Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وهذه القرنفلة فما أرى إلا انهما قادرتان على هذا العزاء. ولكنك مخطئ أن ظننت انك قد أنسيتني بهذا الحديث قصة الورد والقرنفل فما زلت أذكرها وأنتظرها. فتحدث. قال: إنها يا آنسة قصة طويلة وليس هذا وقت البدء فيها. فإذا عدت من رحلتك السعيدة إلى أوروبا فسأحدثك بها، وأنا زعيم بأنك ستجدين في الاستماع لها لذة ورضى.
стр. 1052
آفة اللغة هذا النحو. . .
أذكر أن الطالب الناشئ كان يدخل الأزهر فيجد أول ما يقرأ من كتب النحو شرح الكفراوي على متن الأجرومية، وهذا الكتاب شديد الكلف بالأعراب، يأخذ به المبتدئ أخذا عنيفا قبل أن يعلمه كلمة واحدة من أقسام الكلام ووجوه النحو. يفتحه الصبي المسكين فلا يكاد يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) حتى يصيح به الشارح أو المقرر أن أنتظر حتى أعرب لك البسملة! وهنا يسمع لأول مرة بحرف الجر الأصلي والزائد، ويعلم بطريقة أن له في البسملة تسعة أوجه نشأت من رفع الرحمن ونصبه وجره، مضروبة في رفع الرحيم ونصبه وجره، ثم يمضي المعرب في إعراب هذه الأوجه بالتخريج العجيب والحيلة البارعة حتى تقف قدرته عند وجهين لا يجد لهما مطلعا ولا مأتى فيمنعهما، وهما جر الرحيم مع رفع الرحمن أو نصبه؛ ثم يخشى بعد ذلك الجهد أن يعبث النسيان الساخر بهذه الدقائق الغالية فيسجلها في هذين البيتين وهما:
أن ينصب الرحمن أو يرتفعا … فالجر في الرحيم قطعاً منعا
وأن يُجر فأجِز في الثاني … ثلاثة الأوجه خذ بياني!
يأخذ الطالب هذا البيان على العين والرأس ثم يخطو خطوة فتقع عينه على العنوان الأول في الكتاب وهو (باب الإعراب) وهنا يقول له الشارح: قل باب الأعراب بالرفع أو باب الأعراب بالنصب أو باب الأعراب بالجر فلن تعدو وجه الصواب في أي حالة!! فالرفع على أن (باب) خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذا باب الأعراب، أو على أنه مبتدأ والخبر محذوف تقديره: باب الأعراب هذا محله، والنصب على أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره: اقرأ باب الأعراب، وأما الجر فعلى أنه مجرور بحرف جر محذوف تقديره: أنظر في باب الأعراب!! ثم يصعد الطالب في معارج النحو على كتاب من هذا الطراز بعد كتاب، حتى يتسنم ذروته، وليس في ذهنه مذهب صحيح ولا قاعدة سليمة. وماذا تنتظر من مثل هذا الخلط غير إفساد الذوق وإضعاف السليقة، وطبع القرائح على هذا الغرار من التفكير العابث والتقدير الهزيل؟ جنى هذا النحو الفوضوي على الناشئين في معاهده فعمى عليهم وجوه الأدب، ثم فتح لهم من الجدل اللفظي والتخريج اللغوي أودية وشعابا يقصر دون غايتها الطرف. فعندهم كل صواب يمكن أن يخطَّأ، وكل خطأ يمكن أن يصوّب وكل كلام على أي صورة يجب أن يفسر أو يؤّول! أخرق القواعد، وأقلب الأوضاع، وأنطق
стр. 1053
اللفظ على أي حركة، واستعمله في أي معنى، فانك واجد ولا شك من هؤلاء من يلتمس لك وجها من وجوه (البسملة) السبعة، أو مخرجا من مخارج (باب الأعراب) الثلاثة!
عرفت أيام الطلب شيخا قد ابتلي بهذه الشعوذة، فحشا جسمه بهذا العبث النحوي حتى ليرشحه من جلده، ويرعفه من أنفه، ثم يتكلم فيتعمد اللحن القبيح، فإذا أنكر عليه منكر انفجر عن هذا الهوس فذكر لكل خطأ وجها، ولكل وجه علة، ثم يقول في تفيهق وزهو: (لولا الحذف والتقدير، لفهم النحو الحمير) وسمعت أن شيخا ضعيف البصر ممن يسوغ في فهمهم كل كلام، قرأ قول الرسول (ص) (المؤمن كيِّس فطِن، فصحّفها: المؤمن كيس قطن! وراح يحملها على التشبيه فيقول: معناه أن المؤمن أبيض القلب كالقطن: وزعموا أن شيخا كبيرا كان يفسر كتاب الله وهو لا يحفظه، فرأى قوله تعالى: (إذ يبايعونك تحت الشجرة) فقرأها أذئبا يعونك. . . وكتب في تعليلها وتأويلها أربع صفحات من القطع الكبير بالحرف الصغير!!. وحدثوا أن ممتحنا من هذا النمط، كتب في ورقة طالب راسب: (لا يصلح) ثم ظهر لأمر خارج عن إرادته أنه ناجح، فكتب تحت هذه الجملة: (قولي لايصلح، صوابه يصلح ولا زائدة) والأحاديث مستفيضة عمن نكبوا بهذه الدراسة دون أن يكون لهم من المنطق ضابط، ولا من الطبع دليل.
إن ما نجده في النحو العربي من التناقض والشذوذ وتعدد الأوجه وتباين المذاهب إنما هو أثر لاختلاف اللهجات في القبائل، فقد كان رواة اللغة يرودون البادية ويشافهون الأعراب، فيدونون كلمة من هنا وكلمة من هناك، فاجتمع لهم بذلك المترادفات والأضداد، وتعدد الجموع والصيغ للفظ. واختلاف المنطق في الكلمة، والنحاة مضطرون إلى أن يمطوا قواعدهم حتى تشمل هذه اللحون، وتستوعب تلك اللغات، فأغرقوا القواعد في الشواذ، وافسدوا الأحكام بالاستثناء، حتى ندر ان تستقيم لهم قعدة أو يطرد عندهم قياس. وزاد في هذه البلبلة أن أسرف أعاجم النحاة في التعليلات الفاسدة، والتقديرات الباردة، منذ نهج لهم ذلك النهج ابن أبي اسحق الحضرمي، فجعلوا النحو ضربا من الرياضة الذهنية، والقضايا الجدلية، التي لا يصلها باللغة سبب، ولا يقوم عليها فن ولا أدب. ليس من شك في أن دراسة النحو على هذا الشكل تفيد في بحث اللهجات في اللغة، ودرس القراءات في القرآن، ولكن دراسته لضبط اللغة وتقويم اللسان أمر مشكوك فيه كل الشك. نحن اليوم
стр. 1054
وقبل اليوم إنما نستعمل لغة واحدة، ونلهج في الفصيح لهجة واحدة، فلماذا لا نجرد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة، وتقوم تلك اللهجة، وندع ذلك الطم والرم لمؤرخي الأدب، وفقهاء اللغة، وطلاب القديم، على أن يطبقوه على الحاضر، ولا يستعملوه في النقد. وإنما يلحقونه بتلك اللغات البائدة التي خلق لها وتأثر بها، فيكون هو وهي في ذمة التاريخ وفي خدمة التاريخ.
لقد صنعت المدارس المدنية شيئا من ذلك، فنجحت بعض النجاح في تجريد (نحو) عام يكاد يسير في وجه واحد، ولذلك لا تجد المتخرجين فيها يتقارعون في النقد بالنحو القديم، ويقصرون المناظرة على هذا الجدل العقيم. ولكن فريقا ضئيل الشأن من بقايا الثقافة القديمة في مصر والعراق، لا يزالون يظنون أنا مجبرون على إخضاع ألسنتنا وأقلامنا لتلك اللهجات البالية، فيقعد بهم تخلف الذهن وضعف الملكة وكلال الذوق، عند هذه البقايا الأثرية ينبشون عنها قبور البلى، ثم ينثرونها كالشوك في طريق الأدباء الموهوبين، ويتبجحون بان هذا اللغو هو اللغة!!
يقرؤون الكتاب القيم للعالم الباحث، أو للأديب المجدد، فيعمون عن خطر البحث في نفسه، ومجهود الباحث في بحثه، ولا يرون إلا حرفا وقع مكان حرف، أو جمعا لم يجدوه في كتب الصرف! لا نريد أن نسمي الأسماء ولا أن نضرب الأمثال، فحسب الشذوذ أن يدل على نفسه، وحسبنا أن نهيب بالعلماء والأدباء أن يشذبوا هذه الزوائد من لغتنا لتقوى، ويُنَحُّوا هذه الطفيليات عن أدبنا لينتعش.
الزيات
стр. 1055
رأي في أوراق الورد
للآنسة عفيفة سيد
قلنا في العدد الحادي عشر في معرض الرد على الآنسة الفاضلة عفيفة (إن في الأدب العربي الحديث طرفة من هذا النوع الذي تريدين (الرسائل الغرامية) هي آية من آيات الفن في دقة الصنعة، ولعلها لا تقل جمالا عن تماثيل (فدياس) وصور (رفائيل) ولكنها كهذه التماثيل وتلك الصور ينقصها شيء واحد هو كل شيء: ذلك هو الروح)
أردنا بتلك الطرفة أوراق الورد (وقد كتبناها سهوا رسائل الورد) للأستاذ الرافعي. ثم رجونا من الآنسة عفيفة أن تقرأها وتبدي رأيها فيها، فقرأتها ثم بعثت إلينا بهذه الرسالة.
سيدي الأستاذ:
ما كان الأمر يحتاج إلى رجاء (فرسائل الورد) أو (أوراق الورد) أسم مشوق يستميل القلب ويستهوي النفس. ومن ذا الذي لا يسرع إلى أوراق الورد لتبهج قلبه، وتزيل كربه، وتهذب إحساسه، وتغذي خياله؟
غير أني لم أكد أطالع رسالتين من رسائل الورد حتى عرفت سبب الرجاء، وقلت لعل الأمر كان يحتاج إلى ألف رجاء. إذ وجدت إن من العسير علي بل من المتعذر أن امضي في مطالعتها، وكدت أن ابعث إليك برأيي فيها مكتفية بما طالعت، غير أني وجدت من الإسراف أن احكم على الكتاب بقراءة رسالة أو رسالتين، فمضيت في المطالعة والله يعلم كم مرة انقبضت نفسي، وكم مرة اعتراني الملل، حتى زهدني في أن أدلي برأيي فيها.
ولعلك يا سيدي الأستاذ لو كنت دفعت بي إلى الوراء سبعمائة عام مضت لوجدت في (البهاء زهير) صورة صادقة لنفسي، ومرآة جلية لعواطفي وشعوري، بل لذكرني لفظه الرقيق ومعناه الدقيق رقة طبيعة مصر وعذوبتها، بل لوجدت في مقطوعاتها الحية ما يجعلني أن أتخيل إن كاتبها معاصرا لنا اكثر من كثير من معاصرينا الموجودين.
حاولت أن أقف على الفكرة التي تدور حولها (أوراق الورد) فلم أوفق، فهي رسائل مفككة لا يتصل بعضها ببعض، لا تترجم عن عواطف صحيحة ولاعن شعور صادق. يعرض علينا الكاتب عواطف مبهمة فيها تكلف وفيها صنعة، دون أن يبعث فيها شيئا من شخصيته وميوله وعواطفه. لا أثر فيها لروح الجماعة أو البيئة التي خضع لها الكاتب. هو متكلف
стр. 1056
متصنع، وإلا لأطلق لشعوره العنان وترك نفسه على سجيتها، فلا يتسامى عن وصف الحياة الاجتماعية، ولاعن الحوادث اليومية، مما يسميه هو حشواً، لأن المترجم الصادق هو من يعني بالصغيرة قبل الكبيرة فلا يتقيد بقيود لفظية ولا معنوية ولا يضع بيننا وبينه حجابا كثيفاً.
يسير الكاتب إلى غرضه في المعنى القليل إلى كثير من التعقيد اللفظي، ليخلق منه فلسفة، فإذا أراد أن يقول ما قاله شوقي:
لا أمس من عمر الزمان ولا غد … جمع الزمان فكان يوم لقاك
يقول في صفحة ٢٤٥:
(قد عرفنا أن لنا أعماراً محدودة، أفلا يجوز أن ساعات الهناء والسعادة إنما كانت محدودة لأنها أعمار لأعمارنا؟ فبضعة أشهر من الجفاء أو البعد يكون عمرها هو ساعة اللقاء التي تنفق بعدها، وسنة كاملة من عمل يكون عمرها يوم سرور إن كان هذا صحيحا فما أقصر عمرك يا عمري!. . .)
فها هو ذا شعر شوقي لرقة لفظه وسهولة معناه، يكاد أن يكون نثراً، أما نثر (أوراق الورد) فمحتاج إلى طول أناة لتعرف قصده وتقف على مرماه.
أنا يا سيدي الأستاذ لم أعرف السر في توجيهك نظري إلى (أوراق الورد) فإذا كان قصدك أن تدفع بالبرهان قولك: إن الفن وحده لا يوجد الشعور فهذا الكلام لا يحتاج إلى برهان، وأنا مؤمنة به كل الإيمان. وأما إذا كنت تعني جادا أن تطلعني بقراءتها على جمال في الأدب العربي الحديث، لعله لا يقل جمالا عن تماثيل (فدياس) وصور (رفائيل)، فأرجو ان يسمح لي سيدي الأستاذ ألا أشاركه هنا الرأي، فأوراق الورد لا جمال فيها إذ لا معنى لها، والمعنى مصدر الروح، وهو إن حلَّ في الشيء المادي كونه وناسب بين أجزائه، وجعلها وحدة لا تنفصم.
إذن لا جمال حيث لا روح ولا وحدة ولا تعبير والمعنى مصدرها جميعا.
أرجو أن يتفضل سيدي الأستاذ فيدلني على موضع الجمال فيما سأنقله إليه نموذجاً لما اشتمل عليه الكتاب (من رسالة في العتاب صفحة ٢٠٧)
(. . . ما هذا يا سيدتي وليس خيط عمري في إبرتك. . . ولا ما يتمزق من أيامي تصلحه
стр. 1057
(ماكينة الخياطة) بقدرتك، وان كنت أنا أقل من (أنا)، فلست أنت بأكثر من (أنت)
(. . . فان كان قلبك يا سيدتي شيئا غير القلوب فما نحن شيئا غير الناس، وان كنت هندسة وحدها في بناء الحب، فما خلقت أعمارنا في هندستك للقياس، وهبي قلبك خلق (مربعاً) أفلا يسعنا (ضلع) من أضلاعه؟ أو مدوراً أفلا يمسكنا محيطه في نقطة من انخفاضه أو ارتفاعه؟ وهبيه (مثلثاً) فاجعلينا منه بقية في (الزاوية) أو (مستطيلاً) فدعينا نمتد معه ولو إلى ناحية. . . ما بال كتابنا يمضي سؤالاً من القلب فيبقى عندك بلا (جواب) ونبنيه نحن على حركة قلوبنا فتجعلينه أنت مبنياً على (السكون) ثم لا محل له من (الإعراب). . . الخ).
أما الصور والتماثيل التي تفوز منا بإعجاب الجمال، فيكاد أن يكون لها روح، أو لها روح بالفعل من معانيها التي حدت بعبقرية المثال أو المصور إلى تصوير الأفكار الجيّاشة بمخيلته، فهي معبرة عن الرجاء، أو الحب، أو الحكمة، أو الخوف، أو الوداعة، أو الطهارة.
وسقراط كان يقول عن خبرة انه يجب على المثال أن يصور حالة الذهن في تمثاله، وكانت تماثيل الإغريق لها أثر كبير في تقرير مزاج الأمة. هذا رأيي في (أوراق الورد) وكم أحب أن اقرأ كلمة الأستاذ الفاصلة. . .
والرسالة تترك الكلمة للأستاذ السيد مصطفى صادق الرافعي
إلى الصديق الراحل
стр. 1058
دُودٌ على عُود
للدكتور محمد عوض محمد
ها أنت ذا، أيها الصديق، قد استويت ومن معك على ذات ألواح ودسر. وقد أذنت ساعة الرحيل، ولم يبق بد من الفراق، فلم نجد مناصًا من النزول إلى البر، تاركيك على ظهرها، غير آسف لفراقنا، ولا مستشعر لوعة على تركنا. . . وانطلق الصفير والزئير يشقان الفضاء، فإذا السلالم قد رفعت، والأهلاب قد جذبت من قاع البحر. وإذا سفينتك آخذة في الابتعاد على مهل كأنها لا تريد أن تؤلمنا ببعدكم مرة واحدة؛ وإذا مناديلنا تخرج من جيوبنا بيضاء ناصعة، وقد حملتها الأيدي أعلاما تهزها هزاً؛ وبين الجوانح قلوب تخفق خفقان الأعلام، ولكن أعينكم لا تراها. وها أنتم أولاء وقوف بأفريز السفينة، تخفق مناديلكم بأيديكم خفقانا فاتراً، لم ينبعث من قلب حزين، ولا نفس آسفة؛ وعلى ثغوركم ابتسامة تعبت في تأويلها وتفسيرها؛ وأحسبها ابتسامة الرثاء والإشفاق: إنكم ترثون لنا، معشر المقيمين، وتنظرون إلينا كأننا من نوع آخر غريب عنكم، نوع يعيش عيشة الأشجار: تنشأ حيث تغرس، ثم تنمو عليها الغصون والأوراق، والزهر والثمر؛ وهي باقية في مكانها لا تبرح: وكلما تقدم بها العهد ازدادت تشبثا بمنبتها، وتعلقا بمغرسها، لا تعرف ما ركوب البحار، ولا لذة التنقل والأسفار. . .
أجل كنتم تنظرون إلينا نظرة إشفاق، وكأنكم بعض الآلهة تلقي نظرة من السماء على ما دونها من الكائنات. . . وفي تلك الساعة رأيت دموعا كثيرة تنهمل، ولكنه كانت تتساقط من عيون المودعين، لا الراحلين. . فيا ويل الشجى من الخلي؟ ويا ويل المجهود من المجدود!
وعجبت لك أيها الصديق، كيف ترحل عنا باسم الثغر، قرير العين مثلج الصدر. وأنت تعلم انك راحل عنا أشهرا طوال، لا ترانا فيها ولا نراك، أليس للود القديم حرمة، ولا للحب لمؤلف رعاية؟ وهذا الوطن العزيز الذي أنبتك ثراه وغذّاك هواؤه، وأظلك دوحه، وأنضجتك شمسه، مالك لا تحس لفراقه جزعا ولا أسفا؟ بل كأنك بهذا الفراق جد مغتبط، ولهذا الرحيل مشتاق متلهف! لا تحاول الإنكار! إن سرورك بهذا البعاد أكبر من أن يخفيه التكلف، وما أنت ممن يحسنون تصنع الأسف، بل إن بك شوقا شديدا بادياً لمغادرة هذه
стр. 1059
الديار، وكأنك لا تحيا بيننا تلك الشهور من كل عام، إلا لكي تقضي هذه الأشهر بعيداً عنا. فيا عجبا! أي شيء هذا السم الزعاف الذي يملأ هواء بلادنا، ويحملنا على أن نجد في البعد عنها، ويُنفِّر الابن البار من أمه البرّة؟ أهو هواؤها الحار، أم مجتمعها الفاتر، أم ما يحيق بها من ظلم وجحود، ومن حرج وضيق؟
لقد أخذت سفينتك تبتعد، ولم تلبث أن اختفت عن الأبصار وأضحت كأمل البائس لا تزداد على المدى إلا بعدا. وكأني بك واقفا على ظهرها، تتنفس نفسا عميقا، لكي تخرج من رئتيك ما قد ثوى فيهما من هواء؛ كأنك لا تريد أن تحتفظ حتى بهذا القدر القليل من الذكرى. . . بل تريد أن تأخذ عدتك لحياة جديدة، وأيام سعيدة. فما أخلفك إلا تبقي للشقاء الغابر في نفسك أثراً؟
لكن أمامك في السفينة أيام لا أراني غابطك عليها، بين أناس قد اتخذوا الدعة شعاراً، يصبحون كسالى، ويمسون كسالى، لا يعرفون جدّاً ولا دأبا، أقصى همهم أكلة لذيذة يصيبونها! أو رقدة طويلة يستطيبونها، وما عرفت الناس أدنى إلى الأنعام في مكان منهم على ظهر سفينة. . . قصارى جهد كل منكم أن يقتل الوقت، وأن يتخذ لذلك سبلا شتى: فمنكم العاكف على الشراب، لا يشفي غليله الإسراف فيه. ومنكم المكب على الورق يتسلى بإتلاف القليل من دراهمه أو الكثير. وبعضكم يلتمس اللهو في ألعاب تافهة، أو في تقليب صفحات كتاب هزيل. إذ لا يستطيع أن يجشم نفسه مشقة أو جهداً.
ولقد تقدم العالم في طريق المادة، وجاء الاختراع بسفن ذات قوة وجسامة، ولكن الركب ما برحوا اليوم كما كانوا في قديم الزمن: دود على عود!
أحسبك تتوهم أن سيتاح لك وأنت بالسفينة أن تلتقي بأعظم الرجال، واجمل النساء، ولست أدري على أي َعمدٍ قام في نفسك مثل هذا الرجاء؟ وهو لعمرك جدير بما يصيبه من الخيبة المرة بعد المرة. انك تظن أن العظمة والجمال في العالم من الكثرة بحيث يجوز أن يكون لكل سفينة تشق البحار نصيب منهما، وخيل اليك ان السفينة خير دار تلقاهما فيها، حيث لا مفر لهما منك. وان المجال الضيق كفيل بان يجعل الناس بعضهم مقبلا على بعض والوقت طويل مديد، لابد للناس ان يتعاونوا على قطعه بالحديث والسمر: فالفرصة أذن مؤاتية (فيما كنت تزعم) لأن تنعم نفسك بحديث العظمة ومرأى الجمال.
стр. 1060
وما اشد ألمك حين ترى نفسك بين أناس ككل الناس، او أتفه من كل الناس. وان المجال الضيق قد حال بينك وبين الهرب منهم. والوقت الطويل الفسيح قد حباك الفرصة اللازمة لان تعجب كيف استطاع بنو الإنسان أن يشتملوا على كل هذه التفاهة والبلاهة.
لكن، صدقني ان الذنب ذنبك أنت إذ تركت نفسك يحلق بها الأمل الكاذب. فليست ام الدنيا ولودا للعظمة والجمال بالدرجة التي صورها لك الوهم. وما جل بنيها لو فتشت الا الطغام. وليس ببدع إن خلت سفينتك مما كنت تتمناه، ثم نظرت حولك فلم تجد على ظهرها سوى دود على عود.
ولقد تشرق عليكم الشمس صبحا، وملؤها الروعة والبهاء، فتضرج وجنات المشرق بالنجيع، ثم تسكب على صفحة الماء نضاراً وسحراً، وأنتم في أسَّرتكم الضيقة القلقة راقدون، يحاول كل منكم النعاس وسط دمدمة الآلات، وصرير الأبواب والجدران؛ فلا تصيبون من النوم سوى شيء غريب، ليس بالنوم الهادئ، ولا باليقظة أو السهاد، بل هو أشبه بغفلة المخدرين، تتخللها إفاقات قصيرة المدى. . . وأخيراً تنهضون من رقادكم المضطرب، ويقبل بعضكم على بعض تتثاءبون، وتتحدثون أتفه الحديث.
وعند المساء تميل الشمس إلى الغروب، وقد أحاطت بها السحب طبقات بعضها فوق بعض، وهي تنحدر وسطها في شيء من الحيرة، كأنما تلتمس بينها طريقها إلى المغرب. تارة تحتجب وراء سحابة قاتمة حمراء، وطورا تستتر وراء أخرى استتاراً جزئياً لا يكاد يخفيها، كأنها الحسناء في الغلالة، وتارة تنحسر السحب عنها تماما فتبدو للعين كاملة، لكنها ضعيفة لا تبهر البصر، وكأن، سير النهار قد أنهك قواها وأدال منها. فبات من السهل عليك أن تقف أمامها، محدقا في محياها آمنا، وهي كلما ازدادت ميلا إلى المغيب ازدادت ضعفاً وسقما. . . لكنها استطاعت أن تملأ السماء بشعاع أحمر قاني، ونشرته أيضاً على صفحة الماء؛ وقد اختلطت هذه الألوان كأنها بعضها ببعض، فكان منها صور تعجز الوصف.
وأنت تذكر أيها الصديق، أننا قد اتفقنا (وقلما نتفق) على ان هذا المنظر: الشمس الغاربة وسط السحاب المنشور، فوق صفحات اليم، هو أبدع شيء في الطبيعة كلها! وما أخالك الا آلماً اشد الألم، حين تنظر إلى من معك من أهل السفينة، تحاول ان تتحدث إليهم بما يبعثه
стр. 1061
هذا المنظر في نفسك من إحساس وإجلال. . . وفي تلك اللحظة يُؤذن مُؤذن العِشاء، فإذا هم يغادرونك في شعرك وسحرك، ويتسللون إلى حجرة الطعام، راغبين عن لذة لا يعقلونها إلى لذة يفهمونها ويستمرئونها. . . وإن الصخور الصماء لتحس من معانِ ذلك الغروب البديع أكثر مما تحسه أفئدة أصحابك هؤلاء وما هم لعمرك، سوى: دود على عود.
ولقد يكون البحر لكم أول الأمر صديقاً، وبكم رفيقا. ولكنه بعد ذلك قد ضاق بكم ذرعا، فأراد ان يريكم انه مثلكم يا بني آدم، ليس ذا وجه واحد. بل إن له أوجها كثيرة، وقد أراكم من قبل صفحة فيروزية زرقاء، ووجها هادئا، أملس ناعما. كأنه سهل فسيح من مرمر أزرق. وكانت جاريتكم تجري عليه في اعتدال واتزان، لا تهتز ولا تميل وكلكم فرح بذلك مسرور. تحسبون أن الوقت قد طاب وأنكم بنجوة من العذاب. ثم رأى البحر أن يريكم وجهاً من أوجهه الأخرى. فعبس وتجهم، وثار ومار، وتطاير من وجهه الشرار. وانقلب صفاؤه إلى كدر، وهدوءه إلى انفعال، وحلمه إلى مكان، ورزانته إلى رعونة، وعلا موجه من كل جانب، ووثب رذاذه على باخرتكم، ودخل إلى نوافذ حجراتكم، وجعلت السفينة تتمايل من اليمين إلى اليسار، ثم من اليسار إلى اليمين ومن الخلف إلى الامام، ثم من الأمام إلى الخلف، سكرى من غير سكر، صرعى من غير صرع.
ولم تك الا لحظة حتى انقلب اطمئنانكم إلى اضطراب، وامتلأت نفوسكم جزعا وقلوبكم هلعا. وانصرفتم عن الطعام والشراب، وعن اللعب والحديث واستحالت رؤوسكم إلى قطعة من صداع واوجاع، وضعفت أرجلكم عن حمل أجسامكم، فارتميتم على سرركم، وأسلمتم أمركم إلى بارئكم.
فيا عجبا! لقد أمعن الإنسان في الإبداع والاختراع، واستحدث كل هذه السفن الهائلة ذات السرعة والفخامة. . . ثم لا يزال ركبها اليوم كما كانوا في عهد عمرو وعمر: دود على عود
تلك أيامكم على ظهرها أيها الصديق. وإني لأرجو لك بعدها سفراً هينا ورحلة ميمونة، وما أجدرك الا تجعلها كلها عبثا ولعبا.
стр. 1062
توفيق الحكيم
للدكتور حلمي بهجت بدوي
لشبابنا المثقف شكوى تواضَعَ على صيغتها على اختلاف ألوان ثقافته،
وتلك الشكوى هي نقص الغذاء الفكري في الحياة المصرية. وقد كان
لتبين وجه هذا النقص آثار بغيضة، فهو أولا منتشر في النفس في
مزيج من السأم والتشاؤم، وهو على أي حال باعث في العزيمة خوراً
وفي الهمة فتورا، وهو بعد ذلك (وهنا وجه السوء) دافع إلى المغالاة
في التقدير. إذ كثيرا ما يصيب الصيغة الصحيحة هوى من النفس
فتظل في عرف الناس صادقة على مدى الزمن وإن تساقط بعد ذلك
وجه الصواب فيها. وكان من أثر هذا النقص أن نظر الشباب إلى
الجانب الفكري من الحياة المصرية فتخيله مستنقعا آسنا، فانصرف
عنه أما إلى الحياة المادية وما فيها من لهو وعبث، واما إلى مصدر
ثقافته مستعينا بالكتب والمجلات الأجنبية.
فلم يكن غريباً بعد ذلك انه كلما بدا وميض من النور في حياتنا الفكرية لم يلق الا أعينا مغمضة، وإذا أينع زهر صغير صادف بردا فذبل والتوى.
أزمة الغذاء الفكري شر أذن، انما شر منها روح التشاؤم الذي فشا في هذا الشباب المثقف، وكلمة السر التي جرت على الألسنة في سهولة عجيبة من انه لا سبيل إلى تلمس هذا النوع من الغذاء في الإنتاج المصري والتي تنتهي إلى قتل العناصر السليمة التي قد تنهض لتغذية حياتنا الفكرية.
وإذا أنا ذكرت الإنتاج المصري فاني أرسل هذه الكلمة على معنى خاص. فأنا استبعد الترجمة لأنها ليست الا وسيلة لتغذية من كانت ثقافتهم عربية محضة، او لتهيئة الاتصال بين ثقافتين مختلفتين. وأنا استبعد كذلك النقد لكي استبقي بعد ذلك صورة واحدة , هي الخلق
стр. 1063
وإذا أنا استبعدت النقد فليس ذلك لأنني أخرجه عن معنى الإنتاج، أو لأنني أتمثله ضعيف الشأن في تمويننا بالغذاء الفكري وانما استبعده لأنه مرهون بالخلق ومن أجل ذلك كان النقد الذي أينعت أثماره في مصر هو ذلك النقد للإنتاج الأوروبي وللإنتاج العربي القديم. أو ذلك النوع من النظرات العامة التي تتلمس أوجه النقص والكمال فيما لدينا من إنتاج لترسم صورته الحقيقية جميلة كانت أو قبيحة.
وقد ظهر أخيراً كتاب أهل الكهف لتوفيق الحكيم وهو من نوع الإنتاج الذي أقصده. ولا أذكر كتاباً قابله النقد في مصر بعناية وتقدير بمثل ما قوبل به هذا الكتاب ولست أتعرض هنا لنقده بعد أن وفاه حقه الدكتور طه حسين والأساتذة مصطفى عبد الرزاق والمازني وهيكل بك ومحمد علي حماد وغيرهم من فضلاء الكتاب.
ذلك أن مؤلف أهل الكهف صديقي ربما كان تقدمي لنقد كتابه (والأمر كذلك) مثيراً لريبة مشروعة. وهل هناك من شك في إنني سوف أحيط كتابتي بإطار من العطف الذي تبرره شريعة الصداقة، أو ليست الصداقة في بعض وجوهها نوعا من التعاون الخالص وضرباً من التنابذ في سبيل النجاح!
وإنما حلا لي أن اكتب عن تاريخ حياة هذا الكتاب. وقد قدرت في تلك الصداقة التي كانت تلقي الريبة على نقده تزكية لا غبار عليها للكتابة عن تاريخ حياته، وما تاريخ حياته الا وجه من تاريخ حياة مؤلفه وقطعة من شخصيته لعلي أجدر الناس بالكتابة عنهما.
منذ عشر سنوات خلت كان توفيق الحكيم طالبا في مدرسة الحقوق ومؤلفا مسرحياً ملحقاً بمسرح حديقة الازبكية، وقد تقدم إلى هذا المسرح في روايات عدة بعضها مؤلف وبعضها مقتبس عن المؤلفات الأوروبية. وقد قرأت هذه الروايات في ذلك الوقت وكنت عندئذ هاويا لكل ما يتعلق بالمسرح. وكان من بين هذه الروايات رواية مؤلفة عنوانها (المرأة الجديدة) وموضوعها مشكلة المرأة في الجيل الحالي وقد لاقت هذه الرواية من النجاح ما لاقت، وقد يكون دون ما تستحق وقد لا يكون، وقد لا يزال توفيق الحكيم ينظر إلى رواياته الأولى بعين لا تخلو من الحنو والعطف وقد يكون هذا الشعور مفهوما من جانبه، أو ليست أعمال الشخص كأطفاله إذا حظى السليم منها بالحب أختص العاطل منها بالعطف والحنان!
وكنت انظر حينئذ إلى توفيق الحكيم بعين الأمل، ذلك إنني كنت أراه منصرفا إلى فنه تمام
стр. 1064
الانصراف، في إخلاص وإيمان، شاعراً بأن هذا الفن يجري في دمه، وهو لم يشعر بذلك شابا فقط. وانما هو هم احتواه صبيا فمراهقا. فهو لا يعيش الا من اجله، ولا يفكر الا فيه. وإذا اطمأن اليك مرة فحدثك عنه أدهشك ذلك الحماس الذي ينبعث منه، وتلك النشوة التي يغرق فيها إلى آذانه فتأخذ بلبك وبلبه.
من أجل ذلك كنت أنظر إليه بعين الأمل، ولكن لم يكن أملي فيه محددا بل كان أملاً غامضاً لعل مصدره ما في الشباب من صحة وثورة وتفاؤل، وعلى أي حال لم أكن آمل في نجاحه الا من ناحية الكتابة الفكهة، وقد بعث هذا في نفسي روايته (المرأة الجديدة)، إذ كتبها وهو يقصد عين الجد فإذا به أصاب دعابة لذيذة، وكنت المح في دعابته نوعا من العمق لم اكن متيقنا منه، وانما كنت أحس به وأنا بين المصدق والمكذب.
إلى أن سافرنا منذ ثماني سنوات إلى باريس بعد انتهاءنا من دراسة الليسانس، وكان المقصود من سفرنا دراسة دكتوراه الحقوق وبهرنا عند وصولنا ازدهار الفن والأدب في باريس، وظهر لنا جليا ناطقا محددا ذلك الجانب الروحي والفكري من الحياة الذي حرمنا من نعيمه في مصر، كيف أينعت أزهاره في هذا البلد، كيف كان داني القطوف، عجيب الألوان، شهي الرائحة. ويدرك من يتذوق هذا الجانب من الحياة كيف يحلو الري بعد هذا الظمأ والامتلاء بد طول الطوى. فهل كان من المعقول أن يعيش توفيق الحكيم في باريس وهي مهبط الفن والأدب وأن يمر بهذا الفن والأدب وفي دمه ذلك الحماس، وفي روحه ذلك الخلوص والانصراف فلا ينهل من الفن والأدب الا بقدر ما ينهل الناس لمجرد الغذاء الفكري؟ ما مضت بضعة أشهر على إقامتنا في باريس حتى بدأت انظر إليه بعين ملؤها الاحترام. . . الاحترام الغامض أيضاً.
ذلك أني رأيته وقد انصرف عن اللهو وعما يحصل كل شاب من باريس عادة، عن باريس اللاهية، عن باريس الضاحكة
الماجنة؛ انصرف عن كل هذا بنفس آمنة مطمئنة. وإذا به وأحياء باريس عشرون حياً يبدأ أولها في مركز المدينة وينتهي آخرها بأطرافها يسكن الحي العشرين، وما أظن مصريا قد هبطت قدمه إلى هذا الحي غير توفيق، ومن كان يفكر في زيارته من أصدقائه.
قرأ كتاب تين عن فلسفة الفن فانبثق له من هذا الكتاب قبس من نور فتعلق به وقد شعر
стр. 1065
انه باستهوائه إياه لابد واصل إلى استكمال تثقيفه، وإلى إدراك مكنونات الفن أسراره ومنعطفاته. وانكب على دراسته انكبابا. والكتاب يتحدث عن فن التصوير والنحت أكثر مما يتحدث عن غيرهما، فهو ذاهب إذن لزيارة متحف اللوفر في زيارات دورية، وقد اصبح له هذا المتحف بمثابة الجامعة للطالب. وهو مصطحب هذا الكتاب كصديق مرشد. وهو متثبت من مطابقة التدليل البديع الذي يجري به قلم متين عن كيفية نشوء فن ما، في بيئة ما، على تلك المجموعة التي لا تقًّدر من كنوز الصور في متحف اللوفر. وهو قد قرأ الكتاب واستوعبه استيعابا وهضمه هضما، ثم شاهد كيف استخلص تين حياة هذه القطع الفنية من جنس الفنان والوسط الذي أحاط به والوقت الذي ظهرت فيه.
ولكن أنّى له ان يفهم فن التصوير فهما واعيا، وثقافتنا المصرية في هذا الشأن معروفة! ان كتاب تين ليس الا خلاصة محاضرات كان يلقيها على طلبة مدرسة الفنون الجميلة في باريس فهو يتقدم به إلى أناس على قدر متقدم من الثقافة الفنية، وقد شعر توفيق بعد قراءته للكتاب بالنور يبهره، فأدرك أن هناك جمالا لم يكن يحس بوجوده قبل ذلك وعالما آخر تراءى له ولكن في إطار من السحب والغيوم، وأحس في الوقت نفسه انه لم يدرك كنه هذا الجمال بعد ولم يدخل هذا العالم الجديد.
وكان أن عرضت له فرصة يتعجل بها سد هذا النقص الذي كان يقض مضجعه، فلم يتردد في التعلق بأهدابها، فهو قد تعرف في ذات يوم إلى شاعر فرنسي أخنى عليه الفن والأدب، ولعله البقية الباقية من جماعة من مذاهب الشعر، فرأى فيه توفيق رجلا مثقفا ثقافة واسعة، ذا مكانة في لأدب والشعر وإن جار الزمان عليه وعلى مذهبه. فجعل يمد هذا الشاعر البائس بإعانة مالية نظير استعانته به في فهم أسرار اللوفر ومتحف رودان والمكتبة الأهلية. ثم انكب على القراءة انكبابا، ولكن الإنتاج الأوروبي هائل فيه الغث وفيه السمين، وإلى جانب الإنتاج الحديث يوجد الكلاسيك وهو لا يقل هولاً، والوقت من ذهب، لابد أذن من ان يختار ما يقرأه من بين هذا كله، وهو شاعر بالمراحل الواسعة التي لابد له من قطعها ليستعيض عما ضيعه من أيام شبابه في قراءات كان يتخبط فيها دون هدى او مرشد، وهو يستعين أذن بصاحبه الفرنسي في هذا الاختيار، وهو يستمع إليه في دروس خاصة منظمة، جعل صاحبه يعايرها له كما يعاير الدواء للمريض، وإذا به الآن قوي البنية
стр. 1066
بعد هذا الهزال الطويل، عبل الذراعين بعد هذا الضعف والتهالك.
وهو لا يكتفي بعد ذلك بالتهام الكتب واستيعابها، وانما هو يجعل من قراءاته أداة للتأمل والتفكير. فهو يركن إلى الوحدة في غالب أيامه يهضم فيها ما قرأ، وهو يجلس في قهوة نائية وقد فتح امامه كتابا ذراً للرماد في العيون، ثم يظل يسبح في بحر خياله وهو مغتبط بهذه الوحدة كبير بها، وكأنه قد أدرك قول ابسن: (ان الرجل الوحيد المنفرد هو الرجل القوي).
وكنت دائماً أتلقى ثمرة ذلك التأمل الطويل، فهو يغيب عني أسبوعين او ثلاثة ثم يزورني فاجلس إليه ساعات متوالية لا ينقطع فيها حديثه، وهو دون شك قد اختار موضوع هذا الحديث قبل حضوره. ودون شك كان هذا الموضوع شاغله الوحيد في هذه الأسابيع الماضية، وإذا بي أمام محاضرة طويلة عريضة. . . متشعبة، ولكنها مبوبة تبويبا كاملا، مرتبة ترتيبا بديعا. وإذا لها خاتمة تلم بأغراضه، وإذا بي غارق في نشوة صافية، وإذا أنا أفكر في هذا الموضوع وذاك الحديث، لا في اثناء إنصاتي إليه فقط بل بعد انصرافه عني أيضاً.
أنصرف في حين ما إلى قراءة ما كتب عن قدماء المصريين وعن روحهم العميق، وإذا هو شاعر بمصريته العريقة كيف هي تتمشى في دمه، وإذا هو محدثك عن هذا الروح في فخر وإدراك لا في مجرد زهو ونعرة، وإذا أنت يبهرك هذا الإفضاء ويتملكك نوع من الحماس، وتتكشف لديك آفاق جديدة، وتتحلل في ذهنك ألغاز كنت تحار في تعليلها أو كنت تعللها تعليلا غامضا، وإذا الأمل الذي كان يدب في نفسك دبيبا مبهما في مستقبل مصر وفي روح مصر قد تحدد لديك تحديدا كاملا لأنك تشاهد النور بعد أن حجبه عنك ستار، وتلمس الحقيقة بعد أن كانت وراء حجاب، وتشعر بما في روح مصر من عبقرية خاصة بعد أن أدركت أسبابها فلم يصعب بعد ذلك أن تأمل فيما تؤدي إليه من ثمرات.
وهو لم ينس المسرح (فنه العزيز عليه) في وسط هذا كله، فهو يشاهد التمثيل من الكوميدي إلى الأوديون إلى مسارح البولفار إلى مسارح لا يدركه ملل ولا سأم وهو لا يذهب لمجرد اللذة الفكرية، بل أيضاً للدرس والوعي. وهل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك وتلك النار المقدسة تنفخ في صدره وتوطد من عزمه لا تدركها هوادة ولا خمود!
стр. 1067
ويدهشك بعد هذا انه في يوم ما منصرف عن هذا كله، عن قراءاته وعن مسارحه، عن اللوفر ورودان وبقية المتاحف وإذا به يشغله شيء واحد: الموسيقى، ماذا؟ توفيق الحكيم الذي كان يكاد يشترك في تلحين رواياته الموسيقية في مصر، توفيق الحكيم الذي كان مولها بالموسيقى الشرقية غارقا وراء أسرارها يستمع الآن إلى الموسيقى الغربية؟
لقد أدرك معنى، انها إحدى الفنون السبعة فهو الآن منكب على دراستها انكباباً، ولا بأس أن يستعين بأصدقائه الفرنسيين على فهمها، وهو منصرف إلى الأوبرا والأوبرا كوميك وإلى صالات الموسيقى السمفونية، ولا بأس من أن يذهب إلى الأوبرا ولو لم يقتدر الا على أعلى التياترو، ولا بأس من أن يتسلل بلباسه الغريب المتواضع على درج أوبرا باريس الفخمة، ومن بين أزياء المساء الفاخرة ولآلئ الجواهر الثمينة!.
وإذا به يتدرج كالطالب في المدرسة فهو معجب أولاً بسان ساينس وببيزيه وموسيقاهما ذات النغم الشرقي، ثم هو منتقل بعد ذلك إلى الإعجاب ببتهوفن وموسيقاه الرومأنتيكية وهو بعد ذلك مشيد بذكر فاجنر وموسيقاه القوية، وهو أخيراً يستمع إلى موسيقى استرافنسكي وغيره من المحدثين.
سأله أخيراً المكاتب الفني لإحدى الجرائد المصرية عما أوحى إليه بأهل الكهف فكاد ينطلق لسانه بأسم بيتهوفن، وقد قص علي هذه الحادثة فلم أملك نفسي من الابتسام.
ولماذا لم ينطلق لسانك؟
فكان رده الذي كنت أتوقعه والذي من أجله ابتسمت:
- يضحكون مني!
وهو في وسط هذا التموين الهائل الذي كان يمون نفسه به اخذ (ومن ساعة متقدمة) يحاول الإنتاج، فجعل يزاول الكتابة بالفرنسية، فكتب قطعا من الحوار وجعل يعرضها على بعض أصدقائه الفرنسيين، ولم يثن عزمه عن الكتابة إلمامه الابتدائي بالفرنسية، فهو مثابر مجد على رغم ذلك، وهو في النهاية قد عثر على صيغته، وإذا بأصدقائه الفرنسيين يشهدون له بانه في توجيه الحوار واسع الحيلة، وإذا بعضهم يذكر عند قراءته لتوفيق بورثوريس الكاتب الفرنسي الشهير وحواره المقتضب المتماسك.
وكنت أراقب هذا النماء عن قرب مغتبطا به، سعيداً بمشاهدتي هذه الثمرة كيف غرست، ثم
стр. 1068
كيف نمت، ثم كيف ترعرعت وأينعت، ولم ينشأ شعوري بهذه السعادة عندما نشر كتاب أهل الكهف، وعندما استقبله النقد هذا الاستقبال العظيم، وانما هو قد نشأ من زمن بعيد! عندما قرأت (أهل الكهف) مخطوطة من ثلاث سنوات قبل أن تتخاطفها أيدي المدرسة الحديثة، بل عندما قرأت (شهرزاد) مخطوطة منذ أربع سنوات لما أرسلها إلي توفيق في باريس بعد عودته إلى مصر ولما حملتها راكضا إلى الدكتور ماردروس (وهو أديب فرنسي ترجم ألف ليلة وليلة إلى اللغة الفرنسية وزوج مدام لوس دلارو ماردروس الكاتبة الفرنسية المعروفة) ليقرأها وليرى من أي زاوية نظر مؤلف مصري إلى قصص الف ليلة وليلة.
بل شعرت بذلك منذ خمس سنوات عندما كنت أقرأ أولاً بأول الصفحات الاولى من رواية (عودة الروح) عندما كان مؤلفها يحاول ترجمتها إلى اللغة الفرنسية.
عند ذلك كله تحدد أملي فيه بعد ان كان غامضا، وتبدد ذلك التشاؤم الذي كنت أنظر به إلى جونا الفكري، وأدركت ان لدينا مؤلفا نفاخر به المؤلفين الأوروبيين نقرأه في لذة وإعجاب، إعجاب بهذا المنظار الخاص الذي ينظر به إلى الأشخاص والأشياء والحوادث فيكتشف فيها نواحي فذة.
نعم فقد تمر أمامنا الحادثة لا نفكر في أن نعلق عليها اهمية خاصة: ولكنها تستوقفه فيناقشك فيها. ويبدأ يصور لك فيها تصويرا غريبا، فإذا هي امتدت، وإذا هي ذات جسم وكيان، وإذا بها نواح من الأهمية بمكان، وإذا أنت دهش بعد ذلك كيف مرت عليك ولم تلحظ فيها كل ذلك.
كنت أتحدث مرة إلى أحد أصدقائنا عن روايات توفيق الحكيم وتسلسل الحديث إلى أن ذكرت لمحدثيه أن توفيقا قد كتب رواية اسمها (الخروج من الجنة)، فكان رده عليّ:
وطبعا شخصيات الرواية ثلاث: آدم وحواء وإبليس! فلم أتمالك من الابتسام، ذلك ان عنوان الرواية ليس الا رمزا وان اشخاص الرواية عصريون فليسوا آدم وحواء وانما هم محمود وإقبال وغيرهما من أبناء آدم وحواء.
وقد ابتسمت لقول صاحبي لأنه لفظه في اطمئنان عجيب، وسر اطمئنانه انه قد قرأ (أهل الكهف) ورأى كيف استخلص مؤلفها تلك القطعة الفلسفية من القصة التي لا يجهلها مصري
стр. 1069
وقرأ (شهرزاد) فرأى ثمرة التأمل الذي أوحت به قراءة الف ليلة وليلة إلى صديقنا توفيق، فإذا هو كتب رواية بعنوان (الخروج من الجنة) فهو لا شك قد عالج خروج آدم وحواء لأن هذه الحادثة قد استوقفته، ولابد انه قد نظر إليها من زاويته الخاصة فصبّها رواية مسرحية!
خرج صاحبنا من مجرد عنوان الرواية ومن ان مؤلفها توفيق الحكيم بهذه النتيجة التي يراها طبيعية، وهو حريص على ان يكون استنباطه بتلك النتيجة من تلقاء نفسه، فهو لا يسأل عن أشخاص الرواية وانما هو يبادر بذكرهم من تلقاء نفسه شأن من فهم روح مؤلف أهل الكهف!.
بهذه الموهبة الفذة وبهذه الثقافة الشاملة وهذا المجهود الجبار يتميز توفيق الحكيم، وهو قد أدرك أن الأدب ليس مجرد سليقة نطلقها فتنطلق، أو إلهاما يوحى إلينا به فنرسله على طبيعته، وانما هو إلى جانب ذلك وقبل ذلك علم ودراسة لابد فيهما من المثابرة على القراءة، والانكباب على المذاكرة والإلمام بجميع نواحي الفنون، والتأمل في كل ما نقرأ ونشاهد. وكتاب أهل الكهف الذي لاقى ما لاقاه من نجاح لدى النقد في مصر، والذي لا أشك في انه سوف يستقبل استقبالا عظيما لدى النقاد الأوروبيين إذا ما ترجم إليهم، هذا الكتاب إذن لم يكن ثمرة مصادفة، لم يكن زهرة صغيرة أينعت في المستنقع المصري وانما هو دوحة هائلة غرسها غارس ثم تعهدها بالصيانة والتهذيب.
وبعد، فاني أدرك ان مقالي هذا قد يرسم على الشفاه ابتسامة ذات مغزى!! (هو صديق يقوم بالدعاية لصديقه)
ولأمر ما، يهمني ان ارفع هذا الخطأ المحتمل، فان مؤلف (أهل الكهف) وكتابه ليسا في حاجة إلى دعاية بعد أن اجمع النقاد على تقدير الكتاب.
وانما حاولت أن أرسم صورة لتاريخ حياة الكتاب بان قدمت صورة من تاريخ حياة مؤلفه، اظهر بها جانباً هيأت لي الصداقة التي تجمعني ومؤلف هذا الكتاب أن ألم به، فأثرت أن يطلع قرّاء الكتاب على هذا الجانب.
وربما كان لي غرض آخر من هذا المقال: هو أن يدرك شبابنا المتأدبون ان فن الأدب لا يكتفي فيه بالموهبة، او بالاعتقاد في تلك الموهبة، ثم ارسال القلم في كتابات لا تقدمنا خطوة واحدة وانما هو إلى ذلك اطلاع وتأمل، لا في الشعر والنثر بأنواعه فقط بل كذلك
стр. 1070
في النحت والتصوير والموسيقى، ولا في الإنتاج العربي وحده، بل كذلك في الإنتاج الأوروبي، ولست أحاول ان ارسم بهذا خطة، فالخطة مرسومة مقدما، بل هي بديهية من البديهيات وانما قصدت لفت النظر.
فإذا أتى اليوم الذي نرى فيه شبابنا المشتغلين في الأدب قد أدركوا هذه الحقيقة كنا سعداء: توفيق الحكيم، وكاتب هذه السطور، وكل من يجري في دمه الإخلاص لهذا البلد المنكود بكل ما تحتويه كلمة الإخلاص من معنى.
стр. 1071
عمالقة الأشجار
للدكتور محمد بهجت. خريج جامعة كاليفورنيا
(٢)
حرج ماريبوزا
يقع في قمة جبال السييرا على ارتفاع ستة آلاف قدم. سمي كذلك لوجوده بمقاطعة بهذا الاسم. (وماري بوزا) كلمة إسبانية معناها (أبو دقيق) وكان أول من لمح رؤوسأشجاره عن بعد رجلا يسمى (أوج) في سنة ١٨٥٥ ولكن رجلا آخر يسمى (جالن كلارك) اكتشفه عام ١٨٥٧ وإليه يرجع الفضل في ذلك. يصل إليه الزائر من طريق ضيقة لا تتسع لأكثر من عربة، شديدة الانحدار والتعاريج تمر وسط غابات كثيفة مكتظة بأنواع الصنوبر التي تعطر الجو دواما. وغالباً ما تكون حافة الطريق هي حافة هوة بعيدة القرار يغطى منحدرها آلاف الأشجار. وكثيراً ما يصادف الإنسان قطيعا من الغزلان يعترض الطريق ترنو إليه بأعين سوداء كبيرة هادئة ثم لا تلبث ان ترتاع وتقفز في رشاقة نادرة وتختفي في ظلمات الغاب. ومن وقت إلى آخر تخترق الأذن نغمة لطير جميل الريش يتفيأ ظلال الأغصان. أو يقفز أمامك سنجاب صغير يقف على خلفيتيه ويرفع ذيله الطويل على ظهره حتى يكاد يلامس مؤخر رأسه، ينظر اليك لحظة ثم ينقلب راجعا في سرعة البرق. وأحيانا يصادفك دب أسود الفرو لامعة ينظر اليك متكاسلا ثم يدير رأسه إلى الناحية الاخرى متباعدا عنك غير عابئ بك.
وأخيراً تنتهي الطريق إلى الحرج الذي لا تتجاوز مساحته ميلين مربعين. وهناك يشعر الزائر انه دخل في معبد فسيح معطر الأرجاء ذي عمد هائلة، لا تستطيع الشمس أن ترسل الكثير من أشعتها إلى أرضه لكثافة رؤوس الأشجار، فالظل لذلك وارف ظليل والهواء بارد عليل، واما الصمت فرهيب شامل وما هي الا برهة حتى تملك الإنسان خشية ورهبة فيصمت هو الآخر ويتأمل! أشجار باسقة تحلق رؤوس بعضها في الجو إلى ارتفاع مائة وعشرة من الأمتار. ويبلغ قطر البعض الاخر عشرة أمتار!! يرفع الإنسان رأسه ليدرك سمو هذه المخلوقات النبيلة ولكنه لا يلبث أن يطأطئه في خشوع وذهوليميد بالحيرة ويضج بالأسئلة. ترى كم من السنين قامت هذه العمد النباتية في مكانها لا تبرحه، تحمل الثلوج
стр. 1072
شتاء على اذرعها الضخمة المنبسطة وتحتمل الزمهرير ولطمات البروق وجلجلة الرعود وهطول الأمطار وتدفق السيول؟ يقول بعضهم ثمانية آلاف سنة ويقول بعضهم أربعة آلاف!! ومهما يكن التقدير فإنها ولا شك أسنّّ المخلوقات الحية وأعظمها. كيف لا والشجرة (الصغيرة) التي تجاوزت الخمسمائة ربيع لا تزال في ميعة الصبا وأما التي سلخت من الزمن الفي سنة فلا تزال في سن الكهولة!! إذا نظر الإنسان إلى شيخ قارب المائة أو جاوزها شعر بوقار السن وجلاله، وخشع لتلك المسحة الهادئة الحزينة التي تطبعها عليه يد الهرم. فما بالك إذا نظر إلى مخلوق عمره ستة قرون؟ ومع هذا فلا ترى ضعفا ولا تقوساً ولا تهدما بل ترى شموخا وقوة وعظمة. ترى اصلها كأنه أبو الهول ناشبا أظفاره الضخمة في جانب فريسة هائلة، ترى التمكن والرسوخ. نعم ان عليها روح الكآبة والحزن ولكنها كالجبار المكتئب يرفع رأسه إلى السماء في جمال وروعة غير عابئ بما في جنبه من طعنات أو في نفسه من وخزات. وحقيقة ترى بعضها محترق الجانب او القلب غير انها لا زالت حية باسقة تهزأ بكوارث الطبيعة وهوجها، تطالع فيها رمز الصبر والاحتمال والخلود، ثم انها كتاب تاريخي ضخم استوعب الكثير من تاريخ القرون ولكن كيف السبيل إلى حل رموزه وطلاسمه؟ هيهات! تقف صامتة، تنظر مبتسمة ساخرة، ولكنها لا تبوح بمكنون فؤادها فكأنها حفيظة لسر الدهر.
ولكل من هذه العمالقة اسم معروف يعرف به، فهذه شجرة مارك تواين تخلد اسم الكاتب المشهور وهي أطولأشجار العالم اذ يبلغ ارتفاعها ٣٣١ قدما، وهذه شجرة جالن كلارك مكتشف الحرج وهذه شجرة واشنجطن، وهذه شجرة غروب الشمس وهي آخرة الأشجار التي تغيب عنها أشعة الشمس. وتلك شجرة الإسطبل التي تؤوي خمسة عشر حصاناً جذعها الأجوف، وتلك شجرة المنظار التي احترق من جوفها ما طوله خمسون قدما فأصبحت كالمنظار ترى من داخلها السماء. ثم تلك شجرة (واوونا) - تلك الشجرة العجيبة التي شق في أحشائها طريق في سنة ١٨٨٠ ارتفاعه ثماني أقدام وعرضه احدى عشرة تمر منه عربات الزوار الذين يحجون إليها من أنحاء المعمورة. ومع هذا لا تزال حية تضحك من أقزام الإنسان الذي أعمل فيها قواطعه ومناشيره وأجرى عليها هذه العملية الجراحية القاسية من غير ما مسكن أو مخدر!!. . . وترى وسط الحرج (العملاق الرمادي)
стр. 1073
وهو من أضخم ما على البسيطة من أشجار ومن أطولها عمراً. يبلغ ارتفاعها ٢٠٤ ومحيطها ١٠٤ أقدام، رأسها غير كامل لأنه محترق، ويظهر أن صاعقة انقضت عليه فأطارته. يبلغ سمك قشرتها الذي يكسو خشبها نحو ٧٥ سنتيمترا، والعادة أن يكون لونه لون القرفة، اما في هذه الشجرة المعمرة فاللون رمادي يشهد بمعاركة الرياح والأمطار والشمس وعناصر الطبيعة الأخرى القاسية قرونا طويلة، واقفة كأنها تصارع الزمن بسيف متكسر فهي كالبطل المنهوك المثخن بالجراح تغيب بين أضلاعه النصال والسهام. فمن ذا الذي يرى هذا المخلوق النبيل ولا يحني رأسه في خشوع وإعظام وإكبار؟ من ذا الذي لا يقف بأصلها ضارعا بعد أن يشعر بعظمة الخالق والمخلوق؟ وسأحاول تصوير ضخامتها بما يلي من الأمثلة:
١ - إذا وقف عشرون رجلا في حلقة مقفلة حول أصلها بحيث تتلامس أطارف أصابعهم مع امتداد أذرعتهم فانهم يستطيعون تطويقها تماما.
٢ - إذا شق في أصلها طريق يمكن أن تمر منها مركبتان من مركبات الترام جنبا إلى جنب.
٣ - إذا أمكن ان تقور قاعدتها بحيث تشبه الغرفة استطاع اربعة عشر شخصا أن يجلسوا على مقاعد حول مائدة مستديرة في وسطها من غير ما تزاحم.
٤ - إذا قطع ونشر خشبها أنتجت ما يربو على نصف مليون قدم من الخشب.
وبجانب آخر من الغاب يرى عملاق هائل صريعا ممددا يسمونه (الملك الساقط) دون عظمته وضخامته عمد قدماء المصريين الصوانية المتساقطة في المعابد. مؤثرة والله رؤية ذلك الطود الأشم بل ذلك الملك منزوع التاج منطرحاً على الأرض جسماً بلا روح (ذلك الطود الذي عاصر الأهرام حيا وها هو ذا لا يزال يسابقها في حلبة العمر إذ يأبى خشبه الاستسلام للعفن وللاضمحلال والفناء مع أن جنبه يلامس الأرض منذ مائتي عام!! وقد صورت أكثر من مرة وعليها عربة بستة أحصنة وعدة سيارات وجمع غفير من الرجال.
ولعل اهم ما يتساءل عنه الزائر المتحير هو كيفية تكأثر هذه الأشجار وحفظ نوعها. وربما تأخذه الدهشة إذا علم انها تتكاثر من بذرة في حجم الخردلة!! وتوجد هذه البذرة مع غيرها في مخروط صغير لا يزيد حجمه على حجم البيضة الكبيرة. وقد يحتوي المخروط على
стр. 1074
ثلاثمائة بذرة. وتنتج الشجرة عددا هائلا من هذه المخاريط ولكن ما ينبت من بذورها قليل جداً.
وقبيل الغروب عندما يتأهب الزائر لمغادرة ذلك المكان الساحر يرى ضربا آخر من الجمال إذ تنفذ أشعة الشمس في حزم عريضة تشق ظلام الغاب إلى سوق تلك الأشجار فتضيء جوانبها المغضنة بفيض من النور البديع يشف عن لون محمر يزري بأجمل ألوان رخام إيطاليا المصقول. اما الجوانب المقابلة فتكون معتمة مصبوغة بلون بنفسجي شفاف. . . بعدذلك ترى نفسك مضطراً إلى مغادرة المكان اذ يهجم الظلام سريعا. فإذا ما خرجت من الحرج إلى الطريق استطعت ان ترفع صوتك بالحديث بعد أن كنت تهمس، ثم تؤخذ بجمال الجبال عند الغروب. عجبا!! كيف يمكن ان تصطبغ رؤوس تلك الجبال ومنحدراتها وأشجارها بهذا اللون البنفسجي البديع الذي لم يستطع العلم تقليده إلى الان؟. . . وان استطاع فاي جن يمكنهم ان يصبغوا به مثل تلك السطوح الهائلة في ذلك الوقت القصير؟!! ثم بعد ذلك أيضاً تنطبع صور تلك الأشجار العجيبة في ذاكرتك إلى مدى العمر، وتقف فيها، بارزة قوية بحيث تراها وتحسها وتحن إليها وأنت في أي ركن من اركان العالم.
стр. 1075
العبقرية علم وأدب وفن
للأستاذ الحوماني. أديب جبل عامل
قبل الكلام على واحد من هذه الثلاثة يجب ان نتكلم على النفس التي هي مصدر العلم والفن اللذين هما مصدر الحياة التي هي مصدر العلم.
والنفس هنا هي جماع ما في الجسم من جوهر، واما النفس التي هي نواة الحياة في الحي مجردة عن الخصائص التي تعرضها، فهي السر الكامن في الجسم الحي الحساس ينبعث عنه الفعل أو ينفعل هو بما يعرضه في الحياة.
فهي على هذا التحديد الاعتباري. مجمع الخصائص في الإنسان كالإرادة والفكر والعقل ونحوها من أمهات العمل الخارجي او الداخلي. ولما كان المرء عبارة عن شخصيته التي يمتاز بها، وهي نتاج هذه الخصائص، وكان هذا الجسم قشرة لذلك الجوهر أطلقت النفس على المرء بمجموعه قلبا وقالبا.
فالنفس التي هي مصدر العمل وعكسا هي أم الإرادة التي هي مصدر العمل طرداً لا عكساً، أي ان النفس تفعل وتنفعل واما الإرادة فتفعل ولا تنفعل إذا صح ان كبت الإرادة انما هو انفعال النفس لا انفعال الإرادة كما سيمر بك.
اما مصدر هذه النفس وإرادتها التي يتطور بها الإنسان بله الحيوان روحا وبدَناً فإنما هو تلك القوة المالئة هذا الكون او لعلها هي نفس الكون او لعل الكون إحدى جزئيّات معناها الكلي.
ولم اكن لأومن كل الإيمان انها (أي النفس الناطقة) نتيجة تفاعل هذه الخلايا او انها احدى خواص هذا التركيب الجسدي، أو انها هي هو، أو انه ظرف يشتمل عليها وان كان بعضها اقرب إلى العقل من البعض الآخر.
لا أومن بشيء من ذلك ولا بعدمه على رغم أني اعتقد باقتسام خصائص النفس اجزاء الجسم كالدماغ والقلب والأعصاب.
لا أومن كل الإيمان ولا اجحد كل الجحود ضرورة انه لم يثبت لديّ ان الكائن مطلقا إنما هو نتيجة تفاعل المكين كما لم يثبت لديّ عدمه مطلقا.
فقد تكون الروح من الجسد مكان اللون والنور من الأجرام المرئية كما قد تكون منه مكان
стр. 1076
الطعم من الثمر والعطر من الزهر وقد تكون منه مكان الصدي والسير من السيارة كما قد تنزل منه منزلة السائق منها فتكون غيره.
ولعلي لم آل جهدا في التفكير بما يقفني على هذه القوة (مصدر النفس) واكتناه حقيقتها الغامضة أو لعلي لم أحجم عن درس أي كتاب اتصل بي صادرا عن أي مفكر في العالم للبحث عن هذه القوة، فلم يزدني كل ذلك علما بما وراء ما أحس إلا انه أمر فاتني حسه ففاتني اكتناة سره، ولم أكن لأقول فيه إلا من وراء الحدس والظن ولعل ما نقوله في تلك النفس التي توحي إلينا الفكر وتحرك ألسنتنا بالنطق، انما هو من قبيل الخوض في هذا التيار الحافل بأسرار هذه القوة الغامضة فلم نقل فيه إلا تخرصاً وحدسا.
ثم ما هي حقيقة هذه الإرادة؟
وما هو هذا الفكر؟
هل هي وليدة انفعال تلك القوة العليا؟
وهل هذا الفكر الذي نجول به في عالم النفس هو وليد ما يصدر عن هذه الإرادة من عمل؟ ام هما معا فعل تلك القوة الاولى أم نتيجة انفعالها؟
وهل من الممكن لو لم يصدر عن الإرادة عمل في الحياة ان يتكون هنالك فكر يتدبر هذا العمل فنقول قد كانت إرادة ولم يكن فكر وسيبقى وتهرم الإرادة ثم تموت؟ أي أن الإرادة هي التي أوجدت الفكر، والفكر سيتغلّب عليها بما يعضده من نواميس الاجتماع التي يسنُّها فيخلق الإرادة حينئذ من جديد ويصبح الإنسان ملكا.
ومهما يكن من شيء فلا بد لنا قبل التعمق في لبحث عن الفكر من تحرير الإرادة، وهذا التحرير يستلزم كلمة تتناول ما وراء هذا العمل الخارجي من عامل داخلي.
الانفعال:
هو الانتقال من عوارض النفس بما يفاجئها من حوادث خارجية او تصورات داخلية، فالغضب الذي هو نتيجة انفعال النفس بما يثير حفيظتها ويمتهن قدرها والسرور الذي هو نتيجة انفعالها بما تتلقاه من نبأ سار هما من العواطف التي هي نواة الشاعرية في النفس والتي تنبعث عن هذا الانفعال.
وقد يكون الانفعال غير مفاجئ فينجم عن أمر الإرادة للنفس بما يكبتها كاليأس الذي يتسرب
стр. 1077
إلى النفس تدريجا بما تحدوها الإرادة إلى فعله من وراء الأمل فتخفق في تحصيله جملة ويبقي لها رجاء بالحصول عليه، ثم يضمحل هذا الأمل تدريجا فيضغطها اليأس ويكون من وراء ذلك حزن عميق ينشأ عن انفعالها بالإخفاق.
وقد ينشأ هذا الانفعال العميق بما تتلمسه النفس الشاعرة أمام مشهد اجتماعي له جلاله كالأثر الفخم والجند الزاحف او منظر طبيعي له جماله كالحدائق الغضة والخمائل الملتفة والمروج الخضراء، كل ذلك يفعل في النفس ما يبعث فيها السرور او الحزن فتنفعل به. فالانفعال من عوارض النفس لا الإرادة، ضرورة انها تنفعل بما لا تريد.
الإرادة:
أكما تتأثر نفسك الشاعرة بأحد المشاهد الاجتماعية أو المناظر الطبيعية فتنقبض أو تنبسط، والفكر من ورائها يشرف على ثورتها ويحول دون طغيانها فينشأ بين جمالها وجلاله أثر في الخارج هو نتيجة فعله وانفعاله، أكذلك كانت هذه النفس وليدة القوة الاولى مصدر القوى الكونية، وكانت الإرادة من لوازمها الذاتية ضرورة بقاء الحي حيا فهي لا تنفك عن النفس منذ الأزل؟
ثم لا بد لنا من تمهيد بسيط هو أن في الأثر جزءاً من مؤثره، سواء أكان الأثر معنويا ام ماديا كالحكمة والفن في الإجرام التي نبتدعها. فالحكمة في الأثر أعني الغاية التي كان لها إنما هي جزء من عقل المؤثر المجرد يشير إلى عظمته في نوعه من هذه الناحية، والفن فيه هو جزء من عقله المتخيل المبدع يشير إلى عظمة المؤثر من حيث خياله وتصويره في رقيه الفكري.
ومجموع الحكمة والفن في الأثر هو الجمال، فجمال الجرم المبتدع هو ما يروعك فيه من شكل ولون وهو الفن، ومن سمو غاية وهي الحكمة، وكذا الأثر المعنوي، ففي البيت الواحد من الشعر أو الفقرة الواحدة من النثر جزء من روح الشاعر أو الناثر تلمسه روح النافذ البصير من ورائهما.
وهكذا الصورة والقلم ونحوهما من نتائج الفكر المادي ففيهما جزء من روح الصانع يتراءى للحكيم من وراء صنعه. فجلال هذا الروح وجماله بجلال هذا الأثر وجماله.
ففي قول القائل:
стр. 1078
لا يغرنك في الشام رجالُ … موّهوا بالرياء وجه الفرنسي
ربما أثرت العيون من الكح … ل وخلف الجفون منبت ورسِ
تتجلى روح لم تكن، وأنت الشاعر، لتلمسها في قول الاخر:
لا يغرنك منهم نفر … أظهروا نحوك حبا ووداد
لو تبدى لك ما قد أظمروا … لرأيت النار في وسط الرماد
وهكذا فانك لا تستطيع ان تقابل ما في الكرسي بما في الساعة من حكمة الصانع، فبقدر ما في الصانع من عظمة يبدو لك ما في صنعه من جمال او جلال.
وكون هذا الأثر مرآة مصدره كما نشاهد من وقوفنا على روح الشاعر بدراسة شعره وفكرة الفنان بتحليل فنه هو أمر متحقق في الخارج لا شبهة فيه.
стр. 1079
بلاط الشهداء بعد الف ومائتي عام
للأستاذ محمد عبد الله عناق
(٢)
وكان أثناء غاراته أو رحلاته في (اكوتين) قد اتصل بأميرها الدوق (أودو) وتفاهم معه، وكان الدوق مذ رأى خطر الفتح الإسلامي يهدد ملكه يسعى إلى مهادنة المسلمين، وقد فاوضهم فعلا، فأنتهز كارل مارتل محافظ القصر وزعيم الفرنج هذه الفرصة لإعلان الحرب على الدوق، وكان يخشى نفوذه واستقلاله، وغزا كوتين مرتين وهزم الدوق فكان أودو في الواقع بين نارين يخشى الفرنج من الشمال والعرب من الجنوب، وكانت جيوش كارل مارتل تهدده وتعيث في أرضه (سنة ٧٣١ م) في نفس الوقت الذي سعى فيه عثمان بن أبي لسعه لمحالفته والاستعانة به على تنفيذ مشروعه في الخروج على حكومة الأندلس والاستقلال بحكم الولايات الشمالية , فرحب الدوق بهذا التحالف وقدم ابنته الحسناء (لاميجيا) عروسا لعثمان، وفي بعض الروايات أن أبن أبي نسعة أسر ابنة الدوق في بعض غاراته على اكوتين ثم هام بها حبا وتزوج منها. وعلى أي حال فقد وثقت المصاهرة عرى التحالف بين الدوق والزعيم المسلم، ورأى ابن أبي نسعة كتمانا لمشروعه ان يسبغ على هذا الاتفاق صفة هدنة عقدت بينه وبين الفرنج، ولكن عبد الرحمن ارتاب في أمر الثائر ونياته، وأبى قرارالهدنة التي عقدها وأرسل إلى الشمال جيشا بقيادة ابن زيان للتحقق والتحوط لسلامة الولايات الشمالية، ففر ابن أبي نسعة من مقامه بمدينة الباب الواقعة على (البرنيه) إلى شعب الجبال الداخلية فطارده ابن زيان من صخرة إلى صخرة حتى أخذ وقتل مدافعا عن نفسه، وأسرت زوجه لاميجيا وأرسلت إلى بلاط دمشق حيث زوجت هناك من أمير مسلم. ولما رأى أودو ما حل بحليفه واستشعر الخطر الداهم تأهب للدفاع عن مملكته، وأخذ الفرنج والقوط في الولايات الشمالية يتحركون لمهاجمة المواقع الإسلامية، وكان عبد الرحمن يتوق إلى الانتقام لمقتل السمح وهزيمة المسلمين عند أسوار تولوشة، ويتخذ العدة منذ بدء ولايته لاجتياح مملكة الفرنج كلها، فلما رأى الخطر محدقا بالولايات الشمالية لم يرَ بداً من السير إلى الشمال قبل أن يستكمل كل أهبته، على انه استطاع ان يجمع أعظم جيش سيّره المسلمون إلى (غاليا) منذ الفتح، وفي أوائل سنة٧٣٢م (أوائل سنة
стр. 1080
١١٤هـ) سار عبد الرحمن إلى الشمال مخترقا أراغون (الثغر الأعلى) ونافار (بلاد البشكنس) ودخل فرنسا في ربيع سنة ٧٣٢م، وزحف تواً على مدينة (آرل) الواقعة على نهر الرون لتخلفها عن أداء الجزية واستولى عليها بعد معركة عنيفة نشبت على ضفاف النهر بينه وبين قوات الدوق أودو، ثم زحف غرباً وعبر نهر الجارون وانقض المسلمون كالسيل على ولاية اكوتين يثخنون في مدنها وضياعها، فحاول أودو ان يقف زحفهم، والتقى الفريقان على ضفاف الدوردون فهزم الدوق هزيمة فادحة، ومزق جيشه شر ممزق، قال ايزيدور الباجي: (والله وحده يعلم كم قتل في تلك الموقعة من النصارى) وطارد عبد الرحمن الدوق حتى عاصمته بوردو (بردال) واستولى عليها بعد حصار قصير، وفر الدوق في نفر من صحبه إلى الشمال، وسقطت اكوتين كلها بيد المسلمين ثم ارتد عبد الرحمن نحو الرون كرّة أخرى، واخترق الجيش الإسلامي برجونيا واستولى على ليون وبيزانصون ووصلت سريّاته حتى صانص التي تبعد عن باريس نحو مائة ميل فقط، وارتد عبد الرحمن بعد ذلك غرباً إلى ضفاف اللوار ليتم فتح هذه المنطقة ثم يقصد إلى عاصمة الفرنج. وتم هذا السير الباهر. وافتتح نصف فرنسا الجنوبي كله من الشرق إلى الغرب في بضعة أشهر فقط. قال أدوار جيبون. (وامتد خط الظفر مدى ألف ميل من صخرة طارق إلى ضفاف اللوار. وقد كان اقتحام مثل هذه المسافة يحمل العرب إلى حدود بولونيا وربى ايكوسيا. فليس الراين بأمنع من النيل او الفرات، ولعل أسطولاً عربيا كان يصل إلى مصب التايمز دون معركة بحربة، بل ربما كانت أحكام القرآن تدرَّس الآن في معاهد أكسفورد وربما كانت منابرها تؤيد لمحمد صدق الوحي والرسالة).
أجل كان اللقاء الحاسم بين الإسلام والنصرانية، والشرق والغرب، على وشك الوقوع. وكان اجتياح الإسلام للعالم القديم سريعا مدهشا، فانه لم يمضِ على وفاة النبي العربي نصف قرن حتى سحق العرب دولة الفرس الشامخة، واستولوا على معظم أقطار الدولة الرومانية الشرقية من الشام إلى أقاصي المغرب، وقامت دولة الخلافة قوية راسخة الدعائم فيما بين السند شرقا والمحيط غربا، وامتدت شمالاً حتى قلب الأناضول، وكانت سياسة الفتح الإسلامي مذ توطدت دولة الإسلام ترمي إلى غاية أبعد من ضم الأقطار وبسطة السلطان والملك. فقد كان الإسلام يواجه في الأقطار التي افتتحها من العالم القديم، أنظمة
стр. 1081
راسخة مدنية واجتماعية تقوم على أصول وثنية أو نصرانية، وكانت النصرانية قد سادت أقطار الدولة الرومانية منذ القرن الرابع، فكان على الخلافة ان تهدم هذا الصرح القديم وان تقيم فوق أنقاضه في الأمم المفتوحة نظما حديثة، تستمد روحها من الإسلام. وان تذلل النصرانية لصولة الإسلام سواء بنشر الإسلام بين الشعوب المفتوحة او بإخضاعها من الوجهة المدنية والاجتماعية لنفوذ الإسلام وسلطانه، وكان هذا الصراع بين الإسلام والنصرانية قصير الأمد في الشام ومصر وافريقية، فلم يمضِ نصف قرن حتى غيّر الإسلام هذه الأمم بسيادته ونفوذه، وقامت فيها مجتمعات إسلامية قوية شاملة، وغاضت الأنظمة والأديان القديمة ثم دفعت الخلافة فتوحها إلى أقاصي الأناضول من المشرق وجازت إلى إسبانيا من المغرب. فأما في المشرق فقد حاول الإسلام ان ينفذ إلى الغرب من طريق قسطنطينية، وبعثت الخلافة جيوشها وأساطيلها الزاخرة إلى عاصمة الدولة الشرقية مرتين: الأولى في عهد معاوية بن أبي سفيان سنة ٤٨هـ (٦٦٨م) والثانية في عهد سليمان بن عبد الملك سنة ٩٨هـ (٧١٧م) وكانت قوى الخلافة في كل مرة تبدي في محاصرة قسطنطينية غاية الإصرار والعزم والجلد ولكنها فشلت في المرتين وارتدت عن أسوار قسطنطينية منهوكة خائرة.
стр. 1082
إلى روح شوقي بك
خيم الليل وفي آفاقه … شهب ترمي إلى الأرض سناها
ملكت عينيْ كئيب عاشق … قد رعتْه مذ تبدّت ورعاها
شاعر قد ضاقت الدنيا به … فَرَنا شوقًا إلى رحب سماها
روحه الثكلى بكت فقد المنى … أين للباكي أسى مثل أساها؟
بات يدعو الله في أحزانه … عله يشفي من النفس ضناها
أطلق اللهم قيدي في الهوى … وأبنْ عن مهجتي الحرى جواها
وأعد نفسي إلى حيث الورى … في سماء الحب لم تعبد سواها
كل يوم للردى سخرية … تجرح القلب وللناس صداها
تتراءى لي تهاويل الأسى … بين خذلان حياتي ورجاها
كحسان عاريات تكتسي … من لهيب النار ما يدمي حشاها
وأثبات تتنزى حسرة … والمنايا تتهادى في خطاها
كلما في الليل مالت نجمة … خلتها نفسي دهاها ما دهاها
أو رأيت الطير في دوحته … والخريف السوء عرَّاها حلاها
خلته العاشق في وحدته … واجماً يذكر أياماً قضاها
عذبات الأنس ما عانقتها … وثمار اللهو لم أجن جناها
زهرة الجثمان في ريعانها … وركاب العمر لم تبلغ مداها
والأماني لم تزل في فجرها … باسمات الثغر والأمن غطاها
عطفت روحي على ريحانها … عطفة الأم على مهد فتاها
ثم ولت وهي عبرى بعدما … لثمت منها خدوداً وشفاها
غالها الدهر بسهم صائب … فغدت تذبل في زهو صباها
ثم فاضت روحه طاهرة … وجرت في مقلة الشمس دماها
صدح البلبل لما أشرقت … وصداح الطير نوع من بكاها
حلب. عمر أبو قوس
دعابة
стр. 1083
ما أنت في ثوبك بدر الدجى … كلا ولا أنت غزال شدَن!
أنت وربي فتنة صورت … للناس من كل أنيقٍ حسن
تستأسرُ الآهَ فتهفو لدي … مرآك من كل فؤادٍ فتن
لا تحتجب بالبعد عنا فما … يعرف فضل الحسن إن لم يبَنُ
وأنت في ذاتك سر وذا … حسنك في أبصارنا قد علن
يا نعمتي في محنتي، داوني … يا سكني إما تجافي السكن
تعال زَوّد شفتي قبلةً … من قبل أن يُسرع فيك الزَّمن
حمص. رفبق فاخوري
стр. 1084
الحرية في الكتابة ومدى التجديد فيها
لست أقصد بحرية الكتابة ما يقصده كتاب السياسة حين يكتبون عن
الصحافة والصحف، وما يجوز للصحف أن تتعرض له وما لا يجوز
لهل الخوض فيه، وانما اقصد ذلك القدر من الحرية الذي ينبغي أن
يتمتع به الكاتب الأديب حين يكتب مقالته أو ينشئ رسالته، وأسأل:
أهو قدر غير محدود؟ وهل هي حرية غير ذات نهاية أو حد؟ أم هو
قدر من الحرية مهما اتسع أفقه وطال قطر دائرته فإن له حداً لا ينبغي
للأديب أن يتجاوزه، وقواعد لا ينبغي له أن يطغى عليها فيمحوها أو
يغير منها؟ وقد دعاني إلى هذا التساؤل ما قرأته في العدد الأخير من
الرسالة للأديب الفاضل حبيب شماس يخاطب فيه الدكتور هيكل بك
فبقول له: (اغلط واكثر من الغلط الموهوم وكسِّر من هذه القيود التي
كسر بعضها من قبلك طه) ويختمه بقوله: (ان أغلاط أكابر الكتّاب هي
صك تحرير النشء الصاعد)
وليست المسألة أن يخطئ الدكتور هيكل أو يصيب، ولا أن يكسر الدكتور طه قيودا من قيود الأدب او يتركها تغل الأيدي والأقلام وإنما المسألة مسألة اللغة العربية وما وضع لها من قواعد وحدود، كما وضع لغيرها من لغات العالم كله، فان هذه الأغلاط والأخطاء إن أبيح للدكتور هيكل وغيره من كبار الكتاب ان يقعوا فيها، فليس لأحد بعد ذلك أن يحضر على النشء الصاعد ما أبيح للنشء الذي صعد، وسيحاول أولئك المخطئون من النشء ان يبرروا أخطاءهم كما يفعل كبار كتّابهم وقادتهم من الأدباء، ولكنهم عندئذ لن يقدموا دليلاً على صحة ما كتبوا كما لم يقدم أكابر الكتاب دليلا على صحة ما كتبوا، وانما سيؤول الأمر في ذلك كله إلى إرادة الكاتب وهواه، وسنعود في قواعد اللغة العربية إلى مثل ما نحن فيه الآن من خلاف للنقد الأدبي، أهو قائم على قواعد وأسباب بعينها، أم هو قائم على الذوق وحده؟ وسيرى كلُ في اللغة العربية ما يريد، هذا يرفع المفعول وذاك ينصبه وذاك يجر
стр. 1085
الفاعل وهذا ينصبه، فإذا سألته في ذلك أو نقدت قوله قال لك: دعني فاني هكذا أكتب، وهكذا أريد، ولن أغير في كتابتي ولن اكتب غير ما أريد. وستنفرد اللغة العربية إذن بهذا الأسلوب الغريب المتعدد الذي لا ضابط له من قواعد ولا قياس، فتفوق بذلك لغات الأرض قديمها والحديث، وسيكون ذلك كله باسم التجديد في اللغة والأدب. ان هذه اللغة العربية ليست لغتنا نحن المصريين، وانما هي لغة طغت على اللغة المصرية، واحتلت مكانها فصارت لغتنا وأخذناها ونحن راضون بها مطمئنون إليها، فهي لغة كتاب السواد الأعظم من المصريين ولغة نبيهم الكريم، فأما أن نحرص عليها وعلى قواعدها ونسير وفق مناهج أصحابها، وأما أن نغير تلك القواعد ونجعلها موافقة لطبيعة عصرنا وأمزجتنا، ونصطلح على قواعد لا يختلف فيها نشء صعد ولا نشء صاعد، أما قبل ذلك التجديد فليس لنا إلا أن نتبع ما لدينا من قواعد اللغة ونحوها. سيقال أن هذا التجديد الذي يحدثه كبار الكتاب فيما يكتبون سيصبح مع الزمان قواعد تتبع ونماذج تحتذى، بل هو قيل بالفعل، ولكن ليس كل الكتاب من الأكابر، وليس من الممكن أن نقصر التجديد على كبار الكتاب ونحظره على الناشئين منهم، ولسنا نأمن على اللغة من هؤلاء الناشئين أن يفسدوها من حيث أرادوا لها تجديدا وإصلاحا. للكتاب أن يغيروا من الأساليب كيفما يشاءون، وأن يصطنعوا الإطناب أو الإيجاز كما يريدون، فان هذا كله خير للغة ودليل على غناها ومرونتها، ولكن في حدود القواعد المرسومة والنحو الموضوع، ولا يهمني أن تكون تلك القواعد جديده نصطلح عليها الآن أو أن تكون هي التي بين أيدينا والتي أجاهر بأنها في حاجة كبيرة إلى الإصلاح، فالمقصود هو أن ننزع اللغة من براثن الفوضى، وما دام الكتاب كباراً ففي وسعهم من
غير شك أن يكتبوا فيحسنوا الكتابه، وأن يعرضوا أفكارهم الناضجة وآثارهم الأدبية فيحسنوا عرضها، وأن يحافظوا مع ذلك كله على قواعد اللغة.
إسكندرية. محمد قدري لطفي. ليسانسييه في الآداب
стр. 1086
في الأدب العربي
عكاظ والمربد
للأستاذ أحمد أمين
(٢)
وقد يتفاخر الرجلان من قبيلتين فيفخر كلٌ بقبيلته ومكارمها فيتحاكمان إلى حكم عكاظ كما فعل رجل من قضاعة فاقر رجلا من اليمن فتحا كما إلى ذلك الحكم.
ومن كان داعيا إلى إصلاح اجتماعي او انقلاب ديني كان يرى أن خير فرصة له سوق عكاظ، والقبائل من أنحاء الجزيرة مجتمعة، فَمَنْ قَبِلَ الدعوة كان من السهل أن يكون داعيا في قومه إذا دعا إليهم، فنرى قس بن ساعدة يقف بسوق عكاظ يدعو دعوته ويخطب فيها خطبته المشهورة على جمل له أورق فيرغِّب ويرهِّب ويحذِّر وينذر.
ولما بعث رسول الله (ص) اتجه إلى دعوة الناس بعكاظ لأنها مجمع القبائل، روى الواقدي أن رسول الله أقام ثلاث سنين من نبوته مستخفياً ثم أعلن في الرابعة فدعا عشر سنين، يوافي الموسم، يتبع الحجاج في منازلهم بعكاظ والمجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلِّغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحداً ينصره حتى انه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلة قبيلة، حتى انتهى إلى بني عامر بن صعصعة فلم يلق من أحد من الأذى ما لقي منهم، وفي خبر آخر أنه أتى كندة في منازلهم بعكاظ فلم يأت حيا من العرب كان ألين منهم، وعن علي بن أبي طالب (ع): إن رسول الله (ص) كان يخرج في الموسم فيدعو القبائل فما أحد من الناس يستجيب له نداءه ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بمجنة وعكاظ ومنى حتى يستقبل القبائل، يعود إليهم سنة بعد سنة حتى كان من القبائل من قال: أما آن لك أن تيأس منا؟ من طول ما يعرض عليهم نفسه حتى استجاب هذا الحي من الأنصار.
وروى اليعقوبي أن رسول الله (ص) قام بسوق عكاظ عليه جبة حمراء فقال: يا أيها الناس قولوا لا اله إلا الله تفلحوا وتنجحوا، ويتبعه رجل يكذبه وهو أبو لهب بن عبد المطلب. كذلك كان لعكاظ أثر كبير لغوي وأدبي، فقد رأينا قبائل العرب على اختلافها من قحطانيين وعدنانيين تنزل بها، وملك الحيرة يبعث تجارته إليها، ويأتي التجار من مصر والشام والعراق، فكان ذلك وسيلة من وسائل تفاهم القبائل وتقارب اللهجات، واختيار القبائل
стр. 1087
بعضها من بعض ما ترى أنه أليق بها وأنسب لها، كما أن التجار من البلدان المتمدنة كالشام ومصر والعراق كانوا يطلعون العرب على شيء مما رأوا من أحوال تلك الأمم الإجماعية. وفوق هذا كانت عكاظ معرضا للبلاغة ومدرسة بدوية يلقى فيها الشعر والخطب وينقد ذلك كله ويهذب، قال أبو المنذر: (كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعد مآثره وأيام قومه من عام إلى عام فيما أخذت العرب أيامها وفخرها) وكانت المنابر قديمة يقول فيها حسان:
أولاء بنو ماء السماء توارثوا … دمشق بملك كابرا بعد كابر
يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا … ملوكا بأرض الشام فوق المنابر
فيقف أشراف العرب يفخرون بمناقبهم ومناقب قومهم. . . فبدر بن معشر الغفاري. . . كان رجلا منيعاً مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ فاتخذ مجلسا بهذه السوق وقعد فيه وجعل يبرح على الناس ويقول:
نحن بنو مدركة بن خندف … من يطعنوا في عينه لا يطرف
ومن يكون قومه يغطرف … كأنهم لجَّة بحر مُسدَف
فيقوم رجل من هوازن فيقول:
أنا أبن همدان ذوي التغطرف … بحر بحور زاخر لم ينزف
نحن ضربنا ركبة المخندف … إذ مدَّها في أشهر المعرف
وعمر بن كلثوم يقوم خطيبا بسوق عكاظ وينشد قصيدته المشهورة:
ألا هي بصحنك فاصبحينا
والأعشى يوافي سوق عكاظ كل سنة، ويأتي مرة فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها فينشدهم الأعشى في مدح المحلق والنابغة الذبياني تضرب له قبة أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فيدخل إليه حسّان بن ثابت وعنده الأعشى والخنساء فينشدونه جميعا ويفاضل بينهم وينقد فيما زعموا قول حسان:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
فيقول لحسان قلْلَت العدد ولو قلت الجفان لكان أكثر. وقالت يلمعن بالضحى ولو قلت يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً.
стр. 1088
ودريد بن الصمة يمدح عبد الله بن جدعان بعد أن هجاه فيقول:
إليك أبن جدعان أعملتها … محففة للسرى والنصب. . الخ
وقس بن ساعدة يخطب الناس خطبته المشهورة فيذكرهم بالله والموت ورسول الله يسمع له، والخنساء تسوم هودجها براية وتشهد الموسم بعكاظ وتعاظم العرب بمصيبتها في أبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وتنشد في ذلك القصائد، فلما وقعت وقعة بدر وقتل فيها عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أقبلت هند بنت عتبة إلى عكاظ، وفعلت كما فعلت الخنساء، وقالت اقرنوا جملي بجمل الخنساء ففعلوا، فعاظمت هند الخنساء في مصيبتها وتناشدتا الأشعار: تقول إحداهما قصيدة في عظم مصيبتها وترد الأخرى عليها، وعلى الجملة فكانوا في عكاظ يتبايعون ويتعاكظون ويتفاخرون ويتحاجون، وتنشد الشعراء ما تجدد لهم، وفي ذلك يقول حسان:
سأنشر ما حييت لهم كلاما … ينشر في المجامع من عكاظ
فمن هذا كله نرى كيف كانت عكاظ مركزا لحركة أدبية ولغوية واسعة النطاق كما كانت مركزا لحركة اجتماعية واقتصادية.
نظام سوق عكاظ
كانت القبائل (كما أسلفنا) تنزل كل قبيلة منها في مكان خاص بها، ثم تتلاقى أفراد القبائل عند البيع والشراء أو في الحلقات المختلفة. كالذي حكينا أن الأعشى رأى الناس يجتمعون على سرحة، أو حول الخطيب يخطب على منبر، أو في قباب من أدم تقام هنا وهناك، ويختلط الرجال بالنساء في المجامع، وقد يكون ذلك سببا في خطبة أو زواج أو تنادر وكانت تحضر الأسواق (وخاصة سوق عكاظ) أشراف القبائل. وكان أشرف القبائل يتوافون بتلك الأسواق مع التجار من أجل أن الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ فانهم كانوا يتوافون بها من كل أوب).
والظاهر أن المراد بالملوك هم الأمراء ورؤساء القبائل الذين يرسلون بضائعهم لبيعها في أسواق العرب كملك الحيرة والغساسنة وأمراء اليمن ونحوهم (وكانت القبائل تؤتي لرؤسائها إتاوة في نظير إقامتهم بالسوق، فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه أخبار أسواق كثيرة
стр. 1089
كان يعشرها أشرافها) أي يأخذون العشر. وفي عكاظ كانت القبائل تدفع لأشرافها هذه الإتاوة (فهوازن كانت تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف وفي أنفسها منه غيظ وحقد) وكانت الإتاوة سمنا وأقطا وغنما. (وكان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتي بها، ويأتي بها هذا الحي من الازد وغيرهم، ومن هذه الإتاوة ثياب).
وكان الأشراف يمشون في هذه الأسواق ملثمين، ولا يوافيها (عكاظ) شريف إلا وعلى وجهه برقع مخافة أن يؤسر يوما فيكبر فداؤه، فكان أول من كشف طريف العنبري، لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح من وطّن نفسه إلا على شرفه، وحسر عن وجهه وقال:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة … بعثوا إليّ عريفهم يتوسم
فتوسموني إنني أنا ذلكم … شاكي السلاح وفي الحوادث معلم
إلى آخر الأبيات.
وكان على سوق عكاظ كلها رئيس إليه أمر الموسم وإليه القضاء بين المتخاصمين، قال أبو المنذر: وتزعم مضر أن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم. . . وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظرب العدواني سعد بن زيد بن مناة من تميم، وقد فخر المخبل بذلك في شعره:
ليالي سعد في عكاظ يسوقها … له كل شرق من عكاظ ومغرب
حتى جاء الإسلام فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع
تاريخ عكاظ:
من العسير جدا أن نحدد بدء عكاظ فلم نجد في ذلك خبراً يصح التعويل عليه. يقول الآلوسي في بلوغ الأدب (انها اتخذت سوقا بعد الفيل بخمس عشرة سنة) ولكن إذا بحثنا في الأحداث التي رويت في عكاظ وجدنا ذلك غير صحيح فهم يروون (كما قدمنا) أن عمرو بن كلثوم انشد قصيدته في عكاظ وعمرو بن كلثوم كان على وجه التقريب حول سنة٥٠٠ م.
كذلك إذا عدنا إلى ما رواه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة عن رؤساء عكاظ وجدنا انه
стр. 1090
عدهم قبل الإسلام عشرة أولهم عامر بن الظرب العدواني. وهذا (من غبر شك) يجعل تاريخ عكاظ أبعد مما يحكي الآلوسي بزمان طويل كذلك يروي الأغاني ان عبلة زوجة عبد شمس بن عبد مناف باعت أنحاء سمن بعكاظ.
وظلت سوق عكاظ تقوم كل سنة وكانت فيها قبيل الإسلام حروب الفجار، وهي حروب أربع وكان سبب الأولى على ما يروى، المفاخرة في سوق عكاظ. وسبب الثانية تعرض فتية من قريش لأمرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ. وسبب الثالثة مقاضاة دائن لمدينهِ مع إذلالهِ في سوق عكاظ، وسبب الأخيرة أن عروة الرجال ضمن ان تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة فقتله البراض في الطريق.
فكلها تدور حول سوق عكاظ وهذه الحروب كانت قبل مبعث (النبي ﷺ بست وعشرين سنة وشهدها النبي وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه وقال: كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي
واستمرت هذه الحروب نحو أربع سنوات. وقد كانت هناك نزعتان عند اشراف العرب، نزعة قوم يقصدون إلى السلب والنهب وسفك الدماء لا يصدهم صاد ولا يرعون حتى الأشهر الحرم ويتحرشون بالناس فيمد أحدهم رجله في سوق عكاظ ويتحدى الأشراف مثله أن يضربوها فتثور من ذلك الثائرة.
وفريق يميل إلى السلم ودرء اسباب الحروب ونجاح التجارة والأسواق بتأمين السالكين وعدم التعرض لهم بأذى.
جاء في تاريخ اليعقوبي: (انه كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا (المحلون) وكان فيهم من ينكر ذلك وينصِّب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة (المحرمون) فأما المحلون فكانوا من أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة وقوم من بني عامر بن صعصعة وأما الذادة المحرمون فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد مناة وقوم من هذيل وقوم من بني شيبان. . . فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس.
وكان من اشهر الداعين إلى السلم عبد الله بن جدعان فقد كان إذا اجتمعت العرب في سوق عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان ثم يردها عليهم إذا ظعنوا، وكان سيدا حكيما مثرياً.
следующие страницы →