← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

كيسي شيئا، لم أجد عشر بارات، لم أجد إلاّ خاتمي ذليلا منكسرا.

стр. 1017

في الأدب الغربي الذئب في الأدبين العربي والفرنسي وصف الفرزدق صداقته وذئبا عاهده على ألاّ يخونه، فكان وفياً، ووصف الشريف الرضي ذئبا أصبح غرضا لقسي نوازع، وطعمة لرهط جائع؛ ووصف البحتري ذئباً هزيلا سدد إليه نصالاً أوردته منهل الردى، في قصائد تراها في دواوين هؤلاء. وقد رأيت أنها في موضوع واحد - هو الذئب - فما المجلية بينها إذا جرت معا في حلبة السباق؟ وما التي تقرب من المثل الأعلى في الموضوع؟ وهل لها في غير العربية مثيل أو شبيه؟ وما دام في الفرنسية لهذه القصائد ند، وما دام بين الشعراء الفرنسيين من نظم في هذا الموضوع، فسنعرض لقصائدهم هذه بالنقل علّنا نستطيع الموازنة بينها كلها أو البحث فيها كلها، ولعل قصيدة (ألفرد دفيني) الشاعر الفرنسي الفذ في (موت ذئب) أقرب ما قرأت إلى هذه الروائع، فستكون أول ما نترجم، وأما الموازنة بينها فستكون في عدد تال إن شاء الله. موت ذئب خفت السحب إلى القمر المتألق، كما يخف الدخان إلى الحريق، واسودت الغابات فبلغ سوادها الأفق، وكنا نمشي على النبت الأخضر الندي دون أن ننبس بكلمة. فلمحنا في الظلام الكثيف تحت أشجار الصنوبر مخالب الذئاب التي كنا نطاردها منذ هنيهة. فأنصتنا حابسين انفاسنا، وسمرنا أرجلنا إلى الأرض، فلا الغابة ولا السهل يتنفسان في وجه الريح الساكنة، اللهم إلاّ دولاب هواء حزينا كان يصعد في السماء زفرة وداع أليمة، لأن الهواء ارتفع عن الأرض فلا يصيبه منه شيء. وكان كل شيء ساكنا، حين تقدم الصياد الشيخ خافض الرأس يتحرى ويدقق، فنظر إلى الرمل الذي اضطجع عليه منذ قليل ثم قال:، وهو الذي لم تؤخذ عليه هفوة، إن هذه الآثار آثار مخالب ذئبين كبيرين وجرويهما تبخرت منذ وقت غير بعيد. فهيأ كل منا سكينه، أخفينا بندقياتنا وبريق حديدها الأبيض، ووقفت وثلاثة من رفاقي نرمي ببصرنا إلى الأمام، فإذا عينان تتقدان بالشرر، وأربعة أشباح أخرى رشيقة ترقص في

стр. 1018

وسط الأعشاب على ضوء القمر. كانت الذئاب تشبه الراقصين بحركاتها، تلعب في صمت ورزانة عالمة أن على قيد خطوتين منها عدوها الإنسان، مضطجعا بين جدران بيته لم يأخذ النوم بمعاقد أجفانه بعد. وكان الذئب الأب واقفاً على بعد أمام الشجرة وزوجه مستريحة كصنم المرمر الذي عبده الرومان ومنه انحدر روموس ورومولوس. وأقعى الذئب ومخالبه غائصة في الرمل، حين علم أنه هالك لا محالة، لأن عدوه باغته وملك عليه سبيله، وامسك بفمه الملتهب عنق أجرأ كلابنا، ولم يحول عنه فكيه الحديديين على رغم طلقاتنا النارية التي اخترقت جلده، وعلى رغم مدانا الحادة التي مزقت أحشاءه، ولكنه لما أحس بأن فريسته فارقت الحياة قبل أن يفارقها هو، أفلته من فكيه، ونظر إلينا مرة وأتبعها أخرى إلى جسمه فرأى المدى غارقة في أحشائه، ورأى نفسه سابحا في بحر دمائه، تحيط به البنادق، فحدق فينا ثانية واضطجع وهو يلعق ذنبه بفمه، ويلقف نزيف الدم من كلومه، ودون أن يجرب أو يبحث كيف يموت، أغمض عينيه الكبيرتين ومات دون أن يصرخ صرخة واحدة. . . أسندت جبهتي حينذاك إلى بندقيتي واستسلمت للأفكار فلم أجد سبيلا إلى متابعة تلك الصور المريرة التي سيصبح عليها أولاده الثلاثة، وتصورت حال الأم وقد أرادت أن تشارك زوجها في حمل عبء هذه التجربة الخطرة، ولكن واجبها يقضي بان تنقذ أولادها، وأن تعلمهن كيف يتحملن الجوع، ويصبرن على ملاقاة الموت، وأن تحذرهن دخول المدن لئلا يخدعن بالعهد الذي قطعة الإنسان للحيوان، هذا الحيوان الذي يجري أمامه في الصيد، ويخدمه. . كل ذلك ليؤويه وهو سيد السهل والجبل. . وا أسفاه! لقد فكرت كثيراً في معنى عظمة هذا الاسم الذي يتحلى به بنو الإنسان، وعدت إلى نفسي خجلاً أتهم الإنسان بالضعف والجبن. أنت وحدك أيها الحيوان علمت كيف يجب أن نغادر الحياة وأوزارها، فليس فيما نعمله في الحياة الدنيا، وفيما نتركه عليها ما يستحق الذكر الا الصمت. هو العظمة، وكل ما سواه ضعف. آه!. . لقد فهمت معنى نظرتك أيها المسافر المستوحش لأنها نفذت إلى أعماق فؤادي قائلة:

стр. 1019

- (إذا استطعت فاجعل نفسك، على تفكيرها وحلمها، واثقة مطمئنة من القضاء والقدر. الشهيق والبكاء وصلاة الخوف كلها جبن، فاعمل بثبات عملك الطويل الشاق، في الطريق الذي شاء الحظ أن يدعوك إليه، ثم. . تألم. . ومت. . مثلي دون أن تنبس بكلمة). حلب. سامي الدهان بنجن على ضفاف الرين للشاعرة الإنكليزية كان ثمة جندي ملقى على الأرض في بلاد المغرب ينتظر موته. لم تعن به ممرضة، ولم تذرف الدمع على فقده امرأة. ولكن عني به صديق وقف إلى جانبه وهو يلفظ النفس الأخير. ومال على المحتضر بنظرات كلها إشفاق وحسرة ليسمع ما قد يقول. تناول الجندي المشرف على الموت يد رفيقه وقال بصوت متهدج مرير: لن أراك يا وطني - يا وطني العزيز بعد: بربك خذ رسالتي وابلغها أصدقائي البعيدين كل البعد، فقد ولدت في بنجن - في بنجن على ضفاف الرين! قل لاخوتي ورفاقي عندما يحتشدون حولك، ليسمعوا قصتي المحزنة في مزرعة الكرم، قل لهم إننا قاتلنا بشجاعة وإقدام، فلما انتهى اليوم كانت الجثث مبعثرة فوق الثرى عليها صفرة الموت تحت الشمس الغاربة وبين الموتى جنود مارست الحرب وعركتها، صدورهم دامية من اثر الطعن، وبعضهم صغير السن لم يلبث أن أظلم صبح حياته، وواحد منهم من بنجن - من بنجن الجميلة على ضفاف الرين. قل لامي أن اخوتي الباقين سيكونون لك خير عزاء! قل لها لقد كنت عصفوراً هائماً يحسب وطنه القفص وقد كان أبي جنديا وكنت في طفولتي أهتز طربا عندما أسمعه يقص عن الحروب أروع القصص. فلما مات وتركنا نتقاسم ميراثه المتواضع قلت لهم خذوا ما شئتم ولكن دعوا لي حسام أبي. وبشغف الطفولة المرحة علقته حيث تسطع الشمس على حائط الكوخ في بنجن - بنجن الهادئة على ضفاف الرين.

стр. 1020

قل لأختي لا تبك عليّ ولا تحزن! إذا رأت الجنود عائدة إلى مستقرها بخطى مطمئنة فرحة، قل لها لا تبك، ولا تعول بل لتنظر إليهم بفخر وزهو لأن أخاها كان جنديا مثلهم، ولم يكن يهاب الردى. وإذا تقدم إليها أحد الرفاق من الجند يخطب ودها فاسألها باسمي أن تنصت إليه، لا آسفة ولا مانعة: ولتعلق ذلك السيف القديم في موضعه، سيف أبي وسيفي حبا في بنجن القديمة - بنجن الغالية على ضفاف الرين. وثمت فتاة أخرى ليست بأخت، صحبتها في الأيام السعيد السالفة، ستعرفها من ذلك الحبور الذي يتلألأ في عينيها، بريئة لم يمسها العار، متهكمة يحلو لها أن تهزأ وتسخر. غير أني أيها الصديق أخاف على أشد القلوب جذلاً من أن يثقلها الحزن. قص عليها حديث الليلة الأخيرة من حياتي، لأنني سأموت قبل طلوع القمر. ستذهب من جسدي الآلام وتخرج روحي من السجن. كأنني أحلم بها وأنا واقف معها نشاهد الشمس وهي تغرب وراء تلال بنجن المكسوة بالكروم - بنجن الجميلة على نهر الرين. إني أرى النهر الأزرق يتدفق ماؤه، واسمع أو يخيل إليّ أني اسمع: أناشيد الألمان التي كنا نغنيها في صوت متناسق عذب فنتردد بين النهر والسهول المنحدرة في جوف الليل الصامت الهادئ. إني أرى عينيها محدقتين فيّ، ضاحكتين زرقاوين، وكأنني أسير إلى جانبها، في تلك الطرق المحببة إليّ، تلك الطرق التي أذكرها بالإجلال والتقديس، وأحس بيدها الصغيرة آمنة في يدي. ولكنا لن نلتقي مرة أخرى في بنجن - في بنجن العزيزة على ضفاف الرين أخذ صوته الأجش يضعف ويفنى، وصارت قبضته كقبضة الطفل وارتسمت في عينيه أشباح الموت، ثم تنهد وامسك عن القول. فمال عليه صديقه لينهضه؛ ولكن سراج حياته كان قد خبا. لقد مات الجندي المسكين في أرض نائية عن وطنه. عندئذ طلع القمر على مهل واطلّ على الكون وعلى الرمال المخضبة بالدماء إثر المعركة، وعلى الجثث المتناثرة (المبعثرة). وفي هدوء، أرسل أشعته الشاحبة على ذلك المنظر المفزع. كما يرسلها على بنجن البعيدة - بنجن الجميلة على نهر الرين.

стр. 1021

محمود فهمي رزق أغنية. . لفكتور هوجو يولد الفجر، وأنتِ موصدة الأبواب! فلم يا حسنائي الرقود، ساعة يقضة الورود؟ فهلا تستيقظين؟ اسمعي يا فاتنتي عناء محبك وبكاءه! كل يقصد حماك المبارك. فالفجر يشدو. . (أنا النهار!) والعصفور يغرد: (أنا الموسيقي!) وقلبي يردد: (أنا الحب!) اسمعي يا ساحرتي غناء محبك ونواحه! أعبدك كملاك، واحبك كامرأة. والإله الذي كمّل خلقي بك جعل حبي خصيصاً لك ونظري لرؤية جمالك! اسمعي يا غادتي غناء محبك ونحيبه حلب. سامي الدهان

стр. 1022

العلوم الاقيانوغرافيا أو تقويم المحيطات بقلم الدكتور حسين فوزي مدير إدارة أبحاث المصائد قلما استطاع المرء مهما امتدت ثقافته أو رقّ شعوره أن يدرك وهو على شاطئ البحر مدى ذلك الجزء من الأرض يغطيه الماء. وعبثا يعلم أن البحار تغمر نحو ثلاثة أرباع الكوكب الذي نعيش عليه. وأنى له أن يقدّر معنى هذه الحقيقة ويفهم أثرها في تطور المخلوقات، بل في تاريخ البشرية منذ ظهر الإنسان على سطح البسيطة؟ وماذا يعلم عابر المحيط من أمره إذ يرى سفينته العظيمة تتلقفها الأمواج وسط دائرة الأفق المطبق على سطح زاخر من الماء؟ وهل أدرك في تلك اللحظات أنه رب سابح فوق هوات عميقة، لو أن جبال أيفر ست اقتلعت من رواسيها وغاصت في البحر لابتلعتها تلك الهوات دون أن يظهر أثر لقمّتها الشامخة بتاج جليدها الأبدي؟ وكيف يدري أسرار تلك المياه وحركاتها وما أودعته من مخلوقات كأنها أسرار الجنة مغلقة في قماقمها؟ وأنى له أن يفهم أثر الأفلاك في ذلك المنبسط العظيم من الماء؟ وكيف يطلع على المآسي الدائرة على أساس تنازع البقاء وسط ذلك الخضم الهائل؟ أدرك الشعر عن طريق إحساسه شيئا من تلك العظمة البالغة. ووقف الشعراء يقارنون بين اليابسة وما عليها، فهناك تترك العصور الجيولوجية طابعها في الثلاجات والجبال والكهوف والوديان. والعصور التاريخية آثارها في المعابد والمقابر والمنازل. ولعل الصحراء أشد ما على اليابسة قدرة على الكتمان، ومع ذلك فقد تنجح أو لا تنجح في إخفاء معالم الحضارات في بطون كثبانها، وبين البحر وقد شهد معالم التاريخين، وتنازعته القوى الطبيعية والقوى البشرية، واتصلت بين شواطئه الحضارات. وهو عدا زئير أمواجه صامت لا يفشي سراً من أسراره. تأمل البحر الأبيض تلك البحيرة الضئيلة وسط المحيطات. در حوله وطالع أثر الحضارات العظيمة التي قامت على شواطئه. هنا فينيقيا ومصر ويونان وروما والبندقية وجنوا وعصر الأسبان (الربنسانس) والقرن التاسع عشر. أنصت إلى صفحته المصقولة لتستخرج حديثاً وحيدا. نثه عن ذلك الماضي، سله عن سفن يونان عائدة من طروادة لعله

стр. 1023

مخبرك بخبر اوديسيوس أو اينياس. أو عن سفائن الفرس وما أصابها من تمستوكل في سلاميس. أو عن أسطول كليوبطرة لتعلم كيف باع انطونيوس ملك العالم في اكتيوم مطاردا الهاربة الجميلة. سله عن محاربة بونابرت في أبي قير. أو عن أجدادنا الأقربين في نافارين، ذهبوا ليخنقوا حرية يونان وما استطاعوا أن يدافعوا عن حريتنا. سله عن ذلك التاريخ القريب والبعيد، بل سل عن الجاريات المنشآت وكانت منذ لحظة صروحا شامخة يمرح على سطوحها ألوف من الناس. أيّ جواب تتلقى من البحر غير اصطخاب أمواجه أو تلألؤ الشمس فوق صفحته اللازوردية؟ وليس من عجب أن نجد البحر في أساطير الأقدمين ركنا من أركان القوة الهائلة المجهولة المحيطة بالبشر. فقد طغى على البشرية جمعاء ذات يوم فأغرقها إلاّ فرقة صالحة استوت سفينتها على جبل الجودي. وشطر (مردخ) العملاق (تيامات) فجعل من أشلائه الأرض والسماء. وركّز الأولى وكانت على شكل جبل متوّج بالسحب فوق البحر الذي تبزغ الشمس من شرقه لتغوص في غربه، وأمر جيهوفا الماء أن يغيض في مكان لتظهر اليابسة وسمّاها الأرض أقام صرح السماء كالقبة على سطح البحر. واقيانوس أبو الآلهة تقمّص بحراً أحاط باويقومينا واتصل بالبحر الأبيض عند أعمدة هرقليس. ونفذ تحت الأرض لينبثق فوق سطحها عيونا وغدرانا وانهارا. وقصّت عليّ جدتي حكاية ثور معروف يحمل الأرض على قرنه. وينقلها من قرن إلى قرن كما أنقل ثقل جسمي من ساق إلى ساق، حين يعاقبني مدرس الجغرافيا بالوقوف إلى الحائط وقد أردت تحويل خرافات جدتي إلى حقائق جغرافية. - وأين تنتهي الأرض يا جدتي؟ - عند جبل قاف يا بني. - وماذا بعد جبل قاف؟ - تنين يحيط بجبل قاف يا بني. - والتنين يا جدتي؟ - سابح في البحر الذي يحيط بالدنيا والثور واقف على جزيرة من جزر ذلك المحيط. . .

стр. 1024

وهكذا. ولقد حاول اليونانيون أيضا تحويل أمثال هذه الصور الخرافية إلى حقائق جغرافية. ولكن هيرودوت أنكر وجود بحر يحيط بالأرض من الشرق، وقد عرف في مصر خبر بعثة وجهها نيخو الثاني سنة ٦٠٠ قبل الميلاد. في البحر الإريتري - بحر البلاد الحمراء أي بلاد العرب، فدارت حول أفريقيا حتى عادت إلى مصر بعد ان اخترقت أعمدة هرقليس (جبل طارق). ولم يصدق هيرودوت ما ذكر عن ملاحي تلك الرحلة من أنهم شاهدوا الشمس تشرق وتغرب عن يمينهم في إحدى مناطق طوافهم. ورأى ارسططاليس الرأي القائل بأن الإريتري والاطلانطيقي بحر واحد، وتضاءلت الدنيا أمام علمه حتى قال باستطاعة سفينة شراعية ان تسافر في رياح ملائمة من أعمدة هرقليس (جبل طارق) حتى الهند. وجاء العالم الإسكندري بطليموس في القرن الثاني قبل الميلاد وقال بان أفريقيا تتصل شرقاً اتصالا تاما بآسيا، وأن المحيط الهندي بحر داخلي. وكان يعتقد هو أيضا أن غرب أوربا قريب من شرق آسيا. ويرجع إلى هذا الرأي الذي ارتآه عالم كبير كبطليموس بعض الفضل في اعتزام كولمبوس الوصول إلى الهند من غرب أوربا واكتشافه أميركا. وهكذا ظلّ العالم يتخبط في تفهم مدى المحيطات حتى بدأ البرتغاليون والإسبانيون رحلاتهم المجيدة في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. واستطاع فاسكو دي جاما تطويق رأس الرجاء الصالح. واكتشف كولمبوس جزر الأنتيل وقد حسب انه وصل إلى آسيا، ولم يدر انه كان في أسبانيا اقرب إلى آسيا منه وهو في دنياه الجديدة. وسافر ماجلان من إسبانيا مخترقا الاطلانطيق فالمضيق الذي حمل أسمه فيما بعد فالمحيط الهادي. ومع انه قتل في الفلبين فقد عادت بعثته إلى إسبانيا بعد إتمام طوافها حول العالم في ثلاث سنوات. وهكذا استطاع العالم في أقل من نصف قرن (١٤٩٢ - ١٥٢٢) أن يعرف أضعاف ما عرفه الأقدمون عن البحار، وإذا استثنينا رحلات العرب في المحيط الهندي بعد ذلك التاريخ فان الاستكشافات فقدت نشاطها منذ أوائل القرن السادس عشر حتى قام الكابتن كوك برحلته في البحار الجنوبية في أواخر القرن الثامن عشر. حينئذ استطاع الملاّحون أن

стр. 1025

يتصوروا عن المحيطات صورة اقرب إلى الحقيقة. وإذا كانت الجغرافيا تشمل وصف المحيطات باعتبارها جزءاً من الكوكب الأرضي فقد اختصت الاقيانوغرافيا بدراسة المحيطات كوحدة كونية تغمر ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ومع أن الاقيانوغرافيا تحاول أن تجد لها نسبا عريقا في جميع الاكتشافات السالفة الذكر، فالواقع أنها لم تنشأ كعلم مستقل إلا في النصف الأخير من القرن الماضي. وعلينا الآن أن نترك التاريخ لحظة إذا أردنا ان نعرف إلى أي حد يحق للايقيانوغرافيا ان تتصل بنسبها إلى الاستكشافات الجغرافية قديما وحديثا، ولا يمكننا معرفة ذلك قبل الإجابة على السؤال التالي: ما هي الاقيانوغرافيا؟ الاقيانوغرافيا هي وصف أحواض المحيطات والظواهر التي تبدو على سطحها والعوامل والتفاعلات الحادثة في بطنها. ودراسة القاع وتكوينه منذ أن ينحدر الشاطئ القارّي تحت الماء حتى أبعد الأعماق، ودراسة المياه التي تملأ أحواض المحيطات وما فيها من مواد عالقة أو ذائبة وأثر الضوء والحرارة على المياه ومحتوياتها. هذه هي الاقيانوغرافية الاستاتيكية وفهم أثر الرياح والقوى العالمية (جاذبية القمر) على سطح الماء من أمواج ومد وجزر. ودراسة أثر الثلوج القطبية وما تسببه من تيارات. تلك هي الاقيانوغرافيا الديناميكية ودراسة الأحياء التي تغشى القاع أو تعيش في طبقات الماء المختلفة. وتلك هي الاقيانوغرافيا البيولوجية. يظهر من هذا العرض السريع أن الاقيانوغرافيا تستعين بعلوم مختلفة. فدراسة خصائص الماء وما بها من مواد ذائبة أو عالقة، وأثر الضوء والحرارة عليها وحركة التيارات تقتضي تطبيق علوم الكيمياء والطبيعة. ودراسة القاع وتكوينه ليست الا تطبيقا جيولوجيا. كما أن تحديد مرتفعات هذا القاع ومخفضاته - بطريق قياس الأعماق - هي عملية طبوغرافية. وفهم أثر الرياح على سطح الماء يقتضي فهم الجو نفسه بطريق علم الأرصاد (الميتيورولوجيا) وتقدير ارتفاع المد وانخفاض الجزر وتوقيتهما يحتاج إلى معارف فلكية. وفي كل هذا يلجأ الاقيانوغرافي إلى الرياضيات لحصر تلك الظواهر الطبيعية، في دائرة

стр. 1026

المعادلات والقوانين. كما أن من البديهي أن ترتكز الاقيانوغرافيا البيولوجية على علمي الحيوان والنبات. وقد يتساءل نوع من القراء، وقد فرغ من هذا التعداد، وما فائدة كل هذه الدراسات؟ وهذا النوع من التساؤل طبيعي في الناس ولكنه يتخذ في مصر لهجة يشوبها غير قليل من السخرية، ويظهر أننا برغم ما يبدو من مقدار نجاحنا في دوائر العمل (أو فشلنا بالأولى) رجال عمليون بالفطرة. فإذا حدثتنا عن فينوس ميلو، أو مخلدات ميكلانج، أو بدائع دورر، أو نظرية آينشتاين. أو ناقشتنا في قيمة مؤلف عظيم انتهينا بك إلى (جميل!) (ولكن ما فائدة كل هذا؟) إذ يجب على المؤلف والفيلسوف والمصور والحفار ان يحض على فضيلة أو ينشئ مصنع طرابيش ليكون لعمله قيمة في نظر أبناء: (مصر. . . قطعة من أوربا). ومن حسن حظ الاقيانوغرافيا أن تجيب السائل عن سؤاله بأكثر من جواب. على أننا قبل أن ننوه (بفوئد) الاقيانوغرافيا لن نتردد في القول بأنه إذا كان الأصل في البحث العلمي هو رغبة الإنسان في استخدام القوى المحيطة به، فانه يرجع في غير قليل إلى رغبة البشرية في فهم تلك القوى لمجرد ألفهم. وإذا كان الكشف العلمي قد أدى إلى حضارة اليوم فان هذه الحضارة لم تكن لتبلغ هذا المبلغ لو لم يكن من اجل صفات الذهن البشري أن يفكر لمجرد التفكير، محاولاً فهم كنه الظواهر المحيطة به. وإلاّ فما الأديان وما الفلسفة؟ وإذا كان الإنسان قد قام برحلاته في المحيطات لغرض عملي، فليس معنى هذا أن ننسى فضل المفكر الذي يقف بشواطئ المحيط حائراً متسائلا إلى أين تمتد مياهه. ناظراً إلى السماء متسائلا ماذا وراء النجوم. والإنسان الأول قبل أن يعد عدته للانتفاع بمنتجات البحار، وقف بشواطئها يتأمل مياهها لا لشيء إلاّ لأن الإنسان حيوان مفكر. ثم لمح مخلوقا غريبا يلمع في طبقات الماء فغاص وراءه أو فكر في طريقة لصيده، لا لشيء إلاّ للرغبة في تعرف هذا المجهول. ثم أدرك بعد ذلك انه يستطيع الانتفاع بلحم هذا المخلوق في غذائه. رأيت أن لا مناص لي من أن أنتحي هذا الجانب من التفكير في عرض الكلام عن الاقيانوغرافيا. قبل أن أتحدث عن فوائدها، ذلك لأن هذه الفوائد مهما كبر شأنها فلن

стр. 1027

تستطيع أن تفسر للذهن العادي معنى المجهود الذي بذلته وتبذله الإنسانية لكشف البحار. ولقد سئمت أذني سماع سؤال واحد في الأيام الأخيرة بمناسبة البعثة الأجنبية التي تستعير السفينة الاقيانوغرافية المصرية (مباحث) للكشف العلمي بالمحيط الهندي. (ما فائدة هذه الرحلة؟) وكان جوابي واحدا في كل مرة: (لا فائدة منها إلاّ أن تضيف كنزاً من المعرفة إلى كنوز العالم) ما فائدة الاقيانوغرافيا رأينا في بدء هذا المقال كيف جهد الملاحون جهدهم في تعرّف أنحاء الاقيانوسات. ولا يكفي في معارف الملاح أن يعلم باتجاهات الرياح وكيف يجد الجهات الأصلية في الليل والنهار. فهو إذا رفع نظره دائما إلى النجمة القطبية كان نصيبه من البحر نصيب ملاح (الراين) في أنشودة هايني (لوريلاي) إذ تأسر بصره الجميلة الجالسة عند أعلى الصخرة تمشط شعرها الذهبي، فإذا بقاربه يرتطم بالصخور ويتحطم. فالملاح يجب أن يعرف من أعماق البحر ما يقيه شر المياه الضحلة لذا كان سبر الأعماق من أقدم ما قام به الإنسان من دراسة اقيانوغرافية. على أنه إذا كان سبر الغور هاما قرب الشواطئ وما إليها من مواضع قريبة القاع، فلم يكن يهم الملاح أن يعرف اعمق ما يصل إليه البحر. ويغلب على الظن أنه كان يعتقد بأن غوره في بعض الجهات لا نهائي كالجو. وأول محاولة سجلها التاريخ لقياس الأعماق البعيدة هي ما قام به ماجلان، إذ دخل المضيق المعروف الآن باسمه وأدلى مقياس أعماقه وهو ثقل معلق بحبل لا يزيد طوله على بضع مئات من الأمتار، فلم يرتكز الثقل على قاع، ولذا اعتقد انه وصل إلى أعمق بقعة في المحيط. والواقع أن العمق في مضيق ماجلان لا يتجاوز ٤٠٠٠ متر في حين انه اكتشفت أعماق أبعد من هذا (نحو ١٠٠٠٠ متر). كذا يهم الملاح معرفة نوع القاع في الأعماق القريبة. وقد روى هيرودوت خبر العلامة التي يعرف بها الملاحون اقترابهم من شاطئ مصر (وهو شاطئ منخفض لا يرى إلاّ عن قرب) فهم إذا عاد ثقل مقياس الغور محاطا بالطين وسجل عمق أحد عشر ذراعا عرفوا انهم على مسيرة يوم من شواطئ مصر.

стр. 1028

وإذا كانت الأعماق السحيقة لا تهم الملاح فهو مهتم في جميع أنحاء البحر بالعميق منها وقريب الغور بمعرفة اتجاه التيارات. وقد لاحظ بنيامين فرانكلين في سنة ١٧٧٠ وكان مديرا للبريد في إنجلترا الجديدة أن البريد المرسل من إنجلترا يصل أميركا على السفن الأميركية أسرع من وصوله على السفن الإنجليزية. فأخبره القبطان الأميركي بخبر تيار بحري يتجه في المحيط الاطلانطيقي إلى الشرق تنتفع به السفن الأميركية في الذهاب وتتجنبه في الإياب. بينما تجهل أمره السفن الإنجليزية. وحينما سافر فرانكلين إلى فرنسا حرص على تدوين ملاحظاته عن هذا التيار (جولفستريم) ورسم خريطة له ظلت سراً حتى طرد الإنجليز من مستعمرتهم الأميركية الكبيرة، وقد كان هذا الاكتشاف بدء عهد الملاحة الترمومترية. إذ كان الملاح يتعرف وجوده في طريق هذا التيار بملاحظة ارتفاع درجة حرارة الماء من معدل معروف للاقيانوس في المناطق التي لا يمر بها التيار. وللملاحة الترمومترية فائدة عظمى في الضباب إذ يدل انخفاض درجة حرارة الماء انخفاضا سريعا وغير عادي على اقتراب السفينة من جبال ثلجية عائمة. ويعرف الملاح أيضا حركات المد والجزر. إذ بدون معرفتهما تتعرض سفينتهم لأخطار الارتطام بالصخور كما لا يستطيع تعيين وقت دخوله المرافئ. ويعنى صانعو السفن ومهندسو الموانئ بدراسة خصائص ماء البحر لاختيار المواد التي ينشئون منها قاع السفن وحواجز المياه والأرصفة فلا تؤثر فيها مياه البحر وما بها من أملاح ذائبة وخصوصا كلورور الصوديوم. وإذا سقنا الملاحة والهندسة البحرية مثلا على الفنون والحرف التي تنتفع بالمعلومات الاقيانوغرافية فان علينا أن نشير إلى حرفة تعد مدينة للاقيانوغرافيا بغير قليل من تقدمها. تلك هي حرفة الصيد. ولقد سبق أن كتبنا عن (بحوث مصائد الأسماك) وهي في البحار فرع من الاقيانوغرافيا محدود بأغراض نفسية محضة. وسنعود في فرص أخرى إلى هذا الموضوع وإنما نكتفي الآن بالإشارة إلى كنوز البحار من أسمك وحيتان ووحوش وسلاحف ولآلئ ومرجان وأعشاب ينتفع بها الإنسان لغذائه وزينته وتدخل في صناعاته إذ يستخرج منها الزيوت والأسمدة واليود الخ. وأخيراً عرف المتتبعون أخبار العلم بخبر تلك المحاولة الجبارة التي يقوم بها جورج كلود

стр. 1029

للانتفاع بقوى المحيطات الحرارية. فهذا العالم الفرنسي يبني تجاربه على أساس ظاهرة كشفت عنها الاقيانوغرافيا. وهي أن اختلاف درجة الحرارة بين السطح والقاع في البحار الاستوائية كبير إلى حد إمكان تحويل هذا الاختلاف إلى قوة محركة. هذا عن الفوائد العملية المباشرة. أما عن فائدة الاقيانوغرافيا للعلم نفسه فقد وجد فيها علم الأرصاد خير معين على تفهم الظواهر الجوية على سطح الأرض. فالجو بحر غازي يتأثر بالحرارة والضغط وجميع العوامل الأخرى التي تؤثر في البحر. ولما كان هذا الأخير بطيء التأثر بالنسبة إلى الجو الأهوج، فأن بطئ الظواهر البحرية خير معوان على تفهم ظواهر الجو السريعة كما يفهم الإنسان حركات العدو، أو القفز العالي عن طريق فيلم سينمائي يدار ببطء، كما أن سطح المحيط هو خير منطقة لدراسة الجو في أبسط مظاهره، فبينما تكثر المرتفعات والمنخفضان على سطح الأرض ويتغير الضغط الجوي تبعا لها، نرى البحر بسطحه المستوي وصفحته المائية يحول دون التغيرات السريعة في الضغط الجوي الناشئة في الأرض عن مرتفعاتها ومخفضاتها. كذا برودة الهواء وسخونته أقل استعداداً للتغير الكبير السريع فوق الماء منها فوق اليابسة. وكان من الطبيعي أن تنتفع الجيولوجيا من الاقيانوغرافيا، ففي دراسة قاع المحيطات الحالية وتفسير تكوينها ما يعين الجيولوجي على أن يفسر تكوين بحار العهود الجيولوجية المنقرضة. وتبدو استفادة علم الحيوان من الاقيانوغرافيا بمقارنة مجموع الحيوانات الأرضية والحيوانات البحرية المعروفة. فإذا فتحت أي كتاب حديث في علم الحيوان عند الفهرس وجدت أن فصائل الحيوانات البرية لا تمثل إلاّ نسبة ضئيلة في مجموع الحيوانات المعروفة. وبعد أليس هذا طبيعياً؟ فمساحة البحار تعادل نصفا وضعفي مساحة اليابسة. وإذا كانت الأحياء الأرضية تعيش فوق السطح أو تغادر هذا السطح قليلاً لتطير في الهواء، فالأحياء المائية تغشى المحيط عند سطحه وفي جميع طبقاته وفوق قاعه. فأي عجب أن تكون أكثر بكثير من الأحياء البرية؟ ونعرف أن عمق المحيط يتراوح بين متر وعشرة آلاف متر، هذا إلى أننا الآن أقرب إلى حصر الأنواع الأرضية منا إلى الإحاطة بجميع الأنواع

стр. 1030

البحرية. الآن وقد عرفنا أغراض الاقيانوغرافيا نستطيع الحكم بأنه إذا حق لهذا العلم أن يتصل بنسبه ونشأته إلى رحلات جوّابي البحار حتى أواخر القرن الثامن عشر، فان عهد الاقيانوغرافيا الحقيقي لم يبدأ إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهذا ما ستراه في مقالنا التالي إذ نتابع قصة البحار قاصرين حديثنا على بعثات الاستكشاف الاقيانوغرافي.

стр. 1031

القصص قصة سودانية تاجوج ومحلق ما كنت أحسب قبل أن يحدثني صديقي حمدان، إن بجانب الغاب أكواخا تحوي جمالا، وأن في أواسط البيد جنات يرف ورد الحياة الفيّاح فيها، وتتفتح أكمام العيش الهني عن زهرات من الحب السعيد والهوى البريء. لذلك لم تتهيأ لي الفرصة لركوب السفين حتى انتهزتها ميمماً الجنوب إلى أن رست بنا على مرسى الغاب المزعوم. وهناك انتقلت من ظهر السفين إلى ظهر الهجين، فأخذ يخب بي بين نجاد ووهاد، تارة في رأد الضحى، وطوراً في طفل الأصيل، حتى انتهيت إلى حيث أراد الدليل. فأدرت ناظري فيما حولي من الأدغال يخفق قلبي روعة، ويذهب لي حيرة، وإذا بشيخ كهل قد ائتزر بمئزر، والتفع برداء، يقوم في جفاء البداوة، وجفوة الأعراب، ماذا تريد يا زول؟ قلت التمتع والاستطلاع، فأربد وجهه، وانقبض جبينه، وكأنما الشر قد جثم بين عينية، فانخلع قلبي حذر أن أكون استبحت حماه، ولكن صديقي دلف إلينا بسرعة، وحيا البدوي في حديث مرسل ينم عن سابق معرفة، وقديم صحبة، فهدأت نفسه وسكن غضبه، وانبسطت أسارير وجهه، ثم أقبل علي باشاً مصافحا. فسألت ممن الرجل؟ قل: من بني عقيل بن جعفر بن أبي طالب، قلت: وأنا من بني الحسين بن علي بن أبي طالب، فعاد إلي مصافحا معانقا، وكانت المصافحة حارة، والعناق طويلا. ثم ساق رواحلنا إلى كوخ من القش بجانب خيمة من الوبر، ونادى: يا ليلى! ابن العمومة من بني هاشم شرف أحياء العرب، فبرزت ليلى من خبائها كما يبرز البدر من خلال الغيوم، ثم قالت: يا بشرى! هذا ابن الريف، قرّة العين، وسليل الحسين، وأطلقتها زغرّدة دوّت في الفضاء، فمال حمدان برأسه وقال: لها الله ليلى من فتاة بارعة الحسن تامة الجمال! أنظر تر جسما مستقيما منتصبا كأنه قضيب بان، وعينين سوداوين فيهما سحر وفيهما دلال، وشعراً لا معقوصا ولا مظفوراً وإنما هو مدلّى كخيوط الليل، ووجهها تمتزج

стр. 1032

حمرته بسمرته فيبدو من امتزاجهما دم جذاب يرق حتى ليكاد يكون روحا، وثغرا كأنما يبسم عن در، ويفتر عن لؤلؤ فقلت: يا سبحان الله! أما قرأت: قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم. . وكان حمد مضيفنا تجاوز الكوخ ليدعوا بعض غلمانه، فقلت لحمدان (وكان من طبعه الانقباض) إن كنت رجلا حقا فأطلقها ضحكة عالية في وادي الهموم، كما أطلقتها ليلى زغرّدة في أجواز الهواء. قال: كيف؟ والمدنية الحديثة جعلت فينا أمزجة منقبضة وطبائع سوداوية، فأضعنا نضارة الشباب في هم مبرح. ولم نتلقى غفلات العيش على ما في طيها من نعم وخيرات، كما يتلقى قطان البادية من الأعراب، وسكان الغابات من عجائز السود، شظف الحياة، وضيق العيش. بصدر رحب، وثغر بشوش. قطعت علينا الحديث خادم عجوز سوداء لليلى. أتت ولا شيء يسترها غير رقعة تحجب سوءتها، ثم مدت سماطاً بديع النسيج الا أنه مهلهل، وعادت فأتت بمبخرة فيها عود أو صندل ثم أتى حمد وخلفه جزور فنحره، وحمله الخدم بعد لطهيه، وجاءت أقداح الشاي واستمرت تدور المرة بعد المرة، وحمد يحدثنا بحديث عذب فيه رطانة الزنوج، ولحن الأعراب حدثنا انه يتصل بعرب الحمران، وأن لهم أحاديث كالمسك، في الهوى العذري، والحب الطاهر، وأن منهم (تاجوج ومحلق) الذين ضربت بحبهما الأمثال، وتحدثت عن عفتهما الركبان قلت: ومن تاجوج ومحلق؟ فأجاب، كانت تاجوج فتاة جميلة، لم تر بلاد السودان فتاة أجمل منها إلى اليوم، وقد بلغ من جمالها أن الناس كانوا يحثون المطايا ليروها ثم يعودوا، وكان أبوها يدعى (الشيخ أوكد) شيخ القبيلة، أحبها ابن عمها (محلق) وتزوجها، وفي يوم أسكره الحب وتيمه الغرام، فألح عليها ان تتجرد من ثيابها وتمشي أمامه عارية فامتنعت حياء، ألح مرة أخرى فامتنعت، ثم ألح ثالثة فقالت، إذا أطعتك فماذا تفعل؟ قال: أنفذ كل طلب لك قالت: أقسم، فأقسم، فتجردت ومشت أمامه ذهابا وإياباً. إلى أن قال: كفى كفى! ثم قال، اطلبي الآن ما تريدين. قالت: أن تطلقني في الحال، فطار صوابه، فوقع على

стр. 1033

قدميها يقبلهما ويسألها العفو فأبت الا البر بقسمه، فطلقها وهام على وجهه ينشد في حبها الأشعار كمجنون ليلى. ثم تزوجت بعد طلاقها رجلا من وجهاء قبيلتها فتأثّر محلق فغلبه على ماله، المرة بعد المرة ثم رده إكراما لتاجوج. وأخيرا اشتد عليه الكرب وأضناه الحب، فألح على أهله أن يمكنوه من رؤيتها، فذهبوا إليها وأخبروها لحاله فرقت له، وذهبت لرؤيته، فإذا هو طريح الفراش وحوله نساء ينددن بها ليصرفن قلبه عنها، فلما دخلت لم يسعهنّ الا الوقوف احتراما لجمالها وإعجاباً بها، وأجلسنها إلى جانب سريره فلما رأته على تلك الحال تنهدت وقالت: أإلى هذا الحال وصلت يا حشاي وأنا لا أدري؟ ثم وضعت رأسه على ركبتها وكان قد أغمي عليه، فلما أفاق نظر إليها وأنشد أبياتا منها هذا البيت الذي ننقله بلغته ولحنه وصورته: حبك في الضمير قاطع لأكباده … تقتلي الزول سريع قبل الشهادة) ثم شهق شهقة ومات مسلماً الروح. ثم أطرق حمد طويلا برأسه إلى الأرض وعاد فنظر إليّ ساهما وقال: حدث بعد ذلك أن غزانا عرب (الهدندوة) فوقعت تاجوج أسيرة في أيديهم فاختلفوا فيها اختلافا كاد يفضي إلى سفك الدماء وأراد كل فريق أن تكون تاجوج من نصيبه فنهض أحد مشايخهم وكان حازما، ونادى: (تاجوج) من خبائها، فلما أقبلت طعنها بخنجره في صدرها فماتت وحسم النزاع. ماتت تاجوج، ولكنها ظلت حية في نفوس الذين قتلوها كما هي حية في قلوب بني وطنها جميعاً ولا زال قبرها إلى اليوم يزار (في رأس النيل) بين خور جب وكسلا، وما زال أهل السودان يضربون بها وبمحلق الأمثال. ثم جاء الطعام على عادة العرب (كسرة، مرقة، وشواء) فكانت رغبتنا في التهام حديثه أكثر من رغبتنا في التهام طعامه فقلت وهو يستطعمني فأطعم، ثم ماذا بعد؟ فان أعذب الحديث حديث المائدة خاصة مع العرب الأجواد فقال: ثم إن بطناً من عرب الحران حلّ بهذا المكان القريب من هذه الغابة

стр. 1034

فأنجباني أنا وليلى، فكنت معها كمحلق مع تاجوج، غير أنها وفت لي فلم تستبدل بي زوجاً، ووفيت لها فلم أدخل عليها زوجة، مع كثرة تعدد الزوجات في هذا الحي الذي ننزل به وما كدنا ننتهي من طعامنا وشرابنا وأحاديثنا حتى كانت الشمس مضيفة للغروب، والقمر يستعد للجلوس على عرش السماء، بعدها، فتهيئنا للجولان بالغابة ومعنا معداتنا من حراب ورماح، وموعدنا ببقية الحديث رسالة أخرى. محمد البنداري. مدرس بالخرطوم

стр. 1035

إلى بئر جندلي للأستاذ الدمرداش محمد. مدير إدارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف - ٢ - وبعد دقائق انحدرنا إلى ميدان المنشية وأخذنا طريقنا إلى مقبرة الأمام الشافعي، وبعد أن اخترقناها أقبلنا على قرية البساتين فكانت في سكون لا يسمع من حولها إلاّ نباح الكلاب وصرير الصراصير، ثم مررنا بمقابر اليهود فاستقبلنا حارسها وأخبر الدليل بمرور الجمال. كان الليل باردا والسكون شاملا وضوء القمر فاترا يملأ الأرجاء، وكنا نسير في صمت وأمامنا الدليل منحن قليلا إلى الأمام يجد في السير بقدم ثابتة ونحن نتبعه ونتابعه. معنا السلاح والذخيرة، ومعنا الماء والزاد، ومعنا الدليل الخبير المجرب، ونحن جماعة أشداء، فمم الخوف؟ كانت تجول هذه الأفكار بخاطري وانظر إلى الرفاق وهم يسيرون على هيئة الجند فتتملكني روح زهو وفخار، واشعر بنشاط وقوة، فيرتفع رأسي ويتسع صدري وألاحق الدليل وأتقدم الجماعة، والنفس طافحة بشراً وغبطة. بعد ساعة مال الطريق نحو الشرق، ثم أخذنا نرتقي هضبة وأخذت تتلاحق التلال وتعلو، وقبيل نصف الليل غاب القمر وخيم الظلام وأصبح منظر الوادي رهيباً موحشا، وهنا قال الدليل: (وادي التيه يا سادة) في هذا الوقت كنا نتقدم في واد متسع تعلو الهضاب على جانبيه وهو ينثني بينها تارة يمينا وطورا شمالا. وعند الساعة الثانية صباحا وصلنا حيث كانت تنتظرنا الجمال في ناحية من الوادي، وقد جلس بجانبها سويلم يدخن غليونه بينما انشغل على الجمال بإمداد بؤرة التدفئة بالعشب الجاف، كان قد طال بنا السير أجهدنا أصبحنا في حاجة إلى الراحة بل إلى النوم، فاستلقينا على الأرض قريبا من الجمال ثم غلبنا النعاس فنمنا. كنا نائمين في العراء وليس علينا غطاء، فاستيقظنا عندما لاح الصباح بعد نوم قصير وأجسامنا ترتعد وأطرافنا ترتجف من شدة البرد، وكانت الطبيعة هادئة وبزوغ الشمس من وراء الجبال فتناً ساحرا، وكنت أطيل النظر فيما حولي واسأل نفسي: أنا في حلم أم في

стр. 1036

يقظة؟ فقد زال عنائي وغدوت مرحا فرحا نشطا، وبعد أن تناولنا فطورا ساخنا بسيطا ذهبت الجماعة بصحبة الدليل إلى الصيد وبقيت أنا ومحمد بك لنسير مع الجمال، وقد تواعدنا أن نلتقي ظهرا على بئر دجلة. كان الصباح لطيفا منعشا، والشمس مشرقة، وقد وجدت في محمد بك خير صاحب، فقد كان لطيف المعشر حلو الحديث على علم بالصيد وطرق الجبال والأودية، فاستأنست به، واطمأنت نفسي إليه فاخذ يقص عليّ في حماس ونحن نسير الهوينى خلف الجمال ما وقع له في رحلاته السابقة من مخاطر عجيبة، ونوادر لطيفة، وبعد أن سرنا هكذا نحو ساعة ضاق الوادي وانتهى بنا إلى هضبة عالية فارتقيناها على مهل، وكان صعودنا على جرف في طريق لولبي شديد الانحدار، لا يزيد عرضه على القدم ومن تحته هوّة عظيمة، وقد اجتازت الجمال هذا المنحدر الوعر من غير مشقة، فكانت متزنة الخطوات متئدة متنبهة تحاذر السقوط أو الزلل، وبعد ساعة أخرى أخذنا نهبط وادياً عظيما كثير التعاريج جدرانه قائمة، وتقوم على جانبيه الروابي العالية، والقمم الشامخة، وقبل الظهر بساعة وصلنا بطن الوادي بسلام، واتجه سويلم إلى ناحية فيه وأناخ الجمال، أشار بيده إلى كوّة مرتفعة في الجدار الجنوبي للوادي يظللها نتوء من الجبل كبير البروز، وتكتنفها أحجار ضخمة تجعلها كالوكر في مأمن من الرياح والأمطار، وقال هنا نمضي الليلة، فحملنا إليها الغطاء وبعض الحاجات وفرشنا أرضها بسجادة واعددنا في ناحية منها موقداً جمعنا بالقرب منه عشبا جافا من شيح وشوك وطرفاء، ثم هيأ محمد بك للجماعة طعاما دسما من لحم مسلوق وأرز وخضار، وبعد الظهر بساعة أقبل الصيادون يحملون أرنبين كبيرين وقد لفحت الشمس وجوههم وبدا عليه التعب، وبعد أكلة شهية تفرقنا في الوادي نتفرج على مناظره الطبيعية البديعة، وتقع بئر دجلة على عشر دقائق من معسكرنا جهة الشرق في حضن شلال فخم يعله خانق جميل، والبئر في مسقط السيل وعمقها نحو ثلاثة أمتار تمتلئ بالماء وقت الأمطار ويفيض ماؤها وقت الجفاف، والوادي كثير العشب وافر الكلأ، يسبح في فضائه أنواع من العصافير والحدأة، وترعى فيه الإبل والماعز، وبعد الغروب عدنا إلى المعسكر وقد خيم الظلام واشتد البرد وشمل الوادي سكون موحش، وبعد العشاء آوينا إلى الفراش ونمنا ملء الجفون حتى قبل الفجر، وكان منظر الوادي في السحر فاتناً يستهوي الأفئدة

стр. 1037

ويملأ النفس دهشة وروعة، وفي الصباح الباكر توجهنا للصيد وبقى عبد الله بك وسليمان بك بالسير مع الجمال، واتفقنا أن نلتقي عصرا على بئر جندلي. خرجنا من وادي دجلة مع بزوغ الشمس وأخذنا طريقنا فوق الهضاب وفي الأودية متوغلين شرقا لا نتبع طريقا معينة، وكان في القيادة حسن بك وهو صياد ماهر خفيف الجسم رشيق الحركة بصير بالصيد وضروبه. وبعد قليل أقبلنا على واد وافر العشب فا بصرنا أرنبا يقطع عرض الوادي بسرعة البرق يتلوه ثان وثالث، وفي لمح البصر اختفت وراء الصخور وكان لمنظرها وهي تعدو أثر مدهش في الجماعة، فاندفعوا وراءه لا يلوون على شيء، وفي المقدمة حسن بك ينهب الأرض نهبا كأنه الجواد في حلبة السباق. وفي لحظات توسطنا الوادي وبدأت المطاردة، وما أن رأتنا الأرانب حتى قفزت إلى وهدة ثم مرقت كالسهم إلى أخدود، ثم تسلقت الجبل ونحن في أثرها نتبعها من غير هوادة، نرتقي الهضاب ارتقاء، ونلقي بأنفسنا من الجبال إلى السهول إلقاء، وإشارات القائد تقذف بنا يمينا أو يسارا، طورا مقبلين وطورا مدبرين، مرة في صياح وجلبة، ومرة في حذر وسكوت، تارة نعلو وتارة نهبط، وهكذا كانت تستمر المطاردة ساعات متواليات والحيوان التعس ينتقل من ساحة إلى ساحة، يطلب النجاة وراء الصخور وفي الصدوع وفوق الربى وتحت الأرض، ونحن وراءه نحاول دفعه إلى السهل وهو يأبى الا الوعر، تقوده غريزة البقاء فان اخطأ المسكين التقدير وحم القضاء ضاق النطاق وعز الفرار وتلقفته نيران البنادق من كل صوب فيخر صريعا ضاربا أعلى المثل في الزوغان والعناد، والصبر على الجهاد. وقد بلغ حماس القوم في المطاردة هذا اليوم حد الجنون، وكاد يقضي على أحدنا، وهو أحمد بك بالموت على أبشع صورة لولا أن قدرت له السلامة، ذلك أنه اندفع وهو مأخوذ وراء غزالة فجرت الغزالة إلى جرف صاعد في جدار الجبل، فلحق بها وأطبق عليها ولكنها أفلتت منه، ولما انطلق وراءها انهار الجرف فهوى بجسمه من شاهق فتشبث بصخرة ناتئة وأصبح معلقا بين السماء والأرض.

стр. 1038

الكتب الأمواج. لأحمد الصافي النجفي يتغنى الشاعر العراقي الفاضل في هذا الديوان بنغمات جديدة طريفة. فهو لا يسمعك مدحا في أمير أو سلطان، ولا تجد في شعره تلك العواطف المبتذلة، وليس في الكتاب نسيب يستحق الذكر. وإنما يتغنى الشاعر في ديوانه هذا بأنشودتين جليلتين الأولى الفضيلة والثانية الوطنية. وليس الموضوعان بالشيء الجديد، ولكنه يتناولهما بطريقة جديدة، ويسمعك في الأنشودتين نغمات جديدة. ولقد عاش شعراء العرب هذه القرون الطويلة وهم يحرقون فنهم بخورا أمام أصنام بشرية زائلة، ألم يأن لهم أن يقضوا قرونا أخرى يمجدون الفضيلة والوطن وهما من الموضوعات الخالدة؟ ولكي يفهم القارئ كيف يتناول المؤلف هذه الأغراض نذكر هنا القطعة الآتية: قد كثر الفقراء ظلم ذوي الغنى … لم يكثر الفقراء حكم الباري كم عاش قوم من طوى، قوم وكم … عمرت ديار من خراب ديار! فلرب قصر بالجماجم مبتنى … ولرب نهر بالمدامع جاري كم مجتن ثمرا ولم يغرس، وكم … من غارس لم يجن من أثمار! عجز الفقير عن استعادة حقه … فأحال ذنب الفقر للأقدار أغني! لا تسخر بزفرة بائس … كم من دخان منذر بالنار وفي الكتاب قطع وقصائد كثيرة تردد هذه النغمة وأمثالها. وكلها دليل على أن الشاعر يرى أن عليه واجبا نحو وطنه ونحو بني جنسه، وان الشعراء يجب أن يكونوا رسل إصلاح لا مجرد عصافير تغرد وتطرب، وتنشدك ما تعاني وما تكابد، وما تحرق لها من مهج، وما سال من عيونها من دمع، إلى آخر ما هنالك مما تجيش به أشعار الأدب الضعيف. وفي عدد مضى من الرسالة مقالة للأستاذ أحمد أمين في أدب القوة وأدب الضعف، وبهذه المناسبة نرى واجبا علينا أن نعلن أن هذه (الأمواج) من أدب القوة. . ويتناول المؤلف أحيانا موضوعات أخرى في الوصف مثل قصيدته في (الشاي) و (الحنين إلى الطبيعة) و (الليل والنجوم) ولكن نزعة الوطنية والفضيلة هي الغالبة البارزة.

стр. 1039

فقراء الرسالة قد قرءوا في عدد سابق قصيدة لهذا الشاعر وهي قصيدة (الفلاح). ومن يتأمل تلك القصيدة والقطعة التي أتينا بها هنا يستطيع أن يدرك مواضع القوة والضعف في أشعار (الصافي). أما مظاهر القوة فبادية واضحة، وأما موضع الضعف فهو في نظرنا أن الشاعر (وكأنه في هذا كشأن اكثر المجددين من شعراء هذا العصر) تشغله العناية بالمعنى عن العناية باللفظ، فألفاظه لا تنهض إلى مستوى معانيه الا قليلا. ونحن نؤاخذه أنه أحيانا يهمل العبارة اللفظية إلى درجة الخطأ كما جاء في قصيدته (بين شاعر وصاحب فندق) ورويها هي التاء الساكنة بعد ألف المد ويقول فيها: قد جاء رب المنزل لي سائلا … يقول ما شغلك في ذي الحياة فقلت شغلي الشعر في نظمه … ادفع عني جحفل النائبات قال وهل بالشعر تحيا وهل … تملي به أحشاؤك الجائعات ثم يقول: وكنت أدعى عجميا بهم … كأنني لست ابن عرب أباة فرحت للبدو وعاشرتهم … فلم أجد لي مشبها في البداة ومعروف أن التاء في الحياة وأباة والبداة في الوقف تنقلب هاء. . . وكذلك قد يذكر الشاعر ألفاظا كنا نود الا يذكرها مثل قوله: أريد لثم كفها … لولا اختشا عقابها فلفظ (اختشا) ليس من الألفاظ التي يأسف الإنسان على فقدها من شعره. على أن هذا لا يحط من قدر (الأمواج) كديوان شعر عصري لأديب مفكر قوي. وأنا لنرجو أن يهتم القارئ المصري خاصة بهذه الثمار القيمة التي تنضجها روح الأدب في العراق وسوريا. م. ع. م

стр. 1040

الورد الأبيض مجموعة أقاصيص مصرية بقلم محمد أمين حسونة الأستاذ محمد أمين حسونة كاتب من شباب الكتاب خصب الخيال طبع القريحة لامع الذكاء جم النشاط كثير الحركة، عني على الأخص بالجانب القصصي من الأدب المصري الحديث فعالجه في توفيق وإجادة، ومجموعة (الورد الأبيض) باكورة نظيرة من ربيعه المونق جمع فيها ثلاث عشرة أقصوصة ثم سماها باسم الأقصوصة الأولى، وتقرأ هذه الأقاصيص فترى أثر مواهبه ظاهراً في وصف الأشخاص وتصوير المناظر ورسم البيئة وسلسلة الحوار، ومن خير الأمثلة على براعة فنه ودقة ملاحظته وصدق شعوره الأقصوصة الثانية (في الواحة). فلو انه أوتي من سلامة التعبير ما أوتي من سلامة التصوير والتفكير لكان له في هذا ألفن شأن غير هذا الشأن، وخطر غير هذا الخطر، على أن أسلوبه أحيانا يرتفع إلى درجة محمودة من البلاغة كقوله في ختام (في الواحة). (ويعود عدنان في صبيحة اليوم التالي بعد أن أصيب بجرح عميق في صدغه، فيفتش عن مأوى فلا يجدها، ويطوف بالبادية نهارا وليلا، يسأل الرمال والحصى فلا تهديه، ويناجي النجوم والسحاب فتمر في طريقها ولا تجيبه. . . . ويعثر على جوادها مصادفة ملقى إلى جانب الصخور وقد طمرت الرمال نصفه الأدنى. . . . فيدرك لأول وهلة ما حدث لصاحبته، وأي مصرع لقيت المسكينة؟ فيحاول أن يبكي فيستعصي عليه الدمع، ويتحجر الأسى في مآقيه، ويرجع ثانية إلى مقره شريد النفس كاسف البال، تلوح على محياه إمارات اليأس والقنوط. .!!) وعسى أن يتدارك الأستاذ في الطبعة الثانية ما وقع في هذه الطبعة من أغلاط النحو والإملاء ومخالفة العروض فيما رواه من الأبيات. كواكب في فلك للأستاذ توفيق وهبة يشتمل هذا الكتاب على نحو عشر قصائد وعدة مقطوعات من الشعر؛ وعدد كبير من المقالات القصيرة مما نشره المؤلف الفاضل في صحف مصر وسوريا. ولذلك تغلب

стр. 1041

النزعة الصحفية في كثير من المقالات، فهي عادة قصيرة لا تتجاوز صفحتين أو ثلاث، ولهذا يختار المؤلف عادة موضوعات سانحة قصيرة كموضوع (عبادة المال) أو (على سطح البحر) حيث يتكلم عن خشية الراكب متن البحار. و (تركيا والألقاب) و (التأنق والتجمل) و (الرأي العام) وهلم جرا. وقد يرى البعض أن هذه الموضوعات في حاجة إلى التوسع والتعمق، لكن المؤلف عرف كيف يلم بكل منها إلمامة قصيرة، ولكنها في كثير من الأحيان لا تخلو من جمال: أنظر إلى قوله من مقال (خطاب عن الموسيقى). إن الكون كله قصيدة أنشدتها الطبيعة إن الملائكة تغني إن الطيور تغرد إن حفيف الأوراق والأشجار غناء إن زمهرير الرياح غناء الغضب إن هينمة النسيم غناء الرقة والعذوبة وفي الكتاب بحث في موضوع المبارزة بشيء من التفصيل وشرح الاعتبارات القانونية للمبارزة في مختلف البلاد. ليس هذا البحث وأمثاله أحسن شيء في الكتاب. بل خير ما فيه هو تلك القطع الأدبية، التي يصور بها المؤلف عاطفة أو فكرة أو خيالا، وكنا نود لو أسقط المؤلف مقاله عن (العرى) وعن (حفظ القلوب) فما كان يفقد الكتاب من قيمته شيئا. أما القصائد والمقطوعات، فمن رأينا أنها دون المقالات طبقة. وإلى القارئ مثالا يستطيع به أن يقارن بينه وبين ما ذكرنا له من منشور، قال يهنئ صديقا بالزواج: بارق البشر بهيا طلعا … فابسمي إن به كل الرجا أنت رمز الطهر والحسن معا … وأبوك الندب رمز للحجى م. ع. م ١

стр. 1042

العدد ١٣ - بتاريخ: ١٥ - ٠٧ - ١٩٣٣

стр. 1043

شروح وحواشي الشعر بعد أميريه: عام مضى أو كاد على يومي حافظ وشوقي! فهل شعب القلوب الدامية عنهما سلوان، وعزى النفوس الآسية منهما عوض؟ لا يزال الجزع يهفو بالأفئدة على مستقبل الشعر اليتيم، ولا يزال الصمت الموحش يقبض الصدور في خمائل الوادي، بلى، نشط في مصر القريض، وتجاوبت الأفراخ النواهض بالأغاريد، ولكن أصواتها الناعمة الرخوة لم تملأ الأسماع ولم تطرد الوحشة، ولاحت في سورية المهاجرة مواهب النبوغ، ودلائل القيادة، ولكن البعاد يبدد الصوت القوي، والاغتراب يوهن الجهد الجهيد. كان اسم حافظ واسم شوقي علمين على الشعر في العهد الأخير، وكان الناس يؤمنون بقوة أدبية لازمة تظاهر نهضتنا، وتساير ثقافتنا، في هذين الشاعرين. فكلما خفقت القلوب لنزوة من الألم، أو لنشوة من الأمل، أصغت الأسماع تنتظر من رياض (الجيزة) أو ربى (حلوان) تلحين هذه العواطف، أو تدوين هذه المواقف. فلما خلا مكان الرجلين وقع في الأوهام وجرى على بعض الأقلام أن تلك القوة زالت وأن زمان الشعر ذهب! فحاول عشاق الأدب ورواد القريض أن يقرّوا في الرؤوس سلطان هذا الفن، ويقروا في النفوس وجود هذه القوة. فحشدت جماعة (أبولو) جميع وحداتها، وعزفت جوقتها على جميع آلاتها، وشرّقت الصحف والمجلات بفيض القرائح الشابة، ودعا الكهول القرَّح إلى عقد موسم للشعر، والزمن الذي يمحص الأشياء فينفي البهرج، الزائف ويثبّت الحق الصريح، هو الذي يعرف مكان هذه الجهود، من عالم الفناء أو من عالم الخلود. موسم الشعر: وقع في نفس الأستاذ الهراوي منذ شهرين أن يدعو الشعراء إلى مواضعة الرأي في إقامة موسم للشعر، فلبّى فريق، وتأبّى فريق، ورأت جماعة (أبولو) في الدعوة إحتكاراً لفضل الفكرة، واقتصاراً على بعض أغراض الشعر فأهملتها، ثم قررت أن تقوم هي بمهرجان سنوي جامع. ثم سعى بين الجماعتين ساع من حسن النية وشرف القصد فاتفقتا على العمل معا، ثم اجتمع أعضاؤهما في دار لجنة التأليف والترجمة والنشر، ونظروا في نظام الجماعة ومنهاج العمل، ومضى الشعراء الموظفون يلتمسون من معالي وزير المعارف

стр. 1044

شرف الرئاسة للموسم فأجاب الملتمس، ثم اضطربت الألسنة والأقلام بالفكرة التي قام عليها، والغاية التي يقصد إليها، فلم نخض مع الخائضين وإنما تحدثنا إلى القائم بالدعوة نستجلي منه الغرض فما أجاب إلا جمجمة، فقلنا ليس في الأمر إذن إلا قصائد تنشد على المسرح، وتصفيق يدوي في الحفل. ثم ريح لينة تذهب رخاء بهذه الأصوات إلى مجاهل الأبد. ولكن موسم الشعر تولى أمره نفر من كبار الأدباء فرسموا خطته وعينوا وجهته ونشروا ذلك في بيان للناس فجعلوا وجوده أمرا لاشك فيه، وتسجيله عملا لابد منه. أصبحت (جماعة موسم الشعر) بحكم البيان المنشور مجمعاً أدبيا له وسائله وله أغراضه. فأما وسائله فقرض الشعر الفصيح ووضع البحوث في الأدب، وإلقاء المحاظرات في الموسم، وأما أغراضه فإقامة موسم عام للشعر العربي في مدينة القاهرة. و (العمل للاحتفاظ في الشعر العربي بقوة الأسلوب ووضوحه، والجري على ما تقتضيه ضوابط اللغة من الصحة وما تتطلبه خصائص البيان من بعد الأسلوب عما يضعفه أو يفنيه في غيره أو يقطع صلة حاضرة بماضيه، وتقريب ما بين الشعر العربي وغيره مع المحافظة على السنن العربي والعمل لتنوع أغراضه وفنونه وأخيلته ومعانيه، وإبراز الحياة الحاضرة والمدنية القويمة في صورها الصحيحة، والمحافظة في الشعر على الذوق العربي مع مماشاته لحاجات العصر وروحه. وتوجيه الشعراء إلى القيام بحاجة العامة والتلاميذ من الشعر في أغانيهم وأناشيدهم، وحفّز مواهب الشعراء إلى تهيئة السبل لظهورها والانتفاع بها، وخدمة اللغة العربية ونشر آدابها وتقويم ملكاتها وتنمية ثروتها من الألفاظ والمعاني والأخيلة، وتوثيق الصلات الأدبية بين مصر والأقطار العربية الأخرى.) والرسالة تؤيد هذه الأغراض السامية من غير تحفظ، وتدخر غبطتها بها وتصفيقها لها ليوم التنفيذ؛ فإن صوغ الأماني ووضع الأنظمة وإذاعة العزم شيء، وتجويد العمل وتنفيذ الفكرة وتحقيق الغرض شيء آخر. ولعلك تذكر أن (مجمع اللغة العربية الملكي) سُن له قانون، ورصدت له أموال، ورشحت له رجال، ودعيت إليه دعوة، ووعدت به حكومة، ومع ذلك فقد انقضى عليه عام وهو لا يزال كما كان منذ سنين عدة من عدات المنى، وحديثاً من أحاديث الظنون!!

стр. 1045

عيد المولد: لعل أروع المظاهر الإسلامية في مصر مولد الرسول، لأنه ائتلاف منسجم من جلال الدين وأبهة الحكومة وابتهاج الشعب، ولكنه كذلك أدل الدلائل على البطء الفاتر في شيوع المدنية وارتقاء الذوق في مهد الحضارة القديمة، وأسبق الشرق القريب إلى الحضارة الحديثة! إن كنت ذهبت إلى هذا الاحتفال منذ بضعة أيام، فثق أنه هو الذي ذهب إليه أجداك منذ عشرات الأعوام!: خيام مضروبة على الثرى الجديب، ومطاعم منصوبة على الطريق المغبر، وملاعب كنماذج الصناعة في عهد (ما وراء الفن)، وملاه يراها المثقف فبظن نفسه في مصر غير مصره، أو في عصر غير عصره! أظهر المظاهر في هذا العبد شيئان: الأسهم النارية وهي الشيء الوحيد المدني. لأنها الشيء الوحيد الأجنبي! والحلوى، وهي موضع البلوى ومحل النظر!: حوانيت خشبية وقتية ثابتة أو منتقلة، تكدست فوق رفوفها البالية ألوان (السمسمية والحمصية والسكرية والعلف)، ثم قامت على حواشيها تماثيل وعرائس هشّة من الحلوى الرديئة، عليها غلائل فاقعة الألوان من الورق المصبوغ، وكل ذلك في غير ذوق ولا جمال ولا فن، وكل ذلك من غير غطاء ولا وقاء ولا ستر! إنما هي مهبط للذباب والغبار، طول الليل وطول النهار! يراها الخاصة فيشمئزون من شكلها القبيح، وقذرها البادي، وبائعها الوسخ، ويحملها العامة إلى بيوتهم في المناديل الغليظة والجرائد القديمة فيحملون مثابة للنمل ومباءة للجراثيم! إن حلوى عيد الميلاد في ديسمبر، وألعاب يوم الحرية في يوليو، مثلان أجنبيان في سلامة الذوق وجمال المظهر وحسن المتاع، فلتبق حلوانا وطنية، ولتبقَ ألعابنا شرقية، ولكن ارفقوا بالذوق والجمال والصحة فأدخلوا عليها شيئاً من المدنية! أحمد حسن الزيّات

стр. 1046

لغو الصيف للدكتور طه حسين (٢) من هنا، يا أستاذ من هنا! وأذن لي في أن أسعى بين يديك فلا بد لك من دليل. ثم سعت أمامه رشيقة أنيقة في طريق طويلة جميلة، يحفّها من جانبيها الشجر والزهر، وفيها قليل من ضيق، وشيء من التواء. وقد استمتعت الأشجار القائمة على جانبيها بشيء من الحرية عظيم لا يستمتع به الناس في هذه الأيام، فمدت أغصانها كما شاءت في غير نظام، حتى اختلط بعضها ببعض والتف بعضها ببعض. وجعلت الآنسة تسعى أمامي رشيقة رفيقة، وتجدُّ في التفريق بين هذه الأغصان الملتفّة المتعانقة لتشقّ طريقها وطريق صاحبها، وكأنها كانت تجد في ذلك شيئاً من العسر اللذيذ، فكانت تحاول أن تعتذر بهذه الجُمل السهلة اليسيرة الفارغة التي تقال في مثل هذه الحال: ليست الطريق سهلة هنا، يجب أن تحتاط، وما رأيك في هذه الأغصان التي تريد أن تداعبنا وإن لم نطلب إليها المداعبة؟ حقاً لقد أسرفنا في إهمال هذه الأشجار فأسرفت في الانتفاع بحريتها. وكان صاحبها يجيب على هذه الجمل بضحك فارغ لا يدلُّ على شيء إلا على أنه لم يكن يجد ما يقول. لأنه لم يكن يسمع لهذه الجمل التي تلقى إلا بإحدى أذنيه. وقد كانت نفسه كلها مفتونة بهذه الطبيعة الحرة المطلقة، وبما بينها وبين حياة الناس في هذه الأيام من تناقض واختلاف. ولعله كان يُعجبْ بهذا القوام المعتدل الذي كان يسعى أمامه في رفق، ويجاهد هذه الأغصان في لباقة وظرف، ولكنه كان يخفي حتى على نفسه هذا الإعجاب الذي لو أحسّتْه صاحبته لضاقت به ضيقاً شديداً. حتى إذا طال سعيهما في هذه الطريق الخفيّة الملتوية انتهيا إلى رقعة واسعة رحبة من الأرض، وقد فرشت ببساط ناعم كثيف من العشب، وانتثرت فيها قطع بديعة من الزهر، قد نسِّقت أحسن تنسيق وأجمله، وقامت في وسطها مائدة قد نثرت عليها أوراق الورد في كثرة تلفت النظر. فلما انتهيا إلى هذا المكان الهادئ الباسم الجميل، أرسلت من صدرها زفرة ضاحكة وهي تقول: لقد انتهى الجهد وآن للمتعب أن يستريح، اجلس يا سيدي فهنا يحسن الحديث فيما أظن. قال: بل هنا يحسن الاستماع. قالت: الاستماع لمن! الاستماع لماذا؟ قال: الاستماع لك والاستماع لهذا الصمت الناطق من حولنا.

стр. 1047

قالت: دع عنك الاستماع لي فما أحسب إلا أنك قد سئمته، أو ستسأمه، وما أحسب إلا أنك قد زهدت فيه أو ستزهد فيه حين يستأنف بيننا الحوار، فيستأنف بيننا الحوار من غير شك، ولكن حدِّثني عن الاستماع للصمت كيف يكون؟ وحدثني عن الصمت كيف ينطق أو كيف يصدر عنه الكلام؟ وكأنا في أثناء هذا الحديث قد أخذا مكانهما إلى المائدة وجهاً لوجه. وكان صاحبها حائر النظر بعض الشيء يردده بين السماء والأرض، ويردده بين قطع الزهر المنتثرة من حوله وبين آنية الزهر القائمة على المائدة، وبين أوراق الورد المنثورة بين يديه. قالت: ألست قد زعمت لي منذ أيام أنك تحب لثم الورد وشم القرنفل فهذا هو الورد تستطيع أن تمتع نفسك به كيف أحببت، أنظر إليه مختلفاً ألوانه مستوياً على سوقه، بعضه قد هام بالحياة والضوء فانبسط لهما انبساطاً وأخذ يلتهمهما التهاما، وبعضه قد أحبهما، ولكنه يسمو إليهما في استحياء فيتفتح لهما قليلا قليلا، وبعضه يحسّهما وينعم بهما ولكنه لا يكاد يشعر بهذا الحس وهذا النعيم، فهو أكمام لم تتفتح بعد. وانظر إليه أسيراً في هذه الآنية لم يبق فيه من الحياة إلا ذماء يسير يمسكه عليه هذا الماء الذي تحتويه الآنية. وانظر إليه صريعاً قد فقد الحياة وتفرقت أوراقه، وانتثرت بين يديك غضة، ولكنها تسرع إلى الذبول أو يسرع إليها الذبول. وهذه زهرات من قرنفل قد هُيِّئتْ لك وفرقت في آنية الورد تبعث إليك عرفها هادئا قويا. فماذا تريد فوق هذا؟ قال: لا أريد إلا أن تمضي في هذا الحديث الذي أخذت فيه منذ الآن، فإني لا أعرف ترجمة عن هذا الصمت الذي كنت أريد أن اسمع له أبْلغْ من هذه الألفاظ التي ينثرها حديثك العذب. قالت: وما زلت مشغوفاً بالعبث لا تفرغ منه إلا لتعود إليه. لقد أنبأتني عن حبك للورد والقرنفل، فها أنت ذا بين الورد والقرنفل، فحدثني أنت بحديثهما فأنت أعلم به وأقدر عليه مني. قال: ما أعرف يا آنسة أن لهما حديثاً يحكى، فان كان لهما حديث فما أعرف أن أحداًيستطيع أن يحكيه غيرهما فاستمعي لهما إن شئت، وغيركِ فاسمعيني حديثهما إن شيءتِ، فإنما أنت زهرة بين الزهر. قالت: كأنك تريد أن تحفظني. فاعلم أنك لن تبلغ ما تريد، ولن تثير حفيظتي، ولن تصرفني عما أزمعتُ من أن أسمع منك حديث الورد والقرنفل. فلا تلتوِ به فلن ينفعك الالتواء. وأقبلت خادم تسعى وهي تحمل صينية عليها إبريق وأكواب. فوضعت إبريقها،

стр. 1048

وصفّت أكوابها، وانصرفت متثاقلة. وكانت عجوزاً شمطاء قد انحنت قامتها، وأسرف الذبول في وجهها، فلم تكد تبقى فيه قطرة من حياة. وكان منظرها في هذا الفناء مناقضاً أشد المناقضة لما يحيط بها من هذه الحياة القوية، فهمّ أن يتكلّم، ولكن صاحبته قالت وقد فهمت عنه ما كان يريد: ومع ذلك فهي أنشط منك للحياة، وأحرص منك على نعيمها ولذّاتها، لا يفوتها موسم، ولا يفلت منها عيد، ولا تقصَّر عن فرصة إن سنحت لها لتشترك فيما يراه الناس سعادة ونعيماً أو لهواً وصفواً. وهي بعد هذا كله صماء مغرقة في الصمم تستطيع أن تتحدث إليها وتصيح بها فلن تسمع لك ولن تفهم عنك. وهي بعد هذا وذاك قد نيَّفت على الستين، ولكن هات حديث الورد والقرنفل. ثم عمدت إلى الإبريق فملأت منه قدحين وهي تقول: لقد أنسيت، فهذا يوم الورد تستطيع أن تراه وأن تشمه، وأن تلمسه، وأن تلثمه، وأن تشربه أيضاً. فليس في هذا القدح بين يديك إلا ماء الورد. والآن تحدث، فقد يحسن الحديث. قال: أيّ حديث يحسن في مصر وما أعرف بلداً أفضح لسر الحديث، وأكلف بنشره وإذاعته من هذا البلد. أتذكرين؟ قالت: وكيف لا أذكر؟ إنك تشير إلى مجلسنا ذاك على شاطئ النيل، وإلى حديثنا هناك عن شيوخ الأدب وشبابه. فقد نشر هذا الحديث في الرسالة. قال: ومع ذلك فلم يكن في مجلسنا ولا قريباً منه أحد. قالت: ولست أنت قد ألقيته إلى من أذاعه، هذا شيء لا شك فيه. قال: ولا أنت، هذا شيء لم يخطر لي. قالت: وإذن؟ قال: وإذن فهو طائر من هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا كان الأصيل ودنا الليل فتسمع حديث الناس وتعيه، وتلقيه في روع الكتّاب والشعراء. أو هو جنيُّ من هذه الجن التي تألف شاطئ النيل فتقيم في ظل الأشجار التي تقوم عليه، أو تسكن تحت هذا الماء الذي يجري فيه، وتسمع أحاديث الناس والأشياء وتعيها فتنقلها إلى الكتاب والشعراء وتنطق بها ألسنتهم، وتجري بها أقلامهم. ولهذا لست مسرفاً في حب الحديث، وفي حب الحديث عن هؤلاء الذين لا يحبون أن يتحدث الناس عنهم إلا بما يريدون لا بما يريد الناس. قالت: من الظواهر التي لا تحتاج ملاحظتها إلى دقة ولا إلى ذكاء أن مصر مفشية للسر، قليلة الحرص على الكتمان. أنظر إلى بيئاتها المختلفة، فلن ترى لها سراً. أحاديث ساستها وقادتها وأدبائها وأصحاب الأعمال فيها ذائعة شائعة يعرفها الناس جميعاً ويتناقلها الناس جميعاً. ومصدر هذا في أكبر الظن أن طبيعة مصر نفسها

стр. 1049

صافية واضحة، مسرفة في الصفاء والوضوح، سماؤها صحو دائماً، لا يتكاثف فيها الغمام، ولا يتراكم فيها السحاب، وأرضها مبسوطة هينة لا ترتفع فيها الجبال الشاهقة، ولا تنتثر فيها الكهوف والأغوار، ولا تنبت فيها الغابات الكثيفة الملتفّة، فأمرها كله ظاهر، وحديثها كله شائع، وشمسها المشرقة دائماً لا تؤتمن على سر مصون. على أننا لم نقل في حديثنا ذاك شيئاً يسوء الأدباء أو يغضب أحداً، فليس من إذاعته بأس وإن كنت لا أحب ذلك، ولا أرتاح إليه، ولا أخفي عليك أني إنما أثرت أن يكون اجتماعنا الليلة عندي لأني واثقة أن لنا من العزلة ما نحب، وبأن أحداً لن يستطيع أن يندسّ لنا، أو يتسمّع علينا. قالت: إلا هذه الطير التي تؤوي إلى الأغصان إذا أقبل الأصيل ودنا الليل، وإلا هذه الجن التي تستظل بالأشجار وتتضاءل أحيانا حتى تتخذ لنفسها منازل في ثنايا العشب وبين أوراق الأزهار. في هذه الطير، وفي هذه الجن، وفيما يحيط بنا من الزهر والشجر من يسمع لنا وينمّ بما نتساقى من ماء الورد، وما يجري بيننا من لغوِ الحديث، قالت: وأيُّ بأس بأن يذاع ما يجري بيننا من لغو الحديث؟ إنما يكره الناس جد الحديث ويخافونه، فأما لغو الحديث فالناس مزدرون له، أو راغبون فيه. قال: وهل تظنين أنا نستطيع أن نأخذ بالجد حين نعرض للحديث عن الأدب والأدباء في مصر؟ وأين تجدين الجد في حياة الأدب والأدباء؟ أتجدينه في هذا الحوار الذي يطول ويطول حتى يثقل ويمل حول ألفاظ وقعت في كتاب، أو حول رأي رآه ناقد في كتاب، أو حول حديث كان بين كاتبين، أو مناظرة يسيرة كانت بين أديبين؟ أليس هذا كله دليلاً على فراغ البال واحتياج الأدباء إلى ما يشغلون به أنفسهم عن هذه الأحاديث الطوال الثقال التي تضيّع الوقت، وتفني الجهد دون أن تنفع أو تفيد؟ قالت: هذا حق ولكن الأدباء أصحاب كلام وما داموا يتكلمون فهم يؤدون حق الناس عليهم فالناس لا ينتظرون منهم إلا أن يكتبوا لهم ما يقرؤون. قال: لا كل ما يقرؤون بل ما ينتفعون به إذا قرؤوه. قالت: هنا نختلف فقد ينبغي أن نتفق أولاً على معنى الانتفاع بما يقرأ أنت تريد إذا قرأت كتابا أو فصلا أن تفيد شيئا جديدا أو أن تضيف علما إلى علم وأن تنمي حظك من الثقافة أو أن يثير ما تقرأه في نفسك عاطفة أو لونا من ألوان الشعور وأنت لا ترضى من القراءة دون هذا. فأنت عسير ليست السبيل إلى إرضائك سهلة ولا ويسيرة. وأنت لذلك تلتمس قراءتك عند

стр. 1050

قليل جدا من أدباء الشرق وعند عدد غير كثير من أدباء الغرب. ولكنك تخطيء كل الخطأ حين تزعم أن القراء جميعا يطلبون إلى الكتّاب مثل ما تطلب إليهم. ولو قد فعلوا لكان الأدباء شر الناس حالاً وأدناهم إلى العجز والإفلاس. أنت وأمثالك تشقون على الأدباء فيما تطلبون ولكني أنا وأمثالي لا نطلب إليهم كل هذا أو لا نطلبه إليهم في كل وقت، فنحن نحب أن ننتفع إذا قرأنا ولكنا نكتفي من القراءة بما دون ذلك. نريد منها أن تلهينا إذا ركبنا الترام أو القطار وان تعيننا على إنفاق الوقت إذا لم يمكنا نشاطنا من العمل وان تدعو إلينا النوم إذا أبطأ علينا. ولا تغضب أن زعمت لك إننا قد نضيق بالقراءة الخصبة الغنية ونؤثر عليها هذه القراءة السهلة الفارغة التي لا تنفع ولا تضر ولكنها تعين على إنفاق الحياة. وأنت تستطيع أن تنكر على أدبائنا ما شئت ولكنك لن تستطيع فيما اعتقد أن تنكر عليهم انهم يكتبون لنا من الكتب وينشرون لنا من الفصول ويثيرون بيننا من ألوان الخصومة والحوار ما يمكننا من أن نركب الترام والقطار ومن أن نقرأ إذا أجهدنا العمل ومن أن نتعجل النوم إذا طال انتظارنا له. وأنت تظن أن هذا قليل وأؤكد لك أن هذا كثير فليس الأمر ذو الخطر في الحياة هو أن نتعلم ونثقف أنفسنا وإنما الأمر ذو الخطر حقاً هو أن نحتمل الحياة وأدباؤنا يعينوننا على احتمال الحياة حقا بما يكتبون ويذيعون. قال: قد يكون هذا حقا ولكنه مؤلم ثم سكت وأطال السكوت. وسكتت هي فأطالت السكوت. ثم مد يده إلى قدحه فاستنفد ما كان فيه من ماء الورد. وأراد أن يعود إلى صمته ولكنها سألته باسمة: فيم هذا الصمت الطويل! أمستمع أنت لحديث الزهر؟ أم مشفق أنت من الطير والجن أن تنم عليك بما تقول؟ هنالك ابتسم ابتسامة شديدة المرارة وقال في صوت حزين: كلا لست استمع للزهر ولا أخاف الطير والجن وإنما أستمع لنفسي وأخافها. فهل تعلمين أنك قد بغضت إليّ الكتابة والإنتاج الأدبي منذ اليوم. قالت وهي مغرقة في الضحك: أنا! ولماذا؟ قال: من يدري؟ لعلي لا أكتب ولا أنشر إلا لأعين القراء على أن يركبوا الترام والقطار وينفقوا الوقت إذا أضناهم العمل ويتعجلوا النوم إذا أبطأ عليهم النوم. قالت: لم أقل هذا وهبني قلته أليس كذلك يكفيك أن تكون عوناً لقرائك على احتمال الحياة؟ قال: لا. قالت: انك لواسع الطمع عظيم الكبرياء. ثم مدت يدها إلى أناء من آنية الزهر فأخذت منها قرنفلة وضعتها في صدره ووردة أدنتها من فمه. وقالت: لتلتمس عزاءك عند هذه الوردة

стр. 1051

وهذه القرنفلة فما أرى إلا انهما قادرتان على هذا العزاء. ولكنك مخطئ أن ظننت انك قد أنسيتني بهذا الحديث قصة الورد والقرنفل فما زلت أذكرها وأنتظرها. فتحدث. قال: إنها يا آنسة قصة طويلة وليس هذا وقت البدء فيها. فإذا عدت من رحلتك السعيدة إلى أوروبا فسأحدثك بها، وأنا زعيم بأنك ستجدين في الاستماع لها لذة ورضى.

стр. 1052

آفة اللغة هذا النحو. . . أذكر أن الطالب الناشئ كان يدخل الأزهر فيجد أول ما يقرأ من كتب النحو شرح الكفراوي على متن الأجرومية، وهذا الكتاب شديد الكلف بالأعراب، يأخذ به المبتدئ أخذا عنيفا قبل أن يعلمه كلمة واحدة من أقسام الكلام ووجوه النحو. يفتحه الصبي المسكين فلا يكاد يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى يصيح به الشارح أو المقرر أن أنتظر حتى أعرب لك البسملة! وهنا يسمع لأول مرة بحرف الجر الأصلي والزائد، ويعلم بطريقة أن له في البسملة تسعة أوجه نشأت من رفع الرحمن ونصبه وجره، مضروبة في رفع الرحيم ونصبه وجره، ثم يمضي المعرب في إعراب هذه الأوجه بالتخريج العجيب والحيلة البارعة حتى تقف قدرته عند وجهين لا يجد لهما مطلعا ولا مأتى فيمنعهما، وهما جر الرحيم مع رفع الرحمن أو نصبه؛ ثم يخشى بعد ذلك الجهد أن يعبث النسيان الساخر بهذه الدقائق الغالية فيسجلها في هذين البيتين وهما: أن ينصب الرحمن أو يرتفعا … فالجر في الرحيم قطعاً منعا وأن يُجر فأجِز في الثاني … ثلاثة الأوجه خذ بياني! يأخذ الطالب هذا البيان على العين والرأس ثم يخطو خطوة فتقع عينه على العنوان الأول في الكتاب وهو (باب الإعراب) وهنا يقول له الشارح: قل باب الأعراب بالرفع أو باب الأعراب بالنصب أو باب الأعراب بالجر فلن تعدو وجه الصواب في أي حالة!! فالرفع على أن (باب) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا باب الأعراب، أو على أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: باب الأعراب هذا محله، والنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: اقرأ باب الأعراب، وأما الجر فعلى أنه مجرور بحرف جر محذوف تقديره: أنظر في باب الأعراب!! ثم يصعد الطالب في معارج النحو على كتاب من هذا الطراز بعد كتاب، حتى يتسنم ذروته، وليس في ذهنه مذهب صحيح ولا قاعدة سليمة. وماذا تنتظر من مثل هذا الخلط غير إفساد الذوق وإضعاف السليقة، وطبع القرائح على هذا الغرار من التفكير العابث والتقدير الهزيل؟ جنى هذا النحو الفوضوي على الناشئين في معاهده فعمى عليهم وجوه الأدب، ثم فتح لهم من الجدل اللفظي والتخريج اللغوي أودية وشعابا يقصر دون غايتها الطرف. فعندهم كل صواب يمكن أن يخطَّأ، وكل خطأ يمكن أن يصوّب وكل كلام على أي صورة يجب أن يفسر أو يؤّول! أخرق القواعد، وأقلب الأوضاع، وأنطق

стр. 1053

اللفظ على أي حركة، واستعمله في أي معنى، فانك واجد ولا شك من هؤلاء من يلتمس لك وجها من وجوه (البسملة) السبعة، أو مخرجا من مخارج (باب الأعراب) الثلاثة! عرفت أيام الطلب شيخا قد ابتلي بهذه الشعوذة، فحشا جسمه بهذا العبث النحوي حتى ليرشحه من جلده، ويرعفه من أنفه، ثم يتكلم فيتعمد اللحن القبيح، فإذا أنكر عليه منكر انفجر عن هذا الهوس فذكر لكل خطأ وجها، ولكل وجه علة، ثم يقول في تفيهق وزهو: (لولا الحذف والتقدير، لفهم النحو الحمير) وسمعت أن شيخا ضعيف البصر ممن يسوغ في فهمهم كل كلام، قرأ قول الرسول (ص) (المؤمن كيِّس فطِن، فصحّفها: المؤمن كيس قطن! وراح يحملها على التشبيه فيقول: معناه أن المؤمن أبيض القلب كالقطن: وزعموا أن شيخا كبيرا كان يفسر كتاب الله وهو لا يحفظه، فرأى قوله تعالى: (إذ يبايعونك تحت الشجرة) فقرأها أذئبا يعونك. . . وكتب في تعليلها وتأويلها أربع صفحات من القطع الكبير بالحرف الصغير!!. وحدثوا أن ممتحنا من هذا النمط، كتب في ورقة طالب راسب: (لا يصلح) ثم ظهر لأمر خارج عن إرادته أنه ناجح، فكتب تحت هذه الجملة: (قولي لايصلح، صوابه يصلح ولا زائدة) والأحاديث مستفيضة عمن نكبوا بهذه الدراسة دون أن يكون لهم من المنطق ضابط، ولا من الطبع دليل. إن ما نجده في النحو العربي من التناقض والشذوذ وتعدد الأوجه وتباين المذاهب إنما هو أثر لاختلاف اللهجات في القبائل، فقد كان رواة اللغة يرودون البادية ويشافهون الأعراب، فيدونون كلمة من هنا وكلمة من هناك، فاجتمع لهم بذلك المترادفات والأضداد، وتعدد الجموع والصيغ للفظ. واختلاف المنطق في الكلمة، والنحاة مضطرون إلى أن يمطوا قواعدهم حتى تشمل هذه اللحون، وتستوعب تلك اللغات، فأغرقوا القواعد في الشواذ، وافسدوا الأحكام بالاستثناء، حتى ندر ان تستقيم لهم قعدة أو يطرد عندهم قياس. وزاد في هذه البلبلة أن أسرف أعاجم النحاة في التعليلات الفاسدة، والتقديرات الباردة، منذ نهج لهم ذلك النهج ابن أبي اسحق الحضرمي، فجعلوا النحو ضربا من الرياضة الذهنية، والقضايا الجدلية، التي لا يصلها باللغة سبب، ولا يقوم عليها فن ولا أدب. ليس من شك في أن دراسة النحو على هذا الشكل تفيد في بحث اللهجات في اللغة، ودرس القراءات في القرآن، ولكن دراسته لضبط اللغة وتقويم اللسان أمر مشكوك فيه كل الشك. نحن اليوم

стр. 1054

وقبل اليوم إنما نستعمل لغة واحدة، ونلهج في الفصيح لهجة واحدة، فلماذا لا نجرد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة، وتقوم تلك اللهجة، وندع ذلك الطم والرم لمؤرخي الأدب، وفقهاء اللغة، وطلاب القديم، على أن يطبقوه على الحاضر، ولا يستعملوه في النقد. وإنما يلحقونه بتلك اللغات البائدة التي خلق لها وتأثر بها، فيكون هو وهي في ذمة التاريخ وفي خدمة التاريخ. لقد صنعت المدارس المدنية شيئا من ذلك، فنجحت بعض النجاح في تجريد (نحو) عام يكاد يسير في وجه واحد، ولذلك لا تجد المتخرجين فيها يتقارعون في النقد بالنحو القديم، ويقصرون المناظرة على هذا الجدل العقيم. ولكن فريقا ضئيل الشأن من بقايا الثقافة القديمة في مصر والعراق، لا يزالون يظنون أنا مجبرون على إخضاع ألسنتنا وأقلامنا لتلك اللهجات البالية، فيقعد بهم تخلف الذهن وضعف الملكة وكلال الذوق، عند هذه البقايا الأثرية ينبشون عنها قبور البلى، ثم ينثرونها كالشوك في طريق الأدباء الموهوبين، ويتبجحون بان هذا اللغو هو اللغة!! يقرؤون الكتاب القيم للعالم الباحث، أو للأديب المجدد، فيعمون عن خطر البحث في نفسه، ومجهود الباحث في بحثه، ولا يرون إلا حرفا وقع مكان حرف، أو جمعا لم يجدوه في كتب الصرف! لا نريد أن نسمي الأسماء ولا أن نضرب الأمثال، فحسب الشذوذ أن يدل على نفسه، وحسبنا أن نهيب بالعلماء والأدباء أن يشذبوا هذه الزوائد من لغتنا لتقوى، ويُنَحُّوا هذه الطفيليات عن أدبنا لينتعش. الزيات

стр. 1055

رأي في أوراق الورد للآنسة عفيفة سيد قلنا في العدد الحادي عشر في معرض الرد على الآنسة الفاضلة عفيفة (إن في الأدب العربي الحديث طرفة من هذا النوع الذي تريدين (الرسائل الغرامية) هي آية من آيات الفن في دقة الصنعة، ولعلها لا تقل جمالا عن تماثيل (فدياس) وصور (رفائيل) ولكنها كهذه التماثيل وتلك الصور ينقصها شيء واحد هو كل شيء: ذلك هو الروح) أردنا بتلك الطرفة أوراق الورد (وقد كتبناها سهوا رسائل الورد) للأستاذ الرافعي. ثم رجونا من الآنسة عفيفة أن تقرأها وتبدي رأيها فيها، فقرأتها ثم بعثت إلينا بهذه الرسالة. سيدي الأستاذ: ما كان الأمر يحتاج إلى رجاء (فرسائل الورد) أو (أوراق الورد) أسم مشوق يستميل القلب ويستهوي النفس. ومن ذا الذي لا يسرع إلى أوراق الورد لتبهج قلبه، وتزيل كربه، وتهذب إحساسه، وتغذي خياله؟ غير أني لم أكد أطالع رسالتين من رسائل الورد حتى عرفت سبب الرجاء، وقلت لعل الأمر كان يحتاج إلى ألف رجاء. إذ وجدت إن من العسير علي بل من المتعذر أن امضي في مطالعتها، وكدت أن ابعث إليك برأيي فيها مكتفية بما طالعت، غير أني وجدت من الإسراف أن احكم على الكتاب بقراءة رسالة أو رسالتين، فمضيت في المطالعة والله يعلم كم مرة انقبضت نفسي، وكم مرة اعتراني الملل، حتى زهدني في أن أدلي برأيي فيها. ولعلك يا سيدي الأستاذ لو كنت دفعت بي إلى الوراء سبعمائة عام مضت لوجدت في (البهاء زهير) صورة صادقة لنفسي، ومرآة جلية لعواطفي وشعوري، بل لذكرني لفظه الرقيق ومعناه الدقيق رقة طبيعة مصر وعذوبتها، بل لوجدت في مقطوعاتها الحية ما يجعلني أن أتخيل إن كاتبها معاصرا لنا اكثر من كثير من معاصرينا الموجودين. حاولت أن أقف على الفكرة التي تدور حولها (أوراق الورد) فلم أوفق، فهي رسائل مفككة لا يتصل بعضها ببعض، لا تترجم عن عواطف صحيحة ولاعن شعور صادق. يعرض علينا الكاتب عواطف مبهمة فيها تكلف وفيها صنعة، دون أن يبعث فيها شيئا من شخصيته وميوله وعواطفه. لا أثر فيها لروح الجماعة أو البيئة التي خضع لها الكاتب. هو متكلف
следующие страницы →