← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

بسط سلطانه على البيت منذ نشأته بقية صالحة يكشف عنها غطاؤها فتقود هذا القلب إلى الخير في عجلة أو وناء. فلندع رجل المشكلة الآن ولننظر إلى فتاتها. هذه الفتاة التي سميت للفتى - سامحها الله - لِمَ أغلقت الباب في وجهه؟ لم يذكر لنا عارض المشكلة سبباً صريحاً لهذه الفعلة. على أن إدراك السبب ليس بعسير، فلقد نستطيع أن ندركه (بالاستنتاج والمقارنة)؛ فالفتاة الثانية التي عرفها صاحب المشكلة فاحبها لم تغلق في وجهه الباب لأنها كانت فتاة جذابة (أمسكت بإحدى يديها عنانه) فمضى قدما، فإذا التفت إلى الوراء قرأفي عينيها كلمات: ((أتستطيع فرارا مني؟) فيقول: (لا) ويمضي. . . (ثم يلتصق بجسمها) فتسرى منها إلى قلبه رسالة يقرؤها بقلبه المريض، فإذا هي: (الدنيا كلها هنا). . . . هذا شانها، وما احسب أن من ظالم الأحكام أن نصف الفتاة بان في حياتها لينا ورخاوة، ولذا لم تغلق في وجهه الباب وهي لم تصبح زوجا له بعد. ولا أحسب أن الفتاة الأولى قد أغلقت الباب إلا لان في حياتها شدة واستمساكا. إلا فاعلم يا صاحب المشكلة، أن حياء المرأة إذا أصيب باللين والرخاوة ثغر فيه الشيطان ثغرة يجلس على بابها ويصيح: (هلموا أيها الفتيان!) وسرعان ما يستجيب الفتيان لصيحة الشيطان. واعلم وقاك الله أن هذه الفتاة التي فتحت لك الباب أن تزوجتها فستتزوج معها الشيطان الجاثم على ثغرة حيائها وسينضم إلى شيطانك فتصبح بين ثلاثة: امرأة وشيطانين! وأنت واحد! وستكون بين أمرين أحلاهما مر: آما أن يأتمر بك الشيطانان فيوسعا في ثغرة حياتها حتى يدخل فيها غيرك من الفتيان. وإما أن تضيق أنت بما وسع الشيطانين أن يفعلا فتلجأ إلى ابغض الحلال إلى الله - الطلاق! وأدعو لك مرة أخرى: وقاك الله. على أن الشيطانين أن أعياهما صبرك أو سعة في حلمك دارا بوجهيهما إلى المرأة فصوراك لها بصورة بشعة قبيحة، وبذرا في قلبها حبا مراً اسود ينبت في القلوب المريضة فيثمر ثمراً مراً اسود يسمى البغضاء ويسمى الكراهية ويسمى المقت: ولا يزال هذا الثمر ينمو ويربو حتى ينضج ويستوي فلا يتسع له قلب المرأة فتحاول أن تجتثه من اصله فلا تستطيع، فتعمد إلى الزوج تحاول أن تجتثه، فان أفلحت فذلك ما أرادت وتستريح ويشقى الرجل شقاء المحروم من أهله، وإن لم تصبه أصابت شرفه ويشقى الرجل شقاء

стр. 10292

المثلوم في عرضه؛ أقبل أيها الرجل على تلك التي أغلقت الباب في وجهك: - أتدري لم أغلقته؟ لأنك لم تكن وحدك حين طرقت بابها! لقد رأت معك شيطانك وما يتسع بابها لدخول إنسان وشيطان. لقد رأت معك الشيطان متمثلا في (غرورك وشبابك وكبريائك وعنادك) فأشفقت عليك وعلى نفسها من ثالث يدخل بينكما. ولو أفسد الشيطان وأنتما لم تصبحا زوجين بعد فيا للشقاء ويا للعار! إنها أغلقت الباب في وجهك وأنت خطيبها المسمى لها وأحكمت إغلاقه من الداخل حتى لا تستطيع أنت أن تدخل عليها، فكان الأجدر برجولتك أن تحكم إغلاقه من الخارج حتى لا يستطيع غيرك أن يدخل أليها. حتى إذا حان موعد الزواج فضضتما الإغلاق في وقت واحد وفي حضرة نفر من الأهل وذوي القربى، وعسير على الشيطان يومئذ أن يندس بينكما. ما عليك أيها الرجل إلا أن تفتح قلبك لهذه المرأة الحيية الخفرة فتصل ما بينها وبينك، وتغمض عينيك عن كل ما يصوره لك غرورك ونزقك وكبرياؤك وصلفك، ولن تلبث طويلا حتى ترى هذه الفتاة جندا من جنودك يحارب معك أعداء نفسك ويعالج معك أدوَاءَها، وستصلان إلى الحب الزوجي النقي وفيه منك العطف والحنان، وفيه منها الوفاء والإخلاص. ستجد في هذا عناء ونصبا، وسوف تتمثل لك الفتاة التي أحببت بين حين وآخر وأنا أدلك على ما يجب أن تعمل: انظر بعقلك الذي تبرأ منك حين صدت عنك الفتاة: تلك الفتاة التي قد أحببت وضَعَتْ جمالها ورقتها وفتنتها وذكاءها في إناء ولم تحبسه عن الناس ولم تتخذ لصيانته سببا من الأسباب. وهذه الفتاة التي كرهت لقد وضعت عفتها ووفاءها وشرفها وحياءها في إناء وأغلقت دونه الأبواب. فأيهما أبقى على الزمن؟ وآيهما أخلص لك؟ وأيهما لا يعبث به نزق الفتيان؟ وان كان في صدرك حرج مما لا تجد في زوجتك الخفرة من جمال ورقة وفتنة وذكاء وما يتراءى لك في الفتاة الجذابة فخذ واحدة مما زُيِّنَ لك من صفاتها وضَعْها إلى جوار واحدة

стр. 10293

مما ترى من صفات زوجتك: خذ الجمال من تلك وضعه إلى جوار الشرف من هذه: وانظر في نصيبك من الاثنين: ألست ترى جمال الجميلة ملكا لها تجود منه بما تشاء ومتى تشاء ولمن تشاء؟ وشرف الشريفة لك ولزوجتك تنعمان بفضله ما بقى، وتستظلان بفيئه ما كان؛ لا يستأثر به واحد منكما وحده، ولا يبخل بخيره أحدكما على الآخر؟ إلا تجد الجمال متاعا تستهلكه أنوثة المرأة، والشرف متاعا تستبقيه رجولة الرجل؟ ثم خذ الذكاء من الحبيبة إليك وضعه إلى جوار الحياء من البغيضة إليك وانظر إلى حظك من الاثنين: إلا تجد الذكاء سلاحا في يد الأولى تحارب به كل الناس وزوجها: والحياء سلاحا في يد الثانية تحارب به كل الناس إلا زوجها؟ خذ الفتنة من تلك والوفاء من هذه إلا ترى الفتانة تنادي بفتنتها: هلموا إلي أيها الناس، وترى الوفية تنادي بوفائها: هلم ألي أيها الزوج؟ وبعد، فهاتان اثنتان إحداهما وقفت بالباب، والأخرى أغلقت الباب آما التي وقفت بالباب فأنها تستقبل الدنيا وتستدبر الدار، وأما التي أغلقت على نفسها الباب فأنها تستقبل الدار وتستدبر الدنيا. والدنيا للناس جميعاً، والدار لك وحدك. فانظر أيتهما الصالحة لك، الجديرة بحبك، الأمينة على بيتك، الحفيظة على شرفك. سترى في زوجتك عيوباً ونقصاً، وستتجسم هذه العيوب، لأنك تنظر إليها بغير عين الرضا؛ وخير لك ألا تفكر في هذه العيوب حين تبدو لك إلا بمقدار ما تحاول إصلاحها، وأن تروض نفسك على اليقين بأن المرأة الكاملة لم تخلق بعد، ولن تخلق بعد، فلو خلقت الزوجة الكاملة خلُقاً وخلْقاً لتعطل في الرجل كثير من صفات الرجولة، ولما شعر الرجل بما مازه الله به على المرأة، ولخرجت المرأة من أنوثتها، ولتزحزح الرجل عن رجولته؛ ولما كان الرجال قوامين على النساء. ولا أجد في الرد على ما تدعيه لنفسك من الحرية أبلغ مما أجابك به عمك حين قال: (إن كنت حرا كما تزعم فهل تستطيع أن تختار غير التي أحببتها)، وحين يسائلك: (إلا تكون حرا إلا فينا نحن وفي هدم أسرتنا؟).

стр. 10294

وان كنت تبيح لنفسك تحت ظل هذه الحرية أن تحب غير امرأتك لا لسبب إلا لأنك رأيت فتاة غيرها تفوق زوجتك جمالا ورقة وعذوبة منطق، فبم سينتهي بك هذا؟ إلا تدري انك أن وثبت إلى الفتاة تراها فتعجبك فتتخذها زوجة دون زوجتك أو تضمها إليها فما زالت في الدنيا وما زال فيها من هي أجمل وأذكى وأدعى للفتنة من تلك التي أعجبتك: أتثب إليها أيضاً وتتخذها زوجة ثالثة، أم تطلق الاثنتين وتتزوج الثالثة؟ ألاتعلم أن هذا لا ينتهي بك إلى نهاية، ولا يقف بك عند غاية، ولو أباح الناس جميعاً لأنفسهم هذه الفعلة لما قامت زوجية صالحة، ولا نعم الأولاد بالحنان الممتزج من الأبوة والأمومة، ولأفضى الحال بالناس إلى أن يتواثب الرجال والنساء بعضهم إلى بعض، ولفسدت بذلك الأرض؟ يا أخي: إن المتزوج الذي يشتهي جمالا اكمل من جمال زوجته أو فضلاً لم يجده في زوجته فيثب إليه إنما هو رجل قد اسقط مروءته وأهدر رجولته وظلم زوجته أشد الظلم، وكفر بأنعم الله أشد الكفران، وديث شرفه بالصغار. وحسبك لتقدر هذا أن تزن الفعلة وزنها لو انعكس الوضع فأباحت الزوجة لنفسها ما يبيح الرجل لنفسه؛ لا تقل أن الله أباح للرجل أن يتزوج بأكثر منواحدة إلى أربع دون المرأة، فلذلك حكمة وقيود لا يسقط بها حق المرأة على الرجل وواجب الرجل قبل المرأة. ما أحسبك إلا فهمت هذا وأحسنت تقديره، وأنت القائل لعمك انك تقدر الرجولة والثواب والمروءة اتق الله في الزوجة، وأشعر نفسك قوة الرجولة، وانظر إلى ضعف الأنوثة؛ وليكن لك على قلبك السلطان القوي، وهيئ بالقطف والحنان مهادا للحب الزوجي تجد أن زوجتك احب الناس إليك، وأقدرهم على إسعادك. اليوزباشي أحمد الطاهر

стр. 10295

عمرو بن العاص بقلم حسين مؤنس والآن، فيم طول التفكير وبعد التقدير، وقد صار الأمر لعلي، واستقامت البيعة له في الحجاز، وترامى سلطانه إلى العراق، وامتدت خلافته فشملت مصر، وأولئك هم ولاته تَرْدِى بهم الإبل خفافاً إلى ولاياتهم، وهؤلاء صحابه وأنصاره يبعثون في النفوس ظلالاً من الخوف والرعب بعد الذي كان من قتلهم عثمان، وان عمراًليحس مطالع هذه الخلافة الجديدة في الشك وقلة التقدير، وانه ليجد انقباض نفسه عن طاعتها ورغبتها عن العمل في ظلها. . . بل إنه ليعمل الفكر ليجد من سلطانها مخرجاً ومن طاعتها مهرباً. . . ولعله يستوي في هذا مع أترابه من الصحابة والقادة. . . ولعله كان يرجو أن يتصل ببعضهم ليستطلع فكره وليبادله الرأي. . . وربما ود لو يتصل بعلي نفسه، إذن لأقنعه بالتخلي عن هذه الطوائف القلقة التي وصل حباله بحبالها، والتي تضر بقضيته كل الضرر. . . فإن في هذه الطوائف لنفراً لا زال دم عثمان يجري على أيديهم، وان فيهم لأوباشاً لا يليق بالخلافة أن تتصل بهم ويكونوا عدتها في الفتح والجهاد، وان فيهم لأحداثاً لا يستقيم بهم الأمر، ولا يحسن أن تكون بأيديهم أمور العباد؛ وماذا عسى ابن العاص أن يفعل مع هؤلاء وهو يرجو أن يكون سيداً لا مسوداً، وقائداً لا مقوداً، ثم هو يريد قبل ذلك (أن يشترط)، فما ينبغي لمثله أن يخطو دون أن يقدر للخطو موضعه. . . أو يمضي دون أن يعلم أين يؤدي به السير، أو يعمل دون أن يقدر ربحه وخسارته من هذا العمل الذي هو مقبل عليه. . . أليس هو القائل: (الكرار في الحرب، وإنني الصبور على غير الدهر، لا أنام عن طلب؛ كأنما أنا الأفعى عند أصل الشجرة؛ ولعمري لست بالواني أو الضعيف، بل أنا مثل الحية الصماء، لا شفاء لمن عضته، ولا يرقد من لسعته، وأني ما ضربت إلا فريت، ولا يخبو ما شببت. . .) أليس هو الفاتح النابغة، والسائس الذي لا يشق له غبار. . . فما باله يبذل قياده طائعاً، ويقدم نفسه مختاراً. . . كلا. . . وليكن له في الميدان الجديد شأن عظيم. . . فما هؤلاء الذين يتولون الأمور إلا أترابه ولداته الذين لا يفضلونه في ماض ولا في حسب ولا مقام. . . والذين لا يساوونه في مكر ولا سياسة ولا تدبير. . . ففيم يكون ذنباً والرؤوس لا تزيد

стр. 10296

عليه شيئاً؟ وفيم يؤمر وهو من طبيعة الآمرين؟. . ولو أن علياً بعث إليه يستعين برأيه ويستنير بفكره؛ إذن لقام إلى جانبه وأخلص له المودة، وأفاده الفائدة العظيمة، فانه (شيخ يضر وينفع) كما يقولون في بعض ما يدس عليه من الشعر؛ ولكن علياً منصرف عنه لا يكاد يذكره، وهذه شهور تنطوي على خلافته وهو مستقل بنفسه بصحابه، ما يلقي إلى أحد من الصحابة بالاً. . . بل ها هو ذا يؤدب العصاة منهم وينهض لهم بالسيف. . . وهذه الأخبار تترامى عن الهزيمة النكراء التي منيت بها عائشة، والقتلة القاسية التي صار إليها الصحابيان طلحة والزبير. . . وماذا بعد؟. . . أغلب الظن أن دوره مقبل ولا ريب، وأنه مخير بين الطاعة أو الحرب عن قريب فمادا تراه فاعلا؟. . . هنا كان الرجل يحس قلقاً شديداً. . . فيقلب فكره ويتأمل حاله، عله ينتهي إلى رأي يستقر أليه. . . ثم خطر بباله فسأل نفسه: ومعاوية؟. . . كيف ترى حال معاوية. . . أغلب الظن أن أبن أبي طالب لن يعفيه، وهو وال على الشام وما حواليه. . . وانه لمرسل إليه بالطاعة أو عازله. . . ثم بدا له خاطر جديد فابتسم. . . وهم من مجلسه ومضى يذرع الغرفة جيئة وذهاباً. . . انه يفكر في معاوية. . . ويحسب الأمر حساباً دقيقاً؛ أن لمعاوية جندا كثيفاً، ونفرا أقوياء. . . وانه لفي منعة بأهل الشام ومال الشام. . . ومن يعرف فضل جند الشام كعمرو الفاتح المجرب الخبير؟ أن فيهم لخيرا، وان عليهم لمعتمداً. . . وأنهم ليفضلون جند العراق وجند الجزيرة. . . وانهم ليثبتون في الحرب ثباتاً عظيماً. . . فلم لا يعتمد عليهم ويستفيد منهم؟ ولم لا تكون جبهة قوية من جند الشام وقدرة معاوية وحيلة عمرو. . . فما عسى أن يفعل جند العراق وشجاعة علي وتهور أنصاره أمام هؤلاء. . . فإذا فرغ من ذلك الحساب والتقدير فقد هم يريد ليذهب لمعاوية ليرى رأيه في ذلك الأمر، وانه لكذلك إذا طارق قد اقبل، وإذا به رسول من معاوية!. . . يحمل إلى عمرو كتاباً. . . ويبتسم ابن العاص، فقد فهم ما في الكتاب؛ وما يقصر مثله عن ذلك وقد قدر الأمر كله كما رأينا. . . ثم يتناول الكتاب، فإذا به يقول: (آما بعد فانه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، فقد قدم علىّ جرير بن عبد الله في بيعة علي، وحبست نفسي عليك حتى تأتيني، فأقدم على بركة الله تعالى). الآن يستطيع ابن العاص أن يمضي عن ثقة، فقد عرف ابن أبي سفيان قدره واستنجد به، وفي استطاعته الآن (أن يشترط)، وأن يطلب ما يريد من أجر وجزاء. . . وهل هو يرجو

стр. 10297

إلا مصر وخيرها وأمنها. . . وهل هو واجد في مناصب الدولة منصباً هو آمنأو احسن من ولاية مصر الفياضة بالخير والبركات. . . بلى وإنها لأجدى على صاحبها من الخلافة نفسها. . . فما يغنم الخليفة إلا التعب والجهد في غير طائل. . . وما جزاؤه من ملكه الواسع إلا أن يتوسد الغبراء، فذا رق ومال إلى الدنيا كان نصيبه القتل دون رحمة ولا غفران. ثم أي مكان هو اعز من هذا الركن الأمين الذي لا يصله الجند إلا بمشقة، ولا يقصر في أمر يطلبه الخلفاء. . . الخير الخير إذن في المبادرة إلى جانب معاوية والانضمام لرايته، والحزم الحزم في الإسراع إليه والوقوف في صفه فما في هذا خطر ولا خوف. . . وليزود نفسه من رأيه باستشارة ابنيه محمد وعبد الله. . . فقد عود نفسه أن يدقق الحساب جداً. . . وألا يترك ناحية من نواحي الرأي ولا مذهباً من مذاهب الفكر إلا بحثه ووزنه وزناً دقيقاً؛ وها هو ذا يستمع إلى ابنه عبد الله. . . انه يلومه في ذلك لوماً شديداً، ويرده عن هذا الجشع الذي تحدثهنفسه به: (أيها الشيخ، أن رسول الله قد ذهب وهو عنك راض، ومات أبو بكر وعمر وهما عنك راضيان، فلا تفسد دينك بدنيا يسيرة تصيبها مع معاوية). . . وان محمداً ليسخر من أخيه، ويريد لأبيه مكانا ممتازاًفي عالم السياسة العربية، ويقول: (بادر إلى هذا الأمر فكن فيه رأساً قبل ان تكون ذنباً. . .). بلى لقد قال محمد الصدق، ومس شغاف قلب أبيه. . وماذا احب إلى ابن العاص من أن يكون رأسا في كل خطوة يقوم بها وألا يأتمر برأي أحد وان يكون حراً، فلا تؤذيه مضايقة مثل عمرو، وان معاوية لقادره قدره ورافعه في درجات الرياسة والامارة، ولا يعدم ابن العاص بفكره أن يتسلط بعد ذلك فيكون صاحب الرأي في الجماعة دون معاوية. . وما عسى تفعل (الحية في أصل الشجرة) إلا ذاك. . نعم وليمض على بركة الله. وكان معاوية في حيرة من أمره لا يدري ما يفعل؛ كان رأيه قد استقر على حرب علي، ولكنه لم يدر كيف يمضي إلى ذلك، وقد بدأت دعوة علي تتسرب إلى الشام، وانشأ المسلمون يتحدثون في سر سكوت معاوية عن طاعة الخليفة الجديد، وكان هو نفسه يسكتهم ويهدئهم بما له من المكانة في نفوسهم والقدر في أعينهم، ولكنه كان يحس أن لذلك آخراً وانهم منفضون من حوله أن لم ينته في هذا الموقف إلى رأي، وهل هو إلا وال من الولاة عليه أن يطيع، وقد وصلت دعوة علي وتحدث بها البعض ومال إليها البعض الآخر، وبدأ

стр. 10298

القلق يساور معاوية، وانتهى به الأمر إلى الاستنجاد بابن العاص، وكان يعرف فيه ميلاً عن بني هاشم وكرها لهم، وكان يقدر أنه لابد كاره لأمر علي فبعث إليه يتعجل حضوره فخف إليه كما رأينا. . وجلس الرجلان يتبادلان الرأي، وربما أحس عمرو من حديث معاوية انه اخطأ في هذه المغامرة التي أقدم عليها، وان هذه (الصفقة الجديدة) ربما كان فيها بعض الخطر. . ورأى أن ما كان قدره من الاعتماد على جند الشام كان فيه كثير من الوهم وسوء التقدير. . وكيف يمكن إقناع هؤلاء بمناهضة الخليفة وحربه وهم مسلمون مؤمنون يرون طاعة خليفة رسول الله ﷺ فرضاً واجباً؟ وكيف يمكن التعويل عليهم، وهذه طاعة علي تكاد تبدو على ألسنتهم؟ ولكنه اطمأن إلى أن لا خطر على مركزه في هذا الأمر الذي انضم إليه. . فإنما هو صاحب الرأي المسموع والكلمة النافذة. . وها هو ذا يستطيع أن يشترط (أخذ مصر كلها أو مصر ومعها غيرها). وقد تقدم فما ينبغي له أن يتأخر. . وقد ألقى يده في يد معاوية ولن يخلص له على بعد ذلك أبدا. ثم انه مضى يفكر في الأمر تفكيرا طويلا، وقلبه على وجوهه. . حتى هداه الرأي إلى حيلة ربما أفلحت في إقناع جند الشام بعدالة قضية معاوية. . فان هؤلاء الناس لا بد أن يكون قد ساءهم مقتل عثمان، ولا بد أن يكونوا ساخطين على قتلته راغبين في الثأر والاقتصاص منهم؛ وقد ترامى إلى سمع ابن العاص أن عليا يأوي هؤلاء المجرمين ويمد لهم في نعمته ويضعهم من حزبه موضع القادة والرؤساء. . فلم لا يقال للشاميين أن معاوية يقبض يده عن علي لأن عليا يعين قتلة عثمان ويدعهم أحراراًطلقاء، بل لم لا يقال لهم أن مقتل عثمان قد صادف من نفس علي موقعاً طيباً؟. . بل لم لا يقال لهم أن علياً نفسه عمل على هذا القتل وعاون عليه لكي يصير الأمر إليه أخيراً؟. . ولم لا تلتمس البراهين على ذلك، وقد كان علي في المدينة ساعة قتل عثمان، وكان في ميسوره أن يمضي لنجدته فلم يمض. . . وكان الأمر لا يكلفه إلا مشية من داره إلى دار عثمان عطشان يجهده العطش. . . وعلي في داره روِىٌّ مسرور. . . بلى. . . وهذا ابن أبي بكر قاتل عثمان بيده مكرم من علي، أثير عنده، مقام على مصر واليا. . . بلى، والحق ابلج لا تنقصه البينة ولا يعوزه البرهان! للبحث بقية

стр. 10299

حسين مؤنس

стр. 10300

في الأدب الإنجليزي ٦ - الكائنات الغيبية في شعر بقلم خيري حماد تتمة البحث فلسفة الدينية: أن من الصعب علينا أن نرجع إحدى رواياته العديدة إلى أصل ديني صريح، ولكن هناك عدداً غير قليل من العقائد الدينية أودعها شكسبير ثنايا شعره ومؤلفاته، وتختلف هذه العقائد باختلاف الروايات التي ورد ذكرها فيها. ففي رواية الملك هنري الخامس نرى فكرتين دينيتين أودعهما الشاعر في روايته. وأولى هذه العقائد هي عقيدته في أصل خطأ الإنسان، وثانيتهما هي عقيدته في المعمودية. آما خطأ الإنسان فكان منشؤه تلك الخطيئة العظيمة التي اقترفها آدم أبو البشر. اجترم ذلك الجرم فتلوثت نفسه بتلك الخطيئة وكان جديراً بعد ذلك أن تتطهر نفسه مما لحق بها من الأدران، فأرسل الله إليه أحد الملائكة واخرج منه تلك الروح الطائشة ووضع بدلاً منها روحاً طاهرة نقية، وما اقتراف الناس للآثام إلا سير على السنن الذي اختطه والدهم من قبل واحتذاء لحذوه. وهناك عقيدة ثالثة أدرجها شكسبير في رواية هملت، فهو يعتقد أن الدعاء والابتهال إلى الله لا يصل إلى السماء إلا إذا كان صادراً عن نفس طاهرة وقلب صادق الإخلاص، وهذه حقيقة دينية تثبت أن شكسبير كان رجلاً ورعاً تقياً يؤمن بصدق النية وخلوصها من الرياء والنفاق. نظر شكسبير إلى هذا العالم الملئ بالشرور والموبقات نظرة احتقار وازدراء فكان دائم التوق إلى الخلاص منها والانتقال إلى حياة أروع منها وأطهر، وقد ذكر عقيدته هذه على لسان بطله هملت الذي كان يقصد الترفع عن الأمور التافهة الشريرة والسمو بنفسه في عالم أرقى، عالم ملؤه التقى والصلاح والسعي إلى ما فيه خير الناس. وفي رواية الملك يوحنا نرى شكا في عالم آخر يلقى الناس فيه أبنائهم وأصدقاءهم، ذلكم

стр. 10301

هو يوم البعث والحساب، وشكه هذا يظهر على لسان الأميرة كنستانس عندما تخاطب الكردينال قائلة: (أن كان حقا ما تقول عن وجود حياة أخرى مجتمع فيها بأصدقائنا فأني لا شك واجدة ولدي الذي فقدته في المهد صبياً). آما اعتقاد شكسبير في وجود الإله فكان عقيدة ثابتة لا شك فيها ولا مراء. فهو دائما يذكر الإله في عدد من رواياته وعندما يقصد إظهار أمر عظيم يقسم بالإله الأعظم الذي تطأطئ له جباه البشر؛ فهو يقول على لسان بانكو: (أني لأقسم إمام الإله القدير أن أحارب جميع المكائد التي يقصد منها خراب الأمة والبلاد). وفي رواية روميو وجولييت تظهر لنا عقيدته في المعمودية، فالإنسان إذا اقترف أمراً منكرا وجب عليه أن يتعمد مرة أخرى فيصبح كأنه حديث النشأة والولادة ويتخلص بواسطة ذلك مما لحقه من ذنوب ومعاص. واهم هذه العقائد الدينية الكثيرة التي ضمنها شكسبير رواياته عقيدتان: أولاهما حق الملك الآلهي، وثانيتهما عقيدة تناسخ الأرواح؛ وقد ذكرت العقيدة الأولى في موضعين من روايات شكسبير: أحدهما في رواية الملك ريشارد الثاني عندما يهتف الملك قائلا: (أن جميع مياه المحيطات لعاجزة عن أن تمحو الزيت المقدس عن الملك المنصب من قبل الآلهة). والآخر في رواية مكبث عندما يتقدم الطبيب إلى مالكولم بقوله واصفا الملك القديس: (ولمسة من يده التي وضع فيها الإله قدسية وطهارة لم يضعهما في غيره كانت كافية لان تشفى المرضى والمصابين). من هاتين الفقرتين يتبين أن شكسبير كان يؤمن بحق الملك الآلهي، وانهم نفر من الناس اختارهم الله لإدارة شعوبه، فعليهم طاعتهم وتنفيذ أوامرهم. وليس من العجيب أن يعتقد هذا الاعتقاد وقد وجد في عصر سادت فيه هذه العقيدة وآمن بها الناس على اختلاف ملكهم ونحلهم، ولم تكن لأفكار الحرّة قد انتشرت بعد، بل كان الناس يفضلون كل ما هو قديم موجود. وأما العقيدة الثانية كما ذكرنا فهي عقيدة تناسخ الأرواح، وهذه تؤلف قسما من النظرية المعروفة لدينا بنظرية فيثاغورس التي تقول بانتقال بعض الأرواح من أجسادها إلى أجساد أخرى، فروح الرجل التقى الورع تنتقل إلى جسد كريم تحل فيه وتتخذ منه مكاناً لأقامتها،

стр. 10302

وأما روح الرجل الشرير فتحل في جسد أحد الحيوانات الشريرة؛ وقد ذكر شكسبير هذه العقيدة في (الليلة الثانية وفي تاجر البندقية، وفي كل من هذين الموضعين ينظر شكسبير إلى هذه العقيدةنظرة استخفاف وازدراء، فهو يقول على لسان كراشيانو في الرواية الثانية: (انك لتجعل من عقيدتي موضعاً دائماً للشك فيسهل علي حينئذ الاعتقاد بنظرية فيثاغورس التي تقول بانتقال أرواح الحيوانات إلى أجساد البشر). وفي رواية (الليلة الثانية عشرة) نرى حواراً بين المهرج وبين مالفوليو. واليك نصه: المهرج: (ما هي نظرية فيثاغورس؟) مالفوليو: (أنها تعني انتقال روح جدتي إلى جسد أحد الطيور) المهرج: (ماذا تعتقد في هذه الفكرة؟) مالفوليو: (أني للأنزَّه الروح أن تنزل إلى هذا المستوى ولذلك فآني اعتقد بأنها نظرية خاطئة) المهرج: (وداعاً يا صاح! لتبق على جهلك، وستعتقد بهذه العقيدة قبل أن أعيد إليك عقلك، وعندئذ ستتردد في ذبح أحد الطيور مخافة أن تحل روحه محل روح جدتك) من هذا الحوار يتبين أن شكسبير كان يستهزئ بهذه العقيدة وينظر إليها نظرةاحتقار وازدراء؛ فعقائده الدينية لا تسمح له بهذا التفكير، ولذلك كان جديراً به أن يوليها ظهره وألا يهتم اهتماماً جدياً. وقبل أن اختم هذا البحث في فلسفة شكسبير الدينية أورد ما قاله جبسن عنه: (إن الاحترام الزائد الذي أبداه شكسبير في رواياته نحو الديانة المسيحية الأساسية لتجعلنا أميل إلى الاعتقاد في نصرا نيته لولا عدم وجود أحد الأدلة لنثبت لنا انه كان مسيحياً صادقاً) ولكنه لم يكن يوماً ما معتقداً بجميع الاعتقادات التي آمن بها أهل عصره. نعم لقد عاش مسيحياً ومات مسيحياً، ولكنه اظهر في بعض الأمور شكا وتساؤلاً عن صحتها وصدقها. نعم كان شديد الاحترام للكنيسة وعقائدها ولكنه خالفها في كثير من المواضع. خاتمة: لو تتبعنا نظريات شكسبير في الأمور المغيبة التي ذكرناها سابقاً لرأينا الاهتمام الذي أبداه نحوها، نعم عاش في عصر سادت فيه الخرافات والأوهام، ولكنه تطلع بعين ثاقبة فرأى

стр. 10303

أشياء كثيرة يعجز الرجل العادي عن رؤيتها. كانت له القدرة الكافية على تفهم الأشياء المغيبة ففهمها بطريقة تخالف الطريقة التي فهمها الغير. ولم تكن العقائد الشائعة المصدر الوحيد الذي اعتمده شاعرنا في أبحاثه عن المغيبات، بل كانت هناك مصادر أخرى من الفلسفة الرومانية والإغريقية القديمة مضافا إليها الابتكار الذي أوجده شكسبير دون أن ينقل عن غيره. سمع بأذنه ما يدور بين الناس من هواجس وأوهام فجمعها في شعره إلى ما نقله عن مخلفات السلف وأخرج منها روائع تعد من أعظم مبتكرات الأدب، وأخص بالذكر منها رواية (حلم منتصف ليلة من ليالي الصيف). وأما الشبح في رواية هملت فيحوي نوعين من الأشباح أحدهما كان من ابتكار الشاعر العبقري والآخر مما نقله عن سابقيه من الكتاب الذين رووا حادثة الأمير هملت بشكل قصصي. وأما ساحرات مكبث فقد اقتبسها شكسبير عن ويتبين لنا هذا مما قال في هولنشد: (بينما كان مكبث راجعاً إلى العاصمة إذا به يصادف ثلاثاً من النسوة وقد ارتدين ألبسة تشبه ما كان يرتديه النساء في ذلك العصر)؛ وأما شبح بانكو فهو ابتكار ابتدعه الشاعر العظيم؛ وأما رواية العاصفة فيغلب على الظن أنها الأولى من نوعها، وذلك لعدم وجود من كتب في موضوعها من الشعراء والكتاب الذين دونت كتبهم في السجلات وكتب القصص والتاريخ. تقع حياة شكسبير بالنسبة إلى بحثه في المغيبات في أربعة أطوار: الطور الأول منها هو طور ظهور روايته (حلم في منتصف ليلة من ليالي الصيف) فاستعماله للجنيات مبتكر ومحدث. . وهو سلس في كتابته بعيد كل البعد عما يرهق الذاكرة ويمل القارئ. وقد وصف كلارك كتابه هذا بقوله: (أن استعمال شكسبير المغيبات لأول مرة لمما يدل على سروره ومرحه: فكل روايته هذه ملأى بالبهجة والحبور، ويندر أن تجد هنالك ما يكدرك إلا ما يقع في الأسطر القليلة التي بحثت في الأشباح). وأما الطور الثاني من أطوار تأليفه فهوة الدور الذي ظهرت فيه روايته الثانية هملت؛ وفي هذه الرواية التمثيلية نشعر بالأرواح والأشباح تتصل ببني البشر اتصالاً لا يكاد يكون تاما، فان هذه القوى الخفية لا تستطيع أن تؤثر في مجرى حياة الإنسان وتحوله في الجهة التي تريدها، ولا يقوم الشبح في هذه الرواية بأي عمل من الأعمال إلا إذا كان بطريق وسيطه؛

стр. 10304

وكان شكسبير في هذا الطور قد بلغ الثلاثين من سنه وبدأت نظرته في الحياة تتحول من تفاؤل إلى تشاؤم وأخذت الأفكار والظنون تنتابه فتجعل منه عرضةً دائمة للتفكير والتخيل، فاعتقد أن وراء الإنسان قدر يسيره حسبما يريد، وما الإنسان إلا فريسة لهذا القدر الغاشم. والطور الثالث ينتهي بإخراج مكبث. ازدادت هذه المخلوقات المغيبة ولكها عاجزة عن إيقاع الضرر بالناس مباشرة ودون أية واسطة، ولم تكن كلمات الساحرات الحقيقة إلا صدى يردد ما كان يدور في خلد بطل الرواية، وكان شكسبير يشعر بالشرور والموبقات تحيط به من كل جانب فأظلم أفكاره وتناوبته الهواجس المختلفة، واصبح في خوف مستمر من هذه القوى الخفية التي تقوم بأعمالها تحت ستار من الظلم والخفاء. وهنا يصل إيمانه بالخرافات إلى القمة ويصبح شكسبير مؤمنا مصدقاً لكل ما يقال له عن هذه الأمور المخيفة المرعبة. وفي الطور الرابع أو الأخير نراه يخرج للناس رواية العاصفة وفيها يسترد رباطة جأشه وقوة عقيدته فيرجع إلى أفكاره المرحة الطلقة مرةً ثانية. فما الأرواح والقوى الخفية إلا عبيد يستخدمها الإنسان في مهامه وأغراضه، وليس لها من القوة والسلطة على شئ؛ وفي هذه السنوات الأخيرة يصل خياله الابتداعي أقصى غايته. فيشعر بحقيقة الوجود وطبيعة الأمور دون أي ستار أو غطاء. وقد تخلص شكسبير من هواجسه ومخاوفه وعاد مرة ثانية إلى مرحه وسروره الذي أظهره في صورته التي صورها للجنيات فانطلقت مخيلته في الفضاء مجتازة جميع العوائق من عقائد وأفكار رجعية. وسجلت في روايته الأخيرة نتيجة عبقريته ونبوغه. وفي كل من هذه الأطوار الأربعة رأينا شكسبير يتخذ مواضيعه مما كان يدور في خلده من المسائل والمشاغل العقلية، فهي مفكر واسع التفكير، مصور حسن التصوير، وشاعر خصب الخيال؛ تجلى تفكيره في كل هذه الأمور العقلية التي بحثها، وظهر تصويره في هذه الرسوم الرائعة التي رسمها لمخلوقات خيالية بأبدع تكوين واحسن تصوير. نابلس - فلسطين خيري حماد

стр. 10305

١٤ - شاعرنا العالمي أبو العتاهية للأستاذ عبد المتعال الصعيدي تتمة محاسنه ومآخذه: إذا كان لأبي العتاهية ذلك الفضل في الشعر العربي بطريقته الجديدة التي أحدثها فيه، وتوخيه فيه السهولة التي تجعله قريب النفع، وتجعل منه أداة صالحة لتقويم الشعب، فانه كان أحياناً يفرط في هذه السهولة، فينزل فيها إلى اللغة الدارجة، والواجب أن يتوسط في ذلك ويسلك في الشعر لغة بين هذه اللغة ولغته القديمة الجافة؛ ومما يؤخذ عليه من ذلك قوله: إلا يا عُتْبَةُ الساعَهْ … أموتُ الساعَةَ الساعَهْ وقد قيل لأبي برزة الأعرابي أحد بني قيس بن ثعلبة: أيعجبك هذا الشعر؟ فقال: لا والله ما يعجبني، ولكن يعجبني قول الآخر: جاء شقِيقٌ عارضا رُمحَهُ … أن بني عمك فيهم رماحْ هل احدَثَ الدهرُ لنا نكبةً … أم هل رَقتْ أمُّ شقيق سلاح أي نفثت فيه حتى لا يعمل شيئاً. ولا يفوتنا أن نأخذ على هذا الأعرابي أن هذا الشعر لا يصح أن يذكر مع ذلك الشعر، ولكن يجب أن يذكر معه غزل من نوعه، وفي معنى يمت بسبب إلى معناه، لتكون الموازنة صحيحة بينهما، وتظهر الفروق بين الشعرين تمام الظهور. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وكان ممن ينكر على أبي العتاهية: أنكر الرشيد علي طعني على أبي العتاهية في شعره، فقلت يا أمير المؤمنين هو أطبع الناس، ولكن ربما تحرف، أي شئ من الشعر قوله: هُوَ الله هُوَ الله … ولَكِن يغفر الله وقال أبو عبيد الله المرزباني: ومما أنكر على أبي العتاهية من سفساف شعره قوله في عتبة:

стр. 10306

ولَّهَني حبُّها وصيرني … مثل جُحى شهرة ومشخلَبَهْ وقوله: يا وَاهَا لذكر الل … هـ ياوَاهَا ويا وَاهَا لقد طَيَّبَ ذكر الل … هـ بالتسبيح أفواها أرى قوماً يتيهونَ … حُشوشاً رزقوا جاها فما أنْتنَ من حُش … على حُش إذا تاها وقال علي بن أبي المنذر العروضي: لما مات سعيد بن وهب الشاعر حضر أبي جنازته، وحضرها الفضل بن الربيع، وكان قد ظهر أيام المأمون، فلما دفن أثنى عليه الفضل، وأقبل على أبي العتاهية يحدثه انه أودع القضاة والعدول أموالا فما وفوا له، وانه أودع سعيد بن وهب مالا فوفى به، فقال أبي لأبي العتاهية: ألا ترثيه؟ قال: بلى، قال أبي: ثم صرت بعد أيام إلى الفضل ابن الربيع فأخرج إليّ رقعة، فقال: اقرأ مرثية أبي العتاهية لسعيد بن وهب، فإذا فيها: مات والله سعيدُ بن وهب … رحم الله سعيَد بن وهب يا أبا عثمان أبكيتَ عيني … يا أبا عثمان أوجعت قلبي فقلت ما ادري ما أقول؟ فقال الفضل: أبو العتاهية بأن يرثى في حياته أولى من سعيد بعد موته، قال الصولي: وله شبيه بهذا في محمد بن يزيد المسلمي: قد مات خِلي وأُنسي … محمد بن يَزِيدِ ما الموتُ والله منا … خلافه ببعيد قال أبو عبيد الله المرزباني: وقوله في مرثية عيسى بن جعفر أشبه بقوله في سعيد بن وهب مما ذكره الصولي وهو: بكت عيني على عيسى بن جعفر … عفا الرحمن عن عيسى بن جعفر ويمكن أن يعتذر عن هذا وأشباهه بأنه مما كان يقوله أبو العتاهية في حديثه السائر ولا يريد به الشعر، وقد روى أبو الفرج رثاءه لسعيد بن وهب بطريق آخر فقال: اخبرني علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن مزيد، فال: حدثت عن بعض أصحاب أبي العتاهية، قال: جاء رجل إلى أبي العتاهية ونحن عنده فساره في شئ فبكى أبو العتاهية، فقلنا له: ما قال

стр. 10307

لك هذا الرجل يا أبا اسحاق فأبكاك؟ فقال وهو يحدثنا لا يريد أن يقول شعراً: قال لي مات سعيد بن وهب … رحم الله سعيد بن وهب يا أبا عثمان أبكيت عيني … يا أبا عثمان أوجعت قلبي قال فعجبنا من طبعه، وانه يحدث فكان حديثه شعراً موزونا، وإنا نرجح هذه الرواية بورودها عمن شاهد هذا الشعر حين يقال وعاينه بنفسه، ولعل الفضل غير فيه هذا التغيير، ثم رواه بذلك الشكل ليزري به على أبي العتاهية بعد أن فسد ما بينهما على ما ذكرنا ومما أنكر على أبي العتاهية قوله: حلاوةُ عيشك ممزوجةٌ … فما تأكل الشهد إلا بسَم فالمعنى صحيح لأنه جعله مثلا لبؤس الدنيا الممازج لنعيمها، والعبارة غير مرضية، لأنا لم نر أحداً أكل شهدا بسم، وأجود من قوله لفظاً، وأصح معنى، قول ابن الرومي: وهل خُلةٌ معسول الطعم تجْتَنى … من البيض إلا حيثُ واشٍ يكيدُهَا مع الواصل الواشي وهل تجْتَنِى يَدٌ … جَنَى النحل إلا حيثُ نحْلٌ يذُودُها وأنكر عليه أيضاً قوله: يا ذا الذي في الحب يَلحَى أمَا … والله لو كُلِّفتَ منه كما كلفتُ من حبْ رخيم لَمَا … لمتَ على الحب فذرني وما ألقى فإني لستُ أدري بما … بُلِيتُ إلا أنني بينما أنا بباب القصر في بعض ما … أطوف في قصرهم إذ رَمَى قلبي غزالٌ بسهام فما … أخْطَأ بها قلبي ولكنما سهماه عينان له كلما … أراد قتلي بهما سَلمَّا فانه من الشعر المضمن، والتضمين عندهم عيب شديد في الشعر، وخير الشعر عندهم ما قام بنفسه، وخير الأبيات ما كفى بعضه دون بعض، مثل قول النابغة: ولست بمستبق أخاً لا تَلمهُ … على شعثٍ أيُّ الرجال المهذَّبُ فلو تمثل إنسان ببعضه لكفاه، إن قال (أي الرجال المهذب) كفاه، وان قال (ولست بمستبق أخا لا تلمه على شعث) كفاه، وقد سبق أني لا أرى رأيهم في عيب هذا التضمين، ولست

стр. 10308

أدري لماذا لا نجيز في الأسلوب تفصصي هذه القطعة الشعرية البارعة المتماسكة، فيكون لنا من تماسكها وحدة شعرية ملائمة لوحدة قصتها، كما يكون لنا في الحكم ونحوها أبيات مستقلة، فيها يقوم كل بيت منها حكمة قائمة برأسها. أما محاسنه وعيون شعره فنذكر منها ما اثر عنهم، واستحق به التقديم عندهم، قال موسى بن صالح الشهرزوري: أتيت الخاسر فقلت له أنشدني لنفسك، قال لا ولكن أنشدك لأشعار الجن والإنس، لأبي العتاهية، ثم أنشدني قوله: سكنٌ يبقى له سَكنُ … ما بهذا يؤذن الزَّمَنُ نحن في دار يُخَبّرُنا … ببَلاهَا ناطق لَسِنُ في سبيل الله أنفسُنَا … كلنَا بالموت مُرْتهَنُ كلُّ نفس عند ميتها … حَظُّها من مالها الكفن أن مَالَ المرء ليس له … منه إلا ذكرُهُ الحسن وقال بشار لأبي العتاهية: أنا والله استحسن اعتذارك من دمعك حيث تقول: كم مِنْ صديق لي أُسَا … رِقُهُ البكاَء من الحياءِ فإذا تأمل لامَنِي … فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبتُ لأرتدي … فطرفتُ عيني بالرداء فقال له أبو العتاهية: لا والله يا أبا معاذ ما لذت إلا بمعناك ولا اجتنيت إلا من غرسك حيث تقول: شكوت إلى الغواني ما ألاقي … وقلت لهن ما يومي بَعِيد فقلن بكيتَ قلتُ لهن كلا … وقد يبكي من الشوق الجَلِيد ولكني أصابَ سوادَ عيني … عُوَيْدُ قَذَى له طَرفٌ حديد فقلن فما لدمعهما سواء … أكِلْتَا مقلتيك أصاب عود وقال أبو سلمة الباذغيسي: قلت لأبي العتاهية في أي شعر أنت أشعر: قال قولي: الناسُ في غَفَلاتِهمْ … وَرَحا المنية تَطَحنُ وقال الفضل بن البيع لأبي العتاهية: يا أبا إسحاق ما أحسن بيتين لك وأصدقهما! قال قولك:

стр. 10309

ما الناس إلا للكثير المال أو … لَمُسَلُّطٍ ما دام في سلطانه فإذا الزمان رماهما بِبَلِيَّةٍ … كان الثِّقَاتُ هناك من اعوانه وقال عبد الله بن الحسن بن سهل الكاتب: قلت لأبي العتاهية أنشدني من شعرك ما يستحسن فأنشدني: ما أسْرَع الأيام في الشَهْرِ … وأسرع الاشهُرَ في الْعُمْر ليس لمن ليست له حيلةٌ … موجودةٌ خير من الصبر فاخْط مع الدهر إذا ما خَطا … واجْر مع الدهر كما يجري من سَابَقَ الدهر كَبَا كبوة … لم يُستَقُلْها آخر الدهر وقال أبو تمام الطائي: لأبي العتاهية خمسة أبيات ما شركه فيها أحد، ولا قدر على مثلها متقدم ولا متأخر، وهي قوله: الناسُ في غَفَلاتِهمْ=ورحا المنية تطحنُ وقوله لأحمد بن يوسف: ألم تر أن الفقر يُرجَى له الغنى … وأن الغني يخْشَى عليه من الفقر وقوله في موسى الهادي: ولما اسْتَقَلوا بأثقالِهمْ … وقد أزمعوا للذي أزمعوا قرنتُ التفاتي بآثارهم … وأتبعتهم مُقْلةً تدمع وقوله: هب الدنيا تصير إليك عَفْواً … أليس مصير ذاك إلى زَوَال وقال العتبي: رؤى مروان بن أبي حفصة واقفا بباب الجسر كئيباً آسفاً ينكت بسوطه في معرفة دابته، فقيل له يا أبا السمط ما الذي تراه بك؟ قال أخبركم بالعجب: مدحت أمير المؤمنين فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفيها، ووصفت الفيافي من اليمامة إلى بابه أرضاً أرضاً، ورملة رملة، حتى إذا أشفيت منه على غناء الدهر، جاء ابن بياعة النخاخير - يعني أبا العتاهية - فانشده بيتين فضعضع بهما شعري، وسواه في الجائزة بي، فقيل وما البيتان؟ فأنشد: إن المطايا تشتكيك لأنها … تطوى اليك سباسباً ورمالا

стр. 10310

فإذا رحلن بنا رحلن مخفَّة … وإذا رجعن بنا رجعن ثقالا وهذا قليل من كثير من عيون شعر أبي العتاهية، وديوان شعره في جزأين كبيرين أولهما في الزهد، وثانيهما في الأغراض الأخرى، وقد جمعه أحد القسوس اليسوعيين نقلا عن رواية النمري وكتب مشاهير الأدباء كالأصفهاني والمبرد وابن عبد ربه والمسعودي والماوردي والغزالي وغيرهم، وهو مطبوع في بيروت سنة ١٣٠٥هـ سنة ١٨٨٦م. وليس في هذا الديوان كل شعر أبي العتاهية، لأنه كان أحد ثلاثة لم تمكن الإحاطة بشعرهم لكثرته، وهم بشار والسيد الحميري وأبو العتاهية، وكان في هذا أكثرهم شعرا، ولعلنا بما كتبناه في حياته وشعره نكون قد قربناه لمن يجهله أو يجحد به، وقدمنا للأدباء مثلا من الشعر لنبيل الذي يجب أن ينسجوا على منواله. عبد المتعال الصعيدي

стр. 10311

الرأي للشاعر الراوية الأستاذ أحمد الزين سأحمل في الرأي مَضَّ الألم … واصبر للخطب إما ألمّ واحمل نفسي على مُرّها … إذا ضامها ما يضيم الكرم ولا اشتري كل هذا الوجود … ولا العيش فيه ببعض الشمم وازهد فيما بناه الرياء … واصدع بالرأي مهما هدم فأهونْ عليّ بدنيا النفاق … وجاه يُنال ببيع الذمم هو الرأي روحك فاحرص عليه … فما بعد روحك غير العدم وحكم القلوب بإلهامها … وما اصدق القلب فيما حكم فلا تطلبن وداد الصديق … بمدح تزوِّره أو بذمّ فإن اللسان رسول القلوب … يحدّث عنها بلا أو نعم وإن العقيدة عِرضٌ فصنه … إذا كنت ممن يصون الحُرَم سَرت في فؤادك مسرى الدماء … فلا تبذل الدم إلاّ بدم أمانة ربك في خلقه … فمن كتم الحق فيها ظلم وميثاقه قبل خلق الجسوم … تلقّته أرواحنا في القِدم بها رفع الله تلك النفوس … وميّزها عن سوام النَّعم فلا تغبطنَّ أخا حظوة … فما نالها برخيص القيم ولكنه باع فيها الضمير … وألقى العقيدة تحت القَدم وساوم بالنفس فعل البغيّ … رمت بالحياء ابتغاء اللقم وكم اسخط الحق في موطن … وكم البس النور ثوب الظلم تكاد مظاهره الخالبات … تشف لعينيك عما طوى من تُهَم ويوشك منظره المجتلي … يحدّث عما طوى من تُهَم فلا تغترر ببهاء الوضيع … فكم من حذاء صقيل الأدم وعش العقيدة عيش الكرام … ومت رجلا تحت هذا العلم ولا تعتدد بالأُولى خالفوك … وكن أمماً أن عصتك الأمم

стр. 10312

أحمد الزين

стр. 10313

الجبل (ذكرى) للأستاذ عبد الرحمي شكري جلالك أهدى من ضياء المناثر … ومنبرك الأعلى اجل المنابر لقد كنتَ عرشَ المجد في الأرض عزة … ومسكن أرباب الدهور الغوابر فيامعبداً سقف السماء غطاؤه … وعمدانه الدوحات ملء النواظر جلالك يُلْهِي المرَء عن كل زائل … فيخشع مسحور النهى والضمائر توحدت كالرهبان يا رُبَّ راهب … رأى عصمةَ الأطواد طهرَ السرائر تُطِلُّ على السهل الفسيح كأنما … تُفَكِّرُ في عيش القرى والعمائر أَلَا أنِّ للأهرام مجداً وروعةً … ولكنها أنْ لُحْتَ لهْو الأصاغر فأنت بِنَاءُ الله لم يبنِ مثلَه … قديرٌ ولم تعبث به يدُ جائر ومعتصم في معقل منك مانع … كما اعتصم الملاَّح بين الجزائر عَلَوْتَ براسٍ في السماءِ مُبَاعِدٍ … أَكَيمْا تناجي السحب أم كبر قادر؟ وينساب فيك الماء جذلان لاهياً … وآناً له روع كروعة هادر عليك اعتراكٌ للعواصف رائع … وبرقٌ ورعدٌ طيَّ سُحْبٍ مواطر وأنت وَقُورٌ لم تُرَعْ من رعودها … ولم تتهَّيبْ دورةً للدوائر يُغَيِّر مَرُّ الدهر حياً وهامداً … سواك فهل أوقفت خطو المقادر فيا مَلِكاً بُرْدُ الجليد كساؤه … ومِنْ فوقه تاج النجوم الزواهر تشاهد جيلاً بعد جيل كأنما … تمر بك الأجيال مَرَّ العساكر ترى مولد الدولات ثم مماتها … وتبصر مجد اليوم بعد الغوابر خلطتُ بك النفسَ الطَّموحَ إلى العلا … ومرأى جلالٍ منك ملءُ الخواطر عبد الرحمن شكري

стр. 10314

عذراء الهوى بقلم سليم الزركلي هدأ الشاعر في خلوته … وانثنى يقرأ أسفار الحياةِ فتجلّى الشك في صورَتِه … كوميض البرق بين الظلماتِ زهرة لم تتفتح للهوى … كالملاك الطفل في مهد الدلال لمست وجنتها بنت الندى … فأضاء النور مصباح الخيال بسم النور على أجفانها … فتجلى في معانيها الأمل وارتمى البشر على أحضانها … غارقاً في أغاريد القبل قبلتها الشمس في وجنتها … فنما في ِدفئها وَرد العفاف وحنا البدر على طلعتها … فحلا للعين والقلب المطاف يا ملاك الحب في المهد ويا … شعلة الإلهام والوحي المصون يا ضياء النفس في النفس ويا … غاية الحسن وتمثال الفنون منية منيتها القلب اللهيف … فغدا في صبره يلقى العذاب بسمةً واحدة يهْدَ الوجيف … وافتراراً عن ثناياك العِذاب في حنايا النفس آمال جسام … تتلوى كأفاعي الهاجره أطفئِي غلتها بالابتسام … وبإغضاء الجفون الساحره ما لهذا الكون معمور الجناب … وفؤادي في سراه حائر فإذا ما مزّق الدهر الإهاب … ماالهوى؟ ما العيش؟ جَدٌّ عاثر! عاشق الزهر في ميعتها … يحتسي في الكأس معسول الرُّضاب إنه يقطف في صورتها … بهجة الدنيا وأحلام الشباب فإذا قبل خدّ الزهَرات … وهي سكرى كالعيون الناعسه سمع القلب شجيّ النغمات … فهفا وهي تغني هامسه: (أنت لاتبصرني بعد غدِ … سوف يجلوني عن الغصن القدر فتمتع من جمالي وأسدد … ولتمثلني خيالات الفكَر لاتُضع أيامك الغرّ سدى … واتخذني مثلَا تنشده

стр. 10315

يذهب العمر هباَء بَدَداَ … أن تولى عنه من يسعده يا نسيم الروض خفف وطأتك … لم اعد أستطيع حمل النغمات سر على مهل وخفِّف حدتك … أصبحت تؤذَي خدودي النسمات واحنُ يا طيف على أحلامنا … وابتسم تشرق أزاهير السعود واسر ممراحاَ على أيامنا … بنشيد من أناشيد الخلود) فانحنى يغمرها بالقبلات … ويواري في حناياه دموعهْ وَدَّ لو ينفحها روح الحياة … حانياً فوق أمانيها ضلوعه طهِّري القلب بحب وغرام … ودعي الأيام في غفلتها أنت أن أيقظتها جَدَّ الخصام … وتداعى العمر في يقظتها واغنمي اللذات في أوقاتها … وارتعى مثل فراشات الربيع واعطفي القلب على باقتها … إنها تحنو على الطفل الوديع دمشق سليم الزركلي

стр. 10316

الزَّوَاجُ رَأَيْتُ زَوَاجَ الْمَرْءِ أَسْعَدَ حاَلَة … مِنَ الْمُكْثِ بَيْن النَّاس وَهْوَ فَرِيد شَرِيك الْفَتَى فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ زَوْجُهُ … فَكَيْفَ يَعِيشُ الْمَرْءُ وَهْوَ وَحِيدُ وَلَوْلَا زَوَاجُ النَّاسِ في الْكَوْنِ لانْقَضَى … وَلَا كانَ للإنْسَانِ فِيهِ وُجُودُ يُخَلدُ ذِكْرَ الْمَرْءِ فِي الدَّهْرِ نَسْلُهُ … وَمَا لامْرِئٍ فِيهِ سِوَاهُ خُلُودُ (بيبان) عبد الهادي الطويل

стр. 10317

الوداع بقلم الياس قنصل يا قلبُ لا تجنحْ إلى الش … شَكوى فتؤلمك الكِلامْ ودع الكآبةَ فالشبا … ب إذا انقضى لا يرجع وتأمّل الدنيا، فقد … أبدى هناها الابتسام والناس ترفل بالمسر … رة والطبيعة تسمعٌ لحناً أثيريّ الجما - ل يعيد أنباض الأمَلْ أن كان أحزنك التأه … بللوداع فما العمل والدهر لا يرثى واح … كام القضا ليست تُرَدُّ؟ أنا لا ألومك يا فؤا … د إذا عراك الاضطرابْ فقد جرعتَ - وانتفي … عهد الصبى - كأس النوى وخبرت أدواَء البعا … دِ وما تجرّ من العذابْ فاصبر على جور الزما … ن، ولا تهبْ منهم الجوى فالصبر ينفث في الحيا … ة الانشراح والابتهاجْ لا تيأسنَّ، فقد يرو … ق البحر من بعد الهياجْ ولربما انجلت الغيو … م عن السما وبدا القمرْ. . . (عاصمة الأرجنتين) الياس قنصل

стр. 10318

القصص صور من هوميروس ١٥ - حُروب طَرْوَادَة صلح. . . للأستاذ دريني خشبة أشرقت الشمس أو كادت، وبدت ذيتيس تتهاوى في الأفق الغربي فوق الشبح، وهرعت عرائس الماء وعذارى البحر تحييها وتنشد لها الحان الفجر، ظلّها الندى. . . وكانت تتأوّد تحت حملها الثقيل، فما إن بلغت سفينة أخيل حتى ألقت بالدرع المسرودة، وحتى هب ولدها يحييها بعين شَكْري، ومهجة حَري، وقلبٍ مُوجع حزين. ما يزال جالساً أمام جثة بتروكلوس يبكيها، ويكلم فيها الإخاء والوفاء، ويناجي في لفائفها الود والولاء، وكان ما يزداد إلا لوعة، وكان ما يزداد إلا أنيناً! وحنت عليه أمه تواسيه؛ ثم لفتته إلى الدرع والخوْذة، فحدجهما بنظرة قاتمة، وشكر لها هدية فلكان، ثم أوصاها بالجثة خير ما يوصى به الصديق. . . (ذودي الذباب فلا يمسها يا أماه، وارفعي عنها أذى أسرابه، واسقيها من المعتقة الصفراء، حتى تأذن الآهة فأعود إلي بتروكلوس بثأره. . . . . .) وانطلق في غبشة الصبح يطوف بمعسكر الهيلانيين، داعياً إلى مجلس حربي. وكان يهتف بالجند النائم هُتافاً عالياً، فينتفض المقاتلون وقد خفقت قلوبهم، واهتزت جوانحهم، وفاضت عبراتهم من الفرح للقاء أخيل! وكان أجمل ذلك جميعاً أن ينهض اوليسيز متهالكا إلى نفسه، وديوميد مترنحاً في عطفه، ونسطور مرتجفاً كأنه في يوم حشر،. . . و. . . اجممنون، كان الحياء والحجل يصبغانه بحمرة الجحيم!!. . . . . . . لقد كانت جروح القادة انطق برهان على ما جرّت تلك الخصومة الوضيعة بين اجاممنون وأخيل من هزيمة للجيش، وضياع للجهود، وعبث بآمال أمة ترقب أبناءها من وراء البحار! وانتظم عقد القادة، ووقف أخيل يتكلم، فأرهفت الآذان، وصغت القلوب، وتحركت

стр. 10319

الألسن تبحث عن بلل من الريق تبتلعه: (أين أتريوس العظيم) (أخي في الوطن) (يا أمير هذه الجيوش الغازية) أرأيت؟! أي جدوى عادت عليّ أو عليك من هذه القطيعة التي أججت نارها، واندلع بيني وبينك أوارها، وأي غنم أفدت من شحناء لم تكن بعظيم بن عظيم، بل سليل آلهة عظماء؟! ألا ليتها أودت تلك الفتاة التي أثارت كل تلك العداوة، وأغرت جميع تلك البغضاء بيننا! أي وأرباب الأولمب، ليتها أودت يوم غنمناها من مدينة ليرناسوس، حتى لا تفرح طروادة بما تم لها من نصر، وما حاق بجحافلنا من خذلان، لم يكن شئ منه يقع لولا ما أثارته بريسيز بيننا! ولكن لا! فالفتاة نقية وطاهرة وبريئة، لأنها لا تزر وازرة وزر أخرى؛ ولكننا، معشر الهيلانيين، ينبغي أن نذكر أبداً أن لنا ثأراً عند هؤلاء الطرواديين، لا محيص لهم من أن نأخذهم به، وان نطلبه عندهم، فلا نرتد عينهم حتى يُدال لنا منهم، وتكون لنا الكرة عليهم حين يظفرنا اتحادنا بهم. . . لنكبح جماح نفوسنا إذن! وليطفئ كل من غيظه في سبيل هيلاس؛ ولتندمل تلك الجراح التي تفثأ قلوبنا فتكاد تقضي على آمال أمة؛ وتطيح بأماني الوطن! اجاممنون! بن أتريوس العظيم! تلك يدي أضعها في يدك، عهداً مخفوراً وذمةً وفيةً، ألا ندع أهواءنا تهدم ما طمحت إليه نفوسنا من قبل، وان نكون من الساعة يدا على عدونا، وإلباً واحداً. . . . . . . . . . . . . . . والويل بعدها لمن يجرؤ من جند طروادة أن يتصدى لنا، أو يجازف بنفسه أمامنا. . . . . هذا رمحي! وتلك قناتي! ويا طالما قد ظمئت آلي الدماء. . . . . . . . . .!) وتدفقت الدماء في عروق القادة، وشعروا كأن السماء ترفعهم إليها فتطهرهم وتزكيهم، وتعود بهم إلى الثرى قوماً آخرين! ونهض أجاممنون من مكانه، ولم يستطع أن يتقدم إلي مكان الخطابة، فقال: (أيها الأصدقاء!

стр. 10320

يا أبطال هيلاس! يا وزراء مارس! لست ادري ما أقول ردّاً على أخيل العظيم، بيد أنني سأفتح له قلبي، واكشف لكم أمامه عن سريرتي، وسيد الأولمب على ما أقول وكيل! أبداً والله ما كنت سبب هذه المأساة التي أغرت بيننا العداوة، وأججت نيران هذه البغضاء! وأبداً والله ما آثرت أن يكون بيننا ونحن في هذا الأمر ما نحن، شئ من تلك القطيعة التي دفعنا ثمنها غاليا: أرواحاً مطهرة ودما زكياً وشبابا أنظر الشباب!! أبداً والله ما أثرت من ذلك شيئاً قط؛ ولكنها المقادير، ومشيئة سيد الأولمب، وهذه الربات الغالبات (ارينيس) اللائي تحالفن علي، فغشّين بصيرتي، وأذهلنني عن نفسي، فأتيت ما أتيت على غير وعي مني، ولا هدى ولا برهان مبين!. . . ولقد ثاب إلى رشدي، وارتفع الحجاب عن بصيرتي، ساعة إذ أبصرت هكتور يأخذ جموعنا فيحصرهم بينه وبين البحر، كأشد ما يكون حصار بين موتين! عندها، ذكرت أخيل! وذكرت أنني آثم في حق أخيل، وان أخيل لو كان في هذه الحلبة لما ملك هكتور رشاده، وما ملكت رجلاه أن تحملاه! فزاغت عيناي، واستبنت ضلالتي، واستغفرت الآهة من أجل آثامى! أخيل: ما أعظمك حين نسيت غضبتك، وسعيت إلى خصمك، ومددت إليه بيمينك من اجل الوطن! مرحبا بك يا أخي؟ ومرحبا بصلح يغسل الضغن، ويذهب بالجفوة، ويرأب ما أنصدع من شملنا جميعا! على أنى أرى أن أمهر صلحي وأؤكد محبتي، ياللهي الغالية، والهدايا العالية، وبكل مذخور ثمين؛ فهلم يا ابن بليوس هلم؛ هيئ الصفوف وجيّش الفرق، حتى أعود إليك بتذكاراتي. . .) وأبى أخيل أن يلهو أحد في تلك الساعة، أو يشتغل إلا بالحرب. والاستعداد ليوم الفصل؛ فشكر اجاممنون، ورجاه أن يلبث معه حتى يأخذ كل عدته؛ ولكن اوليسيز الجريح يتدخل، ويرجو أن ينطلق اجاممنون فيأتي بالعطايا واللهى،. . . وبالغادة المفتان، بريسيز، فتنة الفتن، ونادرة الجمال؛ نقية كما هي، أخيلية كما فَصَلت من خِدْر مولاها يوم الخصام الأكبر. وأنا اقسم لأخي على ذلك ويقسم عليه ويؤكده اجاممنون).

стр. 10321

ويقسم عليه ويؤكده اجاممنون، ويغسل أقسامه بالدمع السخين؛ ثم يأمر خادمه (تلثبيوس) فينطلق إلى حيث يأتي بخنزير سمين يذبحه ويطعم القادة منه. . . ويحلف أخيل لا يذوقن من طعام حتى يعود بثأر صديقه واعز الناس عليه: (بتروكلوس!). ويلح عليه اوليسيز في أن يأكل: (لان الحرب شاقة، ويومها دهر بأكمله، ومقارعة الأقران مجهدة للأبدان. . .) وما يزيد أخيل إلا إباء! وعاد اجاممنون وكان اوليسيز نفسه يتقدم الراكب الذي اقبل من سفينة القائد العام يحمل هداياه لأخيل. ونهض اجاممنون فأشهد الآهة على نقاء القلب وصفاء النفس، ورضاء الضمير، ثم قدم الهدايا إلى ابن بليوس الذي كان يشهدها ويبكي! وفي الحق، لقد كانت لُهىً أحسن اللُّهى، وهدايا على قدر مُهديها! فهذه صناديق سبعة مقفلة، ملئت بالدر واليواقيت والزبرجد وبكل ما غلت قيمته من كتان مصر، وخز الهند، وحبر الشام. . . وهذه اثنا عشر من صافنات الجياد كأنما ولدت في ليلة واحدة ولوَّنتها الآلهة بألوان واحدة، وأضفت عليها عرائس الفنون من سحرها، فكانت كخيل أورورا! وهذه أيضا عشرون دستاَ من النحاس المزركش، حليت سطوحها بالميناء والفُسيْفِسَاء، وتبارت في حفرها كل يد صناع وفكر عتيد. وفيها من أصناف الجوهر ما يبهر اللب ويشده القلب، ويذهب سنا برقه بالأبصار! وهذه بدَرٌ عَشْر من الذهب الخالص يحملها اوليسيز ويتقدم بها أبكاراً سبعاً من جملة اللَّهى، كل منهن كأنها فينوس حقيقة، تميس كأنها بانة، وتبسم كأنها أقحوانة، وتبدي عن الدر النضيد!! ثم. . . هذه بريسيز! بريسيز الهيفاء، واصل هذا البلاء؛ الدمية التي أترعت بالمفاتن، وفاضت عيناها بسحر الهوى! هذه بريسيز تبرز فتخطف الأبصار، وتتقدم فثب القلوب، تود لو تغمرها لمحة من جمالها النضر، وشبابها الفينان!

стр. 10322

فهل رأيت إلى العاصفة تقتلع الدوح، وتطيح بالأيك، وتهب على اليم النائم فيصطخب، والبحر الوادع فيضطرب. . . و. . . على الغدير ذي الخرير فيرقص من رعشة كان به مسّاً من الخَدَر!! تلك هي بريسيز حين تبدت للقوم! لقد هتف اوليسيز هتفةً ضاعت في إنذهال الملأ بما يرى، على ما تعرف من جبروت اوليسيز، وشدة أيده. . . . . . ثم هتف فتلفَّت الناس، وراح الرجل يكرر ما قيل من نقاء بريسيز وتمام طهرها؛ أخيل مطرق ساهم، لا يكاد يعي مما يقال شيئا!. . . واستل اتريديس خنجره، وأهوى به على عنق الخنزير يذبحه، وهو في ذلك كله يصلي لأربابه، ويسبح بحمد السماء، ويشكر لسيد الأولمب ما أتم من صلح شريف بين سليلي الآهة. . . ونهض اجاممنون فقدم بريسيز إلى سيدها، وعقَّب بكلمة طيبة، ثم أشار أخيل إلى المرميدون فحملوا الهدايا، وانطلقوا إلى أسطولهم بها، ومعهم فتاة مولاهم في صفوف موسيقية، وفي موكب رهيب! وانصرف القادة إلى زادهم، والجنود إلى ميرتهم، ولا حديث لهم إلا أخيل وفتاة أخيل، والصلح الذي باركته السماء، وكسبوا منه أن يكون فيهم أخيل! أما بريسيز فقد وصلت إلى سفينة مولاها؛ فشدها أن ترى إلى جثة بتروكلوس في لفائفها وأكفانها، والى هذه الأم البارة، ذيتيس، جالسة عندها تبكي، وتدفع أسراب الذباب، وتسقي القتيل خمراً!! لقد كانت بريسيز تعجب بالبطل منذ قريب، ولقد تركته ممتلئاً صحة، موفوراً شباباً؛ نضر الصبى، ريّانَ الأهداب! ثم عادت فكان اشق عليها أن تراه مُسَجَّى هكذا! لا نأمة! لا حركة! لا نَفَس! قتيلاً كأدنى من كان يقتل كل يوم روع، طعيناً كأقل من كان يطعن كل يوم نزال!! ودارت الدنيا بالفتاة، فراحت تملؤها ندبة وبكاء!. . . واجتمع لديها الفتيات الأخريات يندبن ويبكين. . . فما كان أروعه منظراً، وما كان أحره إخلاصاً!! واقبل فونيكس على أخيل يواسيه ولكن أخيل ما يرقأ له دمع، ولا ينقطع له نحيب. . . واطلعت أرباب الأولمب، فشهدت ما

стр. 10323

يأخذ البطل مت ن رُحَضَاء الحزن، وبُرَحاء الأسى، فأشار زيوس إلى مينرفا، فهبت إلى أخيل ترعاه، وتخفف عنه من بلواه. فلما كانت قاب قوسين من ابن بليوس، هالها أن ترى إليه يعصف به الحزن، ويوهنه الجزع، والجند مع ذاك قد بُوَّئُوا مواقف للقتال! فما هي إلا أن أمرت فونيكس بأن يصب الخمر المعتقة على صدر صديقه لينقذه من ضيقه، وليخفف عنه من وطأة الجوع. ويصدع فونيكس، فيتقدم إلى أخيل كاشفاً عن صدره، وصب السلافة الأولمبية فيشربها الجسم الضاوي، ويسترجع بها ما فقد من قوة. . . وما يفتأ فونيكس فوينكس يصب الخمر، وما يفتأ أخيل ينظر إليه مشدوها، حتى يكون في كل قوته من اثر الخمر، فيصيح صيحة الحرب. . . التي تهتز لها أبراج طروادة!. . . فانظر إليه مُقَنَّعاً في حديد فلكان، وانظر إليه تحت تلك الخوذة التي لم تصنع مثلها يد الإله الحداد، وانظر إليه يداعب حربة شيرون، أستاذه السنتور العظيم؛ ثم انظر إليه كالبركان المضطرب يقذف النار من عينيه المغْضَبَتيْن، ومن حوله الميرميدون يملؤون الرحب ويسدون الشَّعاب. . . ويل لك يا هكتور! (لها بقية) دريني خشبة

стр. 10324

البريد الأدبي اللغة السيوية بربرية إلى الرحالة الأستاذ محمد ثابت، سلام واحترام: ذكرتم يا سيدي في العدد ١٢١ من (الرسالة الغراء) أن لأهل سيوة لغة خاصة يتكلمونها في رطانة هي ابعد من اللهجات الأوربية عنا، وأنكم تسمعتم إليها فلم تهتدوا إلى كلمة واحدة تمت إلى العربية أو اللاتينية بسبب؛ وبعد أن ذكرتم أمثلة من هذه اللغة الغريبة الشاذة قلتم: (ويقال إن اصل تلك اللغة بربري مازجته العربية ثم الرومانية). والأمثلة التي ذكرتموها تدل دلالة قاطعة على أن هذه اللغة هي بربرية لا شك فيها، وهذه الألفاظ التي استغربتموها هي نفسها لا تزال مستعملة في أفواه البربر في هذه البلاد إلى الآن. والذي انتهيت إليه - بعد البحث الطويل في اصل هذه اللغة وفي علاقتها بالعربية - هو أنها إن لم تكن لهجة من العربية الأولى بعدت عن اصلها بتراخي الزمن وطول الأمد حتى صارت كأنها لغة مستقلة، فما لا شك فيه أنها لغة سامية (انظر بحثنا (هل البربر عرب؟ وهل لغتهم لغة ضاد أخرى؟) في مقتطف يوليو ١٩٣٤). وأما أن العربية المدونة في القواميس قد مازجت البربرية بعد الفتح الإسلامي لبلاد البربر، فهذا أمر واقع لا شك فيه، فكلمة (تَلَشْلَشَتْ) التي قلتم إنها من أسماء الأعلام عند السيوويين هي كلمة عربية من (لشْلَشَ) إذ تردد واضطرب (بُرْبرَتْ) بادْخالِ علامة التأنيث في اللغة البربرية عليها وهي التاءان معا في أولها وفي آخرها؛ وترجمة هذه الكلمة (اللشلشة أو اللشلاشة) وكلمة (لشلاش) من أسماء الأعلام هنا في الجزائر بين العرب. ولقد وجدت وأنا انظر في اللغة البربرية أن القاف المعقودة فيها ينطقها بعض البربر جيما مصرية، وينطقها بعضهم جيما عربية، وينطقها آخرون منهم عربية تارة ومصرية تارة أخرى، فقلت في نفسي: من يدري فلعل الجيم المصرية جاءت من هنا. وبرابرة برقة كما يحدثنا التاريخ أغاروا على مصر أقاموا بها واثروا في لغتها، وجئتم اليوم أيها الأستاذ الرحالة فرويتم لنا أن نفس اللغة البربرية لا تزال مستعملة كلغة منزلية إلى الآن في بعض زوايا مصر، ونشرتم صورة فتاة سيوية عليها مسحة من الجمال

стр. 10325

المغربي، فافدنا منكم ما لم نكن من قبل نعلمه ولا ندريه، فلكم الفضل والشكر على ما وليتم. وهران (الجزائر) محمد السعيد الزاهري قصة رائعة وفلم مبتذل عرض أخيراًفي بعض دور السينما بالقاهرة شريط مصور (فلم) عنوانه (الشيطان امرأة) وقيل في مدحه والترغيب في رؤيته أن النجمة الألمانية الشهيرة مرلين ديتريش هي صاحبة الدور الأول فيه، وهي التي تقوم بتمثيل هذه (المرأة الشيطان)؛ ولكن الذي لم يقل في شان هذا الفلم ولم ينوه به هو انه مأخوذ من قصة بيير لوئيس الشهيرة المسماة (المرأة وقراقوز) أي الرجل الذي لا إرادة له. وقد أذيع أخيراً أن الحكومة الأسبانية أمرت بمنع عرض هذا الشريط في جميع أنحاء أسبانيا لأنه يعرض سمعة الضباط الأسبان - وبطله الرجل هو ضابط أسباني - إلى المهانة والسخرية ويعرض سمعة المرأة الأسبانية - وبطلته هي فتاة أسبانية راقصة - إلى الزراية، وذلك أنها تبدو في الفلم في شخص الفنانة الحسناء امرأة عاهرا مبتذلة تعرض اخطر ضروب الإغراء النسوي وأسفلها بصورة مثيرة ملهبة، تلك هي (كونشيتا) بطلة هذه القصة الشهيرة. بيد أن الحكومة الأسبانية لم تقف عند هذا المنع المحلي بل تقدمت بمذكرة احتجاج سياسي إلى الحكومة الأمريكية، فتدخلت في الأمر ونصحت إلى شركة بارامونت التي أخرجت الفلم بسحبه من جميع أنحاء العالم؛ فلم يسع الشركة إلا النزول عند هذه الرغبة وتنفيذها، وبذا يختفي أحدث مخرجات مرلين ديتلايش عن الأنظار، ولكن تبقى بعد ذلك القصة الأصلية التي تعتبر من أبدع ما كتب بيير لوئيس؛ بل هي في سحر أسلوبها ورائع عرضها لا تقل اضطراما وحياة عن الشريط المصور ذاته؛ وهكذا يستطيع من حرم مشاهدة هذا الشريط (العاهر المبتذل) أن يقرا في بيير لوئيس، ما يرفع روجه إلى ذروة الفن والخيال الرائع.

стр. 10326

وفاة لاوردس برون قرأنا في البريد الألماني الأخير نعى الكاتب القصصي الدنمركي الشهير لاوردس برون توفي في الحادية والسبعين من عمره، وكان برون سليل هذه المدرسة القصصية الدنمركية الزاهرة التي اشتهرت بروعة خيالها وسحر أسلوبها وخفة روحها، والتي أنجبت هانز آندرسن معبود الطفولة والحداثة، وكان مثل مواطنه وسلفه الكبير اندرسن يكتب للشباب قصصاً رائعاً ممتعاً؛ واشتهر على الأخص بسلسة من القصص التي تصور الحياة في البحار الجنوبية، واسم بطلها فان سانتن؛ واخرج منها ثلاثة مجلدات عنوان أولها (فان سانتن في أيام سعده) وعنوانه الثاني (جزيرة السعادة لفان سانتن) وعنوانه الثالث (الأرمل المحزونة)؛ وتدور القصة كلها حول حياة تاجر ورحالة، وهو فان سانتن، يجوب البحار الجنوبية، وينزل بإحدى جزرها، ويتزوج إحدى نسائها وهي ابنة ملك هذه الجزيرة، ويعيش معها سعيداً؛ ويصف برون هذه الحياة وصفاً رائعاً ساحراً؛ وعبرة القصة تذهب إلى عكس ما ذهب إليه دانيل ديفوني في قصته (روبنصن كروزي)، وهي أن الحياة البدوية في هذه البقاع النائية اسعد مما يتصور الناس. وكتب لاوردس برون أيضاً عدة مجموعات من القصص الصغير منها مجموعة: (إلى الوطن)، وأسلوبه بسيط ساحر، ويمتاز بمقدرة فائقة على تصوير الحياة والصور الطبيعية فيما وراء البحار، وذلك في ألوان شعرية بديعة؛ وهو يذهب في كتابته مذهب الدعوة إلى الحياة الطبيعية، والطبيعة احب الأشياء والناظر إليه، وهي أروع ميادين قلمه وخياله. الأستاذ الزنجاني من أخبار طهران أن وزارة المعارف الإيرانية عينت الأستاذ أبا عبد الله الزنجاني مؤلف كتاب (تاريخ القرآن) أستإذا للفلسفة الإسلامية وتفسير القرآن الكريم في جامعة (سبهالار) في طهران أسبوع المتنبي في دمشق تألفت في دمشق لجنة من العلماء والأدباء برياسة الأستاذ المغربي رئيس المجمع العلمي العربي لإعداد الأهبة لإقامة مهرجان شعبي عظيم تحت رعاية وزارة المعارف السورية

стр. 10327

يستمر أسبوعا بدمشق في فصل الربيع، وسيقام في المعرض الصناعي السوري الذي يفتتح في شهر أبريل سنة ١٩٣٦. وقد أرسلت لجنة المهرجان الدعوة إلى علماء العرب وشعرائهم في مختلف الأقطار، وكذلك إلى أفاضل المستشرقين ليساهموا في هذا المهرجان ببحث ناحية من نواحي أبى الطيب، وستنشر اللجنة كل ما يقال في هذا الاحتفال في كتاب خاص. وفاة فنان كبير وانتحار كاتب شهير توفي أخيراً في فينا المؤلف الموسيقي الشهير الأستاذ بيلا لازكي؛ وكان لازكي مدى الثلاثين عاما الأخيرة من أعلام التأليف الغنائي والموسيقي؛ وهو مجرى المولد، ولد سنة ١٨٦٧، وتلقى علومه في فينا عاصمة الفن الزاهر في ظل الإمبراطورية القديمة، وعاش فيها منذ شبابه؛ وظهر في التأليف الموسيقي، فوضع مئات الأناشيد والمقطوعات والغاني الألمانية، وامتاز بالبراعة في نوع خاص منها هو القطع الغرامية والشعبية التي تعزف وتلقى في النوادي الليلية (الكابريه)؛ وكانت تعاونه في فنه زوجته الفنانة والمغنية الحسناء ميلا مارس التي لبثت مدى حين تخلب الباب المجتمع النمساوي الرفيع؛ ولكنها توفيت شابة ومضى لازكي يطوي ذلك حياته الفنية وحيداً، ويخرج كل عام عدداً كبيراً من المقطوعات والأناشيد التي تذاع في جميع أنحاء العالم، وفي أواخر أعوامه عرف لازكي متاعب البؤس والمرض، إذ خسر معظم أمواله مضاربات عقيمة، وداهمته أوصاب الشيخوخة، فقطع أيامه الأخيرة محزوناً بائساً، وتوفي في الثامنة والستين من عمره. ووقفنا في أنباء فينا الأخيرة أيضاً على حادث محزن هو وفاة الكاتب النمساوي الأشهر الدكتور فكتور درزتي وزوجه البارونة كلارا؛ وقد وجدا منتحرين بالغاز في منزلهما في شارع بليز في ضواحي فينا؛ ولم تتضح أسباب المأساة تماماً، ولكن المعتقد أن الحادث يرجع إلى مرض عصبي شديد كانت تعانيه البارونة؛ وكان الدكتور درزتي من النبلاء، وكان أديباً وكاتباً كبيراً، واشتهر بمقالاته الاجتماعية والنقدية، وله مؤلفات وكتب قصصية ذائعة. شهادة لله

стр. 10328

سيدي الأستاذ الفاضل (صاحب الرسالة) سلام عليك ربك العظيم يقول في كتابه القديم: (ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فانه آثم قلبه) صدق الله العظيم وإني أعيذ نفسي برحمة الله من آثام القلب، فضلا عن تأثم القلوب سيدي الأستاذ: هي شهادة لا أبتغي منك عليها جزاء ولا شكوراً لقد كنت يا أستاذ الزيات بليغاً دائماً، بليغاً علم الله فوق ما نسمع ونقرا من بلاغات سحبان وأكثم بن صيفي وعبد الحميد وإخوانهم من كرام البلغاء الأقدمين. أما في مقالك الأخير في عدد (الرسالة) الأخير، لمعنون (في الجمال) (على هامش الموضوع) فلقد كنت أبلغ من نفسك بكثير. أتدرى لماذا يا سيدي الزيات؟ لان موقف اليوم، الذي أرسل قلمك، بعد إرساله شجنك، بمقال اليوم، موقف من ابلغ مواقف التاريخ. لشد ما قال لنا التاريخ والزمن في أنفسنا قولا بليغاً. وليس للمواقف البليغة في الأمم والشعوب إلا قلوب البلغاء، بل إلا القلوب البليغة، ودعني لا أقول هنا: السنة البلغاء، فطالما والله أودت السنة البلغاء بحقوق وكرامات وأوطان! ولعل هذا ما يثبت في قلبك البليغ، فوق تثبيته في قلمك البليغ، أنك حقاً قبل أن تحمل في وطنك أو في وطن العربية قلما، فانك تؤدي فيها (رسالة). رسالة لا تكذب الناس، وهي تتسمى إلى الناس باسم (الرسالة)، وكثيرا ما تسمت الأشياء على هذه الأرض بغير أسمائها، وهي الأرض التي قام عليها يوما مسيلمة يقول: أنا نبي! وقام من قبله فرعون من فراعنة مصر يقول: أنا ربكم الأعلى! هذه شهادتي إليك. كما ويسرني كما يشرفني، بل استحلفك بالله أن تجعلها شهادتي إلى الناس، لأنها أيضاً شهادتي إلى الله، ألقى بها الله فيما ألقي به وجهه (الذي أشرقت له

стр. 10329

الظلمات، وصلح عليه آمر الدنيا والآخرة) كما دعاه يوماً اعظم مخلوقاته، لأنه أخلص المخلوقات: محمد بن عبد الله، عليه صلوات الله. وهذه والله شهادتي، ولو أنى لا انفي أن لي عندك عتابا قديماً، لعلك كنت لا تصغي إليه لو أنى كتبته إليك قبل اليوم، أو بادهتك به وجهاً لوجه، لأننا لم نتعارف قلوباً، بيد أنا تعارفنا وجوها، مرة واحدة أو مرتين، في يومين فقط من الأيام. فارفع بيدك (رسالتك) يا أستاذ، فهي من رسالات الله، لأنها من رسالات الحق والوطن والقوة والجمال. ارفع بيدك هذه (الرسالة) من النور، تخدم وطنك فوق ما يخدمه كثير من دعاته وأدعيائه البارزين فوق المسرح هنا وهناك لن تفلح هذه الأمة في نهضتها الوطنية، حتى تفلح أولا في نهضتها الأدبية، أو قل نهضتها الأخلاقية، نهضة النفوس والأرواح في أعماقها لا على سطوحها التي يراها أو يسمع بها الناس. . . . . إبراهيم إبراهيم علي المحامي بقليوب

стр. 10330

الكتب خيوط العنكبوت تأليف الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني للأستاذ محمد سعيد العريان الأستاذ المازني أديب من أدبائنا المعارف، يجري اسمه في ابتسام عذب على شفتي كل من يتحدث عنه حين يذكر الأدباء، وقل من لا يتحدث عنه حين يعرض ذكر أدبائنا الذين انشئوا في الأدب وزاد بهم. وان له فيما يكتب لطابعاً وروحاً يتميز بهما ويعرف؛ وما الأديب إذا لم يتميز بطابعه وروحه، ويبرز اسمه وصورته وراء كل سطر مما يكتب؟ على أن للأستاذ المازني غير ذلك فناً وحده، تفرد به، واقتصر عليه أو كاد؛ فما يستطيع أن يجاريه فيه أديب من أدباء العربية؛ يرسم لك به الصورة الملموسة، فيضيف إليها فنا من فنه، ويخلق لك فيها الجديد الذي لم تبصره عيناك، ولم تتناوله حواسك؛ على انك لا تستطيع إلى ذلك أن تنكر انك ترى شيئا مما يرى ويحس، وان أعجزك أن تراه وتحسه كما رآه المازني وأحسه، أو كما جلاه عليك من صور، هي هذه النواحي الضاحكة المضمرة وراء ما يبدو لك من عبوس المناظر والصور والأشكال؛ فهو حين ينظر، وحين يفكر وحين يكتب، يستطيع أن يريك موضع الابتسامة من كل معنى كئيب، وإشراقة السرور من وراء كل ظل عابس؛ وله من ذلك في كل أليم تأخذه عيناه روح من السرور مضمرة مستخفية، لا تدري اهو يخلع عليها من فنه فتضحك من عبوس، وتنبسط من تقطيب؛ أم أن له عينا انفذ بصيرة إلى ما وراء المحسوسات، هي تكشف له عن حقيقتها وسرها، فما هو إلا أن يجلوها عليك كما رآه ببصيرته وإحساسه العميق؟ وكما تجد للمازني فنه الخاص به، تجد له كذلك أسلوبه ولغته؛ واحسبه لا يفكر في اللفظ والعبارة عندما يهم أن يكتب، اكثر مما يفكر في المعنى والموضوع؛ فهو هنا وهناك لا يكلف نفسه الغوص والتعمق، واستخراج المعنى من المعنى، وتوليد الفكرة من الفكرة؛ بل تراه أسلوباً متساوقاً مطرداً، وفكراً قريباً من قريب، وموضوعاً مما يقع عليه الحس وتألفه النفس. واحسبه أيضاًً يلتمس فيما يكتب أن يرضى قراءه ويسرهم، أكثر مما يلتمس أن
следующие страницы →