إلى زوجها، واكتفت بقولها عني: (صديقنا) وذكرت اسمي، فكان هذا التعارف على ما فيه من بساطة واقتضاب كافياً لاستذكار الزوج، فنهض مسلماً سلام مودة وصداقة، داعياً إياي إلى مجالستهما. . . . . . . . انطلقت ألسنتنا بالحديث، تارة عن الحياة الزوجية وسعادتها القائمة على التضحية، والتفاهم، والطمأنينة، وطوراً على الأبناء وعناء تربيتهم، وعما يضحي الآباء في سبيلهم من عواطف زوجية يستغرقها الحنان الوالدي. كنا نتكلم عن كل شئ، وعن كل إنسان نعرفه في لبنان بسرور، ولم ننس الغدير
стр. 10240
وأحراج الصنوبر، ودير (القرقفة) في قرية كفر شيما مسقط رأس السيدة حيث عرفتها هناك، وكنت أُلمح من طرف خفي إلى حوادث الشباب، ولم يصدنا عن الاسترسال في التنقل بالكلام كالأطفال من موضوع إلى آخر إلا دعوة الزوج زوجه إلى الرقص معه، واعتذارها بلطف إليه بحجة الرغبة في الرقص معي رقصة (التانجو).
رقصنا. . . . . . وكنت إبان الرقص كالساهم الغارق في حلم لذيذ؛ كنت أنعم بالراحة كلها في مخاصرة هذه السيدة التي تنبعث منها الطمأنينة إلى أعماق نفسي؛ لم أكلمها؛ لم أجتل محياها؛ كنت نشوان بها؛ لم أسمع كلمة منها، بل شعرت بجسمها اللين البض يسترخي شيئاً فشيئاً بين ذراعي. كنا سوية كنبرة وتر مزدوجة عزفها موسيقى ماهر، فصدرت كأنها من وتر واحد، يدفع خطانا وينقلها نقلاً إيقاعياً متناسقاً. . . . . . . . . . وقبل الانصراف تواعدنا على اللقاء في النادي في الليلة القادمة.
طافت بي الخواطر، ثم ألحت عليّ، فآثرت العودة إلى البيت ماشياً لأطلقها في أوسع مجالات الفكر.
رجعت بي الذكريات إلى دمشق يوم بارحتها ويوم لذت بلبنان بقرية صغيرة رابضة فوق ربوة تطل على سهول (الشويفات) ثم البحر، تكتنفها أحراج الصنوبر وقد انتشر منها أرج الأصماغ؛ ذكرت ذلك الدير المهيب الشاهق الرابض فوق الربوة أشبه بقلعة شيدت لحماية الخيالات والأحلام!! وتراءت لي أطياف سكان القرية وهي تحج إليه متسلقة الربوة بهمة ونشاط، يتهادون في ابتسام الفجر الساحر المغبر تحية الصباح.
ذكرت إقبال رجال القرية للسلام عليّ ودعواتهم إياي إلى زيارتهم. ذكرت الساعات الطوال التي كنت أقضيها بين الأحراج أفترش الأرض، وأناجي الشجر، وأملأ من جمال الطبيعة قلبي وروحي؛ تراءت أمام عيني صور شيوخ القرية جالسين في القهوة يدخنون النارجيلة ويحلمون، والشباب يلعبون الورق أو يشربون ويغنون؛ كنت أطرب لسماع أغنيتهم المستمدة من وحي روح الطبيعة الساذجة الهادئة، والمعبرة عن دوافع الغريزة بأبسط الكلمات والإشارات.
ذكرت تلك الفتاة القروية عائدة من الكنيسة بثيابها الفضفاضة، وضفائرها المنسدلة على كتفيها، ووجهها الحري الزاهر بنفحات الربيع، وصدرها الناهد، وقدها الممشوق،
стр. 10241
وخطواتها المتزنة الحازمة.
كم كانت رائعة صبغة الخجل الوردية التي اصطبغت بها أذناها لما سألتها عن اسمها، وهل فكرت في صلاتها في غير أهلها ممن تعرف من الناس!؟ لقد حيرها سؤالي فارتبكت وسكتت عن الجواب؛ وذكرت أيضاً زيارتي لها في بيت أهلها وكيف اعترفت لها بحبي وعاهدتها على الزواج، وتلك الأوقات الحلوة التي كنا نقضيها تارة في النقاش وقراءة الكتب، وطوراً في التطلع إلى المستقبل والتمهيد لبناء عش سعادتنا.
تمثلت يوم عودتي إلى دمشق، والاضطهاد الذي أصابني من حكومتها، وفراري من السجن والتجائي إلى مصر بعد الحكم علي وعلى زملائي بالنفي المؤبد، لا لشيء إلا لأننا من دعاة الاستقلال الظامئين إلى الحرية.
ذكرت كل هذا والطريق يمتد أمامي؛ كانت ظلمته تبعث في نفسي رؤيا تلك الأيام التي ودعتها منذ سنين في أرض الوطن وطويتها بين ضلوعي، وبدا لي كأن ماضي يبعث من جديد وينشر فجأة؛ تجسمت أمامي الحوادث كأنما لم يمر عليها ساعات، ذلك العهد الباسم الذي أمضيته وإياها، خيل إلي أن هذا الماضي الماثل القريب قد ضاع مني كله، كأن بيني وبينه برزخاً. . . فجوة الزمن، والحنث بالعهد، تفصل بيننا!!!
ارتدت بي الذكرى فجأة إلى النادي الشرقي، فاستشعرت تلك الذراع الغضة منبسطة فوق كتفي، والصدر المليء ما برح يتموج مختلجاً بين ذراعي؛ جاشت نفسي بالذكرى، وعضضت شفتي ندماً وقلت: ليتني، ليتني ما حنثت باليمين. . . . . . . .
ما كنت أحسبني استعيد مرح الصبا ونشوة الرقص، وقد أرهقني الزواج المبكر بأحمال من الرزانة، وبأثقال من الوقار، وبكل ما تفتعله أكاذيب العادات ونفاق التقاليد.
لم أكن أنشد في الرقص ما ينشده شبان ينتقلون كالنحلة من زهرة إلى زهرة، يرتشفون من ندى زهرات الحياة ما يرتشفون. . . لم أكن كعقلاء العزّاب أو جهالهم أبحث عن فتاة فيها من أوصاف الجمال الجثماني، أو طيش الطباع النزاعة إلى العبث واللهو، أو وفرة المال للزواج، بل كنت مكبوت النفس بحب قديم لم تقو صروف الزمان ومناسباته ولا تطورات الفكر على خنقه؛ لا غرابة في خمود ذلك الحب طوال السنين، بل الغرابة لو لم يستيقظ ويستنهض فيّ دوافع الميول المستقرة في أعماق قلبي بكامل ما فيها من قوى الحياة تهليلاً
стр. 10242
للحب البكر البريء.
لقد كنت والسيدة أحرص ما نكون على إخفاء أمارات الحب في عيوننا؛ لم يكن في مظاهرنا ما يلهم غريزة المرأة استشعار الواقع بدليل أن امرأتي لم تدرك شيئاً منه؛ أما زوجها فقد كان له من أقداح الوسكي وأحاديث البورصة والمضاربات ما يشغله عنا، فلم يع شيئا من ذلك أيضاً؛ وهكذا كانت تنقضي ليالي الاجتماع بمظهرين: مظهر النفس المتأججة بلاعج من حب باطني، ومظهر السكوت الدال على الاندماج الكلي في وحدانية الحب المقدس، وعلى التجاوب الروحي والتفاهم الجسدي حين المخاصرة.
لم يعد طبيعياً أن تطاوعنا عناصر الوجود على استدامة هذه الحال، فلما همست أخفتَ همسة في أذن (حبيبتي) أطلب منها لقاء على انفراد، أومأت بهدب جفنها إيماءة الرضى وأتبعتها بلمحة من بسمة ارتسمت على جانب شفتها، ونظرت إلي نظرة طويلة. . . ثم فتحت فاها كأنها تريد أن تقول شيئاً، ولكنها أحجمت وأطبقت شفتيها. . . ثم عادت فاشترطت أن يكون اللقاء في الريف على ضفاف النيل، وألا يرى أحدنا الآخر إلا في الموعد المضروب؛ رضيت بهذا الشرط الصارم وحرماني منها طيلة عشرة أيام.
عبثاً كنت أحاول إخماد حدة الأزمة النفسية التي ساورتني ففزعت إلى (الأقصر) أستمد السكون والهدوء من مشاهدة آثار العصور الخوالي في وادي الملوك، ولكن متى كانت صور الفن تصرف الذهن عن الصور الحية، وكيف يهدأ قلب استفاق من هجعة الحب الأول على صراخ تأنيب الضمير؟
عجباً! لم جعلت اللقاء بعد عشرة أيام ودعمته ألا يرى أحدنا الآخر خلالها؟ هل رمت من وراء هذا التباعد إلى إثارة قوى الدفع والجذب التي تكون وليدة الآمال المرتجاة؟ هل شاءت بباعث من غرائزها التي يعمل عقل الرجل مجتهداً في حل رموزها أن تمتحن الفوارق بين اللقاء المكظوم في صالة الرقص وبين اللقاء الموعود في الريف؟ هل أرادت أن نستجم للقاء كما يستجم الشاعر لإبداع قصيدة، والعابد لتمتمة صلاة غير مسطورة في كتاب، والصوفي للاندماج في وحدانية الله؟ وإنما رغبت في أن يكون لقانا اللقاء الأخير وموقف الوداع قبل السفر!!
. . . . . . دنا الموعد، اقتربت ساعة اللقاء، وقفت أنتظر قدوم سيارتها وأرقب دقائق
стр. 10243
الساعة بضجر ملحّ، وأعدّ الثواني باضطراب. تمضي الثواني والدقائق والساعات، بل العمر كله يمضي في طريق الزمن والزمن لا ينفك منذ الأزل وسيبقى مدى الآباد يسير بنظام محكم الضبط إلا أنا، أنا الشاذ المضطرب، الصاخب الهادئ، المفكر المبلبل، أنا السعيد الحزين، والباكي الضاحك، أنا الذي أعيش في أرض يلوح لي الآن أنها تدور دورة معكوسة!!!
لمحت سيارتها مطلة من بعيد فشعرت بدمي يندفع حاراً في عروقي وسمعت بأذني وجيب قلبي. . . وقفت السيارة، وإذ فتح بابها رأيت السيدة جالسة وإلى جانبها صبي صغير، وكانت مرتدية ثوباً أزرق وقد أمالت رأسها إلى جانب من السيارة، رأيت في عينيها الحالمتين فتوراً ساحراً غريباً؛ وقفت زهاء نصف دقيقة ذاهلاً مبهوتاً لم أستطع النطق حتى بالتحية؛ خيل إلي أني قد استجمعت في هذه الفترة كل ماضينا. . . والتفت فوقعت عيناي على الصبي. . . وانقبض قلبي؛ غام الضوء في نظري وشعرت بحزن طارئ يستولي علي، كبحت جماح عواطفي، وتعملت الابتسام، وكانت قد أفسحت لي مجالاً فوثبت إلى المقعد ورأيتني بالقرب منها.
لم أدر السبب الذي حدا بي كي أستجيب وأصعد إلى السيارة؛ لقد غمرني مرأى الصبي بإحساس مؤلم قوي لم أكن أتوقعه حتى لقد وددت أن أفر بنفسي.
وكأنما قد أشفقت علي، فلم تتكلم، بل مدت بأطراف الأنامل يدها وتلاقت يدانا في مصافحة صامتة، وكانت يدي باردة كالثلج بينما كان الدفء يسري من كفها. ثم قربت يدها شيئاً فشيئاً حتى احتوتها يدي، فضغطت عليها ضغطة قوية كأنما أردت أن أهرب من برودة قارسة إلى حرارة الحياة.
استأنسنا بالصمت، ثم تلاقت عينانا؛ كان في نظراتي شبه استعتاب لمجيء الصبي معها، وكأنها فهمت ذلك بالنظرة الخاطفة فشاءت أن تعدل عنها، وتبسمت واهتزت يدها في يدي تريد أن تذكرني بأني أضغط في عنف عليها، وتألق في عينيها لمعان. . . هذا اللمعان الذي أبصرته في مقلتيها الكستنائيتين أول مرة عرفتها، لمعان قوي كضوء باهر في ليلة شتاء يسطع بين السحب ثم يختفي. . . أجل؛ بدا لي أنني أعثر في تلك السيدة على أشياء ما رأيت قط مثلها في امرأة من قبل، وكان هذا محور حياتي معها وتاريخ حبي لها. . .
стр. 10244
فيها أشياء كالنور حيناً والحرارة حيناً؛ فيها صمت لا أدري قراره. . . شممت عطرها القديم الذي طالما ملأت منه رئتي، فاسترحت.
السيارة ماضية بنا تنهب الطريق الممتد بين حقول القطن تظلله غصون الشجر، لم أكن لأستطيع في هذا الحين جمع خواطري لأنها كانت تتناثر كالشرر، إنما كنت أحس كأني انفصلت عن العالم وانقطعت صلتي بالناس، بالحياة وبالواجب أيضاً.
هاهي إلى جانبي، المرأة التي كنت ركزت عليها آمال الشباب، هاهي مبعث الحلم البعيد الذي يصطخب في قرارة تصوراتي، هاهي الومضة الخاطفة التي بإشاعتها تنير أجواء التفاؤل في حياتي، لقد حققت بوجودها جميع صور الخيال وأطياف الأحلام، هاهي بروحها وجسمها إلى جانبي لا يحتجزها عن الالتصاق بي سوى طفلها الجالس في هدوء كأنه يحلم مثلنا.
. . . علام أتجاهل حياتها الواقعة، بل لم أتغافل عن الأمر الواقع الصارخ؟ إن قوانين الحياة وتقاليدها البغيضة تسري علينا سوياً، فلماذا أحاول أن أبعث في نفسها أنانية متمردة شرهة كالتي تعج بها نفسي؟ كلنا أسرى العواطف، عبيد الشهوات، أفلا يليق بنا وقد ولجنا عالم الإنسانية من أبواب الشعر أن نقيم لسيول الشهوة العمياء سدوداً تحول دون اجترافنا؟ أجل، إني لأنزه الحب عن أن يكون مجرد مادة، كما أني أتبرم به متى كان حرماناً صرفاً. يسمو الحب على الحقائق ولكنه لا يستطيع أن ينكرها أو يستهين بها؛ فلماذا تتألم نفسي من وجود الصبي بيننا؟
يسمو الحب على الحقائق، ولكنه متى نما واكتمل وازدهر، وتسنم ذروته العليا فقد يخضع لهذه الحقائق عن رضى لأن سر عظمته في اللين والخضوع!!
لماذا أفزع من وجود الصبي؟ لقد جاءت به لتفصلني عنها، لتضع سداً بيني وبينها، لتنقذ حبي من التردي في مهاوي الواقع والفناء في ظلمة الحقيقة. . . إنها تحبني، أشعر بهذا من رعشات يدها، ورجفات جفنيها، من شفتيها المختلجتين وعينيها المتقدتين شهوة وحسرة، تحبني ولكنها لا تريد الاستسلام، تحبني وتخشى إن هي استسلمت ثم افترقنا على مضض، كما يقضي بذلك الواجب، أن تعذبني الحسرة وتشقيها اللوعة، وأن تترك من شخصها في خيالي صورة بشعة ملوثة تهبط بهذا الحب الرائع القدسي إلى درك الحيوانية الأولى!!
стр. 10245
إنها تريد أن تكون بكليتها لي، أولا تكون لي أبداً، وما دامت سترحل في الغد، عائدة إلى لبنان، فهي تؤثر أن تحرمني كل شئ على أن تسقيني من كأس بدنها الشهي جرعة واحدة لا تنقع غلتي ولا بد أن تسمم في المستقبل كل حياتي.
أواه! لقد أدركت ما يجول بخاطري، هاهي تتفرس في وتتأملني وتشفق علي منذ الآن، ويكاد الدمع يطفر من عينيها.
لماذا؟ لماذا تبكين يا حبيبتي؟! أخذت رأسها بين ذراعي ألاطف شعرها بينما كانت تنتفض ودموعها الحارة تتساقط على يدي.
تجاه هذه الدموع لم أجد بداً من الإذعان لها، أشفقت عليها كما أشفقت علي، سموت بحبي كما أرادت أن تسمو بحبها، عولت على ألا أعترض القدر، وأن أنزل ما استطعت على حكم هذه المرأة التي علمتني أن في وسع الإنسان أن يعيش بالروح أكثر مما يعيش بالجسد، وأن الحب الكبير قد يستطيع أن ينتصر لا على المادة فقط، بل على الزمن أيضاً.
أرسلت نفساً طويلاً فرّج عن صدري، وضاعف أعصابي صلابة وقوة، فتنحيت قليلاً ومددت رأسي إلى حيث سائق السيارة وغمغمت بهذه الكلمات: (عد من حيث أتيت).
حدَّقت فيّ وأشرق وجهها بغتة، ثم أطرقت برأسها وتلمست يدي ورفعتها برفق إلى شفتيها، فشعرت بالقبلة الهادئة تجمع بيننا إلى الأبد.
عادت بنا السيارة تنهب الأرض، والأشجار تتعاقب، والهواء يصفر، والصبي يضحك، وأنا أردد في نفسي هذه الكلمات: غريب! غريب! غريب!
حبيب الزحلاوي
стр. 10246
البَريد الأدَبيّ
أسبوع المتنبي في الجامعة المصرية
اعتزمت كلية الآداب أن تقيم أسبوعاً حافلاً للمتنبي بمناسبة انقضاء ألف سنة على وفاته في أوائل العشرة الثانية من شهر رمضان سنة ١٣٥٤ في قاعة الجمعية الجغرافية الملكية، وسيلقي أساتذة الكلية محاضراتهم على الترتيب الآتي:
الدكتور طه حسين: المتنبي في شبابه (من مولده إلى اتصاله بسيف الدولة)
الأستاذ عبد الحميد العبادي: سيف الدولة
الأستاذ أحمد أمين: المتنبي وسيف الدولة
الدكتور حسن إبراهيم: كافور الأخشيدي
الأستاذ أحمد الشايب: المتنبي في مصر
الدكتور عبد الوهاب عزام: المتنبي من لدن خروجه من مصر إلى وفاته
الأستاذ إبراهيم مصطفى: المتنبي والنحاة
الأستاذ عبد الوهاب حمودة: أسلوب المتنبي
الأستاذ مصطفى عبد الرزاق: فلسفة المتنبي
وسيتخلل هذه المحاضرات إنشاد بعض قصائد المتنبي وغناء قطع من شعره
سيلفان ليفي حجة التاريخ والحضارات الهندية
نعى إلينا من باريس العلامة والمؤرخ الفرنسي الكبير الأستاذ سيلفان ليفي أستاذ التاريخ الهندي وحضارات الشرق الأقصى بالكوليج ده فرانس. توفي في الثانية والسبعين من عمره بعد أن قطع زهاء نصف قرن يدرس الحضارات الهندية والصينية، وكان مولده سنة ١٨٦٣ من أسرة يهودية؛ وكان سيلفان ليفي علامة واسع الثقافة، ولغويا ضليعاً، وحجة في شؤون الحضارات الهندية والصينية واليابانية، وفي حل المخطوطات والرموز الهندية والصينية القديمة. وقد ظهر منذ شبابه بميله إلى هذه الدراسة الفريدة، فكتب (رسالته) لنيل العالمية عن (المسرح الهندي) وتاريخه وتطوراته وخواصه، ودرس الديانة البوذية دراسة واسعة، وكذلك الفلسفة البوذية والبرهمية ووضع عنها رسائل وبحوثاً عديدة؛ وقام الأستاذ ليفي بعدة رحلات علمية واستكشافية في بلاد الهند والهند الصينية واليابان وجاوة، وفي
стр. 10247
بلاد التبت وسيبريا، وكتب على أثر رحلاته الهندية كتاباً عن بلاد (نيبال) والتبت، وهو يعتبر من أعظم كتبه إن لم يكن أعظمها. ثم نشر بعد ذلك مؤلفاً ضخماً عن (الهند والعالم) شرح فيه الدور الذي قامت به الحضارة الهندية في تكوين الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية.
وقد كان سيلفان ليفي أستاذاً في معهد الدراسات العليا، ثم أستاذاً في الكوليج ده فرانس منذ سنة ١٨٩٤؛ ثم تولى رئاسة قسم العلوم الدينية في معهد الدراسات العليا. وكان عضواً عاملاً ومراسلاً في معظم الجمعيات العلمية الكبرى التي تعنى بالمشرقيات، وكان منذ سنة ١٨٢٨ رئيساً (للجمعية الأسيوية).
ومنذ نحو أربعين عاماً يشغل سيلفان ليفي بين علماء المشرقيات مركزاً فريداً، فهو الحجة الثقة، وهو المرجع المفرد في أخص المسائل التاريخية والاجتماعية والأثرية الهندية والصينية؛ وفي قراءة اللغات الهندية القديمة ولا سيما السنسكريتية التي كان من أعلامها والتي تلقاها على أستاذه بورجيني أشهر علمائها في القرن الماضي.
وكان لسيلفان ليفي أكبر الفضل في إحياء كثير من اللهجات الأسيوية القديمة، وكان لمباحثه وجهوده الدراسية والأثرية أكبر الفضل في إلقاء ضوء كبير على الدور الخطير الذي قام به التفكير الهندي القديم في توجيه التفكير الأوربي وفي تكوين الحضارة الحديثة. وأخيراً كان سيلفان ليفي حجة الشؤون الاستعمارية في الشرق الأقصى، ترجع إليه وزارة الخارجية الفرنسية فيما يمس الشؤون الاجتماعية والنفسية لشعوب الهند الصينية، وفيما تقوم به من المشروعات الإصلاحية والعمرانية.
وكان يتمتع بحيوية مدهشة، فقد لبث حتى أواخر أيامه منكباً على مباحثه ودراساته؛ وقد حضر مؤتمر المستشرقين الأخير في رومة وألقى فيه خطبه باللاتينية كانت موضع التقدير والإعجاب؛ وكانت وفاته فجأة وفي ذروة القوة والنشاط.
حول قبر الصفدي - إلى الأستاذ علي الطنطاوي
أذكر حين زيارة المرحوم زكي باشا لقبر الصلاح الصفدي في حارة يهود صفد أن مؤرخ فلسطين الأستاذ عبد الله مخلص ذكّر الباشا أن الصلاح الصفدي، خليل بن أيبك مرموس في دمشق؛ وكأن هذا التذكير لم يرق للباشا الذي يريد أن يزرع كل أقطاب الإسلام في
стр. 10248
فلسطين فلعل فيهم سياجاً يدرأ ما ينتابها من المحن ﵀! ولما لحظ عليه الأستاذ المخلص هذا ساق إليه حديثاً آخر، وهو أن عالماً دمشقياً قبر في صفد، وكان معاصراً لابن أيبك، وبعد مدة نقل ذووه رفاقه إلى دمشق؛ وأضاف: لعل عادة الرفات كانت أمراً شائعاً في ذلك الزمان، ولا يستبعد أن يكون أهل الصلاح نقلوه من دمشق إلى صفد وقبروه في هذا المنزل الذي كان عامراً بذكر لا إله إلا الله!! فضحك الباشا وقال بلهجته لمصرية الحلوة: أيوه جبوه! جبوه؟ لقد فرجت عني والله!
وكان من مساعي شيخ العروبة أن بنت جمعية الشبان المسلمين قاعة كبرى في موقع ممتاز في البلد لتكون غرفة مطالعة باسم (مكتبة الصلاح الصفدي)، وعلى أن تضاف إليها غرفة مقببة تنقل إليها رفات هذا القبر المهين، فتكون مزاراً لعارفي فضل ابن أيبك ولكن (الله يعمرك يا صفد) والسلام
صفدي آخر
نظريات الجنس والسلالة
صدر أخيراً في إنكلترا كتاب تثير قراءته كثيراً من الاهتمام وعنوانه: (نحن الأوربيين) وضعه كاتبان عالمان هما جوليان هكسلي وا. هادون، وموضوعه استعراض نظرية الجنس والسلالة التي تثير اليوم كثيراً من الجدل. وهو على صغر حجمه بفيض مادة ووضوحها؛ وقد استعرضت فيه النظرية الحديثة الخاصة بالوراثة البيولوجية وظروف تطبيقها على الإنسان وما يكتنف تكوين الأمم الأوربية من العوامل؛ وفيه شرح شائق لنظرية السلالة المزعومة التي اتخذت في ألمانيا ستاراً لأغراض السياسة. ويذهب المؤلفان إلى أن البيولوجيا لم تبق بعد داروينية النزعة (نسبة إلى داروين) بل غدت مندلية النزعة (نسبة إلى مندل صاحب مذهب الوراثة). والمعروف أن الوراثة البيولوجية تحدث خلال آلاف الوحدات، ولكن الخواص العقلية والجسمية تتأثر أيضاً بمؤثرات المحيط والطبيعة والتربة، ومن الممكن أن يصقل العقل والخلق بالمران؛ ويدلل المؤلفان بطريقة بديعة على أن معظم الخواص التي يزعم هتلر ودعاته أنها جنسية ترجع إلى فعل السلالة، إن هي في الحقيقة إلا خواص ثقافية محضة. فإن الإنسان له وراثة اجتماعية كما أن له وراثة بيولوجية، ومن الصعب علينا أن نستخرج الخواص القومية من غيرها؛ بيد أننا نستطيع
стр. 10249
أن نعين المؤثرات الاجتماعية بطريقة حاسمة. ويدلل المؤلفان على نظريتها بأمثلة جنسية وقومية واضحة غير اليهود الذين هم اليوم هدف لمطاعن الجنس والسلالة. ويذهب المؤلفان أيضاً إلى أنه لا توجد ثمة أجناس نقية، ذلك أن الإنسان يتأثر خلال الأجيال بمئات الأجداد والأسلاف، ويشتق منهم جميعاً؛ والواقع أن كلمة (الجنس) قد فقدت معناها بالنسبة للجماعات الإنسانية. وأما هذه المزاعم الحديثة التي تنسب إلى الجنس والسلالة فليست سوى (علم مزعوم) ينظم لتستتر وراءه غايات السياسة.
وفاة شاعر روسي
توفي أخيراً في باريس شاعر روسي فتي هو بوريس بوبلافسكي. وباريس هي كما نعلم مهجر الروس البيض الذين يخاصمون البلشفية ويمقتونها، وفي باريس يترعرع أدب روسي ناشئ هو أدب المهجر، يتأثر تأثيراً كبيراً بالأدب الفرنسي؛ وقد كان بوريس بوبلافسكي من أعلام هذه الحركة الأدبية ومن أقوى ممثليها، وفد باريس حدثاً، وتكون فيها تحت تأثير الأدب الفرنسي، فنشأ يمثل مزيجاً بديعاً من الأدبين الروسي والفرنسي وظهر بنظمه القوي المؤثر حتى شبهه بعضهم ببعض أكابر الشعر المعاصر مثل رمبو وأبولنير.
وكان بوبلافسكي ينشر قصائده ومقطوعاته في بعض المجلات التي يصدرها الروس المهاجرون مثل مجلة (الأخبار المعاصرة) ومجلة (تفينو) ومجلة (تسسلي)؛ وكان علماً بارزاً بين أدباء المهجر على رغم حداثته. وفي سنة ١٩٣١ نشر مجموعة شعرية بالفرنسية عنوانها (الأعلام) وقد ترك عند وفاته مجموعة شعرية أخرى لم تنشر، وكذلك قصتين. وكان بوبلافسكي أيضاً كاتباً مجيداً وباحثاً؛ وكان حركة مضطرمة، وقد توفي في أوج قوته وعنفوان شاعريته، وأحدث موته فزعاً كبيراً في أدب المهجر. وأثار بين مواطنيه في المهجر أيما حزن وأسى.
جائزة نوبل
منحت الجائزة الأولى من جوائز نوبل هذا العام، وهي جائزة الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء) لعالم ألماني هو الأستاذ هانز شييمان من أساتذة جامعة فريبورج: ومما يجدر ذكره أن هذه هي المدة الرابعة التي يرشح فيها الأستاذ شبيمان نفسه لنيل هذه الجائزة
стр. 10250
الشهيرة.
والأستاذ شبيمان في نحو السبعين من عمره؛ وهو يخصص حياته منذ ثلاثين عاماً للعمل في سبيل التكوينات الميكروسكيبية، وقد نجح أثناء مباحثه في نقل بعض الأعضاء الحيوية إلى (الأجنة) وجعل فيها مخلوقات جديدة، وهذا ما يسمى في اللغة العلمية (بالخياليات).
وقد انتهت مباحثه في هذه (الخياليات) إلى نتائج تلفت الأنظار؛ وكان أن أستحق معها جائزة نوبل وقدرها نحو سبعمائة ألف فرنك فرنسي (أعني نحو عشرة آلاف جنيه)، وبذلك تنتهي هذه الحياة الباهرة بحياة رغد وثراء.
ومما يذكر بهذه المناسبة أن العلماء الألمان والنمسويين هم أكثر العلماء نيلاً لجوائز نوبل وخصوصاً في النواحي العلمية المحضة مثل الطب والكيمياء والعلوم الطبيعية والرياضة؛ ولم يمر عام لم يظفر فيه واحد منهم أو أكثر بجوائز نوبل. أما جوائز نوبل الأدبية فأكثر ما يظفر بها الكتاب الإنكليز أو الأمم اللاتينية.
стр. 10251
الكتب
(١) المختار للأستاذ عبد العزيز البشري
(٢) المرشد العربي للسيد سهيل للسيد
للأستاذ محمد كرد علي
- ١ -
خُصَّ الأستاذ البشري بالإجادة البالغة في ضروب الكلام. وكتابه (في المرآة) شاهد بتفوقه في الصناعة، وأنه نسيج وحده في أسلوب الجد في الهزل والهزل في الجد، ساعده على هذا الإبداع والإمتاع تمكنه من ناصية اللغة، وقبضه على قياد الآداب، إلى ما فُطر عليه من ظرف شفاف، إذا تنادر وإذا تهكم، وأتى يودع الآن كتابه (المختار) بعض ما أبدع فيه من المقالات والمسامرات والمحاضرات، فكان له المنّة على أبناء هذه اللغة بما ينوّع لها من أصناف القول، وبما يحمل إلى مختلف الطبقات من ألفاظ ومعان وتراكيب لا يكادون يقعون عليها إلا في كلام نبغاء البلغاء.
البشريّ كالجاحظ إذا عرضت له النكتة قالها لا يبالي، وإذا اقتضته الحال أن يتهكم تهكم، يدخل السرور على قلب قارئه ويعلمه ولا يشقُّ عليه، وقليل جداً في فصحاء جيلنا من تهيأت له الذرائع إلى إتقان فنه هذا الإتقان، وقليل مثله من عرفوا الحياة ولابسوها كما أرادت ثم قابلوها بالضحك والسخرية، وقليل جداً من خبروا المجتمع المصري خبرته، فكتب ما توقع منه نفعاً في رفع مستواه الأدبي.
أحسن الأستاذ خليل بك مطران بقوله في تقدمه كتاب البشري إنه متحف حافل بالمفاخر، وإن كل طرفة من طرفه جديرة بأن تطالع في تدبر وروية وقد كسر كتابه هذا على ثلاثة أبواب (الأدب) و (الوصف) و (التراجم). فعالج في الأدب فصولاً في القصص، والنقد الأدبي، والأدب بين القديم والجديد، والأدب القومي وغير ذلك، وفي باب الوصف جوّد في مقالة (الراديو)، كما يصفه أعرابي قادم من البادية و (في الطيارة بين الماظة والدخيلة) وفي غيرها من الفصول. وفي التراجم ترجم لحسين رشدي باشا من رجال السياسة وللشيخ علي يوسف من أرباب الصحافة ولمحمد بك المويلحي من أهل الأدب. ترجم بروح جدّ فكانت ترجمته على مثال التراجم المتعارفة. أما يوم ترجم (في المرآة) مثلاً للشيخ أبي
стр. 10252
الفضل الجيزاوي ولأحمد مظلوم باشا وللدكتور محجوب ثابت فإنه أتى بالمرقص المطرب، وربما لم يكتب لأحد من المحدثين إن وُفّق إلى مثل هذه الإجادة في تصوير الصفات والحركات بهذه الطريقة.
وبعد فإن أدب الشيخ البشري لا يتذوقه كما قال شاعر العرب مطران إلا من يدرسه ويعاود دراسته بروية وتبصر. وصاحبه واحد من بضعة المنشئين في هذا العصر، يحاولون بأسلوبهم - ولكل واحد منهم أسلوبه على حياله - أن يعيدوا إلى العربية رونقها القديم من الجزالة والسلاسة، والبعد عن السجع إلا إذا جاء عفو الخاطر.
ولعلهم موفقون إلى بلوغ الغرض الذي سددوا سهام أقلامهم إليه.
- ٢ -
أعجبني من هذا الدليل في القسم الإسرائيلي منه وصف عمال اليهود في فلسطين و (لعل أرفه حياة يعيشها عامل في العالم كله هي حياة العامل اليهودي في فلسطين) بفضل (الهستدروت) أي النقابة العامة لعمال اليهود. وهي جمعية توزع العمل على العمال وتدافع عن حقوقها وتكره أصحاب الأعمال على التقيد بأنظمتها وتؤمن حياة العمال وتجد لهم عملاً وتوزع العمل بينهم في الأزمات وعند تكاثر العمال وهبوط الأعمال. وللهستدروت شركات تعاون وقرى يعيش ساكنوها عيشة اشتراكية. قال إن الفلاحين في القرى الاشتراكية يعيشون حياة غريبة الشكل بالنسبة للشعوب الأخرى. خصوصاً الشعوب العربية. فهم لا يتناولون أجراً ولا يعرفون قيمة الدراهم. بل يعملون في قراهم بدون أجر، يأكلون ويشربون ويلبسون وينامون ويتنزهون ويتطببون ويتزوجون ويتناسلون، من غير أن يكلفوا بدفع فلس واحد، لا يعترفون برئيس ولا زعيم، ولا يجعلون للأديان السماوية سلطاناً كبيراً عليهم، وكلهم في نظر إخوانهم يتساوون في الحقوق والواجبات؛ وقد لاحظ الكاتب أنه يصعب على كل إنسان أن يعيش عيشاً اشتراكياً كما يعيش هؤلاء إلا إذا كان على جانب من العلم والثقافة، ويميل بفطرته إلى الحرية المطلقة، على ألا يستعمل هذه الحرية في خرق الأنظمة والقوانين؛ ومن أهم شركات التعاون شركة المساكن، ولها بنايات ضخمة في البلدان التي ينزل فيها العمال مثل حيفا وتل أبيب، وتتألف هذه البنايات من ١٥٠ بيتاً، ولا يختلف بعضها عن بعض إلا بالسعة، وكلها مبنية على طراز واحد استكمل شروط
стр. 10253
الصحة والفن.
ويعيش الأولاد في القرى الاشتراكية حياة مستقلة تختلف عن حياة الكبار، فلهم بيوت ومطاعم خاصة ومطبخ مستقل ومربيات خصوصيات، قال: والإنسان الاشتراكي لا يعيش هنا لنفسه فقط، بل للمجموع، وعليه أن يجدّ لسعادة المجموعة الاشتراكية أو الأخوية الاشتراكية التي يعيشها، ولا يحاول أن يعتلي على زملائه أو يتحكم فيهم، فهو عامل وشريك، ورأس مالي وفقير معدم في وقت واحد؛ والأغرب أن على هذا الإنسان الذي يعيش بدون أمل في الرفعة والسؤدد الشخصي أن يجد ويجتهد، ويعمل بهمة ونشاط كما لو كان يعمل لمستقبله ومستقبل أولاده وأحفاده؛ وإذا لاحظ إخوانه في الاشتراكية أنه كسول خامل، يعمل أقل مما يقدر على عمله، لا يتوانون عن إفهامه بلطف وجوب مغادرتهم، فإن تجاهل أفهموه صراحة وحكموا بطرده؛ ومتى زهد في الحياة الاشتراكية تقدم له الجمعية نفقات سفره إلى المكان الذي يقصده، وإن رغب أحد الاشتراكيين في زيارة أهله نقدوه نفقات سفره ذهاباً وإياباً إلى أقصى الأرض ليعود إليهم بعد انقضاء مدة الأذن، ومن كان له فقراء من أهله في مدن أخرى، تقدم له المجموعة الاشتراكية مبلغاَ شهرياً لا يتجاوز الجنيهين، وفي هذا الدليل فوائد كثيرة ينبغي للفلاح المصري والشامي والعراقي أن يتعلموها، وينسجوا على منوالها بما يلائم طباعهم وعاداتهم.
محمد كرد علي
стр. 10254
العدد ١٢٥ - بتاريخ: ٢٥ - ١١ - ١٩٣٥
стр. 10255
على هامش الموضوع السابق أيضاً
عطف جميل. . .
وجَّه الكاتب الفرنسي النابه فكتور مرجريت نداء صارخاً إلى (الضمير البشري والعالَم الحر)، أهاب فيه بذوي الوجدان من بني الإنسان أن يتعاونوا على دفع الظلم وكف الأذى عنمصر التي كابدت أضرار الرق، وعالجت آصار الذل، ثلاثاً وخمسين سنة لم يفتُر لصَرْخاها استغاثة، ولم يكن لصرعاها أنين؛ ثم ناشد أعلام الذكاء الفرنسي أن يظاهروه على هذا النداء، فأمضاه منهم خمسمائة وثمانية آلاف من العلماء والأدباء والفنانين من بينهم جول رومان، واندريه جيد، ورومان رولان، وهادامار.
عَرَض الكاتب الشكور في ندائه المحَن التي انفجرت على ضرب مصر منذ توقح على ضرب الإسكندرية ذلك الأسطول الذي يتقلب اليوم بين شواطئها ومرافئها تقلب العزيز المقتدر والمختال المملك؛ ثم عَرَّض بتلك الوعود الفواجر التي جرت على لسان غلادستون وغرفيل وسالسبورى وأضرابهم من الَمذَّاعين الذين بنوا هذا الملك الضخم على مراوغة اللسان ومماطلة الزمان ومغافلة الناس؛ ثم ذكر اضطراب مصر في الأصفاد، واستشهاد شبابها في الجهاد، وذياد الحلفاء وفْدَها المختار عن مكانه في مؤتمر السلام؛ وعجب أن يتسع إنجيل وِلْسُنَ لحرية الحجاز وأرمينية وألبانيا، ثم يضيق عن تحرير مصر وهي ما هي في وحدة الأرض وقوة الدولة وتجانس الأمة، فيذرها معلقة على رغمها بين حق حليم الطبع وباطل سفيه السلاح، ثم أعاد إلى الذاكرة قول الكاتب الخالد اناطول فرانس: (أن ساستنا أنقذوا من يد العدم انشروا من طوايا القبور عشرين أمة، فانتهت إلى الحرية بولونيا وعادة إلى الحياة أرمينية؛ ولكن العدل الإنساني يأبى أن يبرأ من تناقضه ونقصه، فكان من نقص هذا العدل، ومن حمق المدعين للحزم والعقل، أن صارت مصر وحدها هي الضحية الكبرى لأكذوبة السلام).
غضبة سامية، وصرخة داوية، ودعوة كريمة وصدورها عن حفدة الذين أعلنوا بأقلامهم حقوق الإنسان، وأطلقوا بأسيافهم حرية العالم، أمر جار على مألوف الطبع والعادة؛ ولكن الأستاذ فكتور ينادي غير سميع، ويخاطب غير واع! لقد هوى ذلك الضمير الإنساني صريعأ أمام الجشع، وجثت حرية العالم ضارعة إلى الحرص، واستحال الإنسان الجديد
стр. 10256
إلى معدة مسحوتة هائلة لا تكف عن القضم، ولا تعيا عن الهضم، ولا ترسل الميول والعواطف إلا في نواحي المنفعة. أين كان ذلك الضمير الحر حين رجفت باسمه الرجفة الكبرى، وأصاخت إلى صوته الهدنة العظمى، ثم جلس على أقدار الشعوب لويد جورج وكليمنصو وويلسن، وأيديهم على منضدة الصلح فوق أعواد الزيتون وأغصان الغار، يتقاسمون الحقوق الممزقة، ويتهادون الحريات المسلوبة، ويقيمون أنفسهم أوصياء على فرائس اقتطعوها، ثم عجزوا أن يبلعوها، فقدموها إلى الوصي كما تقدم الشاة إلى الأفعوان، يزدردها في سكون،؟ ويهتضمها على مهل أين كان ذلك الضمير الإنساني الحر حين تجاوبت بالأنين ضحايا السلام في تركية ومصر وفلسطين وسوريا والعراق؟ تستغيث بالولاء للحلفاء فلا تغاث، وتُلوِّح بالوثائق والوعود فلا تبالَي، وما ذنبها أنها ضعيفة، ففيهم أضعف منها وإنما ذنبها أنها مسلمة؟ أين كان ذلك الضمير الإنساني الحر وصرخات مصر الشهيدة تتعاقب على أسماع المدينة من غير فترة، فتمزق أغلفة الأذهان بالحجة، وتلمس لفائف القلوب بالرجاء، ثم لا ترتد أصداؤها إلا بالخيبة؟ أين كان ذلك الضمير الإنساني الحر والوعود الستون بالجلاء تتساقط من فوق المنبر الدستوري العريق تساقط الشهب، يخطف البصر سناها في جو السماء، ثم تكون حجارة باردة على الأرض؟ هؤلاء أبناؤنا الأعزة يا مسيو فكتور كما سمعت هناك ورأى إخوانك هنا: يشترون بأنفسهم الغالية الهتاف للحرية، لعلهم ينبِّهون العامِهَ، فيبصر، ويرشدون المبطل فيُقصر ويُسمعون المخطئ فيصيب. ولكن الطوائر، تئز والبواخر تصفِر، والمصانع تضج، والمناورات الحربية ترعد، والخطب الخداعة تهدر، فكيف تجد الأصوات الرقيقة العذبة سبيلها في هذه الضوضاء العنيفة إلى آذان هي بطبيعتها موقورة عن مثل هذا النغم؟ ولو كان الضمير الإنساني لا يزال حياً لرأى من خلال الحجب، وسمع من وراء الآفاق، ثم وخز النفوس وخزته الإلهية، فيشعر القوي أنه زل، ويدرك الغوي أنه ضل، ويفطن الإنسان أنه إنسان.
لقد كنت أود يا مسيو فكتور أن ينبسط عطفك حتى يشمل أخواناً وجيراناً يعانون من الذكاء الفرنسي مثل ما نعاني من الدهاء الإنجليزي، ولكننا سئمنا الكلام وأنفنا الاسترحام واحتقرنا الحجج.
لقد بلُد الشعور حتى لا يحس ألا ذبابَ السيف، وثقل السمع حتى لا يدرك ألا قصفة المدفع،
стр. 10257
وكَلَّ الذهن حتى لا يفهم إلا كثافة المادة؛ فأين يقع من ذلك بيان الأدب ومنطق العلم وخيال الفنان يا مسيو فكتور؟؟
أحمد حسن الزيات
стр. 10258
المجنون
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
جاء يمشي هادئاً يتخيَّلُ في مِشْيته، يَرْجُفُ بين الخُطوة والخطوة كأنه من كِبره يُشعرك أن الأرض مُدركة أنه يمشي فوقها. . . . ولا ينقلُ قدمَه إذا خَطَا حتى يَنْهضَ برأسه يُحركه إلى الأعلى، فما تدري أهو يريد أن يطمئنَّ إلى أن رأسَه معه. . . . أم يُخَيَّل إليه أن هذا الرأس العظيم قد وضع على جسمه في موضع راية الدولة فهو يهزُّه هزَّ الراية. . . .
وأخذته عيني وليس بيني وبينه إلا طولُ غرفةٍ وعرضها - فهو إذا زائغُ البصر كأنما واقع في صحراء يقلَّب عينه في جهاتها متحيَّراً متردِّداً، ثم كأنما رُفِعَ له في أقصاها جبَلٌ فأخذ إلى ناحيته. . . . .
ورحبتُ به، وأجلستهُ إلى جانبي، فأخذ يَسْتَعَرِفُ إليَّ بذكر أسمه وجماعته وبلده، لا يزيد على ذلك شيئاً كأنه عنترةُ بني عَبسٍ، لأرضه من طبيعتها جغرافياً، ومن أسمه جغرافياً على حدة. فلما رآني لا أُنْبِتُه معرفة قال: أن بك نسياناً قلت: وكثيراً ما أنسى، غير أن أسمك غير من ذلك الأسماء التي تذكّر بتاريخ.
قال: هذه غلطة الجرائد. . . ومهما تنسَ من شيء فلا تنسَ أنك أستاذاً (نابغة القرن العشرين). . .
فسرَّحتُ فيه نظري، فإذا أنا بمجنونٍ ظريفٍ أمردَ أهيفَ، يكاد برخاوته وتفككه لا يكون رجلاً، ويكاد يبدو امرأة بجمال عينيه وفتورهما.
وتوسمتُ فإذا وجه ساكن منبسطُ الأسارير ممسوح المعاني، ينبئ بانقطاع صاحبه مما حوله، كأن الدنيا ليست دنيا الناس، ولكنها دنيا رأسه.
وتأملت فإذا طفولة متلبدة قد ثبتت في هذا الوجه لتخرج من بين الرجل والطفل مجنوناً لا هو طفل ولا رجل.
وتفرَّستُ فإذا آثارُ معركةٍ باديةٍ في هذه الصَّفحة قَتْلاها أفكارُ المسكينِ وعواطفُه.
وتبَّينتُ فإذا رجلٌ مُستَرْخٍ، مُتفتّرُ البدن، خائرُ النفس، وكأنه قائم لِتَوَّه من النوم فلا تزال في عينه سِنَةٌ، وكأنه يتكلم من بقايا حُلُم كان يراه. . .
وخُيِّل إليَّ من هذا الخُمول في هذا الشاب أن عليه جوَّا من تثاؤبه وان المكان كله يتثاءبُ،
стр. 10259
فتثاءبت.
فلما رأى ذلك مني ضحك وقال: أن (نابغة القرن العشرين) رجلٌ مغناطيسيّ عظيم؛ فها هو ذا قد ألقى عليك النوم. . . وحسبُكَ فخراً أن تكون أستاذَه وأخاه وثقتَه، (فليس على ظهرها اليوم أديبٌ غيري وغيرك. . .).
قلت في نفسي: إ تا لله، ما يعتقد الرجلُ أن على ظهرها مجنوناً غيره وغيري، وكأنما ألمَّ بذلك فقال: لستُ مجنوناً، ولكني كنت في البيمارستان. . .
قلت: أهو البيمارستان الذي يسمى مستشفى المجاذيب؟
قال: لا. إن هذا الذي تسميه أنت هو مستشفى المجاذيب، أما الذي سميتُه أنا فهو مستشفى فقط. . .
وذكرتُ عندئذٍ أن من المجانين قوماً ظُرفاء يَدخُلُهم الفسادُ في عقولهم من ناحية فكرة ملازمة لا تبرح، فلا يكون جنونُهم جنوناً إلا من هذا الوجه، وسائر أحوالهم كأحوال العقلاء، غير انهم بذلك طيَّاشون متقلبون، إذا ازْدُهِىَ أحدُهم لم يُطقْهُ الناس من زهوه وكبريائه وتنطُّعِه، كأنه واحدُ الدنيا في هذه الفكرة وكأن بينه وبين الله أسراراً؛ ويظن عند نفسه انه اعقلُالناس في أرقى طبقات عقله، وما جنونُه إلا في هذه الطبقة وحدها.
ومثل هذا لا بد له ممن يستجيبُ لهذَيانه كيما يحركَ فيه خفتَه وطيشَه وزهوه وليكونَ عنده الشاهدَ على هذا الوجود الخياليِّ المُبدَع الذي لا يوجد إلا في عقله المختل. فإذا هو ظفر بمن يُحاسنُه، أو يصانعُه، أو يجاريه حَسبَِه مُذْعِناً مؤمناً مصدِّقاً، فلا يَدَعُه من بعدها ويتعلق به اشد التعلق، ويراه كأنه في ملكه. . . فيتخذه صفيَّاً وهو يعتقد انه رقيق؛ وقد يَزُعمُه أستاذَه لِيُفهِمَه من ذلك بحساب عقله. . . أنه تلميذُه.
وخشيتُ أن يكون (نابغة القرن العشرين) لم يُسمِّني أستاذَه إلا بحسابٍ من هذا الحساب، فهو سيُعطى الأستاذيةَ حقَّها، ولكن كما هو حقّها في لغة جنونه. . . فأصبح في رأيه تلميذه وصنيعتَه، ومحدِّثَ هذيانه، وثقتَه وملجأه، والمحاميَ من ورائه؛ قلت في نفسي: إذا أنا تركتَه جالساً كان هذا المجلسُ مَثابَتَه من بعد فلا يعرف له محلاً غيره ويصبح كما يقال في تعبير القانون (محلّه المختار)، فَيتَطَرَّأُّ إليَّ لسبب ولغير سبب، ويقعُ في أوقاتي وقوعَ السَّهوِ لا حسابَ عليه ويضيعُ فيه ما يضيع. فأجمعتُ أن أصرفَه راضياً باليأس وقد انتهت
стр. 10260
نفسُه من معرفتي وانتهى عقله إلى الرأي أني لا اصلح له أستاذاً، لا بحسابه هو ولا بحساب الناس.
فقلت له: ظني بك انك أستاذ نفسك، ولا يحسن بنابغة القرن العشرين أن يكون له في القرن العشرين أستاذ، واراك قد فرغتَ للأدب، أما أنا فمشغول بأعمال وظيفتي، وقد جاء من العمل ما تراه وتكاد لا تفي به الساعاتُ الباقيةُ من الوقت و. . فقطع عليّ وقال: أن الوقت ليس في الساعة، والدليل أني أعطلها فيتعطل الوقت ولا يكون فيها يوم ولا ساعة ولا ثانية ولا دقيقة.
فقلت: ولكنك إذا عطلتها لم تتعطل الشمسُ التي تعيّن منازلَ النهار، فسيمرُّ الظهر ويحينُ العصر و. . .
قال: ويأتي غد، وإنما أنا معك اليوم فقط. . . ويجب أن تغتبط بأنك أستاذ (نابغة القرن العشرين)، فقد قرأت الكثير في الأدب وقرأتك، فما كان لي رأي إلا رايتّه لك، ولا صحَّت عندي نظرية إلا رايتك قد أبديتَها، وأنا لا اعتقد أدباً في مصر إلا ما توافَيْنا عليه معاً (ولا أسلّم جدَلاً، ولا جدَلاً أسلّم أن في مصر أدباء ينالون مني شيئا، فهو أنا وأنا هو)، ولئن لم يذعنوا (لنابغة القرن العشرين) فلَيعلمُنَّ انهم (وقعوا مني موقعَ نملةٍ على صخرة). هذا من جهة، ومن جهة أريد سجائر وليس معي ثمنها). . .
فتهللْتُ واستبشرتُ، وقلتُ له: هذا قرش فهلمَّ فأشتر به دخانك، وفي رعاية الله. ثم استويت للقيام، ولكنه لم يقم، بل تمكَّن في مجلسه. . .
وكرهتُ أن أتَغَير له وما اشك انه في هذا صحيحُ التمييز؛ فما أسرعَ ما قال: أن (نابغة القرن العشرين) فتى قويُّ الإرادة، فإذا هو لم يصبر عن التدخين ساعاتٍ فما هو بصبور. . . . وإذا لم يُثْبتْ لك هذا الأمرَ عن مُعَايَنَة. . . . فما أعطيتَه حقَّه.
فقلت في نفسي: لقد غرستُ الرجلَ من حيث أردتُ اقتلاعَه، وأيقنت انه من عقلاء المجانين الذين تتغير فيهم العاطفة أحياناً فتُلهمهم آياتٍ من الذكاء لا يتفق مثلها إلا لنوابغ المنطق؛ وذكرت (بهلول) المجنون الذي حكوا عنه أن إبراهيم الشيباني مرَّ به وهو يأكل خبيصاً فقال له: أطعمني. قال: ليس هو لي، إنما هو لعاتكة بنت الخليفة بعثته أليَّ لآكله لها. . .
следующие страницы →