← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10256–10295 · переход к 10261.

стр. 10256

إلى معدة مسحوتة هائلة لا تكف عن القضم، ولا تعيا عن الهضم، ولا ترسل الميول والعواطف إلا في نواحي المنفعة. أين كان ذلك الضمير الحر حين رجفت باسمه الرجفة الكبرى، وأصاخت إلى صوته الهدنة العظمى، ثم جلس على أقدار الشعوب لويد جورج وكليمنصو وويلسن، وأيديهم على منضدة الصلح فوق أعواد الزيتون وأغصان الغار، يتقاسمون الحقوق الممزقة، ويتهادون الحريات المسلوبة، ويقيمون أنفسهم أوصياء على فرائس اقتطعوها، ثم عجزوا أن يبلعوها، فقدموها إلى الوصي كما تقدم الشاة إلى الأفعوان، يزدردها في سكون،؟ ويهتضمها على مهل أين كان ذلك الضمير الإنساني الحر حين تجاوبت بالأنين ضحايا السلام في تركية ومصر وفلسطين وسوريا والعراق؟ تستغيث بالولاء للحلفاء فلا تغاث، وتُلوِّح بالوثائق والوعود فلا تبالَي، وما ذنبها أنها ضعيفة، ففيهم أضعف منها وإنما ذنبها أنها مسلمة؟ أين كان ذلك الضمير الإنساني الحر وصرخات مصر الشهيدة تتعاقب على أسماع المدينة من غير فترة، فتمزق أغلفة الأذهان بالحجة، وتلمس لفائف القلوب بالرجاء، ثم لا ترتد أصداؤها إلا بالخيبة؟ أين كان ذلك الضمير الإنساني الحر والوعود الستون بالجلاء تتساقط من فوق المنبر الدستوري العريق تساقط الشهب، يخطف البصر سناها في جو السماء، ثم تكون حجارة باردة على الأرض؟ هؤلاء أبناؤنا الأعزة يا مسيو فكتور كما سمعت هناك ورأى إخوانك هنا: يشترون بأنفسهم الغالية الهتاف للحرية، لعلهم ينبِّهون العامِهَ، فيبصر، ويرشدون المبطل فيُقصر ويُسمعون المخطئ فيصيب. ولكن الطوائر، تئز والبواخر تصفِر، والمصانع تضج، والمناورات الحربية ترعد، والخطب الخداعة تهدر، فكيف تجد الأصوات الرقيقة العذبة سبيلها في هذه الضوضاء العنيفة إلى آذان هي بطبيعتها موقورة عن مثل هذا النغم؟ ولو كان الضمير الإنساني لا يزال حياً لرأى من خلال الحجب، وسمع من وراء الآفاق، ثم وخز النفوس وخزته الإلهية، فيشعر القوي أنه زل، ويدرك الغوي أنه ضل، ويفطن الإنسان أنه إنسان. لقد كنت أود يا مسيو فكتور أن ينبسط عطفك حتى يشمل أخواناً وجيراناً يعانون من الذكاء الفرنسي مثل ما نعاني من الدهاء الإنجليزي، ولكننا سئمنا الكلام وأنفنا الاسترحام واحتقرنا الحجج. لقد بلُد الشعور حتى لا يحس ألا ذبابَ السيف، وثقل السمع حتى لا يدرك ألا قصفة المدفع،

стр. 10257

وكَلَّ الذهن حتى لا يفهم إلا كثافة المادة؛ فأين يقع من ذلك بيان الأدب ومنطق العلم وخيال الفنان يا مسيو فكتور؟؟ أحمد حسن الزيات

стр. 10258

المجنون للأستاذ مصطفى صادق الرافعي جاء يمشي هادئاً يتخيَّلُ في مِشْيته، يَرْجُفُ بين الخُطوة والخطوة كأنه من كِبره يُشعرك أن الأرض مُدركة أنه يمشي فوقها. . . . ولا ينقلُ قدمَه إذا خَطَا حتى يَنْهضَ برأسه يُحركه إلى الأعلى، فما تدري أهو يريد أن يطمئنَّ إلى أن رأسَه معه. . . . أم يُخَيَّل إليه أن هذا الرأس العظيم قد وضع على جسمه في موضع راية الدولة فهو يهزُّه هزَّ الراية. . . . وأخذته عيني وليس بيني وبينه إلا طولُ غرفةٍ وعرضها - فهو إذا زائغُ البصر كأنما واقع في صحراء يقلَّب عينه في جهاتها متحيَّراً متردِّداً، ثم كأنما رُفِعَ له في أقصاها جبَلٌ فأخذ إلى ناحيته. . . . . ورحبتُ به، وأجلستهُ إلى جانبي، فأخذ يَسْتَعَرِفُ إليَّ بذكر أسمه وجماعته وبلده، لا يزيد على ذلك شيئاً كأنه عنترةُ بني عَبسٍ، لأرضه من طبيعتها جغرافياً، ومن أسمه جغرافياً على حدة. فلما رآني لا أُنْبِتُه معرفة قال: أن بك نسياناً قلت: وكثيراً ما أنسى، غير أن أسمك غير من ذلك الأسماء التي تذكّر بتاريخ. قال: هذه غلطة الجرائد. . . ومهما تنسَ من شيء فلا تنسَ أنك أستاذاً (نابغة القرن العشرين). . . فسرَّحتُ فيه نظري، فإذا أنا بمجنونٍ ظريفٍ أمردَ أهيفَ، يكاد برخاوته وتفككه لا يكون رجلاً، ويكاد يبدو امرأة بجمال عينيه وفتورهما. وتوسمتُ فإذا وجه ساكن منبسطُ الأسارير ممسوح المعاني، ينبئ بانقطاع صاحبه مما حوله، كأن الدنيا ليست دنيا الناس، ولكنها دنيا رأسه. وتأملت فإذا طفولة متلبدة قد ثبتت في هذا الوجه لتخرج من بين الرجل والطفل مجنوناً لا هو طفل ولا رجل. وتفرَّستُ فإذا آثارُ معركةٍ باديةٍ في هذه الصَّفحة قَتْلاها أفكارُ المسكينِ وعواطفُه. وتبَّينتُ فإذا رجلٌ مُستَرْخٍ، مُتفتّرُ البدن، خائرُ النفس، وكأنه قائم لِتَوَّه من النوم فلا تزال في عينه سِنَةٌ، وكأنه يتكلم من بقايا حُلُم كان يراه. . . وخُيِّل إليَّ من هذا الخُمول في هذا الشاب أن عليه جوَّا من تثاؤبه وان المكان كله يتثاءبُ،

стр. 10259

فتثاءبت. فلما رأى ذلك مني ضحك وقال: أن (نابغة القرن العشرين) رجلٌ مغناطيسيّ عظيم؛ فها هو ذا قد ألقى عليك النوم. . . وحسبُكَ فخراً أن تكون أستاذَه وأخاه وثقتَه، (فليس على ظهرها اليوم أديبٌ غيري وغيرك. . .). قلت في نفسي: إ تا لله، ما يعتقد الرجلُ أن على ظهرها مجنوناً غيره وغيري، وكأنما ألمَّ بذلك فقال: لستُ مجنوناً، ولكني كنت في البيمارستان. . . قلت: أهو البيمارستان الذي يسمى مستشفى المجاذيب؟ قال: لا. إن هذا الذي تسميه أنت هو مستشفى المجاذيب، أما الذي سميتُه أنا فهو مستشفى فقط. . . وذكرتُ عندئذٍ أن من المجانين قوماً ظُرفاء يَدخُلُهم الفسادُ في عقولهم من ناحية فكرة ملازمة لا تبرح، فلا يكون جنونُهم جنوناً إلا من هذا الوجه، وسائر أحوالهم كأحوال العقلاء، غير انهم بذلك طيَّاشون متقلبون، إذا ازْدُهِىَ أحدُهم لم يُطقْهُ الناس من زهوه وكبريائه وتنطُّعِه، كأنه واحدُ الدنيا في هذه الفكرة وكأن بينه وبين الله أسراراً؛ ويظن عند نفسه انه اعقلُالناس في أرقى طبقات عقله، وما جنونُه إلا في هذه الطبقة وحدها. ومثل هذا لا بد له ممن يستجيبُ لهذَيانه كيما يحركَ فيه خفتَه وطيشَه وزهوه وليكونَ عنده الشاهدَ على هذا الوجود الخياليِّ المُبدَع الذي لا يوجد إلا في عقله المختل. فإذا هو ظفر بمن يُحاسنُه، أو يصانعُه، أو يجاريه حَسبَِه مُذْعِناً مؤمناً مصدِّقاً، فلا يَدَعُه من بعدها ويتعلق به اشد التعلق، ويراه كأنه في ملكه. . . فيتخذه صفيَّاً وهو يعتقد انه رقيق؛ وقد يَزُعمُه أستاذَه لِيُفهِمَه من ذلك بحساب عقله. . . أنه تلميذُه. وخشيتُ أن يكون (نابغة القرن العشرين) لم يُسمِّني أستاذَه إلا بحسابٍ من هذا الحساب، فهو سيُعطى الأستاذيةَ حقَّها، ولكن كما هو حقّها في لغة جنونه. . . فأصبح في رأيه تلميذه وصنيعتَه، ومحدِّثَ هذيانه، وثقتَه وملجأه، والمحاميَ من ورائه؛ قلت في نفسي: إذا أنا تركتَه جالساً كان هذا المجلسُ مَثابَتَه من بعد فلا يعرف له محلاً غيره ويصبح كما يقال في تعبير القانون (محلّه المختار)، فَيتَطَرَّأُّ إليَّ لسبب ولغير سبب، ويقعُ في أوقاتي وقوعَ السَّهوِ لا حسابَ عليه ويضيعُ فيه ما يضيع. فأجمعتُ أن أصرفَه راضياً باليأس وقد انتهت

стр. 10260

نفسُه من معرفتي وانتهى عقله إلى الرأي أني لا اصلح له أستاذاً، لا بحسابه هو ولا بحساب الناس. فقلت له: ظني بك انك أستاذ نفسك، ولا يحسن بنابغة القرن العشرين أن يكون له في القرن العشرين أستاذ، واراك قد فرغتَ للأدب، أما أنا فمشغول بأعمال وظيفتي، وقد جاء من العمل ما تراه وتكاد لا تفي به الساعاتُ الباقيةُ من الوقت و. . فقطع عليّ وقال: أن الوقت ليس في الساعة، والدليل أني أعطلها فيتعطل الوقت ولا يكون فيها يوم ولا ساعة ولا ثانية ولا دقيقة. فقلت: ولكنك إذا عطلتها لم تتعطل الشمسُ التي تعيّن منازلَ النهار، فسيمرُّ الظهر ويحينُ العصر و. . . قال: ويأتي غد، وإنما أنا معك اليوم فقط. . . ويجب أن تغتبط بأنك أستاذ (نابغة القرن العشرين)، فقد قرأت الكثير في الأدب وقرأتك، فما كان لي رأي إلا رايتّه لك، ولا صحَّت عندي نظرية إلا رايتك قد أبديتَها، وأنا لا اعتقد أدباً في مصر إلا ما توافَيْنا عليه معاً (ولا أسلّم جدَلاً، ولا جدَلاً أسلّم أن في مصر أدباء ينالون مني شيئا، فهو أنا وأنا هو)، ولئن لم يذعنوا (لنابغة القرن العشرين) فلَيعلمُنَّ انهم (وقعوا مني موقعَ نملةٍ على صخرة). هذا من جهة، ومن جهة أريد سجائر وليس معي ثمنها). . . فتهللْتُ واستبشرتُ، وقلتُ له: هذا قرش فهلمَّ فأشتر به دخانك، وفي رعاية الله. ثم استويت للقيام، ولكنه لم يقم، بل تمكَّن في مجلسه. . . وكرهتُ أن أتَغَير له وما اشك انه في هذا صحيحُ التمييز؛ فما أسرعَ ما قال: أن (نابغة القرن العشرين) فتى قويُّ الإرادة، فإذا هو لم يصبر عن التدخين ساعاتٍ فما هو بصبور. . . . وإذا لم يُثْبتْ لك هذا الأمرَ عن مُعَايَنَة. . . . فما أعطيتَه حقَّه. فقلت في نفسي: لقد غرستُ الرجلَ من حيث أردتُ اقتلاعَه، وأيقنت انه من عقلاء المجانين الذين تتغير فيهم العاطفة أحياناً فتُلهمهم آياتٍ من الذكاء لا يتفق مثلها إلا لنوابغ المنطق؛ وذكرت (بهلول) المجنون الذي حكوا عنه أن إبراهيم الشيباني مرَّ به وهو يأكل خبيصاً فقال له: أطعمني. قال: ليس هو لي، إنما هو لعاتكة بنت الخليفة بعثته أليَّ لآكله لها. . .

стр. 10261

وقالوا: انه مر بسوق البزَّازين فرأى قوماً مجتمعين على باب وكان قد نُقِب، فنظر فيه وقال: أتعلمون من عمل هذا؟ قالوا: لا. قال: فأنا اعلم فقالوا هذا مجنون يراهم بالليل ولا يتحاشَونه فالْطِفُوا به لعله يخبركم. ثم قالوا: اخبرنا. قال: أنا جائع. فجاءوه بطعام سَنيّ وحلواء، فلما شبع قام فنظر في النقْب وقال: هذا عمل اللصوص. . . . . وكانت مجلة (الرسالة) في يد (نابغة القرن العشرين)، فصل الكلامَ بها وقال: أنه يقرأ كل مقالاتي وأنه وأنه، وإنها وإنها. قلت: فما استحسنتَ منها؟ قال: (مقالة السيما). . . فقلت: متى كان آخر عهدك برؤية السيما؟ قال: أمس قلت: فأنا لم اكتب مقالاً عن السيما، ولكنك أعجبت بما رأيت أمس فتحول ما رأيته حلماً في مقالة فأعجبه هذا التأويل وقال: بمثل هذا أنا (نابغة القرن العشرين) فاقرأ مقالتك في العيب من قبل أن تكتبها. . . . قلت: انك تكثر أن تقول عن نفسك (نابغة القرن العشرين) وهذا يحصر نبوغك في قرن بعينه، فلو قطعتَ الكلمة وقلت (نابغة القرن) لصحّ أن تكون نابغة القرن التاسع عشر والثامن عشر وما قبلهما وما بعدهما. فرأيت به شَدْهَةً كأنه يفكر في جنونه، ثم أفاق وقال: لا. لا. وان هاهنا موضع نظر، فلو رضيت بنابغة القرن فقط، لجاء من يقول إني نابغة قرن خروف. . . . فقلت في نفسي: حمأةٌ مُدَّتْ بماء. وان هذه الوساوسَ لا تنفك تعرو هذا المسكين ما وجد من يكلمه، والأفكار في ذهنه مجتمعة مختلطةٌ مسترسلةٌ كأنها ثورة من الكلام لا نظام لها، فلأسكت عنه ولأتشاغل بما بين يدي. وسكتُّ وأعرضت عنه فجعل طائفة يعتريه، وكان السكوت قد سلَّط أفكاره عليه، وكأنها أخذت تصيح به في رأسه كما يصيح غلمانُ الطرق بالمجنون لا يزالون به حتى يُجْردُوه ويفقدوه البقيةَ من صبره وعقله معاً. فغضب (نابغة القرن العشرين) ونقله الغضبُ إلى حالة زَمْهَرَتْ فيها عيناه وكلَحَ وجهه حتى خفتُ أن يثور به الجنون، فأقبلت عليه وتعلّلتُ بسؤاله ألك اخوة؟ ألم ينبغ فيهم نابغة. . .؟

стр. 10262

قال: أن له أخاً يعذبه ويُوقِعُ به ضرباً ويغلله بالسلاسل ويشدُّه (بأمراس كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدل) وأنه أنزل به من العذاب ما لو أنزله بحجر لتألم قلت: فأنت في حاجة إلى راحة ويحسن بك أن تأوي إلى مكان تتمدد فيه قال: أني منصرف وسأجلس في نديّ كذا (هذا من جهة، ومن جهة ليس معي ثمن القهوة) قلت: فهذا قرش تدفعه ثمناً لها فاذهب فاستمتع بها وبالتدخين وبالراحة في ذلك الندىّ فالمكان هاهنا كثير الضجيج والحركة. واستُوفزت للقيام، ولكنه لم يَتَحَلْحَلْ من مجلسه ثم قال: أراك الآن مُسْتَبْصِرا أني (نابغة القرن العشرين) بعينه قلت: بل بعينيه اليمنى واليسرى معاً. . . قال: لا. لا. أنك نسيت أن العرب تقول في التوكيد: عينهُ ونفسهُ وذاتهُ. (أي أنا نابغة القرن العشرين بعينهِ ونفسهِ وذاتهِ، فليس غيري نابغة القرن العشرين) وكادت نفسي تخرج غيظا ولكني رأيت الحلم على مثل هذا يجري مجرى الصَّدقة، وقلت أن أدباء المجانين كثيرا ما يتفق لهم الإبداع الظريف إذا علَّلوا شيئا كذلك القاصّ الذي كان يقصُّ على العامة سيرة يوسف ﵇، فقال لهم فيما قال: إن الذئب الذي أكل يوسف كان اسمه كذا، فردوا عليه: إن يوسف لم يأكله الذئب. قال: فهذا هو اسمُ الذئب الذي لم يأكل يوسف. . . فقلب للمجنون: فما العلةُ عندك في أن العرب لم يقولوا في التوكيد: عينه وأذنه وانفه وفمه ويده ورجله؟ فنظر نظرةً في الفضاء ثم قال: ليسوا مجانين فيخلطوا هذا الخلط، وإلا وجب أن يقولوا مع ذلك: وعمامته وثوبه ونعله وبعيره وشاتهُ ودراهمهُ. (هذا من جهة، ومن جهة ليس معي أجرة السيارة إلى بلدي وهي قرشان). قلت: هذه هي أجرة السيارة وصَحِبتك السلامة، ونهضتُ واقفا، ولكنه لم يتحرك. ثم قال: انك لم تعرف بعدُ (أنى أقول الشعر في الغزل والنسيب والمدح والهجاء والفخر، أني في الخطابة قُسُّ بن ساعدة أو أكثم بن صيفي، أني صخر لا ينفجر. . . يابس لا ينعصر، لست كالحجَّاج بل كعمر).

стр. 10263

قلت: هذا شئ يطول بيننا ولا حاجة لك بهذه البراهين كلها فقد آمنت انك نابغة القرن العشرين في الأدب والشعر والخطابة والترسُّل. قال: والفلسفة وكل معقول ومنقول. وقد انتهينا على ذلك قال: ولكنك تحسبني مجنونا أو ممروراً (كما حسبتني الجرائد التي زعمت أن اختفائي في البيمارستان كان لجنوني الفكريّ أو لذكائي الطبيعي وهو الأصح. . . فبّين لهذه الجرائد أني خرجت أني سأطبع الأدب بطابع جديد). قلت: ولكني لست مراسل جرائد. قال (فاجعلني رسالةً وراسلها عني أو اكتب لك أنا ما ترسله، وما جئتك إلا لهذا؛ ويجب أن تلحقني بجريدة كبيرة، وهذه الجرائد تعرفني كلها، وقد تناولتني من جميع النواحي الأدبية، فضلا عن أنى كاتب فذ، وخطيب فذ، وشاعر فذ. وهذا قليل من كثير، فهل أعوّل عليك في صلتي بالجرائد أولا؟) قلت: انك تعرفهم ويعرفونك وقد بَلَوتهم وَبَلَوْا منك فلست في حاجة إلى عندهم. قال: (انهم يخشون بآسي وقد حسبوني مجنونا استهوته الشياطين، وما علموا أن شيطان الشعر هو الذي استهواني كما أن شيطان الحب هو الذي استهواك. . . هذا من جهة، ومن جهة ليس معي ثمن الغداء ولا أكلفك شيئا. . .). قلت: فهذا قرش للغداء في مطعم الشعب. وهم الآن يتعدون ويوشك إذا أبطأتَ أن توافقهم وقد استنفذوا الطعام، وأنت لا تجهل أن القرش في مطعم الشعب هو قرشان في القيمة. قال: صدقت؛ يوشك أن أوافقهم وقد فرغوا من طعامهم وغسلوا الآنية. فلا بْقِِ هذا للعَشاء وسأطوي إلى الليل. . . قلت: فمعك الآن ثمن الدخان، والقهوة، والغداء، وأجرة السيارة إلى بلدك. وقد كان نابغة القرن الثالث للهجرة واسمه (طاق البصل) يغني بقيراط ولا يسكت إلا بدانق. هذا من جهة، ومن جهة فخذ هذا القرش ثمناً لسكوتك وانصرف. فشقَّ ذلك عليه وقام مُغْضَباً، وتنفسَّتُ بعده الصعداء الطويلة. . . . وفتحتُ النافذة واستقبلتُ الهواء النقيَّ أخذت في رياضة التنفس العميق، ثم زاغت عيني إلى الباب فإذا (نابغة القرن العشرين) مقبلٌ مع نابغة قرنٍ آخر. . . . . . . (لها بقية)

стр. 10264

(طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 10265

في مائة عام الصراع بين الطغيان والديموقراطية ومحنة الديموقراطية المعاصرة بقلم مؤرخ كبير منذ نحو قرن ونصف كانت ريح الثورة الفرنسية الكبرى تهب على الملوكية الفرنسية، فلما انفجر بركان الثورة بعد ذلك بنحو عامين أو ثلاثة، سقطت الملوكية الفرنسية وكل صروحها ونظمها القديمة صرعى الفورة المضطرمة، ولكن الثورة الفرنسية لم تقف عند حدود فرنسا، ولم تقف عند سحق الملوكية الفرنسية، ولم تلبث أن غدت ثورة عالمية ترتجف لها كل العروش والنظم في أوربا القديمة، وتتحد جيوش أوربا القديمة قلى مقاومتها وإخمادها. ولكن جيوش أوربا القديمة ارتدت منهزمة أمام القوى المعنوية الجديدة الني تضطرم بها جيوش الثورة؛ ولم تسحق الثورة أمام العدو الخارجي، ولكنها سحقت في غمر من المعارك الداخلية على يد قادتها وزعمائها أنفسهم، ولم تلبث أن استحالت إلى حركة خانعة ذلول تحملها موجة من الطغيان العسكري لتحقيق نفس الشهوات القومية والمبادئ المطلقة التي قامت لسحقها. غير أن الثورة الفرنسية تبقى مع ذلك حركة تحرير عالمية، بل هي من بين الثورات التحريرية الكبرى أوسعها مدى وأبعدها أثراً في تاريخ الإنسانية؛ ذلك أنها قامت قي الأصل على حقوق الإنسان، وجعلت غايتها تحرير الحقوق والحريات العامة من أصفادها، وسحق كل النظم الطاغية، وتقديس الفرد وحقوقه، واعتبار الدولة خادم الأمة في مجموعها، وخادم الفرد والأمينة على حقوقه ومصالحه؛ ولهذا كان ظفرها عظيما، وأثرها عميقا في بث المبادئ الديمقراطية والتحريرية في أمم أوربا القديمة؛ ومنذ فاتحة القرن التاسع عشر نجد معظم الأمم الأوربية التي تسودها النظم المطلقة مثل روسيا القيصرية، وإمبراطورية النمسا والمجر تجيش بفورات تحريرية متوالية، وتطالب بإقامة النظم والدساتير الحرة، ونجد الملوكيات القديمة المطلقة تجد بكل ما وسعت في قمع هذه الحركات التحريرية. وقد تجلى هذا الصراع بين الطغيان والديمقراطية على اثر سقوط نابوليون وسحق الفورة

стр. 10266

العسكرية البونابارتية التي شغلت أوربا مدى خمسة عشر عاما، وقامت الملوكيات الطاغية القديمة تأتمر وتتحد على قمع المبادئ والحركات التحريرية التي اتسع نطاقها وسرت إلى معظم الأمم الأوربية، واضطرت معظم الحكومات المطلقة أن تنزل عند ضغطها ووعيدها وان تبذل بعض المنح الدستورية؛ وأسفرت هذه الحركة الرجعية التي نظمها ودبرها إسكندري الأول قيصر روسيا عند عقد (المحالفة المقدسة) الشهيرة بين روسيا وبروسيا والنمسا (سنة ١٨١٥)، وكان غرضها الظاهر أن تنظم الدول الثلاث شؤونها الداخلية والخارجية طبق التعاليم المسيحية، وان يحكم الملوك الثلاثة بين شعوبهم بالعدل والمساواة، وان يقوموا بتأييد السلام، ولكن كان غرضها الحقيقي أن تتهاون الملوكيات الثلاث على قمع الحركات التحريرية التي تضطرم بها أمم القارة، وعلى تأييد الحقوق الملوكية المطلقة، وعلى مقاومة الروح الدستورية الحقيقة وإخضاعها لهوى العرش وأرادته؛ وقد انضمت معظم الدول الأوربية الأخرى إلى هذه المحالفة الشهيرة، عدا إنكلترا التي كانت تمثل النزعة الديموقراطية الخصيمة. ولكن الروح الدستورية كانت قد نفذت إلى الأعماق وحمل تيار الحركة التحريرية أمامه كل شئ، فلم تنجح حركات القمع إلا قدر ما يؤيدها العنف؛ وكان العنف كالعادة يغذي هذه الوثبات الشعبية ويذكيها؛ فلم تلبث عير بعيد حتى عادت إلى الاضطرام؛ ومنذ سنة ١٨٣٠ نرى الثورات الشعبية تتفجر هنا وهنالك في أوربا. ثم كانت سنة ١٨٤٨، التي يمكن أن تسمى بحق عام الثورة الديموقراطية، وفيها سقطت الملوكية في فرنسا أمام إرادة الشعب مرة أخرى، وقامت الجمهورية الفرنسية الثانية؛ وفيها اضطرمت الثورات التحريرية في ألمانيا، وفي معظم أنحاء الإمبراطورية النمسوية، وفي كثير من الدول الإيطالية، واجتاحت أوربا من أقصاها إلى أقصاها ريح تحريرية قوية اهتزت لها كل النظم الطاغية والعروش القديمة المطلقة؛ ولم يلبث أن لاح فجر الديموقراطية الحديثة في الأفق قوياً ساطعاً. وبلغت الديموقراطية ذروة ظفرها عقب الحرب الكبرى، فانهارت القيصرية الروسية، وانهارت الإمبراطورية النمسوية، والإمبراطورية الألمانية، والسلطنة العثمانية، وقامت جمهوريات فتية، في روسيا وألمانيا والنمسا وبولونيا وتركيا، وفي عدة أخر من الدول الجديدة الناشئة التي خلقتها معاهدة الصلح لأغراض عسكرية وسياسية؛ ثم قامت الجمهورية

стр. 10267

أخيراً في أسبانياٍ بعد أن سقطت ملوكيتها القديمة التالدة أمام الفورة العامة. ولكن هذا الظفر الذي أحرزته الديمقراطية عقب الحرب الكبرى كان خليا، ولم يقم على أسس أو روح ديمقراطية حقيقية، بل استمد من الفوضى العامة التي أحدثتها الحرب؛ هذا إلى أن هذه الديمقراطية الظافرة لم تكن رزينة عاقلة، بل انساقت غير بعيد إلى ألوان خطرة من العنف والتطرف والفوضى. ومن جهة أخرى فقد كانت الديمقراطية قناعا للطغيان المطلق في روسيا السوفيتية وفي تركيا. وقد أدى تطرف الديمقراطية وتفرق كلمتها ووهن جبهتها غير بعيد إلى انهيار صروحها في إيطاليا حيث قام الطغيان المطلق باسم الفاشستية، ثم إلى انهيار صروحها في ألمانيا حيث قام الطغيان المطلق باسم الاشتراكية الوطنية، وانهارت الديمقراطية أيضا في بولونيا وفي النمسا وفي دول أخرى حيث قامت أنظمة قومية أو عسكرية طاغية بألوان وأسماء مختلفة، وهكذا لقيت الديمقراطية في بضعة الأعوام الأخيرة من ضروب الفشل والمحن ما لم تلقه قط في حياتها القصيرة الظافرة؛ والديمقراطية اليوم تناضل عن مبادئها وعن كيانها، ولكنها تناضل في غمر من الصعاب واليأس لأنها لا تناضل فقط أنظمة ومبادئ خصيمة، وإنما تناضل أيضا قوى عسكرية طاغية هي التي تعمل باسم المبادئ والنظم الجديدة. غير أن الديمقراطية ما زالت تحتفظ بميزتها الكبرى، وهي أنها ما زالت تعتبر قانون الحكم العام، وما زالت مبادئها هي المبادئ الشعبية الخالدة، وهي المبادئ التي ترتكز إليها الحقوق والحريات العامة في كل الأمم المتمدنة؛ وهذا هو سر بقائها وسر قوتها، وهذا ملاذ آمالها ومستقبلها. أما هذه النظم الطاغية التي تقوم اليوم باسم الشعب أو باسم القومية في دول مثل روسيا وتركيا وإيطاليا وألمانيا، فهي في الواقع نظم عنف وإرهاب محض؛ وهي ابعد النظم عن المبادئ الحرة والمبادئ الإنسانية: ذلك لأنها تمثل النزعة الفردية الحزبية قبل كل شئ، وفي هذه النزعة الفردية الحزبية تذوب فكرة الدولة والأمة والحقوق العامة؛ وقد قامت البلشفية في روسيا باسم الكتلة العاملة واسم سيادتها مناقضة لسيادة الرأسمالية في الدول الأخرى؛ بيد أن هذه السيادة المزعومة للكتلة العامة في روسيا، ليست سوى سيادة الحزب البلشفي، بل هي في الواقع سيادة عصبة من الزعماء والساسة يحكمون تلك الكتلة الشعبية

стр. 10268

الهائلة بوسائل العنف والإرهاب. نعم تزعم البلشفية أن لها غاية عالمية هي بث مبادئ الثورة العالمية وتحطيم النظم الرأسمالية كلها؛ وتعمل على البلشفية منذ أعوام طويلة لبث مبادئها ودعايتها في معظم أنحاء العالم، ولكن البلشفية ما زالت وقفا على روسيا وحدها حيث تؤيدها القوة الطاغية العنيفة وحيث تتصرف حفنة من الطغاة الدمويين في مصائر الشعب الروسي وفي عقوله وأرواحه. ولقد نسجت الفاشستية في إيطاليا على هذا المنوال في تمكين قبضتها من الشعب الإيطالي، مع فارق في الأسس التي تقوم عليها فهي تقوم على فكرة السيادة القومية والعسكرية، بيد أنها كالبلشفية سيادة حفنة من الرجال، (بل رجل واحد) يؤيدهم حزب وجيش، ويفرضون أرادتهم على الشعب بوسائل العنف؛ وليس في الفاشستية ما يميزها إلا أنها من حيث التنظيم السياسي تقوم على الفكرة النقابية. وقد كانت الاشتراكية الوطنية (النازية أو الهتلرية) في ألمانيا احدث ألوان الطغيان المعاصر، بيد أنها من اشدها إمعانا في العنف وسحق الحريات والحقوق العامة؛ واهم مميزاتها وقواعدها الفكرة الجنسية أو فكرة السلالة والدم؛ وهي تذهب في تطبيق هذه النظرية التي تتخذها ستارا لغايات السياسة مذهب الإغراق المثير، وتصدر باسمها اغرب القوانين التعسفية وترتكب أشنع ألوان الاضطهاد والمطاردة؛ ومع أنها تتظاهر بأنها بطارد اليهودية في الواقع وتعمل على سحق نفوذها العنصري والاجتماعي في ألمانيا، فأنها في الحقيقة تذهب بعيدا في تأكيد النعرة الجنسية وتتخذها مثارا لعاطفة من التعصب الجنسي والقومي الشنيع، وهي بذلك من اخطر الحركات القومية التي تنذر بالانفجار المسلح؛ وللاشتراكية الوطنية خاصة أخرى، هي أنها تمعن في التسلط على شخص الفرد وعقله وروحه، فتسلبه كل إرادة وكل حق في التفكير أو التصرف المستقل، وربما كانت في ذلك اكثر إمعانا من البلشفية ذاتها؛ فالفرد لا وجود له في نظر الاشتراكية الوطنية؛ والدولة هي كل شئ. بيد أن الدولة والحكومة والزعامة ومصدر السلطات كلها ليست سوى العصبة الهتلرية ومن ورائها القوات النازية المسلحة؛ وهذا الإمعان في تطبيق الفكرة الحزبية لا يقتصر على الدولة والتشريع، بل يمتد إلى الاقتصاد والثقافة وكل ما هنالك مما له مساس بتكوين الفرد أو توجيهه، سواء في جسمه أو عقله وروحه

стр. 10269

وكما أن البلشفية تزعم أنها حركة ومبادئ عالمية لإصلاح الدولة والمجتمع، فكذلك تزعم الفاشستية الإيطالية والنازية الألمانية. بيد أن الفاشستية لم تنجح كحركة عالمية، وان كانت قد ظهرت آثار يسيرة منها في بعض الدول الأخرى ويمكن القول بأنها لقيت وما زالت تلقى في جميع أنحاء العالم المتمدين اشد صنوف المعارضة، بل ما زالت رغم كل ما عملته لإصلاح شؤون إيطاليا الداخلية تثير بوسائلها عواطف الاشمئزاز والمقت؛ كذلك الدعاية الهتلرية لم تجاوز حدود ألمانيا، ولم تلق مزاعمها الجنسية بالأخص صدى، وقد وصفت نزعاتها بأنها وثنية بربرية؛ والخلاصة أن هذه الحركات الطاغية التي قامت بالعنف والإرهاب وما زال يسندها العنف والإرهاب بقيت حركات محلية، ومن المحقق أن مصائرها ترتبط بمصائر زعمائها ومصائر القوى العنيفة التي تسندها، ومن المرجح أنها ستنهار عند حدوث أول انفجار عام. على انه لا ريب أن هذا الطغيان الشامل الذي يسحق شعوبا عريقة بأسرها، وذلك التطور المدهش في شؤون الزعامة والحكم وهو تطور ترتب عليه أن تثب أحط العناصر والطبقات إلى أسمى الزعامات السياسية والقومية؛ وذلك الاستعباد المزري لكرامة الفرد ولشخصه وعقله وروحه؛ وتلك الوسائل البربرية لتدعيم الشهوات الحزبية والمذهبية، وهي وسائل تذكرنا بالعصور الوسطى؛ وتلك الأحقاد القومية والجنسية التي تثيرها أذهان متعصبة منحطة: نقول لا ريب أن هذه الخواص التي تلازم نظم الطغيان الحاضرة، والتي هي ملاذ قوتها وحياتها، هي في الواقع دلائل واضحة على انحلال المدنية الغريبة الحاضرة، وعلى قرب انحدارها إلى غمر جديدة من الاضطراب والفوضى (مؤرخ)

стр. 10270

الفلسفة للدكتور إبراهيم بيومي مدكور مدرس الفلسفة بكلية الآداب كلمة تثير في النفس ما تثير من غموض وإبهام، وتؤذن بشيء من الغرابة والخفاء. يقال: تفلسف فلان إذا ظن انه يمعن في الغريب ولا يأتي بما ألفه الناس. وقد يرمى الفلاسفة بأنهم (يعيشون مع الملائكة) ويسبحون في عالم الخيال، لا يشعرون بما يشعر به من حولهم، ولا يقيسون الأمور بما توارد عليه العرف المألوف. يقال: هذا فيلسوف، وما لنا ولهذه الفلسفة، إذا أريد عد المحدث عنه وحديثه في عالم النظريات حيث لا تنال الحقيقة الواقعة ما تستحق من تقدير. لذلك انتبذت الفلسفة، وانصرف الناس عنها، ونظروا إليها نظرة ازدراء واحتقار، أو توجس وخيفة. فالعصريون والمتحضرون ينتقصون الفيلسوف مدعين انه لا يعيش في عصره، ولا يأخذ بقسط وافر من شؤون الحياة، والجامدون والمتأخرون يرمونه بالإلحاد والزندقة والخروج على الأديان. والفلسفة في بلدنا بوجه خاص غريبة عديمة النصير والأعوان، لا تكاد تجد من يتحبب إليها، ويأخذ بيدها، ولا من يصورها للناس في شكلها الواضح ومظهرها الصحيح. فالنظم التعليمية العامة لا تعمل على نشرها، ولا تقف النام على حقائقها؛ والجمهور يفر منها، ولا يحاول أن يتفهمها ليؤمن بما لها من اثر في تهذيب الأفراد والجماعات ورفع مستواهم العقلي والخلقي؛ والخاصة يتبادلون منها أفكاراً بالية وأراء عتيقة قل أن تُعرض عرضاً مستقيما، وكأن الفلسفة في نظرهم ما جاء به أفلاطون وأرسطو دون أن يكون للقرون الوسطى والعصور الحديثة أبحاث يعتد بها أو نظريات يقام لها وزن. وهناك طائفة أخرى جنت على الفلسفة جنايات شنعاء، وزادت الناس فيها بغضا وكراهية، وهي جماعة أدعياء الفلسفة الذين يتهجمون عليها، ويكتبون فيها وينشرون، ويناقشون ويعترضون، دون أن ينفذوا إلى صميمها ويدركوا كنهها؛ وفي الصحف اليومية والأسبوعية من أمثلة هذه الجرأة العظيمة الشيء الكثير. وكان العلوم الفلسفية في هذا البلد حمى مباح، وسلعة تعرض في مختلف الأسواق، ومتاع يستخدمه من عرف ومن لم يعرف قدره. بل نلاحظ فوق هذا انه كثيراً ما كتب في الفلسفة من لم يجد السبيل إلى الكتابة في موضوع آخر؛ وبذا انعكست

стр. 10271

الآية وأصبحت الأبحاث الدقيقة مجال من لا طاقة لهم بها، وظهرت الفلسفة في ثوب مشوه منقوص؛ وإذا كنا نعيب على هؤلاء الأدعياء جرأتهم فلا يفوتنا أن نأخذ على الفلاسفة المختصين تقصيرهم في التعريف عن أنفسهم وتهاونهم في الدفاع عن فنونهم وعلومهم. ليست الفلسفة غريبة بالقدر الذي يدعيه المعرضون عنها، ولا خيالية بدرجة تباعد بينها وبين الحياة وشؤونها. فللزارع فلسفته في حقله، وللرجل فلسفته مع زوجه، وللزوجة فلسفتها مع بنيها. لكل من هؤلاء وهؤلاء طريقة خاصة في تفهم الأمور المحيطة به والحكم عليها ووزنها بميزانها الصحيح؛ وتلك ولا شك فلسفة ذات مغزى عظيم. وما اصدق أرسطو إذ يقول: الإنسان حيوان فيلسوف. على أن الفلسفة بمعناها الدقيق لا تخرج عن دائرة الحياة العملية والتجارب اليومية؛ وكل همها أن تشرح هذه التجارب وتفسرها تفسيرا يرتضيه العقل ويطابق الواقع. فظواهر سرورنا، وألمنا، وقواعد سلوكنا، ومعاملتنا وآراؤنا ومعتقداتنا، هي في جملتها موضوع الدراسات الفلسفية، ومن منا يمر عليه يوم - بل ساعة - دون أن يحكم على شئ بأنه خير أو شر، وعلى آخر بأنه صواب أو خطا، وعلى ثالث بأنه جميل أو قبيح؟ وهذه الأحكام الثلاثة هي شغل الفيلسوف الشاغل وعمله الدائم، يعنيه أن يدرس ظواهرها، ويضبط قوانينها، ويبين للناس كيف يكونونها التكوين الصحيح. فالفلسفة إذن من الحياة في صميمها، أو إن شئت هي الحياة كلها؛ وكيف لا وفي دراسة للإنسان في مختلف أحواله الفردية والجمعية، الفكرية والخلقية. وإذا كانت هذه منزلة الفلسفة فمن العبث أن نهملها؛ أو أن نضعها في الصف الأخير من أبحاثنا، وهل حاجتنا إلى تعرف المادة في تمددها وانكماشها، والجسام في مغناطيسيتها وجذبها، أمس من حاجتنا إلى تعرف أنفسنا في ميولهما ومشاعرها، وتنافرها وتآلفها؟ نعم أن دراسة الإنسان عسيرة ودقيقة، غير أنها لهذا السبب نفسه ضرورية ولازمة؛ ولا أظنها اقل تشويقا من أية دراسة أخرى. فعناصر الثقافة العامة التي تشغل الأذهان الآن لا يصح أن تقصر على الجغرافيا الإقليمية، والاقتصادية، والهندسة النظرية والفراغية، والكيمياء، والطبيعة وما إليها دون أن يكون للفلسفة فيها نصيب كبير. على أن هذه العلوم نفسها نشأت في حجر الفلسفة وتربي في كنفها؛ فقد كان الإغريق الأول يطلقون كلمة فلسفة على أية معرفة كيفما كان نوعها، وكان العلم والفلسفة متآخيين ومتآزرين، وكثيرا ما كان الفيلسوف

стр. 10272

عالما يقنن القوانين العلمية ويوضحها، وكثيرا ما اهتدى إلى نظريات علمية على ضوء الدراسات الفلسفية. فطاليس وفيثاغورس الفيلسوفان الإغريقيان كانا رياضيين وعالمين في الطبيعة، وقد كتب أفلاطون على باب مدرسته: (لا يدخل هنا أحد ممن لم يلموا بأصول الهندسة)، وإذا جاوزنا العصور القديمة وجدنا أن ديكارات أبا الفلسفة الحديثة هو مخترع الهندسة التحليلية، وان ليبنتز كبير فلاسفة الألمان في القرن السابع عشر هو مبتكر حساب الجزئيات. ولئن كانت العلوم قد انفصلت عن الفلسفة الواحد بعد الآخر وكونت دراسات مستقلة لا تزال جمعها مسودة بلهجة وروح فلسفية، وفلسفة العلم النوم هي النقطة الحساسة والرئيسية كل مادة من مواد الدراسة الإنسانية. فالعلم ينزع ثانية إلى أن يكون فلسفيا وان يعود أيضاً إلى كنف أم غذته بلبانها من قديم، والأدب أيضا يتأثر بالفلسفة في أسلوبه ومعانيه، وغاياته ومراميه، وربما كان السر في نجاح كثير من الأدباء المعاصرين تلك النزعة الفلسفية التي رق بها شعورهم، ودق تفكيرهم، وسمت عبارتهم. فليس ثمة بد من أن نتذوق الفلسفة ونذيقها للناس ما دامت الحياة تملي علينا درسها، والعلم الصحيح يعتمد عليها، والأدب الراقي ينهل من حياضها؛ ومن العار أن نبقى إلى اليوم وليس في لغتنا أبحاث فلسفية سهلة يجد فيها العامة سلوتهم، ولا دراسات عميقة يشحذ فيها الخاصة أذهانهم. أن البحث الفلسفي، ككل الأبحاث الأخرى، ضرب من التثقيف لا يصح أن تحرم منه أمة من الأمم؛ هذا إلى انه يجدر بنا أن تكون لنا فلسفة متميزة ذات لون خاص ومبادئ خاصة، وان ينقل الغرب عنا كما ننقل عنه، وبذا تنتظم دورة الفلك، ويعود التاريخ إلى مجراه، وتتصل الفلسفة العربية الحديثة بالفلسفة الإسلامية القديمة، وإذا كان الناس يتحدثون عن فلسفة إنجليزية وأخرى فرنسية وثالثة ألمانية، فلم لا يتحدثون عن فلسفة مصرية وشامية وعراقية؟ إبراهيم بيومي مدكور

стр. 10273

قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور احمد زكي وكيل كلية العلوم رابع غزاة المكروب طبيب القرية الذي ضجر بالطب لجهله أسباب الداء ثم ادعائه علاجه؛ الذي شغله البحث في أصول الأمراض في مداواة أربابها؛ الذي حقق أحلام بستور واثبت أن المكروب ينتج الأمراض، وان لكل مرض مكروبا يخصه، ويخصه وحده؛ الذي علم الدنيا كيف تصطاد النوع الواحد من المكروبات، وتصطاده خالصا خاليا من الأخلاط؛ الذي كشف مكروب الجمرة الخبيثة، قاتلة الماشية والإنسان، ومكروب السل قاتل الإنسان والحيوان؛ الرجل الذي كشف مكروب الكوليرا على ارض مصر في أجسام ضحاياها. البطل الذي نزل بساحات الموت فأظلته فيها ارفع بنوده، وقاتلته على أرضها افتك جنوده، فأسر منها على هواه، وخرج عنها سالما قد أخطأته سهامها قضاء وقدرا. المترجم في السنوات ذات الأحداث العجيبة والمفاجآت الغريبة من عام ١٨٦٠ إلى عام ١٨٧٠، بينا بستور يخلص صناعة الخل ويكشف عما دهى دود القز فيدهش الملوك ويرضى الأمم، كان شاب قصير القامة قصير البصر، تبدو عليه ملامح الجد، يدرس الطب في جامعة (جوتنجن) وكان اسم هذا الشاب روبرت كوخ وكان طالبا مجتهدا. إلا أنه بينما كان يجري بمشار يطه في جثث الموتى فيقطعها إربا، كان يحلم بغابات إفريقيا وبصيد الأنمار فيها. بينما كان يحفظ في رغبة واجتهاد أسماء المئات من عضلات الإنسان وعظامه، كانت صفارات السفن الذاهبة للشرع ترن في أذنه فتذهب من رأسه بكل تلك الأسماء اللاتينية والرطانات الإغريقية. كان كوخ يود أن يضرب في الأرض ليكشف عي مجاهلها، أو أن يكون جراحاً في الجيش ليكسب الشارات والأوسمة، أو ينال منصب طبيب في سفينة تمخر به عباب البحار الواسعة فيذهب فيها إلى حيث لم يذهب قبله إنسان. ولكن القدر خيب آماله، فانه لم يكد يتم دراسته عام ١٨٦٦ حتى وجد نفسه في مدينة هامبرج في مستشفى للمجاذيب يتولى فيه منصب طبيب مقيم؛ وفي هذا المستشفى للمجاذيب يتولى فيه منصب طبيب مقيم؛ وفي هذا

стр. 10274

المستشفى امتلأ سمعه بصراخ المجانين وأحاديث البلهاء فلم تكد أذنه تسمع أصداء بستور ونبوءاته بوجود مكروبات فظيعة تفتك شر فتك بالإنسان؛ وظل ينصت لصفير السفن، وفي الأمساء كان يطلب المشي للرياضة فيصطحب صديقة له كانت تسمى: (ايمي فراتس) وكان يهبط بها إلى شاطئ البحر حيث السفائن تغدو وتروح، وسألها الزواج منها، وخال أن يغريها بالقبول فذكر لها أمله في طوافه حول الأرض ومسيره إلى الشرق ورؤية البلاد والشعوب، فقالت له إنها تتزوجه على شريطة أن يصحو عن أحلامه وينسى الشرق ومغامراته ويفتح لنفسه عيادة في بلد ألماني فينفع أهله وبلاده وأنصت كوخ إلى ايمي والى صوتها الساحر ساعة، وازدحمت في خياله صور شتى من سعادة خمسين عاماً يقضيها في العيش الهنيء معها، فطردت هذه الصور صور الفيلة والأنمار من رأسه، واستجاب نداء عروسه فاستقر لممارسة الطب، وفي سبيله اخذ ينتقل من قرية بروسية إلى أخرى على يمط من الحياة لا يختلف - حياة رتيبة ليس فيها صخبات الحياة وما تتضمنه من متع ولذائذ وفي هذه الفترة من الزمان، حين كان كوخ يكتب الوصفات للمرضى وينتقل في سبيل صناعته بين ديارهم المتباعدة على ظهر حصانه، يستقبل وكْفات المطر من فوقه، ويشق لنفسه طريقا في الوحل من دونه، ويسهر الليالي في ديار النُّفساء من أهل الريف، في هذه الفترة من الزمان كان (لستر) بأسكتلندا آخذاً في إنقاذ حياة الكثيرات من النساء عيد الوضع بدفع غائلة المكروب عنهن، وكان أساتذة الطب وطلابه في أوروبا اخذين في الإصغاء إلى ما يقول به بستور من نظريات، وما يعزوه إلى المكروب من أمراض، واختلفوا في الذي يقول واشتجروا، وقام من بينهم رجال يجرون تجارب أعوزها حذق المجربين وذكاء الباحثين، وكان كوخ بمعزل عن كل هذا، كان منقطعاً عي بيئة العلم انقطاع (لوفن هوك) عنها قبل ذلك بمائتي عام، عام قام لأول مرة في مدينة دلفت بهولاندا ينحت العدس بيد ما عرفت من قبل للعدس نحتاً: وخيل للناظر إلى (كوخ) أن القدر قسم له أن يكون طبيباً عادياً متواضعاً يواسي المرضى ويحاول ما استطاع تخليصهم من الموت، وعزَّ ذلك مطلباً عليه وعلى أطباء ذلك الزمان، ورضيت ايمي بقسمة القدر، وفخرت بزوجها لما كسب خمسة وعشرين مركاً في يوم كثير العمل وفير المرضى ولكن كوخ كان غير راض، وانتقل في منصبه من قرية بليدة إلى قرية اكثر بلادة، حتى أدى به المطاف

стр. 10275

إلى قرية فُلِشْتين في بروسيا الشرقية، وفي هذه القرية أتم عامه الثامن والعشرين، فأهدت إليه زوجته في عيد ميلاده مكرسكوباً يلهو به ويتسلى. وكأني بهذه المرأة الطيبة تقول في نفسها عن إهداء هذا المجهر إياه: (لعل هذا المجهر يبعد فكره عن عمله الذي لا يرضاه. . . لعله يروح عن نفسه قليلاً ويكسبها شيئاً من الرضاء. . . إنه دائم التحديق إلى كل شئ بعدسة جيبه الصغيرة العتيقة. . .). وا بؤسى لهذا المرأة الطيبة الساذجة! لقد أهدت إليه هذا المكرسكوب غير عالمة أنها بهذا الإهداء إنما فتحت له باب مغامرة تتضاءل إلى جانبها مغامرات كانت كان يحلم بها في أقطار الهند وجزائر الأقيانوس السفلي. فتلك الرؤى التي رآها بستور جاءت كوخ على يأس تتأوّل عند بابه وفي نفس تلك الغرفة التي أستقبل فيها مرضاه تلك الغرفة المليئة بالدواء تلك الغرفة التي ضاق بها وضاق بها وبدوائها تلك الغرفة التي عاف بها الطبَّ حتى كاد يصبح داء نعم في تلك الغرفة استحالت أحلام بستور حقائق أرتاها كوخ في جثث الأبقار ورِمَم الأغنام من خلال عدسات ذلك المجهر الذي أهدته زوجته إياه للهو والسلوى كأني بكوخ يقول لزوجته: (أنا أكره هذه الخدعة التي يُسْمونها طبّاً. . . وليس ذلك لأني أكره تبرئة الأطفال من الدفتيريا. . . ولكن الأمهات يأتينني صارخات مستغيثات يطلبن النجاة لأبنائهن وبناتهن. . . فماذا أنا صانعه لهن؟ أتحسس لهن في الظلماء أطمئن وأرجّيهن حين لا طُمَأنينة ولا رجاء وكيف لي بعلاج الدفتيريا وأنا أجهل حتى أسبابها وأكثر أطباء ألمانيا يجهلون أسبابها كذلك). يَبُثّ صاحبنا شكواه المرّة لأيمى فتضيق نفساً وتحتار فكراً وتغتاظ من هذا الزوج الذي لا يرضى أبداً لأنها كانت تعتقد أن واجب الطبيب الشاب يَتَأدَّى وينتهي إذا هو بذل كل ما في وسعه استعان بعلمه الكثير الذي حصله في مدرسة الطب يوم كان طالباً. وعلى الرغم من هذا فكوخ كان لا شك على حق. فما الذي كانت الأطباء تعلمه من أسباب الأمراض الوبيئة؟ لا شئ. نعم قام بستور بتجارب رائعة ولكنها لم تثبت شيئاً من سبب اقتباس الإنسان الوباءَ ولا من كيفية اقتباسه رفع بستور بيمناه مشعلاً وضاء كبيراً وسبق به إلى تلك الظلمات صارخاً بالأمل داعياً للنصر يحدث الناس عالياً بانهزام الأوبئة قريباً ومحو الأمراض من سطح الأرض وشيكاً ولكن الأوبئة لم تكن بدأت تتخاذل والأمراض لم

стр. 10276

تكن أخذت تتزايل والفلاحون في قرى روسيا التي خرَّبتها الجائحات بقوا على أسلوبهم في دفعها وظلوا على عادتها يربطون أربعاً من أراملهم إلى محراث ثم يدورون بهن في سكون الليل وراء القرية يرسمون حولها أخدوداً هو في حسبانهم خير نطاق يدفعون به شر الوباء وهل كان لدى الأطباء أسلوب في دفعه خير من هذا! كأني بمدام كوخ تحاول أن تجد لزوجها مخرجاً مما هو فيه: (ولكن يا روبرت أن أساتذة برلين وكبار أطبائها لابد عالمون أسباب هذه الأدواء التي لا تستطيع أنت علاجها) كان هذا من خمسين عاما أو تزيد ولكني أعود فأقول أن أكبر الأطباء في هذا الزمان لم يكن يدرون عن الوباء أكثر مما درى هؤلاء الريفيون الذين ربطوا الأرامل جهلاً إلى المحاريث. قام بستور في باريس يتنبأ بأن البحث لا بد كاشف عن قريب تلك المكروبات التي هي لاشك سبب السل وحتف المسلولين فنهض له رجال الطب أجمع يتقدمهم بيدو ذو المقام الرفيع والأزرة البارقة الصفراء يدفعون خرف هذا النبيَّ المأفون. صرخ بيدو كالرعد يقول: (أجرثومة خاصة تحدث السل وتقضي على المسلولين! خرافة مؤذية وخاطرة مخطرة! أن السل مفرد وجمع في آن. غايته موت الأنسجة في عضو بالعدوى وذلك عن طرقات عدة من واجب الطبيب وخبير الصحة محاولة سدّها) بمثل هذا الهُراء وهذا الكِلم الفارغ الذي لا معنى له يدفع الأطباء تنبؤات بستور. - ١ - أخذ كوخ يقضي أمساءه يلهو بمجهره الجديد ويتعرّف كيف يحرك مرآته ليعكس بها على منظوراته من الضياء على القدر الذي يريده ويتعلم ضرورة تنظيف صفائح الزجاج وتلميعها قبل أن يضع عليها قطرة الدم من أجسام الخراف والأبقار التي قضى عليها مرض الجمرة وكان هذا المرض الخفي الغريب قد أخذ يقلق بال المزارعين في جميع أقطار أوربا فكان تارة ينزل على المزارع صاحب الألف من الأغنام فيقضي عليها بالهلاك وعليه بالخراب وقد ينزل على الأرملة الفقيرة وبقرتها الوحيدة فيصّبحها وقد عزّها الرزق وساءت مصيراً. لم يكن لهذا المرض أسباب معروفة أو خطة مرسومة يجري عليها في تخيّر ضحاياه. فقد يُصْبح الصباح على القطيع من الغنم فتأخذ عينَك منه شاةٌ سمينة صحيحة جميلة لا تكاد

стр. 10277

يستقر على أرجلها نشاطاً مرحاً فلا يأتي عليها المساء حتى تعاف الطعام وتميل برأسها بعض الميل ولا تشرق عليها شمس الغد حتى تلقاها باردة هامدة متصلّبة وقد استحال دمها إلى دم أسود كالليل ثم يعود فيحدث نفس هذا لشاة ثانية فثالثة فسادسة فسابعة لا يقف عند حد ثم يأتي دور الفلاح ودور الراعي ودور فرّاز الأصواف ودور تاجر الجلود فتتفجر جلودهم عن خراجات مؤلمة قبيحة أو يلفظون آخر أنفاسهم من التهاب رئوي لا يُمهلهم طويلاً. بدأ كوخ، كما بدأ من قبله لوفن هوك، بدأ يستخدم مجهره لغير غاية معروفة وغير قصد محدود. فأخذ ينظر به كل شئ، ويحدق من خلاله في كل ما يلقى، حتى وقع على دك الأغنام التي قتلها داء الجمرة وعندئذ أخذ يتجمع فكرة على غاية، ويقف جهده على قصد، وعندئذ أخذ يتناقص نصيب مرضاه من هم نفسه، فقد يقصد إلى مريض فيلقى في طريقه بين الحقول شاة نافقة فينسى المريض وعيادته إياه، واخذ يساور الجزارين يسألهم عن الضياع التي بها تقتل الجمرة الشياه. ولم يكن لكوخ من فراغ الوقت مثل الذي كان للوفن هوك فكان يتحين الفرص بين تطبيبه لطفل يصرخ من وجع بطنه وبين خلعه ضرس قرويّ جاء يفزع إليه من ألمه ففي فترة من تلك الفترات جاء بدم أسود من بقرة ماتت بالجمرة فوضع منه قطرات بين رقيقتين من رقاق الزجاج النظيف البارق ونظر إليها بمكرسكوبه فوجد بين كُرَيات هذا الدم المخضرَّة السابحة أشياء أخرى غريبة تراءت كأنها عصيّ صغيرة وكانت هذه العصيّ أحياناً قصيرة وأحياناً قليلة العدد تسبح في ارتعاد قليل بين كريات الدم وتراءت له كذلك عصيّ أخرى تعلق بعضها في أطراف بعض من غير مفصل يجمعها وقد يتشابك العدد الكثير منها حتى تصير خيطاً طويلاً أرفع ألف مرة من خيط الحرير. (ما هذه العصيّ؟. . . أهي مكروبات. . أهي حيّة. . . أنها لا تتحرك. . أم هو الدم السقيم في هذه الحيوانات المرزوءة يستحيل إلى هذه العصي والخيوط؟). على هذا النحو دار فكر كوخ في الذي رآه. وكان رجال العلم قبله فد رأوا ما رآه. فدافان ورايان في فرنسا أبصروا نفس هذه الأجسام في دم الأغنام النافقة وأعلنا أن هذه العصي بَشِلّات وأنها مكروبات حيّة وأنها لاشك سبب الجمرة الذي لا مراء فيه - ولكنهما لم يثبتا ذلك بالدليل

стр. 10278

ولم يصدقهما فيما زعما أحد في أوربا غير بستور. على أن صاحبنا كوخ لم يكن ينصت كثيراً إلى ما يقوله الناس ولم يكن يهتم كثيرا بما يرتئيه البحاث كان الأطباء من حوله يرتابون في الذي يراه، ويضحكون منه في الذي يأتيه فلا يصغي لارتيابهم ولا يهتز لضحكهم، حتى حماس بستور لم يُغره يوماً بالوثوب إلى نتائج لم ينضجها البحث ويمحصها التجريب؛ ومن حسن حظ كوخ أنه لم يكن سمع به أحد فلم ترتفع إلى ظهره سواعد الأشياع والمريدين تدفعه قُدُما إلى فتوحات في عالم المكروب عاجله غير ناضجة كان في خمول ذكره رب نفسه ومالك أمرها. حدث كوخ نفسه قال: (أنا لا أستطيع الآن الاهتداء إلى طريقة اعرف بها أهذه العصيّ والخيوط حيّة ام ميتة، فلأدع هذا مؤقتاً ولأدرس خواصها الأخرى. . .) ولم يلبث أن أوقف دراسته للأغنام المريضة، واتجه يدرس الأغنام الصحيحة، فذهب إلى مذابحها، وزار الجزارين وخالط تجار اللحوم ونادمهم، ورجع بدم كثير من عشرات البهائم السليمة، واسترق من زمن مرضاه ليفرغ لمكرسكوبه، فكان يجلس إليه ساعات متصلة طويلة ينظر منه إلى هذا الدم الكثير الصحيح الذي جمع، فقلقت زوجه من إهماله عيادته. قال كوخ: (إني لا أجد في دم هذه الحيوانات الصحيحة تلك العصي والخيوط أبداً، وهذا حسن جميل، ولكنه لا يدلني أهذه الأجسام بَشِلاّت أم لا، لا ينبئني أهي حية في استطاعتها النمو والتوالد والتكاثر، أم هي كبعض الجمادات؟) ولكن كيف السبيل إلى معرفة ذلك؟ كيف السبيل إلى إثبات أن هذه العصي حية؟ أخذ هذا السؤال يملأ نفسه ويملك عليه حسه، وطلبه المسلولون الذين أعيا الأطباء داؤهم، وطلبه الأطفال وقد سدت الدفتريا عليهم منافس الهواء، وطلبته العجائز استشفاء من مرض موهوم غير كائن، ولكن اشتغال صاحبنا بأمر هذه العصي لم يبق منه غير فضلة قليلة لمرضاه، حتى لنسي أن يكتب اسمع على وصفاته لهم. وآنست فيه زوجه الهم والغمّ وكسوف البال. ودعا النجّار يوما وسأله أن يقيم في حجرة العيادة حاجزا خشبيا. وقضى الدماء السوداء وفئران بيضاء بمرح وتلعب في أقفاص اخذ عددها يزيد على الأيام. وكأني بك تنظر إلى هذا الحاجز الخشبي فتجد على جانب منه مريضة انتظرت طويلاً فأخذت تحط الأرض بنعلها ساماً وقلقاً، وتجد على الجانب الآخر طبيبنا الفاضل يتمتم

стр. 10279

لنفسه فيقول: ليس لي من المال ما اشتري به أغناماً وأبقاراً لتجاربي. ولو كان لي هذا المال لكان من المتعذر إحضارها إلى هذا المكتب الصغير. أما هذه الفئران فصغيرة رخيصة، وهي لا تشغل حيزاً كبيراً، ولعلي أستطيع أن أعطيها مرض الجمرة. . . ولعلي إذن اثبت أن هذه العصي تنمو حقاً فيها. . .) يتبع احمد زكي

стр. 10280

مذاهب الفلسفة - ٣ - المذهب الطبيعي للأستاذ زكي نجيب محمود ولكن مهلا! فلأنصار الروحية من البراهين على وجود الله ما يقوض هذا المذهب ويدكه من أساسه دكاً، لأنه إذا ثبت وجود الله فقد نهض الدليل على صدق العقائد الدينية قوياً دافعاً، وبطل هذا الهراءُ الذي يهرف به الطبيعيون، ونحن نتخير من تلك البراهين ما يلي: (١) أن ما في الطبيعة من نظام دقيق وجمال خلاب يستحيل عقلاً أن يكون قد جاء عرضاً بغير تقدير وتدبير، فإذا كانت الظواهر المادية تسير وفق طائفة من القوانين الثابتة المطردة، فلابد أن يكون هنالك من صاغ لها هذه القوانين واكسبها ما لها من قوة وثبات. كذلك يستحيل أن يكون جمال الطبيعة وتناسق أجزائها مصادفة طارئة، وإلا كنا كمن يزعم أن الساعة إذا تحطمت عُددها وانتثرت أجزاؤها، أمكنها أن تلتئم من تلقاء نفسها، وان تبدأ السير والحركة من جديد! (٢) أن مجرد وجود فكرة الله في أذهاننا دليل على حقيقة وجودها في الخارج؛ وذلك لأننا نتصور بعقولنا كمالاً مطلقاً، وهذا الكمال لا يتم إطلاقه إلا إذا وجد وجوداً فعلياً، فإن لم يوجد كانت فكرتنا عن الكمال ناقصة صفة الوجود، وفن هذه الحالة - أي في حالة اقتصار فكرة الكمال على مجرد التصور الذهني - نناقض أنفسنا، فنكون كمن يقول: (أني أتصور كمالاً مطلقاً ولكنه ناقص!) مع أن الكمال والنقص لا يجتمعان. وهنالك من الأدلة الأخرى على وجود الله ما هو شائع معروف. وبعد هذا كله فهل ترى هذا المذهب الطبيعي قد فسر لنا شيئاً؟ إن قضيته باختصار هي أن الكون كله مادة يسيرها القانون، وأن العقل الإنساني كسائر الظواهر قطعة من المادة تتبع في سيرها نفس القوانين التي تسيطر على قطعة من الحجر! (١) أما أن الكون مادة فقط، فلا يقدم ذلك في القضية ولا يؤخر، لأنه قول لا يقلل شيئاً تعد أن خلصت الأبحاث العلمية الحديثة إلى أن الذرة المادية ليست كائناً بسيطاً، بل أن كل واحدة منها عالم دقيق على جانب عظيم من التركب والتعقد وأنها قادرة من تلقاء نفسها على التكون والانحلال والتحول، كذلك لم يعد الحد الفاصل بين المادة والقوة محدداً واضحاً

стр. 10281

كما كان من قبل، فقد يظهر أنهما درجتان من حقيقة واحدة، وأن ذرة أو الذرة إلى قوة، وإذن فلا يكفي في تعليل الكون أن نقول إنه مؤلف من مادة، لأن في هذه المادة نفسها ما يحتاج إلى التعليل. (٢) وأما زعم الماديين بأن العقل ظاهرة مادية، وأن حقيقة الإحساس كما يقول هوبز إن هي إلا حركة في الجهاز العصبي، وإن الفكر سلسلة من الاحساسات الماضية، أي أنه مجموعة حركات متعاقبة، فيكفي لهدمه أن نطالبهم مثلا بشرح هذه العبارة: (أنا أحب هذه الوردة الجميلة) إنها حقيقة فكرية أحس بها ولا شك في وجودها؛ فهل يقول الماديون أن هذا الحب هو هزة الأعصاب على نحو معين؟ خذ مجهرك وانظر إلى الأعصاب فسترى قطعة من المادة تهتز وتتحرك حقاً، ولكنك لن ترى (حباً) ولو حدقت في مجهرك عاماً كاملاً!! هذا، وان لنا أن نسائل الماديين: لماذا لا تنتج الحركة في كل ظواهر الوجود المادي إلا حركة مثلها، ثم هي في الإنسان تنتج إحساساً وفكراً؟ وما احسبنا ظافرين منهم بالجواب! وإذن فقد عجز هذا المذهب الطبيعي عن تفسير ظاهرة عن ظاهرة العقل كما فشل في شرح المادة نفسها. (٣) وأخيراً، يقول أنصار هذا المذهب أن حوادث الكون يمكن تفسيرها بما يسيرها من القوانين العلمية، ولكن أي عقل يكفيه هذا التفسير؟ أني أرى مثلاً هذه القطعة من الحديد تتمدد نهاراً وتتقلص ليلاً، فلماذا؟ سيقولون أنه قانون الحرارة المعروف الذي تتمدد نهاراً وتتقلص ليلاً، فلماذا؟ سيقولون إنه قانون الحرارة الذي تتمدد المادة على سننه وقواعده، ولكن لماذا تمدِّدُ الحرارة الجسام؟ فإن أجبت عن هذا السؤال بما يجيب به أرباب العلم من أن ذلك ناشئ عن تصادم الذرات أثناء تحركها، فسأعود إلى استجابتك: ولماذا يحدث هذا، حتى تقر معي بأن هنالك آخر المر ما يتعذر تعليله بأصول هذا المذهب، وإن القوانين التي يلجأون إليها لتعليل ظواهر الكون هي بدورها تحتاج إلى التعليل. مذهب الذرائع لقد لبثت الفلسفة دهراً طويلاً تسبح في سماء الفكر المجرد، فلا تصغي بآذانها إلى الحياة العملية التي تعج بأصدائها أرجاء الأرض جميعاً. ولا تحفل بالواقع الذي تراه الأبصار إلا قليلا، فقد قصرت مجهودها - في الأعم الأغلب - على جوهر الأشياء في ذاتها، وأخذت

стр. 10282

تسائل: ما المادة وما الروح وما مبعثهما؟ ولكنها باءت بعد طول الكدح والعناء بالفشل والإفلاس. . . حتى جاء الفكر الأمريكي الحديث الذي يقدس العمل ويمقت البحث النظري المجدب العقيم، وأراد أن ينحو بالفكر نحواً جديداً، فلا يكون من شأنه كنه الشيء ومصدره، بل نتيجته وعقباه. ولقد كان أول من صاغ هذا المذهب وليام جيمس (١٨٤٢ - ١٩١٠) الذي اعترف أنه قد استمد أصوله وقواعده من أشتات قديمة، وانّ له فضل الصياغة والتعبير. أما رسالته التي قصد إلى أدائها بمذهبه فهي في أوجز عبارة: أن يتخذ الإنسان من أفكاره وآرائه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولاً ثم على السير بالحياة نحو السمو والكمال ثانياً. أنه لمن الغفلة والشطط أن نُؤتى هذه القوة العقلية فنبددها في البحث عما وراء الطبيعة، من قوى مما لا غناء فيه للإنسان ولا رجاء؛ أن العقل إنما خلق ليكون أداة للحياة ووسيلة لحفظها وكمالها، فلينصرف إلى أداء واجبه، وليضرب في معمعان الحياة العملية الواقعة، فليست مهمته أن يصور بريشته عالم الغيب المجهول، الذي لا يكاد يربطه بحياة الإنسان سبب من الأسباب. . وليكن مقياسه الذي يفصل به بين الحق والباطل هو مقدرة الفكرة المعينة على إنجاز أغراض الإنسان في حياته العلمية، فإن تضاربت الآراء وتعارضت، كان أحقها وأصدقها هو أنفعها وأجداها، الذي تنهض التجربة العملية دليلاً على فائدته. وكل شئ يؤثر في الحياة أثراً منتجاً يجب أن يكون في اعتبارنا هو الحقيقة، بغض النظر عن مطابقته أو عدم مطابقته لما يخلقه الفكر المجرد من معايير، إذ لا يُعَوِّل مذهب الذرائع إلا على النتائج وحدها؛ فإن كان الرأي مثمراً نافعاً قبلناه حقيقة، وإلا أسقطناه من حسابنا وهما باطلاً. والواقع أن معظم الناس يتبعون في حياتهم العلمية أصول هذا المذهب، فهم ينتقون لأنفسهم من الآراء ما يعين على تحقيق أغراضهم التي يقصدون إليها، أو ما يعمل إلى رقي الإنسانية وتقدم البشر بصفة عامة. خذ العقيدة في الله مثلاً، فالأكثرية العظمى تأخذ بها لا لأن الدليل قاطع بوجوده، (فذلك ابعد عن متناول الدهماء) ولكن لأنها ترى أن هذه العقيدة تبث في حياة الناس روحاً قوية، وتفسح أمامهم في الأمل الجميل الذي تزدهر به الحياة وتبتسم، والذي لولاه لضقنا ذرعا بفداحة عبئها. . . فليس منا من لا يقيس الآراء بظروف

стр. 10283

عَيشْه ثم يختار منها انسبها له وافعلها في أداء مهمته، فسلوكنا العمليُّ هو في الواقع الذي يوجه أفكارنا. وليست أفكارنا هي التي توجه أعمالنا. ولقد قال موسوليني يوماً أنه يدين لوليام جيمس بكثير من آرائه السياسية، وانه بتأثيره لا يحتكم في سياسته إلى نظريات العقل المجرد، إنما يسلك من السبل ما يراه أقوم وأدنى إنتاجاً. وأن نيتشه ليذهب في هذا الاتجاه إلى أقصاه فيقرر أن البطل إذا كان وسيلة ناجعة لحفظ الحياة كان خيراً من الحقيقة؛ فبطلان الرأي لا يمنع قبوله ما دام عملاً من عوامل بقاء الفرد وحفظ النوع، فلرب أكذوبة أو أسطورة تدفع الحياة إلى الأمام بما تعجز عنه الحقيقة المجردة العارية. انظر كيف تفعل الوطنية في رأس الجندي فيطوح بنفسه بين براثن الموت، ولو حكم عقله المجرد لما فعل؛ بل انظر كم يبدل الآباء والأمهات من مجهود في سبيل أبنائهم، ولو استرشدوا العقل وحده لآثروا أشخاصهم ولضنوا على الأبناء بأي بذل أو عطاء، ولكننا لحسن الطالع ذرائعيون بالفطرة، فنعتنق من الآراء احفظها للحياة، ولولا ذلك لظلت الإنسانية في حيوانيتها الأولى لا تتقدم ولا تسير. ولا يقتصر الأمر في ذلك عامة الناس، بل أرباب العلم أنفسهم ليأخذون بطائفة كبيرة من الآراء التي تعين على المضي في بحثهم، دون أن ينهض الدليل العقلي على صحة تلك الآراء التي اتخذوها أساساً لأبحاثهم، فلا يدري العلم ما الأثير وما الجاذبية وما المادة وما الطاقة وما الكهرباء، ولكنه يفرضها لأنها تعينه على أداء مهمته، وهذا بعينه ما يدعو إليه مذهب الذرائع، فيكفي لان تكون تلك الآراء صحيحة إنها توجهنا في حياتنا توجيهاً صحيحاً، فلا يعنينا في كثير ولا قليل أن نعلم ما هي الكهرباء في ذاتها ما دمنا نستطيع أن نستخدمها، فحسبنا من معناها آثارها، وليكن معنى الكهرباء هو ما تعمله وما تؤديه. وعلى هذا النحو يمكننا أن نتخلص من أعوص المشاكل الفكرية التي أرهقت الفلسفة بغير طائل؛ فلندع جانباً كل بحث عن ماهية القوة أو ماهية المادة أو ماهية الله وما إلى ذلك، وحسبنا منها أن نبحث عن الآثار التي تنشأ عنها في حياتنا اليومية العملية، فان لم يكن لها آثار فيما نصادف من تجارب وجب اعتبارها ألفاظاً جوفاء لا تحمل من المعنى شيئاً. يتبع زكي نجيب محمود

стр. 10284

أندلسيات: ١ - قصة الفتح بن خاقان للأستاذ عبد الحمن البرقوقي تمهيد: آما وقد خطت (الرسالة) هذه الخطى الرغيبة الموفقة، وبلغت المبالغ في الفخامة والضخامة والطرافة والإحسان، والحشد والاحتفال، والعناية بالدراسات الدبية الممتعة الموفقة، والترحيب بكل ما يقدم إليها من الموضوعات القيمة الفائقة، فلماذا لا أُلقي دَلوي أنا الآخر في الدلاء، وانشر في (الرسالة) من الآن شيئاً مما تنطوي عليه أضابيري الأندلسية الزاخرة بشتى الموضوعات في هذا الفردوس الإسلامي المفقود - كما كان يسميه فقيد العروبة صديقنا المرحوم احمد زكي باشا - فمن ترجمة أديب إلى قصة شاعر إلى تاريخ فيلسوف إلى حياة علام إلى طرفة أدبية إلى نبذة فلسفية إلى تحفة علمية إلى شطحة صوفية، إلى ما شئت مما تهيأ لي أن اكف على دراسته منذ نيف وثلاثين عاماً حتى صرتُ أطول له عِشرة، وأبطن به خِبرة. . . ولا تسلني لماذا تولعت هذا التولع بدراسة الأندلس وكل ما يمت إلى الأندلس بسبب، فذلك ما اجهل أنا أيضاً علته. . وقد جفت الأقلام وطويت الصحف وقضى الله أن أكون ممن شغفه حباً هذا الفردوس الذي إذا أنت حاولت أن تنزه نفسك بين رياضه النضرة المهرة المثمرة، تجتلي أنوارها، وتجتني من أَمَمٍ أثمارها، وتستمع إلى تغريد بلابلها، وتتروّى من رحيق جداولها، ألفيت ما ينبعث له عجبك وإعجابك، وتشتهي مذاقه حتى يسيل له لعابك، ويتأرجح عبيرهُ المفعَّم فيملأ خياشيمه طيباً، ويستخفّك تغريده المغم فتترنح له تطريباً؛ بيد أنك إذا أنت حاولت هذا الإمتاع من طريق الأسفار التي وضعت في الأندلس قديماً للقيتَ من الألاقى ما لقيت مما لا يكاد ينهض به إلا الأفراد أوتوا من الشوق ما يجلدهم على معاناة البحث والتنقيب والارتياض بتذليل كل صعب عسير. ومن ثم استخلصت لك من نادرة الأسفار، ومغرِّبة الأخبار، باقة جمعت مختلف الأزهار، وسفطاً يحتوي شتى الأثمار، وحاكياً يسمعك احسنَ النغم، وناجوداً تحتسى منه شراباً لا إثم فيه ولا لمم.

стр. 10285

أوّه لقد شط القلم، وسجعت ثم سجعت، وتلك التي تستك منها المسامع. . . ومن عذيري من الفتح بن خاقان إذا هو أعداني بسجعه، وتأثر طبعي بطبعه، وان لم يدرك الظالع شأو الضليع؟ ولكن لا تُرَع فسوف أتجنب السجع ما أمكنني تجنبه، وكذلك لا تتوقع ما دمت بصدد هذا الفتح أن ستسمع سجعاً أندلسياً كثيرا قد يضجرك ويسلمك إلى السأم والملال. فسوف أشعشع كل أولئك بما يلطفه ويسيغه أن شاء الله. . . وإذا كنت اقدم بين يدي كلماتي قصة الفتح بن خاقان فليس ذلك عن قصد قاصد، ولعل الذي وجّه الذهن إليه الآن هو ما أخذته عيني أخيراً في بعض التواليف الحديثة الموضوعة في بلاغة العرب في الأندلس لبعض أصدقائنا من أساتيذ الجامعة إذ يقول: انه لم يترجم للفتح بن خاقان غير ابن خلكان، وإن المقَّري لم يترجم له في نفح واحد. . . واليك بعد ذلك قصة هذا الأديب الأندلسي: الفتح بن خاقان ظهر أبو نصر الفتح بن محمد بن محمد بن عبيد الله بن خاقان عبد الله القبيسي الإشبيلي في عصر هو من خير العصور ومن شر العصور في وقت معا: كان عصراً ذهبياً من ناحية الثقافة، إذ كان عصرا يفقه بكل أنواع المعارف، من علم وأدب وفلسفة، وكان في الوقت ذاته عصر اضطراب سياسي مزعج. . وبَينا الأندلسيون زمَن ملوك الطوائف متمتعون بحرية لاحد لها، يتبجحون فيها ما شاء لهم التبجح، ويلاقي مُثَقَّفُوهم من ملوكهم أقصى غايات الأريحية والإكرام يعيشون في إذرائهم عيشاً تلين لهم مثانيه ومعاطفه، وتدنو عليهم مجانيه ومقاطفه، إذ أنملوكهم كانوا كذل أدباء أفاضل، وعلماء أماثل، أثرت فيهم الحضارة لأندلسية أثرها، فرققت من حواشيهم، وألانت من جوانبهم - بيْناهم كذلك، وجفون الخطوب عنهم نيام، إذ قلب لهم الدهر الخؤون ظهر المجن، وليس لهم جلد النِمر، فكلب عليهم الإسبانيون من الشمال، وطمع فيهم برابربَرٌ العُدوة - مراكش - من الجنوب، فغزاهم المرابطون الخشنون وأزالوا ملكهم، فاستحالت حال الأندلسيين ولا سيما في زمن علي بي يوسف بن تاشفين ذلك الملك الذي كان إلى أن يعد في الزهاد والمتبتلين اقرب منه إلى أن يعد في الملوك والمتغلبين كما يقول المراكشي صاحب المغرب، ويقول عنه أيضاً: واشتد إيثاره - أي إيثار علي بن يوسف بن تاسفين ملك مراكش والأندلس - لأهل الفقه

стр. 10286

والدين فكان لا يقطع أمراً في جميع مملكته دون مشاورة الفقهاء، وكان إذا ولي أحداً من قضاتِه كان فيما يعهد إليه إلا يقطع أمراً ولا يبت حكومة في صغير من الأمور ولا كبير إلا بمحضر أربعة من الفقهاء، فبلغ الفقهاء في أيامه مبلغاً عظيماً لم يبلغوا مثله في الصدر الأول من فتح الأندلس، ولم يزل الفقهاء على ذلك وأمور المسلمين راجعة إليهم، وأحكامهم صغيرها وكبيرها موقوفة عليهم طول مدته، فمعظم أمر الفقهاء كما ذكرنا وانصرفت وجوه الناس إليهم، فكثرت لذلك أموالهم واتسعت مكاسبهم. وفي ذلك يقول ابن البنّي - شاعر أندلسي سنترجم له: - أهل الرياء لبستمو ناموسكم … كالذئب أدلج في الظلام العاتم فملكتمو الدنيا بمذهب مالك … وقسمتو الأموال بابن القاسم وركبتمو شهب الدواب بأشهب … وبأصبغ صبغت لكم في العالم (ابن القاسم وأشهب واصبغ هم من أئمة مذهب الأمام مالك الذي كان المذهب الوحيد المعمول به في المغرب والأندلس إلى أن يقول: (ولم يكن يُقرَّبُ من أمير المسلمين ويحظى عنده إلا من عَلِمَ عِلْمَ الفروع أعني فروع مذهب مالك، فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها، وكثر ذلك حتى نسي النظر في كتاب الله وَحديث رسول الله (صلعم) فلم يكن أحد من مشاهير أهل ذلك الزمان يعتني بهما كل الاعتناء. ودانَ أهل ذلك الزمان بتكفير كل من ظهر منه الخوض في شئ من علوم الكلام - التوحيد - وقرّر الفقهاء عند أمير المسلمين تقبيح علم الكلام وكراهة السلف له وهجرهم من ظهر عليه شئ منه، وانه بدعة في الدين وربما أدى أكثره إلى اختلال في العقائد، في أشباه لهذه الأقوال، حتى استحكم في نفسه بغض علم الكلام وأهله، فكان يكتب عنه في كل وقت إلى البلاد بالتشديد في نبذ الخوض في شئ منه، وتوعد من وجد عنده شئ من كتبه. ولما دخلت كتب أبي حامد الغزالي ﵀ أمر أمير المسلمين بإحراقها، وتقدم بالوعيد الشديد حتى سفك الدم واستئصال المال إلى من وجد عنده شئ منها. وأشتد الأمر في ذلك؛ ثم قال: ولم يزل أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك، كأبي القاسم بن الجد، وأبي بكر محمد المعروف بابن القَيْطُرْنه، وأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال وأخيه أبي مروان، وأبي محمد عبد المجيد

стр. 10287

بن عبدون - صاحب القصيدة المشهورة التي يرثى بها بني الأفطس من ملوك الطوائف والتي مطلعها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر … فما البكاء على الأشباح والصوَر (وسترى تراجم هؤلاء الأفاضل قريباً) في جماعة يكثر ذكرهم. إلى أن قال: ولم يزل أبو عبد الله بن أبي الخصال وأخوه أبو مروان كاتبين لأمير المسلمين إلى أن أخّرَ أمير المسلمين أبا مروان عن الكتابة لموجدة كانت منه عليه سببها انه أمره وأخاه أبا عبد الله أن يكتبا عنه إلى جند بلنسية حين تخاذلوا وتواكلوا حتى هزمهم ابن ردمير هزيمة قبيحة، فكتب أبو عبد الله رسالته المشهورة في ذلك وهي رسالة كاد أهل الأندلس قاطبة أن يحفظوها احسن فيها ما شاء، منعني من إيرادها ما فيها من الطول: وكتب أبو مروان رسالة في ذلك الغرض افحش فيها على المرابطين واغلظ لهم في القول اكثر من الحاجة؛ فمن فصولها قوله: أي بني اللئيمة، وأعيار الهزيمة، آلام يزيفكم الناقد، ويردكم الفارس الواحد؛ فليت لكم بارتباط الخيول ضأناً لها حالب قاعد، لقد آن أن نوسعكم عقابا، وألا تَلُوثوا على وجه نقاباً، وان نعيدكم إلى صحرائكم، ونطهر الجزيرة من رحضائكم. . . في أمثال لهذا القول فاحنق ذلك أمير المسلمين وأخره عن كتابته وقال لأبي عبد الله أخيه: كنا في شك من بغض أبي مروان المرابطين والآن قد صح عندنا. فلما رأى ذلك أبو عبد الله استعفاه فأعفاه، ورجع إلى قرطبة بعد ما مات أخوه أبو مروان بمراكش وأقام هو بقرطبة، ثم قال: واختلت حال أمير المسلمين بعد الخمسمائة اختلالا شديدا فظهرت في بلاده مناكر كثيرة، وذلك لاستيلاء أكابر المرابطين على البلاد ودعواهم الاستبداد وانتهوا في ذلك إلى التصريح فصار كل منهم يصرح بأنه خير من علي أمير المسلمين وأحق بالأمر منه. . . وأمير المسلمين في ذلك كله يتزيد تغفله ويقوى ضعفه، وقنع باسم إمرة المسلمين وبما يرفع إليه من الخراج وعكف على العبادة والتبتل فكان يقوم الليل ويصوم النهار مشتهراً عنه ذلك وأهمل أمور الرعية غاية الإهمال فاختل لذلك عليه كثير من بلاد الأندلس. نجم أبو نصر الفتح بن خاقان في هذا العصر الذي هو كما أسلفنا من خير العصور لأندلسية من ناحية الثقافة واكتظاظ الأندلس بالعلماء والأدباء والفلاسفة والشعراء، وفي الوقت ذاته هو من شر العصور إذ كان عصرا سياسيا سخيفا كما ترى.

стр. 10288

ولد الفتح بن خاقان سنة ٤٨٠هـ - ١٠٨٧م، أي قبل أن يدال للمرابطين من ملوك الطوائف بسنتين. أما وفاته فقد اضطربت فيها كلمة المؤرخين فحكى ابن خلكان إنها كانت سنة خمس وثلاثين وخمسمائة - ١١٤٠م - وقال ابن الأبار القضاعي في معجم أصحاب الصدفي انه توفي ليلة عيد الفطر من سنة ثمان وعشرين وخمسمائة قال: وقرأت ذلك بخط من يوثق به، وقال الوزير الخطير لسان الدين بن الخطيب أن وفاته كانت ليلة الأحد لثمان بقين من محرم من عام ٥٢٩ والفرق بين ما رواه ابن الأبار وبين ما رواه لسان الدين بن الخطيب هو قريب من أربعة اشهر كما ترى. على أن ابن خلكان حكى ما رواه لسان الدين بن الخطيب أيضاً. . . وقال لسان الدين بن الخطيب: وأبو نصر الفتح بن خاقان من قرية بعرف بقلعة الواد من قرى يحصِب. وبضم كلام لسان الدين هذا إلى قول الحجاري في المسهب في حق الفتح: طلع من الأفق الاشبيلي شمسا طبق الآفاق ضياؤها، وعمّ الشرق والغرب سناها وسناؤها - يبدو لنا ان قرى يحصب هذه من كورة اشبيلية، وقد تكون من كورة أخرى من كور الأندلس نزح منها الفتح إلى إشبيلية واتخذها مقاماً له؛ وقد يريدلسان الدين بن الخطيب أن اصل الفتح من هذه القرية، آما هو فقد ولد بإشبيلية بعد أن نهد إليها آباؤه الأقربون وأقاموا بها؛ وأياً كان مسقط رأسه فقد نشأ في أشبيلية وفيها كما يظهر اخذ الأدب - كما يحدثنا لسان الدين بن الخطيب - عن أبي بكر بن سليمان بن القصيرة - أحد مشهوري الكتاب وسترى ترجمته - وأبن اللبانة من كبار شعراء الأندلس، وابن محمد بن عبدون الشاعر الكاتب صاحب قصيدة: الدهر يفجع بعد العين بالأثر، وابن دريد الكاتب وأبي جعفر بن سعدون الكاتب، وأبي الحسن بن سراج، وأبي خالد بن تستغير، وأبي عبد الرحمن بن طاهر، وأبي عامر بن سرور وأبي الوليد بن حجاج. هكذا سرد مشيخته لسان الدين بن الخطيب. نشأ الفتح بن خاقان نشأة أدبية كما ترى، ومن ثم غلب عليه الأدب حتى انصرف إليه فن كلما عداه ولم يؤثر عنه من المعارف سواه، قال ابن خاتمة: انه لم يعرف من المعارف بغير الكتابة، والشعر، والآداب. أقول: وقلما ترى أديباً أندلسياً إلا وله مشاركة في كثير من العلوم الدينية وغير الدينية. على أن قارئ الفتح بن خاقان يرى انه واسع الاطلاع إلى أقصى حد، وانه أديب كل الأديب وان معارفه العامة وثقافته الشاملة التي لا بد منها للأديب

стр. 10289

في تلك العصور متوافرة. واليك أقوال مترجميه: قال لسان الدين بن الخطيب: كان آية من آيات البلاغة لا يشق غباره ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقَها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزا في باب الحلي والصفات. وقال في موضع آخر: وشعره وسط، وكتابته فائقة. وقال ابن سعيد في المغرب: فخر أدباء أشبيلية بل الأندلس ذكره الحِجَاري في المسهب، الدهر من رواة قلائده، وحملة فرائده. طلع من الأفق الاشبيلي شمسا طبق الآفاق ضياؤها، وعم الشرق والغرب سناها وسناؤها، وكان في الأدب ارفعالأعلام، وحسنة الأيام، إلى أن قال: وهو وأبو الحسن علي بن بسام الشنتمري مؤلف الذخيرة فارسا هذا الأوان، وكلاهما قس وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن ابن بسام أكثر تقييدا، وعلما مفيدا، وإطناباً في الأخبار، وإمتاعاً للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلقاً وتعشقاً بالأنفس، ولولا ما اتسم به مما عرف من أجله بابن خاقان لكان أحد كتاب الحضرة المرابطية بل مجليها المتولي على الرهان، وإنما أخلّ به ما ذكرناه مع كونه اشتهر بذم أولي الأحساب، والتمرين بالطعن على الأدباء والكتاب، وقد رماه الله بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر بن ماجه فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد اسود خلا معه بما اشتهر عنه بتركه مقتولاً. . نرجئ القول على قتله ولماذا قتل ونمضي الكلام على منزلته الأدبية والمفاضلة بينه وبين معاصره وتوأمه أبي الحسن علي بن بسام صاحب الذخيرة. (يتبع) عبد الرحمن البرقوقي

стр. 10290

إلى الأستاذ الفاضل مصطفى صادق الرافعي المشكلة للأديب أحمد الطاهر لا فضل لي فيما اعرض من رأي في هذه المشكلة التي عرضت في (الرسالة) يوم الاثنين ليلة النصف من شعبان، بل الفضل لصاحبة (الجمال البائس) فيما أوحت به إليك من رأي في رجولة الرجل. فإذا استوت للرجل رجولته فسبيل الحياة له يكون كما أراده الله أن يكون: خيراً، ويسراً. أما ما يلقى الرجال فيه مما يسمونه بأسماء تضاد الخير واليسر فمرجعه في أكثر الأحوال إلى أن الرجل لم تستو رجولته ولم تكمل. والنقص في الرجولة زيادة في الشقاء، وإذا لقي الرجل في سبيل الحياة نتوءاً يتعثر فيه ففي وجولته ثغرة قد قدت على قدر هذا النتوء. ونعود إلى صاحب المشكلة - وفقه الله - فنمتحن رجولته فنجدها ناقصة من بعض نواحيها، سقيمة في بعضها الآخر؛ ولكن نقصها ليس مما يستعصي على الكمال، وسقمها ليس مما يحمل على اليأس في أي حال، فمشكلته ليست عسيرة والحمد لله شهد الفتى على نفسه فقال أن الرجل الجاثم في عقله هو غروره - يومئذ - وكبرياؤه يقع في الخطأ بعد الخطأ، ويأتي الحماقة بعد الحماقة؛ ونشأ صلب الرأي، معتداً بنفسه، إذا هم مضى، وإذا مضى لا يلوى، وما هو إلا أن يخطر له الخاطر فيركب رأسه. . .) اللهم غفراً ورحمة لهذا الفتى!! انه قد عرف عيب نفسه، ومن عرف عيبها وأصحر به فقد نهج السبيل إلى علاجها، وانه لواصل إلى غايته عاجلا أو آجلا، لا ينقصه إلا أن يذيقها مرارة الحق لتشفى بعد أن استساغت حلاوة الباطل فسقمت. البلاء الذي لا يشبهه بلاء، والسقم الذي لا يرجى منه شفاء، هو أن يجهل الرجل عيب نفسه، أو يعلمه ناقصا يلتمس فيه الأسباب والعلل المبررة. آما صاحبنا فكما نعلم من القصة: رجل فاضل مهذب ذو ميسرة، وبيته بيت فيه الدين والخلق والشهامة والنجدة؛ وبعض هذا فيما أرى كفيل بتيسير العلاج له برعاية الله التي لا تتخلى عن بيت فيه الدين. فان ضل واحد من أفراد هذا البيت، ففي قلبه من أثر الدين الذي

стр. 10291

بسط سلطانه على البيت منذ نشأته بقية صالحة يكشف عنها غطاؤها فتقود هذا القلب إلى الخير في عجلة أو وناء. فلندع رجل المشكلة الآن ولننظر إلى فتاتها. هذه الفتاة التي سميت للفتى - سامحها الله - لِمَ أغلقت الباب في وجهه؟ لم يذكر لنا عارض المشكلة سبباً صريحاً لهذه الفعلة. على أن إدراك السبب ليس بعسير، فلقد نستطيع أن ندركه (بالاستنتاج والمقارنة)؛ فالفتاة الثانية التي عرفها صاحب المشكلة فاحبها لم تغلق في وجهه الباب لأنها كانت فتاة جذابة (أمسكت بإحدى يديها عنانه) فمضى قدما، فإذا التفت إلى الوراء قرأفي عينيها كلمات: ((أتستطيع فرارا مني؟) فيقول: (لا) ويمضي. . . (ثم يلتصق بجسمها) فتسرى منها إلى قلبه رسالة يقرؤها بقلبه المريض، فإذا هي: (الدنيا كلها هنا). . . . هذا شانها، وما احسب أن من ظالم الأحكام أن نصف الفتاة بان في حياتها لينا ورخاوة، ولذا لم تغلق في وجهه الباب وهي لم تصبح زوجا له بعد. ولا أحسب أن الفتاة الأولى قد أغلقت الباب إلا لان في حياتها شدة واستمساكا. إلا فاعلم يا صاحب المشكلة، أن حياء المرأة إذا أصيب باللين والرخاوة ثغر فيه الشيطان ثغرة يجلس على بابها ويصيح: (هلموا أيها الفتيان!) وسرعان ما يستجيب الفتيان لصيحة الشيطان. واعلم وقاك الله أن هذه الفتاة التي فتحت لك الباب أن تزوجتها فستتزوج معها الشيطان الجاثم على ثغرة حيائها وسينضم إلى شيطانك فتصبح بين ثلاثة: امرأة وشيطانين! وأنت واحد! وستكون بين أمرين أحلاهما مر: آما أن يأتمر بك الشيطانان فيوسعا في ثغرة حياتها حتى يدخل فيها غيرك من الفتيان. وإما أن تضيق أنت بما وسع الشيطانين أن يفعلا فتلجأ إلى ابغض الحلال إلى الله - الطلاق! وأدعو لك مرة أخرى: وقاك الله. على أن الشيطانين أن أعياهما صبرك أو سعة في حلمك دارا بوجهيهما إلى المرأة فصوراك لها بصورة بشعة قبيحة، وبذرا في قلبها حبا مراً اسود ينبت في القلوب المريضة فيثمر ثمراً مراً اسود يسمى البغضاء ويسمى الكراهية ويسمى المقت: ولا يزال هذا الثمر ينمو ويربو حتى ينضج ويستوي فلا يتسع له قلب المرأة فتحاول أن تجتثه من اصله فلا تستطيع، فتعمد إلى الزوج تحاول أن تجتثه، فان أفلحت فذلك ما أرادت وتستريح ويشقى الرجل شقاء المحروم من أهله، وإن لم تصبه أصابت شرفه ويشقى الرجل شقاء

стр. 10292

المثلوم في عرضه؛ أقبل أيها الرجل على تلك التي أغلقت الباب في وجهك: - أتدري لم أغلقته؟ لأنك لم تكن وحدك حين طرقت بابها! لقد رأت معك شيطانك وما يتسع بابها لدخول إنسان وشيطان. لقد رأت معك الشيطان متمثلا في (غرورك وشبابك وكبريائك وعنادك) فأشفقت عليك وعلى نفسها من ثالث يدخل بينكما. ولو أفسد الشيطان وأنتما لم تصبحا زوجين بعد فيا للشقاء ويا للعار! إنها أغلقت الباب في وجهك وأنت خطيبها المسمى لها وأحكمت إغلاقه من الداخل حتى لا تستطيع أنت أن تدخل عليها، فكان الأجدر برجولتك أن تحكم إغلاقه من الخارج حتى لا يستطيع غيرك أن يدخل أليها. حتى إذا حان موعد الزواج فضضتما الإغلاق في وقت واحد وفي حضرة نفر من الأهل وذوي القربى، وعسير على الشيطان يومئذ أن يندس بينكما. ما عليك أيها الرجل إلا أن تفتح قلبك لهذه المرأة الحيية الخفرة فتصل ما بينها وبينك، وتغمض عينيك عن كل ما يصوره لك غرورك ونزقك وكبرياؤك وصلفك، ولن تلبث طويلا حتى ترى هذه الفتاة جندا من جنودك يحارب معك أعداء نفسك ويعالج معك أدوَاءَها، وستصلان إلى الحب الزوجي النقي وفيه منك العطف والحنان، وفيه منها الوفاء والإخلاص. ستجد في هذا عناء ونصبا، وسوف تتمثل لك الفتاة التي أحببت بين حين وآخر وأنا أدلك على ما يجب أن تعمل: انظر بعقلك الذي تبرأ منك حين صدت عنك الفتاة: تلك الفتاة التي قد أحببت وضَعَتْ جمالها ورقتها وفتنتها وذكاءها في إناء ولم تحبسه عن الناس ولم تتخذ لصيانته سببا من الأسباب. وهذه الفتاة التي كرهت لقد وضعت عفتها ووفاءها وشرفها وحياءها في إناء وأغلقت دونه الأبواب. فأيهما أبقى على الزمن؟ وآيهما أخلص لك؟ وأيهما لا يعبث به نزق الفتيان؟ وان كان في صدرك حرج مما لا تجد في زوجتك الخفرة من جمال ورقة وفتنة وذكاء وما يتراءى لك في الفتاة الجذابة فخذ واحدة مما زُيِّنَ لك من صفاتها وضَعْها إلى جوار واحدة

стр. 10293

مما ترى من صفات زوجتك: خذ الجمال من تلك وضعه إلى جوار الشرف من هذه: وانظر في نصيبك من الاثنين: ألست ترى جمال الجميلة ملكا لها تجود منه بما تشاء ومتى تشاء ولمن تشاء؟ وشرف الشريفة لك ولزوجتك تنعمان بفضله ما بقى، وتستظلان بفيئه ما كان؛ لا يستأثر به واحد منكما وحده، ولا يبخل بخيره أحدكما على الآخر؟ إلا تجد الجمال متاعا تستهلكه أنوثة المرأة، والشرف متاعا تستبقيه رجولة الرجل؟ ثم خذ الذكاء من الحبيبة إليك وضعه إلى جوار الحياء من البغيضة إليك وانظر إلى حظك من الاثنين: إلا تجد الذكاء سلاحا في يد الأولى تحارب به كل الناس وزوجها: والحياء سلاحا في يد الثانية تحارب به كل الناس إلا زوجها؟ خذ الفتنة من تلك والوفاء من هذه إلا ترى الفتانة تنادي بفتنتها: هلموا إلي أيها الناس، وترى الوفية تنادي بوفائها: هلم ألي أيها الزوج؟ وبعد، فهاتان اثنتان إحداهما وقفت بالباب، والأخرى أغلقت الباب آما التي وقفت بالباب فأنها تستقبل الدنيا وتستدبر الدار، وأما التي أغلقت على نفسها الباب فأنها تستقبل الدار وتستدبر الدنيا. والدنيا للناس جميعاً، والدار لك وحدك. فانظر أيتهما الصالحة لك، الجديرة بحبك، الأمينة على بيتك، الحفيظة على شرفك. سترى في زوجتك عيوباً ونقصاً، وستتجسم هذه العيوب، لأنك تنظر إليها بغير عين الرضا؛ وخير لك ألا تفكر في هذه العيوب حين تبدو لك إلا بمقدار ما تحاول إصلاحها، وأن تروض نفسك على اليقين بأن المرأة الكاملة لم تخلق بعد، ولن تخلق بعد، فلو خلقت الزوجة الكاملة خلُقاً وخلْقاً لتعطل في الرجل كثير من صفات الرجولة، ولما شعر الرجل بما مازه الله به على المرأة، ولخرجت المرأة من أنوثتها، ولتزحزح الرجل عن رجولته؛ ولما كان الرجال قوامين على النساء. ولا أجد في الرد على ما تدعيه لنفسك من الحرية أبلغ مما أجابك به عمك حين قال: (إن كنت حرا كما تزعم فهل تستطيع أن تختار غير التي أحببتها)، وحين يسائلك: (إلا تكون حرا إلا فينا نحن وفي هدم أسرتنا؟).

стр. 10294

وان كنت تبيح لنفسك تحت ظل هذه الحرية أن تحب غير امرأتك لا لسبب إلا لأنك رأيت فتاة غيرها تفوق زوجتك جمالا ورقة وعذوبة منطق، فبم سينتهي بك هذا؟ إلا تدري انك أن وثبت إلى الفتاة تراها فتعجبك فتتخذها زوجة دون زوجتك أو تضمها إليها فما زالت في الدنيا وما زال فيها من هي أجمل وأذكى وأدعى للفتنة من تلك التي أعجبتك: أتثب إليها أيضاً وتتخذها زوجة ثالثة، أم تطلق الاثنتين وتتزوج الثالثة؟ ألاتعلم أن هذا لا ينتهي بك إلى نهاية، ولا يقف بك عند غاية، ولو أباح الناس جميعاً لأنفسهم هذه الفعلة لما قامت زوجية صالحة، ولا نعم الأولاد بالحنان الممتزج من الأبوة والأمومة، ولأفضى الحال بالناس إلى أن يتواثب الرجال والنساء بعضهم إلى بعض، ولفسدت بذلك الأرض؟ يا أخي: إن المتزوج الذي يشتهي جمالا اكمل من جمال زوجته أو فضلاً لم يجده في زوجته فيثب إليه إنما هو رجل قد اسقط مروءته وأهدر رجولته وظلم زوجته أشد الظلم، وكفر بأنعم الله أشد الكفران، وديث شرفه بالصغار. وحسبك لتقدر هذا أن تزن الفعلة وزنها لو انعكس الوضع فأباحت الزوجة لنفسها ما يبيح الرجل لنفسه؛ لا تقل أن الله أباح للرجل أن يتزوج بأكثر منواحدة إلى أربع دون المرأة، فلذلك حكمة وقيود لا يسقط بها حق المرأة على الرجل وواجب الرجل قبل المرأة. ما أحسبك إلا فهمت هذا وأحسنت تقديره، وأنت القائل لعمك انك تقدر الرجولة والثواب والمروءة اتق الله في الزوجة، وأشعر نفسك قوة الرجولة، وانظر إلى ضعف الأنوثة؛ وليكن لك على قلبك السلطان القوي، وهيئ بالقطف والحنان مهادا للحب الزوجي تجد أن زوجتك احب الناس إليك، وأقدرهم على إسعادك. اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 10295

عمرو بن العاص بقلم حسين مؤنس والآن، فيم طول التفكير وبعد التقدير، وقد صار الأمر لعلي، واستقامت البيعة له في الحجاز، وترامى سلطانه إلى العراق، وامتدت خلافته فشملت مصر، وأولئك هم ولاته تَرْدِى بهم الإبل خفافاً إلى ولاياتهم، وهؤلاء صحابه وأنصاره يبعثون في النفوس ظلالاً من الخوف والرعب بعد الذي كان من قتلهم عثمان، وان عمراًليحس مطالع هذه الخلافة الجديدة في الشك وقلة التقدير، وانه ليجد انقباض نفسه عن طاعتها ورغبتها عن العمل في ظلها. . . بل إنه ليعمل الفكر ليجد من سلطانها مخرجاً ومن طاعتها مهرباً. . . ولعله يستوي في هذا مع أترابه من الصحابة والقادة. . . ولعله كان يرجو أن يتصل ببعضهم ليستطلع فكره وليبادله الرأي. . . وربما ود لو يتصل بعلي نفسه، إذن لأقنعه بالتخلي عن هذه الطوائف القلقة التي وصل حباله بحبالها، والتي تضر بقضيته كل الضرر. . . فإن في هذه الطوائف لنفراً لا زال دم عثمان يجري على أيديهم، وان فيهم لأوباشاً لا يليق بالخلافة أن تتصل بهم ويكونوا عدتها في الفتح والجهاد، وان فيهم لأحداثاً لا يستقيم بهم الأمر، ولا يحسن أن تكون بأيديهم أمور العباد؛ وماذا عسى ابن العاص أن يفعل مع هؤلاء وهو يرجو أن يكون سيداً لا مسوداً، وقائداً لا مقوداً، ثم هو يريد قبل ذلك (أن يشترط)، فما ينبغي لمثله أن يخطو دون أن يقدر للخطو موضعه. . . أو يمضي دون أن يعلم أين يؤدي به السير، أو يعمل دون أن يقدر ربحه وخسارته من هذا العمل الذي هو مقبل عليه. . . أليس هو القائل: (الكرار في الحرب، وإنني الصبور على غير الدهر، لا أنام عن طلب؛ كأنما أنا الأفعى عند أصل الشجرة؛ ولعمري لست بالواني أو الضعيف، بل أنا مثل الحية الصماء، لا شفاء لمن عضته، ولا يرقد من لسعته، وأني ما ضربت إلا فريت، ولا يخبو ما شببت. . .) أليس هو الفاتح النابغة، والسائس الذي لا يشق له غبار. . . فما باله يبذل قياده طائعاً، ويقدم نفسه مختاراً. . . كلا. . . وليكن له في الميدان الجديد شأن عظيم. . . فما هؤلاء الذين يتولون الأمور إلا أترابه ولداته الذين لا يفضلونه في ماض ولا في حسب ولا مقام. . . والذين لا يساوونه في مكر ولا سياسة ولا تدبير. . . ففيم يكون ذنباً والرؤوس لا تزيد
следующие страницы →