← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10396–10435 · переход к 10401.

стр. 10396

(ثم احتل البريطانيون بغداد، وفرقت صروف الزمن بيننا - بعد ذلك - إذ رحل بي أبي وأسرتنا كلها إلى الحلة، فأقمنا فيها قرابة سنين أربع، فلما عدنا إليها لم أسمع لصاحبي عبد العزيز ذكرا) - ٢ - وكتبت هذا الحديث لطرافته عام ١٩٢٩. ثم مضى على ذلك أعوام ثلاثة، فبدا لي يوماً أن أسأل إبراهيم! (هلا بحثت في هذه المدة الطويلة الماضية عن رفيقك القديم؟ رفيق المدرسة وطريدها عبد العزيز؟) فأجابني وهو شاعر بما يتضمنه سؤالي من ملامة: (لقد بحثت عنه في الأيام الأخيرة، فبلغني من أنبائه، أنه كان هاجر قبل مدة غير محدودة بالضبط إلى البصرة، ليتكسب فيها ويعيش عاملا لدى إحدى الشركات الأجنبية، فأنه أضحى في عنفوان شبابه، وبلغ السن الذي يستقل فيها المرء بالكفاح والجهاد في سبيل الحياة، وإن أخاه الجندي المحارب لما يعد، وهلكت أمه ومات أبوه فقيرا معدما، لم يترك له إلا ديونا ودارا، بل كوخا باعه الدائنون؛ ولم يف ثمنه بعشر معشار تلك الديون. ولم يكن متعلما حرفة، ونسي ما تعلمه في المدرسة العثمانية من مبادئ العلوم. وكان يزاول بعض الأعمال الشاقة التافهة التي يزاولها العمال الذين من أدنى الدرجات؛ ولا يأخذون عليها أجرا يستحق ذكرا. هذا كل ما سمعته عنه. ولا يعلم أحد على التحقيق أذهب إلى البصرة أم إلى جهة أخرى) قلت: (أو لا ترى من واجب الوفاء إتمام البحث عنه لاستئناف الصلة به والوقوف بجانبه في معترك الحياة، في هذا المجتمع الذي طغت فيه المادية والأنانية والفردية، المجتمع الجائر القاسي الذي لا يرحم الفقير، وأن تنفعه وتعينه على اكتساب الرزق، فأنك موسر بعض اليسر.) قال: (وهل تحسب عبد العزيز المشاغب في المدرسة، الذي لم يعرف سوى عزة النفس والأباء

стр. 10397

في أيامه الماضية عدة وخلقا، والذي لم يستعن أحدا من صحبه يوما لو وجدته الآن لمد لي ولأمثالي يده في إبداء حاجة واستعانة مهما كان معسرا تنقض ظهره الشدة والفاقة؟ كلا. أنا لا أحسب ذلك؛ بل أحسب أن تلك الفترة من أيام مراهقته وفاتحة شبابه، كانت مقدمة وعنوانا لما كان مقبلا عليه من أيام شبابه ورجولته) ثم سكت وسكت وبعد شهرين أو ثلاثة أقبل علي يزورني في داري، وما عتم أن راح يحدثني عن رفيق صباه عبد العزيز الذي عثر به آخر الأمر فقال: (ولقد وجدته آخر الأمر وصافحته. . . ولكن أين؟ احزر أين وجدته؟ في السجن! ولا تستغرب؛ فقد ذهبت يوم الجمعة - أمس - إلى هناك لأزور صديقي الصحافي عبد الصمد الذي سجن متهما بنشر ما لا تجيز الحكومة نشره، وإذ كنت أدخل الحجرة التي يسمح بمقابلة السجناء فيها ألفيتني أمامه وجها لوجه. وكان يكلم زائرا غريبا يرتدي بزة العامة، ربما كان صديقا له. ولم أعرفه إلا بعد تأمل فيه قليل، لأن سحنته قد غيرتها السنون؛ وحييته فحياني وبسم لي، ثم سألني (أو قد نسيتني يا إبراهيم يا حبيبي؟ يا رفيق الأيام الحلوة التي لن تعود! وهل نسيني علي كذلك؟ وكيف هو؟. . . الخ) ودمعت عيناه من شدة الفرح بلقياي، وكان طليقا جريئا، كما كان في المدرسة، في محادثته السجانين وصاحبي الصحافي عبد الصمد الذي لم يكن يعرفه من قبل، ورأيت أن لهجته في الكلام أصبحت عامية سوقية خالصة، تميزها التعابير والألفاظ التي تجري - عادة - على ألسنة هؤلاء الذين عرفوا بفعال (الشقاوة) - كما نسميها - التي تظهر فيها، في أغلب الأحيان، شجاعة نادرة في غيرهم و (أريحية) ونجدة وكرم على فقر، وجرأة في احترام الجرائم، وكراهية شديدة لكل من يمت إلى الأجنبي الغاصب بصلة باقية من عهد الاحتلال المظلم، على ما تعرف. ولا أدري كيف أدركت أنه محكوم عليه بعقاب السجن لإجرامه جريمة قد لا يفخر المرء بها عندنا، فلم أشأ أن أسأله عما أدى به إلى حاله تلك. ومن الغريب أنه لم يكن يرى في أمره غرابة؛ وكأنه كان معلوما عندي ما اجترم فلم يخبرني به؛ وسرعان ما راح يودعني، إذ كانت الفرصة المسموح بها لزيارة المسجونين ضيقة جدا، متمنيا أن يلاقيني عقب خروجه من السجن، و (أن يكون تحت النظر) على حد تعبيره الشعبي الرمزي

стр. 10398

الجميل، (فأنه لا يزال على وده القديم، وذلك الصاحب الذي لا ينسى الصحب على طول الزمان، ولا يرضى عن الوفاء بديلا). وترك المجلس لي ولصاحبي منصرفا عنا في لباقة وحسن أدب، كما ينصرف الواحد منا عن أثنين لديهما سر، ولم يكن لدينا - في الحقيقة - سر غير أمره. فأنني كنت في أشد الشوق إلى سماع قصته، وبتعبير أوضح أحجمت عن سؤاله عما أدخله السجن ساعة لقيته لكي لا أجرح منه شعورا طالما كنت أقدره، بل أقدسه في أيامنا التي خلت، في أزهى زمان وأحلاه، زمان الدرس والتحصيل. وقال لي عبد الصمد: (هذا فتى باهر الخصال يا أخي، ولا أرى فائدة في أن أقص قصته عليك في إسهاب وتفصيل، فهو الآن مجرم محكوم عليه بالسجن ثلاث سنين لأنه جرح رجلا من الأجانب، كان يحترف عملا فنيا لدى شركة أجنبية في البصرة؛ وكان عبد العزيز (يشتغل) هناك بيده كعامل لا شأن له، ورئيسه ذلك الأجنبي، على أنه كان شخصا مخيفا بين العمال، خشن الطباع، شرسا، كذلك قالوا عنه. وليس في حادثته التي طوحت به إلى السجن ما يستغرب منه ومن أمثاله في العراق اليوم، فقد انتهره الأجنبي ذات يوم، وشتمه وأهانه، لأنه أخطأ في عمله بعض الخطأ، فما كان منه إلا أن قابل إهانته إياه بطعنه بمديته، فجرحه، ولم يصب منه مقتلا. انتهت قصته. أما هو فما يزال يذكر الحادثة غير مكترث به صار إليه من جرائها، فهو يرى لها سببا من أسباب التفاخر بالجرأة والشجاعة، ولا سيما أن المجني عليه أجنبي من بقايا الذين جاءوا في الحرب في (الحملة) على العراق، وهو يقول لنا عنه في سذاجة ويكرر قوله مرارا: (ليته كان من أبناء أمتنا أمثالي، إذن والله لما جرحته، لما جرحته)، فانظر إلى رقة شعوره وشدة كرهه للأجانب الذين أرهقوا البلاد في الحرب الاستعمارية الكبرى وبعدها. . . والعبرة ليست فيما حدثتك، بل فيما أرى عند هذا العبد العزيز الذي لقبوه في السجن بأبي جاسم كما يلقب العراقيون عادة فتيانهم ذوي (الأريحية) والنجدة والشجاعة، مجرمين كانوا أو غير مجرمين، من فلسفة القوة والأمل والتفاؤل والاستهزاء بصروف الحياة، فأنني - وقد خصني بصداقته وترحابه منذ أن دخلت السجن - قد أسفت على حالي كثيرا، وطالما اسودت الدنيا في وجهي يأسا وتشاؤما، فلا أكاد أسمع نصائحه الساذجة في ظاهرها، وضحكاته ذات الرنين العالي، وأغانيه الشعبية التي يرسلها من نفس زاخرة بالأحلام والآمال، حتى تتفرج نفسي من اليأس، وتبدد عني

стр. 10399

سحب التشاؤم والأسى؛ فو الله ما نفعتني في هذه الأيام العابسة الكتب وفلسفاتها المهذبة المصقولة، بقدر ما نفعتني نصائح وضحكات وأغاني هذا الصديق الجديد في السجن، بل في مدرسة الرجال والأبطال، على ما يسميه؛ وأنا ناقل لقوله فما علي من لوم، فالناس تسمي السجن مدرسة المجرمين) قال محدثي إبراهيم: ثم زايلت السجن وكلي أسف على حياة صاحبي القديم، التي أحسبها ضائعة بعد هذه الحال التي صار إليها؛ وهذا ما كنت أتوقعه منذ طرد من المدرسة السلطانية العثمانية. تلك مقدمة هذه نتيجتها. . . وفي نيتي أن أزوره يوم الجمعة القادم) قلت وأنا مصغ له في غير أسف: (ولكن عبد العزيز أبا جاسم، وهو جدير بلقبه هذا، كان شريفا من بعد؛ ورب مجرم معذور؛ فأما أنه كان فقيرا وسوف يغدو كما كان، فما في الفقر من عيب. وما ضاعت حياة من كان مثله إباء وعزة نفس. . . .) العراق - الأعظمية محمود. أ. السيد

стр. 10400

البريد الأدبي تولستوي لمناسبة الاحتفال بذكرى وفاته تحتفل روسيا السوفيتية خلال شهر ديسمبر بإحياء ذكرى كاتب روسيا وفيلسوفها الكبير ليون تولستوي، وذلك لمناسبة مرور خمس وعشرين سنة على وفاته. ولقد محت الثورة البلشفية كثيرا من معالم روسيا وذكرياتها وتقاليدها القديمة، ولكن روسيا السوفيتية ما زالت تحرص على رعاية الآداب والعلوم والفنون، وما زال هذا الحرص يتجلى في كل موقف ومناسبة، وذكرى تولستوي تتبوأ في الأدب الروسي بل وفي الأدب العالمي أسمى مكانة، وما زالت الثورة البلشفية تنحني إجلالا لذكرى هذا الذي رفع الأدب الروسي إلى السماكين، واتشح بنوع من القدسية تجعل ذكراه وتراثه فوق كل ثورة وانقلاب توفي تولستوي منذ خمسة وعشرين عاما، وفي ٢٠ نوفمبر سنة ١٩١٠؛ وكان مولده سنة ١٨٢٨ في قرية باسينا بوليانا من أعمال مقاطعة تولا في أسرة قديمة عريقة في النبل؛ وتوفيت والدته وهو في الثانية من عمره، ثم توفي أبوه في التاسعة من عمره؛ فكفلته وأخوته إحدى عماته، وتلقى معهم تربية خاصة على يد معلم فرنسي؛ وفي سنة ١٨٤٣ أرسل إلى جامعة فازان ليدرس فيها؛ ولكنه لم يبد براعة خاصة في الدرس، فقضى بها حينا، وغادرها ملولا، وانكب على اللهو بضعة أعوام؛ ولما بلغ الثالثة والعشرين من عمره انتظم في سلك الجيش في قسم المدفعية وأرسل إلى القوقاز، واشترك في حرب القرم تحت إمرة البرنس جور نشاكوف، وقاتل في موقعة سلستريا سنة ١٨٥٤، وفي موقعة سباستبول سنة ١٨٥٥. وكان تولستوي قد ظهر في عالم الأدب قبل ذلك ببضعة أعوام، فكتب في بعض المجلات الكبرى، وكتب كتبه الثلاث الأولى وهي (الطفولة) (سنة ١٨٥٢) ثم (الحداثة) (سنة ١٨٥٣) ثم (الشباب). كتبها في القوقاز قبل أن ينزح إلى ميدان الحرب، ووصف فيها طفولته وحداثته وشبابه في صورة مؤثرة. وفي أثناء الحرب، وتحت قصف المدافع كتب تولستوي عدة صور وقطع حربية قوية أسماها (قصص سباستبول) وفيها ظهرت روعة مواهبه الأدبية، فطارت شهرته وكان بدء مجده الخالد. وفي (قصص سباستبول) تبدو شخصية تولستوي قوية، ويبدو إجلاله للحقيقة والشمائل الإنسانية والحب الأخوي؛ ويبدو مقته لكل مظاهر الطغيان والعنف. ولما انتهت الحرب عاد إلى بطرسبرج

стр. 10401

تسبقه شهرته، واتصل فيها بكل مجتمع رفيع وشخصية بارزة؛ واتصل بأقطاب الكتابة والأدب، ولا سيما تورجنيف وجوتشاروف وتكراسوف، وتوثقت علائقه بتورجنيف مدى حين، ولكنها لم تلبث أن فترت لاختلافهما في كثير من الآراء والمبادئ. ذلك أنٍ تولستوي كان ثوري المبدأ والعقيدة، يحرر العبيد في ضيعته، ويغدق العطاء للفقراء؛ ولكنه كان في أعماق نفسه (انفراديا) وكان بعيدا عن الحركة الاشتراكية التي كانت تجرف روسيا يومئذ ويتزعمها جناح قوي من الكتاب والأدباء. هذا إلى أن تولستوي كان عبد الحقيقة يصورها في تفكيره وكتابته؛ بينما كان أولئك الكتاب يكتبون غيرها ما يعتقدون، ويفعلون غير ما يقولون. وقد كانت كتب تولستوي صورة صادقة لشخصه ومبادئه، وكل ما فيها مستمد من حياته ومن نفسه؛ وهذا ما يقرره تولستوي نفسه في بعض كتاباته إذ يقول: (إن الحقيقة هي بطلة مؤلفاتي، وهي دائما نفثه روحي وكل جوارحي) وفي سنة ١٨٦٢ تزوج تولستوي من صوفيا بيرس؛ ولم يمض قليل على هذه الحياة الهادئة حتى كتب تولستوي أعظم كتبه قصة (الحرب والسلام) وظهرت لأول مرة سنة ١٨٦٩ ثم كتب قصته الخالدة (حنه كارنينا) وظهرت سنة ١٨٧٧؛ وفي هذين الكتابين يصل تولستوي إلى ذروة قوته وروعته. وفي القصة الأولى أعني (الحرب والسلام) يصف تولستوي حوادث الغزوة النابليونية لروسيا؛ ومما يلفت النظر أنه يصف فيها والدته في شخص الأميرة ماري. وقد رأينا أن تولستوي فقد والدته وهو في الثانية، ولكنه مع ذلك يؤكد لنا أنها تركت في ذهنه صورة قوية وأنه احتفظ في ذهنه الفتي بكثير من ذكرياتها وصورها. وأما قصة حنا كارنينا، وهي فيما يرى النقدّه أعظم كتب تولستوي، فهي القصة الخالدة لزواج نكد، وما يترتب على ذلك الزواج من المحن؛ وهي القصة الخالدة لزواج عادي وما يحيط به من العوامل والظروف. هي قصة فتاة تزوجت في سن العشرين رجلا يكبرها بعشرين عاما، وعاشت معه ردحا من الزمن أمينة مخلصة؛ ولكنها في الثلاثين اضطرمت بفورة من الهوى فأحبت ضابطا فتى جميلا واستسلمت إليه؛ ولما ارتاب زوجها في الأمر اعترفت له لأول وهلة؛ وأدرك الزوج بعد التفكير أنه يحمل تبعة هذه الجناية، لأنه جنى على امرأة شابة فتزوجها وهوليس أهلا لحبها، وكأنه اختلسها اختلاسا وارتكب بذلك جرما يعاقب عليه؛ وعلى ذلك فقد شعر أنه يستحق ما أصابه، وترك زوجته الفتية (حنه)

стр. 10402

وفارقها، وعاش بلا أسرة. ولكن هل كانت حنه سعيدة بهذه الحرية؟ كلا فقد شعرت هي الأخرى باثمها؛ وسرعان ما دب الفتور إلى حبيبها، وأضحت تشعر أنها غدت عبئا ثقيلا عليه، وهكذا حطمت حياتها. وأما العاشق (فرونسكي) فقد كان فتى جم العبث والأهواء، وكان يهوى حنه هوى الفورة والساعة؛ ولكنه شعر أنه أثم أيضا وأن إثمه يوجب عليه أن يبقى إلى جانب تلك التي حطم حياتها ففر معها إلى الخارج وقضى بذلك على مستقبل زاهر كان في انتظاره، ثم كانت خاتمة المأساة ذات يوم في حلبة السباق إذ سقط المحب القديم من فوق ظهر جواد كان يمتطيه فقتل لساعته. تلك هي الفلسفة الإنسانية الرائعة التي يبسطها لنا تولستوي في أعظم كتبه. وفي سنة ١٨٨٠ نشر تولستوي كتابه (اعترافي) وفيه يبسط لنا آراءه ونظرياته الدينية. وفي هذا الميدان كما في غيره يبدو تولستوي في صور مختلفة متناقضة، فبينا نراه الرجل المؤمن العريق في الإيمان إذا بنا نراه ملحدا منكرا، وإذا بنا نراه وثنيا وطائفيا. وكتب تولستوي بعد ذلك كتب عدة ورسائل أخرى يغلب عليها طابع التصوف، منها (ايفان ايليتش) و (الكورتيس سوناتا) و (مملكة الله في قلبك) و (ما هو الدين). وساح تولستوي في ألمانيا وسويسرا وغيرهما وكتب صور سياحته في كتابين: أحدهما يسمى (لوسره) ولآخر (مذكرات نخليودو) وغدا تولستوي في كهولته فيلسوفا ومصلحا اجتماعيا يحرر عبيد ضيعته، ويقسم أرضه بين الفلاحين ويعنى بتربيتهم وإرشادهم، ويغيث البؤساء والمنكوبين؛ ومن أثر ذلك أنه نزل عن أملاكه لزوجه وأولاده، وحاول أن يعيش عيشة الزهد والتقشف مثل ما يعيش أفقر أبناء الريف. وكان ذلك سببا في تنغيص حياته العائلية، وفي تسميم علائقه بزوجته. ولما شعر في أواخر حياته أنه غدا بين أسرته كالغريب المنبوذ، فر من منزله سرا. وكان قد تبوأ ذروة مجده منذ أعوام طويلة وغدا يكنفه نوع من القداسة، وكان قد أشرف على نهاية حياته الحافلة فتوفي بعد ذلك بقليل في بلدة استابوفو في ٢٠ نوفمبر سنة ١٩١٠، واختفت بذلك شخصية من أعظم شخصيات الأدب الحديث وكان تولستوي شاعرا وفيلسوفا وناقدا وفنانا، وكانت حياته كلها حياة كفاح واضطراب، ولكنها متناقضات مدهشة؛ فمن أرستقراطية عريقة، إلى ديمقراطية ساذجة؛ ومن إيمان مؤثر إلى الحاد مطبق؛ ومن شغف بالنساء إلى احتقار لهن؛ ومن إنسانية فياضة إلى انانية

стр. 10403

عميقة. بيد أن تولستوي كان يسمو بروحه ومشاعره إلى أنبل ما يمكن أن تسمو إليه النفس الإنسانية؛ وقد كان لفلسفته وكتبه أثر عميق في تطور المشاعر الروسية، وفي تكوين النفس الروسية الحديثة وقد بلغت مؤلفات تولستوي في الطبعة الروسية زهاء مائة مجلد، وترجمت إلى كثير من اللغات الحية؛ وترجم له كثيرون من أكابر الكتاب في مختلف الأمم رسالة ملوكية ضخمة من أنباء استنبول الأخيرة أن السلطات المختصة قد وجدت في محفوظات متحف الدولة رسالة ملوكية ضخمة من الورق المشمع وطولها تسعة أمتار وعرضها سبعة؛ وظهر من البحث أنها رسالة أرسلها شاه الفرس في القرن السادس عشر إلى السلطان سليمان الأكبر. وقد تقرر أن تعرض لأنظار الجمهور موت زعيم كريم، إبراهيم بك هنانو وا أسفاه!! في الساعة التي اشتبهت فيها معالم السياسة في سورية، فتدسست الأماني الخوادع إلى الشعب، وتفرقت السبل الجوامع بالزعامة، يغيب القطب الهادئ، ويهدم المنار الدال، ويخبو الضرام المذكى، ويخفت الصوت المجمع، ويموت الزعيم هنانو؟! روعت سورية من شمالها إلى جنوبها بنعي هذا الزعيم الكبير، ونالها من خطبه ما غلب على الصبر ومنع من القرار، فهبت كلها تندبه وتريثه، وتبكي بطلها وأملها ودليلها فيه. والحق أن الفقيد العظيم كان مثلا نادرا في الزعامة البريئة الجريئة المخلصة: كان صلبا في الرأي على قدر إيمانه، ومتمردا على الباطل على سواء حقه، ومهيمنا على الشعب بقوة نفسه ونبل غرضه. جرد على الواغل الدخيل جيشا من الوطنية الصابرة والحمية الثائرة والعروبة الغضبى، ثم صمد له بالعدد القليل بعد سقوط دمشق سنة كاملة لم يلن لمغمز ولم ينكل عن خطة، حتى آل أمره إلى فلسطين فسلمته حكومتها إلى فرنسا فحوكم وبرئ؛ ومن ذلك اليوم كان معقد آمال السوريين يفزعون إليه في المعضلات، ويستنيرون برأيه في المشكلات، وينضوون إلى رايته في المواقع. كان ﵀ على خلق الزعماء أولى العزم والرسالة: نظر إلى أمته نظر الحكيم المصلح فألف بين قلوبها ووفق بين ميولها وقرب بين

стр. 10404

عقائدها، ثم دافع عن مرافقها دفاع المؤمن النزيه، فلم يسف إلى دنيء المطامع، ولم يغتر بمظاهر الجاه، ولم يطمح إلى عزة السلطة، وإنما ظل جنديا يقود، ومحاميا يذود، وخطيبا يرأب بلسانه صدوع الفرقة، حتى أضناه الجهاد المستمر، وأقعده المرض المخامر، فكان زعيما بالفكرة، قائدا بالمبدأ، مرشدا بالقدوة. ثم قبضة الله إليه فأحدث ذلك الفراغ المخيف، وهز أمته تلك الهزة العنيفة، لأن الزعماء الذين يصوغهم الله على هذا الطراز يكونون في النهضات الاجتماعية من أممهم مكان السماط من حبات العقد، ينظمون وحدتها، ويجمعون كلمتها، ويمسكون نظامها، ويعقدون أمانيها؛ فإذا قطعت المنون ذلك الخيط ذهب العقد بداد ما لم يكن له من الله ناظم وعاصم - سقى الله بصيب الرحمة ثراه، وعزى فيه الأمة العربية خير العزاء الاحتفال بالجاحظ في السنة القادمة (١٣٥٥هـ) يتم أحد عشر قرنا لوفاة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري المتوفى سنة ٢٥٥هـ؛ ويا حبذا لو تقدم علماء العراق وأدباؤه إلى الاحتفال بذكراه في مدينة البصرة، واشتركت الأقطار العربية كلها بتعديد مناقب أعظم رجل جمع بين علوم الدين والدنيا في الإسلام. محمد كرد علي جوائز نوبل ذكرنا في العدد الماضي أن جائزة نوبل للطب والفسلجة قد منحت عن هذا العام إلى العلامة الألماني الدكتور هنز شبيمان من أساتذة كلية فريبورج. ونضيف اليوم أن جائزة نوبل للكيمياء قد منحت للأستاذ جوليو الفرنسي من أساتذة جامعة باريس ولزوجته السيدة كوري جوليو، وهي ابنة مدام كوري الكيميائية البارعة التي اشتهرت بمباحثها واكتشافاتها في الراديوم وخواصه. ومنحت جائزة نوبل للطبيعيات للأستاذ جيمس سادويك الإنكليزي ومن أساتذة جامعة كمبردج اعترافاً بفضله في اكتشاف (النوترون). وقيمة كل جائزة من هذه الجوائز الشهيرة كما أسلفنا سبعمائة ألف فرنك (نحو تسعة آلاف جنيه). وأما جائزة نوبل عن الآداب فلم يتقرر منحها هذا العام، وتقرر أن يعاد النظر في أمر

стр. 10405

منحها في العام القادم. وقد سبق أن عطل منح هذه الجائزة زهاء خمس عشرة سنة من ١٩٠١ إلى سنة ١٩١٤، ثم استؤنف منحها بعد ذلك.

стр. 10406

النقد ١ - تاريخ الإسلام السياسي تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن بعض مآخذ تاريخية لأستاذ كبير الدكتور حسن إبراهيم حسن من الشبان المصريين الذين يحملون في مادة التاريخ الإسلامي طائفة غير قليلة من الألقاب العلمية الضخمة ما بين مصرية وأجنبية، ثم هو قد زاول تدريس التاريخ الإسلامي في الجامعتين المصرية والأزهرية سنين طوالاً أخرج فيها من الآثار المؤلفة والمترجمة شيئاً كثيراً؛ وقد طلع على الناس في هذه الأيام بسفر ضخم في تاريخ الإسلام السياسي تناول الكلام فيه على عصر الجاهلية، وعصر النبوة، وعصر الخلفاء الأربعة، وعصر بني أمية. تلقاء هذه الألقاب الضخمة، والخبرة الواسعة؛ وتلقاء جلال العصر الإسلامي القديم، استشرفت نفسي لمطالعة كتاب الدكتور الأخير منذ علمت بظهوره؛ ولم أكد أصل إلى نسخة منه حتى عكفت على قراءته؛ وقد قرأته من أوله إلى آخره. وإني مع اعترافي بالمجهود الكبير الذي أنفقه الدكتور في كتابه، قد تبين لي في الكتاب من السقط والزلل مالا يحسن السكوت عليه، لذلك عمدت إلى نشر ما تيسر لي نشره من الاستدراك خدمة لمادة ناشئة في معاهدنا العلمية، هي مادة التاريخ الإسلامي، واستحثاثاً للمؤلف على تدارك أمره في مادة هو متخصص فيها، وضناً بما لمصر من حسن السمعة العلمية في الأقطار الشرقية أن يتطرق إليه ضعف أو وهن. وإني قاصر كلمتي اليوم على إيراد شيء من مآخذ الكتاب التاريخية تاركاً بقية المآخذ لكلمات أخرى أنشرها تباعاً على صفحات (الرسالة) الغراء. يطلق المؤلف في ص ٣٤ كلمة (أقيال) على ملوك العرب وساداتهم، مع أن هذا اللقب خاص بملوك اليمن أو من دونهم من أمراء المخاليف اليمنية. يقول المؤلف في ص ٣٦: (وكان للعرب نظام ثابت للزواج: فكان جمهورهم يقترن بالزوجة بعد رضاء أهلها، كما كان كثير منهم يستشيرون البنات في أمر زواجهن. وينبغي

стр. 10407

ألا نخلط بين هذا الارتباط بالزواج وبين غيره مما عرف عن بعض العرب من اجتماع الرجل بالمرأة بغير هذه الطريقة) ولو قصر المؤلف هذه الحال على الحجاز لاستقام قوله؛ أما وهو يعمم الحكم فكلامه لا يطابق الواقع؛ والدليل على ذلك حديث البخاري المنسوب إلى عائشة، والذي يبين الأنحاء الأربعة للأنكحة في الجاهلية (البخاري جـ٧ ص ١٥). يذكر المؤلف في ص ٤٥ أخذاً بظاهر الرواية العربية، أن الفرس كانوا زاهدين في ملك اليمن؛ والصحيح الثابت أنهم كانوا حراصاً عليه ليحدوا من نفوذ خصومهم الروم والأحباش في تلك البلاد. يقول المؤلف في ص ٤٥ في وصف وهرز قائد الحملة الفارسية على اليمن: (ويصفه المؤرخون - ومنهم المستشرق نولدكه - بأنه قد بلغ من الكبر عتياً لدرجة أن جفنيه انطبقا أحدهما على الآخر) والوارد في الروايات أن حاجبيه هما اللذان كانا قد سقطا على عينيه لكبره فكان يعصب له حاجباه ليحسن الإبصار (الطبري جـ٢ ص ١١٩). يقول في ص ٥٨ (ويستفاد من أخبار العرب أن بني جفنة استولوا على سورية)، ولو استبدل (بادية الشام) بسورية لاستقام قوله. يقول المؤلف في ص ٦١ - ٦٢ (وكان لكل قبيلة رئيس منهم حسب نظام القبيلة المسمى الذي كان مألوفاً لدى العرب في جاهليتهم، وكان لهذا النظام مثيل بجزيرة قرسقة (كورسيكا) واستعمال لفظ أجنبي لنظام عربي لا محل له هنا كما أن التنظير بين بلاد العرب وبين قورشقة خاصة يبدو غريباً ونابياً في هذا المقام. يزعم المؤلف في ص ٦٣ أن الحجاز (ظل محافظاً على استقلاله أيام الإسكندر المقدوني الذي صده العرب حين أغار على ملك الفرس) فمتى، وأين، وكيف صد العرب الإسكندر المقدوني الكبير؟ لاشك أنك إن فصلت ما أجملت في عبارتك تكشف عن ناحية خطيرة مجهولة من تاريخ الفاتح المقدوني الكبير. يقول المؤلف في ص ٦٨ في سياق كلامه على قريش (واتخذوا جزءاً من الأرض المجاورة أولوه احترامهم، واعتبروه مقدساً، وبنوا به بيتاً حراماً لا يحل فيه القتال وأخذوا على عاتقهم حمايته) وهذا كلام يضر قائله ولا ينفعه، وإني أنصح للدكتور أن يبادر إلى التبرؤ منه وإلقاء تبعيته على قائله الأصلي. فالدكتور لاشك يعرف أن إبراهيم الخليل هو

стр. 10408

الباني للكعبة، وأن قريشاً كانت تحتمي بالبيت والحرم، بدلاً من أن تحميهما، بدليل قوله تعالى (أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم). (سورة العنكبوت) يقول المؤلف في ص ٨٧ في صدد الكلام على الحنيفية ببلاد العرب: (ويطلق على هذه النزعة التحنف، وعلى أصحابها الحنفاء أو التائبون المعترفون) وهنا أيضاً أنصح للمؤلف أن يبرأ من هذا القول فليس معنى التحنف (التوبة والاعتراف). ويقول في ص ٩٧ بعد أن يورد أسماء السابقين الأولين إلى الإسلام: (وقد سموا السابقين الأولين كما سمى من أسلم بعدهم بالمستضعفين) وظاهر أن ليس التأخر في الإسلام هو السبب في وصف المستضعفين بالاستضعاف إنما السبب في ذلك أمر آخر يعرفه من يقرأ الجزء الأول من سيرة ابن هشام بشيء من الروية والتفكير. ويقول في ص ١٢٩ - ١٣٠: (ولم يكد الرسول يفرغ من بناء السجد حتى أخذ يبث الدين في نفوس أصدقائه وأتباعه ويحثهم على الخضوع والإذعان لإرادة الله، ومن ثم سمى هذا الدين بالإسلام لما فيه من الانقياد والخضوع المطلق لإرادة الله تعالى. والذين يدينون به يسمون المسلمين، أي الذين يخضعون لأمر الله ورسوله) وعلى فرض صحة هذا القول ماذا كان يسمى الإسلام والمسلمون قبل بناء المسجد وطوال العصر المكي؟ ويقول في ص ١٣١: (وأحل (الإسلام) الدعوة الدينية محل الوحدة القومية) ثم يقول بعد: (وهكذا أصبح الدين دون الجنس المرجع الوحيد في تحديد العلاقات بين الحكومة والرعية) والظاهر أن المؤلف ينقل هنا عن أصل أجنبي، وأن المراد بالوحدة القومية والجنس هنا إنما هو (القبيلة). ويقول في ص ١٣٤: (فقد تزوج (الرسول). . . صفية بنت حُيَيٍّ سيد بني النضير ليتم له إسلام قومها، لا لتأثير جمالها كما يقولون فهو أعلى نفساً من أن يتأثر بذلك) وهذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على قلة الاطلاع الصحيح وعلى سذاجة التفكير وإلا فهل كان الرسول لا يزال يطمع في إسلام اليهود بعد الذي جرى بينه وبينهم من الأحداث الجسام بالمدينة وخيبر؟ ثم متى كان التأثر البريء بالجمال دليلاً على نزول النفس وعدم سموها؟ ويقول المؤلف في صفحة ١٥٤: (سرية بني الرجيع) ويعيد ذلك القول في هامش صفحة ١٧٤ ظناً منه أن هناك قبيلة تسمى (بني الرجيع) والواقع أنه إنما يريد (بني لحيان) الذين

стр. 10409

كان لهم ماء يسمى (الرجيع) وقعت عنده الحادثة المعروفة في كتب السيرة. ويقول في صفحة ١٧٠: (وصفوة القول أن معاملة الرسول إياهم (اليهود) كانت أيسر وأخف من معاملته قريشاً وغيرها) ولو عكس المعنى فقال: (كانت أحزم وأشد) لكان كلامه منطبقاً على الواقع من غير نزاع. ويقول في صفحة ١٨٣ في صدد الكلام على غزوة الطائف: (وأقام الرسول على حصارهم (ثقيف) حتى إذا دنا شهر ذي القعدة وهو من الأشهر الحرم فك الحصار عنهم ليرجع إليهم بعد انقضاء الأشهر الحرم) ومع أن الأشهر الحرم لا تمنع من مباشرة القتال في الإسلام فإن الرسول لما رأى أن الحرب طالت بينه وبين ثقيف علم أنه لم يؤذن له فيها وأسر ذلك إلى أبي بكر وعمر ثم ارتحل عن الطائف تاركاً أمر إسلامها للزمن. وقد صحت فراسته فقد جاءه وفد ثقيف بإسلامها في رمضان سنة ٩هـ. ويسمي المؤلف في صفحة ٢١١ نابليون بـ (الفتى الطلياني) وذلك تعبير لا يليق صدوره ممن يتخصص في التاريخ. في صفحة ٢٤٠ - ٢٤١ يزعم المؤلف أن القصيدة التي مطلعها: إن بالشعب الذي دون سلع … لقتيلاً دمه ما يطل قالها قائلها في رثاء عمه، والصحيح الثابت من سياق القصيدة نفسها أنها قيلت في رثاء خال الناظم لا عمه وذلك بدليل قول الشاعر: فاسقنيها يا سواد بن عمرو … إن جسمي بعد خالي لخل والظاهر أن المؤلف شغل بنقل شرح التبريزي على القصيدة عن تفهمها وتبين من قيلت فيه. ويقول في صفحة ٢٤٧ في كلامه على أبي بكر الصديق: (وكنى بأبي بكر لمبادرته إلى الإسلام) ولست أدري ما الذي أبقاه المؤلف بعد هذا القول لجهلة المبشرين ومتعسفي المستشرقين؟ ويقول في ص ٢٧٨: (لقد رحب الفرس بالعرب حباً في الخلاص من ظلم الحكام أولاً ورغبة في معافاتهم من الخدمة العسكرية ثانياً. .) وهو كلام بعيد عن الواقع بعد السماء عن الأرض.

стр. 10410

يظهر المؤلف في هامش ص ٢٩٥ ضجره من اضطراب تاريخ فتح العرب الشام ويقول (وعلى كل حال فليس غرضنا ترتيب الوقائع لأن ذلك ليس من شأننا) فهل ترى يا دكتور أن من شأنك أن تنقل شرح التبريزي على قصيدة تأبط شراً، وأن ليس من شأنك أن ترتب وقائع فتح العرب للشام؟ ويقول في ص ٣١٠ عند كلامه على فتح عمرو الإسكندرية: (وهزم الروم براً وبحراً) وقد أخطأ هنا من وجهين. فإن عمراً أو غيره من العرب لم يهزم الروم براً وبحراً عند الإسكندرية، وإنما استولى عليها بمعاهدة نابليون التي تمت بينه وبين المقوقس (أنظر كتاب فتح العرب مصر لبطلر) ثم كيف استطاع عمرو أن يهزم الروم بحراً؟ هل كان معه أسطول يا ترى؟ يزعم المؤلف في صفحة ٣١٤ أن المؤرخين لم يجزموا برأي في أمر حريق مكتبة الإسكندرية. والصحيح أنهم فعلوا. فقد جزم بطلر بأن العرب لم يحرقوها، وجزم جورجي زيدان في تاريخه بأنهم أحرقوها. يقول في ص ٣٣٠ ضمن كلامه على عثمان بن عفان: (وكان يصوم الدهر)، والعقل الناقد يرفض هذا القول وإن كان وارداً في كتاب قديم. هذا فوق ما ورد في الأثر من النهي عن صوم الدهر. يقول في ص ٣٤١ أن عثمان ترك للأغنياء أمر الزكاة يدفعونها كما يشاءون، وتلك دعوى لا يقوم على صحتها دليل. يقول في ص ٣٥٣ أن قتلة عثمان ضربوا عنقه وأن بعضهم قطع بالسيف إصبع نائلة زوج عثمان، والخليفة المظلوم قتل دون أن يضرب عنقه، وأن أصابع يد نائلة أطنت بالسيف لا إصبع واحدة. يقول في ص ٣٦٥: (ولما توفي عمر انتخب عثمان بمقتضى قانون الشورى الذي سنه عمر) وعمر لم يسن قانوناً للشورى وإنما عين ستة نفر يختار المسلمون من بينهم خليفتهم. في ص ٣٩٨ يتابع المؤلف المستشرق الإنجليزي نيكلسن في قوله في انتصار معاوية في أمر الخلافة: (اعتبر المسلمون انتصار بني أمية وعلى رأسهم معاوية انتصاراً للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الرسول وأصحابه العداء) والأمر هنا ليس أمر وثنية

стр. 10411

وإسلام إنما هو أمر أحزاب سياسية تتنافس في الحكم وفاز بعضها في النهاية. وهو يتابع في ص ٤٢٥ السيد أمير علي في قوله في وقعة الحرة (ولا غرو فقد حول جند الشام المسجد الجامع إلى إسطبل لخيولهم وهدموا الحرم والأماكن المقدسة لسلب ما فيها من أثاث ومتاع) وهذا كله غير ثابت. يقول في ص ٥٠٧ عند كلامه على المرجئة: (وقد ظهر من بينهم أبو حنيفة صاحب هذا المذهب المشهور الذي لا يزال باقياً إلى اليوم) واتهام الإمام الأعظم بالإرجاء أمر قديم وقد كفانا مؤنة تفنيده السلطان أبو المظفر عيسى الأيوبي في رده على الخطيب البغدادي. (يتبع) مؤرخ

стр. 10412

العدد ١٢٧ - بتاريخ: ٠٩ - ١٢ - ١٩٣٥

стр. 10413

في الجمال. . . - ٤ - ذلك إجمال القول في الفن الصناعي المرتجَل؛ أما الصناعي المنقول فالسر فيه أن يبعث في ذهنك فكرتين: عن الطبيعة المقلَّدة، وفكرة عن الفنان المقلِّد. فتماثيل فِدْ وصور رفائيل، تجمع بين الجمالين: جمال المثال في أصله، الفن في تقليده. وكذلك في وصف مغرب الشمس لابن نجد الإعجاب الناشئ عن القوة والوفرة والذكاء موزعاً الصورة الناطقة التي أبدعتها الطبيعة، وبين المحاكاة الصورية التي أخرجتها القريحة. إن روعة الجمال الطبيعي آتية من ناحية الحرية في الطبيعة وحرية الطبيعة هي قانونها العام، لا تقوم عظمتها إلا به، ولا فخامتها إلا فيه؛ فالغيضة اللّفّاء أجل مظهراً في النفس من الحياة المنمنمة، وشلالات النيل أجمل منظراً في العين من النوافير المنضمة لأن الجمال المطلق يملأ خيالك بالتأمل الحالم، وذهنك بالتفكير الرفيع، وشعورك بالطرب الباسط؛ ومظنة العبودية في الجمال أو في الجماد تضيف إليه معنى من الحقارة والقبح يحطه ويشوهه. ولكن الجمال الصناعي لا بدَ أن يتقيد بالقواعد ويتحدد بالأصول؛ فإذا لم يكن الفنان من البراعة بحيث يخفي تلك القيود، ويحجب هذه الحدود، ويظهر السمة الدالة على الطبع المرسل والإلهام الحر، همدت في فنه الحياة، وخبا في جماله السحر، وضاقت في عمله الفكرة. ليس الجمال في الفن المعنوي أو الحسي أن تحاكي الطبيعة محاكاة الصدى، وتمثلها تمثيل المرآة، وتنقلها نقل الآلة؛ تلك هي التبعية التي تنفي الذكاء، والعبودية التي تسلب القوة؛ إنما عظمة الفن أن يفوق الطبيعة؛ وإنما براعة الفنان أن يزيد في ترتيب صورها بالذكاء، وفي تنويع تفاصيلها بالوفرة، وفي توجيه مقاصدها بالعظمة، وفي بيان تعبيرها بالحياة، وفي سلطان تأثيرها بالقوة، وفي حقيقة وقائعها بالسحر الموهم والوشي الخادع. انظر إلى تعاجيب الطبيعة وتهاويل الفلك، من العواصف والصواعق والبراكين، تجدها في ذاتها جليلة رائعة، ولكنك تجدها في فن الشعراء والمصورين والمثَّالين أجل وأروع. لقد فيها شهوات النفوس، وسلطوا عليها تصادم الأهواء، وصوروها للأذهان في عالم من الآلهة الكَمَلَةِ في قواها المختلفة، تتنافس في العجائب، وتتصارع بالأهوال، وتتفانى على اللذة.

стр. 10414

وسحر الفن الإغريقي في صمته وفي نطقه قائم على تجميل الظواهر المروعة في الطبيعة، بالنوازع المتضاربة في النفس. ومن المعلوم في بدائه العقل أن يكون ما يقلده الفنان في الطبيعة حقيقاً بالتقليد، حتى يمكن الجمع بين جمال الشيء في أصله، وبين جماله في نقله؛ فالمصور الذي يرسم وضعاً من أوضاع الرأس، أو معنى من معاني الوجه، أو لوناً من ألوان الحياة، يكون أسمى في الفن من المصور الذي يتحامل على براعته حتى يصور أرنباً تكاد من دقة التقليد أن تلحظ وثبته وتعد وبره. والشاعر الذي يصف عاطفة من عواطف القلب، أو ظاهرة من ظواهر الكون، يكون أبلغ في فنه من الشاعر الذي يجهد قريحته في وصف حادثة من هَنَوات الحوادث لا تقوم في ذاتها على فائدة ولا لذة. قد يكون الشيء المنقول في حقيقته قبيحاً، ولكن صدق التعبير عنه، ودقة التصوير فيه، والتماس المنفعة منه، تجعل تقليده جميلاً، كالوجه الشتيم يرسمه المصور المبدع بريشته، والخلق الذميم يصوره الشاعر المفلق بقلمه؛ والملهاة المسرحية موضوعها رذائل الناس ونقائص المجتمع، ولكنها ارتفعت إلى أوج الفن الجميل بتحليلها العميق، وتصويرها الدقيق، وغايتها النبيلة. كذلك الحوادث المؤلمة والمناظر المحزنة والمواقف المؤثرة ليس فيها من الجمال شئ. ولكن استبطان الفنان لدخيلة البائس، وتصويره الفاجعة ماثلة مثول الواقع، وإعانته الحقيقة على التأثير بالجمل النفاذة، والصور الأخاذة، والظلال الرهيبة، يجعل تقليدها من أجمل الأشياء، ويضع المأساة من الفن موضع الواسطة من العقد. فأنت ترى أن التقليد لا يثير الإعجاب في نفسك، ولا يُشيع اللذة في شعورك، إلا باعتماده على الفن؛ والفن لا يتحقق جماله إلا بالعظمة في عمله، والسعة في وسائله، والحكمة في غايته؛ فإذا قلدت أصوات الطبيعة من غير تأليف ولا تنسيق ولا معنى، وأقمت شلالاً من الماء والحجر تضارع به شلال أسوان، وسردت بالكلام الموزون حادثة عادية من حوادث اليوم، أخطأك الفن وانزوى عنك الجمال؛ لأنك صغرت الطبيعة، وحقرت الواقع، وتعلقت بالتافه، واستعنت بالمادة، من غير قوة ولا ثروة ولا علة. ولو أنك رحت تستقري مفاتن الجمال في الطبيعة، أو في الفن، أو في الأثر الذي ينشأ من ائتلاف الطبيعة والفن، لما وجدتها في غير ما يعلن القوة والوفرة والذكاء مجتمعة أو متفرقة.

стр. 10415

ولعلك واجد ما يدعم هذه الفكرة عن الجمال في قول (شيشرون): (إن الطبيعة أبدعت الأشياء على صورة تجعل ما يكون منها جَمَّ المنفعة يكون كذلك جليل المكانة موفور الجمال. إن جلالة هذا المعبد نتيجة لازمة لمنفعته؛ فلو أنك تخيلت (الكابتول) قائماً في السماء على هام السحب، لما وجدت له جلالاً في نفسك ما لم يكن قيامه هناك علة لسقوط المطر). وهل المنفعة التي أرادها شيشرون في صنع الطبيعة وفي نتاج الفن إلا الذكاء الذي أردناه في الجمال وقصدنا به حكمة الغرض وانتظام الخطة؟ أحمد حسن الزيات

стр. 10416

٣ - المجنون للأستاذ مصطفى صادق الرافعي وكنا في النَّديِّ ثلاثة: أنا وأ. ش وس. ع؛ وقد هيَّأت تدبيراً تَوافَقْنا عليه لتحريك هذين المجنونين وتدوين ما يجئ منهما. فلما أقبلا تحفَّينا بهما وألْطَفْنَاهما، وقمنا ثلاثتُنا ببسطهما وإكرامِهما، حتى حسبا أن في كلمة (مجنون) معنى كلمة أمير أو أميرة. . . . . ورأيت في عيني (نابغة القرن العشرين) - وهو أعْيَنُ أنجَل - ما لو ترجمتُه لما كانت العبارةُ عنه إلا أنه يعتقد أن له نفساً أنثى أعشقها أنا. . . . فكان مُسَدَّدا فكِهِ اللسان تُسْتَملَحُ له النادرة وتُستظرف منه الحركة. ولما تمكن منه الغرور واحتاج الجنون كما يحتاج الجمال إلى كبريائه إذا حاطته الأعين - أدار بَصره في المكان ثم قال: أُفٍ لكم ولما تصبرون عليه من هذا الندىَّ في ضوضائه ورعاعه وغوغائه. إن هؤلاء إلا أخلاطُ وأوشابُ وحثالة. هذا الجالس هناك. هذا الواقف هنالك. هذا المستوفِز. هذان المتقابلان. هؤلاء المتجمعون. هذا كله خيال حقيقة في رأسي. ما هي؟ ما هي؟ هذا التصايح المنكر. هذا الصرب بحجارة النرد. هذه الزحمة التي انغمسنا فيها. هذا المكان الهائج من حولنا. هذا كله خيال حقيقة في رأسي. هي، هي، هي. فانزعج المجنون الآخر، ووقع في تهاويل خياله. ونظر إلينا تدور عيناه، وتوجَّس شراً، ثم زاغ بصره إلى الباب، واستْوفَزَ وجمع نفسَه للقيام؛ فلما رأى صاحبه ما نزل به، قهْقه وأمعن في الضحك وقال: إنما خوَّفتُه الصبيان والضرب ليثبت لكم أنه مجنون. . . فَحردَ الآخر واغتاظ وجعل يتمتم بينه وبين نفسه. قال (النابغة) ما كلامٌ تطن به طنينَ الذبابة أيها الخبيث؟ قال: (مما حفظناه) أن من علامات الأحمق أنه إذا استنطق تجلَّفَ، وإذا بكى خار، وإذا ضحك نهق. . كما فعلت أنت الساعة تقول هاء، هوء، هيء. . . فتغير وجه (النابغة)، ونظر إليه نظرة منكرة، وهم أن يقتحم عليه وقال: أيها المجنون. لماذا تضطرني إلى أن أجيبك جواب مجنون. . . لا نجوت إن نجوت مني. فأسرع أ. ش. وأمسك به واعترض من دونه س. ع. وقال له: أنت بدأته والبادئ أظلم.

стр. 10417

قال: ولكن ويحه كيف قال هذا؟ كيف لم يقل إلا هذا كيف لم يجد إلا هذا يقوله؟ أنابغة القرن العشرين أحمق وقد أوْحدَهُ الله في القرن العشرين؟ لهممْتُ والله أن أكسر الذي فيه عيناه فما يقول إلا أني أحمق القرن العشرين. قلتُ: إن كان هذا هو الذي أغضبك منه، ففي الحديث الشريف: ليس من أحد إلا وفيه حَمْقَةٌ، فبها يعيش. والحياة نفسها حماقة منظمة تنظيماً عاقلاً؛ وما يُقبِلُ الإنسان على شئ من لذتها إلا وهو مقبل على شئ من حماقاته؛ وأمتع اللذات ما طاش فيه العقل وخرج من قانونه؛ ولولا هذا الحمق في طبيعة الإنسان لما احتمل طبيعة الحياة. أليس يخيَّل إليك أن أكثرك غائب عن الدنيا وأقلك حاضرٌ فيها، وأن يقظتك الحقيقية إنما هي في الحلم وما يشبه الحلم، كأنك خُلقت في كوكب وهبطت إلى كوكبنا هذا، فما فيك له ولا فيه لك إلا القليل يلتئم بعضه ببعضه، وأكثركما متنافر أو متناقض أو متراجع؟ قال: بلى. قلت: فهذا القليل هو الحمْقَةُ التي تعيش، وهي أرضية الأرض فيك. أو سماوية السماء فبعيدةٌ لا تحتملها طبيعة الأرض. ولهذا يعيش أهل الحقيقة عيش المجانين في رأي المغرورين الذين غرتهم الحياة الفانية، أو المخدوعين الذين خدعتهم الظواهر الكاذبة؛ فكلما أتوا عملا من الأعمال السامية انتهى إلى الحمقى معكوساً أو محوّلاً أو معدولاً به. ولعل هذا أصحَُ تفسير للحديث الشريف: أكثر أهلِ الجنةِ البُله. قال المجنون الآخر: (مما حفظناه) أكثر أهل الجنة البُله. فقال (النابغة): المصيبة فيك أنك أنت هو أنت. ألا فلتعلم أنك من بلهاء البيمارستان لا من بُلْه الجنة. قلت: ثم إن الموت لا بد آت على الناس جميعاً فيسلبهم كل ما نالوه من الدنيا ويُلحق من نال بمن لم ينل؛ فمنذا الذي يُسرُّ بأن ينال ما لا يبقى له إلا أن يكون سروره من حماقته؛ ومنذ الذي يحزن على أن يفوته ما لا يبقى له إلا أن يكون حزنه حماقة أخرى؟ وأي شئ في الحب بعد أن ينقضي الحبُّ إلا أنه كان حماقةً ضربت في الحواس كلها حتى ملأت النفس؛ ثم ملأت النفس حتى فاضت على الزمن. ثم فاضت على الزمن حتى خبَّلت العاشق تخبيلاً لذيذاً تصغر فيه الأشياء وتكبر ويجعل الواقع في النفس غير الواقع في دنياها؟ يُشبِّه كلُّ عاشقٍ حبيبته بالقمر: فهب القمر سمع هذا وفهمه وعناه أن يجيب عنه، فماذا عساه

стр. 10418

يقول إلا أن يعجب من هذا الحمق في هذا التشبيه؟ فهدأ (النابغة) وسكن غضبه وقال: صدقت ولهذا أنا لا أشبه حبيبتي بالقمر. قلت: فبماذا تشبهها؟ قال: لا أقول لك حتى أعلم بماذا تشبّه أنت حبيبتك. قلت: وأنا كذلك لا أشبهها بالقمر. قال: فبماذا تشبهها؟ قلت: حتى أعلم بماذا تشبه أنت. . . قال: هذا لا يُرضي منك وأنت أستاذ (نابغة القرن العشرين) ولك حبائبُ كثيراتٌ عدد كتبك، وقد أعجبتني منهن تلك التي في (أوراق الورد) وأظنك أحببتها في شهر مايو من سنة. . . من سنة. . . قال المجنون الآخر: من سنة ١٩٣٥؛ هاأنذا قد نبهتك. قال: يا ويلك! إن (أوراق الورد) ظهرت من بضع سنين، إنما أنت من بُلهاء البيمارستان لا من بله أوراق الورد. . . ماذا كنت أقول؟ قال أ. ش. كنت تقول: هذا لا يرضي منك ولك حبائب كثيرات. قال: نعم لأنك إذا شبهت واحدة منهن بالقمر انتهى القمر وفرغ التشبيه فيظل الأخريات بلا قمر. . . ثم إن كلمة القمر لا تعجبني، فلونها أدكن مغبر يضرب أحياناً إلى السواد. . . فإذا عشقتُ زنجية فههنا محلُّ التشبيه بالقمر. . . أما البيض الرعابيب فتشبيههن بالقمر من فساد الذوق. قال س. ع.: وللألفاظ ألوان عندك؟ قال: لو كنت نابغة لأبصرت في داخلك أخيلةً من الجنة. ألم يقل أستاذنا آنفاً عن (نابغة القرن العشرين) إنه هبط من كوكب إلى كوكب؟ فقي كوكبنا الأول يكون لنا سمع ملوَّن وحسٌ ملوَّن، نسمع قرع الطبل أزرق، ونفخ البوق أحمر، ورنين النغم الحلو أخضر، والوجود كله صورٌ ملونةٌ سواءٌ منه ما يرى وما يحس وما هو مستخفٍ وما هو ظاهر. ثم أومأ إلى المجنون الآخر وقال: واسم هذا الأبله كلفظ الحبر لا أسمعه إلا أسود. . . وسكت (النابغة) وسكتنا؛ فقال له س. ع. مالك لا تتكلم؟ قال: لأني أريد السكوت. قال: فلماذا تريد السكوت؟ قال: لأني لا أريد أن أتكلم. . .

стр. 10419

وتحرك في نفسه الغيظ من المجنون الآخر فرمى بعينه الفضاء ينظر اللاشئ وقال: إذا أصبح كلُّ النساء ذوات لحى أصبح هذا عاقلاً. . . فدقَّ الآخر برجله دقاتٍ معدودة؛ فثار (النابغة) وقال: من هذا يشتمني؟ قال س. ع؟ لم يشتمك أحد، هذا خفقُ رِجلٍ على الأرض. قال: بل شتمني هذا الخبيث وسمعي لا يكذُبني أبداً، وأنا رجل ظنونٌ أسيء الظن بكل أحد، وعلامة الحازم العاقل سوء ظنه بالناس. فهبه كما قلت قد خفق بنعله أو خبط برجله فهو يعلم ما يعني من ذلك وأنا أسمع ما يعنيه. لقد طفح الشعر على قلبي فلا بد لي من هجائه، ولا بد أن أذبحه ولو بالكلام، فإني إذا هجوته رأيت دمه في كلماتي، وأريد أن أجعله كالعنز التي كانت عندنا وذبحناها. ثم انتزع قلم س. ع. وقال: هذه هي السكين. ولكن أسألك يا أستاذي أن تذبحه أنت بكلمتين وتصف له جنونه فقد عزَب عني الشعر. إن خفْقَة رجلٍ على الأرض تستطير الأرانب فزعاً فينفرن إلى أحجارهن ويتهاربن، وما كانت أبيات الشعر في ذهني إلا أرانب. . . أنتم لا تعرفون أن من كان حصيفاً ثبيتاً مثلي كان دقيق الحس، ومن كان فدماً غبياً مثل هذا كان بليد الحس غليظاً كثيفاً. فإذا أنا استشعرت البرد رأيتني قد سافرت إلى القطب الشمالي؛ أما هذا المجنون فهو إذا استشعر برداً سافر إلى عباءته أو لحافه. . . . إذ هو لا يعرف جغرافياً ولا يدري ما طحاها. قلت: هذا منك أظرف من نادرة أبي الحارث. قال: وما نادرةُ أبي الحارث؟ وهل هو نابغة؟ قلت: جلس يتغذى مع الرشيد وعيسى بن جعفر، فأتى بخوان عليه ثلاثة أرغفة، فأكل أبو الحارث رغيفه قبلها، والرشيد ملك عظيم لا يأكل أكل الجائع وإنما هو التشعيث من هنا وهناك. فكان رغيفه لا يزال باقياً. فصاح أبو الحارث فجأة: يا غلام، فَرَسي. ففزع الرشيد وقال: ويلك ما لك؟ قال: أريد أن أركب إلى هذا الرغيف الذي بين يديك. . قال (النابغة): ولكن فرقاً بين أبي الحارث وبين (نابغة القرن العشرين)، فإن من العجائب أني ربما نظرت إلى الرجل وهو يأكل فأجد الشبع حتى كأنه يأكل ببطني لا ببطنه. ولكن من العجائب أن هذا لا يتفق لي أبداً حين أكون جائعاً.

стр. 10420

أما هذا المجنون الذي أمامنا فربما أبصر الحمار على ظهره الحمل فيشعر كأن الحمل على ظهره هو لا على ظهرالحمار. . قال الآخر: (مما حفظناه) أنه سرق لأعرابي حمار، فقيل أسُرِق حمارك؟ قال نعم وأحمد الله. فقيل له على ماذا تحمده؟ قال على أني لم أكن عليه حين سرق. . فأنا إذا رأيت حماراً مثقَلَ الظهر حمدت الله على أن الحمل لم يكن علىّ، لا كما يقول هذا. ثم دقّ برجله دقات. . فاستشاط (النابغة) وقال: أسمعتم كيف يقول إني مجنون، ثم لا يكتفي بهذا بل يقول إني حمار على ظهره الحمل؟ قلت: ينبغي أن تتكافأ وهذا لا يعيبك منه ولا يعيبه منك، فإن من تواضع النوابغ أن يشعروا ببؤس الحيوان، فإذا شعروا ببؤسه دخلتهم الرقة له، فإذا دخلتهم الرقةُ صار خيالُ الحمل حملاً على قلوبهم الرقيقة؛ وقد يصنعون أكثر من ذلك. حكى الجاحظ عن ثمامة قال: كان (نابغة) يأتي ساقيةً لنا سحراً فلا يزال يمشي مع دابتها ذاهباً وراجعاً في شدة الحر أيام الحر، وفي البرد أيام البرد، فإذا أمسى توضأ وقال: اللهم اجعل لنا من هذا الهم فرجاً ومخرجاً؛ فكان كذلك إلى أن مات. قال المجنون الآخر: (مما حفظناه) ثمرةُ الدنيا السرور ولا سرور للعقلاء، فلو لم يكن هذا أعقل العقلاء لما مُحق سروره في الدنيا هذا المحق إلى أن مات غماً ﵀. قال س. ع. فاعف الآن عن صاحبك ولا تذبحه بالهجاء. قال: لقد ذكرتني من نسيان، وهذا المجنون يرى نسياني من مرض عقلي، وكان الوجه لو تهَدَّى إلى الحقيقة أن يراه شذوذاً في العقل أي نبوغاً عظيماً كنبوغ ذلك الفيلسوف الذي أراد أن يعرف في كم من الزمن تسلق البيضة؛ فأخذ بيده الساعة وبيده الأخرى بيضة ثم نسي نسيان النبوغ فألقى الساعة في الماء على النار، وثبتت عينه على البيضة ينظر فيها على أنها هي الساعة. ولو قد رآه هذا الأبله لزعمه مجنوناً كما يزعمني، فإن المجانين يرون العقلاء مرضى بمواهبهم وأعمالهم التي يعملونها. وأنا فليس يهيجني شيء ما تهيجني كلمات ثلاث: أن يقال لي مجنون، أو أبله، أو أحمق. فمن رغب في صحبتي فليتجنب هذه الثلاث كما يتجنب الكفر والكفر والكفر. . .

стр. 10421

قال أ. ش. فإذا قيل لك مثلاً مثلاً. أي على التمثيل: مغفَّل. . . فحك رأسه قليلاً وقال: لا، هذه ليست من قدري. . . قلت: فبعض الكلمات إذا قطعت عندك غيرت الحقائق، كذلك القرن الذي قُطع فَرَد البقرة فرساً؟ قال وكيف كان ذلك؟ قلت: زعموا أن أعرابياً خرج أخوته يشترون خيلاً، فخرج معهم فجاء بعجل يقوده. فقيل له ما هذا؟ قال فرس اشتريته. قالوا: يا مائق هذه بقرة أما ترى قرنيها؟ فرجع إلى منزله فقطع قرنيها ثم قادها إليهم وقال لهم: قد أعدتها فرساً كما تريدون. . . قال (النابغة) هذا غير بعيد، فقد رأيتُنا حين ذبحنا العَنز وكسرنا قرنيها أعدناها كلبة سوداء، فتقذَّرتها وعفتُ لحمها ولم أطعم منها. ثم أومأ إلى الآخر وقال: هذا لا يدري ما طَحاها، وهو مثل العنز تحسب قرنيها للقتال والنِّطاح ومنهما تمسك للذبح. فقل في هذا يا أستاذ (نابغة القرن العشرين). قلت للآخر: أيرضيك أن أقول في المعنى لا فيك أنت. . .؟ قال نعم، فكتبت هذه الأبيات على ما يريد النابغة: قل لعَنز ناطِحَاها … لقتالٍ سلَّحَاها مالها قد طَرَحاهَا … في يَدَين ذَبَحَاها شِيمةٌ مني نحَاهَا … عقلُ غر فلحَاهَا ليس يدري ما طحاها … بل يرى شمسَ ضُحَاها حَجَرا مثلَ رَحَاهَا … ويرى الليل مَحَاها ظُلماً طالت لِحَاها وسر (النابغة) وازدهى وجعل يقول طالت لحاها، طالت لحاها؛ وما كان هذا إلا السرور الأصغر؛ أما سروره الأكبر فمجيء ساعي (البريد المستعجل) إلى النديّ وفي يده رسالة عنوانها: نابغة القرن العشرين فلان بنديّ كذا. وجعل الرجل يهتف بالعنوان يسأل عن صاحبه؛ فتطاولت أعناق الناس ورفعوا أبصارهم ينظرون إلى (نابغة القرن العشرين) وقد مدَّ يده يتناول الرسالة وكأنه ملك من القدماء أسقط

стр. 10422

له كتابٌ بالفتح العظيم وبضم دولة إلى دولته. ثم ترك الرسالة بين أصابعه يقلبها ولا يفضُّها ونحن في دهشة من أمره؛ فنظر فيها المجنون الآخر وقال له: هذا عجيب يا أخي كيف هذا؟ إن هذا لا يصدَّق. إنك لم تُلقِها في صندوق البريد إلا منذ ساعة. . . . . . . . . . . . (لها بقية) مصطفى صادق الرافعي

стр. 10423

٢ - الصقالبة في الرواية العربية وفي الدولة الأندلسية للأستاذ محمد عبد الله عنان ونلاحظ أنه بينما كان نفوذ الصقالبة يقوى ويشتد في بلاط قرطبة وفي الدولة الأموية في الأندلس، إذا بنفوذ الصقالبة يغزو بلاطاً إسلامياً آخر ودولة إسلامية أخرى هي الدولة الفاطمية؛ ومما يدعو إلى التأمل أن يزدهر النفوذ الصقلي في البلاط الفاطمي في نفس العصر، أعني في أواسط القرن الرابع الهجري، وفي ظروف مماثلة؛ وقد قامت الدولة الفاطمية في المغرب بمؤازرة القبائل المغربية القوية، واستأثر زعماؤها مدى حين بمناصب الثقة والنفوذ؛ ولكن تطوراً وقع في السياسة الفاطمية؛ ومنذ عهد المعز لدين الله يغزو نفوذ الصقالبة البلاط الفاطمي ويغالب نفوذ المغاربة؛ وقد كان جوهر الصقلي أعظم أعوان المعز وكبير قادته من أصل صقلبي، وكان له في الدولة وفي الجيش أعظم نفوذ؛ وفي عهد العزيز سما نفوذ الصقالبة وساد في القصر وفي الوزارة؛ وبلغ ذروة قوته في أوائل عهد الحاكم بأمر الله الذي تولى الملك صبياً وتولى الوصاية عليه صقلبي هو برجوان؛ وفي عهد وصايته القصير سيطر الصقالبة على القصر والدولة، واستأثر بمناصب النفوذ والحكم نفر من الفتيان الصقالبة مثل يانس وميسور ويمن وغيرهم؛ ولكن الحاكم لم يلبث أن تخلص من هذا النفوذ الخطر بمقتل برجوان ونكبة الفتيان الصقالبة، وبذلك انهار نفوذ الصقالبة في البلاط الفاطمي. وكان ذلك في أواسط القرن الرابع وفي أواخره حيث كان يزدهر نفوذ الصقالبة في بلاط قرطبة في عهد الناصر حسبما بينا، ثم في عهد ولده الحكم المستنصر من بعده. ولما توفي الناصر كان نفوذ الصقالبة أشد ما يكون بسطة في القصر وفي الحكومة؛ وكان فتيان القصر الصقالبة وهم المعروفون بالخلفاء الأكابر أول من أخذ البيعة للحكم المستنصر؛ وكان حاجب الحكم، جعفر بن عبد الرحمن الصقلي أقوى وأعظم رجل في الدولة؛ وكان الحرس الخلافي المكون من الفتيان الصقالبة سياج البيعة الخلافية وأبرز مظاهرها؛ وكان من وزراء الحكم أيضاً زياد ومحمد ابنا أفلح الصقلبي صاحب الخيل في عهد الناصر؛ وفي عهد الحكم غدا الحرس الخلافي كل شيء في القصر، وغدا عصمة الخلافة والخليفة يسهر

стр. 10424

على سلامة عرشه وشخصه، ويحميه من المؤامرات والدسائس الخارجية؛ وكان أولئك الجند الصقالبة يعتدون بقوتهم وسلطانهم ويمرحون في العاصمة ويسيئون أحياناً إلى أهلها، وكان الحكم يخشى بأسهم ويغضي عن تصرفهم وسوء سلوكهم؛ وكان عدد الحرس الخاص من الفتيان الصقالبة يبلغ زهاء ألفن، بيد أنهم كانوا يتمتعون بوفرة في الوجاهة والثراء، ويملكون الضياع الشاسعة، ويسيطرون على كثير من الأتباع والحاشية. وهكذا أصبح الحرس الخلافي أو الفتيان الصقالبة في بلاط قرطبة أصحاب الحول والقوة، وغدوا عاملاً يحسب العرش حسابه، بل غدوا قبل بعيد حكماً في مسألة العرش وولاية العهد، مثلما غدا الحرس التركي في بلاط بغداد. وما توفي الحكم (سنة ٣٦٦هـ - ٩٧٦م) كان الصقالبة هم سادة الموقف وأصحاب الكلمة في ولاية العرش والخلافة. وكانت زعامتهم بيد فائق النظامي صاحب البرد والطراز، وجوذر صاحب الصاغة والبيازرة، وإليهما كان أيضاً أمر الغلمان الفحول خارج القصر. وكان رأي الصقالبة أن يصرف النظر عن تولية ولي العهد هشام بن الحكم، وهو يومئذ غلام في نحو الحادية عشرة حتى لا يفقدوا نفوذهم في ظل وصاية جديدة، وأن يولى الخلافة أخو الحكم المغيرة بن عبد الرحمن الناصر فيكون لهم بذلك فضل يمكنهم من توطيد نفوذهم وسلطانهم عليه؛ ولكن الحاجب جعفراً المصحفى أدرك ما يضمره الصقالبة من وراء هذا المشروع ولم يقرهم على ائتمارهم بولي العهد؛ ونظم البيعة لهشام ولي العهد بمعاونة الوزير محمد بن أبي عامر؛ ودبر الاثنان مقتل المغيرة بن الناصر خشية مناوأته، وتولى ابن أبي عامر تنفيذ الجريمة، وبذا استقر هشام المؤيد في العرش الخلافي، وانهار مشروع الصقالبة؛ ودبت الوحشة على أثر ذلك بين الصقالبة والحاجب جعفر، فأخذ يتحين الفرصة لسحقهم؛ وكان ابن أبي عامر يستميل الصقالبة ويداريهم بادئ ذي بدء حتى تمكن نفوذه في القصر وفي الجيش؛ وعندئذ اتفق مع الحاجب على نكبة الصقالبة وتشريدهم، ولم يدخر في ذلك وسيلة ظاهرة أو مستترة حتى شرد زعماؤهم واستصفيت أموالهم وأخمدت شوكتهم، ونفي زعيمهم فائق إلى الجزائر الشرقية (جزائر البليار)، وفي ذلك يقول شاعر معاصر هو سعيد الشنتريني: أخرِج من قصر أمام الهدى … كل فتى منبسط جائر

стр. 10425

فمن رأينا منهم قال لا … مساس قبل الناس بالشاكر فخف ظهر الملك المرتضي … قد خف من ثقلهم الظاهر وسال ماء العلم من وجهه … مذ مال عن حبلهم الخاثر فلازم الميدان في قصره … مع الوزير الخير الطاهر ولما سما أمر ابن أبي عامر وسحق كل خصومه ومنافسيه واستبد بالسلطة، رأى أن يتخذ من البربر بطانة له وخولا وأن يستعين بهم على العرب، فقدمهم في الحكومة والجيش، وعمل على تمزيق القبائل العربية؛ وكانت العصبية العربية قد اضمحلت منذ بعيد، فلم تلق السياسة الجديدة معارضة تذكر؛ وهكذا حل البربر مكان الصقالبة في الالتفاف حول السلطة العليا والتمتع برعايتها، بيد أن الصقالبة لم يفقدوا كل نفوذ بعد، فقد استمر عدد كبير منهم يشغل وظائف الخاص بالقصر؛ ولما أنشأ ابن أبي عامر حاضرته المعروفة بالزاهرة، واتخذ سمة الملك وتسمى بالحاجب المنصور، عاد إلى اصطناع الصقالبة، واتخذ منهم إلى جانب البربر حاشية وبطانة؛ وحشد منهم كثيراً في الجيش؛ والظاهر أن هذه الطائفة أعني الصقالبة كانت تتمتع بصفات وخلال خاصة تجعلها أداة لينة صالحة في يد السياسة القوية الحازمة، وإذا كان الصقالبة قد بدوا في أحيان كثيرة خطراً على الدولة والعرش فقد كان من أثر السياسة التي تمد لهم في السلطة وتسمح لهم باستغلالها، وتغضي عن صلفهم وتمردهم؛ وقد كانت هذه حال الصقالبة في عهد الحكم المستنصر وحين وفاته، فقد بلغ من سلطانهم ونفوذهم أن اعتزموا التصرف في أمر العرش طبق أهوائهم، ولولا أن سحقتهم يد ابن أبي عامر القوية لاستمر سلطانهم المطلق. بيد أن ابن أبي عامر لم يجد بأساً بعد أن أخمد شوكتهم وشرد زعماءهم من أن يستخدمهم أداة لتنفيذ إرادته، بل لم يجد بأساً من أن يرفع بعضهم إلى أسمى المناصب، كما حدث في شأن مولاه الفتى واضح الصقلبي، فقد منحه حكم الولايات الجنوبية وولاه قيادة الجيش الذي بعثه لمحاربة أقوى وأخطر خصومه زيري بن عطية البربري حاكم المغرب الأقصى؛ وقد كان لواضح هذا وعصبته الصقالبة شأن عظيم فيما تلا من الحوادث والخطوب. ولم يستطع الصقالبة في ظل حكومة المنصور القوية أن يتدخلوا في شؤون الدولة أو يؤثروا في سيرها وتوجيهها؛ فلما توفي الحاجب المنصور (٣٩٣هـ - ١٠٠٢م)،

стр. 10426

وانهارت الدولة العامرية بعدئذ بقليل، رأى الصقالبة الفرصة سانحة للعمل، فانضموا إلى الحزب الأموي الذي عمل لإسقاط الدولة العامرية وسحق البربر الذين آزروها ومكنوا لها؛ ولما ظفر محمد بن هشام زعيم هذا الحزب ببغيته واستولى على قرطبة وتلقب بالمهدي، انضم إليه الفتى واضح وعصبته الصقالبة واتخذ واضحاً لحجابته وانضم فريق آخر من الصقالبة بزعامة خيران العامري وزميله عنبر إلى سليمان المستعين خصيم المهدي ومنافسه، وجرت بين الفريقين مواقع جمة، واستتب الأمر للمهدي؛ ولكن الصقالبة لم يخلدوا إلى السكينة ورأوا صالحهم في إبعاد المهدي عن العرش، فتفاهم الصقالبة من الحزبين وائتمر واضح وخيران بالمهدي فقتله الصقالبة، في الحمام (سنة ٤٠٠هـ) وأخرج واضح الخليفة المؤيد هشام المحجور عليه، وكان سجيناً بالقصر منذ أيام المنصور، وأجلسه على العرش؛ وتولى واضح حجابته، واستأثر بكل رأي وسلطة؛ وقبض على ناصية الأمور في قرطبة مدى حين؛ ولكن سليمان المستعين لم يلبث أن هاجم قرطبة في مجموعة البربر ثم دخلها رغم كل ما اتخذه له واضح من الأهبة لمقاومته، وفتك جنده بالسكان أيما فتك، واقتحموا مدينة الزهراء وخربوها (٤٠١هـ)؛ فعندئذ رأى واضح السلامة في خيانة المؤيد واللحاق بالمستعين؛ ولكن الجند الصقالبة وقفوا على نيته في الوقت المناسب فقتلوه؛ واستمر الصقالبة في الدفاع عن قرطبة وعن المؤيد وعرشه، والمستعين يحاول استمالتهم عبثاً، واضطرمت الحرب بين الفريقين مدى حين، وانتهت باستيلاء سليمان على قرطبة في مناظر هائلة من السفك والعيث (٤٠٣هـ) وانهار سلطان الصقالبة بانهيار عرش المؤيد؛ وبدأ سلطان البربر، واستأثروا بحكم الثغور والنواحي، وانتثر عقد الخلافة وانقسمت الأندلس إلى دويلات وإمارات صغيرة، وبدأ عهد الطوائف. بيد أن الصقالبة لم ينسحبوا نهائيا من الميدان، ولم يختفوا نهائياً كعامل يؤثر في سير الحوادث فقد اجتمع فلهم حول زعيم منهم، من صنائع الدولة العامرية، هو خيران العامري؛ واستقر خيران بعصبته ومن لحق به من خصوم المستعين والبربر إلى المرية بعد أن أستخلصها من يد البربر؛ وفي الوقت نفسه عبر علي بن حمود حاكم سبتة في جيش من البربر إلى الأندلس محاولاً أن يشق له خلال الاضطراب طريقاً، وتفاهم مع خيران العامري والصقالبة وتحالفا على محاربة المستعين، ثم زحفا بجموعهما على قرطبة،

стр. 10427

ونشبت بين الفريقين حرب رائعة هزم فيها سليمان وأسر ثم قتل مع أفراد أسرته؛ وجلس علي بن حمود على العرش وتلقب بالمتوكل (٤٠٧هـ). ولجأ في الحال إلى سياسة الإرهاب والشدة، ولم يترك أي مجال أو سلطة للصقالبة، فسخط عليه خيران وتركه، وأظهر الخلاف عليه. وأثار المتوكل ببطشه وشدته زعماء العرب، واشتدت عليه النقمة، ولم يلبث أن قتله الصقالبة في الحمام (أواخر سنة ٤٠٧هـ) وبذلك استطاعوا أن يؤثروا في سير الحوادث كرة أخرى. ولما توفي المتوكل خلفه أخوه القاسم بن حمود وتلقب بالمأمون، وعدل عن سياسته الشدة إلى اللين والمسالمة، واستمال خيران العامري الذي استعصم بالمرية، وأقطع زميله زهير العامري ولاية جيان؛ وكانت الحوادث تتطور بسرعة، وكان الخلاف يضطرم فيما بين آل حمود؛ فانتهز الزعماء العرب تلك الفرصة وتفاهموا مع الصقالبة ضد أل حمود والبربر، واستخلصوا قرطبة من يد المتغلبين عليها؛ بيد أن نجم الصقالبة كان بدأ بالأفول، ولم يكن يسطع يومئذ إلا غرارا؛ وكانت دولتهم قد انهارت في الواقع وتفرقوا بين مختلف الصفوف والأحزاب؛ وكانت آخر مظاهر سلطتهم أن تولوا الحجابة لإدريس بن حمود الذي استقر في مالقة وتلقب بالمتأيد بالله، فتولى حجابته نجا الصقلبي مدى حين، ولكن دون عصبية ظاهرة. وكان هذا آخر العهد بتدخل الصقالبة في سير الحوادث الأندلسية بصورة بارزة. ومن ذلك الحين يختفون من ميدان الشؤون الأندلسية كقوة فعالة لها أثرها الحاسم في توجيه الحوادث، ومن ذلك الحين يبزغ نجم البربر؛ وتتحول المعركة الداخلية إلى نضال مزدوج، نضال ملوك الطوائف فيما بين أنفسهم، ثم نضالهم ضد العدو المشترك أعني أسبانيا النصرانية؛ ثم يجيء دور البربر في السيادة المطلقة بسرعة، فتنهار دول الطوائف الصغيرة تحت ضرباتهم القوية، وتسقط الأندلس في يد المرابطين ثم يفتتحها الموحدون، فتستمر سيادة البربر عصراً آخر؛ ثم تنهض مملكة غرناطة في تلك الغمار والخطوب العصيبة فتسطع في الأندلس حتى يحل الصراع الأخير. تم البحث محمد عبد الله عنان

стр. 10428

مذاهب الفلسفة مذهب الذرائع للأستاذ زكي نجيب محمود لقد لبثت الفلسفة دهراً طويلاً تسبح في سماء الفكر المجرد فلا تصغي بآذانها إلى الحياة العملية التي تعج بأصدائها أرجاء الأرض جميعاً. ولا نحفل بالواقع الذي تراه الأبصار إلا قليلاً فقد قصرت مجهودها - في الأعم الأغلب - على جوهر الأشياء في ذاتها، وأخذت تسائل: ما المادة وما الروح وما مبعثها ولكنها باءت بعد طول الكدح والعناء بالفشل والإفلاس. . حتى جاء الفكر الأمريكي الحديث الذي يقدس العمل ويمقت البحث النظري المجدب العقيم، وأراد أن ينجو بالفكر نحو جديداً، فلا يكون من شأنه كنه الشيء ومصدره، بل نتيجته وعقباه. ولقد كان أول من صاغ هذا المذهب وليام جيمس (١٨٤٢ - ١٩١٠) الذي اعترف أنه قد استمد أصوله وقواعده من أشتات قديمة. وأن له فضل الصياغة والتعبير. أما رسالته التي قصد إلى أدائها بمذهبه فهي في أوجز عبارة: أن يتخذ الإنسان من أفكاره وآرائه ذرائع يستعين بها على حفظ بقائه أولاً، ثم على السير بالحياة نحو السمو والكمال ثانياً. إنه لمن الغفلة والشطط أن نُؤتى هذه القوة العقلية فنبددها في البحث عما وراء الطبيعة من قوى مما لا غناء فيه للإنسان ولا رجاء؛ إن العقل إنما خلق ليكون أداة للحياة ووسيلة لحفظها وكمالها، فلينصرف إلى أداء واجبه، وليضرب في معمعان الحياة العملية الواقعة، فليست مهمته أن يصور بريشته عالم الغيب المجهول، الذي لا يكاد يربطه بحياة الإنسان سبب من الأسباب، وليكن مقياسه الذي يفصل به بين الحق والباطل هو مقدرة الفكرة المعينة على إنجاز أغراض الإنسان في حياته العلمية، فإن تضاربت الآراء وتعارضت، كان أحقها وأصدقها هو أنفعها وأجداها، ذلك الذي تنهض التجربة العملية دليلاً على فائدته. وكل شيء يؤثر في الحياة تأثيراً منتجاً يجب أن يكون في اعتبارنا هو الحقيقة، بغض النظر عن مطابقته أو عدم مطابقته لما يخلقه الفكر المجرد من معايير، إذ لا يُعَوّل مذهب الذرائع إلا على النتائج وحدها؛ فإن كان الرأي مثمراً نافعاً قبلناه حقيقة، وإلا أسقطناه من حسابنا وهما باطلاً.

стр. 10429

والواقع أن معظم الناس يتبعون في حياتهم العملية أصول هذا المذهب، فهم ينتقون لأنفسهم من الآراء ما يعين على تحقيق أغراضهم التي يقصدون إليها، أو ما يعمل على رقي الإنسانية وتقدم البشر بصفة عامة. خذ العقيدة في الله مثلاً، فالأكثرية العظمى تأخذ بها لا لأن الدليل قاطع بوجوده، (فذلك أبعد عن متناول الدهماء) ولكن لأنها ترى أن هذه العقيدة تبث في حياة الناس روحاً قوية، وتفسح أمامهم في الأمل الجميل الذي تزدهر به الحياة وتبتسم، والذي لولاه لضقنا ذرعاً بفداحة عبئها. . فليس منا من لا يقيس الآراء بظروف عيشه ثم يختار منها أنسبها له وأفعلها في أداء مهمته؛ فسلوكها العملي هو في الواقع الذي يوجه أفكارنا، وليست أفكارنا هي التي توجه أعمالنا. ولقد قال موسوليني يوماً إنه يدين لوليام جيمس بكثير من آرائه السياسية، وإنه بتأثيره لا يحتكم في سياسته إلى نظريات العقل المجرد، إنما يسلك من السبل ما يراه أقوم وأدنى إنتاجاً. وإن نيتشه ليذهب في هذا الاتجاه إلى أقصاه، فيقرر أن الباطل إذا كان وسيلة ناجحة لحفظ الحياة كان خيراً من الحقيقة؛ فبطلان الرأي لا يمنع قبوله ما دام عاملاً من عوامل بقاء الفرد وحفظ النوع؛ فلرب أكذوبة أو أسطورة تدفع الحياة إلى الأمام بما تعجز عنه الحقيقة المجردة العارية. أنظر كيف تفعل الوطنية في رأس الجندي فيطوح بنفسه بين براثن الموت، ولو حكم عقله المجرد لما فعل؛ بل أنظر كم يبذل الآباء والأمهات من مجهود في سبيل أبنائهم، ولو استرشدوا العقل وحده لآثروا أشخاصهم ولضنوا على لأبناء بأي بذل أو عطاء، ولكننا لحسن الطالع ذرائعيون بالفطرة، فنعتنق من الآراء أحفظها للحياة، ولولا ذلك لظلت الإنسانية في حيوانيتها الأولى لا تتقدم ولا تسير. ولا يقتصر الأمر في ذلك على عامة الناس، بل إن أرباب العلم أنفسهم ليأخذون بطائفة كبيرة من الآراء التي تعين على المضي في بحثهم، دون أم ينهض الدليل العقلي على صحة تلك الآراء التي اتخذوها أساساً لأبحاثهم، فلا يدري العلم ما الأثير وما الجاذبية وما المادة وما الكهرباء، ولكنه يفرضها لأنها تعينه على أداء مهمته؛ وهذا بعينه ما يدعو إليه مذهب الذرائع، فيكفي لأن تكون تلك الآراء صحيحة أنها توجهنا في حياتنا توجيها صحيحاً، فلا يعنينا في كثير أو قليل أن نعلم ما هي الكهرباء في ذاتها ما دمنا نستطيع أن نستخدمها، فحسبنا من معناها آثارها، وليكن معنى الكهرباء هو ما تعمله وما تؤديه، وعلى

стр. 10430

هذا النحو يمكننا أن نتخلص من أعوص المسائل الفكرية التي أرهقت الفلسفة بغير طائل؛ فلندع جانباً كل بحث عن ماهية القوة أو ماهية المادة أو ماهية الله وما إلى ذلك، وحسبنا منها أن نبحث عن الآثار التي تنشأ عنها في حياتنا اليومية العملية، فإن لم يكن لها آثار فيما نصادف من تجارب وجب اعتبارها ألفاظاً جوفاء لا تحمل من المعنى شيئاً. وهكذا يريد مذهب الذرائع أن تكون كل فكرة وسيلة لسلوك عملي معين، أعني أن تكون الفكرة تصميماً لعمل يقوم به الإنسان، أو لا تكون على الإطلاق؛ فالفكرة التي تحيا في الذهن وحده ليست جديرة بهذا الاسم، ولا خير فيها إلا أن كانت مرشداً للإنسان في حياته وسلوكه، فيكون مثلها مثل اللون الأحمر أو الأخضر على السكة الحديدية يراهما سائق القطار فيوجهان تصرفه توجيهاً معيناً، أو كالعلامات الموسيقية كل قيمتها في توجيه حركات الموسيقيِّ، فإن لم تُفد ذلك كانت عبثاً صبيانياً لا يعني شيئاً؛ فيجب على هذا الأساس أن تكون كل فكرة في أذهاننا مرشداً عملياً يرسم لنا سلوكنا ويضع لنا القواعد التي ينبغي أن نسير على مقتضاها في حياتنا اليومية. أو بمعنى آخر تكون أساساً لعادة معينة. ففكرة الجاذبية مثلاً معناها محصور في تكوين عادات أستعين بها في سلوكي، فأعرف كيف أنظم علاقاتي بالأشياء تنظيماً ملائماً، فأحمل كوب الماء مثلاً وفمه إلى أعلى حتى لا ينسكب الماء بفعل الجاذبية؛ وأمشي معتدل القامة خشية السقوط بفعل الجاذبية، وأشيد مسكني مستقيم الجدار لئلا ينهار بفعل الجاذبية، وهلم جرا. أما إن كانت حياتي لا تتأثر بهذه الفكرة، وكنت لا أصادف لها آثارا فيما أصادف من تجارب، كانت في اعتباري وهما وخطأ، بغض النظر عن حقيقة وجودها في العالم الخارجي أو عدم وجودها؛ فالرأي الصحيح هو ما ييسر لي سبيل الحياة ويعمل على توفيقها ونجاحها، والرأي الخاطئ هو ما يفعل عكس ذلك، أو ما لا أرى له أثراً في الحياة. وظاهر أن نظرية التطور تؤيد هذا المذهب وتدعمه، لأن العقل عندها ليس إلا عضواً كسائر الأعضاء يتذرع به الإنسان في تنازع البقاء، وأنه لو لم يكن العقل أداة من أدوات البقاء لما وجد أصلاً؛ وإذن فالفكرة التي تنشأ فيه لا تكون صادقة بمقدار مماثلتها للحقيقة الواقعة في الخارج، كلا، بل مقياس صدقها هو في مقدرتها على إجابة الظروف المحيطة بنا على النحو الذي يمكن لنا في البقاء. ولتوضيح ذلك نقول إنه من المعلوم أن الأشياء

стр. 10431

الخارجية في ذاتها لها ألوان، إنما الألوان من صنع أعيننا، ولكني ما دمت أستطيع بفكرة اللون التي في ذهني (وإن لم تكن موجودة في الخارج) أن أميز الأشياء فأعرف التفاحة الناضجة مثلاً باحمرارها؛ والفجة باخضرارها، ففكرة اللون صحيحة صادقة. كذلك قل في الصوت، فليس للأصوات وجود في الخارج، إنما هي أمواج تقصر حيناً وتطول حيناً، حتى إذا ما قرعت الأذن، ترجمتها هذه بما نعهد من أصوات، ولكن ماذا يعنيني من عدم مماثلة فكرة الصوت في ذهني للأمواج الخارجية في الهواء، ما دمت أعرف أن هذا الصوت المعين يدل على سيارة قادمة فأنجو بحياتي من الخطر؟ إن فكرة الصوت حقيقة ما دامت تعمل على نجاح الحياة وبقائها. . . إن الحياة كما يعرفها سبنسر هي ملاءمة حالات الإنسان الداخلية بالظروف الخارجية، وإذن فالعقل الصالح للحياة هو ذلك الذي يدرك اختلاف الظروف الخارجية لنعدل من سلوكنا بما يلائم الموقف الجديد، وليس يعنينا بعد ذلك في كثير ولا قليل أن تكون الصورة الذهنية التي رسمها لنا العقل من الأشياء الخارجية، مطابقة لأصلها أو مشوهة محرفة، فالحقيقة العليا في الوجود هي الاحتفاظ بالبقاء أولاً، ثم الارتفاع بالحياة نحو الكمال. فكل ما يؤدي ذلك هو حق صريح. وفي ذلك يقول (ديوي) العالم الأمريكي المعروف: إن الفكر أداة لترقية الحياة وليس وسيلة إلى معرفة الأشياء في ذاتها. ويقول (شلر): إن الحقيقة هي ما تخدم الإنسان وحده. وكلا الرجلين من دعاة هذا المذهب. ونحن نجمل فيما يلي ثلاثة الشروط التي يضعها مذهب الذرائع لصدق فكرة ما: ١ - فأولاً يجب أن يكون للفكرة قيمة فورية - ومعناها أن الإنسان يجب أن يشاهد صحة رأيه أو خطأه في تجربته العلمية، فإن جاءت هذه التجربة العلمية موافقة للفكرة كانت الفكرة صحيحة وإلا فهي خاطئة. ٢ - وثانياً أن تكون الفكرة منسجمة مع سائر أفكاري وآرائي. فلا يكفي أن تكون كل فكرة صحيحة على حدة بالنسبة لقيمتها الفورية، ولكنها يجب كذلك ألا تناقض الأفكار الأخرى. فلا يجوز مثلاً أن أفرض نوعاً من الذرات في علم الطبيعة، ثم أفرض نوعاً آخر منها في علم الكيمياء، حتى ولو كان كل منهما صحيحاً في ميدانه الخاص - فإذا وجدنا أمامنا فكرتين عن شئ ما، كل منهما صحيح بالنسبة لقيمته الفورية، وجب أن نختار إحداهما على

стр. 10432

أساس البساطة، فأبسط الفكرتين أصحهما؛ فمثلاً لما أتى كوبرنيك برأيه الجديد عن الكون يعارض به رأي بطليموس القديم، كانت كلتا الفكرتين صادقة إذا قيستا إلى ما ينجم عنهما من النتائج العملية في حياة الناس، ولكن ما دامت فكرة كوبرنيك أقل تعقيداً من الأولى، كان لزاماً أن يقع عليها اختيارنا. ٣ - ولا بد للفكرة بعد هذا وهذا أن تطمئن لها نفس الإنسان وترضى ما دام لا يتعارض مع القيمة العملية. فالعقيدة الدينية مثلاً، على الرغم من أن ليس لها قيمة فورية في حياتنا إلا بمقدار ضئيل، إلا أنها واجبة، لأنها تخلع على حياتي صبغة من التفاؤل، وهي في الوقت نفسه تنسجم مع الأفكار الأخرى ولا تتعارض معها. ومعنى ذلك أنه إذا تساوت ظروف فكرتين، ثم كانت إحداهما تبعث التفاؤل والأخرى تبعث التشاؤم، كانت الأولى بالنسبة لنا أصدق وأصح. فالمؤمن والملحد كلاهما لا تؤثر عقيدته في شؤون حياته! ولكن الأول متفائل يرجو الآخرة، والثاني متشائم لا يرجو شيئاً؛ إذن فالإيمان أصدق من الإلحاد وأحق، لأنه أجدى على الإنسان وأنفع. تلك هي الحقيقة في عرف هذا المذهب؛ ولقد يعترض بحق أنها قد تؤدي إلى التنافر بين الناس، وإلى عدم انسجامهم في سلك المجتمع، لأن كل فرد سينتقي لنفسه الرأي الذي ينفعه بغض النظر عما يتخذه سواه من آراء؛ وإذن ففلسفة الإنسان ستعتمد على مزاجه وظروفه، ولكننا نسارع فنقول إن مذهب الذرائع قد أحس في نفسه بهذا النقص، فحاول أن يوفق بين قواعده وبين مصلحة الجماعة لا الفرد، فقرر أن الرأي الصحيح هو الذي يكون له فائدة عملية لأكبر عدد ممكن من الناس، بل ويحسن أن تشمل نتائجه النافعة الإنسانية بأسرها، وإذن فلا ينبغي أن نحكم على رأي بالصواب أو بالخطأ إلا بعد تجربة اجتماعية طويلة الأمد. ولكن يؤخذ على مذهب الذرائع وجوه أخرى من النقص نرجو أن نعرضها في مقال تال. زكي نجيب محمود

стр. 10433

قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم كوخ رابع غزاة المكروب طبيب القرية الذي ضجر بالطب لجهله أسباب الداء ثم ادعائه علاجه؛ الذي شغله البحث في أصول الأمراض عن مداواة أربابها؛ الذي حقق أحلام بستور وأثبت أن المكروب ينتج الأمراض، وأن لكل مرض مكروباً يخصه، ويخصه وحده؛ الذي علم الدنيا كيف تصطاد النوع الواحد من المكروبات، وتصطاده خالصاً خالياً من الأخلاط؛ الذي كشف مكروب الجمرة الخبيثة، قاتلة الماشية والإنسان، ومكروب السل قاتل الإنسان والحيوان؛ الرجل الذي كشف مكروب الكوليرا على أرض مصروفي أجسام ضحاياها. البطل الذي نزل بساحات الموت فأظلته فيها أرفع بنوده، وقاتلته على أرضها أفتك جنوده، فأسر منها على هواه، وخرج عنها سالماً قد أخطأته سهامها قضاء وقدراً. المترجم - ٣ - كان كوخ مستقرّ النفس، بارد العاطفة؛ فلما نجا من هذه المخاطر بسلام، وأصاب بها ما أمّل من نجاح، لم يَدُرْ بخلده أنه أصبح في عداد الأبطال، ولم يخطر بباله أن ينشر أبحاثه في الناس. واليوم إذا أنجز الرجل الباحث عملاً بارعاً كهذا، وكشف عن أسرار لها مثل هذه الخطورة، استحال عليه أن يعقد لسانه فلا يتحدث بها. وظل يسخّر نفسه في العمل تسخيراً، ويذلها فيه تذليلاً، وهو في ذلك ساكت صامت، حتى ليكاد المرء يتهم هذا الطبيب الريفيّ الألماني العبقريّ بأنه لم يدرك مقدار الجمال والخطر الذي كان في تلك التجارب التي أجراها وحيداً في عزلته وانزوائه.

стр. 10434

نعم تابع العمل وصابره، فلا بد له أن يعلم فوق الذي علمه؛ فأخذ يحقن الخنازير الغينية والأرانب، والشياه أخيراً، بذلك السائل ذي المظهر الطاهر والمخبر القاتل من قطراته العالقة. ولم تكد تدخل هذه الآلاف القليلة من المكروب إلى دم هذه الحيوانات حتى يتضاعف عددها بلايين المرات بسرعة واحدة، وبفظاعة واحدة، في الفأر الصغير والشاة الكبيرة على السواء؛ ولا تمضي ساعات حتى تعج بها أنسجة كانت سليمة تزدحم في الشرايين الصغيرة والأوردة الرفيعة حتى تختنق بها، وحتى يستحيل الدم الأحمر القاني إلى دم رهيب أسود - فتنفق الشياه، وتفنى الخنازير والأرانب. كان كوخ في الأطباء واحداً من سوادٍ كثير، فلم يكن له اسم، ولم يكن لحاله ذكر، ولكنه فارق هذا السواد بغتة، وارتفع مصعداً إلى صفوف الأمجاد الخالدين من الباحثين؛ وكان كلما مهر في اصطياد المكروب ساءت عنايته بمرضاه بقدر ذلك؛ صاحت أطفالٌ رُضّعٌ في ضياع بعيدة، ولكن الطبيب لم يحضر؛ واحتد الألم في أضراس فلاحين، فاصطبروا على أوجاعهم ساعات مضنيات، ولكن دون جدوى؛ واضطُرّ كوخ أخيراً أن يحول نصيباً من مرضاه على طبيب آخر؛ وقل حظ زوجته من رؤيته وزاد همها، وودت إليه ألا يخرج إلى مرضاه وبه رائحة كيميائياته وحيواناته. أما هو فلم تصله شكوى زوجه، ولا صوت مرضاه، فلو أنهم وهم القريبون منه صاحوا له من وراء النصف الأبعد للقمر ما زادوا ولا نقصوا في أسماعهم إياه - ذلك أن قضية خفية جديدة ساورت رأسه، وملكت لبه، وأسهرته الليالي، قال لنفسه: هذه البشلات تموت وشيكاً على قطعة الزجاج تحت المجهر، فأنى لها وهي بهذا الضعف أن تنتقل في الطبيعة من حيوان مريض بالجمرة إلى الحيوان جدّ سليم؟ وكان فلاحوا أوربا والبيطريين فيها يؤمنون بخرافات غريبة عن أسباب هذا المرض، وعن تلك القوة الخفية لهذا الوباء، وقد أُصلِت كالسيف فوق رقاب أغنامهم وأبقارهم لا يدرون متى يهبط عليها بالقتل المروع الذريع. أما هذه البشلات الصغيرة الضئيلة التي لا يبلغ طول الواحدة منها جزءاً من ألف من المليمتر، فلن يتصور عاقل أنها سبب هذا المرض الفظيع. قال البقارون والغنامون لكوخ: (يا سيدنا الدكتور، هب أن مكروباتك الصغيرة تقتل أبقارنا

стр. 10435

وأغنامنا، فقل لنا بالله إن كان هذا حقاً، كيف أن القطيع يكون سليماً في مرتع، يأكل ويشرب، ويثب ويلعب، فإذا نقلناه إلى مرتع آخر، كثير العشب، وافر النعمة، امتنع أكله، وذهب لعبه، وتساقطت وحداته، وماتت سريعاً كأنها الذباب). كان كوخ يعلم أن هذه الوقائع حقاً لا كذب فيها، كان يعلم أن في أوفرن بفرنسا جبالاً خضراء لا تذهب إليها قطعان الأغنام حتى يأخذها الموت واحدة واحدة، أو عشرة عشرة، حتى ومائة مائة، بسبب هذا الداء الأسود داء الجمرة؛ واجتمع الفلاحون حول نيرانهم في ليالي الشتاء الباردة وأخذوا يتهامسون: (إن حقولنا ملعونة مسكونة). وحار كوخ في أمره - وكيف تقوى هذه البشلات الدقيقة على العيش سنوات عديدة في مثل هذا الشتاء، فوق هذه الحقول، وعلى تلك الجبال؟ كيف يكون هذا؟ وهو حين أخذ شيئاً من طحال فأر وبئ، ونشره على شريحة من الزجاج، وأخذ ينظر إليه من المجهر، وجد المكروب قد عجز عن الحياة، فانبهمت حدوده، وانتشر جرمه، واختفت صورته اختفاء؛ نعم كيف يكون، وهو لّما وضع من بعد هذا على المكروب فوق شريحة الزجاج سائلاً من عين ثور، وهو نعم الغذاء الطيب، لم ينم المكروب، ولم يتكاثر، وهل تتكاثر الأموات؟ ثم هو لما جفف هذا الدم الوبئ وحقنه في فئران، ظلت في أقفاصها تلهو وتمرح ناعمة بالحياة؛ إذن هذه المكروبات ماتت؛ نعم ماتت هذه المكروبات التي كانت تقتل الشاة السمينة والبقرة الضخمة الكبيرة على السواء. وتسائل كوخ: (هذه المكروبات تموت على زجاجاتي النظيفة اللامعة في يومين اثنين، فكيف استطاعت أن تواصل الحياة على الحقول زماناً طويلاً؟). وذات يوم وقع بصره على حَدَث غريب تحت مجهره - تحولٍ عجيب أدى به إلى حل الطلسم الذي أعجزه. وجلس كوخ على كرسيه بمعمله الصغير في بروسيا الشرقية وكشف السر المخبوء في حقول فرنسا وجبالها؛ وحكاية ذلك أنه جاء بقطرة من قطراته العالقة، وهي حبيسةٌ في نقرتها الضيقة من شريحة الزجاج، وتركها في مدفأ درجة حرارته كدرجة جسم الفأر، وخلفها هناك أربعاً وعشرين ساعة، فلما عاد قال: (لا بد أن يكون المكروب قد نما في القطرة واستطال خيوطاً طويلة كطول تلك التي تنمو في أجسام الفئران). ونظر في المكرسكوب فوجد غير الذي أمّله. وجد أن الخيوط بعد أن استكملت طولها، أخذت حدودها
следующие страницы →