← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10431–10470 · переход к 10436.

стр. 10431

الخارجية في ذاتها لها ألوان، إنما الألوان من صنع أعيننا، ولكني ما دمت أستطيع بفكرة اللون التي في ذهني (وإن لم تكن موجودة في الخارج) أن أميز الأشياء فأعرف التفاحة الناضجة مثلاً باحمرارها؛ والفجة باخضرارها، ففكرة اللون صحيحة صادقة. كذلك قل في الصوت، فليس للأصوات وجود في الخارج، إنما هي أمواج تقصر حيناً وتطول حيناً، حتى إذا ما قرعت الأذن، ترجمتها هذه بما نعهد من أصوات، ولكن ماذا يعنيني من عدم مماثلة فكرة الصوت في ذهني للأمواج الخارجية في الهواء، ما دمت أعرف أن هذا الصوت المعين يدل على سيارة قادمة فأنجو بحياتي من الخطر؟ إن فكرة الصوت حقيقة ما دامت تعمل على نجاح الحياة وبقائها. . . إن الحياة كما يعرفها سبنسر هي ملاءمة حالات الإنسان الداخلية بالظروف الخارجية، وإذن فالعقل الصالح للحياة هو ذلك الذي يدرك اختلاف الظروف الخارجية لنعدل من سلوكنا بما يلائم الموقف الجديد، وليس يعنينا بعد ذلك في كثير ولا قليل أن تكون الصورة الذهنية التي رسمها لنا العقل من الأشياء الخارجية، مطابقة لأصلها أو مشوهة محرفة، فالحقيقة العليا في الوجود هي الاحتفاظ بالبقاء أولاً، ثم الارتفاع بالحياة نحو الكمال. فكل ما يؤدي ذلك هو حق صريح. وفي ذلك يقول (ديوي) العالم الأمريكي المعروف: إن الفكر أداة لترقية الحياة وليس وسيلة إلى معرفة الأشياء في ذاتها. ويقول (شلر): إن الحقيقة هي ما تخدم الإنسان وحده. وكلا الرجلين من دعاة هذا المذهب. ونحن نجمل فيما يلي ثلاثة الشروط التي يضعها مذهب الذرائع لصدق فكرة ما: ١ - فأولاً يجب أن يكون للفكرة قيمة فورية - ومعناها أن الإنسان يجب أن يشاهد صحة رأيه أو خطأه في تجربته العلمية، فإن جاءت هذه التجربة العلمية موافقة للفكرة كانت الفكرة صحيحة وإلا فهي خاطئة. ٢ - وثانياً أن تكون الفكرة منسجمة مع سائر أفكاري وآرائي. فلا يكفي أن تكون كل فكرة صحيحة على حدة بالنسبة لقيمتها الفورية، ولكنها يجب كذلك ألا تناقض الأفكار الأخرى. فلا يجوز مثلاً أن أفرض نوعاً من الذرات في علم الطبيعة، ثم أفرض نوعاً آخر منها في علم الكيمياء، حتى ولو كان كل منهما صحيحاً في ميدانه الخاص - فإذا وجدنا أمامنا فكرتين عن شئ ما، كل منهما صحيح بالنسبة لقيمته الفورية، وجب أن نختار إحداهما على

стр. 10432

أساس البساطة، فأبسط الفكرتين أصحهما؛ فمثلاً لما أتى كوبرنيك برأيه الجديد عن الكون يعارض به رأي بطليموس القديم، كانت كلتا الفكرتين صادقة إذا قيستا إلى ما ينجم عنهما من النتائج العملية في حياة الناس، ولكن ما دامت فكرة كوبرنيك أقل تعقيداً من الأولى، كان لزاماً أن يقع عليها اختيارنا. ٣ - ولا بد للفكرة بعد هذا وهذا أن تطمئن لها نفس الإنسان وترضى ما دام لا يتعارض مع القيمة العملية. فالعقيدة الدينية مثلاً، على الرغم من أن ليس لها قيمة فورية في حياتنا إلا بمقدار ضئيل، إلا أنها واجبة، لأنها تخلع على حياتي صبغة من التفاؤل، وهي في الوقت نفسه تنسجم مع الأفكار الأخرى ولا تتعارض معها. ومعنى ذلك أنه إذا تساوت ظروف فكرتين، ثم كانت إحداهما تبعث التفاؤل والأخرى تبعث التشاؤم، كانت الأولى بالنسبة لنا أصدق وأصح. فالمؤمن والملحد كلاهما لا تؤثر عقيدته في شؤون حياته! ولكن الأول متفائل يرجو الآخرة، والثاني متشائم لا يرجو شيئاً؛ إذن فالإيمان أصدق من الإلحاد وأحق، لأنه أجدى على الإنسان وأنفع. تلك هي الحقيقة في عرف هذا المذهب؛ ولقد يعترض بحق أنها قد تؤدي إلى التنافر بين الناس، وإلى عدم انسجامهم في سلك المجتمع، لأن كل فرد سينتقي لنفسه الرأي الذي ينفعه بغض النظر عما يتخذه سواه من آراء؛ وإذن ففلسفة الإنسان ستعتمد على مزاجه وظروفه، ولكننا نسارع فنقول إن مذهب الذرائع قد أحس في نفسه بهذا النقص، فحاول أن يوفق بين قواعده وبين مصلحة الجماعة لا الفرد، فقرر أن الرأي الصحيح هو الذي يكون له فائدة عملية لأكبر عدد ممكن من الناس، بل ويحسن أن تشمل نتائجه النافعة الإنسانية بأسرها، وإذن فلا ينبغي أن نحكم على رأي بالصواب أو بالخطأ إلا بعد تجربة اجتماعية طويلة الأمد. ولكن يؤخذ على مذهب الذرائع وجوه أخرى من النقص نرجو أن نعرضها في مقال تال. زكي نجيب محمود

стр. 10433

قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم كوخ رابع غزاة المكروب طبيب القرية الذي ضجر بالطب لجهله أسباب الداء ثم ادعائه علاجه؛ الذي شغله البحث في أصول الأمراض عن مداواة أربابها؛ الذي حقق أحلام بستور وأثبت أن المكروب ينتج الأمراض، وأن لكل مرض مكروباً يخصه، ويخصه وحده؛ الذي علم الدنيا كيف تصطاد النوع الواحد من المكروبات، وتصطاده خالصاً خالياً من الأخلاط؛ الذي كشف مكروب الجمرة الخبيثة، قاتلة الماشية والإنسان، ومكروب السل قاتل الإنسان والحيوان؛ الرجل الذي كشف مكروب الكوليرا على أرض مصروفي أجسام ضحاياها. البطل الذي نزل بساحات الموت فأظلته فيها أرفع بنوده، وقاتلته على أرضها أفتك جنوده، فأسر منها على هواه، وخرج عنها سالماً قد أخطأته سهامها قضاء وقدراً. المترجم - ٣ - كان كوخ مستقرّ النفس، بارد العاطفة؛ فلما نجا من هذه المخاطر بسلام، وأصاب بها ما أمّل من نجاح، لم يَدُرْ بخلده أنه أصبح في عداد الأبطال، ولم يخطر بباله أن ينشر أبحاثه في الناس. واليوم إذا أنجز الرجل الباحث عملاً بارعاً كهذا، وكشف عن أسرار لها مثل هذه الخطورة، استحال عليه أن يعقد لسانه فلا يتحدث بها. وظل يسخّر نفسه في العمل تسخيراً، ويذلها فيه تذليلاً، وهو في ذلك ساكت صامت، حتى ليكاد المرء يتهم هذا الطبيب الريفيّ الألماني العبقريّ بأنه لم يدرك مقدار الجمال والخطر الذي كان في تلك التجارب التي أجراها وحيداً في عزلته وانزوائه.

стр. 10434

نعم تابع العمل وصابره، فلا بد له أن يعلم فوق الذي علمه؛ فأخذ يحقن الخنازير الغينية والأرانب، والشياه أخيراً، بذلك السائل ذي المظهر الطاهر والمخبر القاتل من قطراته العالقة. ولم تكد تدخل هذه الآلاف القليلة من المكروب إلى دم هذه الحيوانات حتى يتضاعف عددها بلايين المرات بسرعة واحدة، وبفظاعة واحدة، في الفأر الصغير والشاة الكبيرة على السواء؛ ولا تمضي ساعات حتى تعج بها أنسجة كانت سليمة تزدحم في الشرايين الصغيرة والأوردة الرفيعة حتى تختنق بها، وحتى يستحيل الدم الأحمر القاني إلى دم رهيب أسود - فتنفق الشياه، وتفنى الخنازير والأرانب. كان كوخ في الأطباء واحداً من سوادٍ كثير، فلم يكن له اسم، ولم يكن لحاله ذكر، ولكنه فارق هذا السواد بغتة، وارتفع مصعداً إلى صفوف الأمجاد الخالدين من الباحثين؛ وكان كلما مهر في اصطياد المكروب ساءت عنايته بمرضاه بقدر ذلك؛ صاحت أطفالٌ رُضّعٌ في ضياع بعيدة، ولكن الطبيب لم يحضر؛ واحتد الألم في أضراس فلاحين، فاصطبروا على أوجاعهم ساعات مضنيات، ولكن دون جدوى؛ واضطُرّ كوخ أخيراً أن يحول نصيباً من مرضاه على طبيب آخر؛ وقل حظ زوجته من رؤيته وزاد همها، وودت إليه ألا يخرج إلى مرضاه وبه رائحة كيميائياته وحيواناته. أما هو فلم تصله شكوى زوجه، ولا صوت مرضاه، فلو أنهم وهم القريبون منه صاحوا له من وراء النصف الأبعد للقمر ما زادوا ولا نقصوا في أسماعهم إياه - ذلك أن قضية خفية جديدة ساورت رأسه، وملكت لبه، وأسهرته الليالي، قال لنفسه: هذه البشلات تموت وشيكاً على قطعة الزجاج تحت المجهر، فأنى لها وهي بهذا الضعف أن تنتقل في الطبيعة من حيوان مريض بالجمرة إلى الحيوان جدّ سليم؟ وكان فلاحوا أوربا والبيطريين فيها يؤمنون بخرافات غريبة عن أسباب هذا المرض، وعن تلك القوة الخفية لهذا الوباء، وقد أُصلِت كالسيف فوق رقاب أغنامهم وأبقارهم لا يدرون متى يهبط عليها بالقتل المروع الذريع. أما هذه البشلات الصغيرة الضئيلة التي لا يبلغ طول الواحدة منها جزءاً من ألف من المليمتر، فلن يتصور عاقل أنها سبب هذا المرض الفظيع. قال البقارون والغنامون لكوخ: (يا سيدنا الدكتور، هب أن مكروباتك الصغيرة تقتل أبقارنا

стр. 10435

وأغنامنا، فقل لنا بالله إن كان هذا حقاً، كيف أن القطيع يكون سليماً في مرتع، يأكل ويشرب، ويثب ويلعب، فإذا نقلناه إلى مرتع آخر، كثير العشب، وافر النعمة، امتنع أكله، وذهب لعبه، وتساقطت وحداته، وماتت سريعاً كأنها الذباب). كان كوخ يعلم أن هذه الوقائع حقاً لا كذب فيها، كان يعلم أن في أوفرن بفرنسا جبالاً خضراء لا تذهب إليها قطعان الأغنام حتى يأخذها الموت واحدة واحدة، أو عشرة عشرة، حتى ومائة مائة، بسبب هذا الداء الأسود داء الجمرة؛ واجتمع الفلاحون حول نيرانهم في ليالي الشتاء الباردة وأخذوا يتهامسون: (إن حقولنا ملعونة مسكونة). وحار كوخ في أمره - وكيف تقوى هذه البشلات الدقيقة على العيش سنوات عديدة في مثل هذا الشتاء، فوق هذه الحقول، وعلى تلك الجبال؟ كيف يكون هذا؟ وهو حين أخذ شيئاً من طحال فأر وبئ، ونشره على شريحة من الزجاج، وأخذ ينظر إليه من المجهر، وجد المكروب قد عجز عن الحياة، فانبهمت حدوده، وانتشر جرمه، واختفت صورته اختفاء؛ نعم كيف يكون، وهو لّما وضع من بعد هذا على المكروب فوق شريحة الزجاج سائلاً من عين ثور، وهو نعم الغذاء الطيب، لم ينم المكروب، ولم يتكاثر، وهل تتكاثر الأموات؟ ثم هو لما جفف هذا الدم الوبئ وحقنه في فئران، ظلت في أقفاصها تلهو وتمرح ناعمة بالحياة؛ إذن هذه المكروبات ماتت؛ نعم ماتت هذه المكروبات التي كانت تقتل الشاة السمينة والبقرة الضخمة الكبيرة على السواء. وتسائل كوخ: (هذه المكروبات تموت على زجاجاتي النظيفة اللامعة في يومين اثنين، فكيف استطاعت أن تواصل الحياة على الحقول زماناً طويلاً؟). وذات يوم وقع بصره على حَدَث غريب تحت مجهره - تحولٍ عجيب أدى به إلى حل الطلسم الذي أعجزه. وجلس كوخ على كرسيه بمعمله الصغير في بروسيا الشرقية وكشف السر المخبوء في حقول فرنسا وجبالها؛ وحكاية ذلك أنه جاء بقطرة من قطراته العالقة، وهي حبيسةٌ في نقرتها الضيقة من شريحة الزجاج، وتركها في مدفأ درجة حرارته كدرجة جسم الفأر، وخلفها هناك أربعاً وعشرين ساعة، فلما عاد قال: (لا بد أن يكون المكروب قد نما في القطرة واستطال خيوطاً طويلة كطول تلك التي تنمو في أجسام الفئران). ونظر في المكرسكوب فوجد غير الذي أمّله. وجد أن الخيوط بعد أن استكملت طولها، أخذت حدودها

стр. 10436

تنبهم، وتنقط الخيط بأجسام بيضاوية لمعت كحبات الزجاج، وانتظمت على طوله كعقد اللؤلؤ، بَرَق واستقام. استاء كوخ أول الأمر، فسخط ولعن، وحسب أن غريباً من المكروب دخل إلى مكروبه فأفسده، ولكنه لما أعاد النظرة وجد حُسبانه الأول خاطئاً، فالحبات اللامعة كانت في داخل خيوط المكروب، وهذه الخيوط نفسها هي التي تحولت إلى تلك الحبات. وجفف كوخ قطرته العالقة، وحفظ ما بقي منها على الزجاج شهراً أو بعض شهر. ثم شاء القدر أن يعود فينظر إليها من خلال عدسته، فوجد العقود لا تزال على لمعانها؛ فخطر له أن يجري شيئاً من التجارب عليها. فأتى بقطرة صافية من عين ثور، فأسقطها على تلك المكروبات التي استحالت عقوداً، وأخذ ينظر إليها فإذا بالحبّات تنمو فتصير إلى بشلات، ثم إلى خيوط طويلة مرة أخرى. عام رأس كوخ اختلاطاً واندهاشاً. قال: (إن هذه الحبات البارقة الغريبة قد عادت فاستحالت بشلات تارة أخرى، فهذه بذور المكروب، صوره الأمتن التي تصمد للحر الشديد والبرد القارص والجاف القاتل. . . . . . لا بد أن المكروب على هذه الصورة يستطيع البقاء طويلاً في الحقول، لا بد أن البشلات تستحيل إلى هذه البذور). وقام كوخ عندئذ بجملة من التجارب الدقيقة البارعة، أجراها ليمتحن صحة ظنه في هذه البذور، فاستخرج طحالات من فئران مجمورة، استخرجها الآن بحذق ظاهر بعد الخبرة والمران، ورفع هذه الأطحلة، وفيها الموت، على مشارط وبملاقط طهرت في النار، واحتاط ما استطاع الحيطة ألا تمسها مكروبات من التي تسبح على ضلال في الهواء، وحفظها يومياً في درجة حرارة كالتي لجسم الفأر. فلم يكذب ظنه، فخيوط المكروب استحالت إلى حبات من البذور بارقة كالزجاج، وتلا هذه بتجارب عديدة حبسته طويلاً في حجرته الصغيرة القذرة، خرج منها على أن هذه البذور تبقى حية أشهراً كثيرة، وأنها من بعد ذلك تنفقص على التو عن تلك البشلات القاتلة إذا هي وضعت في قطرة من سائل عين ثور، أو إذا هي أُدخلت على فلقة خشب في قاعدة ذنب فأر. قال كوخ: (إن هذه البزور لا تتكون في حيوان وهو حي أبدا، وإنما تظهر فيه بعد وفاته إذا احتُفِظ بجسمه حاراً).

стр. 10437

وأثبت ذلك إثباتاً جميلاً بأن وضع أطحلة وبيئة في ثلاجة، ثم عاد إليها بعد أيام فأخذ منها وحقن الفئران، فلم يصيبها سوء، فكأنما حقن فيها لحماً طازجاً سليماً. وكان العام عام ١٨٧٦، وكان كوخ قد بلغ الرابعة والثلاثين فخرج لأول مرة من عُشّه، من قرية فُلِشْتَين ليخبر الدنيا في شئ من الفأفأة، أنه قد ثبت ثبوتاً قاطعاً بعد طول الشك أن المكروبات أسباب الأدواء. لبس كوخ أفخر ثيابه، ووضع على عينيه نظاراته وقد تأطر الذهب حولها، وحزم مجهره، وعدداً من القطرات العالقة في محابسها من الزجاج وقد تنغشت بمكروب الجمرة القاتل، وأضاف إلى متاعه قفصاً أخذ يهتز ببضع عشرات من الفئران البيض الصحيحة، وركب القطار ووجهته بلدة برسلاوة ليعرض فيها مكروب الجمرة الذي كشفه، وليبين للأشهاد كيف يقتل هذا المكروب فئرانه، وكيف أنه يستحيل تلك الاستحالة الغريبة فيصير عقوداً كالُّسبَح - وأراد بخاصة أن يطلع الأستاذ كُون على كل هذا، وهو أستاذ النبات بجامعة برسلاوة، وكان يكتب أحياناً إلى كوخ مشجعاً حامداً. أعجب الأستاذ كون بتجارب كوخ التي أجراها وحيداً لا يسمع به أحد، وعلم أنها ذات خطر كبير لم يفطن له كوخ نفسه، وتصور في ابتسام وخبث ما يكون من أثرها في نفوس جهابذة الجامعة وأعلامها، وهم ما هم من رفعة القدر وشيوع الذكر، وكوخ هو ما هو من الضعة والخمول، فبعث إليهم يدعوهم لحضور الليلة الأولى للمعرض الذي يقيمه طبيب القرية الصغير. ولبوا الدعوة، نعم لبوها ليستمعوا إلى هذا الذي جاء من أقصى الريف يحدثهم عن العلم؛ ولعلهم جاءوا رعاية لحرمة الأستاذ الشيخ كون. ولقيهم كوخ، ولم يحاضرهم في الذي أتى له، فلم يكن قط ممن يحسن صناعة الكلام. انعقد لسانه، ولكن يده انطلقت ثلاثة أيام ولياليها ترى هؤلاء السفسطائيين ما كان من أبحاثه طوال تلك السنين، وما كان فيها من تلمس في الظلام، وتحسس في دياجير المجهول، وما كان فيها من عثرات تبعتها نهضات، ومن نهضات تلتها عثرات؛ فلم ينزل أحد من كبريائه، ولم يهدئ من ادعائه، نزول هؤلاء الجهابذة وهدوءهم، وقد كانوا في كثرتهم يستمعون لرجلنا القليل، وقد كانوا طامنوا أنفسهم على التسامح، وألا يأخذوا عليه المآخذ، بل يدعونه يرسل القول إرسالاً، فما عند مثله يطلب الجدل، ولا لمن هم في منزلته يثار النقاش. ولم يجادل كوخ قط ولم يتفيهق قط، ولم

стр. 10438

يحلم الأحلام، ولم ينطق عند الغد بصنوف النبوءات، وإنما ظل يضرب فِلَق الخشب في ذيول الفئران فكانت كالسهام سرعة ودقة، وفتح أساتذة البثلجة عيونهم وسعها لما رأوه يتناول تلك البشلات والبزور والمكرسكوب بيد صناع لا تكون لعالم إلا في ستّينه. كان انتصاراً رائعاً روعة الصباح الضاحي. وكان من بين هؤلاء الأساتذة الأستاذ كون هايم وكان من أمهر علماء أوربا في دراسة الأمراض، فلم يستطيع صبراً على الذي سمع ورأى، وخرج ثائراً من صالة العرض وذهب إلى معمله واندفع على التو إلى حيث يعمل الشباب من مساعديه في أبحاثه، فصاح فيهم: (أبنائي، دعوا ما بأيديكم وانصرفوا فاستمعوا إلى الدكتور كوخ، فإن هذا الرجل كشف كشفاً عظيماً) واسترجع الأستاذ أنفاسه. قال الطلاب: (ولكن يا سيدنا الأستاذ منْ كوخ هذا فما لنا به من علم؟). قال الأستاذ: (مهما يكن من أمره، فالكشف الذي أتاه عظيم، كشفٌ غاية في الدقة، غايةٌ في البساطة، غايةٌ في العجب. وكوخ هذا ليس أستاذاً. . . ولم يتعلم قط كيف يجري الأبحاث. . . وإنما تعلمه من ذات نفسه، وصنع كل ما صنع بمجهوده وحده). قال الطلاب: (ولكن ما هذا الكشف يا سيدنا الأستاذ؟). قال الأستاذ: (أقول لكم اذهبوا، واذهبوا جميعاً، وانظروا بأعينكم، واسمعوا بآذانكم، فإنه عَلِم الله أخطر كشف في عالم المكروب. . . كشف نتضاءل جميعاً إلى جانبه. . . . اذهبوا. اذهبوا. .) ولم يتم الأستاذ قوله إلى التلاميذ حتى كانوا قد خرجوا من الباب واختفوا عن بصره فلم يسمعوا آخر نبراته، وكان من بينهم بول إرليس قال بستور قبل هذا اليوم بسبع سنوات: (إن الإنسان في مقدوره محو الأمراض المعدية من على ظهر البسيطة)؛ وعندئذ قال أحكم أطباء ذلك العصر: (إنه رجل مأفون)؛ ولكن في هذه الليلة خطا كوخ بالدنيا أول خطوة في تأويل الحلم الذي أرتاه بستور. وختم كوخ حديثه إلى الأساتذة الأمجاد قال: (إن أنسجة الحيوانات التي تموت بداء الجمرة لا تعدي بهذا الداء إلا إذا هي حملت بشلاته أو بزور هذه البشلات، سواء أكانت هذه الأنسجة صالحة أو فاسدة، متعفنة أو جفت أو مضى عليها عام. وفي وجه هذه الحقيقة يجب أن يزول كل ظلّ

стр. 10439

من شك في أن هذه البشلات هي سبب هذا الداء) ختم حديثه إلى الأساتذة بهذا القول حتى لكأن تجاربه التي أراها إياهم لم يكن بها كفاية من إقناع؛ وزاد على ما قال بأن أبان لمستمعيه، وقد أخذتهم الدهشة، طريقاً لمكافحة هذا الوباء، طريقاً أرته تجاربه إياه لمحو هذا الداء، قال: (إن كل حيوان يموت بالجمرة يجب إعدام جثته في الحال، فإذا لم يكن في الإمكان حرقها، فلا أقل من دفنها عميقة في الأرض حيث البرودة شديدة فلا تأذن للبشلات أن تستحيل إلى بزور تقاوم شدة الحياة وجبروتها طويلاً. . . . .). وهكذا علم كوخ الناس في هذه الثلاثة الأيام كيف يبدأون في محاربة المكروب ويدفعون عن أنفسهم أسباب المهالك التي تكمن لهم خفية في الظلام؛ وهكذا بدأ في حمله الأطباء على الإقلاع عن اللعب الهازل بالحبوب والعلق في مدافعه الأدواء، وإحلال العلم والمنطق محل السحر والخرافات. وقع كوخ بذهابه إلى المدينة برسلاوة في زمرة من رجال أمناء كرماء مخلصين، بذلوا له من صداقتهم ومن عونهم الشيء الكثير، نخص بالذكر منهم الأستاذين كون وكون هايم ذلك لأنهما أولاً لم يسرقا أبحاثه، ولصوص العلم ليسوا أقل عدداً من اللصوص في مناشط الحياة الأخرى. وثانياً لأنهما صّيحا له وهتفا هُتافاً ترددُ أصداؤه في أوربا، حتى لأوجس بستور خيفة على مكانه سيدا لبُحّاث المكروب، وأخذ هذان الرجلان يرسلان الكتاب تلو الكتاب إلى مصلحة الصحة الإمبراطورية ببرلين يعرفانها بأمر هذا الرجل الجديد، مفخرة ألمانيا؛ وصنعا ما صنعاه ليمكناه من ترك عيادته، وهي لا تكسبه غير البلادة، وتيسير الرزق والمال له ليفرغ لدرس المكروب ودفع أدوائه. ومن يدري ماذا يكون من أمر كوخ لو أنه جاء برسلاوة فلم يجد بها غير الزجر والمهانة والصدود، إذن لعاد إلى قريته واكتفى بمعاودة صناعته من جس النبض والنظر في السنة المرضى، ولما كان من أمره الذي كان. إن رجل العلم لا ينجح إلا أن يكون فيه بعض خُلُق الدلالين وأرباب المعارض - وهكذا كان اسبلنزاني الفخم العظيم، وهكذا كان بستور الحساس الصخاب - وإلا أن يكون له من أرباب الجاه وذوي السلطان من يحميه بجاهه، ويدفعه ويزجه في معترك الحياة. يتبع أحمد زكي

стр. 10440

نظرية النسبية الخصوصية البحث الأول الزمان ونسبيته للدكتور إسماعيل أحمد أدهم عضو أكاديمية العلوم الروسية - ١ - لنتصور قطاراً يتحرك من محطة القاهرة الساعة الثامنة، فما معنى تحركه الساعة الثامنة؟ لا خلاف في أن معناه أن آونة تحرك القطار وحادثة وقوف العقرب الكبير في الساعة على الرقم (١٢) والصغير على الرقم (٨) متوافقان. ولقد يجول بخاطر الكثيرين أن في هذا البيان الكشف عن حقيقة الزمان. وهذا ظن صحيح فيه من الوثوق الشيء الكثير لو كان العالم كله الساعة وما حولها. ولكن مثل هذه الفكرة هل تنطبق على حادثتين: الأولى حدثت في مكان قصي عن مكان الأخرى؟ فمثلاً لو فرضنا حادثة مثل الحادثة (أ) حدثت في الشمس، وحادثة أخرى مثل الحادثة (ب) حدثت على الأرض؛ فهل في الإمكان النظر في تواقُتِهما؟ إن الإجابة على مثل هذه الأسئلة تتطلب منا أن نذكر أن مسألة التواقت مسألة ترجع لتساوي سير حركة الساعات في مختلف الأمكنة، وهذا الأمر يرجعنا إلى واسطة التعيين. لنفرض كرة مثل (ك) بها نقطتان ثابتتان، الأولى (أ) والثانية (ب) وبكل نقطة من هاتين النقطتين توجد ساعة، ولنرمز لساعة النقطة الأولى بالرمز (سأ)، ولساعة النقطة الثانية بالرمز (سب)، ولنفرض أن المسافة بين هاتين النقطتين هي (م)؛ فلكي نوحّد سير الساعتين نجد أمامنا إحدى طريقتين نسلك إحداهما لتوحيد سير ساعتي النقطتين: الطريقة الأولى تنحصر في نقل الساعة (سأ) والساعة (سب) إلى مكان واحد، ثم ضبطهما هنالك على زمان واحد، ثم إعادة كل ساعة إلى المكان الأول. والطريقة الثانية تستند على إشارة ضوئية من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) مثلاً، فتضبط بناء عليها الساعة (سب) زمانها حسب زمان الساعة (سأ).

стр. 10441

وهاتان الطريقتان لا زالتا مستعملتين إلى يومنا الحاضر في حياتنا العملية؛ فالسفن تتبع الطريقة الأولى عندما تضبط وقت ساعاتها حسب أزمنة الموانئ التي ترسو عليها؛ وتتبع الطريقة الثانية بمراجعتها أزمنة ساعاتها وكرونومتراتها خلال سيرها بإشارات التليفون اللاسلكي لتصحح الفروق الناشئة في الزمن من اختلاف خطوط الطول والعرض على سطح الكرة الأرضية. ويمكننا استناداً إلى هذه الظاهرة تقرير اختلاف الزمان؛ غير أن هذا التقرير لا تكون له قيمة علمية إلا بعد تعميمه على الأكوان. فلنفرض في كون مثل (ك) ساعة مثل (س)، فهل في الإمكان جعل ساعتين مثل (س١) و (س٢) في كونين مثل (ك١) و (ك٢) تتحركان حركة انتقالية مستقيمة متساوية في الزمان مع زمان الكون (ك)؟ الإجابة عن هذه المسألة خارجة عن نطاق علم الطبيعة ما دامت هذه الأكوان يتحرك بعضها إزاء بعض حركات انتقالية؛ ومهما كانت هذه الفروق المتولدة من هذه الحركات ضئيلة فمسألة تساوي الزمان في هذه الأكوان أو عدم تساويه لا يمكن معرفتها إلا بالرجوع إلى الإشارات الضوئية. والاستناد على الأمواج النورية في تقرير تواقت الزمان قائم على ثبات سرعة النور، وهي وإن كانت سرعة محدودة إلا أنها سرعة فوق كل سرعة. وقضية ثبات سرعة النور تجرنا إلى معرفة حركات الأكوان المطلقة خلال الفضاء الأثيري. إذا أرسلنا شعاعة نور في اتجاه سرعة الأرض فستكون سرعة هذه الشعاعة بالنسبة للمشاهد الذي أرسلها من فوق الأرض: (٣٠٠ , ٠٠٠ كم - سرعة الأرض في الفضاء الأثيري). وفي حالة إرسال شعاعة النور في عكس اتجاه سرعة الأرض فستكون سرعة الشعاعة متضخمة بسرعة الأرض بالنسبة لمرسلها (٣٠٠ , ٠٠٠ كم + سرعة الأرض في الفضاء الأثيري). وكل التجارب التي أجريت في هذا الصدد أسفرت عن نتيجة سلبية. - ٢ - لنفرض شعاعة نور مثل (س) تقع على مرآة نرمز لها بالرمز (م)، وهذه المرآة نصف

стр. 10442

عاكسة، فتشق شعاعة النور (س) شعاعتين: المعكوسة (س١) والمكسورة (س٢)، وقد وضعت المرآة (م) بالنسبة لاتجاه الشعاعة (س) بحيث تجعل الشعاعتين (س١) و (س٢) متعامدتين إحداهما على الأخرى؛ ولنفرض أنه قد وضع في خط سير هاتين الشعاعتين وعلى بعد ثابت من المرآة (م) مرآتان أخريان، الأولى (م١) والثانية (م٢) بحيث تردان الشعاعتين (س١) و (س٢) إلى المرآة (م)؛ وهناك عند التقائهما ثانية تعكسان عكساً نصفياً فيتحد الجزء المعكوس من الشعاعة (س٢) مع الجزء المكسور من الشعاعة (س١) في الشعاعة الأخيرة (س٣)، فإذا ما سارت الشعاعتان مسافة واحدة من نقطة افتراقهما إلى نقطة التقائهما ثانية: أعني إذا كانت المسافة من (م) إلى (م٣) تعادل المسافة من (م) إلى (م١) تعادلاً تاماً، فإنك إذا ما وضعت عينيك في الوضع (د) شاهدت الشعاعة (س٣) كاملة لا نقص فيها؛ أما إذا كانت المسافة (م - م١) تنقص أو تزيد على المسافة (م - م٢) بما يعادل نصف موجة النور أو حاصلاً صحيحاً لنصف موجة النور، فإن الشعاعتين تكونان قد سارتا منذ انفراجهما إلى اتحادهما ثانية غير متعادلتين، فينجم عن ذلك تداخل نوري بين حركة الموجتين يشف عن نظام تداخلي يتظاهر في شكل حلقات من النور والظلمة. ولو فرض وأزحنا (م١) أو (م٢) قليلاً بمعنى أننا غيرنا تعادل المسافتين (م - م١) و (م - م٢) ألفينا هذه الحلقات تتحرك، أو قل تتقلص شيئاً فشيئاً إلى أن تختفي في الوسط المشترك بينهما، ثم تظهر حلقات جديدة من خارج النظام، ويكون عدد ما يختفي معادلاً عدد ما يظهر من الحلقات؛ ومن مقدار تغير (م - م١) أو (م - م٢) نستطيع حساب الحلقات الواجب اختفاؤها على هذا المنوال. لهذا لو كان هنالك راصد مشاهد لهذا النظام، وطفقت حلقاته تتقلص بغتة، أمكنك أن تحكم يقيناً إن كانت المسافة (م - م١) أو (م - م٢) قد شرعت في التغير؛ وإذا حسبت عدد الحلقات المختفية استطعت التنبؤ بمقدار تغير المسافتين. أجرى الدكتور ميكلصون والأستاذ مورلي تجربتهما بحيث كانت حركة الشعاعة موازية لحركة الأرض (ح) حول محورها مثلاً، أي وضعت (م١) بحيث تكون المسافة (م - م١) ممتدة شرقاً غرباً، فتكون لذلك الشعاعة (س١) متعامدة على اتجاه حركة الأرض حول محورها، أي تكون ممتدة شمالاً جنوباً في الاتجاه (ح).

стр. 10443

ولكن عندما تنفصل الشعاعتان (س١) و (س٢) عند النقطة (ن) تسير كلتاهما بسرعة واحدة بالنسبة للفضاء الأثيري، لأنهما كلتيهما تموّج أثيري، والاختلاف لا يكون إلا بإسنادهما إلى شيء آخر، وليكن الجهاز: (جهاز ميكلصون - مورلي) فتكون سرعة (س١) بالنسبة للجهاز غير سرعة (س٢) بالنسبة له، لأن هذه الآلة تدور مع الأرض في دورانها حول محورها، والشعاعة (س١) متعامدة على السير بينما الشعاعة (س٢) موازية له؛ فمن هذا الاعتبار ينتج أن سرعة (س٢) بالنسبة لجهاز ميكلصون عندما تكون الشعاعة (س٢) سائرة نحو (م٢) هي: ص - ح. . . . . . . . . (معادلة ١) حيث أن (ص) رمز لسرعة الضوء المنطلقة خلال الأثير، و (ح) رمز لسرعة الأرض حول محورها. وعندما تنعكس الشعاعة (س٢) عن (م١) تصبح سرعتها بالنسبة للجهاز هكذا: ص + ح. . . . . . . . . (معادلة ٢) أما الشعاعة (س١) فلها نفس السرعة في سيرها نحو (م٢) لأنها مركبة من سرعتين متعامدتين مثلاً، ولكنها في ذهابها وإيابها في كلتا الحالتين ستكون متعامدة على اتجاه سير الآلة أو الجهاز، وستكون مقدار هذه السرعة: . . . . . . . . . (معادلة ٣) . . . . . . . . . (معادلة ٣) وذلك لأنها مركبة من سرعتين. على هذا الأساس رتب الدكتور ميكلصون وزميله الأستاذ مورلي جهازهما في الأوضاع السابق ذكرها، وأخذا يرقبان الشعاعة (س٣) من النقطة (د) فارتسم أمامهما نظام متداخل ناجم عن تداخل الشعاعتين في بعض، وعندما أديرت الآلة بكامل أجزائها حول المحور (ن) بحيث أصبحت (م - م١) متعامدة على اتجاه حركة الأرض بعد أن كانت موازية، واتخذت الشعاعة (م - م٢) وضعاً موازياً لحركة الأرض بعد أن كانت متعامدة. فكان المنتظر أن هذا التغيير يسفر عن تغير سرعة الشعاعتين بالنسبة للآلة في الزمن الذي تستغرقه كل من الشعاعتين في سيرها من المركز (ن) إلى المرايا المعاكسة ورجوعها إلى

стр. 10444

(ن) ثانية. ومن البديهي أن الزمن الذي تستغرقه الشعاعة (س٢) في وضعها الجديد أقل من الزمن الذي استغرقته وهي في وضعها القديم؛ أعني أن شعاعة النور في سيرها في اتجاه متعامد - بشرط أن تعكس الشعاعتان وتردا إلى مصدرهما، وإدارة الجهاز حول محوره تسعون درجة - لابد وأن تسفر عن إبطاء الشعاعة الواحدة في رجوعها إلى (ن) وإسراع الشعاعة الأخرى في هذا الرجوع. هذا الإبطاء والإسراع يؤثران في النظام الداخلي، إذ تنقص بعض الحلقات وتختفي حلقات الوسط وتبدو حلقات جديدة تتسرب للنظام من طرفه الخارجي. ذلك لأن تباطؤ الموجة الواحدة في رجوعها يفضي إلى تداخل جديد مع حركة الموجة الثانية التي أسرعت في الرجوع. ولما كانت سرعة الأرض حول محورها معلومة، وسرعة النور في الفضاء الأثيري معلومة كذلك، فمن المستطاع قياس الفاصلتين (م - م١) و (م - م٢) واستخراج طول موجة النور، وبذلك يصبح من الممكن حساب التأخير اللازم حدوثه إذا ما أديرت الآلة ومقدار التغير اللازم طروؤه على عدد الحلقات من تقلص واحتجاب. على مثل هذا الأساس العلمي الدقيق أجريت تجربة ميكلصون، ولكنها أسفرت عن نتيجة سلبية إذ لم تتغير الحلقات ووصلت الشعاعتان معاً. ثم أعيدت التجربة مع الدقة الشديدة ولكن لم تسفر عن نتيجة. (بقية البحث في العدد القادم) إسماعيل أحمد أدهم

стр. 10445

أندلسيات ٣ - قصة الفتح بن خاقان للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي أخلاق الفتح نقول إن ابن بسام كان أعفّ لساناً، وأنزه بياناً. أمّا الفتح ابن خاقان فقد كان مقذعاً هجاء إلى أنه كان مداحاً فصالاً، فمن أرضاه وألهاه، مدحه وفتح لهاه؛ ومن لا يرضخ له من ماله بما يرضيه، هجاه وأقذع وولغَ فيه. وربما دسّ له لدى أولى الأمر وضرّاهم عليه. ومن ذلك ما كان منه مع فيلسوف الأندلس أبي بكر بن الصائغ وطبيبها الأكبر أبي العلاء بن زهر كما سيمر بك قريباً. . . وقد كان مع ذلك سكيراً معربداً إلى هنوات أخرى لقد يندى لها جبين الأدب، وقعدت به عن بلوغ المراتب التي بلغها أمثاله ومن هو دونه. قال الوزير لسان الدين بن الخطيب في حق الفتح: كان آية من آيات البلاغة لا يُشَق غباره، ولا يدرك شأوه، عذب الألفاظ ناصعها، أصيل المعاني وثيقها، لعوباً بأطراف الكلام، معجزاً في باب الحلي والصفات، إلا أنه كان مجازفاً مقدوراً عليه، لا يملّ من المعاقرة والقصف حتى هان قدره، وابتذلت نفسه، وساء ذكره، ولم يدع بلداً من بلاد الأندلس إلا دخله مسترفداً أميره. وأغلا في عليته. . . وقال ابن بشكوال في الصلة: وكان - الفتح - معاصراً للكاتب أبي عبد الله بن أبي الخصال، إلا أن بطالته أخلدت به عن مرتبته. وجاء في النفح أن الفتح قصد يوماً إلى مجلس قضاء أبي الفضل عياض - صاحب الشفاء - مخمّراً، فتنسم بعض حاضري المجلس رائحة الخمر، فأعلم القاضي بذلك، فاستثبتوحدّه حداً تاماً. وبعث إليه بعد أن أقام عليه الحد بثمانية دنانير وعمامة. . . فقال الفتح حينئذ لبعض من أصحابه: عزمت على إسقاط القاضي أبي الفضل من كتابي الموسوم بقلائد العقيان، قال: فقلت له: لا تفعل، وهي نصيحة، فقال: وكيف ذلك؟ فقلت له: قصتك معه من الجائز أن تنسى وأنت تريد أن تتركها مؤرخة، إذ كل من ينظر في كتابك يجدك قد ذكرت فيه من هو مثله ودونه في العلم والصيت، فيسأل عن ذلك فيقال له، فيتوارث العلمَ عن الأكابرِ الأصاغرُ؛ قال: فتبين ذلك وعلم صحته وأقرّ اسمه في (القلائد).

стр. 10446

ولقد أزلفنا أنه هجا الفيلسوف ابن الصائغ وأقذع في ترجمته له في القلائد، ثم مدحه وأثنى عليه في المطمح؛ وقد حدثنا الوزير لسان الدين بن الخطيب عن سبب هجائه إياه أولاً، قال: وحدثني بعض الشيوخ أن سبب حقده على ابن باجه أبي بكر آخر فلاسفة الإسلام بجزيرة الأندلس ما كان من إزرائه به في تكذيبه إياه في مجلس إقرائه إذ جعل يكثر ذكر ما وصله به أمراء الأندلس، ووصف حلياً، - وكان يبدو من أنفه فضلة خضراء اللون، فقال له: فمن تلك الجواهر إذن الزُمرّدة التي على شاربك. . . فثلبه في كتابه بما هو معروف. . . أما مدحه إياه بعد إذ هجاه فقد ذكر لنا العماد أن ذلك كان منه بعد أن أنفذ إليه مالاً استكفّه به واستصلحه. . . وإليك نُتَفاً مما كتبه في القلائد هاجياً، ثم مما كتبه في المطمح مادحاً: قال في القلائد: (هو - أي ابن الصائغ - رَمَد عين الدين، وكمد نفوس المهتدين، اشتهر سخفاً وجنوناً، وهجر مفروضاً ومسنوناً، فما يتشرع، ولا يأخذ في غير الأضاليل ولا يشرع، ناهيك من رجل ما تطَهّر من جنابة، ولا أظهر مخيلة إنابة، ولا استنجى من حدث، ولا أشجى فؤاده بِتَوار في جدث ولا أقر ببارئه ومصوره، ولا قر بتباريه في ميدان تهوره، الإساءة إليه أجدى من الإحسان، والبهيمة عنده أهدى من الإنسان، نظر في تلك التعاليم، وفكر في أجرام الأفلاك وحدود الأقاليم، ورفض كتاب الله الحكيم العليم. الخ الخ). وقد أورد له متعمداً أبياتاً ليست من جيد شعره. وأين هذا من تحليته له في المطمح بقوله فيه ما هذا بعضه: (نور فهم ساطع، وبرهان علم لكل حجة قاطع، تتوجت بعصره الأعصار، وتأرجت من طيب ذكره الأمصار، وقام وزن المعارف واعتدل، ومال للأفهام فنناً وتهدّل، إذا قدح زند فهمه أورى بشرر للجهل محرق، وإن طما بحر خاطره فهو لكل شيء مغرق، مع نزاهة النفس وصونها، وبعد الفساد من كونها، والتحقيق الذي هو للإيمان شقيق، والجد، الذي يخلق العمر وهو مستجد، وله أدب يود عطارد أن يلتحفه، ومذهب يتمنى المشتري أن يعرفه، ونظم تعشقه اللبات والنحور، وتدعيه مع نفاسة جوهرها البحور، الخ الخ). وأورد له شعراً جيداً. وكل أولئك تراه في ترجمتنا لهذا الفيلسوف الأندلسي العظيم. . . أما ما كان من الفتح من الكيد للفيلسوف الكبير والطبيب النطاسي الأشهر والوزير الخطير أبي العلاء زهر لدى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، فقد جاء في نفح الطيب ما نصه:

стр. 10447

(وكان بينه - أي بين أبي العلاء زهر - وبين الفتح صاحب القلائد عداوة، ولذلك كتب في شأنه إلى أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ما صورته: أطال الله بقاء الأمير الأجل سامعاً للنداء، رافعاً للتطاول والاعتداء، لم ينظم الله الملك بلبتك عقداً، وجعل لك حلاً للأمور وعقداً. وأوطأ لك عقبا، وأصار من الناس لعونك منتظراً ومرتقباً، إلا أن تكون للبرية حائطاً، وللعدل فيهم باسطاً، حتى لا يكون منهم من يضام، ولا ينال أحدهم إهتضام، ولتقصر يد كل مُعتدي في الطلام. وهذا ابن زهر الذي أجررته رَسَنا، وأوضحت له إلى الاستطالة سُنَنا، لم يتعدّى من الأضرار إلا حيث اشتهيته، ولا تمادى على غيّه إلا حين لم تنهه أو ألهيته، ولما علم أنك لا تنكر عليه نكراً، ولا تغير له متى ما مكر في عباد الله مكراً، جرى في ميدان الأذية مِلء عنانه، وسرى إلى ما شاء بعدوانه، ولم يراقب الذي خلقه، وأمد في الحظوة عندك طلقه، وأنت بذلك مرتهن عند الله لأنه مكنك لئلا يتمكن الجور، ولتسكن بك الفلات والغور، فكيف أرسلت زمامه حتى جرى من الباطل في كل طريق، وأخفق به كل فريق، وقد علمت أن خالقك الباطش الشديد يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وما يخفى عليه نجواك، ولا يستتر عنه تقلبك ومثواك، وستقف بين يدي عدل حاكم، يأخذ بيد كل مظلوم من ظالم، قد علم كل قضية قضاها، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فبما تحتج معي لديه، إذا وقفت أنا وأنت بين يديه؟ أترى ابن زهر منجيك في هذا المقام، أو يحميك من الانتقام، قد أوضحت لك المحجة، لتقوم عليك الحجة، والله النصير، وهو بكل خلق بصير، لا رب غيره والسلام. . . هذا جانب من خلائق الفتح: تحوّل وتقلُّب، ونقض لما أبرم، وإبرام لما نقض، وهجاء ثم مدح، ومدح ثم هجاء، ومناوأة للفلاسفة، واستعداد للملوك والأمراء عليهم، إلى ما أشرنا إليه آنفاً من خلعه العذار واستهتاره، وإهماله المعاقرة وفسوقه، حتى كان ذلك سبباً - كما يقول المؤرخون - في تخلفه عن لداته وقعوده عن بلوغ علياً الرتب التي بلغوها. ومن هنا كان حبه المال حباً نال من كرامته ونقص من قيمته وصّيره شهرة لدى العلماء والأمراء وسائر العلية والسروات. ومما يؤخذ عليه أيضاً غروره واعتداده بنفسه إلى أقصى حد؛ ولا أدل على ذلك من قوله في خطبة قلائده: (الحمد لله الذي راض لنا البيان حتى انقاد في أعنتنا، وشاد مثواه في أجنتنا، وذلل لنا من الفصاحة ما تصعب فملكناه، وأوضح لنا من مشكلاتها ما تشعب

стр. 10448

فسلكناه، فصار لنا الكلام عبداً يجيب إذا ناديناه، ومهما يصيب الغرض إذا رميناه). وبعد فقد كان هذا الأديب الألمعي الموهوب من أولئك الأدباء الذين أدركهم داء الانحطاط، ومثله كثير بين أدباء العرب والعجم والمشرق والمغرب قديماً وحديثاً. . . وهذا الصنف من الأدباء والفنانين جدير بالرحمة والرثاء، لأن عبقريتهم هي سر انحطاطهم، إذ العبقرية في الحق شعبة من الجنون كما شرح ذلك لمبروزو وماكس نوردو وغيرهما. وقد كان انحطاط هذا الأديب سبباً في قتله. . . وفي أنفة مؤرخ كبير وأديب نابغ هو ابن الأبار القضاعي من ترجمته والتعرض لذكره، فقد قال هذا ابن الأبار في معجم أصحاب الصدفي: إنه لم يكن مرضياً وحذفه أولى من إثباته. ولذا لم يذكره في التكملة. أما قتله فقد قال ابن سعيد في المغرب - بعد كلام - ما نصه: (وقد رماه الله تعالى بما رمى به إمام علماء الأندلس أبا بكر ابن باجَّه، فوجد في فندق بحضرة مراكش قد ذبحه عبد أسود خلا معه بما اشتهر عنه وتركه مقتولاً. . . . . . . . .). . . وقال ابن دحية إنه قتل ذبحاً بإشارة على بن يوسف بن تاشفين. . . (يتبع) عبد الرحمن البرقوقي

стр. 10449

٦ - معركة عدوى للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي كانت القوة مؤلفة من أربعة أفواج وسرية خيالة وبطرية جبلية. وكان لدى كل سرية مشاة يبلغ عددها (٢٠٠) جندي، أربعة طليان وهم رئيس وملازمان وضابط صف. أما الملازمان الآخران فمن الأهلين. ونظراً إلى التنسيق الجديد بلغت القوة في المستعمرة ما يلي: ١٧١ ضابطاً طليلنياً ١٤٠٠ جندي طلياني ٣٧ ضابطاً أهلياً ٤٤٠٠ جندي أهلي - ٦ , ٠٠٨ المجموع وفي سنة ١٨٩٥ أحدث الحاكم العام الجنرال (باراتيري) احتياطاً من الجنود المسرحين يتألف من ثماني سرايا تبلغ قوتها ١٧٠٠ جندي. وأطلق الطليان على الجندي الأهلي اسم (عسكري). ولما توترت العلاقات أنجد الطليان جيش المستعمرة بقوات أخرى جلبوها من إيطاليا. وفي الشهر الأخير من سنة ١٨٩٥ بلغت النجدة أربعة أفواج قوة كل منها ٦٠ جندياً. ثم جعلوا القوة الأهلية ثمانية أفواج بعد أن كانت أربعة أفواج. وزادوا قوة السرية فيها من ٢٠٠ إلى ٣٠٠ جندي، وهكذا بلغت قوة الجيش ١٤ , ٠٠٠، منها ٢ , ٨٠٠ جندي طلياني. وبإضافة قوة الاحتياط إلى ذلك أصبحت قوة الجيش ١٨ , ٠٠٠ جندي، وفي معركة عدوى كانت قوة الجيش كما يلي: لواء الجنرال (البرتونة) وكان مؤلفاً من أربعة أفواج أهلية وبطريتين طليانيتين وبطرية أهلية. لواء الجنرال (دابورميدا) وكان مؤلفا من ستة أفواج طليانية وفوج أهلي وأربع بطريات

стр. 10450

طليانية. لواء الجنرال (اريموندي) وكان مؤلفاً من خمسة أفواج طليانية وسريتين أهليتين وبطريتين طليانيتين. لواء الجنرال (اللانا) وكان مؤلفاً من ستة أفواج طليانية وفوج أهلي وبطريتين طليانيتين سريعتي الرمي وسرية هندسة. فالجيش كان مؤلفاً من ثلاثة وعشرين فوجاً، وسريتي مشاة، واثنتي عشرة بطرية، وسريتي هندسة؛ وكان مجموع القوة: ٥١٠ ضباط، و ١٢ , ٤١١ جندياً إيطالياً، و ٧ , ٣٣٠ جندياً أهلياً و ٦٤ مدفعياً، ومجموع رجاله ٢٠ , ٢٥١ رجلاً، وهكذا يصيب كل ألف جندي ٣١١ مدفعاً، وكانت هذه النسبة جيدة في ذلك الزمن. أسلوب التعبئة الطليانية كانت كتب التعليم الطليانية شائعة في جيش المستعمرة، إلا أن بعض أحكامها عدل نظراً إلى حالة العدو. وكان بعض هذا التعديل، الحركة في ميدان المعركة بالنظام المنظم، والانتشار بصف واحد، على أن يكون الجنود متجانبين دون فرجات. وظهر من حركات البريطانيين على المهدي أن هذا الأسلوب لا يفي بالمرام تجاه صولة الأحباش الذين يظهرون شجاعة فائقة في حملاتهم، فاستفادت القيادة الطليانية من حركات البريطانيين وقررت أن تترك قدمات احتياط في الخلف لتنجد الخط الأول عند الحاجة أو لتكون متأهبة للطوارئ. إلا أن الضباط لم يتعودوا هذا الأسلوب تماماً لما وقعت معركة عدوى، ولا سيما أنهم كانوا قد تدربوا على أساس التعبئة الأوربية قبل مجيئهم إلى المستعمرة. ليس من السهل دخول القتال في مستعمرة بعيدة عن الوطن ما لم تنظم أمور السوقيات؛ والظاهر من تدابير الطليان أنهم لم يضعوا خطة ناجحة لشؤون النقلية ولم يمهروا فيها، فاتخذوا الميناء (مصوع) قاعدة للحركات وأرسلوا إليها القطعات والتجهيزات على التعاقب دون ترتيب. فكانت التجهيزات ومواد الإعاشة تكدس هنا وهناك بصورة يصعب نقلها من الميناء إلى الداخل.

стр. 10451

والأغرب من كل ذلك أن الحكومة الطليانية كانت ترغب في إدارة رحى الحرب دون إنفاق المال. ولما طلب الجنرال باراتيري المال أجابه رئيس الحكومة (كريسبي) بأن نابليون الأول كان يحارب حروبه بمال العدو؛ قال هذا ناسياً أن الساحة التي يتحرك الجيش فيها هي أرض قفراء لا ماء ولا أقوات كافية فيها. الشروع في القتال توترت العلاقات في مايو ١٨٩٤. وفي آخر شهر من هذه السنة ظهرت علائم التمرد في جنوبي أسمرة. وكان المحرض على ذلك رأس تيجري (منيغسيا)، ولما سمع الطليان أنه يجمع الجنود طلبوا منه تسريحهم فلم يجب طلبهم. وعلى أثر ذلك تقدمت القوة السفرية المكلفة بستر أسمرة ومصوع بقيادة الجنرال (باراتيري) إلى شمال نهر مارب وعسكرت هناك. وفي ١٣ يناير ١٨٩٥ عبر (منيغسيا) نهر بلزة فتقدم الجنرال نحوه ونشبت المعركة في كواتيت. ورتب باراتيري ثلثي قوته مع البطرية الجبلية في الخط الأول، وترك باقي القوة في الخط الثاني لحماية جانبه الأيسر. وكان الأحباش يسعون للالتفاف حول هذا الجانب إلا أن إرسال الوحدات الأهلية للنجدة، وثبات الطليان في الجبهة، واشتراك جميع القوات في القتال على التدريج مما ساعد باراتيري على الاحتفاظ بموقفه، وتوقف القتال بعد الظهر واستمرت المناوشات الخفيفة إلى المساء وانسحب الأحباش ليلاً. وشرعت القوات الطليانية في المطاردة في ١٥ يناير ١٨٩٥ وتقدمت طول النهار ولحقت بالأحباش في سنافة. وبعد إطلاق بضع طلقات انسحب الأحباش، وتقدم الطليان على طريق الهضبة دون أن يضطروا إلى عبور الأنهار، ودخلوا ادجرات في ٢٥ أبريل ١٨٩٥. وفي شهر مايو بدأ موسم الأمطار الغزيرة فتوقفت الحركات. أما الأحباش فأخذوا يجمعون قواتهم لمقاتلة الطليان، وكانوا يأملون أن يتم الحشد في الخريف، فشرع الأحباش في الهجوم على الطليان لإخراجهم من البلاد. أما الطليان فأنجزوا تحكيم موقع ادجرات في شهر يونيو. والموقع كما نعلم يرتفع عن سطح البحر ٢٥٤٥ متراً وهو صالح لإقامة الأوربيين من حيث الهواء. وهو أيضاً موقع خطير في حد

стр. 10452

ذاته. ففيه تلتقي الطرق الممتدة إلى مقاطعة شوعا ومقاطعة أمحرة، فضلاً عن كونه واقعاً في نقطة ملتقى الجبال، ومنه تتشعب سلسلة عدوى التي تفصل حوض (تكاه) وتوابعه عن حوض (مارب) وتوابعه. وقرية عدوى عاصمة المقاطعة، وعلى مسافة خمسة وعشرين كيلومتراً منها تقع أكسوم العاصمة الدينية، حيث يتوج عواهل الحبشة. واحتل الطليان عدوى أيضاً في شهر أبريل، وبذلك استولوا على خط (ادجرات - عدوى) فسيطروا على المسالك المؤدية إليه، وجعلوا حوضي النهرين تحت نفوذهم. واستمروا على التقدم من ادجرات سالكين المرتفعات التي تفصل بين أحواض الماء، ودخلوا قصبة (مكلة) أيضاً وحكموها. وعلى هذا الأسلوب تحركوا بحذر وشيدوا القلاع على طول الخط بمراحل ٣ إلى ٥ أيام. وكان من الضروري الاهتمام بالمواصلات التي تربط هذه القلاع بالساحل. ولا شك في أن توسيع دائرة احتلالهم على هذه الصورة جعلهم ضعفاء في كل محل، لأن القوة لم تكن تكفي لحراسة خطوط المواصلات، والدفاع عن هذه القلاع وتهيئة قوة سيارة تتحرك عند الحاجة لضرب الأحباش، لأن القوة لم تزد حينئذ على ١٨ , ٠٠٠ رجل. أما الخط الذي انتشرت عليه القوة فيبدأ من (كسلا) ويمر بخط (كون - اسمرة - ادجرات) وينتهي في (مكلة). وكانت الأخبار تؤيد تأهب الأحباش للمعركة الفاصلة. ولم يكتف الطليان بنشر قواتهم على ذلك الخط الطويل بل أوفدوا قوة ستر مؤلفة من فوج أهلي وفصيلة مدفعية إلى جنوبي (مكلة) في مرحلتين إلى (امبا - الاغى). وفي نهاية السنة هاجم الأحباش هذا الموقع فدافعت القوة دفاعاً مستميتاً، ولم يتلق آمرها أمر الانسحاب إلا متأخراً بعد أن قضى الأحباش على قوته وغنموا مدفعيته، بينما كان الموقف يتطلب أن يبلغ هذا الآمر واجبه الأصلي وهو الدفاع الرجعي دون دخول قتال فاصل. وكانت القوة الحبشية مؤلفة من ٣٠ , ٠٠٠ رجل يقودها الرأس (ماكونين) والد الرأس (تفري). وكان الجنرال (اريموندي) بكوكبه (بقسمه الأكبر) في مكلة، ولما تيقن أن الأحباش سوف

стр. 10453

يهاجمونه وأنه لا يستطيع الدفاع أمامهم قرر الانسحاب، فانسحب بسرعة إلى (اداجاموس) ثم إلى (ادجرات) وترك في مكلة فوجاً أهلياً مع مدفع جبلي فقط. أما النجاشي منليك فكان مهتماً بجمع الجيش ليملي إرادته على الطليان ويهيئ سبيل الخلاص لبلاده. وبعد أن جمع المال المطلوب من مقاطعة الغالا، وأنجد جيشه بخياله الغالا، وصل إلى أديس أبابا وأعلن إلى الجميع أن الحبشة لا تحتاج إلى أحد بل تمد يدها إلى الله، فتولى قيادة جبشه بنفسه وجمع جميع الرؤوس في (بروميدا) وصرح لهم ولجميع المشايخ والأشراف برغبته في طرد الطليان من البلاد وإنقاذها من مخالب الاستعمار. فوافقه الرؤوس على ذلك بالإجماع، وكان المشهد مما يثير الحماسة في الصدور، وكانت قوة الجيش الحبشي مع قوة جيش (ماكونين) تبلغ ١٦٠ , ٠٠٠ رجل. فحاصر ماكونين قلعة مكلة وأخذ يدكها بنار مدافعه، وقطع عليها طرق الماء. فاضطرها إلى التسليم في ٢٥ ديسمبر ١٨٩٦ ووافق النجاشي على عودة الأسرى الطليان إلى بلادهم لينشروا الرعب في قلوب الطليان الآخرين. ولما انتشرت أخبار انتصار الأحباش في المستعمرة ساد القلق والرعب في قلوب الناس، وفكر الطليان في الدفاع عن ميناء مصوع أيضاً. وقررت القيادة حشد جميع القوات في ادجرات لصد تقدم الأحباش ما عدا الحاميتين اللتين في كرن وكسلا، وكانت قوة الحامية منها مؤلفة من فوج وسرية خيالة وفصيل مدفعية. (يتبع) طه الهاشمي

стр. 10454

مؤتمر القلوب للأستاذ السيد محمد زيارة سألت نفسي بعد تأمل وتفكير: (ماذا يكون لو أمكن كلُّ إنسان أن ينكمش حتى يختفي في قلبه، وأمكن قلبه أن يتسع حتى يحويه؛ فيظهر للناس عارياً لا يكسوه إلا الشغاف، ويصبح الشخصُ المنطوي على قلب قلباً منطوياً على شخص، وتمشي القلوب وتنتقل، وتدب حيث تحب؟ أتنكشف السرائر، وتسفر الخفايا، وتباح الأسرار؛ ويستطيع كل قلب أن يعرف ما له عند الآخر بغير حاجة إلى رسول بينهما قد يصدق وقد يكذب، ويتبين المرء ما يكنُّه له حبيبه أو صديقه خالياً من الزيف والرياء؟). وكان سؤالا غريباً جديداً، فحيرني الجواب عليه؛ ثم رأيتني في الرؤيا أجرب هذا. . . فانقبضتْ أطرافي إلى بدني، وانحصر بدني في قلبي، فأصبحت قلباً ومضيت لشؤوني في الحياة؛ ووجدتني مقبلاً عليها بتلهف وشوق كما يقبل على الحرية سجين أطلقوه. فهو يندفع إليها بقوة، ويتقلب على رحبها بشغف، كأنه يريد أن يجنح فيها فيملأها. وهي تتلقاه هاشة باشة، وتتفتح له حيث اتجه، وكأنها تريد أن يمتزج بها فيصير منها. ثم وجدتُني هنا وهناك طلْقاً موزّعا متحيراً لا أستقر، ولا أعرف كيف استقر، ولا أفهم معنى الاستقرار. وزعمت أنني لم أوجد في الحياة إلا لأتحسس الجمال وأتلمس الحب، وخيَّل إلى وهمي أن الجمال في كل لحظة يناديني، وأن الحب في كل بقعة ينتظرني؛ فجننت بالجمال والحب، وحلَّقتُ في سمائها بأجنحة الخيال حتى كدت أتحطم أو تحطمتُ. . بين شقاء يجرُّني إليه الهجر، وشقاء يجرني إليه الوصال. ورأيت العيون من حولي تلتهمني بنظرات هي التعجب والاستغراب، وكأنها تتخاطب قائلة: (ما لهذا القلب لا يهدأ؟) حتى كادت تشعرني بأنني وحدي أصفق للجمال وأخفق بالحب. ولكني لم أحفل بالنظرات ولم أهب العيون، وسرت في طريقي كما أنا قلباً مهموماً شديد الخفقان. ثم رأيتني مدعوَّا إلى مؤتمر دعيتْ إليه القلوب جميعاً؛ ففرحتُ بهذه الدعوة ونشطت إلى الائتمار. وتوافدنا نحن القلوب يسابق بعضنا بعضاً، ويحمل كل منا في أعماقه ما يحمل. فهذا قلب صاف لا رنق فيه ولا غبار عليه؛ وهذا قلب درِنٌ غلب على بعضه الدرنُ وغلب

стр. 10455

على بعضه النقاء؛ وهذا قلب أسخمُ لم يبق أثر لطبيعته؛ وهذا قلب كبير؛ وهذا قلب صغير. ووقفتُ أرنو إلى ذلك الحشد الحافل وأستمتع بما فيه من مشاهد غريبة كانت محجوبة عني أو كنت محجوباً عنها؛ وأخذ كلُّ قلب يتطلع إلى القلوب حوله، ويستمتع استمتاعي وكأنه يحس ما أحسه من دهَش يصحبه فرح، ومن رهَب تصحبه لذة. ورأيت على بعد غير سحيق من مكاني قلباً تقلص أديمُه، وشاه مظهرُه؛ فدلَّنا على باطن غاسق كالليل؛ والقلوب كلها نافرة منه صادفة عنه، كأنه قتاد يشوك من يقربه، أو مخلوق وحشي يلتهم من يلمسه. وهو في مكانه يوزع عليها نظرات ممتعضة ساخطة ملأى بالتمرد والتوعد. فسألتُ: (ما لهذا القلب لا يجد منا صاحباً ولا نجد فيه أهلاً للصحبة؟) فقالوا: هذا قلب رجل لا يعيش إلا ليبثَّ الفساد بين قلوب عارفيه، ولا يستريح حتى يشي بين صديقين متفقين، أو يعكر ما بين حبيبين ناعمين، أو يسيء إلى أحد ما. فتراه يبتسم لهذا، ويداعب ذاك، ويوسوس إلى ذلك؛ حاسباً أن في ابتسامته ودعابته وريائه ستاراً لحقده وخبثه وخسته؛ ولكن هيهات. . فكلنا يعرف ما في جوفه، وكلنا يحتقره وينبذه ويلعنه، وكلنا يود الآن لو يسحقه فيريح الوجود من وجوده. ورأيت في ناحية أخرى قلباً شفَّ لونه، وأضاءت سحنته، فدلّتنا على دخيلة بيضاء كالشمس، والقلوب كلها - إلا ذلك القلب الداكن وأمثاله - متهافتة عليه، متوددة إليه، تصافحه وتحييه؛ فيصافحها ويلاقيها بتحيات زكيات ملأى بالبر والقناعة - فسألت: (ما لهذا القلب لا يجد منا قالياً ولا نجد منه داعياً للقلى؟) فقالوا: (هذا قلب رجل تقي كريم يعرف الله ويخشاه، نصب نفسه لهداية الناس، وقضى أيامه يجاهد الرذيلة ليحي الفضيلة، ويكره الشر، ويحب الخير. فطالما سعى ليوفق بين صديقين مختلفين، أو يصلح ما بين حبيبين تاعسين، أو يحسن إلى أحدٍ ما؛ فتراه يرشد هذا، ويعلم ذاك، وينتزع الغواية من ذلك، صادقاً في كل ما قال وكل ما فعل، مصلحاً أينما حل. فكلنا يعرف فضله ويقدره ويحترمه ويود لو يرفعه فيجعله في السماء. ولفتَ بصري قلبٌ غلا دمه، وتصاعد البخار من فتحاته، وكاد يندلع اللهب من جنباته؛ حتى خلتُه تنُّوراً تنصهر فيه جدرانه جزءاً فجزءاً، ويشتد أزيزه كلما استعر جوفه. يروح ويغدو بين القلوب هائجاً كالمشرّد، حائراً كالنصال، لا تفتر قواه ولا ينقطع خفوقه. فتساءلنا

стр. 10456

عما به فوجدناه قلب محب فارقه حبيبه فبرّح به الشوق، وأضناه الألم؛ فهو ظمآن لهفان يبحث عنه بيننا علّه يلقاه فينقع اللقاء غلته، ويبرد لهفته. فقلت: آه!! ما أعظم سلطان الحب. . آمنت بأن في الحياة قلوباً تحار حيرتي وتكابد ما أكابد. وكان بين القلوب قلبٌ خالٍ كالبيضة إذا أفرخت، سافر كالمرأة إذا تهتكت، باهت كالشمس إذا تنقبتْ بالسحاب. فكان أشبه شيء بالإسفنجة؛ وأعجبني منظره الفاتر الخالي من كل قرائن الحياة، لأنه شاذ بفتوره وخلوه منها، وأخذتُ أراقبه مليا لأقف على سره لو كان لمثل هذا القلب سر؛ فوجدته إمعة يظل ساكنا كالنائم فلا يتحرك حتى يحركه غيره، ولا يتوجه حتى يوجهه غيره، ولا يعمل إلا ما يمليه عليه غيره. يدنو منه قلب من تلك القلوب السوداء هامساً موسوسا فلا يلبث حتى يسودّ ويتشكل بشكله، ثم يدنو منه قلب من تلك القلوب البيضاء الناصعة محدثاً مبشراً، فلا يلبث حتى يبيضّ ويتشكل بشكله، وهكذا هو في كل أحواله مقود لا إرادة له ولا صفة. فسألتُ عنه فقيل لي: هذا قلب شاب ساذج أبله مغرور بنفسه، مخدوع بغروره، لم ينكبه الدهر، ولم تكرثه العوادي؛ فعاش كما تراه سليماً من الشر ومن الخير، بعيداً عن الحزن وعن الفرح، وحسب أنه عاش كذلك برغبته وقدرته، وأنه استطاع أن يهزأ بالأحداث لأنه فوق متناولها؛ ولم يعرف أن الله خلقه ضعيفاً فأنكره الدهر، وهزأت بوجوده الأحداث. ووقع بصري على قلب تراه واقفاً فلا تحسبه واقفاً لدأبه على الدق والتوثب، ولا تفهم من خفقانه المتواصل معنى خفقان القلوب. وإنما تفهم معنى الجبروت والصولة والعربدة!! ينظر إلينا شزرا ويتطلع إلى محيطنا باستخفاف؛ ثم يصرف عنا بصره ويتطلع إلى أبعد من محيطنا باستخفاف؛ كأنه لا يشعر بنا وكأنه يعتبر الكون أضيق من أن يَسَع قوته وعظمته، فلا يروح ولا يغدو إلا في تيه وخيلاء، ولا يقف إلا وقفة المتمرد المتحفز، وهو مع هذا أبكم، أصم، أعمى، كافر، لا يؤمن بالرحمة، قاس لا يعرف الآلام؛ فهو أشبه شئ بكرة من الحديد. قلت: قلب من هذا القلب القوي المتكبر؟ قالوا: قلب رجل شجاع جبار لا يهاب الصعاب، ولا يرضى الاستكانة، ولا يعرف التسامح، مفطور على الكبر والعظمة واستصغار الكبائر؛ واستضعاف الأقوياء، واستعباد الضعفاء. فهو يعتقد أنه مخلوق للغلبة والانتصار.

стр. 10457

ونظرت على يميني فرأيت قلباً استحق مني أن أطيل النظر إليه لما هو فيه من هم وكآبة، وقطعت فترة طويلة من الوقت شاخصاً إليه، متأملاً مشفقاً وأنا أحس أنه بائس وأن بيني وبينه صلة من البؤس مهما يكن بؤسه ثم ملت إليه وسألته: ماذا بك أيها القلب الحزين الباكي، ومالي أراك ساكناً ساكناً. . . تبدو في سكونك كاليائس المقشعر من يأسه، وكأني بك تستكثر على نفسك أن تعيش لأنك برم بالعيش!! إنك منا ولكنك غريب عنا؛ لا تخالطنا كما نتخالط ولا تحادثنا كما نتحادث؛ فما رأيتك منذ رأيتك إلا زافراً تكبت الزفرات، أو مستعبراً تخبأ العبرات، وأحسب أنك نكبتَ في حب فعشت في ذكرياته، وأن تلك الذكريات التي وصلت ما بينك وبين الماضي قطعت ما بينك وبين الحاضر: فماذا بك، وقلب من أنت؟ فانتفخ، ثم صعدت من فوهته زفرة ملتهبة، ثم صمت قليلاً، ثم رنا إليّ طويلاً، ثم قال: دعني لمأساتي فاللهب لا يحرق إلا من ألقي فيه. قلت: ولكني أريد أن أعرف مأساتك؛ فعسى أن أعينك أو أواسيك أو أتوجع لك. فصعدت من فوهته زفرة أخرى وقال: أواه. . . هذا شعور جديد في الحياة أو جديد في حياتي أنا فقط، وهذه كلمات لم أسمع مثلها منذ حين. فيالك من قلب طيب! إن مأساتي هي أنني بحياتي مأساة في الحياة!! لقد كنت محباً واليوم قد مات الحب، بل أنا محب؛ كنت هانئاً، واليوم قد مات الهناء. . . بالأمس كنت قلب فتاة عذراء مؤمنة، واليوم أنا قلب امرأة متخالعة متماجنة. . . امرأة مومس أقدمت على الدعارة مكرهة، ثم مستسلمة، ثم راضية،. . . امرأة ساقطة تبيع عرضها في سوق الفجور (الرسمي) كل يوم لكل من يدفع الثمن. . . مسكينة هذه البائسة المجروحة التي تحملني بين حناياها بائساً مجروحاً!! إنها تحاول كثيراً أن تسكتني وتخفيني، ولو استطاعت لقطعت ما بيني وبينها من شؤون وصلات، لتخلو لشؤون وصلات ذلك العالم الداعر الكافر الذي تعيش فيه بين ذبّاحي الإنسانية وهدّامي البشرية، وأنا في صدرها ألتاع وأتألم وأبكي وليست لي دموع إلا الدماء أستوردها من بدنها فيهزل قوامها، وهزال قوامها يذبل شبابها، وذبول شبابها يضيع جمالها، وجمالها هو حياتها الفانية التي لا خير فيها.

стр. 10458

الرجال يحدثونها دائماً عن مواضع الفتنة ومواطئ اللذات فيها، فلا تسمع رجلاً واحداً يحدثها عن مواطن الحسرة ومدافن الذكريات في أعماق نفسها، ويسألونها كل يوم عن شهوة بعد شهوة، ولا يسألونها: أي حزن دخيل ثقيل تحملين، وكيف تتعذبين!! إنها تضاحكهم وتداعبهم ترويجاً لخلاعتها بينما تباكيني وتناجيني تفريجاً لكآبتي، وهي في ذلك مضطرة إلى التظاهر بأنها امرأة بلا قلب ولا ضمير، وإلا اتهموها بأنها تحمل قلباً حياً وضميراً مستيقظاً، وعدوها بذلك خائنة لحرفتها غير حافظة لنعمتها. لقد حبستْني وحرَّمتْ علي أن يسمعني أو يشعر بي أحد، وما جئت إلى هنا إلا خلسة منها. فهي الآن في أحط أوقاتها بين أحط الرجال. ولكني لا ألومها فأنا الجاني الأول عليها،. . . لقد قادني الحب فقدتها أنا إلى معمعة العواطف، ثم قادتها العواطف المطلقة إلى مغانم الشهوات، ثم قادتها الشهوات الغريرة إلى مساقط الفساد، ثم إلى الهاوية التي لا مقيل لها منها إلا الموت. وبكى وبكيت له ورحت أواسيه بالقول لأن مأساته أكبر من أن أعالجها بالعمل. (البقية في العدد لقادم) السيد محمد زيادة

стр. 10459

عويل الدم (مهداة إلى الأستاذ الزيات) من وحي مقالة: (على هامش الموضوع) بقلم جورج وغريس (في يوم مشئوم، في بلد مجهول، جرى دم الشهداء على أديم الغبراء، وظل سحابة يومه شاهد الأرض للسماء؛ وفي الصباح الباكر مر عابر السبيل، فألفى الدماء قد استحالت إلى كلمات، فأخذ يلتقطها بيد مرتجفة ويلقيها في سلال حمراء وسوداء. . . وهاؤم اقرءوا تلك الكلمات. . . . . . . . . . . . . . . .) لقد قالوا للسان اصمت فتكلمنا. نحن القطرات المتساقطة من عيون الفناء، وحيث سقطنا ستظل الحقيقة قائمة إلى الأبد. إنما يعيش الإنسان بالدم الذي يجري في عروقه، فإن مات شهيداً عاش الناس بما يلقيه من الدم في عروقهم. لقد كذبت معاجم اللغة في كلمتين: (قعقعة السلاح) وصوابها (قعقعة الدم). ليس معنى الموت الموت دائماً، فقد يكون معناه الحياة أحياناً. أليس غريباً أن نهتف للحق مرتين: مرة في حنايا القلب، ومرة من ثنايا الأرض؟ لو أننا عدنا إلى حيث أتينا ثم خُيرنا في مصيرنا ما اخترنا غير هذا المصير. لقد فهمنا حاجة الأرض فأطفأنا ما بها من ظمأ. . . . أيها الثري الجائع. . . . لقد أتخمك الشبع! لقد قالوا لنا عيشوا في معاقلكم فانطلقنا منها أحراراً لما أحجم القوم تقدمنا، وحين أطفأ الناس أنوارهم أتينا لهم بالمشاعل. نحن مادة الحياة أينما حللنا. . . . . . عشنا في القلوب فخفقت، ولمسنا الأرض فنبضت. . ليت الإنسان يفهم أن للحياة معنى غير الذي دارت عليه أيام الأنعام، والحياة بغير هذا المعنى لا معنى لها. أنصتوا أيها الباكون حولنا واستمعوا، فإن قيثارتنا ترسل أنغامها السحرية.

стр. 10460

إن تفجرنا من القلوب أو جمدنا في العروق فنهايتنا واحدة: الأرض مثوانا وهي الأم الرءوم. أليست تلك أرض الوطن. . .؟ لقد خالطنا حبها فاختلطنا برغامها وتوغلنا في أعماقها وأضفنا إلى تربتها عنصراً جديداً لن يزول إلى الأبد. . . . . . أليس في كيميائها (المادة لا تفنى؟. . .). للمظالم البشرية سهام مسمومة وللنفس الشريفة دم كريم. . . . . . إن أصاب ذلك الدم سهم من تلك السهام أبت كرامته أن يعيش إلى جواره فيفلت من مكانه ناقماً عليه ثائراً على عدوانه. جبلت نفس الظالم من صخر لا قلب له ولا دم. فهو ينتقم لتلك الطبيعة الناقصة. فإن صادف قلباً أرهقه، وإن لاقى دماً أهرقه. لا تقوم في نفس ابن آدم نزعة إلى الشر إلا ويكون مبعثها شيطان فيه. ولا يجئ منه الخير إلا يكون مصدره الإنسانية في الإنسان. ونحن - وا أسفاه - نتيجة صراع بين النزعتين في نفسين مختلفتين. تضافرت الفضائل فغلبتها التضحية، وتنافرت الرذائل فجمعتها الأنانية. يا عابر السبيل. . اخلع نعليك، فإن الأرض التي تطؤها مقدسة! يا عابر السبيل. . . نحن غرباء مثلك، مطاردون مثلك، وقد أحاطتنا الحياة بهوانها حتى زجرتنا عن محيطها، وقذفت بنا الأرض قطرة حارة وزفرة متأججة تحرق الأديم وتلفح الوجوه. فإن بلغتك أنفاسنا المحترقة فخذ من حرارتها قوة لأنشودتك، ومن فيض آلامها املأ أنغامك سحراً وجلالاً وروعة. . . . . . يا عابر السبيل. . . . . . لا تخش أن يكون سبيلك سبيلنا وطريقك طريقنا. . . فإنما السبيل للمجد وعر والطريق إليه شائك، فلا تكتئب أو تحزن فمن وخزات ألمك تعيش الكرامة، ومن زفرات بكائك يشتق الخلود آيته. . . نحن الورود الحمراء التي سقتها الدموع وأنبتتها الأهوال. ستعيش جذورنا في أعماق الصخرة وتصمد أعوادنا المخضلة في وجه العاصفة، تتفتح أكمامنا للأجيال فتملأ النسمات بأريج عاطر ينعش الأنف ويغذي القلب ويثير الفؤاد.

стр. 10461

لنا في أذن الأجيال همسات، أسمِعوها يا هؤلاء لأولادكم وأحفادكم إن كان لكم ولهم آذان. واكتبوها على شغاف قلوبكم وقلوبهم بحروف من عصارة تلك القلوب. فإن كانت دماً نقياً رفعكم ورفعهم، وإن كانت دماً مارقاً خذلكم وخذلهم. (إسكندرية) جورج وغريس

стр. 10462

أحلام وذكريات للآنسة فردوس مصطفى من مشكاة الطفولة اللاهية الغافلة كان قلبي الخلي يطل على قوافل الحياة فيراها ويحس بها غير ما يراها ويحس بها الآن، وكان إحساسه بها حينذاك إحساساً قوي الفطرة جامح الغفلة يبهره من قافلة الحياة تناسقها ومظاهرها غير مدرك سرها وجوهرها. وكان يرقبها طوال الأعوام الثلاثة عشر، حتى إذا ما تحول إحساسه بها إلى بعض إدراكه لها نشأ عن هذا الإدراك الحسي شعور جديد دفع به إلى السير مع القافلة، فاندمج فيها ولم يعد يراها، ولكنه بدأ يعرف سرها ويدرك مداها. وعندما أذكر أحلام الأعوام الثلاثة عشر، وقد كانت كلها أحلاماً، أشعر بالماضي يجذبني نحوه وبالحنين يعاودني إليه؛ فأحلام الصغار وأمانيهم أسباب تصل ما بينهم وبين الحياة بسبائك من الذهب، ولأحلام الكبار وأمانيهم أسباب تصل ما بينهم وبين الحياة بحبائل من النصب، ويا شد ما يهفو القلب إلى القفزات المرحة في رحبة المدرسة، وإلى تلك الدمى المتراصة في الدار من مختلف اللعب، وإلى فساتين الأعياد الزاهية الألوان؛ كل ذلك له أثر في القلب، لأنه بدء علوقه وأول صباباته. فلما شب عن طوقه وبارح مشكاته أصبحت له صبابات غير تلك الصبابات، وأماني وأحلام غير تلك الأماني والأحلام، بذل فيها من دمه ونعيمه الشيء الكثير، فثار على الحياة يثأر لدمه الغالي ونعيمه الذاهب؛ وللقلب حين يثور فلسفة يحتار في غاياتها العقل؛ وللقلب حين يثور أفانين يقصر عن إدراكها الفكر، ولكنها فلسفات وأفانين هي أقرب إلى السماء منها إلى الأرض؛ تدمجه في الروح الخالص فلا يشعر بما على الأرض من مادة طاغية، ولا يحس من بهرج الحياة وظاهرها بسعادة خاوية. فهناؤه فوق المادة، ونعيمه موصول بالسماء، وبين الفينة والفينة يعاوده الحنين إلى ذكريات الطفولة وأحلامها، وإلى المشكاة وأيامها، فيخيل إليه أنه يستطيع أن يطل على الحياة كما كان يطل، وأن يرقب القافلة كما كان يرقب، ولكن هيهات! فردوس مصطفى عجز التجارب

стр. 10463

للأستاذ عبد الرحمن شكري ما زاد مَرُّ حياتي غير أشجاني … فَزَوَّدَتْنيَ رجحاناً كنقصان يا دهر لا تُنْسِني في ضيق عادية … محاسن العيش من صبر وغفران وقَوِّنِي بتجاريب أزاولها … فإنها لم تزدني غير عرفان وكيف يُلْهِمُ خُبْرٌ صَبْرَ مصطبر … يَمْرِي له الخُبْرُ عرفاناً بإيهان يزيده العمر من وَهْيٍ ومن كِبَرٍ … ما زاده العمر من خُبْرٍ بِحِدْثَانِ فكيف ينفع تجريبٌ ومانحه … يوهي جلادة أعصاب وجثمان بعض التجارب يُنْسِي بعضها زمناً … إذا تعاور لبَّ المرء ضدان فإن تيقَّظ في تجريب طارقةٍ … فإنما هو يقظانٌ. كوسنان ضرورة العيش أن ينسى ليذكر ما … يغدو يعالج من أمرٍ له ثان فالمرء ما عاش من حال لثانية … مَنَقَّلٌ بين نسيانٍ ونسيان فإنْ تذكَّرَ أمراً واحداً أبداً … قضى الحياة غريراً جد غفلان وإن تناسى فلا نَفْعٌ لخبرته … وكيف يُجْديهِ مَنْسِيٌ بغنيان فإن تذكر منسياً تبادهه … منه فجاءة ما يقضي الجديدان كأنه مُستَجَدٌّ لم يُلِمّ به … ولم يُحوَّلْ إلى طبع ودَيْدان ورب طبع بلا خُبْرٍ وتجربةٍ … أسخى على المرء من خبر وعرفان ذُخْرُ التجارب ذخرٌ لا رواج له … ولم يُخَصّ بأرباح وأثمان ذخر الأقاصيص مسحوراً ومُخْتَزَناً … فليس للعين منه غير ريعان إلاَّ تجارب علمٍ يُستَجَدُّ بها … ما يملأ العيش من حسن وإحسان لولا انتفاعك من عادٍ مُفَضَّلَةٍ … قد تجتبيها مع التجريب في آن لما خُدِعْتَ بأشباهٍ إذا اختلطت … فعادةُ المرء والتجريبُ أمران والخُبْرُ ليس بنافٍ عادةً شنأت … ولا يُداوَى به من وهي أبدان يزيدك الخُبْرُ علماً بالحياة وما … تُغْرِي به الناس من شرٍّ وطغيان حتى تسير على مجرى سجيتهم … فلا يزيدك فيها غير إمعان

стр. 10464

فإن أبيت سجايا الناس من شمم … قضيت عيشك في هم وأحزان إلاَّ إذا ما لبست الدهْرَ عافيةً … فهيأت لك من صبر وغفران عبد الرحمن شكري

стр. 10465

السجينة للأستاذ فخري أبو السعود لك الله كم ذا تطمحين وأعزف … وأثنيك عما تبتغين وأصرف ويا نفس كم أزوّرُّ عما اشتهتِهِ … وأُعنى بما لا تشتهين وأكلف وأحجم عما رمتني فيه مُقْدماً … وأُقدِمُ فيما تكرهين وأسرِف وأبدي سوى ما تضمرين مكتِّماً … جوى لك في الجنبين لا يتكشف تُجِنِّين تهياماً ووجداً ولهفة … وأُظهر أني الزاهد المتعفف وتخفين إشفاقاً وأُبدي جلادة … وأَغلُظ يا نفسي عليك وأَعنُف وأكظم غيظاً قد أطاشك فرطه … وأُجمل للباغي المسيء وألطف كأنك في الجنبين منِّي سجينةٌ … تعذب في ظلمائها وتحَيَّف وتُكبح عما تشتهيه وتبتغي … وتُقمع أشواقٌ لها وتَشوُّف ظلمتك لم أظلِم سواك من الورى … وما من خلالي قسوة وتعجرُف ظلمتك، لا يا نفسُ بل تظلمينني … وأصفح عما تُسلِفين وأصْدِف أما كلّ يوم مذهبٌ لك شائق؟ … أما كل حين مأربٌ بك مُلْحف أما كل آن غايةٌ إثْرَ غاية … أكلّفُ في إدراكها ما أكلّف وسيان محمودُ العواقب نافع … لديك ومذمومُ المغبة مُتْلِف أما تشتهين اليوم ما يُجْتَوى غداً … ويُقْلى لديك اليوم ما كان يشغَف؟ وهل أنا مُسطيعٌ رضاك لو أنني … على العالمين الحاكم المتصرف؟ ولو أنني عمرْي أُجاريك لم أعِشْ … عن النهج إلا حائداً أتعسف كلانا أيا نفسي بلاءٌ لخدنه … نعم وكلانا ناقم ومعنِّف نعيش كأنّا اثنان لم يتعارفا … وما لهما في الدهر شمل يُؤَلف ظلمتكِ خدناً صاحباً وظلمتِني … فَعَلّ فراقاً آتياً هو أنصف فخري أبو السعود

стр. 10466

أُغنية بين يدي الشمس تشرق تحت السحاب للأستاذ إبراهيم إبراهيم علي وجهُ من يا فجر هذا ما بدا … من وراء الغيب في الأفق الجميلْ؟! سحَرَ الطيرَ، فغنّى وشدا … وترامت بهجة الدنيا تسيل لهبٌ يندى على الكون ندى! … ناضر الجمرة كالخد الأسيل! وجمالٌ في جمالٍ في جمالْ ية للحق في عليائها … تختفي في السحب شيئاً وتبين يقف العقل لديها تائهاً … وهي أم العقل والصبح المبين غيمة واحدة تلهو بها … تحجب الغرّاء حيناً بعد حين أفسحْرٌ، ليت شعري، أم دلال؟ أفهزلٌذاك يا أم الحياه؟ … لعبٌ في الأفق، لهو في السحاب! هاهو الكون جميعاً يا فتاه … يرقب الأضواء من خلف الحجاب يسكب النور، ولكن لا نراه! … ثم يبدو من ثنيّات الضباب في العلا نورٌ وفي الأرض ظلالْ! بل هو الجدّ، ولا هزل هنا! … بل هو الحق، ولا حق سواه بل هو الله، تجلى ودنا … وتباركت قديماً يا إله! تبعث الشمس كأطياف المنى … كالرؤى يوماً، ويوماً كالمهاه وجمالاً في جمالٍ في جمالْ (قليوب) إبراهيم إبراهيم علي المحامي

стр. 10467

حَنين للأستاذ رفيق خوري واهاً على زمنٍ ما كان أقصرَهُ … فديتُهُ بدمي لو صانه الزمنُ نفضتُ منه يدي والحرصُ يُمسكه … والمرءُ حيثُ أراد الدهر مرتهَنُ إن الذين دعتهم نيَّةٌ قذُفٌ … سر الضمير، وقد فارقتهمْ علنُ لا يستجيبون للمضنَى، فدىً لهمُ … نفسي، وكنتُ إذا ناديتُهمْ أذِنوا أكلما لاح برقٌ من ديارهمُ … أجابه من دموعي عارضٌ هتن؟ ما حيلةُ المرء في الدنيا بنافعةٍ … إذا أُريد به الترنيقُ والحَزَنُ ضَلّ الفؤاد الذي طار الفراقُ به … لهفي على هائم ما إنْ له سكن يا ليت شعري يدانينا السرور كما … كنا، ويجمعنا بعد النوى وطن؟ حمص رفيق خوري

стр. 10468

القصص صور من هوميروس ١٦ - حروب طَرْوَادَة فزع الآلهة. . . للأستاذ دريني خشبة قلق زيوس من اعتزام أخيل اقتحام الحرب وكيف لا يقلق سيد الأولمب وكل من الفريقين يصلي له، ويطلب منه العون، ويتوسل إليه أن يُظفره بعدّوه، فتنجاب هذه الغاشية التي صرّعت الرجال، وضرجت أديم الثرى بدماء الأبطال!! ودعا إليه أربابه فعقد منهم مجلساً للمشورة، فانتظمهم ديوان الأولمب، وحفلت بهم ذروة جبل إيدا، وطفق الإله الأكبر يقلّب الرأي على جميع وجوهه، ويبحث المسألة من شتى أطرافها، والأرباب فيما بين ذلك يحملق بعضهم في وجوه بعض، وتضطرم في أفئدتهم نيران العداوة والبغضاء؛ لأنهم كانوا جميعاً وقلوبهم شتى! فهذا فريق منهم يعطف على طروادة، ويشيد بذكر طروادة، بل منهم من اشترك في بناء طروادة وأقام أسوارها، وتحصين صياصيها؛ والطرواديون من أجل هذا قد أخلصوا العبادة لهؤلاء، وأقاموا لهم الهياكل المشيدة، والمعابد المنيفة، وهم في طويل الأحقاب والآباد ما يفترون عن عبادتهم والأخبات لهم، وتقديم القرابين والضحايا بأسمائهم. وفريق آخر من الآلهة يعتبر الشعب الهيلاني شعبه المخلص؛ فهو لذلك يحدب عليه، ويرجو الخير له، وهو أبداً يستأذن سيد الأولمب فيحارب في صفوفهم، ويشد أزرهم، ثم الهيلانيون يخلصون العبادة لهذا الفريق، وهم أبداً يتعلقون بهم، ويقيمون المعابد لهم في كل حنية من جبالهم، وبكل منعرج من شعابهم، ومنهم كل مثّال صناع اليد، مرهف الحس، رفيع الذوق؛ وهم لذلك قد ملأوا المعابد والهياكل بتماثيل الآلهة، حتى ما تقع العين على أجمل منها! وفريق ثالث لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ينقم على هذه الحرب الشعواء التي سُعِّرت لغير

стр. 10469

ما سبب يستأهل كل تلك الضحايا ويستحل كل هذه المهج؛ وهذا الفريق يحنق على طروادة ويحنق على هيلاس على السواء. ويود لو يأذن سيد الأولمب فيزلزل بهما الأرض، أو يرسل عليهما كِسَفاَ من السماء، فلا يبقى على أحد منهم أبداً!! واتفق الآلهة على أب يذهب فريق منهم فيكون في صفوف الطرواديين يرشدهم، ويدفع عنهم عادية أخيل، ثم يذهب فريق آخر فيكون في صفوف الهيلانيين يفل من نشاطهم، ويكسر من سورتهم، حتى تكون الحرب بين الجمعين سجالاً؛ وإلى أن يرى الآلهة في شؤون خلقهم رأياً آخر. وانطلقت حيرا مليكة الأولمب، ومينرفا ربة الحكمة، ثم هرمز رسول الآلهة وقائد الأرواح إلى هيدز. وفلكان الحداد وإله النيران، الذي فضحه مارس في زوجه، ونبتيون رب البحار العتيد الذي روّع الطرواديين في هذه الحرب أيما ترويع. انطلق هؤلاء فكانوا في صفوف الهيلانيين. وانطلقت فينوس إلى صفوف الطرواديين، وراح في أثرها أبوللو وأمه لاتونا وديان ومارس وإكسانثوس، وفئة غير هؤلاء من عشاق فينوس؟. وانبث الآلهة ينفخون في أبواق الحرب. وصاح أخيل في شياطين الميرميدون صيحة داوية. زادتها مينرفا قوة، فما تركت فؤاداً إلا زلزلته، وما غادرت نفساً إلا تركتها ترجف من خوف وفزع. وكان أبوللو ينظر إلى أخيل فيتميز من الغيظ، ويود لو يبطش به بغدره من غدراته التي أودت بيتروكلوس من قبل، ولكنه أحس بفرائصه ترتعد، وفقاره يندك من الرعب، لما رأى حول أخيل من هذه الأرباب المتعطشة للدماء، لا سيما الإله الوحش نبتيون الذي يرسل من عينيه بركانين من الغضب يضطرمان اضطراماً. وآثر أبوللو أن يستخفي في زي ليكاون بن بريام وصورته، وأن يذهب من فوره إلى إينياس العظيم مستشار طروادة وأبسل شجعانها بعد هكتور، فيثيره على أخيل، ويلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر بالأنساب، ولحمتها التباهل بالأحساب، والتبجح بأنا ابن من سمك السماء، ودحا الأرض، وأنبت فيها من كل زوج بهيج! واستطاع أبوللو أن يهون على إينياس من شأن أخيل، وأن يحقر في ناظريه خطبه،

стр. 10470

واستطاع ببيانه الموسيقي، وطلاقته السحرية، أن يدفعه إلى ناحية أخيل، الذي وقف مكانه يقذف الرعب في قلوب الطرواديين وأحلافهم، باحثاً عن غريمه البغيض، هكتور بن بريام، يود لو يخلي بينه وبينه فيبطش به، ويشفي هذا اللظى الذي يتأجج في جوانحه، بما قتله أعز أصدقائه، وأحب الناس إليه. ووقف إينياس تلقاء أخيل، فتبسم زعيم الميرميدون، ووعظ المحارب أن ينثني فلا يلقي حتفه، وذكره بما حدث بينهما قديماً، حين ساق أخيل قطعان إينياس السائمة في سفح جبل إبدا؛ وما كان من فرار إينياس، هذا الفرار المضحك، الذي أشمت به الأعداء، وأثار عليه سُخرية الأصدقاء والأوداء! ولكن إينياس، الذي كان ما يزال مأخوذاً بسحر أبوللو وموسيقاه، أبى واستكبر، وهز أعطافه، ثم أخذته العزة بالأثم، وانطلق يقذف في وجه أخيل بهذا التفاخر الذميم الذي لا يجدي في حلبة الحرب نفعاً، ولا يجر على صاحبه مغنماً، يوم لا حكم إلا للمرهف البتار، ولا قول إلا ما يقول الفيلق الجرار. والتحم المحاربان العظيمان! وارتطم الصخر بالصخر، وثار النقع في الميدان وأظلم حتى قد تهاوت كواكبه، ونظر الجمعان نظرة القلق الحيران، وأخذ الذهول يضرب إطنابه على الساحة الحمراء، ونظروا فرأوا إينياس يستجمع كل قوته، ويقذف برمحه العظيم فترده درع فلكان، وإن تكن الطعنة قد شقت منها طبقتين، وفترت، فلم تصل إلى فؤاد أخيل. وهنا! اشتعلت نيران الدنيا في عيني زعيم الميرميدون، وذاب في أعصابه حميم من الغضب، وأرسل بدوره رمحه الهائل يرن على درع إينياس فلا يصيبه بأذى، ولكنه، لعظم الطعنة، يصرعه ويطرحه فوق أديم الثرى فريسة رخيصة لغوائل الردى، وضربات الرقاق البيض. وينحني أخيل من عربته الفخمة، فيتناول حجرا عظيماً، قد يتعب عشرة من صناديد الرجال في حمله، ثم يرفع الحجر ليقد به جمجمة إينياس. . . ولكن!. . . . . .
следующие страницы →