Полный текст (65 431 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
المخلوقات!
ب: نعم ما أكثر أوهامنا. . وتخيلاتنا وخيبة آمالنا!. .
ت: ذلك أنكم تريدون أن تخضعوا كل شيء لخيالكم أنتم.
ب: صدقت. إنّا نتمثّل القديسين والآلهة كما تصورهم لنا عقولنا. .
ت: ثقي أن لو كشف المجهول يوماً لأعين البشر لصاحوا كلهم بكلمتك التي لفظت الساعة: (كنّا نحسبه خيراً من هذا. .!)
ب: ربما. .
ت: ذلك أنهم سيرون المجهول شيئا لا علاقة له بعقلهم، ولا بخيالهم، ولا بمنطقهم، ولا بعواطفهم، ولا ببشريتهم. .
ب: إنّا مخلوقات ماذا تريد من مخلوقات؟ إنا لا نستطيع أن نخرج من أنفسنا لنفهم ونرى شيئا غير أنفسنا.
ت: ومع ذلك فإن لهذه المخلوقات كنزاً لا يوجد عند الآلهة.
ب: القلب.
ت: نعم.
ب: إني أؤمن بما تقول. فها أنت ذا خالق من نوع تافه. . ليس لك القلب الذي لمشلينيا. .!
ت: أعترف أني أقل شأنا من حبيبك.
ب: ومع ذلك فقد اجترأت يدك على إطفاء حياته الجميلة. . .
ت: عدنا إلى الاتهام.
ب: إني أبغضك. . أمقتك. . أبغضك من أعماق قلبي. .
ت: سبحان الله! اقسم أن لا فائدة من مناقشة امرأة تحب.
стр. 982
أدب القوة وأدب الضعف
للأستاذ محمود الخفيف
أحس إذ أتناول هذا الموضوع أني بين عاملين: عامل الحياء وعامل الفخر. أما الحياء فأول دواعيه أن أعقب أنا الصغير على مقال أستاذنا العلاّمة أحمد أمين. وأما الفخر فحسبي أن يقرأ لي الأستاذ سطوراً قد تحظى برضاه في موضوع كهذا يعنيه.
يرى الأستاذ (أن الشاعر المجيد هو الذي يثير العواطف بقدر، ويبنيها على أساس عميق) ويرى أن الأدب في العصر العباسي كان أدباً ضعيفاً. إن أنت حصرته وجدته بين باك ومادح ومستهتر، ثم يرى أن عود الأديب الشرقي على نحو عود المغني الشرقي أشجى أغانيه أحزنها، وخير نغماته أبكاها.
وعلى ذلك يسمي الأستاذ ذلك النوع من الأدب الباكي الذي يتعمق في إثارة العواطف أدباً مائعاً، وذلك الأدب الذي لا يثيرها إلاّ بقدر أدباً قوياً، فهل يسمح لي الأستاذ أن أتجرأ فأقلب هذا الوضع، فأسمّي ذلك الأدب الوجداني الحاد الذي يبالغ في إثارة العواطف أدباً قوياً، وذلك الأدب الذي لا يمت إلى العاطفة بصلة قوية أدباً جافاً أو مائعاً؟
أرى الأنغام الوجدانية الحادة أساس الأدب الحاد، ولن يكون الأدب الحاد مائعاً، وأرى العبارات الخالية مما يثير العواطف أو التي تثيرها بقدر أساس التفكير العقلي، والخطوة الأولى نحو الفلسفة (القوية) ولن تكون الفلسفة القوية أدبا قويا، وعلا ذلك فما يسميه الأستاذ أدبا مائعا هو في الواقع أدب قوي، وأما ما يسميه أدبا قويا فهو فلسفة قوية.
والأدب والفلسفة شيئان: فالأدب لغة القلب، والفلسفة لغة العقل، والإنسان إنما يبدأ بقلبه فيفرح أو يبكي ويحب أو يبغض ويرضى أو يغضب ويأمل أو ييأس ويثور أو يهدأ حسب ما يحس من عواطف، فإن كان لابد من تخفيف حماسته، فليكن ذلك بشيء من حدة عقله، ولكني لا أرى تجريده من ذلك الحماس ولا أحسب ذلك ممكنا، إذ ما القلب بغير حماس؟ ثم ما الأدب بغير عاطفة؟
وإذا اشتدت العاطفة فكيف يكون الأدب مائعاً، وكيف تشتد العاطفة إلاّ إذا اشتدت بواعثها؟ وإذا ما اشتدت بواعثها فما القوة إن لم تكن القوة في إظهارها قوية رائعة؟
إن الإنسان بطبعه عسوف عنوف، لا يسكن إلاّ لعجز، ولا يرتدع إلاّ من خوف، ولا يعفو
стр. 983
إلاّ عن ضعف ولا يقنع إلاّ مضطراً، ولو أطلق له العنان لكان شره مستطيرا ومكره خطيرا بيد أنه على غلظته لا يخلو قلبه من عواطف نبيلة، ولكنها خامدة، وميول خيّرة ولكنها كامنة، ولذلك فهي في حاجة إلى الإبانة والتنبيه، والأدب الوجداني الحاد يخاطب القلوب فيهزها ويستثير ما كمن فيها من نبل فيبعثه، ولذلك كان هو عماد المصلحين ودعاة الإنسانية، فإنك إن تخاطب الإنسان في منطق وفي عبارات جافة فقلّما يصغي إليك، وإن استمع فقليلا ما يعي، وإن أنت بدأت بقلبه فهززته في رفق وألنته بأنغام قيثارتك ثم أهبت به فقد يهوي إليك.
تحدّث شكسبير عن تأثير الموسيقى في النفوس فبدأ بالعجماوات فقال ما بال تلك الوحوش الكاسرة تسمع أناشيد الموسيقى فتقع متراخية وتظهر كأنها مأخوذة حائرة؟ وما بال ذلك العدد المضطرب من الخيل الجانحة يسمع الموسيقى فيهدأ فجأة ويسير في نظام كأنما تذهب الأنغام ثائرته وتسحره عن نفسه.
والأدب الوجداني موسيقى النفس، وموقفه من القلوب البشرية الفطنة موقف الموسيقى الحسية من تلك الخلائق الهائمة الثائرة، فهو الذي ينفذ إلى القلب ويختلط بالنفس فيلائم بين ذراتها وينظم تموجاتها. ويقلل من عنف الإنسان وجبروته فيجعله رقيقا وادعاً.
ولا تثريب على الشاعر، أو القصصي، أن يبكي فيبكي عيوناً تكاد أن تتحجر، ويفتح آذاناً ضربت عليها المطامع المادية ويهز قلوباً كانت لا تحفل دعاء أو تجيب رجاء.
وهو إن بكى على نفسه فغير ملوم، فإنما ينطق بما يحس، وبذلك ينفس عن قلبه، وقد تخفق قلوب معه وتهوي أفئدة إليه، وها هو ذا البارودي الفارس يقول:
أفي الحق أن تبكي الحمائم شجوها … ويبلي فلا يبكي على نفسه حرّ؟
وماذا عليهم إن ترنّم شاعر … بقافية لا عيب فيها ولا نكر؟
وهو في بكائه غير ضعيف، بل إن حدة عواطفه لتنهض دليلا على قوته، وإلاّ فما أضعف جيته ولامرتين وهوجو وأبا فراس والمعرّي وغيرهم ممن ضربوا على أوتار حزينة باكية!
ولقد بكى هؤلاء في شبابهم أعني في أيام قوتهم وبكوا لقوة إحساسهم ونبالة قصدهم وكمال إنسانيتهم.
стр. 984
ومن البلية أن يسام أخو الأسى … رعى التجلّد وهو غير جماد
وليس من الضروري أن يكون الشعر المتناهي في وصف ما يلاقي المحب من عذاب غير مؤسس على عاطفة صحيحة، لأن مثل هذا الشعر يكون ترجمة لإحساس الشاعر فما دام أنه محب فله أن يعبر عمّا يحس، وليس لنا أن نتهمه في ذلك بضعف، بل أنه يكون ضعيفا حقاً إن هو أحسّ عذاباً من وراء حبه ثم لم يستطع الإفصاح عنه.
ولم يكن الأدب العباسي ضعيفاً، لما جاء فيه من بكاء ومديح واستهتار، فإن الأدب في كل عصر صورة لذلك العصر، فإذا عبّر أدباء العباسيين عمّا يحسّون فلم نتهمهم بالضعف؟ وإذا كان أدبهم حزيناً باكياً يتخلله المديح والاستهتار فكيف كان يتسنى لهم أدب غيره، وإذا هم تطاولوا في غير عزّة وتفاخروا بغير فخر وضحكوا في غير مرح، أفما كنا نتهم أدبهم بأنه سقيم زائف أو بعبارة أخرى ضعيف مائع؟
ثم أن الضعف السياسي لا يسلتزم أن يكون وراءه ضعف في الأدب، بل لقد يكون الضعف السياسي ذاته سبباً قوياً من أسباب قوة الآداب كما يحدث عند انقسام الدول الواسعة كما كان الحال في القرن الرابع، وكما كان الحال عند الإغريق في مدنهم الحكومية وكما كان الحال في النهضة الإيطالية الحديثة.
وليت شعري لم لا يكون بكاء الشعوب على ما يصيبها قوة واستنهاضاً للهمم؟ هزمت فرنسا في حرب السبعين وخرجت ألمانيا متفاخرة بالنصر، فخاطب أحد الأدباء الفرنسيين الألمان الظافرين بقوله (نعم قد انتصرتم علينا ولكن ليس لديكم شاعر يشيد بنصركم كشاعرنا هذا الذي يبكينا على مصابنا) فهل كان بكاء الفرنسيين في ذلك الوقت ضعفا؟ اللهم لا.
وأما ما جاء عن مصعب بن الزبير حين استخفه الطرب وعن استخفاف المنصور به لذلك حتى جعله يتمثل بتلك الأبيات التي أوردها الأستاذ، فأقول أن مصعبا كان متغزلا وأن المنصور كان متفاخرا وشتّان بين الموقفين، فهذا تستملح فيه الرقة واللين وذلك لا يليق فيه إلاّ الصرامة والشدة. وإذا كان في كلام مصعب ضعف فماذا يكون في كلام الرشيد وهو يخاطب جارية بهذا البيت:
أما يكفيك أنك تملكيني … وأن الناس كلّهم عبيدي؟
وبعد فيعجبني من الأستاذ قوله أن أرقى الأدب في نظره ما أحيا الضمير وزاد حياة الناس
стр. 985
قوة، وهذا في رأيي هو الأدب الوجداني القوي هو ذلك الأدب الذي يرقق القلوب ويستثير الهمم ويطهر النفوس، هو ذلك الأدب الذي يجعل من الشيخ شاباً فتياً، وهو ذلك الأدب الذي يملأ المحاجر بالدموع والقلوب بالشفقة والحنان.
стр. 986
فلسفة سبينوزا
للأستاذ زكي نجيب محمود
لم يكد سبينوزا يبلغ سن الشباب حتى انكب على الفلسفة يدرسها دراسة
صادفت في نفسه هوى. فأخذ ينهل من مواردها العذبة ويؤثرها على
كل شيء وقد طالع فيم طالع فلسفة برونو فوقعت منه آراؤه موقع
الإعجاب وامتلأ ذهنه بما قاله ذلك الفيلسوف من: أن الوجود في
جوهره وحدة متجانسة وإن تعددت ظواهرها. إذ نشأت جميعها من
أصل واحد ثم اتخذت ألوانا مختلفة لا تغير من جوهر طبيعتها
المتجانس.
كذلك أعجبه رأي برونو المذكور القائل بأن الروح والمادة شيء واحد فكل ذرة من ذرات الكون يتحد فيها الجانبان: الروحي والمادي، وعنده أن موضوع الفلسفة هو إدراك تلك الوحدة التي تربط هذه الأشتات المتضاربة في الظاهر فترى الروح في المادة كما تلمس المادة في الروح.
ثم قرأ سبينوزا فلسفة ديكارت قراءة درس وتمحيص، فدعاه إلى التفكير الطويل برأي ديكارت في تقسيم الكون إلى شطرين: شطر مادي متحد في الجوهر على الرغم مما يبدو في الأجسام المادية من إختلاف وشطر روحي متجانس في جوهره كذلك، وهو عبارة عن مجموع القوى العقلية الحالّة في مختلف الأجسام وتدير هذه الشطرين وتشرف عليهما قوة إلهية عليا. . . قرأ سبينوزا ذلك فلم يوافق على شطر الكون واختمرت في نفسه على الفور فكرة وحدة الوجود التي تقول بأن الكون شطر واحد لا يتجزأ، وهذه الفكرة هي المحور الذي تدور حوله فلسفة سبينوزا، وها نحن أولاء نتناولها بالشرح والتحليل.
يقول سبينوزا أن في الكون حقيقة واحدة خالدة، هي عبارة عن قانون عام شامل لا ينقص ولا يزيد. هذه الحقيقة الخالدة، أو هذا القانون الشامل، لا يمكن أن يعبر عن نفسه ويفصح عن حقيقته إلاّ بواسطة الأجسام المادية، فاتخذ من تلك المادة التي تملأ جوانب الكون، قوالب وأشكالا لكي يبرز عن طريقها إلى عالم الواقع المحسوس، وهذه الصور والأشكال
стр. 987
المادية التي تتخذ وسيلة للتعبير عن ذلك القانون الخالد، لا تظل على هيئة خاصة معينة، فهي متغيرة متبدلة أبداً، بل قد تزول وتفنى، ولكن تلك الحقيقة نفسها باقية خالدة لا تفنى ولا تزول، بل لا تنقص ولا تزيد، وهي لا تفتأ تلبس هذا الثوب المادي وتخلع ذاك إلى أبد الآبدين. ذلك كما تقول أن للدائرة قانوناً لا يتغير، يخضع لناموسه كلما وجد أو يوجد من الدوائر، وإن كانت الدوائر نفسها تمحى وتتجدد، الا أن قانونها يظل باقياً لا يعتريه التبدل أو الفناء. فأجسامنا، وأفكارنا وهذه الأرض التي نعيش عليها، وكلما يحتوي الكون من أشياء، كل ذلك صور مختلفة تستخدم لإبراز الحقيقة الكائنة وراءها، والتي لا يمسها معنى من معاني التغيير والتبديل، إنما القوالب المادية وحدها هي التي تخضع لذلك التبديل والتغيير.
فالطبعة على هذا الأساس مزدوجة الجوانب، فهي فعالة حيوية منشئة من ناحية (قارن في فلسفة برجسون) وهي منفعلة متأثرة منشأة من ناحية أخرى، هذا الجانب المنفعل المتأثر من الطبيعة: هي أجزاؤها المادية، هي هذه الجبال والبحار والمزارع والرياح وما إلى ذلك من الصور المادية التي لا يحدها الحصر، أما الجانب الفعال المنشئ فهي تلك القوة الكامنة وراء هذه الصور المادية، وهي التي خلقتها خلقاوأبدعتها إبداعاً أو بعبارة أوضح هو الله . . .
ويقصد سبينوزا بكلمة (الله) ذلك القانون الثابت الذي لا يجوز عليه التغيير أو الفناء، تلك القوة الفعالة التي تنظم الكون وتباشر ترتيب ما يطرأ من أحداث على المادة التي تملأ جوانب الكون.
ولولا تلك القوانين العامة التي يسير بمقتضاها العالم، لتداعى الكون بعضه على بعض، مثل ذلك مثل الجسر (الكوبري)، فهو في حد ذاته كتلة من المادة، ولكنه مشيد على أساس من القوانين الرياضية والميكانيكية، التي وإن تكن مختفية لا تظهر بشكل محسوس، في مادة الجسر، الا أنها كامنة فيه ولو اختل واحد منها انهار البناء على الفور. فالعالم المادي بمثابة ذلك الجسر، والله من هذا العالم بمثابة تلك القوانين التي لا ترى ولكنها لا تنكر.
وعلى هذا الاعتبار تكون إرادة الله وقوانين الطبيعة شيء واحد، وكل ما يقع من حوادث
стр. 988
عبارة عن النتيجة الآلية المحتومة لتلك القوانين الدائمة، أي أنها ليست عبثا ولا فوضى. فهذا العالم تسيره تلك الإرادة العليا، وليس مخيرا في كثير ولا قليل مما يفرض عليه فرضاً، وليس له عن تنفيذه نحيد. والإنسان - ككل جزء آخر من أجزاء العالم - يسير كذلك في هذه الطريق المرسومة، الا أنه قد تبلغ به الأنانية حدا بعيدا فيظن انه المقصود من خلق هذا الكون الفسيح، وأن هذه الطبيعة وما فيها إنما وجدت من أجله ولصالحه، ولكن لا يجوز للفيلسوف بحال من الأحوال أن ينظر إلى العالم هذه النظرة الشخصية الضيقة فواجب أن نجرد أنفسنا من نزعتنا البشرية، حتى يتسنى لنا أن ندرك الكون مستقلا عنا، بعيدا عما تمليه أغراضنا، وأن ندرسه دراسة موضوعية كحقيقة عارية لا تؤثر فيها الميول الإنسانية. فلا ننسب الخير والشر لهذا الشئ أو ذاك لأن الخير والشر نسبيان للبشر، وليس لهما وجود في الواقع، فإذا ما حكما على شيء قي الطبيعة بأنه عبث وشر، أو أنه يثير فينا السخرية فذلك لأننا لا نعرف الأشياء الا معرفة جزئية، ولأننا نريد أن تسير الامور كما نشتهي نحن، وحسب ما تمليه عقولنا، لأننا نجهل أن الكون وحدة لا تتجزأ، فما نحكم عليه بأنه شر ليس في الحقيقة شرا بالنسبة للقوانين التي تسير الطبيعة بمقتضاها، ولكنه شر بالنسبة لطبيعتنا نحن بعد فصلها وانتزاعها من تلك الوحدة الكونية. فالشر والخير أوهام لا تعرفها الحقيقة الخالدة. لا ولا الجمال والقبح لأنهما كذلك أوصاف اصطلح عليها الإنسان. فالشيء الجميل والشيء القبيح هما في نظر القوانين العامة سواء ولا تفضيل لأحدهما على الآخر. هكذا يريد سبينوزا أن نجرد أنفسنا من كل النزعات والميول والأغراض وأن ننظر إلى العالم من وجهة نظر الواقع، لا من وجهة نظرنا نحن. حتى نصدر أحكاما صحيحة. يجب أن ننظر إلى العالم نظرة مجردة كما ننظر إلى المثلث مثلا، فأنت لا تحكم عليه كما يقع في نفسك، فيكون لك فيه رأي ولي فيه رأي آخر، لا بل ننظر إليه بالنسبة إلى القانون العام المجرد الذي يتحكم في جميع المثلثات على السواء فيكون المثلث عندك كما هو عندي وعند أي إنسان. فلننظر إذن إلى هذا العالم من وجهة نظر قوانينه الثابتة الشاملة حتى لا يتغير باختلاف الميول والأشخاص. ويزعم سبينوزا: أن تلك النظرة الشخصية قد أفسدت علينا فهم الله فهما صحيحا، فأخذنا ننسب إليه صفاتنا نحن، لماذا؟ لأننا أبصرناه من نافذة نفوسنا، ولم نتجرد لنطل عليه من
стр. 989
جانب الحقيقة والواقع، فنحن مثلا نتصور الله في صورة المذكر دائما، ولا نرضى أن نصبغه بصبغة التأنيث، نقول هو ولا نقول هي، وليس ذلك الا نتيجة لخضوع المرأة لسلطان الرجل، كذلك ننسب إليه كل الصفات التي نراها حسنة كاملة لا من حيث الواقع ولكن من حيث حكم العقل البشري المحدود بميوله وأغراضه. وقد كتب سبينوزا في ذلك إلى أحد معارضيه يقول: (إذا اعترضت عليّ بأنني لا أريد أن أصف الله بالنظر والسمع والملاحظة والإرادة وما إلى ذلك من الصفات. . . فأنت إذن لا تعرف الإله الذي أتصوره وأحسب أنك لا تستطيع أن تتخيل مثلا أعلى من الصفات السالفة الذكر، وإني لا أستغرب منك هذا القصور في الخيال لأنني أعتقد أن المثلث إذا استطاع أن يعبر عن نفسه لقال كذلك أن الله يتميز بصفات المثلث. كما تقول الدائرة أن طبيعة الله دائرية. وهكذا ينسب كل شيء إلى الله من الصفات ما يراها في نفسه)
الله عند سبينوزا هو مجموع الأسباب والقوانين جميعا وقوته هي مجموع القوى العقلية الكامنة في كل أجزاء المادة المنتشرة في الزمان والمكان.
لأن لكل شيء في الوجود جانبا عقليا أي روحيا، كما أن الامتداد، أي الجسم، جانب آخر.
ولكن ما هو العقل وما هي المادة؟ ذهب الخيال الجامح ببعضهم إلى حد القول بان المادة روح كلها وليس الجسم الا محض فكرة، كما جمد الخيال عند بعض آخر إلى حد القول بأن العقل مادة كله، وليست الأفكار الا عمليات جسمية، وذهب فريق ثالث إلى أن العقل والمادة مستقل بعضهما عن بعض الا انهما متوازيان في عملهما أي أن العقل يفكر والجسم يتحرك دون أن يكون بين ذلك التفكير وهذه الحركة علاقة ما. يستعرض سبينوزا هذه الآراء جميعا فيرفضها جميعا، فلا المادة روحية ولا العقل مادي ولا هما مستقلان متوازيان إذ ليس هناك شيئان متميزان: عقل ومادة، حتى نبحث عن العلاقة بينهما بل ثمت شيء واحد فقط وعملية واحدة فحسب لها مظهران أو جانبان، فأنت تراها الآن باطنيا في صورة الفكرة ثم تراها خارجيا في صورة العمل. فالعقل والجسم وحدة لا تتجزأ، وكل أجزاء الوجود لها هاتان الشعبتان الممتزجتان المتحدتان، وبعبارة أخرى المادة التي في الكون والروح التي في الكون شيء واحد ذو وجهين، وبعبارة ثالثة، الطبيعة والله شيء واحد، وإذا كان الأمر كذلك من توحيد العقل والجسم أي أن الروح والمادة وجعلهما شيئا واحدا فلا
стр. 990
اختلاف إذن بين الإرادة والذكاء، ما دامت الإرادة هي عبارة عن نزوع الجسم إلى عمل معين، والذكاء هو القوة الفكرية الخالصة، وها نحن أولاء قد رأينا أن أعمال الجسم وقوة الفكر ليسا إلا ناحيتين من حقيقة واحدة.
الإنسان إذن بعقله وجسمه وحدة لا تقبل التقسيم وعماد وجوده هو الرغبة اللاشعورية في البقاء، فالرغبة اللاشعورية عند سبينوزا هي كنه الإنسان وجوهره (قارن إرادة الحياة عند شوبنهور وإرادة القوة عند نيتشه) وكل الغرائز خطط دبرتها الطبيعة لحفظ الفرد أو النوع، والسرور والألم ينشآن عن إشباع الغرائز أو تعطيلها، فليس السرور والألم سببا لرغباتنا كما يذهب فريق من المفكرين ولكنهما نتيجة لها. نحن لا نرغب في الشيء لأنه يسرنا ولكنه يسرنا لأننا نرغب فيه، ولا بد لنا أن نرغب فيه لأنه يشبع لنا الغرائز التي تمهد لنا سبيل البقاء. ولا بد أن يكون القارئ قد سارعت إليه النتيجة الطبيعية لهذه المقدمات وهي أن ليس ثمت إرادة حرة، وأن الإنسان مجبر على السير في طريق معينة مرسومة ليس له أن يحيد عنها قيد شعرة، لأن ضرورات الحياة تحدد الغرائز والغرائز تملي الرغبات والرغبات تخلق الأفكار والأعمال المعينة.
وقد يتوهم الإنسان انه حر فيما يفكر ويعمل ومنشأ ذلك الظن الخاطئ انه مدرك لرغباته ولكنه يجهل الأسباب التي تسوق إليه الرغبات فيخيل إليه انه إنما تولدت بمحض إرادته، والحقيقة أن هناك من الدوافع الغريزية ما تحتم عليه أن يحقق هذه الرغبة أو تلك رغم أنفه، فهو يدرك النتائج فقط ويجهل الأسباب الدافعة إليها، ويشبه سبينوزا الإنسان في ذلك بقطعة من الحجر الملقى الذي لا بد له من أن يسقط في مكان معين تبعا لقوة الدفعة، فلو فرضنا أن ذلك الحجر الملقى له إدراك كالإنسان لظن انه إنما يسقط في هذا المكان الخاص وفي هذه الساعة المعينة لأنه يريد ذلك وهذا لأنه يجهل اليد التي دفعته فقسرته على تصرف لا يستطيع أن ينحرف عنه.
وهكذا تخضع أعمال الإنسان لقوانين ثابتة ثبوت القوانين الهندسية ومعنى هذا ان الإنسان جزء لا يتميز من سائر أجزاء الطبيعة بل يندمج فيها ويخضع لناموسها.
الإنسان ظاهرة مادية ككل الظواهر الأخرى يتحكم فيها ذلك القانون الشامل الذي يكمن وراء الكون جميعا ولا ينفصل عنه بل يكون معه كلا لا تنفصم عراه. وقد ضربنا مثلا
стр. 991
بذلك الجسر (الكوبري) وقوانينه الميكانيكية، نحن أجزاء من ذلك التيار الذي يجرف أمامه كل شيء تيار القانون العام والسببية، ولما كان ذلك القانون هو الله فنحن إذن أجزاء من الله تعالى ولو أن الأفراد تفنى بالموت الا أن تلك الحقيقة الخالدة التي تتمثل فينا باقية لا تموت. أجسامنا خلايا في جسم الجنس والأجناس أعضاء من جسم الحياة، وبهذا الدمج - دمج الفرد في الكل. يقول شاعر هندي (اعلم أن روحا واحدا ينظم نفسك في الكل وانبذ الوهم الذي يفصل الأجزاء عن كلها الشامل.)
وباعتبار الإنسان جزء من كل فهو خالد، ذلك لأن القانون الذي يسيره لا يفنى بفنائه كما قدمنا، بل هو أبدي تظهر آثاره في الأفراد بعد الأفراد. فأنت إذا محوت مثلثا مخطوطا على ورقة أمامك فليس معنى ذلك فناء القوانين التي تخضع لها المثلثات لان هذا المثلث المعين الذي محوته لم يكن شخصية منفصلة عن زملائه المثلثات بل هو يضبط الجميع ناموس واحد لا يعتريه التغير والفناء. وقل مثل هذا تماما في أفراد الإنسان. يموت الواحد ويبقى قانونه ممثلا في سائر الأفراد وهذا هو معنى الخلود عند سبينوزا، وهو كما ترى ليس خلود لأفراد بل خلود لقوة وقانون، وذلك يتضمن بالطبع إنكار الثواب في الحياة الآخرة جزاء الفضيلة الدنيوية، وهو يقول في ذلك: (إن هؤلاء الذين ينظرون للفضيلة كأنها عبودية مفروضة عليهم من الله تعالى ولا بد أن يمنحهم الله جزاء على قيامهم بهذا الفرض الثقيل إنما هم أبعد ما يكونون عن فهم الفضيلة على الوجه الصحيح. فالفضيلة أو طاعة الله هي سعادة في نفسها يشعر الإنسان بالطمأنينة والنعيم في أدائها فعلام تنتظر الجزاء؟ انك تكون كرجل أسكنه سيده قصرا فخما وأعد له فيه كل ألوان النعيم فيظل يرتع فيه وينعم ثم هو بعد ذلك ينظر من سيده أجر البقاء في ذلك النعيم!!)
والخلاصة أن الطبيعة تسير بمقتضى قوانين كامنة في صورها كما تكمن قوانين الصوت مثلا في جهاز الراديو، فكما أنك لا تستطيع أن تقول هذا هو الجهاز المادي للراديو وتلك هي قوانينه النظرية منفصلة بل هما شيء واحد لا ينفصل كذلك لا يمكنك أن تقول هذا هو العلم المادي وتلك هي القوة الروحية التي تسيره، لأنهما متصلان في وحدة لا تتجزأ. وبما أن هذه القوانين تسيطر على كل جزء من أجزاء الوجود (والإنسان واحد منها) فالإنسان يسير بمقتضى تلك القوانين الثابتة. ولا يتمتع بذرة من الحرية في تصرفاته.
стр. 992
وهناك جوانب أخرى من فلسفة سبينوزا، فقد كتب رسالة في الأخلاق وأخرى في النظام السياسي وكنا نحب أن نتناولهما بالشرح الموجز لولا ضيق المقام فلعلنا نوفق إلى تحقيق ذلك في مقال آخر.
стр. 993
عمالقة الأشجار
للدكتور محمد بهجت. خريج جامعة كاليفورنيا
لا ريب أن العالم كان مسكونا بكائنات على جانب عظيم من الضخامة
فالعلم يخبرنا عن (الداينصور) العظيم الذي يوجد هيكله العظمي
الهائل بالمتحف البريطاني مع هياكل أشباهه من عظائم الحيوان
وأغواله، وكذلك (العنقاء) أو الطير العظيم أو المسمى (بتروداكتيلس)
ولم يكن هذا الأخير طيراً بمعنى الكلمة أو وطواطا بل نوعا من
العظايا الهائلة اكتسب خصوصية الطيران.
دبت هذه الحيوانات المرعبة على ظهر الأرض في العهد (الميوسيني) كما يسميه علماء طبقات الأرض أو عهد منتصف الحياة، وذلك من ملايين السنين الخالية!! ويحتمل أنها عاشت قبل الإنسان بكثير.
ويظهر أن هذه الحيوانات انقرضت فجأة بفعل وبتأثير بركان عنيف أباد معظم المخلوقات، ثم تبع ذلك العصر الجليدي فأتى على آخرها ولم يترك لنا من آثارها الا عظاما نخرة أقامها العلم هياكل هائلة ووقف الإنسان مبهوتا فاغرا فاه. أما في البحار فلا يزال بها من المخلوقات العظيمة ما لم تنقرض كأقربائها الدواب فالحوت الهائل يمخر البحار ويشق عبابها واذكر أنهم اقتنصوا وحشا منه في المحيط الهادئ قرب شاطئ كاليفورنيا الجنوبي منذ سنتين وكان يزن سبعين طنا!!
كذلك كان الحال في المملكة النباتية، كانت لها عمالقتها، كانت هناك أشجار ضخمة تؤلف غابات شاسعة تشمل المناطق الشمالية من أوربا وأمريكا، ولا ريب أنها أظلّت وحمت الكثير من تلك الوحوش، ومن هذه الأشجار شجرة (السيكويا) - ملكة النباتات - التي قاست ولا ريب كل المحن التي ألمت بالكائنات الحية التي عاصرتها ولكنها نجت من دونها وعاشت إلى هذا الوقت تخبرنا في صمت رهيب عن ماض بعيد مليء بالكوارث والخطوب.
وتنتمي شجرة السيكويا إلى العائلة المخروطية أي عائلة الصنوبر ويجد منها نوعان:
стр. 994
(سيكويا مبرفيرنس) و (سيكويا جايجانتيا) ولا يوجدان في مكان ما على ظهر البسيطة إلاّ في ولاية كاليفورنيا. فيوجد النوع الأول نامياً على ساحل المحيط في شمال الولاية حيث الطقس بارد صيفا وشتاء وحيث الرطوبة متوفرة طول السنة، وفي منطقة يبلغ طولها ٤٥٠ ميلا بموازاة الساحل، ويقل تدريجيا كلما ابتعد عن البحر وامتد شرقاً إلى الجبال الساحلية. وأما خشبه فضارب إلى الحمرة ويعرف في مصر بالجوز الأمريكاني الذي يصنع منه الأثاث، وأما النوع الثاني فيوجد بداخل الولاية ومنتصفها في ثلاثة أحراج متقاربة في قمة جبال السييرا على ارتفاع عظيم من سطح البحر. ومن العجب أنه لا توجد أشجار متفرقة من هذا النوع فكأنها خافت على نفسها نوائب الحدثان وخشية الانقراض فتجمعت في هذه الأحراج متقاربة كما تتقارب أفراد القطيع إذا أحسّت خطراً.
وعندما اكتشف النوع الثاني الذي هو أضخم من الأول في سنة ١٨٥٥، أرسلت منه نماذج إلى إنجلترا فأسماه النباتي لندلي (وللنجتونيا) تمجيداً لأسم الجنرال ولنجتون الذي قهر نابليون والذي كان في ذروة المجد وقمّة الشهرة إذ ذاك، فأخذت الأمريكان النعرة الوطنية إذ عزّ عليهم أن تسمى شجرة أمريكية بإسم رجل إنجليزي فأسموها (واشنطجطونيا) نسبة إلى جورج واشنطن أبى الأمريكيين. وأخيرا قر الرأي على جعل اسمها الجنسي سيكويا نسبة إلى رجل من متوحشي الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين لم يصب مجدا بالفتح وإراقة الدماء، بل بعقلية جبارة وعبقرية نادرة. ينتمي هذا الهندي إلى قبائل (الشيروكي) التي كانت ضاربة في تخوم ولاية جورجيا الجنوبية، تزوج أبوه الأبيض من أمه الهندية ثم لم يلبث أن هجرها فاعتزلت وابنها ركنا في غابة ونشأ نشأة هادئة تغاير نشأة أترابه الهنود الذين يتلقنون فنون الصيد والقنص والحرب وغيرها من أعمال الفروسية في سن مبكرة فكان يساعد أمه على أعمال المنزل أو فلاحة الأرض وقطع الأخشاب، فلما شبّ وترعرع احترف الصياغة ونبغ فيها نبوغا عظيما وذاع صيته ذيوعاً كبيراً ثم وجد أن البيض يغيرون على وطنه ويقتطعون أراضيه ويجلون أهله وعشيرته عن مساقط رؤوسهم فأحزنه ذلك وأخذ يفكر في الأمر وخرج من تفكيره بضرورة مقاومة المدنية بالمدنية.
ولما أدرك بثاقب فكره ان السر في تفوق البيض وتمدينهم ينحصر في مقدرتهم على التفاهم قراءة وكتابة قرر أن يخترع لغة لقومه فنبذ الصياغة وعكف على الدرس في الغاب وأخذ
стр. 995
يكد ذهنه ويحفر في قشور الأشجار إلى أن وصل بعد ثلاث سنين إلى اختراع رموز تمثل كل كلمة أو فكرة في لغة قومه، ولكن هذه تكاثرت لدرجة يصعب على الأذهان استيعابها ففكر مرة أخرى واهتدى أخيرا إلى أن الصوت هو مفتاح اللغة فكدّ واجتهد إلى أن خلق حروفا أبجدية فاستطاع أن يكتب لغة أغنى بمفرداتها من لغاتنا!! بعد ذلك علمها قومه فتهافت عليها صغيرهم وكبيرهم إلى أن حذقوها، ومن ثم تحسنت أحوالهم العمرانية وازدادت ثروتهم وخطوا في سبيل المدنية خطوة واسعة، ولكن جشع الأبيض وظلمه كانا دائبين. فما زال بأراضيهم يغتصبها بقوة السلاح إلى أن تشردت قبائل الشيروكي وتقلصت حدودهم. لم يقف سيكويا عند هذا الحد بل خرج وهو في الثانية والثمانين من عمره في صحبة صبي صغير ليدرس لهجات الهنود المختلفة ويضع بعد ذلك لغة عامة للهندي الأحمر. فعبر السهول والجبال ولكن مات رفيقه الصبي من مشاق الرحلة فسار وحده ضاربا في الفيافي المقفرة والغابات الموحشة والجبال الشامخة المكسوّة بالجليد، إلى أن وقفه الضعف والإعياء فحطّ رحله قرب حدود المكسيك لآخر مرة. ودفن حيث مات في حفرة عادية، ولم تلبث الذئاب أن نبشت قبره وبعثرت عظامه.
هذا رجل من عظماء العالم قل من يعرفه، حتى قبره امتهن ولم تكن عليه أقل إشارة تدل على عقله الراجح ونفسه العظيمة ولكن العبقرية لا تفنى فقدر لأسمه أن يقترن بهذه الأشجار الخالدة وسوف يخلّد معها إلى أبد الآبدين.
وأشعر بعد طول هذه المقدمة أن أقصر كلامي على حرج واحد من الأحراج الثلاثة، لا لأنه أهمها فقط بل ولأنه أعجبها. . .
стр. 996
حاجة اللغة العربية إلى دراسة الثقافة اليونانية
من محاضرة للمستر اربري أستاذ اللغة والآداب اليونانية
واللاتينية في كلية الآداب
انقضى نحو ألف من السنين والعالم الإسلامي مُولٍ ظهره لليونان وثقافته، ولم يبدأ الاهتمام بهذه الثقافة مرة أخرى إلاّ في الجيل الحديث، وهذه العودة إلى دراسة الآثار اليونانية ليست أقل الظاهرات التي امتازت بها النهضة العلمية والأدبية الجديدة في البلاد الناطقة بالضاد. وقد كان لمصر فضل السبق في هذا الميدان كدأبها في جميع الحركات الهامة.
ونظراً لأن أشعار هوميروس هي أول ثمرة أنتجتها قرائح اليونان، فكان من الملائم جداً أن يكون أول ما ترجم إلى العربية حديثاً من الآثار اليونانية إلياذة هوميروس. وقد بدأ سليمان البستاني ذلك العمل الشاق في عام ١٨٨٧، واستطاع أن يخرج للناس في سنة ١٩٠٤ ترجمة عربية كاملة منظومة. ومن الظلم البين أن يحاول الإنسان نقد هذا العمل الجليل أو الحط من شأنه، ماذا يهمنا أن نقرر بأن النظم ليس من مرتبة عالية، أو أن المعنى الأصلي - بل والروح أيضا - لم يدركه المترجم أحيانا؟ حقيقة أنه من سوء حظ المترجم أنه اختار للترجمة ملحمة لكي يظهر فيها مقدرته على النظم، فان اللغة العربية لا يلائمها هذا الضرب من القريض بنوع خاص (كذا) نظراً لما لها من نظام معقد في الوزن والقافية. ولكن على رغم هذا، الأجدر بنا ألاّ نطبّق قواعد النقد الأدبي على تلك الترجمة، بل ننظر إليها كأنها بشير ينبئنا بما يمكن للأدب العربي أن يبلغ إليه بعد.
ولا أظن أن بي حاجة إلى أن أحصي لكم المترجمات الأخرى التي ظهرت في هذا القرن. فكلنا نعلم جهود الأستاذين لطفي السيد بك، والدكتور طه حسين في هذا الباب. فبفضل ما بذلاه من جهود أصبحت اللغة العربية مرة أخرى غنية بما ترجم من آثار الفيلسوفين أفلاطون وأرسطو. وواجب على كل محب لرقي الآداب والعلوم العربية أن يشجع كل عمل من هذا القبيل. ولكني الآن أريد أن أتساءل، ومن المهم جدا أن أتساءل، هل من المستحب ترجمة الآثار اليونانية واللاتينية إلى اللغة العربية في الوقت الحاضر؟ وإذا كان هذا مستحبا، فهل يكتفي بالترجمة عن التراجم التي في اللغات الأوربية الحديثة؟ أم هل من اللازم أن يكون المترجم ملمّا بالأصل اليوناني أو اللاتيني للكتاب الذي يترجمه؟ ولنبدأ
стр. 997
بالرد على السؤال الثاني. فنرى من البديهي أن الترجمة عن ترجمة، شيء لا يكفي ولا يغني، وإذا جاز لنا أن نضرب مثلا فلنتصور كاتباً فرنسياً يريد أن يطلع قومه على جمال الأدب العربي ولكنه بدلاً من المبادرة إلى تعلم العربية يلجأ إلى ترجمة إنجليزية أو ألمانية للكتاب الذي يريد أن ينقله، ثم يكتفي بنقله على هذه الصورة إلى اللغة الفرنسية. فكيف يستطيع مثل هذا الكاتب إذا أراد ترجمة المعلقات مثلا بهذه الطريقة، أن يحتفظ بما فيها من خيال شعري، ونظم البديع؟ أو إذا أراد نقل رسالة من تلك الرسائل الدقيقة المعنى التي ألّفها ابن العربي أو مقالة من مقالات الجاحظ البليغة، فهل يمكن أن تكون ترجمة الترجمة التي يقدمها للقراء، إلاّ بمثابة شبح لشبح؟ ولو أني قابلت رجلا من هذا القبيل لأبديت له إعجابي بحماسه وغيرته، ثم طلبت إليه بكل ما لدي من أدب وحزم أن يبدأ بدراسة العربية خمس سنين ثم ينظر بعد ذلك هل في وسعه أن ينهض بذلك العبء.
فإذا كان لابد من نقل الآثار اليونانية واللاتينية إلى العربية، فليس من شك في أن هذا العمل الخطير يجب أن ينهض به علماء من الناطقين بالضاد، لهم إلمام تام بهاتين اللغتين. وليس من وسيلة أخرى لإتمام ذلك العمل على الوجه الأكمل، بل أني أذهب إلى أبعد من هذا فأقره بأن العمل لا يستحق أن يعمل بأي شكل آخر.
ولكن هل من اللازم القيام بذلك العمل؟ قد يتساءلون: أليست آدابنا وحدها كافية لتثقيف المصري في عصرنا هذا؟ أليس الأولى بمن لغتهم العربية، أن يقصروا دراستهم على الأدب العربي اللهم إلاّ فريق المتخصصين؟ ثم على فرض أنه من المستحب لأسباب كثيرة أن ندرس لغات وأدبيات أجنبية، ألا يكون الأفضل دراسة اللغات الأوربية والآسيوية الحديثة؟ وما دامت اللغتان اليونانية واللاتينية قد ماتتا منذ قرون عديدة، أليس الأولى بنا نحن أن نتركهما في رمسهما؟ وإلاّ فما الفائدة التي تجنيها اللغة العربية والآداب المصرية من دراسة تلك الآثار اليونانية واللاتينية بما لا يمكن الحصول عليه بشكل أكمل وأحسن بدراسة الآداب الحديثة؟
لقد جاء في كتاب (الفلسفة في الإسلام) تأليف دي بوير العبارة الآتية: (إن أجلّ شيء خلقه لنا العقل اليوناني في الفنون وفي الشعر وفي التاريخ، لم تصل إليه أيدي الشرقيين. وكان من الشاق عليهم أن يفهموه لجهلهم حياة الإغريق. فنرى مثلا مؤرخي العرب قادرين على
стр. 998
ذكر أمراء اليونان حتى كيلوباترا، وكذا قياصرة الروم. ولكنهم كانوا يجهلون المؤرخ تيو سيديد، ولا يعرفون اسمه. أما هوميروس فلم ينقلوا عنه غير جملة واحدة وهي: (لا يكون الحكم إلاّ لواحد). ولم يكن لهم أدنى دراية بالشعراء والروائيين من الإغريق.
ولكن مثل هذا الحكم ليس عادلا تماما. حقيقة لم يكن للمسلمين الأولين إطلاع على القسم الأعظم من أدب اليونان. ولم يكن لهم علم بحياة الإغريق، ولم يهتموا بمعرفتها، ولكن لو أن المصادفة ساقت إليهم هذه الآثار المجيدة، أكان يتعذر عليهم أن يتذوقوها ويقدروها حق قدرها. أليس الأرجح أن شعبا متوقد الذكاء، شديد الإحساس بالجمال، مثل الشعب العربي هو أقدر الناس على تقدير محاسن الأدب اليوناني، كما أمكنه أن يقدر ويفهم دقائق الفلسفة اليونانية؟ ولكن ظروفاً سيئة حالت بين العرب والأدب اليوناني. ففي وقت نشأة الإسلام كانت الدولة البيزنطية يغشاها ظلام. وأشد العصور التي مرّت بها حلكة وظلاما هي المدة ما بين ٦٤١ و ٨٥٠. ويحدثنا عن الحالة في أول هذه الفترة فيقول في كتابه عن تاريخ الدراسات اليونانية واللاتينية: أن القيصر ليو الثالث الذي استطاع أن يرد إغارة العرب على القسطنطينية. وأن يعيد تنظيم الإمبراطورية سواء من الناحية الحربية أو المدنية. لم يصنع مع هذا كله شيئا لتشجيع العلوم. بل لقد حرم معهد العلوم الإمبراطوري من ممتلكاته بالقرى من أيا صوفيا. وطرد رئيس المعهد ومعه إثنا عشر معلما كانوا يتولون مع نيوريس الفنون والفقه. وكذلك يروي بعض المؤرخين انه أمر بإحراق مكتبة المعهد، وبها نحو ثلاثة وثلاثين ألفاً من المجلدات في موضوعات دينية وغير دينية، ولئن كانت هذه حالة دولة اليونان في هذا العصر أي في العصر الذي اتسع فيه نفوذ الثقافة اليونانية في البلاد العربية، فكيف ترجو أن يعنى العرب بدراسة الآداب اليونانية واللاتينية؟ أما الفلسفة والعلوم المفيدة فقد كان لها عندهم المكان الأول، نظرا للظروف الخاصة التي دعت للاهتمام بهما: إذ كانت الفلسفة عندنا على الجدل الديني، والعلوم النافعة مثل الطب والهندسة، من بواعث الراحة المادية للإنسان. وكذلك يجب ألاّ تنسى أن العرب كان لهم أدب زاهر لا مراء في أنه من الرقي بمكان عظيم. وكأنما وجد الناس في القصائد الجاهلية وفي المدائح والمراثي والمنظومات المختلفة التي تغنى بها الشعراء الأمويون والعباسيون، وجد الناس في هذا كله بغيتهم من الخدمة الأدبية. أما النثر فانه من بعد تلك المعجزة
стр. 999
الأبدية: (القرآن) قد جعل يرتقي حتى بلغ في أيدي كبار الأساتذة أمثال الجاحظ والحريري والهمذاني على مرتبة عالية من الكمال. وبهذه الصورة نما للعرب أدب خاص ممتاز وأصبح تراثا عظيما آل اليوم إلى البلاد الإسلامية.
ولكني وإن علمت ما امتاز به هذا التراث من عظمة واتساع ورقي. فإني على ذلك لا أتردد في أن اقرر بأن الذكاء العربي قادر بعد على إنتاج ثمرة لا تقل عن تلك المنتجات. بل لقد تفوقها وأنا زعيم بأن بلوغ تلك الغاية على أكمل وجه إنما يكون بدراسة آداب اليونان والرومان.
إن جميع الآداب الأوربية الحديثة مدينة دينا لا يمكن حصره للآداب اليونانية واللاتينية، وحسبنا أن نذكر تلك الحقائق المألوفة عن عصر النهضة في غرب أوربا وكيف أن استكشاف الآداب اليونانية من جديد - على أثر استيلاء الأتراك على الأستانة وانتشار العلماء والأسفار اليونانية في أوربا - كان باعثا لحياة جديدة في ميدان العلم والأدب، ووسيلة لغرس بذور الآداب القومية في كل بلد من البلاد الأوربية. . . .
في الوقت الحاضر نرى الآداب الأوربية الحديثة تدرس بحماس وبتقدير يبعثان على الإعجاب. وحاشاي أن أحاول الغض من هذا الحماس والنشاط. بل أني لأرى في المقالات التي كتبها المنفلوطي ومدرسته والكتّاب المعاصرون أمثال العقاد ومنصور فهمي وسلامة موسى وغيرهم من أعضاء ذلك الرهط النابغ من الكتّاب بعثاً جديداً في الأدب العربي. وخصوصا وفوق كل شيء نرى تلك النهضة في نبوغ شوقي الذي لا يضارع إعجابنا به إلاّ حزننا على فقده. وفي تلك الروايات التمثيلية التي أثمرها فكره الناضج الجميل.
ولكن إذا ما ذهبنا لرؤية رواية من رواياته تمثل في أحد المسارح فلنذكر أن الفن التمثيلي إنما ولد في بلاد اليونان، وإن ما خلفه الإغريق من القطع التمثيلية التي هي للعالم ذخر يعتز به ويحرص عليه، منذ خمسة وعشرين قرنا، لأنها هي أكمل وأبدع الروايات التمثيلية التي أنتجها الفكر البشري. لنذكر ونحن نقرأ روايات شكسبير وكورني وجوتيه، انه لولا اليونان لما كانت تلك الآثار وكذلك فنون الأدب الأخرى، فان مرجعنا فيها إلى أدب اليونان والرومان، الذي هو المنبع والمرجع لكل من آداب الأمم العربية. والآن يحق لنا أن نتساءل هل يجوز أن تستبعد الآثار اليونانية من النهضة الجديدة التي يعيش في ظلها كل مصري
стр. 1000
في وقتنا هذا سواء أدرك ذلك أم لم يدركه، وسواء رغب في ذلك أم رغب عنه؟ ومن ذا الذي تبلغ به الجرأة على أن ينادي بالاكتفاء بالأدب الأوربي عن الأدب اليوناني، والاستغناء عن المثال اكتفاء بالقياس؟
قال الأستاذ جيب في كتاب (تراث الإسلام) مقارنا بين أدب اليونان والعرب؟: (من أهم مميزات الأدب العربي والفارسي أنه عاطفي وأن الطالب الذي نشأ على حب المثل اليونانية في الأدب لن يجد في أدب العرب والفرس تلك الصفات التي امتاز بها أدب اليونان والتي هي السر في قوته الساحرة الباقية على مدى الزمان، وبرغم ما فيه من قوة الصياغة التي قد يفوق فيها قوة الصياغة في أدب اليونان، فإن فيه جمودا وفي أدب اليونان تنوعا، وفيه إغراق ومبالغة وفي أدب اليونان شدة ووقار، وقد بلغ الكتّاب اليونان واللاتين ما بلغوه من العظمة بتوخي البساطة والسهولة وعدم الاندفاع. بينما الكاتب الشرقي ينسج آياته فيملأها بالبديع الغامض من اللفظ، ويلتمس لها الاستعارات والكنايات البعيدة الخلاّبة. واليوناني يؤثر في الفكر بواسطة الجمال الخالص. أما العربي أو الفارسي فيؤثر في الحاسة أو في الخيال بما يأتي به من الألوان الساحرة).
والآن أليس من المحتمل أن قد يتاح لأبناء مصر أن يوفقوا بين المثل الأدبية العربية واليونانية؟ أليس ممكنا أن تعليما يتناول دراسة الأدبين العربي واليوناني في آن واحد، قد يأتي بنتائج لا يحلم بها أحد، ويوجد في الأدب العربي ثروة جديدة، إذ يكون سببا في خلق مسرح قومي وأناشيد وقصائد وتاريخا ونقدا أدبيا، وهذا كله يجمع مزايا كل من الأدبين ويفوق كلا منها؟ فهل يكون أملاً بعيداً أن نرجو أن الجامعة المصرية قد تصبح يوما ما ذات شهرة عظيمة في أمور كثيرة، ومنها أنها المعهد الذي يساعد على إيجاد مثل ذلك الأدب؟
في القرن الثالث الهجري، كتب الجاحظ وهو بالبصرة: (إننا لو لم تكن لدينا كتب الأوائل التي خلّدوا فيها حكمتهم وعلمهم والتي ذكروا فيها تاريخهم وأعمالهم حتى نكاد أن نراهم بأعيننا. ولو لم تكن عندنا ثروة تجاريهم، لكان حظنا من الحكمة والعلم صغيرا ضئيلا). هكذا كتب الجاحظ وما كان نصيبه من حكمة القدماء إلاّ نزرا يسيرا. فهل نكون نحن أقل اعترافاً منه بالجميل مع أن نصيبنا أكبر وأوفر؟
стр. 1001
بلاط الشهداء بعد ألف ومائتي عام
للأستاذ محمد عبد الله عنان
في أواخر أكتوبر من العام الماضي، كان قد انقضى ألف ومائة عام كاملة على حادث كان له أعظم الآثار وأبعدها في تاريخ الإسلام والنصرانية، بل كان كلمة الفصل الحاسمة في مصاير الإسلام والنصرانية.
هذا الحادث الجلل، هو موقعة بلاط الشهداء التي تعرف في التواريخ الإفرنجية بموقعة (توراوبواتييه)، والتي نشبت بين العرب والإفرنج في سهول فرنسا على ضفاف اللوار في أوكتوبر سنة ٧٣٢.
وقد مضى على بلاط الشهداء ألف ومائة عام، وتغير وجه التاريخ، ومحيت آثار الإسلام من غرب أوربا ومن الأندلس منذ نحو أربعة قرون. ومع ذلك فإن ذكريات بلاط الشهداء ما زالت حيّة في الغرب، وما زالت وقائعها وآثارها التاريخية موضع التقدير والتأمل من جانب المؤرخ الغربي. وكان انقضاء الألف ومائتي عام على حدوثها، ذكرى جديدة نظمت من أجلها الاحتفالات في فرنسا، وكانت مثار تأملات وتعليقات جديدة، تدور كلها حول الصيحة التاريخية القديمة: لو لم يرد العرب والإسلام في سهول تور، لما كانت ثمة أوربا نصرانية، بل لعلّه ما بقيت نصرانية على الإطلاق، ولكان الإسلام اليوم يسود أوربا، وكانت أوربا الشمالية تموج اليوم بأبناء الشعوب السامية ذوي العيون الدعج والشعور السود، بدلاً من أبناء الشعوب الآرية ذوي الشقرة والعيون الزرق.
وهذا الحادث الجلل، وهذه الذكريات والتأملات التي آثارها وما زال يثيرها، هي موضوعنا في هذا الفصل. وسنعنى بشرح مقدماته وتفاصيله على ضوء أوثق المصادر العربية والغربية، وسيرى القارئ بعد إذ يتلو هذه التفاصيل، أن التاريخ الإسلامي كله قد لا يقدم إلينا حادثا له من الخطورة والأهمية وبعد الأثر ما لموقعة بلاط الشهداء.
- ١ - افتتح العرب إسبانيا، وغنموا ملك القوط في سنة ٩٧ - ٩٨هـ (٧١١ - ٧١٢) م على يد الفاتحين العظيمين طارق بن زياد وموسى بن نصير، في عهد الوليد بن عبد الملك، وأضحت أسبانيا من ذلك التاريخ كمصر وأفريقية ولاية من ولايات الخلافة الأموية، وتعاقب عليها الولاة من قبل الخليفة الأموي، ينظمون شؤونها، ويدفعون الغزوات الإسلامية
стр. 1002
إلى ما وراء جبال البرنيه (البرت أو الممرات) في غاله (جنوب فرنسا)، فلم تمض عشرون عاما على افتتاح الأندلس حتى استطاع العرب أن يجتاحوا ولايات فرنسا الجنوبية، وأن يبسطوا سلطانهم على سهول الرون وأن يتقدموا بعيدا في قلب فرنسا.
ولكن إسبانيا المسلمة على حداثة عهدها لم تلبث أن اضطرمت بالفتن والمنازعات الداخلية، ولم تلبث النصرانية أن أفاقت من دهشتها الأولى، وتأهبت للنضال والمقاومة، ولقي العرب بعد ثورة الظفر التي اجتاحت جنوب فرنسا، هزيمتهم الأولى في موقعة تولوشة (تولوز) في ذي الحجة سنة ١٠٢هـ (يونيه سنة٧٢٢ م) وقتل أميرهم وقائدهم السمح بن مالك، فارتدوا إلى سبتمانيه بعد أن فقدوا زهرة جندهم وسقط منهم عدة من الزعماء الأكابر.
وقطعت الأندلس بعد ذلك زهاء عشرة أعوام من الاضطراب والفوضى، وخبت ثورة الفتح، وشغل الولاة بالشؤون والمنازعات الداخلية، حتى عيّن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي واليا للأندلس في صفر سنة ١١٣هـ (أبريل سنة ٧٣١م).
ولسنا نعرف كثيراً عن سيرة الغافقي الأولى، ولكنا نعرف أنه من التابعين الذين دخلوا إلى الأندلس، ثم نراه بعد ذلك من زعماء اليمانية وكبار الجند ونراه في سنة ١٠٢هـ، على أثر موقعة تولوشه ومقتل السمح بن مالك، يتولّى قيادة الجيش وإمارة الأندلس باختيار الزعماء والقادة مدى أشهر، ثم لا نسمع عنه بعد ذلك، حتى يولّى إمارة الأندلس للمرة الثانية من قبل الخليفة سنة ١١٣هـ. على الذي لا ريب فيه هو أن عبد الرحمن الغافقي كان جنديا عظيما ظهرت مواهبه الحربية في غزوات غاليا، وحاكما قديراً، بارعاً في شؤون الحكم والإدارة، ومصلحا مستنيراً يضطرم رغبة في الإصلاح، بل كان بلا ريب أعظم ولاة الأندلس وأقدرهم جميعا. وتجمع الرواية الإسلامية على تقديره والتنويه برفيع خلاله، والإشادة بعدله وحلمه وتقواه، فرحبت الأندلس قاطبة بتعيينه، وأحبه الجند لعدله ورفقه ولينه، وجمعت هيبته كلمة القبائل، فتراضت مضر وحمير، وساد الوئام نوعا في الإدارة والجيش، واستقبلت الأندلس عهدا جديدا.
وبدأ عبد الرحمن ولايته بزيارة الأقاليم المختلفة فنظم شؤونها وعهد بإدارتها إلى ذوي الكفاية والعدل، وقمع ألفتن والمظالم ما استطاع، ورد إلى النصارى كنائسهم وأملاكهم المغصوبة، وعدّل نظام الضرائب وفرضها على الجميع بالعدل والمساواة، وقضى صدر
стр. 1003
ولايته في إصلاح الإدارة وتدارك ما سرى إليها في عهد أسلافه من عوامل الاضطراب والخلل، وعني بإصلاح الجيش وتنظيمه عناية خاصة فحشّد من الصفوف من مختلف الولايات وأنشأ فرقا جديدة مختارة من فرسان البربر بإشراف نخبة من الضبّاط العرب وحصّن القواعد والثغور الشمالية وتأهب لإخماد كل نزعة إلى الخروج والثورة.
وكانت الثورة توشك أن تنقض في الواقع في الشمال، وبطلها في تلك المرّة زعيم مسلم هو عثمان بن أبي نسعة الخثعمي حاكم الولايات الشمالية. وكان ابن أبي نسعة (أو منوزا أو مونز كما يسميه الإفرنج) من زعماء البربر الذين دخلوا الأندلس عند الفتح مع طارق. وقد عيّن واليا للأندلس قبل ذلك بثلاثة أعوام ولم يطل أمد ولايته، ثم عيّن حاكما للولايات البرنيه وسبتمانيه. وقد كان الخلاف يضطرم منذ الفتح بين العرب والبربر. وكان البربر يحقدون على العرب إذ يرون أنهم قاموا بمعظم أعباء الفتح واستأثر العرب دونهم بالمغانم الكبيرة ومناصب الرئاسة. وكان ابن أبي نسعة كثير الأطماع شديد التعصب لبني جنسه وكان يؤمل أن يعود إلى ولاية الأندلس ولكن عبد الرحمن فاز بها دونه فزاد ذلك في حقده وسخطه وأخذ يترقب الفرص للخروج والثورة.
стр. 1004
إلى الدكتور هيكل
بإذن الدكتور طه
عزيزي هيكل
حوار ناعم صاغته أناملكما القديرة. وحجاج ذو غمزات تواثبت فيه من كل جهة مع يراعاة الربيع، مهبات الصبا ونفحات النرجس.
إن ما نثرتماه على طريق القرّاء أشبه (بأقاحي الخميلة وحريرها) ولكني لهذا خفت أن يكون ما بين طيات النرجس وتحت الحرير نفاثة طائشة، من حشرة ساهية تضرب ما بين الدعاب البريء، فتصيب من غيركما مقتلا للهوى أو ميلا وليداً للفن.
بل خفت على رغم ما صرّحت به، أن تعود فتعتصم من الغلط. اغلط يا صديقي هيكل، بل يا صديق قرّائك، إذ لا معرفة بيني وبينك إلاّ ما بلغني من فيض قلمك. اغلط وأكثر من الغلط الموهوم. وكسر من هذه القيود التي كسر بعضها من قبلك طه. كسرها لنفسك ولنا. كما كسرها لنا وله. وأعلن، أعلن عن جهدك، عن كتبك، فاسمك للقرّاء شعر موسيقي يتهلل له الضمير المسجون. أعلن لنعرف نحن، قريبين أو بعيدين، أن منّا رجال العمل والتفكير. أسمك مجد لقارئيك وللعربية. كلاّ! لست بذلك أمريكيا، فأرباب القلم أجمعوا أن يكون لهم جمعيات ومجلات ومشروعات عدّة لمجرد الإعلان الأدبي في أقطار العالم المتمدن.
أسلوبك شائق، عباراتك كصفوف جيش أعدت للهجوم. أفكارك تلتهب ما بينها التهاب القنابل: هذا جيشان نفسك المزدحم! أكثر من شخصيتك، أسكب نفسك كأنوار الشمس، يتلذذ بالحياة العلمية والوطنية فيها من يقرؤك.
إن أغلاط أكابر الكتّاب هي صك تحرير النشىء الصاعد.
بيروت. حبيب شماس
والرسالة تسأل السياسة
أهذا الكتاب الرقيق على ما فيه خير أم ذلك الخزي الذي نشرته يوم الاثنين فأهانت بنشره اللغة والأدب والذوق والعراق؟!
стр. 1005
بنت فرعون تحب
للأديب حسين شوقي
الأميرة (تتي) تعسة جدا لأنها تحب ولكن حبها مستحيل لأنه بشري. . يا للكفر! بنت الفراعنة، بنت الآلهة تحب رجلا فانيا؟ حقا إنه لخطب جلل! ماذا تفعل الأميرة في حيرتها واضطرابها الوجداني؟ ستطلع الملكة على سرها علّها تعينها في الخطب فهي أمها ذات الصدر الحنون، برغم ما يزعمه الناس في أن تلك الأم من منبت ربّاني، وبرغم ما يحيطونها به من مظاهر العبادة والتقديس. ذهبت الأميرة إلى الملكة فأطلعتها على جلية الأمر. . . فحزنت الملكة من أجل ذلك حزنا شديدا، لعلمها بأن أبنتها لن تحقق حلمها اللذيذ، وقد كان لها هي أيضا في صباها مثل هذا الحادث ولم يشفها منه إلا سيل من الدموع. . الملكة في حيرة من أمرها لأن حب تتي ليس حبا زائلا كما توهمت أول وهلة بل هو حب مرضي في درجته الثالثة. . والأميرة آخذة في الذبول، على أن شحوب وجهها قد زادها رونقا وجمالا،. . أتطلع الملكة بدورها فرعون على الأمر؟ كلا! لا فائدة من ذلك لأن فرعون ليس بشرياً وإنما هو إله عابس نحت قلبه من صوان نوبيا الأصم. . ولو عرف السر لقضى على العاشق وهو فتى إغريقي في جيشه. .
هدأت الملكة من روع (تتي)، ولكن من إذن يخرج الملكة من حيرتها؟ الكاهن الأكبر؟ أجل! هو صديقها وهو رجل قادر مهيب مقرّب كما يزعم الناس من الآلهة متصل بهم اتصالا وثيقا. . أطلعت الملكة الكاهن على السر، ولكن ماذا يعمل الكاهن! الكاهن يحك صلعته حيرة، لأن الحب كما يعلم شيطان متعب لا يعبأ بالرقي والتعاويذ، بل يسخر من الآلهة والناس على السواء!.
قال الكاهن بعد أن عصر قريحته: حسنا يا مولاتي سنقيم تمثالا لآمون الرب الأكبر في حجرة الأميرة عساه يطرد ذلك الجني الخبيث الذي اختبأ في قلب الفتاة. . ثم مرت الأيام والتمثال لا يأتي بمعجزة، إلاّ أنه زاد في زينة الحجرة لأنه كان جميل المنظر صنع كله من الذهب الخالص. . أمّا العاشق واسمه بالاس وهو من منبت إغريقي كما قدمنا فقد كاد يجن من هذه الخرافات، فضلا عن أنه كان يحب الأميرة حبا جمّا، تلك الفتاة التي كان يدعوها بحق: الظبية الأفريقية. .
стр. 1006
ولكن ماذا يفعل بالاس في قوم يشركون الآلهة في كل شأن من شؤون الحياة؟ التقى بالاس ذات ليلة بالأميرة تحت شجرة الجميز الكبرى القائمة في إحدى زوايا القصر، حيث اعتاد الفتى والفتاة أن يتناجيا بلغة كوبيدون الشجية، كلما سنحت لهما الفرصة، فقال بالاس: أميرتي! هيا نهجر هذا البلد الذي حرّم الحب تحت سمائه، حيث يسعد القط والضفدع فيؤلهان ويقدسان، بينما يشقى البشر. . لنذهب إلى يونان الجميلة. . فأجابت تتي في حماسة: ما أعظم شوقي إلى رؤية وطنك المحبوب ذي الجبال الشاهقة التي يرتقى منها الناس إلى مقر الآلهة في الأولمب!!.
ولكن عادت تتي فقطبت حاجبيها قائلة: ولكني أخشى غضب الآلهة وسخطهم علينا يا بالاس! فصاح بالاس: كلا يا حبيبتي لا تخشي شيئا لأن الحب الذي يحرك قلبينا: ما هو الا هبة من نفس أولئك الآلهة. أعد بالاس بعد تلك المقابلة زورقاً وجهزه بالزاد لرحلة طويلة، وفي ليلة ظلماء حمل بالاس الأميرة إلى الزورق نازلا في النيل إلى البحر الأبيض، ولم ينس أن يحمل معه أيضا التمثال الذهبي الذي وضع في حجرة تتي لشفائها من الحب، ولما سألته الأميرة في دهشة عن سبب حمله للتمثال كذلك، أجابها مبتسما: هذا. . . مهرك يا حبيبتي!
كرمة بن هانئ. حسين شوقي
стр. 1007
في الأدب العربي
عكاظ والمربد
للأستاذ أحمد أمين
من أبعد الأماكن أثراً في الحياة العربية عكاظ والمربد، وقد كان أثرهما كبيرا من نواح متعددة: من الناحية الاقتصادية ومن الناحية الاجتماعية ومن الناحية الأدبية، ودراستهما تضئ لنا أشياء كثيرة في تاريخ العرب.
ولكن يظهر لي أنه لم يعن بهما العناية اللائقة، فلا نرى فيما بين أيدينا الا كلمات قليلة منثورة في الكتب يصعب على الباحث أن يصور منها صورة تامة أو شبهها، ومع هذا فسنبدأ في هذه الكلمة بشيء من المحاولة في توضيح أثرهما وخاصة من الناحية الأدبية.
عكاظ
في الجنوب الشرقي من مكة وعلى بعد نحو عشرة أميال من الطائف ونحو ثلاثين ميلا من مكة، مكان منبسط في واد فسيح به نخل وبه ماء وبه صخور، يسمى هذا المكان (عكاظ)، وكانت تقام به سوق سنوية تسمى سوق عكاظ، وقد اختلف اللغويون في اشتقاق الكلمة فقال بعضهم: اشتقت من (تعكظ القوم) إذا تحبسوا لينظروا في أمورهم، وقال غيرهم سميت عكاظا لأن العرب كانت تجتمع فيها فيعكظ بعضهم بعضا بالمفاخرة أي يعركه ويقهره، كما اختلفت القبائل في صرفها وعدم صرفها، فالحجازيون يصرفونها وتميم لا تصرفها، وعلى اللغتين ورد الشعر:
قال دريد ابن الصمة: (تغيبت عن يومي عكاظ كليهما)
وقال أبو ذؤيب:
إذا بُنى القباب على عكاظ … وقام البيع واجتمع الألوف
وكان للعرب أسواق كثيرة محلية كسوق صنعاء، وسوق حضرموت وسوق صحار وسوق الشحر، انما يجتمع فيها - غالبا - أهلها وأقرب الناس إليها. وبجانب هذه الأسواق الخاصة أسواق عامة لقبائل العرب جميعا، أهمها: سوق عكاظ، وسبب عمومها وأهميتها على ما يظهر:
стр. 1008
(١) أن موعد انعقادها كان قبيل الحج، وهي قريبة من مكة وبها الكعبة، فمن أراد الحج من جميع قبائل العرب سهل عليه أن يجمع بين الغرض التجاري والاجتماعي بغشيانهم عكاظ قبل الحج، وبين الغرض الديني بالحج.
(٢) أن موسم السوق كان في شهر من الأشهر الحرم - على قول أكثر المؤرخين، والعرب كانت في (الشهر الحرام) لا تقرع الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يهيجه تعظيما له، وتسمى مضر الشهر الحرام بالأصم لسكون أصوات السلاح فيه، وفي انعقاد السوق في الشهر الحرام مزية واضحة، وهي أن يأمن التجار فيه على أرواحهم، وإن كانوا أحيانا قد انتهكوا حرمة الشهر الحرام فاقتتلوا كالذي روي في الأخبار عن حروب الفجار كما سيجيء، ولكن على العموم كان القتل في هذا الشهر مستهجنا، قال ابن هشام: إني آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ، الخ وقد قال ذلك استعظاما لقتله.
(فكان يأتي عكاظ قريش وهوازن وغطفان والأحابيش وطوائف من أفناء العرب) وكانت كل قبيلة تنزل في مكان خاص من السوق، ففي الخبر أن رسول الله ذهب مع عمه العباس إلى عكاظ ليريه العباس منازل الأحياء فيها، ويروى كذلك أن رسول الله جاء كندة في منازلهم بعكاظ بل كان يشترك في سوق عكاظ اليمنيون والحيريون. يقول المرزوقي: كان في عكاظ أشياء ليست في أسواق العرب، كان الملك من ملوك اليمن يبعث بالسيف الجيد والحلة الحسنة والمركوب الفاره فيقف بها وينادي عليه ليأخذه أعز العرب، يراد بذلك معرفة الشريف والسيد فيأمره بالوفادة عليه ويحسن صلته وجائزته ويروي ابن الأثير عن أبي عبيدة (ان النعمان ابن المنذر لما ملكه كسرى ابرويز على الحيرة كان النعمان يجهز كل عام لطيمة - وهي التجارة - لتباع بعكاظ). فترى من هذا أن بلاد العرب من أقصاها إلى أقصاها كانت تشترك في هذه السوق. واختلفت الأقوال في موعد انعقادها، وأكثرها على أنه كان في ذي القعدة من أوله إلى عشرين منه، أو من نصفه إلى آخره، قال الأزرقي في تاريخ مكة.
(فإذا كان الحج. . . خرج الناس إلى مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة فيقيمون به عشرين ليلة تقوم فيها أسواقهم بعكاظ، والناس على مداعيهم وراياتهم منحازين
стр. 1009
في المنازل تضبط كل قبيلة أشرافها وقادتها، ويدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء، ويجتمعون في بطن السوق، فإذا مضت العشرون انصرفوا إلى مجنة فأقاموا بها عشرا، أسواقهم قائمة، فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز ثم إلى عرفة؛ وكانت قريش وغيرها من العرب تقول لا تحضروا سوق عكاظ والمجنة وذا المجاز الا محرمين بالحج، وكانوا يعظمون أن يأتوا شيئا من المحارم أو يعدو بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وفي الحرم.)
وظيفته: كانت سوق عكاظ تقوم بوظائف شتى فهي (أول كل شيء) متجر تعرض فيه السلع على اختلاف أنواعها، يعرض فيه الأدم والحرير والوكاء والحذاء والبرود من العصب والوشى والمسير والعدة ويباع به الرقيق ويعرض فيه كل سلعة عزيزة وغير عزيزة، فما يهديه الملوك يباع بسوق عكاظ ويتقاتل ابن الخمس مع الحارث بن ظالم فيقتله ابن الخمس ويأخذ سيف الحارث يعرضه للبيع في عكاظ، وعبلة بنت عبيد بن خالد يبعثها زوجها بأنحاء سمن تبيعها له بعكاظ.
ونسبوا إلى عكاظ فقالوا: أديم عكاظي أي مما يباع في عكاظ. ولم تكن العروض التي تعرض في سوق عكاظ قاصرة على منتجات جزيرة العرب، فالنعمان يبعث إلى سوق عكاظ بمتجر من حاصلات الحيرة وفارس لتباع بها ويشتري بثمنها حاصلات أخرى، بل كان يباع في عكاظ سلع من مصر والشام والعراق، فيروي المرزوقي أنه قبل المبعث بخمس سنين حضر السوق من نزار واليمن ما لم يروا أنه حضر مثله في سائر السنين، فباع الناس ما كان معهم من إبل وبقر ونقد وابتاعوا أمتعة مصر والشام والعراق. وكانت السوق تقوم بأعمال مختلفة اجتماعية، فمن كانت له خصومة عظيمة انتظر موسم عكاظ (كانوا إذا غدر الرجل أو جنى جناية عظيمة انطلق أحدهم حتى يرفع له راية غدر بعكاظ فيقوم رجل فيخطب بذلك الغدر فيقول: ألا أن فلان ابن فلان غدر فاعرفوا وجهه، ولا تصاهروه ولا تجالسوه ولا تسمعوا منه قولا، فان اعتب وإلا جعل له مثل مثاله في رمح فنصب بعكاظ فلعن ورجم.) وهو قول الشماخ:
ذعرت به القطا ونفيت عنه … مقام الذئب كالرجل اللعين
ومن كان له دين على آخر أنظره إلى عكاظ، ومن كان له حاجة أستصرخ القبائل بعكاظ
стр. 1010
كالذي حكى الأصفهاني أن رجلاً من هوازن أسر فاستغاث أخوه بقوم فلم يغيثوه فركب إلى موسم عكاظ وأتى منازل مُذْحَجَّ يستصرخهم. وكثيراً ما تتخذ السوق وسيلة للخطبة والزواج فيروي الأغاني أنه اجتمع يزيد بن عبد المدان وعامر بن الطفيل بموسم عكاظ، وقدم أميّة بن الأسكر الكناني وتبعته ابنة له من أجمل أهل زمانها فخطبها يزيد وعامر فتردد أبو هاشم، ففخر كل منهما بقومه وعدد أفعاله في قصائد ذكرها.
ومن كان صعلوكا فاجرا خلعته قبيلته (إن شاءت) بسوق عكاظ وتبرأت منه ومن فعاله كالذي فعلت خزاعة: خلعت قيس بن منقذ بسوق عكاظ أشهدت على نفسها بخلعها إياه وأنها لا تحتمل له جريرة ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه.
стр. 1011
من طرائف الشعر
كليوبطرة تناجي القصر
قطعة نظمها شاعر الخلود شوقي بك في رواية كليوبطرة ثم بدا له فأسقطها منها فلم تنشر.
أيها القصر أترْعى عهدنا … وتفي أن عز في الناس الوفى؟
لا تضع عندك أسرار الهوى … واختزنها في الزوايا والحني
واتخذ ختماً على أشيائه … إن أشياء الهوى كنز سنى
ذكريات كلما حركتها … ضاع من جدرانك المسك الزكي
قُبَل: لم يحصها إلاّ الهوى … طِبنَ بالصبح وطيّبن العشى
يجد الجسم لها همساً كما … خفق السنبل أو رن الحلى
وعناق كالجفون اشتبكت … والغصين التف باللدن الطري
أيها القصر انقضى عرس الهوى … وطوى الأصباح ليل الأنس طي
وقديماً في الليالي لم تدم … بهجة العرس ولم يبق الدوى
القرآن والتعليم
عرض مشروع التعليم الإلزامي على مجلس الشيوخ فاقترح الأستاذ حسين والي حفظ القرآن لتلاميذ التعليم الأولى. فهز ذلك من صديقنا الهراوي فبعث إلى الرسالة بهذه الأبيات:
قل (لوالي) عُوذت بالقرآن … هل درى نبل قصدك المجلسان؟
وقفةُ منك للكتاب والدي … ن تولى تسجيلها الملكان
ليت شعري والخُلق في الناس فوضى … هل له وازع سوى القرآن؟
نحن في أمة تداركها الل … هـ بلطف ورحمة وحنان
خدَعتها حضارة الغرب حتى … كان منها عداوة الإيمان
فانبرت للفسوق والنكر والبغ … ي جميعا والإثم والعدوان
فإذا لم يكن من الدين حصن … تتمادى في الغي والعصيان
إنّ هذا القرآن يهدي إلى الرش … د ويدعو لصالح الإنسان
أصلح الله سعيكم هل أبيتم … أن تمدوا القرآن بالسلطان؟
стр. 1012
لا تقولوا: في الحافظين غناء … بعض هذا! فما تفيد الأماني؟
غير مجد أن يحمل الوحي صوت … يتغنى للأجر والإحسان
نحن نبغي القرآن علما وفهما … يخلقان الكمال في الشبان
نحن نبغي القرآن لفظا ومعنى … فهو صقل الحجا وصقل اللسان
نحن نبغي القرآن دينا ودنيا … يتجلى في هديّه الحسنيان
ليس مثل القرآن سحر من اللف … ظ وهدى وحكمة في المعاني
نحن نبغي القرآن في معهد الدر … س وفي كل منزل ومكان
الهراوي
رويدك قلبي
صبا القلب من شوق وحنّ إلى مصرا … رويدك قلبي لا حنين ولا ذكرا
تشوقك مصرٌ لا فؤاد بها إلى … لقائك مشتاق ولا كبد حرّى
تركتُ بمصر قبل بيني وديعة … من الود فاستولى عليها الردى غدرا
وما حفظت مصر ودادي ولا رعت … بعادي ولا صانت كما خلتها السرّا
فؤاد رحيم كان مس حنانه … أرق على قلبي من القطر أو أسرى
حننت له حينا وشاطرته الجوى … وحنّ إلى عودي وشاطرني الذكرى
ولو دام لي في مصر عذب وداده … لما اسطعت بعد اليوم عن أرضها صبرا
سلا اليوم ذكري في الثرى وتفردت … بحمل الأسى والشوق مهجتي الحسرى
أحن له ما راح دهري واغتدى … وما عشت أبلو بعد أمر له أمرا
وأسقي بدمعي ذكره كلما هفا … وهاجت بصدري لوعة تلهب الصدرا
يعود إلى أوطانه كل نازح … فيحمد ظلا في حماها ومستذرى
وأحيا غريبا طول عمري مفردا … رجعت لمصر أو تناءيت عن مصرا
لندن. فخري أبو السعود
стр. 1013
في الأدب الشرقي
من الأدب التركي الحديث
محمد بك عاكف
للدكتور عبد الوهاب عزام
لا أريد أن أعرف اليوم بصديقي عاكف بك، ومكانته بين شعراء الترك، وكيف استحق أن يسمى (شاعر الإسلام)، وعسى أن أعود إليه في مقال آخر حين يأذن لي تواضعه وحياؤه أن أكتب عنه، ولكني أعرض قطعة من الجزء الأول من ديوانه المسمى (الصفحات) عنوانها (سيفي بابا) أي (الأب سيفي) أو (عمنا سيفي) بلغة مصر.
ولست في حاجة إلى أن أبين للقارئ العزيز ما يفوته من جمال القطعة حين تترجم منثورة عاطلة من حلية النظم، ولا سيما نظم عارف بك المحكم السلس الذي يعمد إلى الموضوع الآنف. لم يألفه النظم ولم يَرُضه الشعراء فإذا هو ريّض مذلل موطأ للشعراء كأنهم درجوا عليه قرونا.
سيفي بابا
عدت البارحة إلى داري فقيل لي: (سيفي بابا) مريض طريح الفراش.
- ليت شعري ماذا به؟
- لا ندري. غير أن ابنه مرّ علينا مصبحاً فأخبرنا.
- ليتني كنت هنا. وا أسفاه. إليّ بالفانوس. أين عصاي؟ عجلي يا بنيتي. سأبيت هناك إن تأخرت فلا تنتظروا أوبتي. الطريق طويلة موحلة.
- لا بأس! لسنا وحدنا الليلة، فقد جاءت خالتكم.
العكّاز في يمناي، وفي اليسرى فانوس مكسور الزجاج تبص فيه شمعة، والمطر منهمر، والوحل إلى الحيازيم، ليس للسابل منجاة من الغرق، لولا أن أرواح الأحجار، أحجار البلاط التي دفنها البلى تنبعث أمامه فتدعوه إلى الاعتصام بها. ما زلت كالعقعق، أحجل من حجر إلى حجر، ممطراً شآبيبالرحمة على موتى الأحجار. لا تسل عمّا عانيت، ما جاوزنا الأحجار إلاّ لنسبح في البحيرات سبحا، كان فانوسي يعوم فينثر الشرر حوله. كنا وإياه
стр. 1014
زورقين يتباريان، لا أدري كم سبحنا ولكنا انتهينا إلى البر، فأخذ فانوسي يحس ما حوله قليلا قليلا، وكان الجهد قد بلغ مني مبلغه، ولكنه كان أشد تعبا، وكنت أرى عليه خمار الكد والنعاس، تارة يصطدم كالأعمى بجدار غير مطلي، وتارة تتساقط أشعته الميتة على قبر، وحينا ينطلق تحت سقف دار خربة، وحينا يتخطى معبدا دارسا، وطورا أراه يطوف في زوايا مقفرة مخوفة، ثم يعترض أفظع الرجال لقاء غير هياب.
وعارٍ تدثر في ثوب من حالك الليل، يأوي إلى طنف، هو والويل مضطجعا في مهاد من الرغام. تخاله نائما وكيف ينام؟
وجماعات من البؤساء، ضن عليهم بالبيوت الشقاء، وأوكار خرست أصداؤها، وبيوت خاوية على عروشها، وأسراب النساء أشتات مطلقات، وأشتات من أفراخ هذه الزيجات المبثوثة، وأكوام من القمامات جاثمة في الظلمات: أسرات هائمات في الأزقة تحمل بيوتها على ظهورها، وقاطع طريق بالليل وهو في وضح النهار سائل، وشريد، وشحاذ، ولص وقاتل.
مناظر هائلة كلما بصر بها الفانوس الأعمى أبى إلاّ أن يريني إياها ولست أدري لماذا.
شرب الفانوس من ماء المطر فقال (جز) لا فظاً آخر أنفاسه. فانقلبت أعمى يتحسس طريقه بالسمع واللمس، وما أشد هذا هولاً! وصارت العكازة لي عينا ويدا ورجلا، لا أكذب الله، لقد استشعر قلبي الفزع.
أشكر الله، هذه ثلاثة فوانيس تمر أمامي. فلو استقامت على الطريق غير معرجة فسرت في أثرها! ما حاجتي إليها. قد اهتديت الطريق. أقول (اهتديت الطريق) وقد بلغت غايتي فهذه دار صديقي القديم. أأرى ضوءً؟ إن لم يكن فلا ريب إنه قد هجع. لابد أن يكون في وسط الباب حبل في طرفه خشبة، فإذا وجدته فجذبته ففتحت الباب. أجل. ولكن الباب موجف أحسب أن خارجا قد خرج الآن. ما لي ولهذا؟ قذفت نفسي داخل الدار ونزعت الجرموق من رجلي وتقدمت ثم ملت ذات اليمين فإذا سلم ذا أربع مراق أو خمس شق عليّ الارتقاء فيه قليلا. وملت نحو اليسار، وعالجت الستر الغليظ البالي المنسدل على الباب فوقع في أذني صوت الصديق الفقير.
(أين كنت يا بني؟ ما تفقدتني قط. لك العذر، والذنب لي إذ لم أخبرك. أعرف أن عملك
стр. 1015
كثير وان دارنا بعيدة. هلم فأسترح قليلا فلا شك أنك قد جهدت. أوقدت جارتنا النار منذ قليل فإن تكن مقرورا فأنبش في الموقد، قلّب النار وأصطل)
كانت غبشة الحجرة موحشة، فقلت لو أضاء هذا الفانوس! وقدحت علبة من الثقاب حتى أمسكت آخر الأعواد فأدنيته من رأس الشمعة فهبط النور على عينها العمياء، كما تكحل العين بالميل. انفتح ستر الظلام قليلا فتجلى للعين مرأى البؤس العريان. فلو كنت شاعرا ما استطعت أن أصوره، فإنها فلاكة لا يدركها الخيال. زحف (سيفي بابا) إلى الموقد ناشرا على ركبتيه عباءة بالية.
قد أغلى جارنا الزيزفون منذ حين فلو وجدناه! لا تقم، أنا أبحث عنه.
(إن أصبناه شربنا منه فهو نافع. هذا هو ذا يا بني. لا تبحث لا تبحث)
ووقعت يدي على مغلاة بطينة فأخذت أغلي الماء وأسقيه قدحا بعد قدح، فاستبان الدم قليلا في وجه صاحبنا الهرم.
- خبرني ماذا كانت علتك؟ لعل زكاما أصابك فهذا شتاء قارس جدا.
- قطر الماء من سقف محمد أغا وصعدت إلى السطح لإصلاح القراميد فأصابني البرد منذ خمسة عشر يوما. قل: ما لك وللقراميد أيها الأحمق! أراني العام مشترك اللب، ولست أدري أهي الشيخوخة أم ماذا. ولكن هب أني لا أصعد إلى السطوح لإصلاح القراميد فمن لي بالخبز؟ أيحسن أن أقعد كالأعمى وأبسط يدي إلى كل لئيم؟ يا بني من لم يكدح من أجل الخبز في هذه الدنيا فهو عار الأصدقاء، وسخرية الأعداء. وإلاّ فالشيخ الذي جاوز الخمسة والسبعين ليس كفئا للعمل، وليس عليه إلاّ أن يفرغ للوضوء والصلاة. مرضت فلم أجد أحدا يمرضني. عثمان دائب ليل نهار يطلب عملا يقتات منه. ولست أدري متى تدرك يده القوت. نحن في الساعة الثالثة الآن وهو لم يعد. ما أفضع الوحدة! يمضي الأسبوع يا بني لا يسقط إليّ أحد. قد بلغت مني الوحدة هذه المرة ما لا أطيقه.
- سأعرقك وأثقل غطاءك هذه الليلة فإني أحسبك إن عرقت كثيرا تماثلت.
دع الشيخ يعرق ملففا في لحافه. . . رقدت على كليم بجانب الموقد وشرعت أتحسس النوم ولكن هيهات هيهات. . وكان التعب قد غلبني فأغفيت، فلما لاحت تباشير الصبح استيقظت فقلت ينبغي أن أنصرف، ولكن لابد أن أدخل السرور على هذا الشيخ المعدم. لم أجد في
стр. 1016
كيسي شيئا، لم أجد عشر بارات، لم أجد إلاّ خاتمي ذليلا منكسرا.
стр. 1017
في الأدب الغربي
الذئب في الأدبين العربي والفرنسي
وصف الفرزدق صداقته وذئبا عاهده على ألاّ يخونه، فكان وفياً، ووصف الشريف الرضي ذئبا أصبح غرضا لقسي نوازع، وطعمة لرهط جائع؛ ووصف البحتري ذئباً هزيلا سدد إليه نصالاً أوردته منهل الردى، في قصائد تراها في دواوين هؤلاء.
وقد رأيت أنها في موضوع واحد - هو الذئب - فما المجلية بينها إذا جرت معا في حلبة السباق؟ وما التي تقرب من المثل الأعلى في الموضوع؟ وهل لها في غير العربية مثيل أو شبيه؟
وما دام في الفرنسية لهذه القصائد ند، وما دام بين الشعراء الفرنسيين من نظم في هذا الموضوع، فسنعرض لقصائدهم هذه بالنقل علّنا نستطيع الموازنة بينها كلها أو البحث فيها كلها، ولعل قصيدة (ألفرد دفيني) الشاعر الفرنسي الفذ في (موت ذئب) أقرب ما قرأت إلى هذه الروائع، فستكون أول ما نترجم، وأما الموازنة بينها فستكون في عدد تال إن شاء الله.
موت ذئب
خفت السحب إلى القمر المتألق، كما يخف الدخان إلى الحريق، واسودت الغابات فبلغ سوادها الأفق، وكنا نمشي على النبت الأخضر الندي دون أن ننبس بكلمة. فلمحنا في الظلام الكثيف تحت أشجار الصنوبر مخالب الذئاب التي كنا نطاردها منذ هنيهة.
فأنصتنا حابسين انفاسنا، وسمرنا أرجلنا إلى الأرض، فلا الغابة ولا السهل يتنفسان في وجه الريح الساكنة، اللهم إلاّ دولاب هواء حزينا كان يصعد في السماء زفرة وداع أليمة، لأن الهواء ارتفع عن الأرض فلا يصيبه منه شيء.
وكان كل شيء ساكنا، حين تقدم الصياد الشيخ خافض الرأس يتحرى ويدقق، فنظر إلى الرمل الذي اضطجع عليه منذ قليل ثم قال:، وهو الذي لم تؤخذ عليه هفوة، إن هذه الآثار آثار مخالب ذئبين كبيرين وجرويهما تبخرت منذ وقت غير بعيد.
فهيأ كل منا سكينه، أخفينا بندقياتنا وبريق حديدها الأبيض، ووقفت وثلاثة من رفاقي نرمي ببصرنا إلى الأمام، فإذا عينان تتقدان بالشرر، وأربعة أشباح أخرى رشيقة ترقص في
стр. 1018
وسط الأعشاب على ضوء القمر.
كانت الذئاب تشبه الراقصين بحركاتها، تلعب في صمت ورزانة عالمة أن على قيد خطوتين منها عدوها الإنسان، مضطجعا بين جدران بيته لم يأخذ النوم بمعاقد أجفانه بعد.
وكان الذئب الأب واقفاً على بعد أمام الشجرة وزوجه مستريحة كصنم المرمر الذي عبده الرومان ومنه انحدر روموس ورومولوس.
وأقعى الذئب ومخالبه غائصة في الرمل، حين علم أنه هالك لا محالة، لأن عدوه باغته وملك عليه سبيله، وامسك بفمه الملتهب عنق أجرأ كلابنا، ولم يحول عنه فكيه الحديديين على رغم طلقاتنا النارية التي اخترقت جلده، وعلى رغم مدانا الحادة التي مزقت أحشاءه، ولكنه لما أحس بأن فريسته فارقت الحياة قبل أن يفارقها هو، أفلته من فكيه، ونظر إلينا مرة وأتبعها أخرى إلى جسمه فرأى المدى غارقة في أحشائه، ورأى نفسه سابحا في بحر دمائه، تحيط به البنادق، فحدق فينا ثانية واضطجع وهو يلعق ذنبه بفمه، ويلقف نزيف الدم من كلومه، ودون أن يجرب أو يبحث كيف يموت، أغمض عينيه الكبيرتين ومات دون أن يصرخ صرخة واحدة. . .
أسندت جبهتي حينذاك إلى بندقيتي واستسلمت للأفكار فلم أجد سبيلا إلى متابعة تلك الصور المريرة التي سيصبح عليها أولاده الثلاثة، وتصورت حال الأم وقد أرادت أن تشارك زوجها في حمل عبء هذه التجربة الخطرة، ولكن واجبها يقضي بان تنقذ أولادها، وأن تعلمهن كيف يتحملن الجوع، ويصبرن على ملاقاة الموت، وأن تحذرهن دخول المدن لئلا يخدعن بالعهد الذي قطعة الإنسان للحيوان، هذا الحيوان الذي يجري أمامه في الصيد، ويخدمه. . كل ذلك ليؤويه وهو سيد السهل والجبل. .
وا أسفاه! لقد فكرت كثيراً في معنى عظمة هذا الاسم الذي يتحلى به بنو الإنسان، وعدت إلى نفسي خجلاً أتهم الإنسان بالضعف والجبن.
أنت وحدك أيها الحيوان علمت كيف يجب أن نغادر الحياة وأوزارها، فليس فيما نعمله في الحياة الدنيا، وفيما نتركه عليها ما يستحق الذكر الا الصمت. هو العظمة، وكل ما سواه ضعف.
آه!. . لقد فهمت معنى نظرتك أيها المسافر المستوحش لأنها نفذت إلى أعماق فؤادي قائلة:
стр. 1019
- (إذا استطعت فاجعل نفسك، على تفكيرها وحلمها، واثقة مطمئنة من القضاء والقدر. الشهيق والبكاء وصلاة الخوف كلها جبن، فاعمل بثبات عملك الطويل الشاق، في الطريق الذي شاء الحظ أن يدعوك إليه، ثم. . تألم. . ومت. . مثلي دون أن تنبس بكلمة).
حلب. سامي الدهان
بنجن على ضفاف الرين
للشاعرة الإنكليزية
كان ثمة جندي ملقى على الأرض في بلاد المغرب ينتظر موته. لم تعن به ممرضة، ولم تذرف الدمع على فقده امرأة.
ولكن عني به صديق وقف إلى جانبه وهو يلفظ النفس الأخير. ومال على المحتضر بنظرات كلها إشفاق وحسرة ليسمع ما قد يقول.
تناول الجندي المشرف على الموت يد رفيقه وقال بصوت متهدج مرير: لن أراك يا وطني - يا وطني العزيز بعد: بربك خذ رسالتي وابلغها أصدقائي البعيدين كل البعد، فقد ولدت في بنجن - في بنجن على ضفاف الرين!
قل لاخوتي ورفاقي عندما يحتشدون حولك، ليسمعوا قصتي المحزنة في مزرعة الكرم، قل لهم إننا قاتلنا بشجاعة وإقدام، فلما انتهى اليوم كانت الجثث مبعثرة فوق الثرى عليها صفرة الموت تحت الشمس الغاربة وبين الموتى جنود مارست الحرب وعركتها، صدورهم دامية من اثر الطعن، وبعضهم صغير السن لم يلبث أن أظلم صبح حياته، وواحد منهم من بنجن - من بنجن الجميلة على ضفاف الرين.
قل لامي أن اخوتي الباقين سيكونون لك خير عزاء! قل لها لقد كنت عصفوراً هائماً يحسب وطنه القفص وقد كان أبي جنديا وكنت في طفولتي أهتز طربا عندما أسمعه يقص عن الحروب أروع القصص.
فلما مات وتركنا نتقاسم ميراثه المتواضع قلت لهم خذوا ما شئتم ولكن دعوا لي حسام أبي. وبشغف الطفولة المرحة علقته حيث تسطع الشمس على حائط الكوخ في بنجن - بنجن الهادئة على ضفاف الرين.
стр. 1020
قل لأختي لا تبك عليّ ولا تحزن!
إذا رأت الجنود عائدة إلى مستقرها بخطى مطمئنة فرحة، قل لها لا تبك، ولا تعول بل لتنظر إليهم بفخر وزهو لأن أخاها كان جنديا مثلهم، ولم يكن يهاب الردى. وإذا تقدم إليها أحد الرفاق من الجند يخطب ودها فاسألها باسمي أن تنصت إليه، لا آسفة ولا مانعة: ولتعلق ذلك السيف القديم في موضعه، سيف أبي وسيفي حبا في بنجن القديمة - بنجن الغالية على ضفاف الرين.
وثمت فتاة أخرى ليست بأخت، صحبتها في الأيام السعيد السالفة، ستعرفها من ذلك الحبور الذي يتلألأ في عينيها، بريئة لم يمسها العار، متهكمة يحلو لها أن تهزأ وتسخر. غير أني أيها الصديق أخاف على أشد القلوب جذلاً من أن يثقلها الحزن.
قص عليها حديث الليلة الأخيرة من حياتي، لأنني سأموت قبل طلوع القمر. ستذهب من جسدي الآلام وتخرج روحي من السجن. كأنني أحلم بها وأنا واقف معها نشاهد الشمس وهي تغرب وراء تلال بنجن المكسوة بالكروم - بنجن الجميلة على نهر الرين.
إني أرى النهر الأزرق يتدفق ماؤه، واسمع أو يخيل إليّ أني اسمع: أناشيد الألمان التي كنا نغنيها في صوت متناسق عذب فنتردد بين النهر والسهول المنحدرة في جوف الليل الصامت الهادئ. إني أرى عينيها محدقتين فيّ، ضاحكتين زرقاوين، وكأنني أسير إلى جانبها، في تلك الطرق المحببة إليّ، تلك الطرق التي أذكرها بالإجلال والتقديس، وأحس بيدها الصغيرة آمنة في يدي. ولكنا لن نلتقي مرة أخرى في بنجن - في بنجن العزيزة على ضفاف الرين
أخذ صوته الأجش يضعف ويفنى، وصارت قبضته كقبضة الطفل وارتسمت في عينيه أشباح الموت، ثم تنهد وامسك عن القول.
فمال عليه صديقه لينهضه؛ ولكن سراج حياته كان قد خبا.
لقد مات الجندي المسكين في أرض نائية عن وطنه. عندئذ طلع القمر على مهل واطلّ على الكون وعلى الرمال المخضبة بالدماء إثر المعركة، وعلى الجثث المتناثرة (المبعثرة).
وفي هدوء، أرسل أشعته الشاحبة على ذلك المنظر المفزع. كما يرسلها على بنجن البعيدة - بنجن الجميلة على نهر الرين.
следующие страницы →