← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10361–10400 · переход к 10366.

стр. 10361

ساكنة لا حراك بها، صغيرة متضائلة لا يزيد طولها على جزء من ألفين من الملليمتر الواحد وأخذ كوخ يتفكر: (هذه العصي لا حركة فيها، ولكن مع هذا لا بد أن تكون حية. إن قطرة الدم التي أحقن بها الفأر ليس بها غير مئات من هذه العصي، ولكنها لا تلبث في دمه أربعا وعشرين ساعة حتى تكون قد تكاثرت فبلغت البلايين، ويكون الفأر قد مرض بها ومات. . . . ولكن كيف السبيل إلى رؤيتها وهي تتكاثر!؟ كيف السبيل وجلد الفأر لا يشف عما تحته؟! وأخذ هذا السؤال يرن في أذنه وهو يجس نبض مرضاه وينظر في ألسنتهم. فإذا جاء العشاء أكل عشاه سريعا، وغمغم لزوجته تحية المساء لتنام، وذهب هو إلى تلك الغرفة الصغيرة قد ملأتها رائحة الفئران والمطهرات الكيميائية وأغلقها على نفسه، ثم أخذ يفكر يكثر تلك العصي خارج جسم الفأر. وكان كوخ في هذه الوقت لا يدري شيء عن إحساء الخمائر التي صنعها بستور ولا عن قباباته، أو أن هو درى، فالنزر القليل منها؛ لذلك كانت تجاربه لتكثير تلك العصي تجارب المبتكر الأول، فيها التواء وفيها تعقد؛ كانت كتجارب الرجل الأول يريد أن يصنع لنفسه نارا قال كوخ: (سأحاول أن أكثر هذه الخيوط في سائل أقرب ما يكون إلى سوائل الجسم، سائل مصنوع من مادة الأجسام نفسها). وأتى بعين ثور وأخرج منها بعض مائها، ووضع في هذا الماء فتيتة كسن الدبوس من طحال فأر قتله المرض. ثم قال: (هذا غذاء لا شك مستطاب لهذه الخيوط، ولكن لعلها تتطلب غير الغذاء الطيب حرارة أجسام الفئران كذلك) وصنع بيديه مدفئا غير جميل وسخنه بمصباح زيت، ثم وضع في هذا المدفأ المرتجل شريحتين متلاصقتين من الزجاج الرقيق كان قد وضع بينهما سائل عين الثور وفتيتة الطحال. وذهب لينام. ولكنه لم ينم. ففي منتصف الليل قام ليخفض فتيلة المصباح بمدفئه، وكان قد ملأه منها الدخان. وبدل أن يعود فينام، أخذ ينظر العصي بين شريحتي الزجاج مرة بعد أخرى. وخال أحيانا أنه يرآها تتكاثر، ولكنه لم يكن على يقين من ذلك، لأن مكروبات أخرى من التي تسبح وتثب وجدت سبيلها بين الشريحتين على عادتها، وزادت في تكاثرها على عصي صاحبنا الدقيقة المهلكة وطغت عليها

стр. 10362

قال كوخ لنفسه: (هذا عمل غير نافع! هذه العصي لابد من تكثيرها هي وحدها خالصة نقية من كل مكروب آخر) وأخذ يفكر في الوصول إلى هذا حتى أكده الفكر. وأخذ يحتال ويتدبر حتى صار الاحتيال هما والتدبر غما وذات يوم تراءت له طريقة يروض بها عصيه وهو يراقبها. طريقة غاية في البساطة غاية في السهولة لا تحتاج للفكر الكثير قال كوخ: (سأضع تلك العصي في، قطرة عالقة، فلا يصلها من المكروبات الغريبة شيء). ثم جاء بقطعة صغيرة رقيقة مفرطحة من الزجاج الرائق، وسخنها حتى يقتل ما قد يكون عليها من المكروب، ثم وضع عليها قطرة من سائل عين ثور سليم قضى عليه الجزار حديثا، ثم غمس في هذه القطرة قطعة غاية في الصغر من طحال فأر مات من داء الجمرة حديثا. وبعد ذلك جاء بشريحة غليظة مستطيلة من الزجاج، كان قد نقر في وسطها نقرة عميقة واسعة، ودهن سطحها مما يلي حافة النقرة بشيء من الفزلين ثم قلب هذه الشريحة الكبيرة السميكة على الأخرى الصغيرة الرقيقة التي عليها سائل العين وطحال الفأر بحيث تقع النقرة فوق القطرة ولا تمسها، فالتصقت الزجاجتين بالفزلين فكانتا كقطعة واحدة. ثم عاد فقلبهما معا في سرعة وحذق فصارت قطعة الزجاج الصغرى هي العليا وتعلقت منها قطرة السائل بما فيها من الطحال وعصيه الكثيرة، وقد انحبست في تلك النقرة انحباسا كاملا فلا تستطيع المكروبات الأخرى الدخول إليها. تلك هي (قطرته العالقة). ولعل كوخا لم يقدر كل التقدير هذه الطريقة الجديدة، ولم يدرك كل الإدراك مكانها من تاريخ بحث المكروب ومحاربة الإنسان أسباب الموت. وسواء قدرها أو فاته تقديرها فقد كانت ساعة من أخطر الساعات تلك التي أخطرت هذه الفكرة على باله، ساعة لا يعدلها إلا تلك التي رأى فيها لوفن هوك أحياءه الصغيرة في ماء المطر أول مرة ووضع كوخ (قطرته العالقة) تحت مكرسكوبه وجر كرسيه وجلس وهو مضطرب ينظر ما تكشف له العدسة وهو يقول لنفسه: (لا يستطيع شيء أن يدخل إلى تلك القطرة، وهي ليس بها إلا العصي، فلأرقبها علي أعلم من أمر نموها شيئا، فكشفت له العدسة عن مجال أغبر لم يجد فيه غير قطع الطحال وقد نسلت وتقطعت وتراءت ضخمة تحت المجهر، وغير عصية هنا وعصية هناك طافية بين نسائل الطحال؛ وظل ينظر ساعتين، وينظر في

стр. 10363

الساعة الواحدة وخمسين دقيقة، ولكن لم يحدث شيء. وأخيرا بدأت الرواية التي اصطبر لمرآها طويلة، وأخذت صورة المجال تحت بصره تتغير وتتبدل كأنما امتدت لها بالسحر يد الساحر، واهتز صاحبنا واضطرب، وجرت في ظهره رعدة بعد أخرى كلما اختلفت صورة المجال تحت عينه. إن العصي الطافية القليلة أخذت فعلا في التكاثر! ففي هذا المكان توجد الآن اثنتان حيث كانت واحدة. وتلك عصية أخرى تطول بطيئة ولكنها تطول كثيرا، وهي في استطالتها تنثني كالأفعى وتنال أطراف المجال. ولم تمض ساعتان حتى كثرت تلك العصي كثرة غطت على قطع الطحال فاختفت وبلغت أعدادها الملايين فأصبحت في اختلاطها وتداخلها وتلبدها ككرة من غزل، انحل فاختلط فلا رجاء في تسليكه إلا أنه غزل حي، غزل صامت قاتل وتنفس كوخ الصعداء: (الآن أعلم أن هذه العصي حية والآن أعلم أنها تتكاثر بالملايين في فئراني الصغيرة المسكينة، وفي الشياه، وفي الأبقار. فالعصية الواحدة (البشلة الواحدة) أصغر من الثور بلايين المرات، فإذا دخلت الثور نمت وتعددت وصارت ألوفا تنسل ألوفا تنتشر في نواحي الحيوان الكبير فتتحشى بها رئته ويكتظ بها مخه وينسد بها دمه، لا عن ثأر لها عنده، أو كراهة لها فيه أصبح كوخ لا يعي الزمن، ولا يهتم لواجباته، ولا يصغي لمرضاه إذ ينتظرونه طويلا فيملون فيشكون. فكل هذه الأمور فقدت حقيقتها من نفسه، وأصبح رأس كوخ لا يعي إلا صورا مخيفة من خيوط الجمرة وهي في اختلافها واختلاطها. وأخذ يعيد تلك التجربة التي يخلق فيها من البشلة الواحدة ألوف الألوف من البشلات. فأعادها ثماني مرات في ثمانية أيام متابعات. فبدأ بأن أخذ غمسة يسيرة جدا من (قطرته العالقة) وهي تعج بتلك العصيات فزرعها في قطرات نقية جاء بها من سائل عين ثور سليم. فوجد بكل قطرة من هذه ألوفا من هذه العصيات. ثم أخذ من هذه القطرات الحادثة ليزرع في قطرات جديدة نقية من عين ثور. وهلم جرا حتى أستتم له من ذلك ثماني زرعات قال كوخ: (لقد نسلت هذه البشلات ثماني ذريات متعاقبات، كلها خالصة من مكروب غريب، خالصة من طحال الفأر الذي اختلطت به أولا. وهذه البشلات في هذه الذرية الأخيرة هي أحفاد البشلات الأولى التي قتلت الفأر. فهل يا ترى تقتل هذه البشلات الأخيرة الفأر والشاة كما كانت تفعل أمهاتها

стр. 10364

الأولى؟. . . . . . أفتنمو يا ترى هذه البشلات في الفئران وفي الشياه إذا حقنتها فيها؟ أهي يا ترى سبب الجمرة الذي لا مرية فيه؟) وأخذ كوخ قطيرة يسيرة من (قطرته العالقة) - وكانت تتراءى للعين العادية عكرة بما تعج به من المكروب - ونشرها على فلقة من الخشب صغيرة، ثم غرس هذه الفلقة تحت جلد فأر صحيح ونجا هو فلم يمسسه سوء. نجاه منه تلك العناية الإلهية التي تقوم إلى جانب البحاث الجريئين المتهورين وتحرسهم وتدفع عنهم بمشيئة الله شر ما هم فيه وفي اليوم التالي كان كوخ قائما على هذا المخلوق الصغير وقد دبسه إلى لوحة تشريحه، وقد انحنى عليه عن قصر في البصر ليراه من قريب. ثم أخذ يحمي مشارطه في النار وقد ملأه الرجاء. ولم تمض دقائق ثلاث حتى كان جالسا إلى مكرسكوبه ينظر منه قطعة صغيرة من طحال الفأر قد وضعها بين رقيقتين من الزجاج ثم تمتم لنفسه: (لقد تحقق المأمول، فها هي الخيوط، هاهي العصيات وتلك البشلات الصغيرة التي في قطراتي العالقة، تلك البشلات التي أوجدتها بالتنسيل سلالات متعاقبة ثمان، لها من القدرة على القتل مقدار ما تلك التي يأخذها الآخذ مباشرة من طحال الشاة النافقة من داء الجمرة) رأى كوخ هذه البشلات أول ما رأى في دم تلك البقرة التي نفقت من داء الجمرة زمانا مضى، يوم كان مجهره جديدا ويده تضطرب عليه من قلة التجربة والمران، واليوم يرى نفس هذا المكروب دم الفأر المسكين، وهو هو نفسه المكروب الذي رباه في سلسلة طويلة من الفئران، وفي عدد كثير متعاقب من قطراته العالقة هاهو ذا كوخ يثبت أول مثبت أن النوع الواحد من بعض المكروب يسبب نوعا واحدا من الأمراض، وأن هذه المخلوقات الصغيرة قد تعتدي في حقارتها على مخلوقات كبيرة عظيمة في ضخامتها فتوردها موارد الموت سريعا. سبق كوخ كل الرجال في إثبات هذا، وسبق فيه بستور كذلك، وهو الذي على سننه جرى وبهديه اهتدى. رمي كوخ بخيطه وصنارته ليصطاد تلك الأسماك الضئيلة في المحيط الأعظم وهو واسع بهيم. وتقفاها وتجسس بها وهو لا يعلم من صفاتها شيئا، ولا من عاداتها شيئا، وهو لا يدري من جرأتها وشراستها شيئا وهو لا يعرف متى ولا بأي سهولة تثب عليه من مراصدها ومخابئها؛ والشيء إذا دق هذه الدقة فكل مكان مخبأ وكل طريق مرصد

стр. 10365

يتبع أحمد زكي

стр. 10366

أندلسيات: ٢ - قصة الفتح بن خاقان للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي يتشابه الفتح بن خاقان وأبو الحسن بن بسام في أنهما كانا متعاصرين، وفي أنهما تصديا للكلام على أدباء الأندلس من العلماء والشعراء والكتاب والوزراء والملوك ممن عاصرهما ومن كان قبل عصرهما، وفي أنهما كانا يرسلان إلى معاصريهما يعرفانهم عزمهما ويسألانهم إنفاذ شيء من منثورهم ومنظومهم ليذكراه في كتابيهما: الأول في قلائد العقيان ومطمع الأنفس، والثاني في الذخيرة. قال العماد الكاتب صاحب خريدة القصر: حدثني الصاحب الكبير العالم جمال الدين بن أكرم قال: لما عزم أبن خاقان على تصنيف كتاب قلائد العقيان جعل يرسل إلى كل واحد من ملوك الأندلس ووزرائها وأعيانها من أهل الأدب والشعر والبلاغة ويعرفه عزمه ويسأله إنفاذ شيء من شعره ونظمه ونثره ليذكره في كتابه. وكانوا يعرفون شره وثلبه فكانوا يخافونه وينفذون إليه ذلك وصرر الدنانير، فكل من أرضته صلته، أحسن في كتابه وصفه وصفته. وكل من تغافل عن بره هجاه وثلبه. وكان ممن تصدى له وأرسل إليه أبو بكر بن باجه المعروف بابن الصائغ، وكان وزير أبن فلويت صاحب المرية. وهو - أي أبن الصائغ - أحد الأعيان وأركان العلم والبيان. شديد العناية بعلم الأوائل، مستول على أهل الأشعار والرسائل، وكانوا يشبهونه في المغرب بابن سينا بالمشرق، وله تصانيف في المنطق وغيره، فلما وصلته رسالته تهاون بها ولم يعرها طرفه، ولا لوي نحوها عطفه، وذكر أبن خاقان بسوء بلغه، فجعله ختم كتابه، وصيره مقطع خطابه، وقال: هو رمد جفن الدين الخ وبلغ ذلك أبن الصائغ، فأنفذ له مالا استكفه به واستصلحه؛ وصنف أبن خاقان كتاب آخر سماه مطمح الأنفس وصله بقلائد العقيان افتتحه بذكر أبن الصائغ وأثنى عليه فيه ثناء جميلا الخ وكذلك نرجئ الكلام على ما كان بين أبن خاقان وبين الفيلسوف أبن باجه أو أبن الصائغ إلى ما بعد الفراغ من الموازنة بين أبن خاقان وبين أبن بسام. . . وقد ظهر لك مما أوردناه هنا من كلام العماد أن أبن خاقان كان يرسل إلى أعيان الأندلس ليرسلوا إليه آثارهم، وكذلك كان يفعل أبن بسام صاحب الذخيرة. . . قال المراكشي صاحب المعجب: فمما أختار له - أي لأبي عبد الله محمد بن أبي

стр. 10367

الخصال أحد كتاب الأندلس البلغاء النابهين - فصول من رسالة كتب بها مراجعا لبعض إخوانه عن رسالة وردت عليه منه يستدعي فيها منه شيئا من كلامه، وهذا الرجل صاحب الرسالة هو أبو الحسن علي بن بسام صاحب كتاب الذخيرة. . . وهذا هو محل الشاهد. . . ودونك الآن فصولا من هذه الرسالة - أي رسالة أبن أبي الخصال إلى أبن بسام فأنها من طرف الأندلسيين. قال: وصل من السيد المسترق، والمالك المستحق، وصل الله إنعامه لديه، كما قصر الفضل، كتابه البليغ، واستدراجه المريغ. فلولا أن يصلد زند اقتداحه، ويرقد طرف افتتاحه، وتقبض يد انبساطه، وتغبن صفقة اغتباطه، للزمت معه قدري، وصنت سريرة صدري. ولكنه بنفثات سحره يسمع الصم، ويستنزل العصم، ويقتاد الصعب فيصحب، ويستدر الصخور فتحلب، ولما فجأني ابتداؤه، وقرع مسمعي نداؤه. فزعت إلى الفكر، وخفق القلب بين الأمن والحذر، فطاردت من الفقر أوابد قفر، وشوارد عفر، تغبر في وجه سائقها، ولا يتوجه اللحاق لوجيهها ولا حقها، فعلمت أنها الاهابة والمهابة، والإصابة والاسترابة، حتى أيأستني الخواطر، وأخلفتني المواطر، إلا زبرجا يعقب جوادا، وبهرجا لا يحتمل انتقادا. وأنى لمثلي والقريحة مرجاة، والبضاعة مزجاة ببراعة الخطاب، وبزاعة الكتاب. ولولا دروس معالم البيان، واستيلاء العفاء على هذا الشان، لما فاز لمثلي فيه قدح، ولا تحصل لي في سوقه ربح. . . وأنا أعزك الله أربأ بقدر الذخيرة، عن هذه النتف الأخيرة. وأرى إنها قد بلغت مداها، واستوفت حلاها، وأنا أخشى القدح في اختيارك، والإخلال بمختارك. . . إلى أن يقول: وعذرا أعزك الله فأني خططت ما خططته والنوم مغازل، والقر منازل، والريح تلعب بالسراج، وتصول صولة الحجاج، فطورا تسدده سنانا، وتارة تحركه لسانا، وآونة تطويه حبابه، وأخرى تنشره ذؤابه، وتقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب. أو حمة عقرب. وتقوسه حاجب فتاة، ذات غمزات، وتسلطه على سليطه، وتزيله عن خليطه، وتخلعه نجما، وتمده رجما، وتسل روحه من ذباله، وتعيده إلى حاله، وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد. ومشقته حروف برق، بكف ودق، ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله، فلا حظ منه للعين، ولا هداية في الطرس لليدين، والليل زنجي الأديم، تبرى النجوم، قد جللنا ساجه، وأغرقنا أمواجه، فلا مجال للحظ، ولا تعارف إلا بلفظ، لو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، أو خضبت به الشيبة لما نصلت،

стр. 10368

والكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه. والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الحباب، وجلده الجليد، وصعد أنفاسه الصعيد، فحماه مباح، ولا هرير ولا نباح، والنار كالرحيق، أو كالصديق، كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرب، استوى الفصل، ولك في الإغضاء الفضل، والسلام. . . وقد حدثنا الفتح في قلائده أنه هو الآخر كتب إلى أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال مستدعيا من كلامه ما يثبته في الديوان - يريد قلائد العقيان - وينبته في زهر البستان، فكتب إليه أبن أبي الخصال رقعة يقول فيها: الحذر - أعزك الله - يؤتي من الثقة، والحبيب يؤذى من المقة؛ وقد كنت أرضى من ودك وهو الصحيح بلمحة، وأقنع من ثنائك وهو المسك بنفحة، فما زلت تعرضني للامتحان، وتطالبني بالبرهان، وتأخذني بالبيان، وأنا بنفسي أعلم، وعلى مقداري أحوط وأحزم، والمعيدي يسمع به لا أن يرى، وإن وردت أخباره تترى فشخصه مقتحم مزدرى، ولا سيما من لا يجلى ناطقا، ولا يبرز سابقا، فتركه والظنون ترجمه، والقال والقيل يقسمه، والأوهام تحله وتحرمه، وتخفيه وتخترمه، أولى به من كشف القناع، والتخلف عن منزله الامتناع، وفي الوقت من فرسان، هذا الشان، وأذمار هذا المضمار، وقطان هذه المناهل، وهداة تلك المجاهل، من تحسد فقره الكواكب، ويترجل إليه منها الراكب، فأما الأزاهر فملقاة في رباها، ولو حلت عن المسك حباها، وصيغت من الشمس حلاها، فهي من الوجد تنظر بكل عين شكرى، لا نكرى، وإذا كانت أنفاس هؤلاء الأفراد مبثوثة، وبدائعهم منثوثة، وخواطرهم على محاسن الكلام مبعوثة، فما غادرت متردما، ولا استبقت لمتأخر متقدما، فعندها يقف الاختيار، وبها يقع المختار، وأنا أنزه ديوانه النزيه، وتوجيهه الوجيه، عن سقط من المتاع، قليل الإمتاع، ثقيل روح السرد، مهلك صر البرد، إلا أن يعود به جماله، ويحرس نقصه كماله، وهبه أعزه الله قد استسهل استلحاقه، وطامن له أخلاقه، أتراني أعطي الكاشحين في اتبابه يدا، وأترك عقلي لهم سدى، وما أخالك ترضاها مع الود خطة خسف، ومهواة حتف، لا يستغل غبينها ولا يبل طعينها. . . الخ الخ فهي رسالة طويلة وإن كانت على طولها ممتعة جميلة. . . . موازنة ومفاضلة والآن فلنعرض للموازنة بين الفتح وبين أبن بسام ما دام بينهما هذا التشابه الذي ذكرنا. . .

стр. 10369

قال الحجاري صاحب المسهب: وهو - الفتح - وأبو الحسن بن بسام الشتتمري مؤلف الذخيرة فارسا هذا الأوان، وكلاهما قس وسحبان، والتفضيل بينهما عسير، إلا أن أبن بسام أكثر تقييدا، وعلما مفيدا، وإطنابا في الأخبار، وإمتاعا للأسماع والأبصار، والفتح أقدر على البلاغة من غير تكلف، وكلامه أكثر تعلقا وتعشقا بالأنفس. . . هذا هو كل ما عثرنا عليه للمتقدمين من مفاضلة بين هذين الفاضلين، ونحن فنقول: إن المتفقد لكتاب الذخيرة لأبن بسام، وكتابي القلائد والمطمح لأبن خاقان، يتبن له أن الفتح في الحق أضخم عبارة، وأجزل أسلوبا، وأقدر على التنميق والتزويق والتهويل، ويغلب ذلك على أكثر تراجمه؛ وقد يتعمل حتى يرى أثر التقعر محسا ملموسا، وهو مع هذه الجزالة والضخامة، أقل تقييدا وعلما مفيدا، دع تقصيره في تراجمه من ناحية التحقيق التاريخي فلا يذكر أسم المترجم كاملا ولا نسبه ولا بلده ومنشأه، ولا تاريخ مولده ووفاته، فكأنه يترجم مترجمة لناس يعرفونهم كل المعرفة، وإنما الذي ينقصهم هو أن يلموا ببعض آثار أولئك المترجمين المعروفين، وأن يقفوا على بلاغة الفتح وبراعته، وحذقه ومهارته، وكيف يرفع من يبغي أن يرفعه ويخفض من يريد أن يضعه، ومن هنا لا تعد كتب الفتح كتب تراجم بالمعنى المعروف، وإنما هي بكتب المختارات أشبه. أما أبن بسام صاحب الذخيرة فهو وإن كان أكثر تقييدا وعلما مفيدا، وإطنابا في الأخبار، وإمتاعا - من هذه الناحية - للأسماع والأبصار - كما يقول الحجاري - وإن كان أقل تزويقا وتهويلا وإن كان أعف لسانا، وأنزه بيانا، إلا أنه هو الآخر يقارب الفتح في أغفاله تاريخ من ترجم له مولدا ووفاة ونسبا ومنشأ، ومثل الاثنين في ذلك مثل الثعالبي صاحب يتيمة الدهر، ومثل الثلاثة العماد الكاتب صاحب خريدة القصر وجريدة أهل العصر والباخرزي صاحب دمية العصر وعصرة أهل العصر، كل أولئك يجتزئون ببلاغتهم عن تحقيقاتهم، فكانت كتبهم لذلك نوعا غريبا بين أسفار الأدب في لغة العرب، فلا هي بالمختارات المحضة ول هي بالتراجم الوافية، ولا هي من قبيل العقد والكامل وما إليهما. ولعل أول من ابتكر هذا النوع هو الثعالبي (للقصة بقية) عبد الرحمن البرقوقي

стр. 10370

٥ - معركة عدوى للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي أسباب الحرب لقد ظهر لنا من المباحث السابقة أن الطليان اعتبروا الحبشة مستعمرة طليانية، وحملوا الدول الأوربية على الاعتراف بذلك بعد نشرهم المعاهدة وذيولها، واستفادوا من حاجة البريطانيين إليهم فتقدموا إلى كاسيلا واستولوا قبل ذلك على عدوى ومع أن منليك كان يتظاهر بعدائهم عند منحه امتياز السكة الحديدية للفرنسيين وإذابته العملة النقدية التي ضربها الطليان في بلادهم لم يتمكن الطليان من التضييق عليه لأنهم كانوا مكلفين بمساعدة البريطانيين في قتالهم المهدي، ولم يرض البريطانيون بان يترك الطليان جبهة السودان ويتقدموا بقواتهم على الأحباش والحقيقة أن السياسة البريطانية من حيث أهدافها العامة لم ترغب البتة في توسع نفوذ الطليان في الحبشة وتوطيد كلمتهم فيها لأنها كانت ترمي إلى احتلال مصر والسودان والمحافظة عليهما بترك حراسة جبال الحبشة بيد أهل الأحباش أما النجاشي منليك فكان يرمي إلى توحيد المملكة وتقويتها ثم إعلان استقلالها للعالم. ولا شك في أن رغبة الطليان في توطيد نفوذهم في الحبشة وسعي نجاشي الحبشة لاستقلال البلاد أديا حتما إلى الاختلاف بين إيطاليا والحبشة برغم المعاهدة وذيولها وسترى كيف حدث هذا الاختلاف فأدى إلى الحرب بينهما. والحقيقة هي أن بريطانيا لم تكد تقض على حركة المهدي فتبقي إيطاليا حرة في العمل إلا وشرع الطليان بحشد قواتهم في مستعمرة أريترة للتوغل في بلاد الحبشة ولما تأكد منليك من قدرة جيشه البالغ عدده زهاء ١٤٥٠٠٠ أعلن استقلال الحبشة إلى جميع الدول. ولمجاملة إيطاليا طلبت ألمانيا وفرنسا من النجاشي أن يرسل هذا البلاغ بواسطة إيطاليا فبلغ منليك ملك إيطاليا أن المادة السابعة عشرة من معاهدة أوكسالي لا ترغمه على توسيط

стр. 10371

إيطاليا في جميع علاقته بالدول الأوربية، والنص الحبشي من المعاهدة صريح في هذا الباب، فهو يخول للنجاشي حق طلب التوسيط إذا أراد ذلك. لذلك رجا من ملك إيطاليا أن يخبر الدول الأوربية بذلك لكي لا يحدث سوء تفاهم في المستقبل والواقع أن المعاهدة كانت مكتوبة باللغة الأمحرية والمادة السابعة عشرة منها تنص على ما يلي: (جلالة إمبراطور الحبشة مختار في استخدام الوكلاء الطليان). أما الطليان فلما ترجموا المعاهدة إلى لغتهم وضعوا كلمة (الإجبار) بدلا من كلمة (الاختيار) فجاء النص الطلياني كما يلي: (جلالة إمبراطور الحبشة مكلف باستخدام الوكلاء الطليان) فانتبه الساسة الطليان إلى خطئهم، فلما تيقنوا أن القلم لم يجد نفعا في الحصول على رغبتهم في بلاد الحبشة قرروا استخدام السيف، مع أن منليك لم يرغب في الحرب في تثبيت علاقاته بإيطاليا. فتظاهر الفرنسيون بالولاء للطليان، بينما كانوا في الخفاء يؤيدون النجاشي، لأن توسع نفوذ الطليان في بلاد الحبشة يخالف مرماهم. وكان الحكم الفرنسي في المستعمرة الصومالية همزة الوصل بين الحكومة الفرنسية والحكومة الحبشية، أما الحكومة الروسية فلم تعترف بالمعاهدة وكانت تساعد الحبشة بإرسال الضباط وأصحاب المهن والرهبان والسلاح إليهم فرأى رئيس الحكومة الطليانية (كريسبي) إرسال رجل محنك إلى بلاط النجاشي عسى أن يقنعه ويزيل الخلاف. فأرسل الكونت (انطونلي) إلا أن هذا لم يتمكن (رغم ذلاقة لسانه ووعيده) من إقناع منليك الذي كان جوابه للوزير الطلياني ما يلي: (ما دام قد حدث غلط في نص المادة السابعة عشرة فالأولى أن نلغيها تماما، ولنتذاكر من جديد على نص المعاهدة؛ ثم إن بلادي تحتاج إلى منفذ إلى البحر فلنقرر هذا أيضا) ولم يغير منليك رأيه ولم يحد عن فكره. فكان في جميع مذاكراته مع الوزير المفوض يؤيد هذا الطلب عينه. وأخيرا بلغ الحكومة أن المادة السابعة عشرة من المعاهدة ملغاة. وفي الوقت عينه أعاد الأربعة ملايين فرنك إليها. وكان من نتيجة ذلك أن توترت العلاقات بين إيطاليا والحبشة وانتهت إلى الحرب ساحة الحركات تقرب سلسة الجبال من مصوع وتسيطر على سهلها الضيق وفي امتدادها إلى الشمال تكون

стр. 10372

موازية للشاطئ. أما في امتدادها إلى الجنوب فتبعد عنه، وتتكون منها الصحراء الدنا التي تشح المياه فيها، وهذه الصحراء وعرة ذات مفازات ووديان ورواب وهذه السلسلة ذاتها تتصل بالسلاسل الأخرى التي تتكون منها معاقل الحبشة الداخلية جرت الحركات على طرفي الحدود في جنوبي (أسمرة) عاصمة أريترة بعد مصوع. والأرض في هذه المنطقة جبلية وهي واقعة على سفوح السلسلة الأولى التي تؤلف الضلع الغربي للمثلث، والارتفاعات فيها تتفاوت بين ١٥٠٠و٢٥٠٠ متر. والانحدارات في السفوح الشرقية على ما نعلم مائلة شديدة الوعورة، وتسلقها صعب، والأرض متقطعة بوديان وفيها وهاد ومضايق. والروابي يعلو بعضها بعضا، والكثير منها مكسو بالغابات والأحراش. أما الطرق فمسالك وعرة يصعب على الحيوانات المحملة السير فيها والمنطقة بأجمعها تصلح للدفاع أكثر منها للهجوم. ولا تمكن الحركة فيها بقوات كبيرة ما لم يكن السير فيها بأرتال مختلفة متباعدة تفرقها الودن والمضايق عن بعضها فتصعب المواصلة بينها. وفضلا عن ذلك فالمياه فيها شحيحة وموارد الإعاشة قليلة، الأمر الذي يقتضي تجهيز القوات بوسائل النقل الكثيرة والسير فيها يقتضي بطبيعة الحال اتخاذ تدابير الحماية. لذلك كان لا يجوز أبدا تطويل الارتال لأنها تمسي أهدافا ملائمة للمباغتة. والخلاصة أنها من أفضل الأراضي الصالحة للحروب الصغرى بالكمين والمباغتة فهي من هذه الوجهة تفيد الأحباش الذين يعرفونها حق المعرفة ويعلمون بنجدها وغورها فضلا عن تعودهم على إقليمها والطرق التي تربط مستعمرة إريترية بهذه الساحة تبدأ من ساحل البحر وتمتد إلى الجنوب الغربي فإلى الجنوب، منها طريق شمالي يبدأ من مصوع ويمر بأسمرة بعد أن يتسلق الجبال ويدخل الهضبة. وارتفاع أسمرة ٢٣٧٢ مترا. وقبل أن يقطع نهر مأرب الفاصل للحدود يمر بقرية (غوندت) ثم يصل إلى عدوة وارتفاعها ١٩٦٥ مترا وهي واقعة بالقرب من أكسوم وإلى شرقيها والطريق الثاني يبدأ من زولا على خليج عدولى. وبعد أن يمر بقريتي (حلبى) و (كواتيت) يقطع الحدود إلى جنوبي سنافة ويصل إلى قلعة ادجرات وهي من المراكز الحبشية الخطيرة، فيتوجه الطريق بعد ذلك إلى الجنوب ويمر بقلعة (مكا) إلى أن يصل إلى (هرر)

стр. 10373

ويجري في هذه الساحة تابعا نهر عطبرة وهما مأرب وتكاسه ومن جملة الأهداف التي كان يتوخاها الطليان في حركاتهم استمالة الرؤوس إلى جانبهم وإثارة الحروب الداخلية في الحبشة لكي يسهل عليهم التغلب على العدو فكانوا على اتصال برأس مقاطعة تيجري، وبعد هذه المقاطعة تأتي مقاطعة أمحرة الداخلية، وفي جنوبيها مقاطعة شوعا المختصة بالنجاشي، وهي خلف مقاطعة غوجام الداخلية، وفي جنوبي هذه المقاطعات أرض الغالا في منتهى البلاد الحبشية فيتضح من ذلك أن الحركة يجب أن تجري بمراحل لاحتلال المقاطعات على التوالي، وهذه المقاطعات جميعا وعرة منيعة قوات الفريقين - الجيش الحبشي استخدم الطليان رئيسا لتجسس أحوال الحبشة وبالنظر إلى المعلومات التي توصل إليها هذا الضابط من أن أنفس مقاطعات تيجري وأمحرة وغوجام زهاء ٢ , ٥٠٠ , ٠٠٠ نسمة. أما أنفس مقاطعة شوعا وحدها فتبلغ ٢ , ٠٠٠ , ٠٠٠ نسمة وهذا مما يجعل لهذه المقاطعة مركزا خطيرا يتجلى بحكمها على المقاطعات الأخرى ولما لم يكن للحبشة جيش منظم فمن البديهي أن تقدر القوات بالرجال المسلحين الذين تجهزهم المقاطعات المذكورة وعلى هذا الأساس تبلغ قوة الجيش ما يلي: رجل ٢٠ , ٠٠٠جيش تيجري ٣٥ , ٠٠٠جيش أمحرة ٢٠ , ٠٠٠ جيش غوجام ٧٠ , ٠٠٠ جيش شوعا ـــــ ١٤٥ , ٠٠٠المجموع ونقصد بالجيش القوة الجاهزة التي يستطيع أن يستخدمها الرأس أو ملك المقاطعة، متى شاء بمعنى أنها مستعدة للعمل في كل وقت. أما عند الاقتضاء فيمكن إخراج قوات أخرى بكل سهولة لأن الأحباش جميعا جنود بالطبع لا فرق بين شابهم وشيخهم.

стр. 10374

أضف إلى ذلك مقاطعة الغالا وعاصمتها هرر التي تبلغ نفوسها زهاء ٣ , ٠٠٠ , ٠٠٠ نسمة ومع أنها بعيدة عن ساحة الحركات إلا أنها تستطيع أن تجهز جيش النجاشي بالخيالة. ولدى الجيش الحبشي أربعون مدفعا على أنواع مختلفة. والأحباش جنود بالطبع فيتحملون السير الطويل دون تعب، ويعسكرون ويسيرون بلا جلبة ولا ضوضاء، ويحصلون على معيشتهم بالتكاليف الحربية ولا يستخدمون وسائل لذلك. فالجندي يحمل أرزاقه معه وهي مقدار قليل من الذرة. والأرزاق التي تكفي الجندي الأوربي ثلاثة أشهر يعيش بها الحبشي سنة كاملة. فالحبشي من هذه الجهة قانع بما يتيسر له. والوحدة السوقية في الجيش الحبشي هي الفرقة أو القوة التي يخرجها الرأس أو الملك. وهذه القوة تختلف باختلاف مساحة مقاطعة الرأس أو الملك فيتفاوت مقدارها بين ٥٠٠٠ و١٠ , ٠٠٠ رجل أو أكثر واملك أو الرأس يجهز جنوده بالسلاح والحكومة تمده بالسلاح والعتاد عند الاقتضاء. ومع ذلك نرى بعض جنود الأحباش يدبر بنفسه أمر سلاحه وعتاده. وقد علمنا أن الطليان دون أن يحسبوا حساب المستقبل جهزوا النجاشي بأسلحة حديثة فمنحوه ٥٠٠٠ بندقية و٢٠٠ , ٠٠٠ طلقة في المرة الأولى و٣٨٠٠٠ بندقية و٨ مدفعا في المرة الثانية. أما البريطانيون فكانوا قد أهدوا إلى رأس تيجري ٩٠٠ بندقية. وإذا أضفنا إلى ذلك السلاح الذي استطاع أن يشتريه منليك في المدة الأخيرة علمنا أن لدى الأحباش عدد كبير من البنادق الصالحة للاستعمال ومن عادة النساء الحبشيات أن يرافقن الجيش فيحملن مواد الإعاشة والماء لرجالهن ويهيئن الطعام في المعسكر ويداوين الجرحى ويشجعن الجنود على القتال أسلوب التعبئة عند الأحباش يمتاز الأحباش بالهجوم السريع وبالشدة. ويحسن المشاة الرمي فلا يطلقون النار إلا من مسافات قريبة حرصا على ذخيرتهم وعندما يقتربون من أعدائهم يحملون عليهم صارخين فيستعملوا سيوفهم العريضة في الحملة وجها لوجه، وبرغم وعورة الأرض يحسن الأحباش الركوب. وإذا ما وقع في أيديهم بغل أو جواد ينقلب المشاة حالا إلى خيالة، ويسير المشاة بسرعة ويستخدم الأحباش في الأغلب الخيالة في المجنبة، وذلك للالتفاف حول العدو وقطع

стр. 10375

خط الاتصال عليه وإذا ما انتصروا عليه قضوا عليه القضاء المبرم بقتل رجاله جميعا. أما في الدفاع فيحسن الأحباش الاستفادة من الأرض ويعمدون إلى الكمون والمباغتة بنجاح الجيش الطلياني يتألف الجيش الطلياني من القوات الطليانية والأهلية المرابطة في مستعمرة إريترية والقوات التي يمكن جلبها من إيطاليا واستخدم الطليان في بادئ الأمر السودانيين والصوماليين وبقايا الجنود المصريين في المستعمرة بعد أن جعلوا نواة القوة من الطليان وكانت القوة بعد الاحتلال بثلاث سنوات مؤلفة من ألف جندي، وفي سنة ١٨٩٤ نسق الطليان جيش المستعمرات بتأليف من وحدات طليانية ووحدات أهلية بقيادة الضباط وبعض ضباط الصف الطليان وكانت القوة الطليانية في بادئ الأمر مؤلفة من فوج مشاة وفصيل مدفعية. أما القوات الأهلية المختلطة فكانت مؤلفة من بطارية وفصيل هندسة ووحدة درك وجنود نقلية (يتبع) طه الهاشمي

стр. 10376

المشكلة. . .! للأستاذ كامل محمود حبيب دخل الشاب مستأذنا؛ فخلع طربوشه، وألقى عصاه، ثم جلس مبهوراًتتتابع أنفاسه، ويزدحم الكلام على شفتيه، لا يكاد يبين معنى من معنى، أو يستقر خاطره على شيء؛ فما استبنت إلا قوله يختتم الحديث بكلمات متقطعة منهوكة: (نعم، وقعت المشكلة! وقعت المشكلة! فأين أجد الخلاص؟)، وكنت وقفت عند قول أستاذنا الرافعي في مقاله بمجلة (الرسالة الغراء) (ووقعت المشكلة. . .) فعرفت ما يعني صاحبي، وهو كان صاحب هذا الحديث، ومحور رحاه، على أن الرحى لم تطحن إلا قلبه هو، وكان قد كتب إلى أستاذنا يطلب الخلاص، فأين رأى الخلاص من نصح طبيبه. . ما أمر الدواء لو يجدي، وما أقسى الطبيب. .! وقلت في نفسي: (وا أسفاه لهذا الشاب!! أثقل عليه أن صفحة من صفحات قلبه قد نشرت، وهو كان يحمل الهم كله في صدره فما يثقل عليه؟ ويل للشاب من الشيخ، فذلك يتكلم بوجدانه وعاطفته وقلبه، وذاك بعقله وتجاربه وفلسفته. فأين يلتقيان؟) ثم استوى الشاب في مجلسه وقد اطمأن قليلا وسرى عنه بعض ما كان فيه من اضطراب وقلق، ثم قال: (أترى ما فعل بي أستاذنا؟ لقد كنت - بادئ الرأي - في عينه مهذبا، متعلما. ذا رأي وبصر؛ فما هي إلا دورة الكلام فإذا أنا ساقط، مرذول، ضعيف الرأي! أفترى على الشاب من حرج أن يحلق في سمائه، يفتش عن قلبه الطائر حتى يرى ضالته. .؟ والطائر الغريد - يا صديقي - ينقب عن أنثاه التي تساكنه عشه، وترعى أفراخه. أفيكون لأبيه أن ينتقي له أنثاه من بين عصافير الغاب، أم تراه هو. .! أو تحسبها هي تستقر إليه إذا لم تر في ظل جناحه الرأفة والحنان والحب! أرأيت يا صديقي؟ أرأيت هذا الطير، يطير عن أنثاه إلى غيرها، وهو نفسه الذي تعلقها، وفتنه ما فيها من أنوثة وجمال؛ وهو نفسه الذي اختارها لتشاركه حياة الطير، وزقها وزقته، وبادلها وبادلته الحب والحنان؛ أم كان ينتقص من حريته، ويسلب رأيه لو كان تعلم. . .؟ إن الذي تعلم منا، قد تعلم ليمسك بمفتاح القيد الذي ضمت به إحدى رجليه إلى الأخرى، وشدت إحدى يديه إلى الثانية، وماذا يكون وراء العلم إن لم يكن هذا؟. وإذا كان الرجل يقول: (هذا أبي، وتلك أمي، وهؤلاء أهلي) لينتسب إليهم، أفيخرج عن أهله إن هو قال:

стр. 10377

(وهذه زوجتي؟) وإذا كنت رجلا تنفذ إليه المرأة بين الشيطان والحيوان منه، ويصده عنها الرجل الذي في عقله، أفكنت غير الرجل الذي يريد أن يتمم القصة التي أتمها الله لآدم بحواء؟ وهل قال الله لآدم: (هذه متسماة عليك؟) أم قال لملك الحب: (ضع سحرك، وابذر لغرسك؟) فهم آدم ليعانق حواء، وهمت هي لتعانقه، فبدت الطبيعة أجمل ما تكون في عين رجل وامرأة، ورأى بعين الحب التي تشع نظراتها من القلب، وهو كان يرى بعين الجسد فما وراء نظرته معنى ولا عاطفة. ثم خلق من حبهما شاعرا، وأديبا، وفيلسوفا، وعبقريا و. . . وعاشقا وعاشقة قلت: وي! كأنك طرت من الدنيا فلم تهبط إلا في الفردوس؛ كأنك لا ترى أنك في حجرة إن لم تكن ضيقة فهي ليست بالواسعة! واندفع الشاب في خياله، وكأنه أراد أن يجمع إلى كتبه التي يطالعها؛ ويرى الجمال في صفحاتها، صفحة أخرى من جمال الطبيعة، وثالثة من جمال المرأة؛ وظن الجمال في عقله عند الكتاب، وفي نظرة تحت ظل شجرة وارفة على ضفاف الوادي، في قلبه عند امرأة جميلة يميل إليها ويحبها ويرافقها إلى حيث يشبه الطائر الذي تحدث عنه؛ وفي أذنه عند زقزقة العصافير، وفي حديث هذه الفتاة التي يزعم عندها الجمال والرقة والعقل؛ وفي شمه عند نسيم الصباح وشذى هذه المحبوبة التي عرفها وهيمها وهيمته، وخيل إلي أن تعاويذها قد فعلت فيه، وأن قارها قد نالت منه، وأنه قد أسلس لها وانقاد، فقلت: أما أنت منها فكالذي نوم فهو يسير على غير إرادته، أو سحر فهو ينظر بغير عينيه، أو التاث فهو يمشي في غير طريقه؛ وأن كان أستاذنا قد قال: فما يملك أن يرفع السحر عنك، ولكن في كلماته سحرا من نوع آخر. . . قال: والذي يذهب بعقلي أن يقول الناس: إنك مسحور أو بك لوثة؛ وقد تعلمت - فيما تعلمت من حياتي - أن أفكر بعقل الفيلسوف، وأن أطير في سماء الخيال إلى حيث أقع؛ ولئن كان الخيال قد أضر بي قليلا، إنه لقد شب معي مقدار ما شب عقلي معي، فكان عقلي وخيالي، ثم كانت حياتي وكلها دراسة عميقة فلسفية - فحجب عقلي خيالي حينا، ثم عاد خيالي للظهور مع هذه، ولكنه لم يحجب عقلي، وكانت هي عقلا إلى عقلي، وليست خيالا إلى خيالي؛ فكان عقلي أولاً ثم خيالي الصغير، وكانت تقول: (أنا لك بعد عملك ومستقبلك،

стр. 10378

ولست لك إلا أن تكون رجلا فذا) فتدفعني بكلماتها وقلبها وعقلها إلى المثل الأعلى. فيا ضيعة الأمل إن خاب هذا المثل، ورددت إلى منزلي لأرى فيه مصيبتي!! ويا خيبة الرجاء إن صرت كذلك الحداد أو النجار أو الحوذي، أو. . . أو غيرهم ممن لا يرون في الحياة إلا أنها اللقمة والثوب والمأوى، ثم. . . ثم ذلك الضجيج البيتي الذي يصبح فيه هو وزوجته ويمسي، والذي يشب عليه أبناؤهما فيأخذون من سوء الخلق، وضعة الأخلاق، وسفالة الطبع، والشقاق، والتنابذ، مما رأوا عليه أبويهم إن أستاذنا ليقول: إنها فتاة الشعر والخيال، وما هي كذلك، وما قابلتها مرة، أو حاولت ذلك إلا بعد أن خلع عني خيالي، لأخاطبها بلسان الفيلسوف، وعقل الحكيم، وكم أردت أن أقول لها: (أي فتاتي. . . . . .) لأندفع في غزل رقيق، فكانت تنظر إلي بعين تقول منها: (ليست هذه لغتنا. . .) فأرتد لأقول: (ولقد قرأت. . . . . .) ثم أخلو لنفسي لأشبع رغبتي في الحديث الآخر. . . بيني وبين نفسي. . .! قلت: أفترى أن الفيلسوفة العالمة تستطيع أن تكون زوجا وربة دار، وأن تكون أما ومديرة بيت؟ وهل تراها تنشئ لك الحياة التي قدرتها في خيالك؟ إن الحياة - يا صديقي - شيء غير هذا كله، وإنك لمن بيت فيه الدين والاحتشام والشهامة؛ أفليس من ذلك كله أن تمسك عليك زوجك التي اختار أبوك، وأن تمنحها من نفسك ما يمنح الزوج؟ قال: إنك تنحو منحى أستاذك. أفتريد أن تضيف إلى همومي هماً آخر، وأنا جئتك أستعينك على همي. . .! لقد كان أستاذك في مقاله كالذي ينزع سكينا هو أغمدها في صدري ليداوي جرحا هو الذي بلغ به هذا العمق العميق، حتى إذا ما التأم أو كاد، عاد فنكأه، ثم عاد ثالثة ليداويه. . .! وصاحبتي التي اصطلحتما عليها لم تكن مني إلا بمنزلة المنظار من عين الأعشى ينظر من خلاله إلى هذا العالم فيرى ما يراه ذو العين الصحيحة؛ ولم تكن من قلبي إلا بمنزلة الاطمئنان من قلب مضطرب، ولم تكن من عقلي إلا بمنزلة الطبيعة تفتح فيه طرقا معبدة؛ ولم تكن من حياتي إلا بمنزلة الصديق الوفي. ولعلك تذكر يوم أن كتبت إليك وكنت بعيدا: (لقد أبللت من مرضي. . .) كان أخي في منأى عني، ووقفت زوجتي جوار سريري، لا تعرف كيف تصب الدواء في فنجانه، ولا متى يكون. وهفت نفسي إلى التي أحبها حين خيل إلي أني أموت فكتبت إليها وألححت؛ فزارتني على استحياء، ثم ألححت

стр. 10379

فوقفت مني موقف الطبيب من مريضه. . . ثم كتبت إلى أهلي تقول: (إن أبنكم يحتاج إلى من يقوم عليه. . .) كتبت ذلك حين رأت أن في زيارتها شيئا، ثم. . . ثم لم تعد ولم أبللت وخرجت للقائها قالت: لقد كنت قاسيا، وما استطعت أن أرفض حين رأيت الخطر. وما كان أجدر بي وبك ألا نقطع هذه المرحلة. يا لشقائي بك! ويا لشقاء زوجك بك! لقد أصبت قلبين بسهم. وقالت لي وقلت لها، ثم افترقنا، وأردت أن أهب إلى التي في داري بعض نفسي فأشعرها بأننا أنثى ورجل؛ فارتد قلبي عنها، ثم أرغمته فارتد أخرى، وأظلم منزلي من بهجة العزوبة ومن جمال الزواج معا. وأصبحت الدار التي جعلتها لسكناي هي جحيمي، ففررت إلى الشارع وإلى عملي؛ وشعرت الأخرى أنها لا تملك في هذا المنزل ما تملكه الزوجة ففرت إلى حجرتها وإلى خادمتها؛ واعتزلتها، واعتزلتني؛ ورجعنا إلى ما كان، حين كان بيننا (الباب المغلق) سنوات تسعا قلت أن أولى الناس بإحسان المحسن، هو القريب، فالجار الجنب، فالصاحب بالجنب؛ وقد عرفتك محسنا، وهذه من ذوي قرابتك، وأقرب إليك من جارك؛ أفلا تكون محسنا معها؟ قال: لقد كنت أستطيعه لو وجدت النور. إنها لظلام وظلام وظلام. . . أما الظلام الأول ففي منزلي، وأما الظلام الثاني ففي قلبي، وأما الظلام الثالث ففي عقلي. . .! وصمت وصمت؛ وكان كأنه يسترجع الذكرى، ذكرى أيام خلت، ذاق فيها حلاوة العيش، وسعادة الرضى، وكأن حياته بماضيها ومستقبلها قد جمعت في أشهر كانا فيها. . . ثم التفت إلي كالمذعور وقال: أما أنني كنت معها غير الرجل الذي فيه الرجولة فقط، وأما أنها كانت معي غير الأنثى التي فيها الأنوثة فقط - فلا. إلا أنها كانت توحي إلي بكلام هو من لغة السماء، وتصب في حياة هي حياة أهل الخلد؛ وكنت إلى ذلك مطمئنا وقد اطمأنت هي أيضا إليه. وقنعت وقنعت. والناس يرون في الحب الفاحشة ولا يرون فيه المجد. والذي يعيش في حياته بلا حب كالشجرة العانس. ليس إلا هي في الحديقة، ولا سبيل إلى أن تجد الشجرة الأخرى. . . فلا هي بالذابلة الجافة، ولا هي بالمثمرة؛ ولكنها بارتفاعها وفقرها تقول: (أنا. . . أنا الموجود الذي لا وجود له.) فما أسرع ما تمتد إليها يد لتقتلعها، وحين ترى نفسها وقد نالتها فأس الحطاب تقول (. . أنا. . ويلي!. . أنا الضائعة). أن

стр. 10380

الذي لا يحب الجمال ولا يلتمسه في امرأة؛ ثم يفاخر غيره بذلك، إنه لا يقول للناس (أنا لا أحب ولا أقدر الحب.) بل يقول (أنا. . ما أنا في الأحياء!. . أنا. . أنا ميت الأحياء) والضعف الذي يراه في الذين عرفوا الحب وآمنوا به، إنما هو ضعف في إنسانيته هو لا في إنسانيتهم، والذي لا يدرك الجمال في المرأة لا يدركه في الطبيعة؛ لأن المرأة هي المنظار المكبر الذي ينظر الرجل من ورائه إلى ما حوله. وإلا فهو لا يرى موضعه من الأحياء. .) أنا. . أنا إنسان ولا أستطيع أن أقول إن كل شيء جميل، وإن كان القبح جمال فقد يكون الجمال قبح؛ ولكن هذه التي يقولون عنها إنها جميلة. . . ثم أرغموني عليها وأرغموها على لا أرى في قبحها جمالا ولا في بؤس الحياة معها فنا. . . قلت: ويك: لقد اصطرعت في نفسك عوامل رانت على بصرك وتركتك في بيداء من الوهم والخيال، كأنك تريد أن تخلع ثوبك؛ وقد يكون في الذي تخلعه جمال! قال: أما أن أظل شريدا، فلا. وأما أن أحتمل مع عبئ عبئا آخر، فلا. وأما أنني أهتم بنفسي، فنعم. وماذا يضيرني ويضير هذا العالم بما فيه أهلي وأهلها إذا لبست فوقي ثوبي القديم ثوبا آخر، فيخفي عن عيني وعين الناس هذا القبيح الذي كنت ألبس؟ ثم تركني، وأنا أقول: وا أسفا لهذا الشاب!! أثقل عليه أن صفحة من صفحات قلبه قد نشرت وهو كان يحمل الهم كله في صدره فما يثقل عليه؟ ويل للشاب من الشيخ فذلك يتكلم بوجدانه وعاطفته وقلبه، وذاك يتكلم بعقله وتجاربه وفلسفته. فأين يلتقيان! كامل محمود حبيب

стр. 10381

٤ - عمرو بن العاص بقلم حسين مؤنس تتمة وانتظمت جيوش معاوية واتخذت سبيلها إلى الشام لتثأر لعثمان الشهيد. . . ولم يعد في نفس أحد منهم شك في أن عليا هو قاتل عثمان. . . وأن حربه والانتقام منه فرض واجب على المسلم الصادق الأمين، ومضى معاوية وعمرو على حصانيهما يتحدثان في الطريق وإن معاوية ليحس خطر هذا الرجل الصامت إلى جانبه. . . إنه ليعجب من هذا العقل الكبير الذي لا يقصر عن غاية ولا يعجز عن أمر. . . وإنه ليخشاه ويرى سلطانه مهددا بوجوده. . . ولكنه يحتاج إليه ولا يكاد يستغني عنه في هذه الملحمة المقبلة. . . ولم يكن عمرو ليفكر في غير ذلك! ولكنه لم يكن منصرفا إليه هذا الانصراف كله. . . فهو يعرف حاجة معاوية إليه ولا يخشى منه أمرا. . . بل هو يفكر في أمر آخر، إنه ليفكر في علي وقوته. . . ويحسب حسابها ويسأل نفسه، ترى ماذا افعل لو أنتصر عليَّ علي وهو أمر معقول جدا. . . وإن عليا لفارس العرب وسيف الله البتار؛ وإنه لصاحب الأيام البيض الخوالد والغزوات الزهر الباقيات، وأن معه لنفراً من الفرسان الصناديد الذين يخشى منهم أي خشية. . . فيهم الأشتر النخمي وفيهم من أصحاب الرأي أبن عباس، وإن في هؤلاء لغناء ومنعة من الفشل. . . فما ترى أبن العاص فاعلا والأمر خطر والبلاء شديد؟ وانتهت الجيوش إلى ضفاف الفرات، واقتربت من طلائع علي وعسكرت في موضع سهل ومنعت الماء من علي. . . وباتت قوات علي عطشى حتى عيل صبرها فحملت على الشآميين فأجلتهم عن موضع الماء. . . وبات الشآميون عطشى فندبوا من يسأل عليا الماء فأجاب!. . . وتلك كانت علة الرجل التي انتهت به إلى الهزيمة في ذلك الميدان، فكيف يثبت الطيب للخبيث، والرقيق للقاسي، والأيمان للحيلة والدهاء! وزاد الأمر بلاء أن عمرا أدرك موضع الضعف من علي، وسنراه سباقا إلى الاستفادة من إيمان علي وشهامته. . . انظر إليه قبيل صفين. . . إنه يدور بعينيه في معسكر علي ليختار الدهاة والخبثاء ويتصل بهم ويشككهم في أمرهم. . . هذا الأشعث بن قيس يتفاهم مع عمرو، وهذا أبو موسى يبدأ يشك في حق علي. . . ثم تبدأ الدعاية القوية في جيش علي نفسه فتقعد همم الناس وتفتر

стр. 10382

عزماتهم. . . ويرون قتال أعداء علي تعبا لا طائل وراءه، وإن عليا ليلزم جنوده شدة لا يطيقونها، وإنه ليمنيهم بالجنة دون الغنائم والأسلاب؛ وهؤلاء جنود الشام عليهم النعمة ظاهرة والخير وافر: وذلك عدل معاوية، وكياسة عمرو! ثم انظر إلى ميدان صفين: كيف تهم طائفة من أصحاب علي فتكتسح العدو اكتساحا وتكاد تأتي على معاوية، وكيف تتقاعس طائفة أخرى تكاد تفر من الميدان، وكيف يلقى علي مقاومة من أنصاره ومعارضة من قواده. لقد تغيروا. لقد داخل نفوسهم الشك في عدالة قضيته؛ وإنهم ليرون ظل عثمان ملقى على خلافة على ثقيلا رهيبا. بلى وهذا الأشعث يقعد عن المضي، وهذا الأشتر يمضي، حتى تكاد الهزيمة تحيق بمعاوية. ويشتد الأمر بجند الشام وينظر عمرو حواليه، فإذا الأمر مقضي، وإذا الهزيمة قاضية، فينحى على معاوية ويلومه لوما شديدا. لقد بدا له أنه (خسر الصفقة) وأن السوق قد أتت بغير ما كان يقدر. إنه لثائر مغضب يلوم معاوية، فيشتد في لومه، وإنه ليعتبره مسئولا عن الخسارة التي حاقت به، وإنه ليصارحه برأيه وبمكنون سره ويقول له: (يا معاوية: أحرقت قلبي بغصصك؛ ما أرى أننا خالفنا عليا لفضل منا عليه! لا والله، إن هي إلا الدنيا نتكالب عليها، وايم الله لتقطعن لي قطعة من دنياك أو لأنا بذنك). وإنه ليندم على ما أتى من انضمامه، وقد نسي قدر علي وقوة جنوده؛ ولآن اتضح له الحق فهو يلوم ويندم، ولكن ماذا يجدي، , عن الخطر ليقترب، وإن جنود علي لتكاد تمس جفاء معاوية؛ وإنه ليركب حصانه، ويهيب بعمرو: (الله. . . الله. . . في الحرمات والنساء والبنات: هلم مخبآتك يا أبن العاص فقد هلكنا)، ولكن كيف يسرع أبن العاص إلى مخبآته، ويطوي خيامه ويلوي هاربا، وما بعد؟. . . إنه لينظر بعيدا، وإنه ليرى عليا متعقبا إياهم حتى يقبض عليهم في عقر دارهم. . . كان هذا أمرا يخيف أبن العاص. . . فانظر كيف يستغيث وكيف يحتمي بكتاب الله. . . لقد عرف أن في بعض رجال علي ميلا إلى المهادنة وترك القتال. فرأى الاستفادة منهم. . . ثم أخذ يسأل نفسه قائلا: ترى أي شيء يجله هؤلاء القوم في هذه اللحظة التي تنكروا فيها لكل شيء؛ فتجيبه نفسه: كتاب الله. . . فيجيبها: فلنعتصم منهم بكتاب الله، ولنرفع المصاحف على الرماح؛ فيجب نفسه. . . بلى. . . هو الرأي الصواب. فترفع المصاحف على الأسنة ويراها أصحاب علي، وكأنما كانوا يترقبون فرصة يكفون فيها عن القتال فيرون في هذه حجة كافية، ويكفون ويحتجون بكتاب الله،

стр. 10383

ويدور علي بعينه في معسكر عدوه ليرى مطلع هذه البدعة فيجد انه عمرو. وهنا ينكشف لعينه سرها. . إنها خدعة. . إنها حياة، ولكن قومه لا يسمعون. وهاهي صفين تنفض، والأشتر يؤمر بالرجوع، وينجو معاوية، ويحول أبن العاص المعركة من حرب السيوف لحرب الفكر واللسان لكي يشل قوة علي، ولكي يكون هو في ميدانه الصالح له. ثم انظر إليه يتدخل حتى في اختيار علي لمندوبه. . . إنه ليتصل بالخونة من أنصار علي ويوعز إليهم فيرفضون عبد الله بن عباس لأنه فتى ذكي مخلص لقضية علي. ثم يرفضون الأشتر لأنه متفان في خدمة أبن أبي طالب، ولكنهم يؤيدون الأشعري لأن عمرا يعرف أن بينه وبين علي شيئا، وأن التفاهم قد يجدي معه كثيرا، وينفض الجمع ليلتقي في دومة الجندل ترى فيما يفكر أبن العاص في هذه الفترة. . . في مصر وأمورها. . . لأنها ستعود إليه بعد قليل. . إنه يكيد لواليها الجديد قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري فيشيع في حزب علي أن قيس قد أنضم لحزب معاوية، فيعزله علي ويضع مكانه الأشتر النخمي فيموت الأشتر مسموما عند (مسروره) بالقلزم في ٥ رجب ٣٧. . . أترى لعمرو يد في ذلك؟ ثم يكون التحكيم الذي لم يرو التاريخ مثله أبدا، والذي لم يوفق مؤرخ في روايته على أصله أبدا، والذي يرفض العقل أن يقبله في صورته التي وصلت إلينا. . . ولكننا نستطيع أن نفهم منه كيف كان الناس ينظرون إلى عمرو! وكيف اعتبرته الأجيال اشد الناس لؤما وأكثرهم خبثا. . . لقد وفق عمرو توفيقا عظيما. . . ولم يكن توفيقه راجعا إلى مهارته في الكيد وحدها، بل إلى وجود الضعاف والخونة في صفوف خصمه وحسن استفادته من هؤلاء. . . هذا هو يتدخل في انتخاب مندوب علي ويرضى أخيرا عن أبن موسى الأشعري لا لأنه أبله أو شيخ كما يزعم الرواة، بل لأنه غير راض الرضى كله عن علي. . . ولأنه قابل للفتنة مستعد للمساومة؛ وهذا عمرو يخلو به ساعات طوالا يتحدث إليه في الأمر: ويتفنن في إقناعه. . . وينفذ إليه من شتى السبل حتى يوفق إلى تشكيك الرجل في عدالة قضية علي، بل إلى اتهامه بمقتل عثمان. . . فإذا خلص من هذا فقد أفهمه أن لعثمان أولياء يطلبون ثأره من القاتلين. . . وأن الأولياء هم معاوية وعامة آل أمية. . . فإذا خلص إلى هذا فقد أقنع خصمه بعدالة ثورة معاوية. . . ثم يسأله: فماذا يا ترى؟. . فيصمت الشيخ فيقول عمرو: أننا نرضى بتنازل علي ثمنا لدم عثمان؛ فلا يرى أبو موسى

стр. 10384

حرجا في ذلك. . . ويطرب لذلك عمرو، فقد خسر منافسه الخلافة ولم يخسر هو شيئا. . . وهو إنما يرجو أن يخلع الخلافة عن علي ليصير هو ومعاوية صنوين. . . ثم إنه يعرف أن أنصار علي ملتفون حوله لأنه خليفة، فإذا زالت عنه هذه الخلافة تفرقوا. . . وقد أفلح. . . بل أن أنصار علي ليتفرقون قبل خلعه في التحكيم. . . ويصبح معسكره فوضى. . . وينفض الخوارج ويتفرقون ويحاربهم في النهروان. . . كل هذا يرضي عمرا لآن فيه أضعافاً للخصم، فإذا تم الأمر ونزعت الخلافة لم يصبح لعلي بعد ذلك شيء ويذهب أمره هباء ثم يعلن الحكمان ما وصلا إليه: لقد رأينا خلع علي. . . لقد ثارت الفتنة واضطرب الأمر وأسقط في يد علي وأنصاره. . . وقد كسب عمرو كل شيء وأصبح علي عاجزا عن استنهاض همم جنوده لحرب معاوية. . . وقد قوى أنصار هذا الأخير فخافهم الناس واتحد جند معاوية وقوى أمرهم واشتد ساعده بهم، واستطاع أن يفصل عن علي بلاده جزءا جزءا حتى إذا قتل سنة ٤٠هـ لم يكن قد بقي في يده من الأمر شيء هكذا فعل عمرو: فرق الصفوف وأشاع الفتنة وأقام هذه الفوضى التي لم يخلص الإسلام منها إلى أواخر أيامه. . . لكي يصل إلى شيء واحد. . مصر. . لقد باع الحق وارتهن الفضيلة، وساوم على طمأنينة الدولة الإسلامية ليكسب شيئا واحدا، هو مصر بخيرها وبركاتها وانظر إليه لقد أسرع إلى مصر ستة آلاف مقاتل، يقطع بهم سيناء على عجل سنة ٣٨هـ، فإذا أشرف عليها فقد أرسل يهدد محمد بن أبي بكر الصديق ليخلي بينه وبين ما يريد. ولكن محمدا رفض، ولم يدر أن غريمه قد باع الدنيا والآخرة بهذا الذي يعارضه فيه؛ والتقى الجمعان، وفر محمد وتبعه معاوية بن حديج وقتله في المنشأة ثم انظر صراعه مع معاوية على مصر. إن الأول ليستكثر عليه هذا البلد الغني الطيب، وإنه ليراه غير أهل لتلك النعمة الوارفة. فإنه لجالس ذات يوم في نفر من صحبه وفيهم عمرو فيقول: - ما أعجب الأشياء؟ فيجيب يزيد أبنه: - أعجب الأشياء هذا السحاب الراكد بين السماء والأرض. . . وقال آخر:

стр. 10385

- حظ يناله جاهل، وحرمان يناله عاقل. وقال عمرو: أعجب الأشياء أن المبطل يغلب المحق. فيسرع معاوية ويقول: - بل أعجب الأشياء أن يعطى الإنسان ما لا يستحق إذا كان لا يخاف بلى فهو أعجب الأشياء. . . وهل يستحق عمرو مصر وهولا يخاف (الله) ذلك رأي معاوية في عمرو. . . ثم انظر إلى معاوية يحترس من عمرو في كتاب توليته فيكتب: (على ألا ينقض شرط طاعة. . .) فيمسك عمرو بالقلم ويبدلها: (على ألا تنقض طاعة شرطا) وعاش عمرو بعد ذلك ما شاء الله له أن يعيش، وأنجاه الله من يد قاتله لكي ينعم قليلا بالشجرة الخضراء التي خسر في سبيلها كل شيء. وتردد بين الشام كثيرا، ليجلس إلى معاوية. . ثم ليخلو إلى أولاده، وكانت مصر قد صارت له طعمة، فاطمأن باله وترك الكفاح والجلاد، ولكنه لم ينس الكسب والخسارة إلى آخر أيامه؛ فإنه لجالس مع معاوية يوما إذ سأله هذا ما بقي منك يا عمرو؟ فيجيب. مال أغرسه فأصيب من ثمرته وغلته. . .) أجل لازال في سن السبعين يفكر في غرس المال والإصابة من ثمرته وغلته؛ وهكذا ينبغي أن يفهمه الناس، فأن اجتهاده في السياسة ونبوغه في الحرب كان مصدرهما شيئا واحدا: الرغبة في الكسب والربح. . وقد انتهت جهوده إلى شيء واحد، لا هو الملك ولا هو الثواب. . بل ليست هي الآخرة نفسها وإنما هي مصر. . أغنى ولايات الدولة وأوفرها مالا. وقد مات وخلف ألف ألف درهم كما يقول المسعودي ودورا عديدة كان يمتلكها في مصر والشام. (تم البحث) حسين مؤنس

стр. 10386

الصحراء للأستاذ عبد الرحمن شكري أرُحبُكِ أم صمتٌ الأرض على غالب … غدا مُصحِرٌ من روعه وهو هائب كصمت الخشوع المطرقين تروعهم … مقابرُ صرعى للردى وخرائب وصمتٍ لِذِي المحراب في بيت ربه … يقاربه في صمته ويخاطب توَقَّعَ من قد غاله الصمت هاتفاً … يكلمه من فرط ما الصمت راعب كمخترق الظلماء لاح لعينه … إذا جال فيها اللحظُ ما هو غائب حَرّي أن يناجي النفس فيك أخو الحجا … ويخشع صمتاً راكب فيك ذاهب ويخشع من رُحبٍ كأن لا مدى له … حكى أبداً ما حَدَّهُ الدهرَ حاسب ويخشع أَن لا شيَء إلا مجانسٌ … فلم يُلفَ إلا مُشبِهٌ أو مناسب وكم راع رأى العين إِن كان لا ُيرَى … سوى الشَّبهِ يتلوه الشبيه المصاقب حكى خدعة الآمال آلك رافعاً … على الأُفق بُشرّى كذبتها العواقب سراب الأماني في الحياة خديعةٌ … وقد تُهلِكُ المرَء المنى والرغائب ومن ضل في خرق من العيش لبه … كمن خذلته في الفيافي المذاهب تَفَتَّحُ أبواب الجحيم عن اللظى … كأن شواظ القيظ يسفيه دائب سموم كَدُفَّاعِ البراكين أو لظى ال - حرائق يصلاه الحصا والنجائب ويصلاه ركبٌ خال دنيا تقلَّصت … عن النار لو يسعى جحيمٌ مقارب ويَسوَدُّ وجه الأفق حتى كأنما … ذُكاءُ دجت أو يكسف الشَّمسَ حاجب وكم حار ركبٌ من فجاءة صحوة … كما راعَ مرأى الحسن والعُرى سالب إذا الجو كالِبلَّورِ أُخِلصَ لونه … وصب عليه من سنا الشمس ساكب كذلك غب الغيث ريعان بهجة … كأن طلاءً قطره وهو صائب كأن ضياءً في سواد سَحَابةٍ … تكاثر حتى ثَقَّبَ الدجنَ ثاقب تَفَجُّرَ ينبوع من النور غامر … كما غمر الأرضَ المياه السوارب ضياءٌ ترى المألوفَ من كل منظرٍ … به فإذا المألوف منه الغرائب وما فرحة الولهان عاد حبيبه … بأصدق منها فرحةً وهو آيب

стр. 10387

نهارك أم ليل الدارىِّ نائل … من اللب نيلاً لم تنله الكواعب أديم سماءٍ يُبْرِزُ الشهبَ صَفْوُه … فأحسبها تدنو به وتقارب أما يخشع السُّمَّار من كثرة الدنى … ويذهل من رحب الفضاء المراقب يبيت يناجي النجم والنجم سامر … فتُفْضي إليه بالحِوارِ الكواكب كأن لحاظ النجم من لحظ عاقل … وأن رقيباً في السماء يراقب يسائله عن عيشه أين سره … كأن وراء النجم ما هو طالب إذا خط فيك الدهر سطراً محوته … كذا اليم، لا يقوى على اليم كاتب وتُرْقل فيك اليعملات وإنما … سفائن لج البيد تلك الركائب وللبحر أمواج وللبيد مثلها … إذا هب إعصارٌ على الركب كارب فيغرق في لجٍ من الترب حائن … كما احتشدت فوق السفين السوارب ورحبك رُحْبُ البحر يطويك هائب=ويركبه ذو مطلب وهو هائب بافقكما للشهب رهب وروعة … جلالكما شِبْهٌ وشبهٌ مقارب وذي دولة في اليم قد دال أمره … وآخر أردته لديك المطالب ويصغر عيش المرء في اليم مثلما … تضاءل فيك عيشه والرغائب لِمَحْلِكِ يلقى مكرم الضيف ضيفه … بخير، وأما خصمه فهو سالب وتشحذه الأخطار حتى كأنما … بنوك سيوف ينتضيها المحارب لقد صقلتها نار قَيْنٍ وصيقل … كما صقلتهم في الحياة النوائب تَنَسَّكْتِ في بُرْدِ التقشف لم يَلِنْ … معاشٌ ولا ترجى لديك الأطايب عبد الرحمن شكري

стр. 10388

لُبْنَان (تهدى إلى أخي الأستاذ علي طنطاوي) لشاعر الشباب السوري أنور العطار غاَبَ لُبْنَانُ في رَقيقٍ من الغَي … مِ كما غَابَ في مَدَى اليَمّ زَوْرَقْ ضَفَرَ الثَّلْجَ والسَّحَائِبَ تَاجاً … وَاخْتَفَى في الضَّباَبِ ثُمَّ تَعَلَّقْ الهِضَابُ الشمُّ اكتَسَتْ وَرَقَ الخُلْ … د وَطَافَ الرَّبيعُ فيها وَأحْدَقْ والرَّوَابي تَوَسَّدَتْ رَاحة السُّحْ … بِ ونَامَتْ على وِشَاحٍ مُرَقَّق والذُّرَى البيِضُ في العَلاءِ نُسُورٌ … حَوَّمتَ تَكشِف الخَفيَُّ المُغَلَّقْ نَشَرَت في الفَضاءِ أَجنُحَها الزُّه … رَ فأَسنى بها الوجودُ وأشرَقْ والقُرَى غلغلَتْ بأَخبيِةِ الغيْ … بِ وَضاعت بين الغَمامِ المنمَّقْ غَرَقٌ ملؤُهُ فُتُونٌ وسَحرٌ … ونعيمٌ ضافٍ وحُلمٌ مزوَّقْ والينابيعُ ضاحكاتٌ من الزَّهْ … وِ ترامى فيها السَّنا وتأَلقْ سردتْ قِصَّةً من النَّغمِ الحُلْ … وِ ومنْ سجعةِ الحَمامِ المُطوقْ ضَجَّتِ الرَّبوةُ الأنِيسةُ بالشَّدْ … وِ وغنَّى السفحُ الحَبِيبُ وزقزَقْ وتَمَشَّتْ بالغابِ موجةُ أُنَسٍ … فَشَدا الأَرزُ والصَنوبرُ صفقْ وتَرَاَءى البحرُ البَعيدُ كَحُلمٍ … مُبهمٍ راجِفِ الخيالِ مُلفَّقْ سَرَقَتهُ في السماء الأُفقِ النَّا … ئي فمن أَبصرَ الخضمَّاتِ تُسْرَقْ حَبّذا في رِباعِ (زَحْلَةَ) وادٍ … برعمَ الحبُّ في حِماهُ وأورَقْ وبِأفْياَئِهِ اللِّطافِ الحَوَاني … سَرَبَ النَّهرُ كاللَّجينِ المُطرَّقْ وترامى الصَّفصافُ في مائِهِ الرَّق … راقِ يَسجُوا على الضَّفافِ ويغرَقْ وعلى السّفحِ تَسترِيحُ الدَّوالي … في نِظامٍ حلوٍ ونهجٍ مُنسَّقْ والعناقيدُ بينهُنَّ نَشَاوى … ثَمِلاتٌ مِنَ الرَّحيقِِ المُعتَّقْ رَنَّتِ الخَمرُ في ظُرُوفٍ من النُّو … رِ وَكادَ الشذا يُشمُّ وينشَقْ ذاكَ (صِنِّينُ) فَيلَقٌ في السموَا … تِ وفي الأرضِ جاثمٌ منه فيلقْ هوَ جارُ النُّسورِ حَطَّ على الغي … مِ وَأَسرى إلى العَلاءِ وحَلقْ

стр. 10389

والسُّهولُ الفِساحُ دُنيا من الإلْ … هامِ تَندَى مِنَ الطُيوبِ وتعبَقْ والمساءُ السَّاجي البهيُّ رُسُومٌ … وَرُؤىٌ كلها تحبَّ وتُعشَقْ والقطيعُ المِمرَاحُ غَنَّاهُ راعيِ … هِ فأصغى مستمهِلاً وتشوَّقْ هَدهَدَتهُ الرَّبابُ فَانسَابَ كالنْه … رِ وأهوى من الرُّبى يتَدَفَّقْ ملأَ الكونَ بالثُّغاءِ فما تَس … مَعُ إلاَّ صدى يطِنُّ وَيزعَقْ عَادَ واللَّيلُ مُتعَبٌ هبطَا لأَر … ضَ وأَغيا على الجِبَالِ وَأَطبَقْ إِيهِ لُبنَانُ يا نَشيدَ الأَناشي … دِ ويا صُورَةَ النّعِيمِ المُحَقّقْ عَالَمٌ أَنتَ للهَوَى والأَماني … يُشتَهَى السَّحرُ في حِماكَ فيُخلَقْ دَرَجَ الحُبُّ في ثَرَاكَ نَقِيَّا … ولهُ فتنةٌ تَرُوعُ وَرَونقْ وبِأعطافِكَ الرَّقاقِ الحَوَاشِي … وَقفَ الحُسنُ خاشِعا ًثُمَّ أَطرقْ . . . وتطَلعتُ مِنْ مشارفِ لُبْناَ … نَ أُناجي منْ صفحةِ الغَيْبِ جلّقْ تلكَ مأْوَى رَغَادَتِي وَخَيالِي … وبها قَلْبَي اللهيفُ مُعَلقْ أنور العطار

стр. 10390

جنازة السلام بمناسبة الحرب بين إيطاليا والحبشة للأستاذ محمود غنيم أرأيت إذ وُلِدَ السلامْ … فنَعَوْهُ من قبل الفطامْ وضعته (أُورُبَّا) لنا … يا ليت (أوربا) عُقَام طفلٌ بريءٌ ذاق مِنْ … يد أمهََّ كأسَ الحِمام نحروا الغلامَ ضحيةً … في عيد ميلاد الغلام لهفي عليه ممزَّقَ الْ … أوصال مُنْتَثِرَ العظام عصفت به ريحُ الوغى … عصفاً وغطّاه القتام فمضى شهيداً ما له … قبرٌ يُزارّ ولا مقام ليس السلامُ بسائد … مادام في الدنيا حُطام ما الناسُ إلا الناسُ في … عصر الضياء أو الظلام سيَّان مَنْ سكن القصو … رَ الشمَّ أو سكن الخيام بِسوَى الدمّ المسفوح لا … يُرْوَى لظامئهم أوام وأحبُّ ما وقعت علي … هـ عيونُهم جُثَثٌ وهام وهو ابنُ آدمَ ينتشي … من حُمْرَة الدم والمدام الذئب كالإنسان لو … يتعلم الذئبُ النظام فكلاهما وحشٌ حد … يد النّاب يلتمس الطعام سِيَّان عند الفتكِ نا … بُ الليث أو حدُّ الحسام قالوا السلامُ فقلت ما … أقوى اللسانَ على الكلام وتعاهدوا فسألتُهم … ما حَدُّ مَنْ خَفَرَ الذمام أبغصن زيتون يُجا … زى أم بصارم الانتقام قالوا السلامُ فقلتُ كم=قد حارب الرُّسُلُ الكرام لا (الفاتيكانُ) من الحرو … بِ نجا ولا البيتُ الحرام قد كانت الخلفاء تُص … لَبُ بين زمزمَ وَالمقام

стр. 10391

كلٌّ يُشيرُ إلى السلا … مِ بعين ذئبٍ لا تنام وأمامهُ أُسطولهُ … ووراَءه الجيشُ اللُّهام فَقَدَ المهنّدُ عرشَه … والمُلكُ ليس له دوام نارٌ وغازٌ فاتكٌ … بدلَ الأَسنة والسَهام شبح المنَّية جاثمٌ … فوقَ المياهِ أو الرغام أو في الفضاء مرفرفٌ … بجناحه مثلَ الحمام جبَّارَ رُوماَ سوف تَلْ … بَسُ تاج قَيْصَرَ في المنام أتريدُ ويحك أن تُؤَ … خِّر أهْلَ جيلِك ألفَ عام ولّى زمانُ القيصر … يَّةِ والقياصرةِ العِظام أوَ ما رأيتَ الحكم با … ت الآن في أيدي الطّغام ولقد مشَيتَ القهقَرى … ومشى الزمانُ إلى الأمام أإذا صفا جوُّ السلا … مِ زَفَرْتَ فانتشر الغمام رُحماك هل تشكو إلي … ك الأرضُ من هول الزحام لم تَخْبُ نارُ الفتنة ال … كبرى وجُرْحُ الكون دام ولقد تحديْتَ الأنا … مَ فكنت سخريةَ الأنام أسرفتَ ويحك فاتئد … ماذا جنى أبناءُ حام لا تحسبَنَّ مرابضَ الْ … آسادِ سهلَةَ الاقتحام هذي معاقلُهم فمن … لك بالبواذخ من شمام هاهم خصومُك حول شَ … طَّ المَنْشِ إن شئتَ الخصام القابضون على جني_فَ ورهطهِا مثلَ السوام قالوا الحصارُ فأذعنت … (والقول ما قالت حذام) أخذوا على روما المسا … لكَ فهْي في ضيق المسام عَجَبي على باغٍ يقو … لُ لمن بغى: هذا حرام استَعْمَرُوا فتلثّموا … وخرجتَ مكشوفَ اللثام رمتَ التّنَمُّرَ مثلَهم … فظهرت في ريش النّعام

стр. 10392

شررٌ بروما طار يو … شِكُ أَن يكون له ضِرام الشعبُ هُدَِّدَ بالطّوى … والجيشُ بالموت الزؤام يتساءل الأقوامُ هل … (نيرونُ) بعد الموت قام زعزعتَ أركان السلا … مِ فَذُقْ مرارة الانهزام كوم حماده محمود غنيم

стр. 10393

القصص أقصوصة عراقية: أبو جاسم للأستاذ محمود. ا. السيد - ١ - حدثني صديقي إبراهيم والذكرى تؤلمه، قال: (كنت في المدرسة الثانوية - السلطانية العثمانية - قبل احتلال الجيش البريطاني بغداد بسنة أو أقل، أصاحب طالبا من ذوي الذكاء الواعد والخلق الجميل. كنت في السادسة عشرة من العمر. وكان هذا الصديق - وأسمه علي بن حسن - خير عون لي في المدرسة. وكنت أعجب بذكائه. . وكان طليقا جريئا يسمو على أقرانه بكثير من المزايا والصفات وكان إلى جانبنا طالب آخر يكمل لنا (ثالوثا) مقدسا بالإخاء والود أسمه عبد العزيز. وهو من أبناء الطبقة العاملة. وكان أكبرنا سنا وأقلنا تهذيبا، وأجرانا قلبا، يقلدني وعليا في الاعتزاز برجال التاريخ الإسلامي العربي: أجدادنا الأولين. وذلكم كان ديدننا في ذلك العهد: فجر الحرب العالمية الاستعمارية الكبرى وضحاها وكان أكثرنا حبا لبغدادنا وإيغالا فيها. . . يعاشر خارج المدرسة فتية من أبناء طبقته المكدودة فيشاركهم فيما يعتقدون من باطل العقائد والخرافات. وكان يرى - فيما يرى من غريب الآراء - أن القبعة العسكرية (الأنورية) التي ابتدعتها الحكومة الاتحادية إبان الحرب لرجالها ولطلبة المدارس، قبعة إفرنجية، حرام على المسلمين لبسها، أن رباط العنق رمز للصليب. ولم يلبس القبعة حتى أخر يوم من أيامه في المدرسة، فكان الطالب الوحيد البارز من بين الطلبة بطربوشه الأحمر القديم. أما أنا وعلي فقد لبسنا القبعة تلك لأننا لم نستطيع أن نشذ عن الجماعة شذوذه. وكان هذا الصديق الجريء، يقضي أغلب أوقاته في منازعة الطلبة وتحديهم، فكنت أنصحه راجيا منه أن ينصرف عنهم وعن منازعاتهم إلى التوفر على دروسه فما كان النصح يجدي وكان يؤسفني أنه عرف آخر الأمر بأنه شكس سيئ الخلق، وإن كان في الحقيقة طيب

стр. 10394

السريرة خيرا. ولعلهم كانوا يعيبون عليه كرهه للبس القبعة (الأنورية) لغير ما سبب معقول. وكانوا يتخذونه وطربوشه القديم الذي أوشك أن يبلى هزوا؛ وهذا ما كان يهيجه. ولم يزده عقاب المدرسة إياه على شغبه إلا جرأة واستمرارا في الشغب والنزاع والخروج على (النظام) وكما كان يكره القبعة، كان يكره الحكومة - الاتحادية - أشد الكره، لأنها حين اضطرمت نار الحرب جندت أخاه الكبير وأرسلته مع من أرسلت من أبناء العراق إلى سوح الوغى في القوقاز، ففقدت بذلك أسرته قوامها وسبب حياتها، كان قائما مقام أبيه الشيخ الكبير الذي لا يستطيع عملا، وكان يحسب أنه لاحق به في العاجل القريب وظاهر أن هذا المسلك الذي سلكه عبد العزيز يومئذ كان يجب أن يؤدي إلى الشر. وكان يجب أن يكون مصيره (الطرد) من المدرسة والحرمان من العلم. وكان متوقعا كذلك أن ينالني بعض الأذى من أجله، فقد كان المدرسون والطلبة - إلا القليل منهم - يناوئوننا معا ويكرهوننا ويعادوننا أشد عداء. . . واشتدت الحرب في العراق. وطغى سيل الغزاة الفاتحين. غلب البريطانيون، وأصبحوا على أبواب بغداد، فتنكرت الأيام للناس، وجندت الحكومة طلبة الصفوف العالية، وأكبت على طلبة الصفوف التالية الأخرى تعلمهم كما تعلم الجند فنون الحرب والضرب وتقحمهم في أشق الرياضات العسكرية لتلحقهم بهم. وهنا كان صحبنا الطلبة جميعا - في مدرستنا - جبناء، يملأ قلوبهم الرعب والخوف أما عبد العزيز فقد استيقظ في نفسه من جراء ذلك شعور بغض للمدرسة، بغض للخروج مع الطلبة - على ما كانوا يفعلون في كثير من الأحيان - إلى استقبال القواد وحضور الحفلات الحكومية، بغض لمدرس الرياضة الذي أرسل إلينا آنئذ من الجيش، وهو ضابط فظ بدين، ذو شاربين غليظين منتصبين كالصياصي. . . وكان يخشاه وكان - من بعد - حين يخرج من بيته صبحا يتلكأ في الذهاب إلى المدرسة، ويحاول أن يتمارض لكي ينقطع عنها أياما قليلة أو كثيرة. كان يغادر البيت كل صبح، وكأنه - كما كان يقول لي - يساق إلى سجن لا إلى دار علم وعرفان وجاءنا إذ ذاك مدير المدرسة جديد. وهو رجل عنيد، كان يحسبنا مجموع دمى من الشمع

стр. 10395

يسهل عليه إذابتها ثم صنعها ثانية على الغرار الذي يريد. وكان أول من لفت نظره إليه من الطلبة: عبد العزيز؛ فقد أعار سلوكه اهتمامه وعنايته، وراح يرهبه ويعالج تأديبه وتهذيبه بالعصا. وأذكر أن طالبا من أبناء الضباط الذين جاءوا بغداد في أواخر أيام الحرب من البلاد الشمالية، سفهه ذات يوم ثم عيره بالعامية والفقر، فقابله بالصفع والضرب الموجع المهين، فما كان نصيبه من المدير إلا الإهانة و (الطرد). وبذلك أسدل الستار على حياته المدرسية، وألجئ إلى التشرد والعطلة! وا أسفاه!! ولقيته بعد ذلك فألفيته جزعا، وقص علي قصة النزاع بينه وبين ذلك الطالب - ولا أذكر أسمه الآن - قال: (غادرت البيت صبحا وأنا كئيب محزون، لأن أمي التي لا تفتأ تذكر أخي الجندي ليلا ونهارا بالحسرات والدموع، وأبي المقبل على أخرته غير آسف على شيء في الدنيا، وهو يحبه حبا جما، لم يصل إليهما كتاب منه منذ شهر وبعض شهر. فأفرغ ذلك صبرهما بل أفقدهما الرشد. وإذ كنت أمشي في الشارع فاجأني خمسة من الشرط يعدون وراء رجل علمت من بعد أنه جندي هارب. وصرخ أحدهم قائلا: (خائن! قف!) ثم أطلقوا عليه الرصاص من بنادقهم فأردوه. وسقط تعبا جريحا يلهث وعيناه تنظران إلى السماء. ووقفت على مقربة منه أنظر إليه في لهفة وفرق؛ وهو ملقى وقد اصفر لونه وجللت وجهه سحابة من قتر الطريق، وتشنجت أعصابه من الخوف، وأقبل الشرط يتراطنون يريدون أن يحملوه. . . أعرضت عن هذا المشهد الذي آلمني أشد إيلام وانصرفت صامتا، ولحظت أن الشمس تملأ الأرجاء نورا، فعرفت أنني تأخرت عن موعد الدرس الأول. وكنت أمشي متباطئا ذاهلا، فما انتبهت إلا وأنا على باب غرفة صفي. . . طرقت الباب طرقا خفيفا مرة فمرتين وحاولت الدخول فجابهني المعلم ناهرا إياي بقوله: (أخرج، أخرج، اندفع يا حمار!) أو كنت حمارا فيإسطبل أبيه؟! وكنت حتى حين خروج الطلبة في الصف إثر الفراغ من الدرس ثائرا مهتاجا، فلقيني ذلك النذل فلاغاني فلكمته، وماذا كان يجب على أن أفعل؟ وسحقا للمدرسة بعد أن ينالني من هؤلاء فيها أذى) وقال صديقي إبراهيم وقد حدثني بحديثه هذا بعد انتهاء الحرب ومرور سبعة أعوام على نهايتها:

стр. 10396

(ثم احتل البريطانيون بغداد، وفرقت صروف الزمن بيننا - بعد ذلك - إذ رحل بي أبي وأسرتنا كلها إلى الحلة، فأقمنا فيها قرابة سنين أربع، فلما عدنا إليها لم أسمع لصاحبي عبد العزيز ذكرا) - ٢ - وكتبت هذا الحديث لطرافته عام ١٩٢٩. ثم مضى على ذلك أعوام ثلاثة، فبدا لي يوماً أن أسأل إبراهيم! (هلا بحثت في هذه المدة الطويلة الماضية عن رفيقك القديم؟ رفيق المدرسة وطريدها عبد العزيز؟) فأجابني وهو شاعر بما يتضمنه سؤالي من ملامة: (لقد بحثت عنه في الأيام الأخيرة، فبلغني من أنبائه، أنه كان هاجر قبل مدة غير محدودة بالضبط إلى البصرة، ليتكسب فيها ويعيش عاملا لدى إحدى الشركات الأجنبية، فأنه أضحى في عنفوان شبابه، وبلغ السن الذي يستقل فيها المرء بالكفاح والجهاد في سبيل الحياة، وإن أخاه الجندي المحارب لما يعد، وهلكت أمه ومات أبوه فقيرا معدما، لم يترك له إلا ديونا ودارا، بل كوخا باعه الدائنون؛ ولم يف ثمنه بعشر معشار تلك الديون. ولم يكن متعلما حرفة، ونسي ما تعلمه في المدرسة العثمانية من مبادئ العلوم. وكان يزاول بعض الأعمال الشاقة التافهة التي يزاولها العمال الذين من أدنى الدرجات؛ ولا يأخذون عليها أجرا يستحق ذكرا. هذا كل ما سمعته عنه. ولا يعلم أحد على التحقيق أذهب إلى البصرة أم إلى جهة أخرى) قلت: (أو لا ترى من واجب الوفاء إتمام البحث عنه لاستئناف الصلة به والوقوف بجانبه في معترك الحياة، في هذا المجتمع الذي طغت فيه المادية والأنانية والفردية، المجتمع الجائر القاسي الذي لا يرحم الفقير، وأن تنفعه وتعينه على اكتساب الرزق، فأنك موسر بعض اليسر.) قال: (وهل تحسب عبد العزيز المشاغب في المدرسة، الذي لم يعرف سوى عزة النفس والأباء

стр. 10397

في أيامه الماضية عدة وخلقا، والذي لم يستعن أحدا من صحبه يوما لو وجدته الآن لمد لي ولأمثالي يده في إبداء حاجة واستعانة مهما كان معسرا تنقض ظهره الشدة والفاقة؟ كلا. أنا لا أحسب ذلك؛ بل أحسب أن تلك الفترة من أيام مراهقته وفاتحة شبابه، كانت مقدمة وعنوانا لما كان مقبلا عليه من أيام شبابه ورجولته) ثم سكت وسكت وبعد شهرين أو ثلاثة أقبل علي يزورني في داري، وما عتم أن راح يحدثني عن رفيق صباه عبد العزيز الذي عثر به آخر الأمر فقال: (ولقد وجدته آخر الأمر وصافحته. . . ولكن أين؟ احزر أين وجدته؟ في السجن! ولا تستغرب؛ فقد ذهبت يوم الجمعة - أمس - إلى هناك لأزور صديقي الصحافي عبد الصمد الذي سجن متهما بنشر ما لا تجيز الحكومة نشره، وإذ كنت أدخل الحجرة التي يسمح بمقابلة السجناء فيها ألفيتني أمامه وجها لوجه. وكان يكلم زائرا غريبا يرتدي بزة العامة، ربما كان صديقا له. ولم أعرفه إلا بعد تأمل فيه قليل، لأن سحنته قد غيرتها السنون؛ وحييته فحياني وبسم لي، ثم سألني (أو قد نسيتني يا إبراهيم يا حبيبي؟ يا رفيق الأيام الحلوة التي لن تعود! وهل نسيني علي كذلك؟ وكيف هو؟. . . الخ) ودمعت عيناه من شدة الفرح بلقياي، وكان طليقا جريئا، كما كان في المدرسة، في محادثته السجانين وصاحبي الصحافي عبد الصمد الذي لم يكن يعرفه من قبل، ورأيت أن لهجته في الكلام أصبحت عامية سوقية خالصة، تميزها التعابير والألفاظ التي تجري - عادة - على ألسنة هؤلاء الذين عرفوا بفعال (الشقاوة) - كما نسميها - التي تظهر فيها، في أغلب الأحيان، شجاعة نادرة في غيرهم و (أريحية) ونجدة وكرم على فقر، وجرأة في احترام الجرائم، وكراهية شديدة لكل من يمت إلى الأجنبي الغاصب بصلة باقية من عهد الاحتلال المظلم، على ما تعرف. ولا أدري كيف أدركت أنه محكوم عليه بعقاب السجن لإجرامه جريمة قد لا يفخر المرء بها عندنا، فلم أشأ أن أسأله عما أدى به إلى حاله تلك. ومن الغريب أنه لم يكن يرى في أمره غرابة؛ وكأنه كان معلوما عندي ما اجترم فلم يخبرني به؛ وسرعان ما راح يودعني، إذ كانت الفرصة المسموح بها لزيارة المسجونين ضيقة جدا، متمنيا أن يلاقيني عقب خروجه من السجن، و (أن يكون تحت النظر) على حد تعبيره الشعبي الرمزي

стр. 10398

الجميل، (فأنه لا يزال على وده القديم، وذلك الصاحب الذي لا ينسى الصحب على طول الزمان، ولا يرضى عن الوفاء بديلا). وترك المجلس لي ولصاحبي منصرفا عنا في لباقة وحسن أدب، كما ينصرف الواحد منا عن أثنين لديهما سر، ولم يكن لدينا - في الحقيقة - سر غير أمره. فأنني كنت في أشد الشوق إلى سماع قصته، وبتعبير أوضح أحجمت عن سؤاله عما أدخله السجن ساعة لقيته لكي لا أجرح منه شعورا طالما كنت أقدره، بل أقدسه في أيامنا التي خلت، في أزهى زمان وأحلاه، زمان الدرس والتحصيل. وقال لي عبد الصمد: (هذا فتى باهر الخصال يا أخي، ولا أرى فائدة في أن أقص قصته عليك في إسهاب وتفصيل، فهو الآن مجرم محكوم عليه بالسجن ثلاث سنين لأنه جرح رجلا من الأجانب، كان يحترف عملا فنيا لدى شركة أجنبية في البصرة؛ وكان عبد العزيز (يشتغل) هناك بيده كعامل لا شأن له، ورئيسه ذلك الأجنبي، على أنه كان شخصا مخيفا بين العمال، خشن الطباع، شرسا، كذلك قالوا عنه. وليس في حادثته التي طوحت به إلى السجن ما يستغرب منه ومن أمثاله في العراق اليوم، فقد انتهره الأجنبي ذات يوم، وشتمه وأهانه، لأنه أخطأ في عمله بعض الخطأ، فما كان منه إلا أن قابل إهانته إياه بطعنه بمديته، فجرحه، ولم يصب منه مقتلا. انتهت قصته. أما هو فما يزال يذكر الحادثة غير مكترث به صار إليه من جرائها، فهو يرى لها سببا من أسباب التفاخر بالجرأة والشجاعة، ولا سيما أن المجني عليه أجنبي من بقايا الذين جاءوا في الحرب في (الحملة) على العراق، وهو يقول لنا عنه في سذاجة ويكرر قوله مرارا: (ليته كان من أبناء أمتنا أمثالي، إذن والله لما جرحته، لما جرحته)، فانظر إلى رقة شعوره وشدة كرهه للأجانب الذين أرهقوا البلاد في الحرب الاستعمارية الكبرى وبعدها. . . والعبرة ليست فيما حدثتك، بل فيما أرى عند هذا العبد العزيز الذي لقبوه في السجن بأبي جاسم كما يلقب العراقيون عادة فتيانهم ذوي (الأريحية) والنجدة والشجاعة، مجرمين كانوا أو غير مجرمين، من فلسفة القوة والأمل والتفاؤل والاستهزاء بصروف الحياة، فأنني - وقد خصني بصداقته وترحابه منذ أن دخلت السجن - قد أسفت على حالي كثيرا، وطالما اسودت الدنيا في وجهي يأسا وتشاؤما، فلا أكاد أسمع نصائحه الساذجة في ظاهرها، وضحكاته ذات الرنين العالي، وأغانيه الشعبية التي يرسلها من نفس زاخرة بالأحلام والآمال، حتى تتفرج نفسي من اليأس، وتبدد عني

стр. 10399

سحب التشاؤم والأسى؛ فو الله ما نفعتني في هذه الأيام العابسة الكتب وفلسفاتها المهذبة المصقولة، بقدر ما نفعتني نصائح وضحكات وأغاني هذا الصديق الجديد في السجن، بل في مدرسة الرجال والأبطال، على ما يسميه؛ وأنا ناقل لقوله فما علي من لوم، فالناس تسمي السجن مدرسة المجرمين) قال محدثي إبراهيم: ثم زايلت السجن وكلي أسف على حياة صاحبي القديم، التي أحسبها ضائعة بعد هذه الحال التي صار إليها؛ وهذا ما كنت أتوقعه منذ طرد من المدرسة السلطانية العثمانية. تلك مقدمة هذه نتيجتها. . . وفي نيتي أن أزوره يوم الجمعة القادم) قلت وأنا مصغ له في غير أسف: (ولكن عبد العزيز أبا جاسم، وهو جدير بلقبه هذا، كان شريفا من بعد؛ ورب مجرم معذور؛ فأما أنه كان فقيرا وسوف يغدو كما كان، فما في الفقر من عيب. وما ضاعت حياة من كان مثله إباء وعزة نفس. . . .) العراق - الأعظمية محمود. أ. السيد

стр. 10400

البريد الأدبي تولستوي لمناسبة الاحتفال بذكرى وفاته تحتفل روسيا السوفيتية خلال شهر ديسمبر بإحياء ذكرى كاتب روسيا وفيلسوفها الكبير ليون تولستوي، وذلك لمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على وفاته. ولقد محت الثورة البلشفية كثيرا من معالم روسيا وذكرياتها وتقاليدها القديمة، ولكن روسيا السوفيتية ما زالت تحرص على رعاية الآداب والعلوم والفنون، وما زال هذا الحرص يتجلى في كل موقف ومناسبة، وذكرى تولستوي تتبوأ في الأدب الروسي بل وفي الأدب العالمي أسمى مكانة، وما زالت الثورة البلشفية تنحني إجلالا لذكرى هذا الذي رفع الأدب الروسي إلى السماكين، واتشح بنوع من القدسية تجعل ذكراه وتراثه فوق كل ثورة وانقلاب توفي تولستوي منذ خمسة وعشرين عاما، وفي ٢٠ نوفمبر سنة ١٩١٠؛ وكان مولده سنة ١٨٢٨ في قرية باسينا بوليانا من أعمال مقاطعة تولا في أسرة قديمة عريقة في النبل؛ وتوفيت والدته وهو في الثانية من عمره، ثم توفي أبوه في التاسعة من عمره؛ فكفلته وأخوته إحدى عماته، وتلقى معهم تربية خاصة على يد معلم فرنسي؛ وفي سنة ١٨٤٣ أرسل إلى جامعة فازان ليدرس فيها؛ ولكنه لم يبد براعة خاصة في الدرس، فقضى بها حينا، وغادرها ملولا، وانكب على اللهو بضعة أعوام؛ ولما بلغ الثالثة والعشرين من عمره انتظم في سلك الجيش في قسم المدفعية وأرسل إلى القوقاز، واشترك في حرب القرم تحت إمرة البرنس جور نشاكوف، وقاتل في موقعة سلستريا سنة ١٨٥٤، وفي موقعة سباستبول سنة ١٨٥٥. وكان تولستوي قد ظهر في عالم الأدب قبل ذلك ببضعة أعوام، فكتب في بعض المجلات الكبرى، وكتب كتبه الثلاث الأولى وهي (الطفولة) (سنة ١٨٥٢) ثم (الحداثة) (سنة ١٨٥٣) ثم (الشباب). كتبها في القوقاز قبل أن ينزح إلى ميدان الحرب، ووصف فيها طفولته وحداثته وشبابه في صورة مؤثرة. وفي أثناء الحرب، وتحت قصف المدافع كتب تولستوي عدة صور وقطع حربية قوية أسماها (قصص سباستبول) وفيها ظهرت روعة مواهبه الأدبية، فطارت شهرته وكان بدء مجده الخالد. وفي (قصص سباستبول) تبدو شخصية تولستوي قوية، ويبدو إجلاله للحقيقة والشمائل الإنسانية والحب الأخوي؛ ويبدو مقته لكل مظاهر الطغيان والعنف. ولما انتهت الحرب عاد إلى بطرسبرج
следующие страницы →