Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10326–10365 · переход к 10331.
стр. 10326
وفاة لاوردس برون
قرأنا في البريد الألماني الأخير نعى الكاتب القصصي الدنمركي الشهير لاوردس برون توفي في الحادية والسبعين من عمره، وكان برون سليل هذه المدرسة القصصية الدنمركية الزاهرة التي اشتهرت بروعة خيالها وسحر أسلوبها وخفة روحها، والتي أنجبت هانز آندرسن معبود الطفولة والحداثة، وكان مثل مواطنه وسلفه الكبير اندرسن يكتب للشباب قصصاً رائعاً ممتعاً؛ واشتهر على الأخص بسلسة من القصص التي تصور الحياة في البحار الجنوبية، واسم بطلها فان سانتن؛ واخرج منها ثلاثة مجلدات عنوان أولها (فان سانتن في أيام سعده) وعنوانه الثاني (جزيرة السعادة لفان سانتن) وعنوانه الثالث (الأرمل المحزونة)؛ وتدور القصة كلها حول حياة تاجر ورحالة، وهو فان سانتن، يجوب البحار الجنوبية، وينزل بإحدى جزرها، ويتزوج إحدى نسائها وهي ابنة ملك هذه الجزيرة، ويعيش معها سعيداً؛ ويصف برون هذه الحياة وصفاً رائعاً ساحراً؛ وعبرة القصة تذهب إلى عكس ما ذهب إليه دانيل ديفوني في قصته (روبنصن كروزي)، وهي أن الحياة البدوية في هذه البقاع النائية اسعد مما يتصور الناس.
وكتب لاوردس برون أيضاً عدة مجموعات من القصص الصغير منها مجموعة: (إلى الوطن)، وأسلوبه بسيط ساحر، ويمتاز بمقدرة فائقة على تصوير الحياة والصور الطبيعية فيما وراء البحار، وذلك في ألوان شعرية بديعة؛ وهو يذهب في كتابته مذهب الدعوة إلى الحياة الطبيعية، والطبيعة احب الأشياء والناظر إليه، وهي أروع ميادين قلمه وخياله.
الأستاذ الزنجاني
من أخبار طهران أن وزارة المعارف الإيرانية عينت الأستاذ أبا عبد الله الزنجاني مؤلف كتاب (تاريخ القرآن) أستإذا للفلسفة الإسلامية وتفسير القرآن الكريم في جامعة (سبهالار) في طهران
أسبوع المتنبي في دمشق
تألفت في دمشق لجنة من العلماء والأدباء برياسة الأستاذ المغربي رئيس المجمع العلمي العربي لإعداد الأهبة لإقامة مهرجان شعبي عظيم تحت رعاية وزارة المعارف السورية
стр. 10327
يستمر أسبوعا بدمشق في فصل الربيع، وسيقام في المعرض الصناعي السوري الذي يفتتح في شهر أبريل سنة ١٩٣٦. وقد أرسلت لجنة المهرجان الدعوة إلى علماء العرب وشعرائهم في مختلف الأقطار، وكذلك إلى أفاضل المستشرقين ليساهموا في هذا المهرجان ببحث ناحية من نواحي أبى الطيب، وستنشر اللجنة كل ما يقال في هذا الاحتفال في كتاب خاص.
وفاة فنان كبير وانتحار كاتب شهير
توفي أخيراً في فينا المؤلف الموسيقي الشهير الأستاذ بيلا لازكي؛ وكان لازكي مدى الثلاثين عاما الأخيرة من أعلام التأليف الغنائي والموسيقي؛ وهو مجرى المولد، ولد سنة ١٨٦٧، وتلقى علومه في فينا عاصمة الفن الزاهر في ظل الإمبراطورية القديمة، وعاش فيها منذ شبابه؛ وظهر في التأليف الموسيقي، فوضع مئات الأناشيد والمقطوعات والغاني الألمانية، وامتاز بالبراعة في نوع خاص منها هو القطع الغرامية والشعبية التي تعزف وتلقى في النوادي الليلية (الكابريه)؛ وكانت تعاونه في فنه زوجته الفنانة والمغنية الحسناء ميلا مارس التي لبثت مدى حين تخلب الباب المجتمع النمساوي الرفيع؛ ولكنها توفيت شابة ومضى لازكي يطوي ذلك حياته الفنية وحيداً، ويخرج كل عام عدداً كبيراً من المقطوعات والأناشيد التي تذاع في جميع أنحاء العالم، وفي أواخر أعوامه عرف لازكي متاعب البؤس والمرض، إذ خسر معظم أمواله مضاربات عقيمة، وداهمته أوصاب الشيخوخة، فقطع أيامه الأخيرة محزوناً بائساً، وتوفي في الثامنة والستين من عمره.
ووقفنا في أنباء فينا الأخيرة أيضاً على حادث محزن هو وفاة الكاتب النمساوي الأشهر الدكتور فكتور درزتي وزوجه البارونة كلارا؛ وقد وجدا منتحرين بالغاز في منزلهما في شارع بليز في ضواحي فينا؛ ولم تتضح أسباب المأساة تماماً، ولكن المعتقد أن الحادث يرجع إلى مرض عصبي شديد كانت تعانيه البارونة؛ وكان الدكتور درزتي من النبلاء، وكان أديباً وكاتباً كبيراً، واشتهر بمقالاته الاجتماعية والنقدية، وله مؤلفات وكتب قصصية ذائعة.
شهادة لله
стр. 10328
سيدي الأستاذ الفاضل (صاحب الرسالة)
سلام عليك
ربك العظيم يقول في كتابه القديم:
(ولا تكتموا الشهادة، ومن يكتمها فانه آثم قلبه)
صدق الله العظيم
وإني أعيذ نفسي برحمة الله من آثام القلب، فضلا عن تأثم القلوب
سيدي الأستاذ:
هي شهادة لا أبتغي منك عليها جزاء ولا شكوراً
لقد كنت يا أستاذ الزيات بليغاً دائماً، بليغاً علم الله فوق ما نسمع ونقرا من بلاغات سحبان وأكثم بن صيفي وعبد الحميد وإخوانهم من كرام البلغاء الأقدمين.
أما في مقالك الأخير في عدد (الرسالة) الأخير، لمعنون (في الجمال) (على هامش الموضوع) فلقد كنت أبلغ من نفسك بكثير.
أتدرى لماذا يا سيدي الزيات؟
لان موقف اليوم، الذي أرسل قلمك، بعد إرساله شجنك، بمقال اليوم، موقف من ابلغ مواقف التاريخ. لشد ما قال لنا التاريخ والزمن في أنفسنا قولا بليغاً.
وليس للمواقف البليغة في الأمم والشعوب إلا قلوب البلغاء، بل إلا القلوب البليغة، ودعني لا أقول هنا: السنة البلغاء، فطالما والله أودت السنة البلغاء بحقوق وكرامات وأوطان!
ولعل هذا ما يثبت في قلبك البليغ، فوق تثبيته في قلمك البليغ، أنك حقاً قبل أن تحمل في وطنك أو في وطن العربية قلما، فانك تؤدي فيها (رسالة).
رسالة لا تكذب الناس، وهي تتسمى إلى الناس باسم (الرسالة)، وكثيرا ما تسمت الأشياء على هذه الأرض بغير أسمائها، وهي الأرض التي قام عليها يوما مسيلمة يقول: أنا نبي! وقام من قبله فرعون من فراعنة مصر يقول:
أنا ربكم الأعلى!
هذه شهادتي إليك. كما ويسرني كما يشرفني، بل استحلفك بالله أن تجعلها شهادتي إلى الناس، لأنها أيضاً شهادتي إلى الله، ألقى بها الله فيما ألقي به وجهه (الذي أشرقت له
стр. 10329
الظلمات، وصلح عليه آمر الدنيا والآخرة) كما دعاه يوماً اعظم مخلوقاته، لأنه أخلص المخلوقات: محمد بن عبد الله، عليه صلوات الله.
وهذه والله شهادتي، ولو أنى لا انفي أن لي عندك عتابا قديماً، لعلك كنت لا تصغي إليه لو أنى كتبته إليك قبل اليوم، أو بادهتك به وجهاً لوجه، لأننا لم نتعارف قلوباً، بيد أنا تعارفنا وجوها، مرة واحدة أو مرتين، في يومين فقط من الأيام.
فارفع بيدك (رسالتك) يا أستاذ، فهي من رسالات الله، لأنها من رسالات الحق والوطن والقوة والجمال.
ارفع بيدك هذه (الرسالة) من النور، تخدم وطنك فوق ما يخدمه كثير من دعاته وأدعيائه البارزين فوق المسرح هنا وهناك لن تفلح هذه الأمة في نهضتها الوطنية، حتى تفلح أولا في نهضتها الأدبية، أو قل نهضتها الأخلاقية، نهضة النفوس والأرواح في أعماقها لا على سطوحها التي يراها أو يسمع بها الناس. . . . .
إبراهيم إبراهيم علي
المحامي بقليوب
стр. 10330
الكتب
خيوط العنكبوت
تأليف الأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
للأستاذ محمد سعيد العريان
الأستاذ المازني أديب من أدبائنا المعارف، يجري اسمه في ابتسام عذب على شفتي كل من يتحدث عنه حين يذكر الأدباء، وقل من لا يتحدث عنه حين يعرض ذكر أدبائنا الذين انشئوا في الأدب وزاد بهم. وان له فيما يكتب لطابعاً وروحاً يتميز بهما ويعرف؛ وما الأديب إذا لم يتميز بطابعه وروحه، ويبرز اسمه وصورته وراء كل سطر مما يكتب؟
على أن للأستاذ المازني غير ذلك فناً وحده، تفرد به، واقتصر عليه أو كاد؛ فما يستطيع أن يجاريه فيه أديب من أدباء العربية؛ يرسم لك به الصورة الملموسة، فيضيف إليها فنا من فنه، ويخلق لك فيها الجديد الذي لم تبصره عيناك، ولم تتناوله حواسك؛ على انك لا تستطيع إلى ذلك أن تنكر انك ترى شيئا مما يرى ويحس، وان أعجزك أن تراه وتحسه كما رآه المازني وأحسه، أو كما جلاه عليك من صور، هي هذه النواحي الضاحكة المضمرة وراء ما يبدو لك من عبوس المناظر والصور والأشكال؛ فهو حين ينظر، وحين يفكر وحين يكتب، يستطيع أن يريك موضع الابتسامة من كل معنى كئيب، وإشراقة السرور من وراء كل ظل عابس؛ وله من ذلك في كل أليم تأخذه عيناه روح من السرور مضمرة مستخفية، لا تدري اهو يخلع عليها من فنه فتضحك من عبوس، وتنبسط من تقطيب؛ أم أن له عينا انفذ بصيرة إلى ما وراء المحسوسات، هي تكشف له عن حقيقتها وسرها، فما هو إلا أن يجلوها عليك كما رآه ببصيرته وإحساسه العميق؟
وكما تجد للمازني فنه الخاص به، تجد له كذلك أسلوبه ولغته؛ واحسبه لا يفكر في اللفظ والعبارة عندما يهم أن يكتب، اكثر مما يفكر في المعنى والموضوع؛ فهو هنا وهناك لا يكلف نفسه الغوص والتعمق، واستخراج المعنى من المعنى، وتوليد الفكرة من الفكرة؛ بل تراه أسلوباً متساوقاً مطرداً، وفكراً قريباً من قريب، وموضوعاً مما يقع عليه الحس وتألفه النفس. واحسبه أيضاًً يلتمس فيما يكتب أن يرضى قراءه ويسرهم، أكثر مما يلتمس أن
стр. 10331
يكون إنشاء يخلد به في الأدب، واختراعا يزيد ثروة اللغة معنىً أو موضوعا أو فكرة. وما حاجة المازني إلى الخلود وهو لا يراه إلا خرافة، اخترعها الإنسان ليضل بها نفسه ويرضى ناحية من غروره وكبريائه؟
على انه - من حيث يريد، أو من حيث لا يريد - قد كتب لنفسه في تاريخ الأدب صفحة، وأثبت صورة، سيخلد بها وتخلد به.
وأنت حين توازن بين ما يكتبه المازني الآن، وما كان يكتبه أو يحرره منذ بضع عشرة سنة - لا تجد فرقاً كبيرا، إلا أن ذلك الأديب الطموح الذي كان يكتب ليقول الناس: (ما اجمل ما كتب. . .!) قد قست عليه الحياة ونالته أحداث الزمن، حتى عاد يكتب، لأنه مطلوب منه أن يكتب؛ ولكنه هو المازني الذي يعجب القراء به ويجتمعون إليه، وإن لم يعنه هو اجتمعوا أم تفرقوا إلا بمقدار ما يعني صاحت الصحيفة الذي يطلب إليه أن يكتب!
والمازني حريص على سلامة لغته، حرصه على أن تكون اسهل على آذان القراء وأطوع لألسنتهم؛ وهو بسبيل ذلك كثيراً ما يحاول تصحيح الكثير من لغة العامة وأساليبهم، فيخطئ في ذلك ويصيب، وما على المجتهد في أن يخطئ باس؛ وقد يمر القارئ العادي على ما يكتب المازني، فيراه بعض أولئك الضُلاَّل الذين يدعون إلى العامية ويرجون لها؛ ويمر الأديب المطلع، فيرى لغة أن لم تكن إلى لغة القدماء فهي منها، وان كان فيها من لغة العامة، فهو الجديد الذي تتقبله العربية ولا يأبه البيان الصحيح، لأنه يزيدهما ثروة إلى ثروة، ويفتح الباب إلى الأدب القومي في لغته التي يتحدث بها أهله، غير نابية ولا مستكرهة ولا أعجمية ولكنك إذ ترى المازني يحرص على هذه الناحية القومية في اللغة، قل أن تراه كذلك في الموضوع الذي يحاوله؛ وما اكثر ما يشطح خياله إلى قصة أو حادثة، فيصورها بأسلوبه الساحر، على أنها مصرية وقعت في مصر، وجرت في الجو المصري، وتحدثت بها ألسنة مصرية، وكان حقها أن تكون مما يقع في لندن، أو برلين! أتكون مما يقعمطالعات المازني في مصر هي بعض الجو المصري الذي يراه وينقل عنه. . .؟ على أنه أدب جديد في العربية على كل حال سواء أكان من إيحاء الجو المصري إلى فكر المازني، أم من إيحاء جو غريب.
وبعد، فهذا كتاب المازني الجديد (خيوط العنكبوت)، فمن لم يكن يعرف المازني فليعرفه
стр. 10332
فيه، ولعله أن يرى هناك ما رأيت وأسلفت وصفه. تبدو لك فكاهة المازني لأول صفحة من الكتاب، حيث يهديه إلى ولديه: (اعترافاً بفضلهما، وشكراً لمعونتهما. . فلولا عبقريتهما لظهر هذا الكتاب قبل عامين!) وتقرأ فاتحة الكتاب فلا تدلك أي كتاب هو، ولكن سِرْ إلى نهايتها ثم اقرأ: (وبعد، فقد لا يكون هذا الكلام اصلح ما يكتب على سبيل التمهيد لمجموعة من الصور والقصص، ولكن ما يكتب على روح الفاتحة من روح الكتاب، وهذا شفيعها عندي فعسى أن يكون شفيعها عند القراء. . .!).
ولقد قرأت المقدمة، وقرأت الكتاب؛ ولكني لم استطع أن افهم قوله (. . . . روح المقدمة من روح الكتاب) أما المقدمة ففضل اجتماعي ما كنت أقدّر أن يكتب المازني مثله، لا عجزاً منه، فانه لقدير؛ ولكني أعرفه أكثر اعتزازاً بقوميته، وافخر بمصريّته، فما كان ينبغي أن يتهكم بمصر ويزرى بها، كل هذا التهكم وهذه الزراية في فاتحة الكتاب! وقد يكون فيما عاب على المصريين واخذ عليهم محقّا بعض الحق، وقد يكون بعض ما قاله أو اكثر ما قاله صحيحا بعض الصحة، ولكن، أما كان ينبغي أن يستر على قومه؟ والجمود والبلادة، والضعف - عيوب طالما رُميتْ بها مصر من أعدائها، ومن بنيها أنفسهم، ولكن هذا على ما قد يكون فيه من رغبة الإصلاح، يؤثر أثره في القراء، ويكون أشبه بالإيحاء يستقر في الواعية الباطنة فيعمل عمله، فلا يكون من ورائه إلا الجمود والبلادة والضعف حقا وصدقا لا تهمة بغير دليل. ويحاول الأستاذ المازني في ختام الفاتحة أن يعتذر وان ينفي التهمة؛ أفتراه قد بلغ في اعتذاره بمقدار ما بلغ في تجريحه؟
وان القارئ ليعجب لذاك يصدر عن المازني المصري الفخور بقوميته، ولكن، أرأيت إلى المازني إذ يكتب فلا يتحرج أن يسخر من نفسه، وأهله، وولده؟ فها هو ذاك يسخر أيضاً من مصر. . .!
أما الكتاب، فكل شئ فيه جميل، إلا الفاتحة: وهو قسمان: (صور من الأمس)، و (صور من اليوم) هما مجموعة صور وأقاصيص، لا تجد لها شبيها مما كُتب في العربية، جمعت إلى الرقة في الوصف، حُسْنَ الأداء وسلامة التعبير، إلا قليلا احسبه من اثر السرعة التي يكتب بها المازني. وأنت ترى فيما تقرا من هذا الكتاب صورة المازني الطفل، والمازني العابث، والمازني الأديب الذي يسحر قراءه بسلامة الفكر وحُسْنَ الأداء؛ فحياته منشورة في
стр. 10333
كتابه مصورة، على حين يحاول اكثر كتابنا أن يكون ما يتصل بشخصه ابعد ما يكون عن قرائه. وقد تجد المازني يجنح أحياناً إلى المبالغة في تصويره وفي عباراته، وقدتجده يسترسل في الكلام فيكتب في القصة ما لا يطلبه موضوع القصة؛ ولكن هذا وذاك لا يعيبانه ولا ينقصان من مقدرته القصصية وفنه البارع.
وبعد، فمن أراد أن يمتع نفسه ساعات من فراغ، ويلذ نفسه، فحسبه أن يقرأ (خيوط العنكبوت)؛ ولو أن أحدا طلب أليّ أن أدله على خير ما قرأت في هذا الأسبوع فلذني وأمتعني؛ فليقرأ فيما يقرأ من الكتاب (الراعيان)، (سيرة من السير)، (التدخين)، (الشيخ قفّه)، (ساسة المرأة)، فسيجد فيها ما وجدت من متاع ولذة، ألذًّ متاع وأمتعَ لذة.
محمد سعيد العريان
стр. 10334
العدد ١٢٦ - بتاريخ: ٠٢ - ١٢ - ١٩٣٥
стр. 10335
في الجمال. . .
- ٣ -
إذا عرفت الجوهر الذي يتحقق به الجمال الطبيعي سهل عليك أن تعرف الجوهر الذي يقوم عليه الجمال الصناعي، لأنه إما وحيه وإما نموذجه. فالجمال الصناعي يتعلق بالفكرة التي يوحيها إليك الفن عن الفنان ثم عن الفن نفسه إذا كان ابتكارياً، وبالفكرة التي يوحيها إليك الفن عن الفن نفسه وعن الفنان ثم عن الطبيعة إذا كان تقليديا. ولننظر بادئ الأمر فيم تنشأ منه عاطفة الجمال في الفن الابتكاري كالريازة مثلا. ففي أي بنية من البنايا تجد الوحدة، والتنوع، والترتيب، والتناظر، والتناسب، والتوافق، تؤلف منها كلاًّ منتظما ما في ذلك شك؛ ولكنك لا تجد في ذلك الكل جمالا إذا لم يكن من العظمة أو الوفرة أو الذكاء على درجة تثير في نفسك الإعجاب والدهش. وهل تجد في العمارة البسيطة مهما اتسق بناؤها واتفقت أجزاؤها ما تجد في معابد الفراعين من الجمال والجلال والروعة؟ خذ بنظرك قصراً من قصور القاهرة الحديثة شيد على قدر عادي من العناصر الجمالية الثلاثة، ثم أطل الوقوف أمامه ما شئت، تجد الفن فيه نازلا على حكم القواعد الموضوعة، ولكنه عيي صامت لا يحدثك لا عن نفسه ولا عن صانعه؛ ثم قف تلك الوقفة أمام معبد الكرنك أو هيكل الأقصر أو هرم الجيزة، تجد نفسك المسبوهة المشدوهة موزعة بين سمو الفن في ذاته، وعظمة الفنان في حقيقته. لا جرم أن هذه الأبنية الضخمة الفخمة أقل تناسقاً وتوافقاً من تلك، ولكن القوة التي أقامت هذه الأعمدة، ورفعت تلك الصخور، ونصبت هذه التماثيل، وصنعت تلك المحاريب؛ والوفرة التي تراها في الشكول المختلفة، والصور الناطقة، والرسوم الدقيقة، والكتابة الرمزية، والأصباغ الحية، والمادة العجيبة؛ والذكاء الذي يروعك في ابتكار الوسائل الميكانيكية لنقل هذه الأجرام الهائلة من مناحتها في الجبل، إلى مثابتها في الجو، لتصارع الفناء الذي لا يفتر، وتضارع الدهر الذي لا يبيد؛ هي التي حققت فيها ذلك الجمال، وألقت عليها هذه الروعة، وربطت في ذهنك بين فكرتك عن الصنيع وفكرتك عن الصانع. ولو كانت نسبة الذكاء فيها على مقدار نسبة القوة، لبلغت ما لم تبلغه نواطح السحاب الأمريكية من الغاية التي ينقطع دونها الدرك!
على أن الجمال الطبيعي قد يقوم في بعض مظاهره على القوة والوفرة دون الذكاء، كما
стр. 10336
ترى في العواصف والبراكين، ولكن الذكاء إذا أعوز في الفن ذهبت عاطفة الجمال فيه بددا بين التنافر والغرابة، إذ الطبيعة مجهولة الأسرار محجوبة المقاصد؛ وقد استراحت عقولنا منذ النشأة إلى أن تلتمس لجهالتها العلل، وتفترض لسفاهتها الحكمة؛ وليس كذلك الفنان، فأنه مسئول أمام العقل عن العلة التي أجهد من أجلها قوته، والغاية التي بدد في سبيلها ثروته. وحسبه من الذكاء ما ينفي عنه العبث؛ فإذا تيسرت له عظمة القوة في ظاهر من النظام، كفاه ذلك في إنشاء الإعجاب واتقاء النقد، لأن القوة والوفرة هما المصدران الأولان لنشأة الجمال في الفن
على أن فكرة القوة تختلف اختلافا شديدا عن فكرة الجهد؛ فكلما قلت الدلائل على هذه، كثرت الدلائل على تلك. فالخفة والظرافة والأناقة والسراح من صفات الجمال، لأنها تظهر من القوة أكثر مما تظهر من الجهد؛ ولكن إنشاء مقامة من الحروف المعجمة أو الحروف المهملة كما صنع الحريري، أو كتابة سورة من القرآن على حبة من الرز كما يصنع الخطاط السوري، عمل لا يحدث في النفس شعور الجمال، لأنه يدل على الجهد أكثر مما يدل على القوة، ويدعو إلى الرثاء أكثر مما يدعو إلى الدهش. وفي التفصيل المحكم من كلام الله، وفي السهل الممتنع من كلام الناس، كل الفروق بين القوة والجهد
كذلك لا يستعمم الفرق بين الوفرة الصناع وبين الزخرف الأخرق؛ فإن سر الإبداع في الوفرة أنها تضع اللون في مظهره، والحسن في جوهره، والمعنى في لفظه، والشيء في مكانه؛ أما الزخرف الأخرق فترف لا ينبئ عن غنى، ورهق لا يسفر عن قدرة، ولجب لا يبلغك من ورائه نغم! هو كل ما يملك الصانع من ثروة نثرها أمام عينيك في غير لباقة ولا تحفظ، ليخفي بالرياء حقيقة العجز، ويدفع بالزور تهمة العوز
إن ما قلته في الريازة ينطبق على الخطابة والموسيقى وسائر الفنون الابتكارية التي تفصح عن قوى كبيرة ووسائل وفيرة. فالخطيب الذي يبلبل الآراء بقوة كلامه، ويسترقّ الأهواء بسحر بيانه، ويملك على الشعب نوازع القلوب فيرسله على رأيه، ويصرفه على إرادته، قد أوتي من القوة في الفن والعبقرية ما يحمل النفوس على الإعجاب بقدرته والانقياد لأمره. كذلك الموسيقي الذي يصبي المشاعر بسحر أنغامه، والشاعر الذي يسبي العقول بقوة أسلوبه وسمو إلهامه، كلاهما يعلن الجمال في قوة الفن التي يفرضها، ووفرة الوسائل
стр. 10337
التي يعرضها، وذكاء الروح الذي يفيض على عمله النظام والانسجام والمناسبة. والقوة والوفرة هما كذلك روح هذا الجمال وسره؛ فإذا كان الانفعال الذي ينشئه الصوت أو القصيدة لطيفا يحدث اللذة، ولكنه ضعيف لا يحدث الطرب، مدحت قريحة الفنان وأطريت عذوبته الفن، ولكن الإطراء شيء آخر غير هتاف الإعجاب يبعثه سمو العبقرية وقوة الإلهام في روائع الموسيقى وبدائع الشعر
стр. 10338
أمس وغداً
للأستاذ أحمد أمين
قرأت مرة أن سرياَ أمريكياً كان له مصانع ومتاجر، كأفخم ما يكون من مصانع ومتاجر أصابتها النار فاتت عليها وقدرت الخسائر بملايين الدولارات
وكان هذا السري في السابعة والستين من عمره، ليس له قوة الشباب، ولا أمل الشباب، ولا طموح الشباب؛ وكانت ثروته الضائعة ثروة العمر، ومجهود العمر، ونتيجة العمر
أتى إليه (مكاتب) يسأله عن هذه الكارثة وأسبابها ومقدارها فأجابه: (لست أفكر في شيء من ذلك، إنما يملك على كل فكري الآن: ماذا أنا صانع غدا)
يعجبني هذا الاتجاه العملي في التفكير، فانه دليل الحياة، وعنوان القوة، ومبعث النشاط؛ فما دمتَ حيا ففكر دائما في وسائل الحياة؛ وتلك كلها أمامك لا خلفك، وفي الغد لا في الأمس
لقد دل هذا السري بإجابته على أنه يقتني عقلية أقوم مما رعته النار، ونفسية لا تفنى بفناء المال
إن الحياة الناجحة تفكر في الغد، والحياة الفاشلة تبحث في الأمس. وقديما قالوا: (إذا أفلس التاجر فتش في دفاتره القديمة). وقال الشاعر وقد رأى بني تغلب لا يعملون عملا جديدا مجيدا، ويكتفون برواية قصيدة قالها عمرو بن كلثوم التغلبي في مدحهم:
أُلْهي بني تغلب عن كل مكرمةٍ … قصيدةُِ قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها مذْ كان أوَّلهم … يا لَلرَّجال لشعر غير مسئوم
ولأمرٍ ما خلق الله الوجه في الأمام ولم يخلقه في الخلف، وجعل العين تنظر إلى الأمام ولا تنظر إلى الخلف، وأراد أن يجعل لنا عقلا ينظر إلى الأمام وإلى الخلف معا، وأن يكون نظره إلى الخلف وسيلة لحسن النظر إلى الأمام؛ فعكس قوم الفطرة الإنسانية ونظروا بعقولهم إلى الخلف وحده، وقلبوا الوضع فجعلوا النظر إلى الخلف غاية لا وسيلة
من هؤلاء الذين نُكّسوا في الخلق من إذا حدثتهم فيما هم صانعون غدا حدثوك عما صنعه آباؤهم الأولون، وكيف حاربوا وكيف انتصروا، وكيف سادوا العالم، وكيف وكيف. وهذا حق لو أتخذ وسيلة لعمل مستقبل، واستحثث به الإرادة لعمل مستقبل، وضرب مثلا لمعالجة مشاكل المستقبل؛ أما أن يكون غرضا في نفسه فحديث العجزة ومن أصيبوا بأنيميا
стр. 10339
(الفكر) وضعف الإرادة
وممكن نكسوا في الخلق هؤلاء الذين يثيرون العداوات القديمة والأحقاد القديمة بين رجال الأمة وقادتها؛ فإذا طالبتهم أن ينظروا إلى الأمام، ويتكيفوا بما يتطلبه المستقبل، أبوا إلا أن يذكروا لك تاريخ الأمس، وحزازات الأمس، وسخائم الأمس، وما دروا أنهم بهذا يعطلون مصلحة المستقبل وخير المستقبل، أو دروا ولكنهم الماكرون الخادعون. فليس يصح أن ينظر في الأمس إلا لتجنب أغلاط الأمس في المستقبل، والانتفاع بصواب الأمس وخطئه في المستقبل
وممن نكسوا في الخلق هؤلاء الذين جمدت عقولهم فاعتقدوا أن كل شيء كان خيره في الأمس وشره في الغد؛ فخير النحو ما وضعته سيبويه، وخير البلاغة ما قاله الجاحظ، وخير الفلسفة ما قاله أبن سينا وأبن رشد والفارابي، وخير عصور الدين ما سبق من العصور، وخير الأخلاق أخلاق آبائنا، وأنه لم يبق في هذا الزمن إلا الحثالة من كل علم وأدب ودين وخلق، وأن العالم في ذلك كله سائر إلى التدهور دائما، فأمس خير من اليوم، واليوم خير من الغد. فهذه العقلية لا تنفع للحياة وإنما تنفع للصوامع؛ ولا تنفع للجهاد وإنما تنفع للفناء؛ ولا تنفع لمن أرادوا أن يتبوءوا مكانا في الحياة وإنما تنفع من أرادوا أن يتبوءوا مكانا في القبور. إن النحو الذي ننشده هو في المستقبل لا في الماضي؛ واللغة التي تصلح لنا وتؤدي مطالبنا في الحياة هي في المستقبل لا في الماضي؛ والأدب الذي يمثل نزعاتنا حق تمثيل هو في المستقبل لا في الماضي؛ والأخلاق التي تلائم الموقف الاجتماعي الذي نقفه اليوم هي في المستقبل لا في الماضي؛ وليس لنا من الماضي إلا ما يصلح للمستقبل بعد غربلته وإبعاد ما تعفن منه. إن موقفنا بين الماضي والمستقبل يجب أن يكون كموقف وجهنا فينا؛ وضعه الطبيعي في الأمام؛ ولكن الإنسان قد يلوي عنقه وينظر إلى الوراء إذا دعت الضرورة، ثم يعود سيرته الأولى من النظر إلى الأمام ويسير ويمضي قدما لشأنه؛ ولن ترى إنسانا طبيعيا لوى عنقه، ونظر إلى الخلف دائما
وممن نكسوا في الخلق هؤلاء الذين ينتظرون القدر؛ أولئك لم ينظروا للمستقبل، ولكن ينظرون إلى ما يفعل بهم المستقبل؛ أولئك ينفعلون ولا يفعلون، ويتأثرون ولا يؤثرون؛ وإنما مستقبلك في يدك ولك دخل كثير في صياغته، فان شئت تكن فقيرا، وإن شئت تكن
стр. 10340
غنيا إلى حد كبير وإن شئت تكن سعيدا، وإن شئت تكن شقيا؛ وليس يستسلم للقدر إلا من فقد إرادته وأضاع إنسانيته
لقد أتى على الناس زمان كان الاستسلام للقدر عنوان (الولاية) ورمز القداسة، وكلما أمعن الإنسان في التجرد عن الدنيا أمعن الناس في تعظيمه وتبركوا به ولثموا يده؛ ولكن هذا تقدير الماضي أما تقدير اليوم والمستقبل فالولاية والقداسة في العمل، والولي أو القديس المصلح، وهو الذي يبني المجد بعمله لأمته وللإنسانية؛ وهو الذي يواجه العمل في شجاعة وإقدام، لا الذي يفر من الميدان؛ وهو الذي يرسم خطة العمل وينفذها، لا الذي يعزى عن الكوارث ويعود المرضى ويلطف وقع البؤس؛ وهو الذي يشق الطريق لمحو الفقر عن الفقراء والبؤس عن البؤساء، لا الذي يذرف الدمع ويوصي بالصبر على احتمال الفقر من غير حث على العمل، والتفكير في طرق الخلاص من البؤس؛ وليس الولي والقديس من يحلم بل من يعمل
مضى الزمن الذي كنا نرصد فيه النجوم لنتطلب السعادة من سلطانها، ونتجنب الشقاء في أوقات نحسها، وأصبحنا نشعر بان النحس نحس الخلق وموت الإرادة، والسعادة حياة النفس وتفتح الأمل، والمشي في مناكب الأرض، وإعمال اليد والعقل في جلب الرزق، وجلب الخير، ودفع الشر، ودفع البؤس والفقر
خير لك إن كنت في ظلمة أن تأمل طلوع الشمس غدا من أن تذكر طلوعها أمس؛ فلكل من الظاهرتين أثر نفسي معاكس للآخر، ففي ترقبك طلوع الشمس غدا الأمل والطموح إلى ما هو آت، وفي هذا معنى الحياة؛ وفي تذكرك طلوعها أمس حسرة على ما فات، وألم من خير كنت فيه إلى شر صرت فيه، وفي ذلك معنى الفناء
وفرق كبير بين من يُلطَم اللطمة فلا يكون له وسيلة إلا البكاء، وتذكر اللطمة ثم البكاء، ثم تذكر اللطمة ثم البكاء، وبين من يلطم اللطمة فيستجمع قواه للمكافحة. والحياة كلها لطمات، وأعجز الناس من خارت قواه أمام أول لطمة فهرب. ولو أنصف الناس لقوموا الناس بمقدار كفاحهم، لا بمقدار فشلهم ونجاحهم
شر ما ألاحظ في الشرق حنينه الشديد إلى الماضي، لا أمله القوى في المستقبل، واعتقاده أن خير أيامه ما سلفت لا ما قدمت، وإعجابه الشديد بأعمال الماضين وإهمال المعاصرين؛
стр. 10341
له منظاران: منضار مكبر يلبسه إذا نضر إلى الماضيومنظار مصغر اسود يضعه إذا نظر إلى الحاضر والمستقبل. يلذه أن يطيل البكاء على الميت، ولا يلذه أن يتدبر فيما يجب أن يفعله الأحياء؛ يستسهل النفقات مهما عظمت على الميت، ويستكثر نفقات الطبيب وأثمان الدواء للمريض. يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تدل على عظم الماضي، ولا يعجبهم أن يتمثلوا الأمثال تبعث الأمل في المستقبل؛ ففي أعماق نفوسهم أن قول القائل: (ما ترك الأول للآخر) خير من القول: (كم ترك الأول للآخر). ويلوكون دائما: (لا جديد تحت الشمس)، ولا يعجبهم أن تقول إن كل ما تحت الشمس في جدة مستمرة، والمستقبل مملوء بالجديد. وإذا رأوا كلمة في كتاب قديم تدل ولو دلالة كاذبة على نظرية جديدة طاروا بها فرحا، لأن ذلك يلائم ما نفوسهم من تعظيم الماضي وتحقير الحاضر والمستقبل. هم يعيشون في أحلام، ولا يريدون أن يعيشوا في حياة واقعة، وحول هذه المعيشة الحالمة ينسجون دائما ما يوافقها ويمازجها ويسايرها؛ يكتفون بالأمل أن ينعموا بالآخرة؛ وماذا عليهم لو عملوا لينعموا في الدنيا والآخرة؟
أحمد أمين
стр. 10342
٢ - المجنون
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
ورأيت المجنونين يدخلان معا فكأنما سدا الباب وسوياه بالبناء، وتركا الغرفة حائطا مصمتا لا باب فيه مما اعتراني من الضيق والحرج؛ وقلت في نفسي: إنه لا مذهب للعقل بين هذين إلا أن يعين كلاهما على صاحبه، فأرى أن أدعهما وأكون أنا أُصرفهما؛ ويا ربما جاء من النوادر في اجتماع مجنونين ما لا يأتي مثله من عقلين يجتمعان على ابتكاره؛ غير أني خشيت أن أكون أنا المجنون بينهما، ثم لا آمن أن يثب أحدهما بالآخر إذا خطرت به الخطرة من شيطانه، فرأيت أن يكون لي ظهير عليهما، إن لم يحق به العون فلا أقل من أن يطول به الصبر. . وكان إلى قريب مني الصديق ا. ش. فأرسلت في طلبه
أما هذا المجنون الثاني الذي جاء به (نابغة القرن العشرين) فقد رأيته من قبل، وهو كالكتاب الذي خلطت صحفه بعضها في بعض فتداخلت وفسد ترتيبها، وانقلب بذلك العلم الذي كان فيها جهلا وتخليطا يثب الكلام بعد كل صفحة إلى صفحة غريبة لا صلة لها بما قبلها ولا ما بعدها
وهو طالب أزهري كان همه أن يصير حافظا كالحفاظ الأقدمين من الرواة الفقهاء، فجعل يستظهر كتابا بعد كتاب ومتنا بعد متن؛ وكانت له أذن واعية فكل ما أفرغ فيها من درس أو حديث أو خبر، نزل منها كالنقر على آلة كاتبة، فينطبع في ذهنه انطباع الكتابة لا تمحى ولا تنسى
ثم التاث هذه اللوثة وهو يحفظ متنا في فقه الشافعي ﵁، فغبر سنين يتحفظه، كلما انتهى إلى آخره نسيه من أوله؛ فيعود في حفظه وربما أثبت منه الشيء بعد الشيء، ولكنه إذا بلغ الآخر لم يجد معه الأول؛ فلا يزال هذا دأبه لا يمل ولا يجد لهذا العناء معنى، ولا يزال مقبلا على الكتاب يجمعه ثم لا يزال الكتاب يتبدد في ذاكرته.
وترك المعهد الذي هو فيه وتخلى في داره للحفظ وأجمع أن لا يدع هذا المتن أو يحفظه كأن فيه الموضع الذي فارقه عقله عنده، وبذلك رجع المسكين آلة حفظ ليس لها مساك؛ وأصبح كالذي يرفع الماء إلى البحر، ثم يلقيه في البحر، لينزح البحر. . .
وجاء ا. ش فقلت له وأومأت إلى المجنون الأول: هذا نابغة القرن العشرين
стр. 10343
قال: وهل انتهى القرن العشرون فيعرف من نابغته؟
فقلت للمجنون: أجبه أنت. فسأله: وهل بدأ القرن الواحد والعشرون؟ قال لا
قال: فان هذا الذي إلى جانبي نابغة القرن الواحد والعشرين. . . فكما جاز أن يكون هو نابغة قرن لم يبدأ، جاز أن أكون أنا نابغة قرن لم ينته
قلت: ولكنك زدت المشكلة تعقيدا من حيث توهمت حلها. فكيف يكون معك في آن وبينك وبينه خمس وستون سنة؟
فنظر نظرة في الفضاء، وهو كلما أراد شيئا عسيرا نظر إلى اللاشيء. . . ثم قال: هذه الأمور لا تشتبه إلا على غير العاقل. . . وكيف لا يكون بيني وبينه خمس وستون سنة وأنا أتقدمه في النبوغ بأكثر من علم العلماء في خمس وستين سنة. . .؟
قلت للآخر: أكذلك؟
قال: مما حفظناه عن الحسن: أدركنا قوما لو رأيتموهم لقلتم مجانين، ولو أدركوكم لقالوا شياطين. . .
فضحك الأول وقال: إنه تلميذي
قال الثاني: لقد صدق فهو أستاذي ولكنه حين ينسى لا يذكّره غيري. . .
قلت: لا غرو؛ (فما حفظناه) عن الزهري: إذا أنكرت عقلك فقدحه بعاقل. . .
فغضب نابغة القرن العشرين وقال: ويح لهذا الجاهل، الأحمق، الجاحد للفضل، مع جنونه وخبله. أيذكّرني وهو منذ كذا وكذا سنة يحفظ متنا واحدا لا يمسكه عقله إلا كما يمسك الماء الغرابيل؟ صدق والله من قال: عدو عاقل خير؛ خير؛ خير. فقال الثاني: خير من صديق جاهل، ها أنذا قد ذكرتك من نسيان، وهانت ذا رأيت
فضحك النابغة وقال: ولكني لم أرد أن أقول هذا، بل أريد أن أؤلف كلاما آخر. . . . . . عدوا عاقل خير، خير، خير؛ خير من مجنون جاهل. . . . . .
ورأيت أن في التقاء مجنونين شيئا طريفا غير جنونهما، وصح عندي أن المجنون الواحد هو المجنون؛ أما الاثنان فقد يكون من اجتماعهما وتحاورهما فن ظريف من التمثيل إذا وجدا من يصرفهما في الحديث، ويستخرج ما عندهما، ويستكشف منهما قصتهما العقلية. . . . . . . . . . . .
стр. 10344
ولم أكن أعرف أن (نابغة القرن العشرين) من المجانين الذين لهم أذن في غير الأذن، وعين في غير العين، وأنف بغير الأنف؛ إذ تتلقى أدمغتهم أصواتا وأشباحا وروائح من ذات نفسها لا من الوجود، وتدركها بالتوهم لا بالحاسة، فتتخلق هواجسهم خلقا بعد خلق، وتخطر الكلمة من الكلام في ذهن أحدهم فيخرج منها معناها يتكلم في دماغه أو يمشي أو يلاطفه أو يؤذيه أو يفعل أفعالا أخرى
وبينما أنا أدير الرأي في إخراج فصل تمثلي من الحوار بين هذين المجنونين، إذ قال (نابغة القرن العشرين): صه، إن جرس (التلفون) يدق
قال ا. ش: لا أسمع صوتا وليس ههنا تلفون
فاغتاظ المجنون الآخر وقال: إنك تتقتحم على النوابغ ولست من قدرهم، وما عملك إلا أن تنكر، والإنكار، ويلك، أيسر شيء على المجانين وأشباه المجانين، والعامة وأشباه العامة؛ وقد أنكرت نبوغه آنفا وأراك الآن تنكر (تلفونه). . . . .
قال ا. ش: وأين التلفون وهذه هي الغرفة بأعيننا؟
فضحك (نابغة القرن العشرين) وقال: صه ويحك لقد خلطت على؛ إن الجرس يدق مرة أخرى وأنا لا أريد أن أكلملها حتى يطول انتظارها، وحتى تدق ثلاث مرات، وأخشى أن تكون قد دقت الثالثة وذهب رنينها في صوتك ولغطك
قال المجنون الآخر: هي صاحبته التي يهواها وتهواه؛ وقد استهامها وتيمها وحيرها وخبلها حتى لا صبر لها عنه، فوضعت له تلفونا في رأسه. . . . . . . . .
قال (النابغة): وهذا التلفون لا يسمعني صوتها فقط، بل ينشقني عطرها أيضا. وقد تكلمني فيه الملائكة أحيانا، وأنا ساخط هذه الحبيبة فأنها غيور تخشى سطواتها على اللاتي تغار منهن؛ ولولا ذلك لكلمتني في هذا التلفون إحدى الحور العين. . . قلنا: أو تغار منها الحور العين؟
قال المجنون الثاني: بل الأمر فوق ذلك، فان الحور العين يشتمنها ويلعنها؛ (فمما حفظناه) هذا الحديث: لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله؛ فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا
قال (نابغة القرن العشرين): ويلي على المجنون! إنه يريد أن يخلوا له موضعي فهو يتمنى
стр. 10345
هلاكي وانتقالي وشيكا من هذه الدنيا. وهو يقول بغير علم لأنه أحمق ليس له عقدة من العقل، فيزعم أنها تؤذيني، ولو هي آذتني لغضبت قبل ذلك، ولو غضبت لرفعت التلفون. صه إن الجرس يدق
قال ا. ش: إن للنوابغ لشأنا عجيبا، ففي مديرية الشرقية رجل نابغة ماتت زوجته وتركت له غلاما فتزوج أخرى وهو يعيش في دار أبيه. فلما كان عيد الأضحى سأل أباه مالا يبتاع به الأضحية فلم يعطه. وهو رجل يحفظ القرآن فذكر قصة إبراهيم ﵇ ورؤياه في المنام أنه يذبح أبنه، فخيل إليه أن هذا باب النبوة وأن الله قد أوحى إليه، فأخذ الغلام في صبيحة العيد وهم بذبحه. ولولا صرخ الغلام فأدركه الناس فاستنقذوه. . .
قال (نابغة القرن العشرين): هذا مجنون وليس بنابغة؛ بل هذا من جهلاء المجانين؛ بل هو مجنون على حدته. وقد رأيته في البيمارستمان حين كنت أنا في المستشفى. . . فكان يزعم أنه ائتمر في ذبح غلامه بإرادة الله. ولو كانت إرادة الله لنفذت بالذبح، ولو كان الأمر وحيا لنزل عليه من السماء كبش يذبحه. . .
وهكذا أنا في المنطق (نابغة القرن العشرين)
ثم إنه أشار إلى المجنون الثاني وقال: وأنا أتقدم هذا في النبوغ بأكثر من علم العلماء في خمس وستين سنة كاملة
قلت: ولكنك ذكرت هذا من قبل فلم عدت فيه الآن؟
قال: إن السبب قد تغير فتغير معنى الكلام؛ وقد بدا إلى أنه يتمنى هلاكي ليكون هو نابغة القرن العشرين. فمعنى الكلام الآن: أنه لو عاش خمسا وستين سنة (يحفظ المتن) لما بلغ مبلغي من العلم. هذا رجل نصفه ميت جنونا موتا حقيقيا، ونصفه الآخر ميت جهلا بالموت المعنوي
قال ا. ش: حسبه أن يقلدك تقليد العامي لإمامه في الصلاة؛ وعسى ألا تستكثر عليه هذا فأنه تلميذك
قال المجنون الثاني (مما حفظناه): لو صُوِّر العقل لأضاء معه الليل، ولو صور الجهل لأظلم معه النهار. . . ونابغة القرن العشرين هذا لا يعرف كيف يصلي، فقد وقف منذ أيام يصلي بالشعر. . . ولما رأيته ناسيا فذكرته ونبهته أن الصلاة لا تجوز بالشعر، التفت إلي
стр. 10346
وهو راكع فسبني وشتمني وصرخ في وقال: ما شأنك بي هل أنا أصلي لك أنت. . .
فغضب (النابغة) وقال: والله إن تحسبونني إلا مجنونا فتريدون أن يقلدني هذا الأحمق الذي ليس له رأي يمسكه. ولولا ذلك لما اعتقدتم أن تقليدي من السهل الممكن، ولعرفتم أن نابغة القرن العشرين نفسه لم يستطع تقليد نابغة القرن العشرين
قلنا: هذا عجيب، وكيف كان ذلك؟
فضحك وقال: لا أعدّكم من الأذكياء إلا إذا عقلتم كيف كان ذلك
قال ا. ش: هذا لم يعرف مثله فكيف نعرفه، ولم يتوهمه أحد فكيف نتوهمه؟
وقلت أنا: لعلك رأيت نفسك في الرؤيا
قال: لو لم تكن أستاذ نابغة القرن العشرين لما عرفتها؛ وهذا نصف الصواب؛ وما دمت أستاذي، فلو أننا اختلفنا في رأي لكان لي صوابا لأنه منك، وكان خلافي لك صوابا لأنه مني؛ فأنت (غير مخطئ) وأنا مصيب، وإذا أسقطنا كلمة (غير) أضل أنا مصيبا وتكون أنت مخطئا. . .
أنا لم أر (نابغة القرن العشرين) في الرؤيا ولكني رأيته في المرآة عند الحلاق. . . ورأيته يقلدني في كل شيء حتى في الإشارة والقومة والقعدة، ولكني صرخت فيه وسببته ففتح فمه ثم خافني ولم يتكلم. . .
وأومأ إلى المجنون الآخر وقال: وأنا أتقدم هذا في النبوغ بأكثر من علم العلماء في خمس وستين سنة
قال ا. ش: لقد قلتها مرتين كلتاهما بمعنى واحد، فما معناك في هذه الثالثة؟
قال: هذا الغِرّ يزعم أني لا أعرف كيف أصلي، ويستدل بذلك بأني صليت بالشعر وأني شتمته وأنا راكع؛ ولو كان عاقلا لعلم أن شتمي إياه وأنا راكع ثواب له. . . ولو كان نابغة لعلم أن الشعر كان في مدح دولة النحاس باشا وأولى النُّهى
قلنا: ولكن الشعر على كل حال لا تجوز به الصلاة ولو في مدح دولة النحاس باشا
قال: لم أصل به ولكن خطر لي وأنا أصلي أني نسيت القصيدة فأردت أن أتحقق أني لم أنسها. . . فإذا أنا نابغة القرن العشرين في الحفظ وهي ستة أبيات. لا كهذا المعتوه الذي صبر على المتن صبر الغريب على الغربة الطويلة ومع ذلك لم يحفظه
стр. 10347
قال ا. ش: فأملِ علينا هذا الشعر. فأملى عليه
يا حليف السُّهْد قل لي … أين مَنْ في الدهر خالْ
إن تكن تهوى غزالا … أكحل العينين مالْ
أنا أهواها ولكن … لا سبيل إلى الوصالْ
منذ ولَّت قلتُ مهلاً … منذ غابت في خيالْ
أنا مجنونٌ بليلى … ليلَ يا ليلى! تعالْ
قلنا ولكن ليس هذا مدحا. فضحك وقال: أردت أن تعرفوا أني أقول في الغزل، أما المديح فهو:
شغفَ الورى بمناصبٍ وأماني … وشَغَفْتَ يا نحاسُ بالأوطان
حسبوا الحياةَ تفاخرا وتنعّما … وحسِبتها للهِ والأوطان
ثم ارتَجّ عليه فسكت. قال المجنون الآخر: إنها ستة أبيات، وقد نسيت أربعة، ولست أريد أن أذكرك
فقال (النابغة): أظنه قد حان وقت الصلاة وأريد أن أصلي. . . ونظر إلى اللاشيء في الفضاء ثم قال. والبيت الأخير:
لا أبتغي في المدح غيرَ أولي النُّهى … أو صادق أو شوقي أو مطران
ثم أمر ا. ش أن يقرأ عليه الشعر فقرأه، فقال: أحسنت، أنظر إلى فوق؛ فنظر، ثم قال انظر إلى تحت؛ فنظر ثم سكت
قال ا. ش: وبعد؟ قال: وبعد فإن الناس ينظرون إما إلى فوق وإما إلى تحت. . .
وكان الضجر قد نال مني، فرجوت ا. ش. أن يلبث معهما وأذنت لنابغة القرن العشرين أن يلقاني في الندى وانصرفت
قال ا. ش وهو يُنبّئني: فما غبت عنا حتى أخذ المجنون يشكو ويتوجع ويقول: لقد حاق بي الظلم، وإن (الرافعي) رجل عسوف ظالم لأني أكتب له كل مقالاته التي ينشرها في (الرسالة). . . وأجمع نفسي لها، واجهد في بيانها، وأذيب عقلي فيها، وهو مستريح وادع، وليس إلا أن ينتحلها ويضع توقيعه عليها ويبعث بها إلى المجلة ثم يقبض هو فيها الذهب وينال الشهرة ولا يدفع لي عن كل مقالة إلا قرشين. . .
стр. 10348
قال ا. ش: فما يمنعك أن ترسل أنت هذه المقالات إلى المجلة فتقبض فيها الذهب، قال: إن هناك أسرارا أنا محصنها وكاتمها، ولا ينبغي أن يعلمها أحد فأنها أسرار. . .
قال له فدع (الرافعي) واكتب لي أنا هذه المقالات وأنا أعطيك في كل مقالة ذهبين لا قرشين
قال هذه أسرار ولا أستطيع أن اكتب ' إلا للرافعي، لأن (نابغة القرن العشرين) لا يجوز أن يدعي كلامه إلا أستاذ نابغة القرن العشرين، ولو ادعاه غيره لكان هذا حطا من قدر نابغة القرن العشرين. وهذا بعض الأسرار لا كل الأسرار. . .
قلت ثم جاء المجنونان في العشية إلى الندى
(لها بقية)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10349
١ - الصقالبة في الرواية العربية
وفي الدولة الأندلسية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
لم يعن العرب في فتوحاتهم الأولى بتعيين الأمم والأجناس الأجنبية تعيينا واضحا، وإذا استثنينا الفرس والروم والقبط والبربر والقوط، فإن هذا التصنيف للأمم والأجناس الأجنبية يتخذ في الرواية الإسلامية صفة التعميم الغامض، فنجد كلمات (الأعاجم) و (النصارى) و (الفرنج) تطلق على أمم وأجناس متباينة لا يمكن تحديدها وتعيينها إلا على ضوء الحوادث والظروف؛ بل نجد كلمة (الروم) ذاتها تطلق في الرواية الإسلامية الأولى على الرومان وعلى سكان الدولة الشرقية (الدولة البيزنطية) اليونانيين أحياناً على سكان المستعمرات الرومانية مثل الشام وطرابلس؛ وتطلق كلمة الفرنج لا على أمة الفرنج (الفرنكيين) وحدها، بل على معظم الأمم والممالك النصرانية التي كانت تعيش يومئذ في غرب أوربا وفي وسطها؛ ولم تعن الرواية الإسلامية بالتصنيف والتحديد في هذا الميدان إلا منذ القرن الثالث الهجري، وفي القرن الرابع نجد هذا التصنيف القومي أكثر وضوحا سواء من حيث اللفظ أو المعنى، فنجد الرواية الإسلامية تحدثنا عن الفرنج والألمان (الألمان) والبلغار والروس والصقالبة، وعن انكبردية (بلاد اللومبارد) والفرنسة وبريطانية؛ وهذا التقدم في تصنيف الأجناس والأمم يرجع إلى تقدم مماثل في الجغرافية الاسلامية، وإلى تقدم العلائق والصلات الدبلوماسية والتجارية بين الأمم الإسلامية والأمم النصرانية
وقد كانت كلمة (الصقالبة) من أغمض الكلمات التي أطلقت في الروايات الإسلامية على الأجناس الأجنبية الدخيلة؛ ولم يبق اليوم ثمة غموض في تعريف البلدان والأمم الصقلبية، فهي تشمل قسما من بلاد البلقان وتشمل صربيا ورومانيا وروسيا حتى الشرق الأقصى وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا وشرق ألمانيا؛ وبعبارة أخرى هي الأمم التي تعرف اليوم بالأمم (السلافية) أو السلافونية ; ولكن كلمة (الصقالبة) في الرواية الإسلامية كانت بعيدة جداً عن أن تشمل مثل هذا التصنيف الواسع، ومع أننا نراها مستعملة في الرواية الإسلامية منذ القرن الثاني للهجرة، فأنها لبثت دائما لفظا غامضا متباين المعنى. فمثلا يستعملها البلاذري، وهو من أقدم رواة الفتوح الإسلامية في أكثر من مناسبة؛ فيقول لنا إن المنصور (نقل
стр. 10350
الخصوص وهم فرس وصقالبة وأنباط ونصارى من المصيصة وكان مروان أسكنهم إياها)؛ ومن الصعب أن نضبط المعنى الذي ينصرف إليه لفظ (الصقالبة) في هذا العصر المتقدم. بيد أنه يلوح لنا أن الكلمة كانت تطلق حتى القرن الثالث على سكان بلاد الخزر (قزوين) والقوقاز وما إليها، ثم اتسع معناها نوعا وأطلقت على سكان البلقان المتاخمين للدولة البزنطية مثل البلغار؛ وقد كان الصقالبة في الواقع يستعمرون هذه الأنحاء في تلك العصور، وكانت لهم في بلغاريا مملكة (صقلبية) حقيقية. وكان معنى الكلمة أوضح وأدق في الغرب الإسلامي في الأندلس وصقلية والمغرب، حيث كانت تطلق على الأجناس الصقلبية الحقيقية التي تسكن حوض الدانوب الشرقي والأوسط وألمانيا وضفاف الادرياتيك، ويؤتى منها إلى الأندلس والمغرب بالخصيان والأسرى؛ ويعرف الشريف الإدريسي بلاد الصقالبة بأنها هي شبه جزيرة البلقان، وهو في الواقع معنى أقدم من عصر الإدريسي، بيد أن الإدريسي يشير على ما يظهر إلى التحديد السياسي حيث كانت مملكة الصقالبة (بلغاريا) تسود يومئذ بلاد البلقان
وعرف الصقالبة وعرفتهم القصور الإسلامية في عصر مبكر جدا، فمنذ الدولة الأموية نجدهم في بلاط الخليفة وفي الجيش؛ ولكن نفوذهم الحقيقي في القصور الإسلامية يبدأ منذ القرن الرابع الهجري، فنراهم عندئذ يتقلبون في الوظائف والمهام العليا بعد أن كانوا يقتصرون على تقلد الوظائف والمهام الصغرى في البلاط وداخل القصر، مثل وظائف الخدمة السلطانية والنظر على الشؤون المنزلية المحضة كشؤون المائدة والثياب والرياش، ونراهم يسيطرون على شؤون الدولة العليا، فيتولون الوزارة والقيادة والوصاية أحيانا ويسود نفوذهم في القصر وفي الحكومة. وقد كان هذا النفوذ يرجع في الغالب إلى سياسة الدول والأسر، تعمل لرعايته وإيثاره لبواعث سياسية واجتماعية؛ وسنقتصر هنا على معالجة مركز الصقالبة ونفوذهم في الأندلس حيث كانت لهم دولة وكان لهم أيما نفوذ
- ٢ -
كانت سياسة الدولة الأموية بالأندلس تقوم منذ البداية على اصطناع الموالي والصقالبة واتخاذهم أداة وبطانة؛ وكانت الظروف العصيبة التي أحاطت بقيام الدولة الأموية في الأندلس، والخطوب والثورات الجمة التي تفجرت حول عبد الرحمن الداخل والتي أثارها
стр. 10351
خصومه ومنافسوه من زعماء القبائل العربية، هي التي حملته على الاسترابة بالعرب وعلى اصطفاء البربر والموالي الذين آزروه وقت المحنة ومكنوه من توطيد زعامته وإمارته؛ وقد حافظ خلفاء الداخل على هذه السياسة في جوهرها منذ البداية لشعورهم بأهميتها وضرورتها لمقاومة نفوذ القبائل الخصيمة التي كانت تتقاسم السلطان والنفوذ قبل قيام الدولة الأموية؛ وظهر الصقالبة بكثرة لأول مرة في البلاط الأندلسي في عهد الحكم المنتصر حفيد عبد الرحمن الداخل (١٨٨ - ٢٠٦هـ)؛ وكان الحكم يعشق مظاهر الفخامة والملك فغص البلاط الأموي في عصره بالخدم والحشم من المماليك والصقالبة حتى بلغ عددهم زهاء خمسة آلاف وأخذ نفوذ أولئك الصقالبة يقوى شيئا فشيئا داخل القصر والبطانة. بيد أنه لبث مدى حين بعيدا عن الشؤون الدولة العليا قاصرا على شؤون القصر والخاص
وفي عهد الناصر قوى نفوذ الصقالبة وازدهر؛ وكان الناصر يجري على سنة سلفة عبد الرحمن الداخل في الاسترابة بالقبائل العربية ذات العصبية والبأس وفي إقصاء زعمائها عن مناصب النفوذ والثقة؛ وكان يمعن في الاستئثار حتى لقد ألغى وظيفة الحاجب، وجمع مقاليد الحكم كلها في يده؛ وعهد بالمناصب الكبيرة إلى رجال وضيعي المنبت من الصقالبة والموالي المعتقين أو الأرقاء؛ وهم رجال لا إرادة لهم يوجههم كيفما شاء؛ وكان يثق بالصقالبة بنوع خاص ويوليهم من النفوذ مالا يوليه سواهم
ومنذ أواسط عهد الناصر يبدأ نفوذ الصقالبة الحقيقي في بلاط قرطبة. وقد كانت كلمة الصقالبة تطلق في الأندلس كما قدمنا على الأسرى والخصيان من الأجناس الصقلبية الحقيقة؛ ولكنها غدت تطلق بمضي الزمن على جميع الأجانب الذين يخدمون في البطانة وفي الجيش؛ ولما استحكم نفوذ الصقالبة واستأثروا بحماية الخليفة والقصر، أضحت الكلمة تطلق منذ عهد الحكم المستنصر على الحرس الخلافي وقد انتهت إلينا عن صقالبة الأندلس في العصر رواية شاهد عيان هو الرحالة البغدادي أبن حوقل الذي زار قرطبة والزهراء في أواخر عهد الناصر أو أوائل عهد أبنه الحكم المستنصر وبحث أحوال الصقالبة وكتب عنهم في رحلته ما يأتي:
(وبالأندلس سلاح كثيرة ترد إلى مصر والمغرب، وأكثر جهازهم الرقيق من الجواري
стр. 10352
والغلمان من سبي فرنجة وجليقية. والخدم الصقالبة وجميع من على وجه الأرض من الصقالبة الخصيان من جلب الأندلس، لأنهم بها يخصون، ويفعل ذلك بهم تجار اليهود عند قرب البلد؛ وجميع ما يسبى إلى خراسان من الصقالبة فباقي على حالته، ومقر على صورته. وذلك أن بلد الصقالبة طويل فسيح، والخليج الآخذ من بحر الروم ممتد على القسطنطينية واطرابذنده يشق بلدهم بالعرض، فنصف بلدهم بالطول يسبيه الخراسانيون ويصلون، والنصف الشمالي يسبيه الأندلسيون من جهة جليقية وأفرنجة وانكبرده وقلورية، وبهذه الديار من سبيهم الكثير الباقي على حاله)، ومعنى ذلك أن الصقالبة الأندلسين كانوا مزيجا من الجليقيين (النصارى الأسبان) والألمان والفرنسيين (أهل افرنجة) واللومبارديين (أهل انكبردة) والايطاليين من (قلورية) وكذلك الروس وهم أهل القسم الأول من بلاد الصقالبة. وكان معظم هؤلاء الصقالبة يؤتى بهم أطفالا من الجنسين بواسطة خوارج البحر (القرصان) وتجار الرقيق، وتحملهم سفن القرصان أو سفن البنادقة إلى مختلف ثغور البحر الأبيض؛ وكانت الكنيسة تقاوم هذه التجارة المثيرة وتحرمها؛ بيد أنها كانت تجري في روما عاصمة النصرانية ذاتها؛ وفي معظم الثغور الإيطالية. وكانت الحرب مصدرا آخر لجلب هؤلاء الصقالبة، ففي كثير من الغزوات الإسلامية المنظمة لأمم النصرانية؛ وفي الحملات والغزوات البحرية الناهبة كان المسلمون يغنمون كثيرا من السبي والأسرى صغارا وكبارا، ومنهم الصقالبة الذين يخدمون جندا مرتزقة في معظم الجيوش النصرانية؛ هذا عدا الرقيق والأسرى من مختلف الجنسيات والأمم يتدفقون على الثغور والعواصم الإسلامية عقب كل فتح أو غزوة ناجحة وكان الصقالبة يختارون في الغالب أطفالا من الجنسين، ويربون منذ الحداثة تربية عربية حسنة، ويلقنون مبادئ الإسلام؛ وقد بلغ بعضهم في النثر والنظم وصنفوا الكتب والقصائد، وبلغوا في عهد الناصر قسطا وافرا من السلطان والنفوذ، واحتلوا الوظائف الكبرى في القصر وفي الإدارة والجيش، وأحرزوا الضياع والأموال الوفيرة؛ وفاق عددهم في عهد الناصر أي عهد آخر حتى قدر بعض المؤرخين عددهم يومئذ في القصر والبطانة بثلاثة عشر ألفا وسبعمائة وخمسين، وبلغوا في رواية أخرى ستة آلاف وثمانين، وفي رواية ثالثة ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمسين؛ وعلى أي حال فقد كان منهم الحرس الخلافي، ورجال الخاص والحشم، وكان الناصر يمد لهم في السلطان والنفوذ
стр. 10353
ويرغم أشراف العرب وزعماء القبائل على الخضوع لهم ليذل بذلك أنوفهم ويسحق هيبتهم بل كان كل منهم في الناصر قائد الجيش الأعلى نجدة، ومعظم أكابر القادة والضباط، وكان منهم أفلح صاحب الخيل ودرى صاحب الشرطة؛ ومنهم ياسر وتمام صاحبا النظر على الخاص وكان لهذه السياسة غير بعيد أسوأ الأثر في انحلال الجيش وفتور قواه المعنوية لما جاشت به صدور الضباط والجند العرب من الحفيظة والسخط على هذه السياسة المهينة؛ وكانت هزيمة الناصر في موقعة الخندق الشهيرة (الانديجا) أمام نصارى الشمال (٣٢٧هـ - ٩٣٩م) ترجع من وجوه كثيرة إلى هذا الانحلال المعنوي الذي سرى إلى الجيش من جراء الأحقاد القومية والطائفية
للبحث بقية
(النقل ممنوع)
محمد عبد الله عنان
стр. 10354
من ذكريات لبنان
الحذاء الذهبي
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
(استيقظت!)
وكانت قد أغفت، وهي قاعدة على دكة تحت شجرة صنوبر، وذراعها على سور النافورة، ويسراها على حجرها، ثم فركت عينيها فقلت:
(والآن أرجو أن يلهمها الله ألا تغير جلستها، فإنها هكذا أحلى!)
فحطت ساقا عن ساق، وتناولت حقيبتها الصغيرة وفتحتها ونظرت في المرآة، ثم أخرجت منديلا، وجعلت تلمس به وجهها في مواضع فقلت:
(ولها جيد جميل أيضا - وأناملها مخضبة. . . الآن صرت لا أرى عيبا في قول من يقول إن هذا من دم العشاق!)
فابتسمت وقالت - كأنها تحدث نفسها - (ماذا يقول هذا الرجل؟)
فقلت، وأنا أنكث الأرض بعود صغير في يدي: (إنه يسأل: أتراك زوجته؟)
فزوت ما بين عينيها وقالت: (زوجته؟ زوجة من؟)
قلت: (زوجتي أنا!)
فصاحت: (إيه؟)
قلت: (زوجتي. . . تعرفين الكلمة؟. . يتهجونها هنا بالزاي والواو والجيم، أتهجاها أنا بالحاء والباء و. . .)
وكانت تنظر إلي مبهوتة، ثم ابتسمت وسألتني:
(هل تعني أنك لا تستطيع أن تعرف زوجتك حين تراها؟)
فأهملت السؤال وقلت: وأنا أشير بالعود الذي في يدي:
(إنك هي. . . أو أنت عيناها، وجيدها وساقاها. . .)
فخيل إليها أنها فهمت وقالت: (أوووه! ألك زمان طويل لم ترها؟)
قلت: (طويل جدا. . . ربع ساعة!)
فصدمها هذا فقطبت وقالت: (إنك تسخر مني) ومدت يدها إلى الحقيبة
стр. 10355
فقلت: (لا تعجلي! ألم أقل إنك هكذا أحلى؟ وعلى ذكر ذلك أسألك: كيف يمكن أن تأكلي بهذا الفم الصغير؟)
فقالت: (إني ذاهبة. . . اسمح لي)
قلت: (إنها ذاهبة؟؟ هل سمع أحد بمثل هذا؟ ليت شعري كيف تستطيع أن تمشي بمثل هذا الحذاء الدقيق؟ ثم تجيء زوجتي فتوسعني تأنيبا!)
وكانت تهم بالقيام، فترددت، ثم سألتني:
(من أنت؟ أني أريد أن أعرف)
فقلت، وعيني إلى الأرض: (إنها تسأل؟ بداية حسنة على كل حال - خطوة في الطريق القويم - ومتى رأيت امرأة تعنى بأن تسأل من يكون الرجل، فاعلم بأن الأمل في. . . .)
فانتفضت ئمة وقالت وهي عابسة: (سأذهب)
ولكنها لم تكد تخطو خطوة واحدة حتى صرخت وارتدت فانحطت على الدكة، وانحنت فمدت يديها إلى قدمها اليمنى، فأسرعت إليها أسألها ما الخبر، وكانت قد خلعت الحذاء ودست فيه إصبعين تتحسس بهما، فقالت: (مسمار! ماذا أصنع؟)
فأخذت الحذاء ونظرت فيه ثم قلت: (من كان يتصور أن هذا الحذاء الصغير يمكن أن يسكنه مسمار ضخم كهذا؟ والآن هل يمكن أن يكون في حقيبتك عتلة أو معول أو فأس أو أي شيء أصغر أو أكبر ندق به هذا المسمار الملعون؟)
فقالت وهي تضحك: (لا تمزح من فضلك!)
قلت: (هذا أحسن - نعم يجب أن نضحك إذا لم نستطع أن نفعل ما هو خير من ذلك؟)
فقالت: (ولكن ألا تستطيع شيئا؟)
وتلفتت وقلت، أستطيع أن أضع النعل على وجهي، وأقبض على رأس المسمار بأسناني، وأشد. . . هكذا)
فصاحت بي وهي تتلوى من الضحك (أرجو. . أرجو. .)
فقلت: (أعرف ما تريدين بغير حاجة إلى رجاء. . . أن أحملك إلى حيث تقصدين)
فغاض الابتسام، واعتدلت في جلستها وقالت: (أتظن أني أسمح لك بذلك؟ مستحيل!)
قلت: (ولما لا؟ إنك أخف من الريشة، وفي وسعي - بعد قليل من التدريب - أن أظهر بك
стр. 10356
على المسرح، وأمشي بك على الحبل، محمولة على أسناني)
فضحكت ثم قالت: (إنك فظيع!)
قلت: (بالعكس. . . إني لطيف جدا. . .)
فقاطعتني ضاحكة وقالت: (دع لطفك الآن. . .)
- قبل أن تعترفي به؟ هذا مطلب بعيد!
- وقل لي ما العمل؟
فقلت: (العمل أن تجلسي حيث أنت - وإن كنت سأحرم منظرك الفاتن وأعود إلى (القهوة) ثم أكر إليك بالحذاء في يدي - لا في رجلي - بعد أن نطرد هذا الطفيلي)
وانحدرت إلى حيث (القهوة) وعثرت مرتين أو ثلاثا، فآمنت أن العجلة من الشيطان، ولكني مع ذلك، وعلى الرغم مما أصابني، ظللت أعدو كأن ورائي ألف كلب من كلاب الصيد، وحرت بين أشجار القهوة فوقفت أنادي (يا حاج الياس! يا حاج الياس!)
فأقبل علي اثنان من أعوانه؛ فأشرت إليهم بالحذاء وطلبت شيئا أخرج به المسمار
وكانت زوجتي - مع أولادنا - على مقربة مني، وكانت تراني ولا أراها، فقالت: (ما هذا؟)
فدرت حتى واجهتها وقلت، وأنا أمشي إليها:
(هذا؟ آه! هذا حذاء جميل. . . . . .)
فدهشت وسألتني: (من أين جئت به؟ أين وجدته؟)
قلت: (لا تسألوا عن أشياء إن تُبْدَ لكم. . . صدق الله العظيم. . . خذي جربيه! اخلعي هذا. . .)
وانتزعت حذاءها الأيمن، وذهبت أعدو به
(ولكن هذا ليس حذائي؟)
قلت: (يا فتاتي المتبطرة. . هو حذاء والسلام. . تستطيعين أن تلبسيه وتمشي به وتقطعي أربع مائة متر، ثم تخلعيه لا شاكرة ولا مشكورة، ثم تلبسي حذاءك الجميل، وتقعدي به كما أنت الآن. . . رشيقة أنيقة. . . فاتنة الجيد. . . ساحرة العينين. . . وتروحي تهذري مع زوجتي التي تصب على رأسي الآن أحر اللعنات. . . ومن يدري؟ إذ لم تعجلي قبل أن
стр. 10357
يطغي بها الحنق والسخط، فقد تلقي بحذائك في البركة. . . إن النساء هكذا. . . حذاؤك جميل، ولكن كل امرأة تعتقد أن حذاءها هي أجمل وأنفس. . . هيا بنا!)
فوقفت وهي تقول: (ولكني لا أستطيع أن أمشي به. . . واسع. . .)
قلت: (لا تذمي زوجتي - أعني قدمها، فأنها جميلة. . . ثم إن المشي في الحذاء واسع خير من المشي في حذاء في جوفه مسمار. . . تعالي بالله قبل أن يغرق في البركة)
فتوقفت وصوبت عينها إلى قدميها وقالت: (ولكنه فضي وحذائي ذهبي؟)
قلت: (قوس قزح. . . تعالي. . . أترانا في معرض أزياء هنا؟ نحن في الجنة المغروسة على جبال (الشوير) ولا أحد معنا ولا ثالث لنا إلا. . . . إلا الهوى. . . كآدم وحواء. . . وعلى ذكر ذلك أظن أن حواء كانت تلف ذراعها بذراع آدم إذ يسيران في الجنة)
وقالت زوجتي ونحن مقبلان عليها:
(لم أر مثلك أبدا في الدنيا!)
قلت: (صدقت يا امرأة! وأين تجدين في هذه الدنيا نظيري)
قالت محتجة: (تخطف حذائي وترمي إلي هذا الـ. . .)
وأشارت بازدراء إلى حذاء الفتاة، وكان ملقى على الأرض
فقلت: (هس! إن اللص معي، أعني المسئولة عن الجريمة والمحرضة على ارتكابها)
فصاحت الفتاة وضربت بكفها على صدرها: (أنا؟)
ونظرت زوجتي إلى قدمي الفتاة ثم نهضت وأقبلت عليها وقالت، وهي تمد إليها يديها:
(أوه! لم أكن أعرف؟ ولكن كيف استطعت أن تمشي فيه؟ أنه واسع. . . ورجلك أصغر. . . وأجمل أيضا؟)
فالتفت إلى الفتاة وقلت: (أتسمعين يا هذه؟ إنها تقر لرجلك بالمزية! وجيدها؟ أليس ساحرا يا امرأة؟ ألست معذورا إذا اشتهيت أن آكله؟ وعيناها؟ وهذا الفم العجيب الذي لا أدري كيف يتسع للكلام، وأن كان يتسع جدا الذم حذائك يا امرأة!)
فريعت الفتاة وصاحت: (أنا ذممته؟ حرام عليك!)
فقلت: نعم. . . جدا. . . قلت أنه واسع عظيم، وأنه يذكرك بالباخرة تايتانك، وأنه يسع جيشا عرمرما من الأقدام الكبيرة الغليظة، وأنه. . .
стр. 10358
وكانت زوجتي تضحك، أما الفتاة فقد خيل إلي أنها ستسقط على الأرض
وقالت زوجتي: (فظيع! ألا تقفل هذه البوابة! لا تعبأي به يا حبيبتي ولا تلفتي إليه. . . أنه هكذا دائما. . . والآن خذي هذا المسمار واحتفظي به للذكرى)
فقلت: (وأنا؟ ما أجري على التعب؟ لقد قطعت كيلو مترا في الذهاب والإياب - قطعته عدوا. . . وهذه الأحذية على راحتي الطاهرة. . . .)
فقالت زوجتي: (جزاؤك أن تقعد مع الأولاد، ونذهب نحن نتمشى. . . .)
قلت: (هذا جزاء سنمار. . لا بأس! مجنون من يصنع معروفا في بنت من بنات حواء. . . .)
فقالت زوجتي: (هذا رأيك؟ إذن لن أدعوها إلى العشاء معنا!)
فصحت: (لا لا لا. . . إنما أعني بنت من بنات آدم)
فضحكت الفتاة، ورمتني زوجتي بفستقة. . . .
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 10359
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
كوخ رابع غزاة المكروب
طبيب القرية الذي ضجر بالطب لجهله أسباب الداء ثم ادعائه علاجه؛ الذي شغله البحث في أصول الأمراض عن مداواة أربابها؛ الذي حقق أحلام بستور وأثبت أن المكروب ينتج الأمراض، وأن لكل مرض مكروبا يخصه، ويخصه وحده؛ الذي علم الدنيا كيف تصطاد النوع الواحد من المكروبات، وتصطاده خالصا خاليا من الأخلاط؛ الذي كشف مكروب الجمرة الخبيثة، قاتلة الماشية والإنسان، ومكروب السل قاتل الإنسان والحيوان؛ الرجل الذي كشف مكروب الكوليرا على أرض مصر في أجسام ضحاياها. البطل الذي نزل بساحات الموت فأظلته فيها أرفع بنوده، وقاتلته على أرضها أفتك جنوده، فأسر منها على هواه، وخرج عنها سالما قد أخطأته سهامها قضاء وقدرا
المترجم
كان كوخ قد أعتزم أن يسيح في الأرض ويضرب في مجاهلها ضربا، ثم خاب، وهاهو ذا يبدأ سياحات غريبة في مجاهل أشد غرابة. إني أحيانا أقرن كوخ بلوفن هوك فأجد الأول أعجب وأغرب في صيادته المكروب وأكثر إبهاما، وأجد كليهما على السواء عصاميا في كسب العلم. كان كوخ رجلا فقيرا يرتزق من صناعة الطب، وكل ما عرف من العلم هو ما تضمنته مقررات الطب في مدارسه، وعلم الله ما كان في هذه الدراسة شيء يعلم ممارسة التجارب ويدرب في فن التجريب. ولم يكن لدى كوخ من أدوات التجربة غير ذلك المكرسكوب الذي أهدته إليه زوجه المخلصة إيمي في عيد ميلاده، أما عدا هذا من الأدوات فكان عليه أن يحتال لتدبيره وتصميمه وأن يصنع بيده من قطع الخشب وخيوط القنب وشمع الأختام. وترك يوما مكرسكوبه وفئرانه وجاء زوجه يخبرها في تحمس بالجديد المعجب الذي وجد، فما كان من السيدة الطيبة إلا أن قلصت قصبة انفها في اشمئزاز ظاهر وقالت له: ولكن يا روبرت، إنك كريه الرائحة جدا
стр. 10360
بعدئذ وجد طريقة أكيدة ينقل بها مرض الجمرة إلى الفئران. لم يكن لديه محقن يحقن به الدم القاتل فيها في سهولة، ولكن بعد خيبات ولعنات وخسارة عدد طيب من الفئران السليمة، اهتدى إلى أن يأخذ فلقاً من الخشب فينظفها جيدا ثم يسخنها في الفرن ليقتل ما قد يكون عليها المكروبات العادية، ثم يغمسها في قطرات من دم الأغنام التي قتلتها الجمرة، ثم يدخل أطرافها بما عليها من الدم في جرح جرحه بمشرط نظيف في أذناب تلك الفئران. ولا تسألني كيف قبض عليها فسكنها وهي تترعص وتلتوي بين يديه. وكان يضع هذه الفئران في أقفاص وحدها ثم يغسل يديه، ويخرج ليعود طفلا مريضا في سبيل تخليص الذمة، ورأسه لا يزال مليئا بالأشتات من كل شيء: (أيموت هذا الفأر بداء الجمرة. . . . . نعم يا مدام اشميت، يستطيع أبنك أن يعود إلى المدرسة في الأسبوع القادم. . . . . أرجو ألا يكون هذا الدم الملوث بالجمرة دخل إصبعي من الجرح الذي فيه. . .). هكذا كانت حياة كوخ موزعة بين بحثه وطبه
وأصبح الصباح، وجاء كوخ إلى المعمل البيتي الذي صنعه بيده، فوجد الفأر ملقى على ظهره وأرجله إلى السماء، وقد تصلب جسمه وأنتفش شعره ووقف على جلده وكان بالأمس منبسطا على ظهره في ملامسة ونعومة. وبعد أن كان أبيض صار أزرق رصاصيا، فأحمى كوخ سكاكينه في النار، وربط الفأر المسكين على شريحة من الخشب، وشق بطنه فكشف عن رئتيه وكبده، وشرحه حتى وصل إلى كل ركن من جسمه وحدق فيه: (نعم. نعم. إن باطنه يشبه باطن الشاة المجمورة. . . . وهذا طحاله، ما أسوده وما أضخمه!. . . ' نه يكاد يملأ كل بطنه. . . .) وأسرع كوخ وشق الطحال المتضخم فجرى منه الدم الأسود، فأخذ منه قطرات ووضعها تحت مجهره، وتمتم أخيرا لنفسه: (ها هي العصي وها هي الخيوط بعينها. . . . إنها تكاد تملأ دم الفأر كما ملأت دم الشاة (وفرح كوخ فرحا شديدا لأنه أيقن أنه بذلك يستطيع أن ينقل إلى الفئران أمراض الشياة والأبقار والإنسان، والفئران قليلة الثمن، صغيرة في اليد، سهل تناولها عند التجريب. وفي الشهر الذي جاء من بعد ذلك لم يكن لكوخ عمل إلا حقن فأر حي من بعد فأر ميت. يأخذ قطرة الدم من طحال الفأر الميت فيحقناها في ذيل فأر حي صحيح. ثم يصبح الصباح فيجد هذا الفار قد مات من داء الجمرة، فيمتحن دمه فيجد به الملايين من تلك الخيوط المتخالطة والعصي المتكاثرة يجدها
стр. 10361
ساكنة لا حراك بها، صغيرة متضائلة لا يزيد طولها على جزء من ألفين من الملليمتر الواحد
وأخذ كوخ يتفكر: (هذه العصي لا حركة فيها، ولكن مع هذا لا بد أن تكون حية. إن قطرة الدم التي أحقن بها الفأر ليس بها غير مئات من هذه العصي، ولكنها لا تلبث في دمه أربعا وعشرين ساعة حتى تكون قد تكاثرت فبلغت البلايين، ويكون الفأر قد مرض بها ومات. . . . ولكن كيف السبيل إلى رؤيتها وهي تتكاثر!؟ كيف السبيل وجلد الفأر لا يشف عما تحته؟!
وأخذ هذا السؤال يرن في أذنه وهو يجس نبض مرضاه وينظر في ألسنتهم. فإذا جاء العشاء أكل عشاه سريعا، وغمغم لزوجته تحية المساء لتنام، وذهب هو إلى تلك الغرفة الصغيرة قد ملأتها رائحة الفئران والمطهرات الكيميائية وأغلقها على نفسه، ثم أخذ يفكر يكثر تلك العصي خارج جسم الفأر. وكان كوخ في هذه الوقت لا يدري شيء عن إحساء الخمائر التي صنعها بستور ولا عن قباباته، أو أن هو درى، فالنزر القليل منها؛ لذلك كانت تجاربه لتكثير تلك العصي تجارب المبتكر الأول، فيها التواء وفيها تعقد؛ كانت كتجارب الرجل الأول يريد أن يصنع لنفسه نارا
قال كوخ: (سأحاول أن أكثر هذه الخيوط في سائل أقرب ما يكون إلى سوائل الجسم، سائل مصنوع من مادة الأجسام نفسها). وأتى بعين ثور وأخرج منها بعض مائها، ووضع في هذا الماء فتيتة كسن الدبوس من طحال فأر قتله المرض. ثم قال: (هذا غذاء لا شك مستطاب لهذه الخيوط، ولكن لعلها تتطلب غير الغذاء الطيب حرارة أجسام الفئران كذلك) وصنع بيديه مدفئا غير جميل وسخنه بمصباح زيت، ثم وضع في هذا المدفأ المرتجل شريحتين متلاصقتين من الزجاج الرقيق كان قد وضع بينهما سائل عين الثور وفتيتة الطحال. وذهب لينام. ولكنه لم ينم. ففي منتصف الليل قام ليخفض فتيلة المصباح بمدفئه، وكان قد ملأه منها الدخان. وبدل أن يعود فينام، أخذ ينظر العصي بين شريحتي الزجاج مرة بعد أخرى. وخال أحيانا أنه يرآها تتكاثر، ولكنه لم يكن على يقين من ذلك، لأن مكروبات أخرى من التي تسبح وتثب وجدت سبيلها بين الشريحتين على عادتها، وزادت في تكاثرها على عصي صاحبنا الدقيقة المهلكة وطغت عليها
стр. 10362
قال كوخ لنفسه: (هذا عمل غير نافع! هذه العصي لابد من تكثيرها هي وحدها خالصة نقية من كل مكروب آخر) وأخذ يفكر في الوصول إلى هذا حتى أكده الفكر. وأخذ يحتال ويتدبر حتى صار الاحتيال هما والتدبر غما
وذات يوم تراءت له طريقة يروض بها عصيه وهو يراقبها. طريقة غاية في البساطة غاية في السهولة لا تحتاج للفكر الكثير قال كوخ: (سأضع تلك العصي في، قطرة عالقة، فلا يصلها من المكروبات الغريبة شيء). ثم جاء بقطعة صغيرة رقيقة مفرطحة من الزجاج الرائق، وسخنها حتى يقتل ما قد يكون عليها من المكروب، ثم وضع عليها قطرة من سائل عين ثور سليم قضى عليه الجزار حديثا، ثم غمس في هذه القطرة قطعة غاية في الصغر من طحال فأر مات من داء الجمرة حديثا. وبعد ذلك جاء بشريحة غليظة مستطيلة من الزجاج، كان قد نقر في وسطها نقرة عميقة واسعة، ودهن سطحها مما يلي حافة النقرة بشيء من الفزلين ثم قلب هذه الشريحة الكبيرة السميكة على الأخرى الصغيرة الرقيقة التي عليها سائل العين وطحال الفأر بحيث تقع النقرة فوق القطرة ولا تمسها، فالتصقت الزجاجتين بالفزلين فكانتا كقطعة واحدة. ثم عاد فقلبهما معا في سرعة وحذق فصارت قطعة الزجاج الصغرى هي العليا وتعلقت منها قطرة السائل بما فيها من الطحال وعصيه الكثيرة، وقد انحبست في تلك النقرة انحباسا كاملا فلا تستطيع المكروبات الأخرى الدخول إليها. تلك هي (قطرته العالقة). ولعل كوخا لم يقدر كل التقدير هذه الطريقة الجديدة، ولم يدرك كل الإدراك مكانها من تاريخ بحث المكروب ومحاربة الإنسان أسباب الموت. وسواء قدرها أو فاته تقديرها فقد كانت ساعة من أخطر الساعات تلك التي أخطرت هذه الفكرة على باله، ساعة لا يعدلها إلا تلك التي رأى فيها لوفن هوك أحياءه الصغيرة في ماء المطر أول مرة
ووضع كوخ (قطرته العالقة) تحت مكرسكوبه وجر كرسيه وجلس وهو مضطرب ينظر ما تكشف له العدسة وهو يقول لنفسه: (لا يستطيع شيء أن يدخل إلى تلك القطرة، وهي ليس بها إلا العصي، فلأرقبها علي أعلم من أمر نموها شيئا، فكشفت له العدسة عن مجال أغبر لم يجد فيه غير قطع الطحال وقد نسلت وتقطعت وتراءت ضخمة تحت المجهر، وغير عصية هنا وعصية هناك طافية بين نسائل الطحال؛ وظل ينظر ساعتين، وينظر في
стр. 10363
الساعة الواحدة وخمسين دقيقة، ولكن لم يحدث شيء. وأخيرا بدأت الرواية التي اصطبر لمرآها طويلة، وأخذت صورة المجال تحت بصره تتغير وتتبدل كأنما امتدت لها بالسحر يد الساحر، واهتز صاحبنا واضطرب، وجرت في ظهره رعدة بعد أخرى كلما اختلفت صورة المجال تحت عينه. إن العصي الطافية القليلة أخذت فعلا في التكاثر! ففي هذا المكان توجد الآن اثنتان حيث كانت واحدة. وتلك عصية أخرى تطول بطيئة ولكنها تطول كثيرا، وهي في استطالتها تنثني كالأفعى وتنال أطراف المجال. ولم تمض ساعتان حتى كثرت تلك العصي كثرة غطت على قطع الطحال فاختفت وبلغت أعدادها الملايين فأصبحت في اختلاطها وتداخلها وتلبدها ككرة من غزل، انحل فاختلط فلا رجاء في تسليكه إلا أنه غزل حي، غزل صامت قاتل
وتنفس كوخ الصعداء: (الآن أعلم أن هذه العصي حية والآن أعلم أنها تتكاثر بالملايين في فئراني الصغيرة المسكينة، وفي الشياه، وفي الأبقار. فالعصية الواحدة (البشلة الواحدة) أصغر من الثور بلايين المرات، فإذا دخلت الثور نمت وتعددت وصارت ألوفا تنسل ألوفا تنتشر في نواحي الحيوان الكبير فتتحشى بها رئته ويكتظ بها مخه وينسد بها دمه، لا عن ثأر لها عنده، أو كراهة لها فيه
أصبح كوخ لا يعي الزمن، ولا يهتم لواجباته، ولا يصغي لمرضاه إذ ينتظرونه طويلا فيملون فيشكون. فكل هذه الأمور فقدت حقيقتها من نفسه، وأصبح رأس كوخ لا يعي إلا صورا مخيفة من خيوط الجمرة وهي في اختلافها واختلاطها. وأخذ يعيد تلك التجربة التي يخلق فيها من البشلة الواحدة ألوف الألوف من البشلات. فأعادها ثماني مرات في ثمانية أيام متابعات. فبدأ بأن أخذ غمسة يسيرة جدا من (قطرته العالقة) وهي تعج بتلك العصيات فزرعها في قطرات نقية جاء بها من سائل عين ثور سليم. فوجد بكل قطرة من هذه ألوفا من هذه العصيات. ثم أخذ من هذه القطرات الحادثة ليزرع في قطرات جديدة نقية من عين ثور. وهلم جرا حتى أستتم له من ذلك ثماني زرعات قال كوخ: (لقد نسلت هذه البشلات ثماني ذريات متعاقبات، كلها خالصة من مكروب غريب، خالصة من طحال الفأر الذي اختلطت به أولا. وهذه البشلات في هذه الذرية الأخيرة هي أحفاد البشلات الأولى التي قتلت الفأر. فهل يا ترى تقتل هذه البشلات الأخيرة الفأر والشاة كما كانت تفعل أمهاتها
стр. 10364
الأولى؟. . . . . . أفتنمو يا ترى هذه البشلات في الفئران وفي الشياه إذا حقنتها فيها؟ أهي يا ترى سبب الجمرة الذي لا مرية فيه؟)
وأخذ كوخ قطيرة يسيرة من (قطرته العالقة) - وكانت تتراءى للعين العادية عكرة بما تعج به من المكروب - ونشرها على فلقة من الخشب صغيرة، ثم غرس هذه الفلقة تحت جلد فأر صحيح ونجا هو فلم يمسسه سوء. نجاه منه تلك العناية الإلهية التي تقوم إلى جانب البحاث الجريئين المتهورين وتحرسهم وتدفع عنهم بمشيئة الله شر ما هم فيه
وفي اليوم التالي كان كوخ قائما على هذا المخلوق الصغير وقد دبسه إلى لوحة تشريحه، وقد انحنى عليه عن قصر في البصر ليراه من قريب. ثم أخذ يحمي مشارطه في النار وقد ملأه الرجاء. ولم تمض دقائق ثلاث حتى كان جالسا إلى مكرسكوبه ينظر منه قطعة صغيرة من طحال الفأر قد وضعها بين رقيقتين من الزجاج ثم تمتم لنفسه: (لقد تحقق المأمول، فها هي الخيوط، هاهي العصيات وتلك البشلات الصغيرة التي في قطراتي العالقة، تلك البشلات التي أوجدتها بالتنسيل سلالات متعاقبة ثمان، لها من القدرة على القتل مقدار ما تلك التي يأخذها الآخذ مباشرة من طحال الشاة النافقة من داء الجمرة)
رأى كوخ هذه البشلات أول ما رأى في دم تلك البقرة التي نفقت من داء الجمرة زمانا مضى، يوم كان مجهره جديدا ويده تضطرب عليه من قلة التجربة والمران، واليوم يرى نفس هذا المكروب دم الفأر المسكين، وهو هو نفسه المكروب الذي رباه في سلسلة طويلة من الفئران، وفي عدد كثير متعاقب من قطراته العالقة
هاهو ذا كوخ يثبت أول مثبت أن النوع الواحد من بعض المكروب يسبب نوعا واحدا من الأمراض، وأن هذه المخلوقات الصغيرة قد تعتدي في حقارتها على مخلوقات كبيرة عظيمة في ضخامتها فتوردها موارد الموت سريعا. سبق كوخ كل الرجال في إثبات هذا، وسبق فيه بستور كذلك، وهو الذي على سننه جرى وبهديه اهتدى. رمي كوخ بخيطه وصنارته ليصطاد تلك الأسماك الضئيلة في المحيط الأعظم وهو واسع بهيم. وتقفاها وتجسس بها وهو لا يعلم من صفاتها شيئا، ولا من عاداتها شيئا، وهو لا يدري من جرأتها وشراستها شيئا وهو لا يعرف متى ولا بأي سهولة تثب عليه من مراصدها ومخابئها؛ والشيء إذا دق هذه الدقة فكل مكان مخبأ وكل طريق مرصد
стр. 10365
يتبع
أحمد زكي
следующие страницы →