← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10466–10505 · переход к 10471.

стр. 10466

أُغنية بين يدي الشمس تشرق تحت السحاب للأستاذ إبراهيم إبراهيم علي وجهُ من يا فجر هذا ما بدا … من وراء الغيب في الأفق الجميلْ؟! سحَرَ الطيرَ، فغنّى وشدا … وترامت بهجة الدنيا تسيل لهبٌ يندى على الكون ندى! … ناضر الجمرة كالخد الأسيل! وجمالٌ في جمالٍ في جمالْ ية للحق في عليائها … تختفي في السحب شيئاً وتبين يقف العقل لديها تائهاً … وهي أم العقل والصبح المبين غيمة واحدة تلهو بها … تحجب الغرّاء حيناً بعد حين أفسحْرٌ، ليت شعري، أم دلال؟ أفهزلٌذاك يا أم الحياه؟ … لعبٌ في الأفق، لهو في السحاب! هاهو الكون جميعاً يا فتاه … يرقب الأضواء من خلف الحجاب يسكب النور، ولكن لا نراه! … ثم يبدو من ثنيّات الضباب في العلا نورٌ وفي الأرض ظلالْ! بل هو الجدّ، ولا هزل هنا! … بل هو الحق، ولا حق سواه بل هو الله، تجلى ودنا … وتباركت قديماً يا إله! تبعث الشمس كأطياف المنى … كالرؤى يوماً، ويوماً كالمهاه وجمالاً في جمالٍ في جمالْ (قليوب) إبراهيم إبراهيم علي المحامي

стр. 10467

حَنين للأستاذ رفيق خوري واهاً على زمنٍ ما كان أقصرَهُ … فديتُهُ بدمي لو صانه الزمنُ نفضتُ منه يدي والحرصُ يُمسكه … والمرءُ حيثُ أراد الدهر مرتهَنُ إن الذين دعتهم نيَّةٌ قذُفٌ … سر الضمير، وقد فارقتهمْ علنُ لا يستجيبون للمضنَى، فدىً لهمُ … نفسي، وكنتُ إذا ناديتُهمْ أذِنوا أكلما لاح برقٌ من ديارهمُ … أجابه من دموعي عارضٌ هتن؟ ما حيلةُ المرء في الدنيا بنافعةٍ … إذا أُريد به الترنيقُ والحَزَنُ ضَلّ الفؤاد الذي طار الفراقُ به … لهفي على هائم ما إنْ له سكن يا ليت شعري يدانينا السرور كما … كنا، ويجمعنا بعد النوى وطن؟ حمص رفيق خوري

стр. 10468

القصص صور من هوميروس ١٦ - حروب طَرْوَادَة فزع الآلهة. . . للأستاذ دريني خشبة قلق زيوس من اعتزام أخيل اقتحام الحرب وكيف لا يقلق سيد الأولمب وكل من الفريقين يصلي له، ويطلب منه العون، ويتوسل إليه أن يُظفره بعدّوه، فتنجاب هذه الغاشية التي صرّعت الرجال، وضرجت أديم الثرى بدماء الأبطال!! ودعا إليه أربابه فعقد منهم مجلساً للمشورة، فانتظمهم ديوان الأولمب، وحفلت بهم ذروة جبل إيدا، وطفق الإله الأكبر يقلّب الرأي على جميع وجوهه، ويبحث المسألة من شتى أطرافها، والأرباب فيما بين ذلك يحملق بعضهم في وجوه بعض، وتضطرم في أفئدتهم نيران العداوة والبغضاء؛ لأنهم كانوا جميعاً وقلوبهم شتى! فهذا فريق منهم يعطف على طروادة، ويشيد بذكر طروادة، بل منهم من اشترك في بناء طروادة وأقام أسوارها، وتحصين صياصيها؛ والطرواديون من أجل هذا قد أخلصوا العبادة لهؤلاء، وأقاموا لهم الهياكل المشيدة، والمعابد المنيفة، وهم في طويل الأحقاب والآباد ما يفترون عن عبادتهم والأخبات لهم، وتقديم القرابين والضحايا بأسمائهم. وفريق آخر من الآلهة يعتبر الشعب الهيلاني شعبه المخلص؛ فهو لذلك يحدب عليه، ويرجو الخير له، وهو أبداً يستأذن سيد الأولمب فيحارب في صفوفهم، ويشد أزرهم، ثم الهيلانيون يخلصون العبادة لهذا الفريق، وهم أبداً يتعلقون بهم، ويقيمون المعابد لهم في كل حنية من جبالهم، وبكل منعرج من شعابهم، ومنهم كل مثّال صناع اليد، مرهف الحس، رفيع الذوق؛ وهم لذلك قد ملأوا المعابد والهياكل بتماثيل الآلهة، حتى ما تقع العين على أجمل منها! وفريق ثالث لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ينقم على هذه الحرب الشعواء التي سُعِّرت لغير

стр. 10469

ما سبب يستأهل كل تلك الضحايا ويستحل كل هذه المهج؛ وهذا الفريق يحنق على طروادة ويحنق على هيلاس على السواء. ويود لو يأذن سيد الأولمب فيزلزل بهما الأرض، أو يرسل عليهما كِسَفاَ من السماء، فلا يبقى على أحد منهم أبداً!! واتفق الآلهة على أب يذهب فريق منهم فيكون في صفوف الطرواديين يرشدهم، ويدفع عنهم عادية أخيل، ثم يذهب فريق آخر فيكون في صفوف الهيلانيين يفل من نشاطهم، ويكسر من سورتهم، حتى تكون الحرب بين الجمعين سجالاً؛ وإلى أن يرى الآلهة في شؤون خلقهم رأياً آخر. وانطلقت حيرا مليكة الأولمب، ومينرفا ربة الحكمة، ثم هرمز رسول الآلهة وقائد الأرواح إلى هيدز. وفلكان الحداد وإله النيران، الذي فضحه مارس في زوجه، ونبتيون رب البحار العتيد الذي روّع الطرواديين في هذه الحرب أيما ترويع. انطلق هؤلاء فكانوا في صفوف الهيلانيين. وانطلقت فينوس إلى صفوف الطرواديين، وراح في أثرها أبوللو وأمه لاتونا وديان ومارس وإكسانثوس، وفئة غير هؤلاء من عشاق فينوس؟. وانبث الآلهة ينفخون في أبواق الحرب. وصاح أخيل في شياطين الميرميدون صيحة داوية. زادتها مينرفا قوة، فما تركت فؤاداً إلا زلزلته، وما غادرت نفساً إلا تركتها ترجف من خوف وفزع. وكان أبوللو ينظر إلى أخيل فيتميز من الغيظ، ويود لو يبطش به بغدره من غدراته التي أودت بيتروكلوس من قبل، ولكنه أحس بفرائصه ترتعد، وفقاره يندك من الرعب، لما رأى حول أخيل من هذه الأرباب المتعطشة للدماء، لا سيما الإله الوحش نبتيون الذي يرسل من عينيه بركانين من الغضب يضطرمان اضطراماً. وآثر أبوللو أن يستخفي في زي ليكاون بن بريام وصورته، وأن يذهب من فوره إلى إينياس العظيم مستشار طروادة وأبسل شجعانها بعد هكتور، فيثيره على أخيل، ويلهب فيه نخوة الجاهلية التي سداها التفاخر بالأنساب، ولحمتها التباهل بالأحساب، والتبجح بأنا ابن من سمك السماء، ودحا الأرض، وأنبت فيها من كل زوج بهيج! واستطاع أبوللو أن يهون على إينياس من شأن أخيل، وأن يحقر في ناظريه خطبه،

стр. 10470

واستطاع ببيانه الموسيقي، وطلاقته السحرية، أن يدفعه إلى ناحية أخيل، الذي وقف مكانه يقذف الرعب في قلوب الطرواديين وأحلافهم، باحثاً عن غريمه البغيض، هكتور بن بريام، يود لو يخلي بينه وبينه فيبطش به، ويشفي هذا اللظى الذي يتأجج في جوانحه، بما قتله أعز أصدقائه، وأحب الناس إليه. ووقف إينياس تلقاء أخيل، فتبسم زعيم الميرميدون، ووعظ المحارب أن ينثني فلا يلقي حتفه، وذكره بما حدث بينهما قديماً، حين ساق أخيل قطعان إينياس السائمة في سفح جبل إبدا؛ وما كان من فرار إينياس، هذا الفرار المضحك، الذي أشمت به الأعداء، وأثار عليه سُخرية الأصدقاء والأوداء! ولكن إينياس، الذي كان ما يزال مأخوذاً بسحر أبوللو وموسيقاه، أبى واستكبر، وهز أعطافه، ثم أخذته العزة بالأثم، وانطلق يقذف في وجه أخيل بهذا التفاخر الذميم الذي لا يجدي في حلبة الحرب نفعاً، ولا يجر على صاحبه مغنماً، يوم لا حكم إلا للمرهف البتار، ولا قول إلا ما يقول الفيلق الجرار. والتحم المحاربان العظيمان! وارتطم الصخر بالصخر، وثار النقع في الميدان وأظلم حتى قد تهاوت كواكبه، ونظر الجمعان نظرة القلق الحيران، وأخذ الذهول يضرب إطنابه على الساحة الحمراء، ونظروا فرأوا إينياس يستجمع كل قوته، ويقذف برمحه العظيم فترده درع فلكان، وإن تكن الطعنة قد شقت منها طبقتين، وفترت، فلم تصل إلى فؤاد أخيل. وهنا! اشتعلت نيران الدنيا في عيني زعيم الميرميدون، وذاب في أعصابه حميم من الغضب، وأرسل بدوره رمحه الهائل يرن على درع إينياس فلا يصيبه بأذى، ولكنه، لعظم الطعنة، يصرعه ويطرحه فوق أديم الثرى فريسة رخيصة لغوائل الردى، وضربات الرقاق البيض. وينحني أخيل من عربته الفخمة، فيتناول حجرا عظيماً، قد يتعب عشرة من صناديد الرجال في حمله، ثم يرفع الحجر ليقد به جمجمة إينياس. . . ولكن!. . . . . .

стр. 10471

لا! ينبغي ألا يقتل إينياس، لأنه ابن زيوس سيد الأولمب، وهو لو قتل لم يرض به أبوه ألف ألف أخيل، وألف ألف ميرميدون كملأ أخيل!. . . هكذا قدّر نبتيون! وقُتل نبتيون كيف قدر!! لقد أرسلها إلى حيرا، مليكة الأولمب التي كانت قريبة تشهد الحدث الأعظم، قولة غير صادقة إلا في زعم نبتيون! وعارضت حيرا في تدخل نبتيون، ولكنه، لشدة حبه أخيل، لم يسعه إلا أن يسرع إليه فينشر أمام ناظريه ضبابةً كثيفة حجبت عنهما هدف إينياس، ثم أنكفأ يحمله بعيداً من أخيل، حتى انتهى إلى صفوف الطرواديين الخلفية، فسجاه على العشب الأخضر، وأخذ في نصحه ألا يجازف بنفسه أمام أخيل كرة أخرى!! وكان الجمعان ينظران إلى إينياس محمولاً في الهواء. . فيأخذ العجب منهما كل مأخذ!! وامّحت الضبابة، وبطل السحر، ونظر أخيل فلم يعثر لإينياس على أثر، وشدهه أن ينجو خصمه من قتلة محققة، فيُلقى في روعه أن إينياس سليل الآلهة كما ادعى منذ لحظة؛ ثم يشدهه أكثر تجابن الميرميدون والهيلانيين على السواء، بعد إذ رأوا إلى إينياس محمولاً في الهواء! ويحضهم أخيل على خوض المعمعة، ويستطيع بحماسياته أن يلهب في صدورهم روح الإقدام. . . ويكون هكتور في هذه اللحظة قائماً في جنوده يحضهم هو الآخر ويطمئنهم أن الآلهة معهم فلا يخافون ولا يحزنون. ويراه أخيل فيخفق قلبه، ويعلو صدره ويهبط كأنه الخضم الغاضب. ويدفع عربته نحوه، فتندفع الخيل، وكأنه النيران تندلع من عيونها وأنوفها. . . . وكان أبوللو إلى جانب هكتور، فلم يرض أن يلقى أخيل الذي ما خاض المعمعة إلا ليثأر لصديقه بتروكلوس. وكاد هكتور لا يأبه لكلام أبوللو، وتقدم فعلاً ليلقى أخيل، ولكن الإله الكبير زجره زجراً شديداً، ثم أمره بالتقهقر في الحال. . . فانسحب بطل طروادة، وترك أخيل يحرق الأرّم مكانه، إذ أفلته هذا الصيد الثمين!! وانقض أخيل يشفي غيظه بقتل عشرات وعشرات من أبطال طروادة فصرع إيفتيون

стр. 10472

العظيم ابن عذراء البحر، ثم ثنّى بالكمىّ الكبير ديموليون، شج رأسه فانبثق الدم يتفجر منه، وبرز المخ، وذهبت روحه إلى هيدز! ثم ثَلّث ببطل الأبطال هبوداماس، شكه شكة فتركه يخور كخوار الثور، مسوقاً إلى مذبح الآلهة. . . ثم انقض على بوليدور بن بريام، ملك طروادة، فطعنه في ظهره طعنة صرعته، ونشرت ظلام الموت في عينيه، فهوى إلى الأرض يئن أنيناً مؤلماً، أبكى الجند. . . وأحزن أخيل نفسه. . . لقد كان بوليدور أحب صغار بريام إليه، وكان يجري فيسابق الريح، وينازل القروم الصيد فيصرعهم عشراتٍ ووحداناً، فيا حزن أبيه عليه بعد اليوم!! وكأن ظلام الموت الذي خيّم على عيني بوليدور امتد حتى ظلل عيني هكتور! ولم تكن الحياة رخيصة في نظر بطل طروادة مثلها اليوم، فقد فجعه أخيل في بوليدور، فلا بد أن يفجع ذيتيس وبليوس، والدي أخيل، في أخيل نفسه. . . وألهب جياده فاندفعت بعربته ناحية أخيل. . . واستبشر زعيم الميرميدون حين رأى هكتور يسرع ناحيته قدماً، وذكر أنه قاتل بتروكلوس فدارت به الأرض، وذكر أن بتروكلوس ينتظر ثأره ميتاً ولا بد أن يعود أخيل إليه به، فتقدم نحو هكتور وقال له: (هلم يا بن بريام فتعجل قتلتك، وودع الحياة الحلوة التي لن تهنأ بها بعد اليوم!!) وتجهم هكتور، وكلم أخيل فاعترف أنه أقوى منه، وأطول في مواقف الحرب باعاً، ولكنه حذره من الغرور؛ (ومن يدري؟! هل أوحت إليك السماء أنك تقتل هكتور؟ وهل أخذت على المقادير والأقضية عهداً ألا يصرعك هكتور. . .) ثم انقض بن بريام فأرسل حربته الظامئة إلى صدر أخيل، ولولا أن مينرفا كانت إلى جانبه تحرسه، ولولا أنها زحزحته قليلاً فتفادته الطعنة. . . لكان أخيل حديثاً من الأحاديث. وبهت أخيل، ثم صاح صيحة رجف لها جانب الجبل، وجاوبتها أسوار طروادة، ورددت أصداءها أجواز السماء؛ وانقض على هكتور يود لو يقتلعه من عربته فيخبط به الأرض، وتذهب روحه بعدها إلى الجحيم!. . . وكان أبوللو إلى جانب هكتور هذه المرة، كما كان إلى جانبه دائماً؛ وراع الإله الأكبر أن يهجم أخيل تلك الهجمة التي يعجز عن مثلها مارس الجبار نفسه. . .

стр. 10473

وذهل أبوللو ماذا يصنع، ليقي بطله من رمح أخيل؟! ثم ذكر ما صنعه نبتيون من أجل إينياس، فنشر ضبابةً كثيفةً أمام ناظري أخيل، وتقدم إلى هكتور فحمله، وذهب به إلى حيث يكون بنجوة من مصير محزن، كان يوشك أن ينتهي إليه. . . . . وظل أخيل يطعن الضبابة، مشدوه اللب حيران!! طعنها مرةً، ثم مرة ثانية، ثم ثالثة، ثم ما كاد يطعنها الرابعة حتى امحت وبطل السحر، وانكشف له الميدان يضج بالجند، ويعج بعدة الحرب، ولكنه مع ذاك، وغير ذاك. . . . خلو من هكتور!!. . . . . . . . . . . . (جميل يا هكتور!! صل للإله الذي أنقذك اليوم مني! صل لربك أبوللو! لقد أنجاك من قتلة بينة، وموتة محققة. . . صل له يا هكتور! ولكن ثق أننا سنلتقي بعدها، ولا أدري هل ينقذك إلهك عندها؟! إن لي أربابي التي تحميني، والتي إن فوجئت بغادر فهي تنجيني. . . . . سنلتقي يا هكتور. . . . فصل الآن لأبوللو واشكر له. . . . .) وثار أخيل فكان زوبعة! وطفق يصرع أبطال طروادة، فطعن دريوبس طعنة اخترمت حياته، ثم جندل ديماخوس وأسرعت روحه إلى أمواج ستيكس المنصهرة، وتقدم فأطاح رأس دردانوس العتيد، وجال جولة هنا وجولة هناك، فكانت المنايا نتعثر أنىّ ذهب، وأيان صار، فهذا تروس البطل ملقى على الأرض والدم ينبثق من كبده، وموليوس الصنديد زائغ العينين يتوجع مما ألم به، وإخكلوس ابن أجينور تساقط نفسه حشاشات، ثم ديكاليون الذي دوخ الجيوش وروع الأبطال، وبث اليتم في كل دار. . . هاهو ذا فوق الثرى صعيداً جرزاً، وجثماناً يتدافق الدم من جرحه. . . نهاية حمراء لحياة حمراء. . . كلها حرب وتقتيل! ورجموس!! رجموس بن بريوس! الذي شد رحله من تراقية لينصر الطرواديين على بني وطنه. . . قائداً جموعه التي لا حصر لها؛ مؤلباً القبائل والأفخاذ على الأرض التي أنجبته، والآلهة التي نشّأته. . . . لماذا؟ لا سبب معقول!! ولكنه طيش الملك وغروره وكبرياؤه. . . ولأن الهيلانيين لم يختاروه قائداً لهم في هذه العشوزْنة الزبون!!

стр. 10474

لقد امتشق أخيل سيفه، وأصلته على رأس رجموس، ثم أهوى به، فخر الخائن يتشحط في دمه. . . . . . . . وانتهت بموته حياة ذميمة. وزلزل قلب أريثوذ. . . حارس رجموس وسائسه. . . فود لو فر بعربة سيده، لولا أن عاجله أخيل بضربة قدت أضالعه، وذهبت بروحه إلى حيث ذهبت روح مولاه. . . . . . . . (لها بقية) دريني خشبة

стр. 10475

البريد الأدبي كتاب عن المسألة الحبشية أثارت المسألة الحبشية واعتداء الاستعمار الإيطالي على الحبشة نشاط المؤرخين والكتاب كما أثارت اهتمام الساسة والرأي العالمي، وظهرت في الآونة الأخيرة عدة كتب ومباحث تاريخية وسياسية واقتصادية وعسكرية عن إيطاليا والحبشة وكل ما يتعلق بتلك المشكلة الخطيرة التي ما زال يضطرب لها العالم كله منذ أشهر , وكان مما ظهر أخيراً في ذلك الموضوع كتاب للكاتب الإنكليزي أميل بيرنز عنوانه (الحبشة وإيطاليا) واميل بيرنز كاتب اشتراكي، وكتابه حملة قوية على الاستعمار الغربي، وأحدث فوراته ونزعاته أعني الاستعمار الإيطالي. ويقول الكاتب في مقدمته إنه يقصد بما يكتبأن يبين الأسباب التي تجثم وراء الحوادث ووراء ستار المظاهر الدبلوماسية؛ والحوادث الظاهرة هي اعتداء إيطاليا المسلح على الحبشة، وعمل إنكلترا وفرنسا السياسي في عصبة الأمم أو خارجها، وليس هذا العمل في نظر اميل بيرنز سوى مؤامرة استعمارية. ويستمد أميل بيرنز أدلته من حوادث التاريخ الحبشي منذ سبعين عاماً؛ فتاريخ الحبشة يحفل خلال هذه الحقبة بمشاريع إنكلترا وفرنسا وإيطاليا ودسائسها المستمرة، وكل تغالب الأخرى في سبيل الحصول على النفوذ الأوفر في الحبشة؛ والرأسمالية الاستعمارية من وراء السياسة تحاول أن تضع قدمها في تلك الأرض الغنية. وليس عمل إيطاليا إلا اعتداء في سبيل الاستغلال والسلب؛ ذلك أن أحداً في العالم لم يصدق أن إقدام إيطاليا على اتخاذ هذه التدابير العسكرية كان من باب الضرورة والتحوط وليست لها صبغة اعتدائية، وأنها ليست إلا ضمانا للسلام والأمن ضد أمة همجية، ولم يدهش إنسان بعد ذلك أن يرى هذه الإجراءات تتخذ فجأة صبغة الغزو المسلح، وأن تتحدى إيطاليا رأي العالم المتمدن كله، ولم تقم الدول الاستعمارية الأخرى بعمل حاسم لمنع هذا الاعتداء، وإذا كانت قد فعلت شيئاً فذلك لأن الموقف النبيل الذي وقفه النجاشي كان مثاراً لإعجاب العالم وعطفه. وقد كانت الحبشة فريسة الاعتداء المدبر، وكان لإيطاليا أن تحمد الفرصة السانحة من كل وجه وخصوصاً لأن موقف الحكومة القومية الإنكليزية في تأييد سياسة النازي (الهتلريين) في ألمانيا قد دفع فرنسا إلى أحضان إيطاليا وانتهزت إيطاليا هذه الفرصة لتضمن تأييد

стр. 10476

فرنسا لها في افتراس الحبشة. بل لقد حاولت إنكلترا أن تعمل على اقتسام الحبشة مع إيطاليا، ومن أجل ذلك قدمت مشروعها بالتنازل عن زيلع إلى الحبشة. ويتناول المؤلف بعد ذلك العوامل الإقتصادية التي دفعت بالحكومة الفاشستية إلى اعتدائها، ويسرد الأدلة على أن (التمركز المالي) هو الذي يدفع إلى هذه النزعة الإمبراطورية ثم يتحدث بعد ذلك عن (الفاشستية وعصبة الأمم) ويبين لنا كيف أن الرأسمالية من وراء كل حركة وإجراء تعمل باسم الأقليات وباسم الانتدابات؛ وكيف أن الرأسمالية الخصيمة تحاول أن تقضي على أي مشروع للصلح يتضمن أي مغنم للرأسمالية الفاشستية، وهذا بصرف النظر عن قضية الحبشة وعدالتها. والآن تسنح فرصة بديعة لسحق الفاشستية ونظمها الطاغية، ولكن هل تنتهز الدول هذه الفرصة؟ ويقول لنا الكاتب إن الواقع أن حكومة إنكلترا القومية إن هي إلا حكومة فاشستية بمعنى الكلمة لا ينقصها سوى الاسم. ويعرض المؤلف نظرياته وأدلته بقوة ووضوح ولا سيما فيما يتعلق بالمسألة الإيطالية الحبشية، ويسبغ على عرضه صبغة اشتراكية واضحة ولكن معقولة متزنة، وكتابه يعتبر من خير الكتب التي أخرجت أخيراً في موضوعه، ويمتاز بالنسبة للشعوب الشرقية بأنه حملة قوية منظمة على الاستعمار وأساليبه تثلج صدر كل شرقي يرى أساليب الاستعمار الهمجية تعمل في وطنه وأمته. ذكرى غزوة بدر الكبرى تألفت بالقاهرة لجنة من الشباب للاحتفال بذكرى غزوة بدر الكبرى في ١٧ من رمضان لأنها أول نصر حاسم في تاريخ الإسلام. وستكون الحفلة برياسة الدكتور محمد حسين هيكل. ومن خطبائها الأساتذة الدكتور محمد حسين هيكل، الشيخ عبد المجيد اللبان شيخ كلية أصول الدين، السيد محمد الغنيمي التفتازاني، الدكتور عبد الرحمن شهبندر، محمد أفندي عبد الباقي سرور نعيم، الشيخ أحمد البهي مندوب الأزهر، أحمد أفندي شوقي مندوب كلية الحقوق. وسيكتب في هذا الموضوع الأساتذة محمد جاد المولى بك، أحمد حسن الزيات، حفني محمود، محمد علي غريب، عبد الحميد المشهدي. كتاب (محمد) للأستاذ توفيق الحكيم

стр. 10477

كتب الأستاذ توفيق الحكيم رسالة إلى أحد أصدقائه الفرنسيين في أكتوبر سنة ١٩٣٤، جاء فيها عن كتابه (محمد) ما يأتي: (إن كتابي عن محمد (ص) لا يزال في طور التحضير والتهيئة، وعسى أن أتمه في الشتاء المقبل. وسأبرز فيه النبي الكريم متكلماً بكلامه المأثور، في صورة تستوعب حياته المجيدة، كما يتصورها الفنان، لا كما يفهمها العالم والمؤرخ. . .) الصقالبة في الرواية العربية إلى الأستاذ المحقق محمد عبد الله عنان قد قرأت لحضرتكم في عدد الرسالة (رقم ١٢٦) مقالاً تحت هذا العنوان، وفيه عبارة لابن حوقل عن صقالبة الأندلس، جاء فيها: (فنصت بلدهم (الصقلب) يسبيه الخراسانيون ويصلون، والنصف الشمالي يسبيه الأندلسيون من جهة جليقة وإفرنجة وانكبردة وفلورية، وبهذه الديار من سبيهم الكثير). ثم استنتجتم من ذلك أن لفظة الصقالبة كانت تطلق على سكان هذه البلاد المذكورة، والذي يغلب على ظني أن هذه العبارة لم يرد بها ذلك، بل المراد وصف الطريق التي كان يسلكها سبي الصقالبة، حتى يصل إلى الأندلس، فهل عند الأستاذ ما ينفي هذا الظن؟ (قنا) عطية الشيخ الإنسان والكون - آراء علمية جديدة ألقى العلامة الطبيعي الإنكليزي الأشهر سير جيمس جينس أخيراً محاضرة عن (الإنسان والكون) حمل فيها بشدة على مادية العلم القديمة، وقال إنه يعتقد أن الإنسان ليس آلة صماء، وأنه يناضل في الواقع من أجل مصيره، وأنه قد أحرز أخيراً نجاحاً لا شك فيه. بيد أنه ما زال عليه أن يناضل من أجل مركزه في المجتمع، فإذا أخفق في هذا النضال فقد يستأصل ويقضى عليه كما قضى على أجناس وفصائل أخرى من قبل، وفي هذه الحالة يكون الإنسان ضحية جنس آخر من صغار المخلوقات، ربما كان هو الميكروبات التي لا

стр. 10478

يراها لصغرها. وإذا نجح الإنسان في هذا الصراع واستطاع أن يظفر بتوطيد مركزه، فإن مواهبه وكفاياته قد تتسع وتزيد تدريجياً حتى يتحول إلى شئ آخر غير ما هو اليوم عليه وربما كان شيئاً أرفع مما هو عليه. وقد تختلف عنا سلالتنا بعد عشرة ملايين سنة كما نختلف نحن عن أسلافنا المنحطين منذ عشرة ملايين سنة. وشر ما يخشاه الجنس الإنساني هو الهزيمة والعدم، وخير ما يؤمله هو أن يغدو قنطرة منسية للطريق إلى أشياء أسمى. وقد لاح في وقت ما أن نظرية (النسبية) قد وضعت حداً لكل الآمال التي تساور الإنسان في جعل العالم أكثر رفاهة وسعادة وجمالاً وأكثر نبلاً وعدالة طبق مثله الخاصة. أما الآن فلدينا أسباب كثيرة تحملنا على العودة إلى اعتقادنا في أن الماضي والحاضر والمستقبل لها في الواقع معنى موضوعي وليست هواجس تهجس في عقولنا، وبعبارة أخرى يجب علينا أن نعتقد أن الزمن إنما هو حقيقة مادية. واستعرض السير جينس بعد ذلك ما وصل إليه العلم في شأن (الذرّة) وما يقال من أنه لا يمكن سير الذرات، وأن سير الطبيعة يقوم على غير نظام وتقرير سابق؛ ومن رأيه أن العلم عاجز عن أن يقدم أي تحديد أو أي تدليل على مسألة (الحير) القديمة؛ وقد يكون الإنسان أو لا يكون آليّاً، ولكن العلم لا يستطيع أن يبرهن على أنه ليس آلياً، ثم هو لا يستطيع أن يبرهن أنه آلي قال؛ وإذا استعرضنا تاريخ العلوم في جملته، فإنا نرى المعارف العلمية ما تزال ترغم الإنسان على أن يخفض من تقدير نفسه ومركزه في الكون حتى بدء القرن الحالي، أما أنا فأرى أن التيار قد أخذ يتطور، وإننا على ضوء المعلومات التي ترتبت على نظرية النسبية والكمية، نستطيع أن ننظر إلى مركزنا في شيء من التفاؤل لم يسمح به العصر الفيكتوري). شرعية الانتحار يعرض في القريب العاجل على مجلس اللوردات الإنكليزي مشروع قانون فريد في نوعه، يراد به تقرير شرعية الانتحار، أو بعض أنواع القتل؛ ففي العهد الأخير وقعت في إنكلترا عدة حوادث رنانة مؤثرة؛ قتل فيها الابن أباه، والزوج زوجته، والعاشق حبيبته، ولم يكن قتلاً عادياً أو له صفة الجريمة، بل كان قتلاً مبعثه الإشفاق والحب، وكان في الغالب بناء

стр. 10479

على طلب المجني عليه؛ وكان المجني عليه أو القتيل في معظم الأحوال يشكو مرضاً لا يرجى برؤه ويعاني آلاماً مروعة يريد أن يتخلص منها بالخلاص من حياته، فيطلب إلى أحب الناس إليه أن يقوم بهذه المهمة الأليمة. وقد وقعت عدة حوادث من هذا النوع، وقدم (الجناة) أو الذين ارتكبوا القتل بهذه الطريقة إلى القضاء فحكم القضاء في الغالب بالبراءة إزاء الظروف المؤثرة التي وقع فيها القتل، وإزاء انعدام نية الجريمة من جانب المتهم ولكن بعض (الإنسانيين) وأنصار هذا النوع من الإعدام يخشون أن يقسو القضاء فيعامل المتهمين في هذه الحوادث بالشدة وينال قصاصه المؤلم، لأن الانتحار يعتبر في القانون الإنكليزي جريمة ويعاقب كل من اشترك فيه أو ساعد عليه؛ ولذلك رأى بعض اللوردات أن يقدم إلى المجلس مشروع قانون يبيح القتل في مثل هذه الأحوال، وقد روعي في هذا المشروع أنه توجد حالات أليمة يشتد فيها المرض والألم على الفريسة فيتمنى كل من حولها لها الخلاص من هذا العذاب ويعتبرون من واجبهم المقدس أن يلبوا طلبها في الإجهاز عليها وإنقاذها من ذلك الجحيم؛ ولكن روعي من جهة أخرى أنه قد توجد حالات يتمنى فيها أهل المريض المعذب وفاته بسرعة ليحظوا بالإرث والثراء؛ وقد ينتهزون فرصة آلامه، وهذيانه فينتزعون منه إقراراً كتابياً بطلب الموت، ثم يجهزون عليه؛ ويتذرعون بهذا الإقرار للإفلات من العدالة؛ ففي هذه الحالة يتطلب القانون الجديد أن يقع مثل هذا الإقرار على يد موظف عمومي، وذلك بعد أن يصدر الطبيب المختص قراره بأن المريض لا يرجى برؤه وأنه يعاني آلاماً لا يمكن احتمالها مع الحياة؛ ويشترط مشروع القانون أيضاً أن الذي يقوم بعملية الإعدام أو الإجهاز على الفريسة طبيب مرخص له بذلك. وهكذا يراد أن يشرع حق الانتحار، وأن يمنح حق الإعدام في ظروف معينة؛ وسنرى ما إذا كان مجلس اللوردات يقر هذا القانون المدهش. معرض الفن الصيني أفتتح أخيراً في لندن في (برلنجتون هاوس) معرض الفن الصيني الذي كانت تتخذ العدة لافتتاحه منذ أشهر. وقد عرضت في هذا المعرض تحف وآثار صينية نفيسة يرجع الكثير منها إلى نحو ثلاثة آلاف سنة. ومعظم هذه التحف الرائعة ملك للصين ولكن الحكومة

стр. 10480

الوطنية الصينية ارتضت أن تعيرها للسلطات الفنية البريطانية بعد مفاوضات طويلة؛ ونقلت المعروضات في طرادة بريطانية مسلحة وأخذت إلى لندن لتعرض هنالك على أنظار العالم المتمدن. وتدل هذه التحف على أن الصين كانت قبل آلاف السنين تتمتع بحضارة رائعة تضارع في ازدهارها وروعتها حضارة مصر القديمة، وتدل على إن الفنون الصينية بلغت مبلغاً عظيماً من الافتنان. وقد كان الابتكار يقترن لدى الفنان الصيني مع الصبر وتخير النماذج الفائقة. وأقدم التحف المعروضة هي آنية للمراسيم الدينية صنعت من البرونز ويرجع صنعها إلى سنة ١٧٦٦ قبل الميلاد؛ وكان البرونز أول مادة استعملت في الفن الصيني؛ ولم يبدأ النحت البوذي إلا في القرن الرابع أو الخامس الميلادي. وقد كان افتتاح المعرض الصيني حادثاً فنياً عظيماً في إنكلترا، وهرعت الجماهير الحاشدة لرؤيته من أنحاء الجزر البريطانية وأمم القارة الأوربية.

стр. 10481

الكتب كتاب التشريح المرضي والجنائي تأليف الدكتور محمد زكي شافعي بقلم الدكتور محمد الرافعي لا أسهل في العلوم من اختصارها، ولا أيسر من إخراج الكتاب الضخم محصلاً في جزء لطيف. وقد كانت هذه طريقة علمائنا المتقدمين؛ فليس من كتاب ذي خطر إلا وقد اختصروه مرة أو مراراً، يريدون إما تقريبه من الأذهان وإما حصر فوائده، وإما جعله كالمذكرات. وقد يعجز بعض العلماء عن التأليف ويريد مع ذلك أن يكون مؤلفاً فيجد مادته من الكتب المطولة يؤلف منها ما يسميه المختصر أو الموجز أو نحو ذلك. وهذا كله سهل، بل بعضه أسهل من العبث إلا في الطب، وخصوصاً حين يكون الاختصار في فرع من فروعه التي اختص بها علماؤها كهذا الكتاب الذي نحن بصدده. إن وضع كتاب مختصر في فرع من الفروع الطبية وخصوصاً باللغة العربية هو عمل من أشق الأعمال، وأدقها إذا أريد أن يكون الكتاب مع اختصاره وافياً في موضوعه، محققاً لفائدة الأصل المطوَّل، جامعاً لفوائد جديدة تعطي الكتاب حكم التأليف مع تسميته المختصر. وما دام الطب شرحاً للجسم المعجز في تركيبه وأعماله ودقائقه المحيرة للعقول؛ فالتأليف فيه لا ينتهي، واختصار المؤلفات فيه لا يكاد يوفق إليه إلا النوابغ المحيطون أوسع إحاطة، والمتمرنون تمريناً طويلاً، والمتتبعون لكل جديد. ومن هؤلاء مؤلف كتاب (التشريح المرضي والجنائي) الدكتور محمد زكي شافعي، مدير المكتب الفني بمصلحة الصحة العمومية بمصر. وقد قال في مقدمة كتابه هذا: (لقد اشتغلت حوالي العشرين عاماً بالطب الشرعي، ولا أزال أعمل الآن مراجعة بعض الأعمال الخاصة به، وكثيراً ما استرعى نظري أن الحاجة ماسة أشد مساس إلى كتيب خاص بالتشريح المرضي والجنائي، يرجع إليه الطبيب الكشاف إذا أعوزه الأمر للإطلاع العاجل، فإنه كثيراً ما يجد نفسه في مأزق حرج، إذ يطلب إليه - وهو بعيد عن مراجعه - الفصل في مسائل فنية دقيقة الخطورة، يتوقف على الإجابة عليها مصير متهم قد يكون بريئاً.

стр. 10482

ولقد كنت أشعر بهذه الحاجة في أثناء ممارستي التشريح، ولا سيما في الجهات التي أكون فيها بعيداً عن مراجعي، وكل الأطباء يدركون دقة هذا الموقف. ولقد عرضت على زميلي (الدكتور لبيب شحاته) أن نعمل على سد هذا النقص، فوضعنا معاً هذا الكتاب، وتوخينا فيه أن يكون عملياً أكثر منه نظرياً، وجعلناه واضح العبارة، سهل المأخذ، حتى ينتفع به كل مشتغل بالطب الشرعي، وانتقينا أحدث المعلومات، وأرجحها قبولاً لدى جمهرة الأطباء الشرعيين ولذلك اضطرتنا الحال إلى الإطلاع على مراجع عديدة علاوة على المذكرات الشخصية). ومع أن الكتاب كما يصفه حضرة مؤلفه فقد وقع في ٤٩٠ صفحة، وبلغت المراجع التي اعتمد عليها واضعاه عشرين مرجعاً، يضاف إليها اختبار المؤلف وتحقيقه مدة عشرين سنة، وذلك فضلاً عن رجوعه في بعض مسائل كتابه إلى كثير من الأساتذة المختصين، بحيث جاء الكتاب عظيم الفائدة للمشتغل بالطب الشرعي، وللطبيب المشرح، ولمن يتصلون بالحوادث الجنائية من القضاة ورجال النيابة والمحامين فهؤلاء جميعاً يهتدون فيه إلى أدق المسائل الفنية بأيسر طريقة وأسرع وقت، ويصيب كل منهم غرضه الفني أو القضائي. وقلما يحتاج مع هذا الكتاب إلى الأصول المطولة إلا في التدريس، على أنه في التدريس ذو قيمة ثمينة إذا جعل للطالب كالتذكرة التي يدون فيها خلاصة علمه. هذا وإن ضم التشريح المرضي إلى التشريح الجنائي في كتاب واحد عمل فني بديع لم يُسبق إليه. وأنا وقد درست هذا العلم على الفحول من رجاله في فرنسا، لا يسعني إلا أن أهنئ الدكتور محمد زكي شافعي، ومساعده الفاضل الدكتور لبيب شحاته بكتابهما وبما وفقا فيه، فهو توفيق يستحق التهنئة العلمية. الدكتور محمد الرافعي خريج جامعة ليدن بفرنسا لباب الآداب لابن منقذ تحقيق وتعليق الأستاذ أحمد محمد شاكر للأستاذ محمد بك كرد علي

стр. 10483

بنو منقذ أصحاب قلعة شيزر من عمل حماة في الشام كانوا معروفين على عهد الحروب الصليبية بالفروسية والسياسة والأدب والأمارة، وقد خلد أسامة بن منقذ (٤٨٨ - ٥٨٤ هـ) أحد رجال هذا البيت بأدبه ذكر آله في التاريخ. ولما طبع له العلامة درنبرغ كتاب (الاعتبار) في سنة ١٨٨٤م بمدينة ليدن في هولاندة اشتهر أسامة بين الأدباء في الشرق والغرب، لما حوى كتابه من أخبار البطولة والشجاعة، ولأنه صُنّف على غير مثال. وقد طبع له درنبرغ أيضاً كتاب العصا وغيره في باريز، وعُني بجمع أخباره بالفرنسية وخدمه وأولع به. والآن طبع الأديب لويس سركيس في القاهرة كتاب (لباب الآداب) لأسامة أيضاً، وتولى تحقيقه والتعليق عليه الأستاذ أحمد محمد شاكر، وحلاّه بفهارس الأعلام وأيام العرب والأماكن والقوافي، وشكله تقريباً بالشكل الكامل، فقرّب فوائده من يد المستفيد، وأضاف إلى ما طبع من كتب الأدب القديم سفراً آخر قال في وصفه إنه من أجود كتب الأدب، وإن فيه أقوالاً من نثر ونظم لم يجدها في كتاب غيره من الكتب المطبوعة. قسم المؤلف كتابه إلى عدة أبواب فيها عظة وتعليم وأهداه لابنه الأمير مرْهِف، وجعل أبوابه في الوصايا والسياسة والكرم والشجاعة والآداب وكتمان السر والأمانة والتواضع وحسن الجوار والصمت وحفظ اللسان والقناعة والحياء والصبر والرياء والإصلاح بين الناس والتحذير من الظلم والإحسان وفعل الخير والصبر على الأذى ومداراة الناس وحفظ التجارب وغلبة العبادة والبلاغة. وهناك فصول من كلام رسول الله والصحابة وغيرهم، ومن كلام سليمان الحكيم وبرسين الحكيم وأفلاطون، ونوادر فيثاغورس وسيخانس، ومحاسن شعر الحكماء، وأبواب في المديح والتشبيه ومشي النساء والخفر والشيب والاعتذار والعتاب والمراثي والغزل والحكمة. يبدأ المؤلف كل فصل بآيات كريمة ويشفعها بما ورد من الأثر ثم الشعر ثم أقوال الحكماء في هذا المعنى. وذكر المعلق على الكتاب أنه وقعت في طبعته هذه بعض أغلاط، مع كل ما عانى في تصحيحه، جاء بعضها سهواً منه، وبعضها من خطأ النظر، وبعضها من الأغلاط المطبعية التي لا يتنزه عنها كتاب. ونحن نقيم من كلامه هذا عذراً لكل من أحيا كتاباً للقدامى؛ وليس من الإنصاف أن يُحمل على كل من ارتكب خطأ من هذا القبيل بعد بذل الجهد، فقد تسرع

стр. 10484

الناظر في هذا الكتاب وقال (ص ٢٦) إن كتاب العصا هو كتاب القضاء لا العصا، وليس في جريدة مؤلفات أسامة كتاب في القضاء وإنما هو كتاب العصا المطبوع. وذكر (ص ٢٢) (الأمير معين الدين أنَر وزير شهاب الدين محمود) وليس في التاريخ الإسلامي من اسمه أنر، وإنما هو اتسنر وهي كلمة تركية معناها لا لحم له، أو الرجل الضَرْب الخفيف اللحم غير الجسيم. واتسنر هذا هو مملوك جد مجير الدين أرتق بن محمود ابن بوري بن طغتكين، وكان عاقلاً ديناً محسناً لعسكره (راجع كتابنا (خطط الشام) م٢ ص ٢١). ومن ذلك في صفحة ١٩٢ (تباة البلد) قال ولعلها جمع تاب بوزن غاز وغزاة من قولهم تبا إذا غزا وغنم وسبى. ونحن أميل أن تكون (تُنّاة البلد) أي سكانه من تنأ تنوءاً أقام، ويقولون (الطراء والتناء) أي النزلاء والمقيمون وهي الأولى بالمقام. وتسرع أيضاً (ص ٢٨) ونقل ظن بعض أهل العلم أن كتاب (الأدب والمروءة) الذي نشرناه في مجلة المقتبس، ثم ضممناه إلى الطبعة الثانية من (رسائل البلغاء) في سنة ١٣٣١هـ ١٩١٣ هو لصالح بن عبد القدوس لا لصالح بن جناح كما ذكر ناشره أستاذنا العلامة الشيخ طاهر الجزائري ﵀؛ قال (ولعله - أي صالح ابن عبد القدوس - أخفى نفسه بهذا الاسم في بعض الأوقات خوف الطلب). والحقيقة أن كتاب الأدب والمروءة هو لصالح بن جناح ترجم له ابن عساكر صاحب تاريخ دمشق، فقال إنه صالح بن جناح اللّخمي الشاعر أحد الحكماء؛ حكى عنه أبو عثمان الجاحظ أنه ممن أدرك الأتباع بلا شك، وكلامه مستفاد في الحكمة. وقد أخذ عنه الجاحظ في نيسابور وقال عنه دمشقي؛ ونشر ابن عساكر طائفة من شعره الجميل. وبذلك انتفى ظن بعض أهل العلم أن كتاب الأدب والمروءة هو لصالح بن عبد القدوس بل هو لرجل عربي دمشقي ينسب إلى لخم من أتباع التابعين ومن أساتيذ عالم الأمة الجاحظ. ومثل هاته الهنات المعدودة لا تقدح في كتاب طويل وقع في خمسمائة صفحة، الله أعلم كم قاسى ناشره من المتاعب حتى استخرجه من خطوط قديمة سقيمة. وليس لنا بعد هذا إلا الشكر نقدمه للأستاذ شاكر على عنايته وتجويده. محمد كرد علي

стр. 10485

النقد ٢ - تاريخ الإسلام السياسي تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن بعض مآخذ تاريخية وجغرافية لأستاذ كبير أتيت في كلمتي السابقة على قليل من المآخذ التاريخية التي تورط فيها مؤلف (تاريخ الإسلام السياسي) وقد لحظ بعض الذين قرأوها أنه كان الأفضل ألا أورد هذه المآخذ مسرودة على نحو ما فعلت بل أن أوردها مقرونة بأسبابها الجوهرية. وأجيب عن هذه الملحوظة التي لها وجاهتها العامة بأن من المفيد في نقد كتب التاريخ أن ينصب النقد أولاً على الوقائع مجردة. فإن التاريخ من الناحية التحليلية البحتة يقوم على الوقائع التاريخية التي هي مادته الأولية. وبمقدار تزود المؤرخ من هذه المادة الأولية وتمكنه منها إحاطةً، وتقويماً، وفهماً، تكون متانة أحكامه التي يستنبطها وافتراضاته التي يذهب إليها، والعكس بالعكس. وإذاً فلا بأس أن أمضي في كلمتي هذه في إتمام ما أخذت فيه في كلمتي السابقة من الإتيان على أجسم ما في الكتاب من المآخذ التاريخية، مقفياً على أثر ذلك بإيراد شيء مما وقع فيه المؤلف من الأغلاط الجغرافية، والتاريخ والجغرافيا صنوان مؤتلفان، وهما ظرفا الزمان والمكان لما يسمى بوقائع التاريخ. قال المؤلف في ص ٣٤٠ في معرض الكلام على الوقعة البحرية العظيمة المعروفة في كتب العرب بذات الصواري: (وفي سنة ٣١هـ نشب القتال بين ابن أبي سرح وبين الروم تحت قيادة ملكهم قسطنطين في البحر الأبيض المتوسط، على مقربة من الإسكندرية، وكان النصر للعرب في هذه الحرب، وقد عرفت هذه الموقعة بموقعة السواري أو ذات السواري) والمؤلف يخطئ هنا من حيث زمان الوقعة ومكانها، فأما من حيث الزمان فالوقعة قد ذكر في المصادر العربية أنها كانت سنة ٣١هـ ولكن هناك رواية أخرى تجعلها في عام ٣٤هـ، وقد ظهر من المصادر اليونانية أنها تؤيد الرواية الثانية، وإذاً يتعين الأخذ بها واطراح الأخرى. وأما من حيث مكان الوقعة فالمصادر اليونانية تعينه فتجعله قريباً من

стр. 10486

ساحل آسيا الصغرى الجنوبي لا قريباً من إسكندرية مصر (أنظر تاريخ العصور الوسطى لكمبردج ج٢ ص ٣٥٣) والمؤلف لا شك يتابع في كلامه هنا السير ويليم ميور الذي يأخذ عن المؤرخ الإنجليزي جبون، وكلا هذين المؤرخين أصبح قديماً ولا يصح التعويل عليه بصفة مطلقة. جاء في ص ٣٧٠ عن وقعة الجمل المشهورة (ونشب القتال وعائشة راكبة في هودجها على جمل يسمى عسكرا واقتتل الناس حوله سبعة أيام حتى صار كالقنفذ من النشاب) والصحيح أن وقعة الجمل لم تدم أكثر من سحابة يوم واحد. فإن السبئية من أصحاب علي أجمعوا إنشاب القتال حتى لا يتم صلح بين الفريقين. وقد حملوا بالفعل ليلاً على جيش عائشة وما تعالى النهار حتى كان الفريقان قد اشتبكا في وقعة دامية ولم يكد النهار ينصرم حتى كان جمل عائشة قد عقر وأخذت عائشة وانتهت الوقعة. ولعمري إن جيشاً يرشق كله أو بعضه بالسهام جملاً ساعة واحدة لحري بأن يحيل الجمل كالقنفذ، ولا يقتضي الأمر سبعة أيام! ومن الخطأ الجسيم ما وقع فيه المؤلف عندما أراد أن يبدي رأيه في خروج عائشة وطلحة والزبير على علي، فهو يقول في ص ٣٧٢ (نرى أنه لا مبرر لعمل طلحة والزبير وعائشة ما دام للأمة إمام ينفذ الأحكام ويقيم الحدود ولاسيما وقد وعدهم علي ابن أبي طالب بالنظر في أمر عثمان والبحث عن قاتليه والقصاص منهم عندما تستقر الأمور. على أننا نرى من جهة أخرى أن مجرد قبول علي في جيشه أعوان ابن سبأ الذين قتلوا عثمان في الوقت الذي يطالب فيه بدمه كاف لأن تحوم الظنون حوله وتبرر اتهامه بالاشتراك في دمه) فالمؤلف ينظر هنا إلى كل من الفريقين من وجهة نظر الآخر، وقد خرج من الموضوع ولا رأي له على التحقيق. والوضع الصحيح للمسألة هو ألا مبرر مطلقاً لخروج عائشة وصاحبيها، وأما علي فلعل أصدق وصف له في الفتن التي اضطر إلى خوض غمارها أنه كان على إخلاصه مغلوباً على أمره. ويقول المؤلف في هامش ص ٤٥٠ تعليقاً على كلامه على ضرب الحجاج الكعبة بالمجانيق: (لم يرد عبد الملك بن مروان أن يحط من شأن الكعبة وإنما اضطر إلى قتال ابن الزبير فحدث ما حدث من غير قصد. وذلك أن الحجاج لما نصب المجانيق على الكعبة

стр. 10487

جعل هدفه هذه الزيادة التي زادها ابن الزبير في الكعبة، إذ كان الأمويون يعتبرون ذلك بدعاً في الدين) وهذا تخيل عجيب للحال، فإن مجرد استحلال القتال في الحرم فضلاً عن رمي الكعبة بالمجانيق عمل ينطوي في نفسه على حط كثير من شأن الأمكنة المقدسة من غير نزاع. على أن الأمر كان أمر سياسة قبل كل شيء وبنو أمية كانوا إذا تعارضت المصلحة السياسية وأي اعتبار آخر رجحوا جانب المصلحة السياسية كائناً ما كان ذلك الاعتبار الآخر، وتاريخهم كله يشهد بذلك. وقد يكون من المضحك أن يقال إن الحجاج جعل الزيادة التي زادها ابن الزبير في الكعبة هدفاً لمجانيقه! أفما كان من الممكن الانتظار حتى تضع الحرب أوزارها ثم تنقض الكعبة وتبني على أسسها القديمة؟ ثم هل كانت هذه الزيادة متميزة عن سائر بنية الكعبة بحيث يمكن نقضها دون هدم الكعبة؟ كلا ثم كلا! لقد كان الهدف الحقيقي للمجانيق هو ابن الزبير نفسه، ولما جعل ابن الزبير الكعبة حائلاً بينه وبين المجانيق ضربت الكعبة. ويقول المؤلف في ص ٤٧١ وقد استعرض أشهر فرق الخوارج في العصر الأموي: (وإن الناظر إلى مبادئهم ليجد أنهم اشتطوا جميعاً في الحكم على مخالفيهم حتى ساووا بينهم وبين الكفار عبدة الأوثان) وهذا الحكم على إطلاقه غير صحيح فهو إن صدق على بعض فرق الخوارج كالأزارقة لا يصدق على بعضها الآخر كالأباضية. ومن الخطأ الجسيم الذي وقع فيه المؤلف متابعته مؤرخاً متوسط المكانة التاريخية هو السيد أمير علي الهندي في الكلام على نظام الإمارة على البلدان في العصر الأموي. يقول المؤلف نقلاً عن هذا المؤرخ: (إن هناك نقصاً قد تطرق إلى النظام الإداري في عهد بني أمية وجر إلى أسوأ العواقب فيما بعد. وذلك أنه كان يفرض على ولاة الأقاليم الإقامة في حواضر ولاياتهم. أما في عهد الأمويين فقد أصبحت ولاية الولايات تسند إلى بعض أفراد البيت المالك وإلى كبار رجال البلاط فكانوا يبقون في دمشق ويعينون من قبلهم رجالاً يقومون بحكم الولايات نيابة عنهم. وكان من أهم أغراض هؤلاء الإثراء على حساب بيت المال، وإرضاء هؤلاء الولاة بما كانوا يدرونه عليهم من الأموال) ونبادر إلى القول بأن هذا النقل غير دقيق فالسيد أمير يؤرخ النقص الذي تطرق إلى النظام الإداري من عهد يزيد بن عبد الملك بن مروان أي من عام ١٠١هـ في حين أن كلام الناقل يجعل تطرق

стр. 10488

النقص منسحباً على العصر الأموي كله. ومع ذلك فكلام السيد أمير علي لا ينطبق على الواقع، فإنه إذا كانت الولاية على الأمصار قد أسندت في بعض الأحوال إلى أمراء من بني أمية كمسلمة ومروان بن محمد فإن ذلك إنما كان لما عرفوا به من الكفاية الممتازة لا لقرابتهم من الخلفاء. ثم إنه لم يكن لبني أمية بلاط بالمعنى الصحيح يولي كبار رجاله على الأمصار كما أن الأمراء لم يكونوا يقيمون بالعاصمة ويستنيبوا غيرهم على الأمصار، إنما كانوا يقيمون في حواضر الأقاليم نفسها. هكذا كان خالد القسري أمير العراق، ونصر بن سيار أمير خراسان وحنظلة بن صفوان أمير مصر. وإذا انتفت الاستنابة فلا نيابة ولا إثراء ولا رشوة. ولا شك أن السيد أمير علي كان يفكر وهو يكتب هذا الكلام في نظام الولاية على الأقاليم في العصر العباسي الثاني عندما غلب الأتراك على الدولة العباسية، وهو خلط لا مبرر له. ويتكلم المؤلف (ص ٥٧٦) على نظام (العدول) في معرض الكلام على نظام القضاء في عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية فيقول (وقد دعت سنة التقدم والارتقاء إلى اتخاذ الشهود (المحلفين) حين فشت شهادة الزور، إذ جرت العادة أن تقبل شهادة من يتقدم لأدائها، سواء أكان ممن عرف بالخير أو بالشر. فقضى النظام الجديد بتعيين شهود عدول، عرفوا بحسن السمعة والفقه، فصاروا من هيئة المحكمة، يعمل برأيهم القاضي فيما له علاقة بالمتقاضيين. وكان من اختصاصاتهم أيضاً الشهادة على ما يصدره القاضي من الأحكام وأنه غير مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية) لاشك أن المؤلف تناول هذا الموضوع لاعتقاده أن نظام العدول وجد في العصر الذي اتخذه موضوعاً لكتابه. وهو اعتقاد خطأ فأول ما سمع عن نظام العدول إنما كان زمن الرشيد أي في الدولة العباسية (أنظر كتاب تاريخ القضاء في الإسلام ص ١٣٢) ثم إن كلام المؤلف لا يجلو هذا النظام على حقيقته وفيه تخليط كثير (راجع الكتاب المذكور). ويقول المؤلف في ص ٦٢٧ وهو يتكلم على الجامع الأموي بدمشق: (وقد تأنق الوليد في بناء هذا المسجد حتى قيل أنه أنفق على عمارته خراج دولته سبع سنين وما ذلك إلا ليتقرب إلى الله بهذا العمل الديني الجليل). والمؤلف ينقل هنا عبارة المستشرق فون

стр. 10489

كريمر، وفون كريمر يعتمد على ابن الفقيه. ووجه المبالغة غير المعقولة في تقدير نفقات الجامع ظاهر. وكان ينبغي العدول عن رواية ابن الفقيه والأخذ برواية أخرى متواترة قال بها الأصطخري وابن حوقل والمقدسي. ومؤداها أن النفقة استغرقت خراج الشام وحده سبع سنوات. وبعد فلو أردنا استقصاء الأخلاط التاريخية الواردة في كتاب (تاريخ الإسلام السياسي) لطال الأمر. فنكتفي بهذا القدر. ونختم كلمتنا اليوم بإيراد أغلاط جغرافية جرى بها قلم المؤلف. فبلدة (صحار) تكتب الصاد المهملة لا بالسين كما كتبت على خريطة جزيرة العرب الواردة في أول الكتاب، وبلدة عينتاب تكتب بالياء المثناة بعد العين (أنظر نفس الخريطة)، وإذا أريد تعيين وادي اوطاس فلا يقال إنه بين مكة والبصرة (ص ٣١) فالتعيين على هذا النحو وعدمه سواء. ولا يقال في تحديد ملك الغساسنة (إنه كان حول دمشق وتدمر. وكانوا يجولون في الجهات الجنوبية لدمشق وخاصة لبنان وفلسطين والبلقاء وحوران) فماذا بقي للروم من الشام (ص ٥٦). ولا يقال أن الطبيعة وهبت نهر اليرموك أسراراً وألغازاً (ص ٢٨٩)، وإلا فما تلك الألغاز والأسرار؟ ومن أقبح الخطأ أن يقال ص ٣٣٥ (وقد أنشأ معاوية أسطولاً حارب البيزنطيين حتى وصل إلى عمورية في آسيا الصغرى كما استولى على جزيرتي قبرص ورودس) فعمورية لا تقع على البحر ولكنها في صميم آسيا الصغرى. كما أن هرقلة ليست واقعة على البحر الأسود ولكنها في شرقي آسيا الصغرى مما يلي منطقة الثغور الإسلامية. (الخريطة ص ٢٧٤) ثم أن خريطة الأندلس ملأى بالخطأ والتحريف. مؤرخ

стр. 10490

العدد ١٢٨ - بتاريخ: ١٦ - ١٢ - ١٩٣٥

стр. 10491

بين الأمس واليوم ١٧ رمضان يوم الاتحاد والجهاد والنصر كان الإسلام المهاجر من مكة الجاهلية لا يزال خافض الجناح في يثرب؛ وكان السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا يزالون تحت البلاء: يمتحن الله صبرهم بالألم، ويختبر إيمانهم بالفتنة، ليمحص الذين يجتبيهم لنشر الدعوة، ويَعْلم الذين يصطفيهم لجهاد الرسالة؛ فالقرشيون يُوَثّبون عليهم القبائل، واليهود ينصبون لهم الحبائل، والمنافقون يدسون لهم الغدر في الملَق. فلما أذن الله لدينه أن يعود ولمجده أن يسود ولنوره أن يتم، أرسل جنوده الثلثمائة إلى وادي بدر، يتعاقبون على سبعين نِضواً من أباعر المدينة، ويستعينون بصبر المجاهد على القلة، وبعزة المؤمن على الذلة، وبعفة الزاهد على الفاقة؛ ويسيرون في استغراق الصوفي المدَلَّه إلى ما وعدهم الله من إحدى الطائفتين: العِير أو النفير، وإحدى الحُسْنَيَيْن: النصر أو الشهادة؛ ولكن العير الذي يفهق بالثراء الضخم نجا به أبو سفيان على الساحل، فلم يبق إلا مكة الغاضبة لثروتها وسطوتها ودينها قد نزلت بالعُدْوة القصوى من الوادي مع أبي جهل! تسعمائة وخمسون من فلذات كبدها أرسلتهم في الخيل والحديد يجيشون على محمد بالغِل، ويفورون على صحبه بالحفيظة، ويرون الإسلام في هذا العدد القليل والمظهر الهزيل قد أمكنهم من نفسه، ودلهم على مصرعه التقى الجمعان في صبيحة اليوم السابع عشر من شهر رمضان، وكان المسلمون على فقرهم وضرهم ثلث المشركين، وكان المشركون على كثرتهم وعُدَّتهم صفوة قريش، فموقف الإسلام من الشَّرك كان يومئذ موقف محنة. كان بين العُدْوتين في بدر مفرق الطرق، فإما أن يقود محمد زمام البشرية في سبيل الله فتنجو، وإما أن يردها أبو جهل إلى مجاهل التيه والضلال فتهلك. وقفت مدينة الإنسان بأديانها وعلومها وراء محمد على القليب، ووقفت همجية الحيوان بأصنامها وأوهامها وراء أبي جهل على الكثيب!! فكان طريق وعَقبة، ونور وظلمة، وإله وشيطان! فأما أن يتمزق تراث الإنسانية على هذا الصخر، ويتبدد نور الله في هذا القفر؛ وإما أن تتم المعجزة فتفيض الحياة على الناس من هذه البئر، ويتصل الماضي بالمستقبل من هذه الطريق، ويبدأ التاريخ عهده الجديد بهذه الموقعة!

стр. 10492

(اللهم هذه قريش قد أتت بخُيلائها تحاول أن تكذب رسولك! اللهم فنصرك الذي وعدتني! اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تُعبَدَ في الأرض!) ذلك كان دعاء الرسول أمام العريش ووجهه إلى القبلة، ويداه إلى السماء، ورداؤه من الذهول في الله يسقط عن منكبيه فيرده الصِّدِّيق ويقول: بعض هذا يا نبي الله فأن ربك منجز وعده! وما هي إلا خفقة من خفقات الوحي حتى نزل الوعد بالنصر، وجاءت البشرى بالجنة، فغاب المسلمون في إشراق عجيب من الإيمان، لا يرسم في أخيلتهم إلا الحُور، ولا يصور في عيونهم إلا الملائكة؛ وقذف الله في قلوب المشركين الرعب فانهار السد الغليظ أمام النبع النابض من صخور بدر، وانجاب القَتَم الكثيف عن النور الوامض من ربوع يثرب، وانكشفت المعجزة الإلهية عن انتصار ثلثمائة على قرابة ألف!! موقعة بدرٍ الكبرى لا تذَكر بخطتها وعدتها ونفقتها وعديدها في تاريخ الحرب، فلعلها في كل ذلك لا تزيد على معركة بين حيين في المدينة؛ إنما تذكر بنتائجها وآثارها في تاريخ السلم، لأنها كانت حكما قاطعاً من أحكام القدَر غيَّر مجرى التاريخ، وعدَّل وجهة الدنيا، ومكَّن للعرب في دَوْرهم أن يبُلغوا رسالة الله، ويؤدوا أمانة الحضارة، ويصلوا ما انقطع من سلسة العلم لم يكن النصر فيها ثمرة من ثمار السلاح والكثرة، ولكنه كان ثمرة من ثمار الإيمان والصدق؛ والإيمان الصادق قوة من الله فيها الملائكة والروح، وفيها الأمل والمثَل، وفيها الحب والإيثار، فلا تبالي العَدد ولا ترهب السلاح ولا تعرف الخطر! بهذا الإيمان الصادق خلق الله من الضعف قوة في بدر والقادسية واليرموك؛ وبهذا الإيمان الصادق جعل الله من البادية الجديبة والعروبة الشتيتة عمرانا طبق الأرض بالخير، وملكا نظَّم الدنيا بالعدل، ودينا ألَّف القلوب بالرحمة بهذا الشعور القدسي الذي يحس وينهض ويقود، وبهذا اليقين النفسي الذي يجاهد وينتصر ويسود، وقف الشباب المصري الباسل من دخلاء الجيش، موقف البدريين من كفار قريش، يشقون بهتافهم أذن الأصم، ويقرعون باحتجاجهم ضمير المصِرِّ، ويجدعون بثباتهم أنف المستكبر! لا ينكلون أمام الرصاص، ولا يرهبون وحشة السجن، ولا يجزعون عند الفاجعة. وعاطفة الوطنية كعقيدة الدين: فناء في الغيرية، واندماج الجمعية، وتوجيه الأمل

стр. 10493

الطموح إلى المقصد الأعلى؛ وأجمل ما في وطنية الشباب المصري اليوم، هو أجمل ما كان في عقيدة الشباب العربي أمس: اتحاد قائم على الألفة، وتضامن مبني على الوحدة، ومزاج مركب من الشعور الدافق والإيمان الصادق والتفكير المنظم إن اليوم السابع عشر من رمضان سيظل يوماً مشهوداً في تاريخ الأمة العربية بنزول القرآن وغلبة الحق، وفي تاريخ الأمة المصرية بنصرة الشباب ووحدة الأحزاب وعودة الدستور احمد حسن الزيات

стр. 10494

٤ - المجنون للأستاذ مصطفى صادق الرافعي وضاق (نابغةُ القرن العشرين) بحُمق المجنون الآخر؛ ورآه داهية دَوَاهٍ كلما تعاقل أو تحاذق لم يأتِ له ذلك إلا بأن يكشفَ عن جنونه هو؛ فلا يبرَحُ يُجرَّعُه الغيظَ مرةً بعد مرة، ولا يزال كأنه يسُّبه في عقله؛ فأراد أن يحتالَ لصرفه عن المجلس، فدفع إليهالرسالة التي جاء بها (البريد المستعجل)، وقال له: خذ هذه فاذهب فألقِها في دار البريد، فسيجيء بها الساعي مرة أخرى، ثم تذهب الثانية فتلقها، ويعود هو فيجئ بها، وتكونُ أنت تذهب ويكون هو يجئ فنضحك منه ويضحكون. . . . . قال س. ع: ولكن كم يذهب هذا وكم يجئ ذاك؟ فغمزه (النابغة) بعينه أن اسكت، فتغافل س. ع. وقال: كم تريد أن يجيء الساعي ليهتف بنابغة القرن العشرين؟ قال المجنون الآخر: هذا هو الرأي، فلست قائماً حتى أعرف كم مرةً أذهب، فان الساعي لا يجيء إلا راكباً، وأنا لا أذهب إلا راجلا، وإن لي رجلي إنسان لا رجلي دابة قال (النابغة): سبحان الله! بقليل من الجنون يخرجُ من الإنسان مجنونٌ كامل مُسْتَلَبُ العقل. بَيْدَ أنه لا يأتي النابغةُ إلا من كثيرٍ وكثير، ومن النبوغ كله بجميع وسائله وأسبابه على تعدُّدها وتفرّقها وصعوبة اجتماعها لإنسان واحد (كنابغة القرن العشرين) فهو الذي توافتْ إليهكلُّ هذه الأسباب، وتوازنت فيه كل تلك الخلال. إنه ليس الشأنُ في العلم ولا في التعليم؛ ولكنما الشأنُ في الموهبة التي تبدع الابتكار كموهبة (نابغة القرن العشرين)؛ فيها تجئ أعماله منسجمةً دالة بنفسها على نفسها؛ ومتميزة مع كونها منسجمة دالة بنفسها على نفسها؛ ومتلائمة مع كونها متميزة دالة بنفسها على نفسها. . هذا س. ع. كان الأولَ بين خرّيجي مدرسة دار العلوم، مدرسة الأدب والعربية والمنطق والتحذلق وبلاغة اللسان وصحة النظر، وهو يعرف أن الكتاب يُلقي في البريد وعليه طابعٌ واحد، فيصل إلى غايته بهذا الطابع؛ ثم يرى بعيني رأسه أربعة طوابع على هذه الرسالة المعنونة باسم (نابغة القرن العشرين) فلا يدرك بعقله أن معنى ذلك أن من حق هذه الرسالة أن تصل إليَّ أنا أربع مرات. . . .

стр. 10495

فطرب المجنون الآخر واهتزّ في مجلسه، وصفَّق بيديه، وقال: (مما حفظناه) هذا الحديث: يحاسِبُ الله الناس على قدر عقولهم؛ فلا تؤاخذ س. ع. فان مدرسة دار العلوم تعلمهم (فيها قولان)، وفيها ثلاثة أقوال، وفيها أربعة أوجه؛ ولكنها لا تعلمهم فيها أربعة طوابع. . . . . . ثم التفت إلى س. ع. وقال له: لا عليك، فأنا صاحبُه وخَليطُه وحاملُ عِلمه وراويةُ أدبه وأكبر دُعاتِه وثقاته، وما علمتُ هذه الحكمة منه إلا في هذه الساعة قال ا. ش: فإذا كان هذا، فان لقائلٍ أن يقول: لماذا لم يضع على كتابه عشرة من الطوابع فيجيء به الساعي عشر مرات قال (النابغة): وهذا أيضاً. . . وما شرُّ الثلاثةِ أُمَّ عمرٍو بصاحبك الذي لا تصحبين؛ إن الشمعة في يد العاقل تكون للضوء فقط، ولكنها في يد المجنون للضوء ولإحراق أصابعه. . . كم الساعة الآن؟ قلنا: هي التاسعة قال: ومتى ينصرف أهل هذا الندىّ؟ قلنا: لتمام الثانية عشرة قال: فإذا كان الساعي يتردد في كل ساعة مرة، فهي أربعُ مرات إلى أن ينفضَّ المجتمعون هنا، وبين ذلك ما يكون قد ذهب قومٌ عرفوا (نابغة القرن العشرين)، وجاء قوم غيرهم فيعرفونه، وأما بعد ذلك فلا يجد الساعي هنا أحداً فلا تكون فائدة من مجيئه فصفَّق المجنون الآخر وقال: هذا وأبيك هو التهدّي إلى وجه الرأي وسداده، وهذا هو الكلامُ الرصينُ الذي يقوم على أصول الحساب والجغرافيا. . . (ومما حفظناه) هذا الحديث: لا مالَ أعودُ من العقل. فأربعة طوابع، لأربع مرات، في أربع ساعات، وما عدا ذلك فإسرافٌ وتبذير، ولا مال أعودُ من العقل. . . ورضى (النابغة) عن صاحبه وقال له: لئن كانت فيك ضَعْفةٌ إن فيك لبقيةً تعقل بها. . . ثم أخذ منه الرسالة ودسَّها في ثوبه. قلنا: ولكن ألا تفضُّها لنعرف ما فيها؟ فضحك وقال: أئن جارَيتكم في باب المطايبَة والنادرة، وجاريتُ هذا الأبلهَ في باب جنونه وحمقه - تحسبون أن الأمر على ذلك، وأن الرسالة فارغةٌ إلا من عنوانها، وأن نابغة

стр. 10496

القرن العشرين هو أرسلها إلى نابغة القرن العشرين كما قال سعد باشا: (جورج الخامس يفاوض جورج الخامس). . .؟ لحقٌ واللهِ أن العقل الكبير الذي يأبى الصغائر هو الذي تأتي منه الصغائر أحياناً لتثبت أنه عقل كبير، وهكذا تسخر الحقيقة من كبار العقول (كنابغة القرن العشرين) فغضب المجنون الآخر وهمَّ أن يتكلم. فقال له (النابغة): أنت كاذبٌ فيما ستقوله قلنا: ولكنه لم يقل شيئاً بعد، فكما يجوز أن يكون كاذباً يجوز أن يكون صادقاً قال: وسيخطئ في رأيه الذي يبديه قلنا: ولم يبد شيئاً من رأيه قال: ولا يعرف الحقيقة التي سيتكلم عنها قلنا: ويحك أدخلت في عقل الرجل أم تعلم الغيب؟ قال: لا هذا ولا ذاك ولكنه قياسٌ منطقيٌّ يتَوهَّم اطرادُه. إنه سيقول إني مجنون. . . فأخرج الآخر لسانه. . . قال (النابغة): تباً لك لقد رأيتُ الكلمةَ في لسانك كأنها مكتوبة بحروف المطبعة. ويحك يا مَرْقعان ألا تعرف أن لك دماغاً مخروقاً تسقط منه أفكارك قبل أن تتكلم بها، ولولا أنه مخروقٌ لحفظت المتن! إن كل تخطئةٍ لي منك بصواب فنظر إليهالآخر نظرةً كان تفسيرها في حواجبه إذ مطَّ حواجبه ورقَّصها. فقال (النابغة): ونظراُته خبيثةٌ، مِلْحةُ الطعم، مزعوقةٌ كماء البحر المرَّ، أُخذ من البحر وأُضيف إلى ملحه الطبيعي ملح. أكادُ أتهوَّعُ من هذه النظرة فأقئ الآن فهمتُ معنى قولهم: (ملحةٌ في عين الحسود) فان الملح لا يغلبه إلا الملح، كالحديد بالحديدُ يفْلجْ. هاتوا كأساً من معتقة الخمر لينظرْ فيها الخبيث هذه النظرةَ فان الخمر لابد مستحيلةٌ شربة ملح إنجليزي. . . هذا الأبله ثقيل الدم كأن دمه مأخوذ من مستنقع. . . أهذا الذي لا يستطيع أن يقول لشيء في الدنيا: هو لي، إلا الفقر والجنون والخرافة - يكذّب ما في الرسالة التي جاء بها البريد المستعجل ولا يصدق أنها مرسلة إلى نابغة القرن العشرين من صاحب السمو الأمير؟ هذا الذاهب العقل هو كالجبان المنقطع في وحشة القفر في ظلام الليل، إذا توجَّس حركةً ضعيفة انقلبت في وهمه قصةَ جريمةٍ ملؤها الرعب وفيها القتل والذبح. ولهذا يخشى ما في

стр. 10497

الرسالة التي جاءت من صديقي صاحب السمو. هاؤم اقرءوا الرسالة وفضضنا الغلاف فإذا ورقتان ممهورتان بتوقيع أمير معروف أحدهما صِكً بألف جنيه تُدفع (لنابغة القرن العشرين)، والثانية أمرٌ بالقبض على المجنون الآخر. . . وإرساله إلى المارستان وذهبتُ أصْلح بينهما فقلت: إن في الحديث الشريف: بينما رسولُ الله ﷺ في أصحابه إذ مرّ به رجل، فقال بعض القوم هذا مجنون. فقال رسول الله ﷺ : هذا مصاب، إنما المجنونُ المقيم على معصية الله فقال صاحب المتن: (مما حفظناه): إنما المجنون المقيم على معصية الله قلت: وليس فيكما مقيم على معصية الله. . . . قال المجنون: (مما حفظناه) وليس فيكما مقيم على معصية الله قلت: هذا ليس من الحديث ولكنه من كلامي. قال (النابغة) أنبأتكم أن هذا البله يضلّ في داره كما يضلّ الإعرابي في الصحراء؛ وأن الأسطول الإنجليزي لو استقرّ في ساقية يدور فيها ثور، لكان أقرب إلى التصديق من استقرار العقل في رأس هذا الأبله؟ فاحتدَمَ الآخر وهمّ أن يقول (مما حفظناه) ولكني أسكتّه وقلت (للنابغة): إنك دائماً في ذِروة العالم فلا غَرَو أن ترى المحيطَ الأعظم ساقية. والنوابغ هم في أنفسهم نوابغ، ولكنهم في رأي الناس مرْضىَ بمرض الصمود الخياليّ إلى ذروة العالم. ومن هذا يكون المجانين هم المرضى بمرض النزول الحقيقي إلى حضيض الآدمية. فهناك يعملون فتكون أفكارهم من أعمالهم، ثم تكون عقولهم من أفكارهم، فيكون هذا الجنون في عقولهم. وذلك معنى الحديث: إنما المجنون المقيم على معصية الله قال (النابغة): لَعَمري إن هذا هو الحق. فنبوغُ العقل مرضٌ من أمراض السموّ فيه؛ فالشاعر العظيم مجنون بالكون الذي يتخيّله في فكره، والعاشق مجنون بكون آخر له عينان مكحولتان؛ والفيلسوفُ مجنون بالكون الذي يدأب في معرفته؛ ونابغة القرن العشرين مجنون. . . لا. لا. قد نسينا ا. ش فهو مجنون وس. ع فهو مجنون وكلُّ الناس مجنونٌ بليلى … وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكا ومن حقّ ليلى ألا تقر لهم إذ هي لا تقر إلا لنابغة القرن العشرين وحده. وما أعجبَ سحرَ

стр. 10498

المرأة في الكون النفسانيِّ للرجال؛ أما في الكون الحقيقي فهي أنثى كأناث البهائم ليس غير. وأعقلُ الرجال من كان كالحمار أو الثور أو غيرهما من ذكور البهائم. فالحمار لا يعرف الحمارة إلا إنها حمارة، والثور لا يعرف البقرة إلا إنها بقرة؛ ولا ينظمون شعراً ولا يكتبون (أوراق الورد). . . . . وإناث البهائم أُمَّاتٌ لا غير، ولكن العجيب أن ذكورتها ليست آباءً؛ فهذه الذكورة طفيليةٌ في الدنيا، والطفيليُّ لا يأكل إلا بحيلة يحتال بها فيكون صاحب نوادر وأضاحيك وأكاذيب. ولهذا كان عشق الرجال للنساء ضُروبا من الخداع والأكاذيب والأضاحيك والحيل والغفلة والبلاهة. وإذا نظرنا إليه من أوله فهو عشق، أما آخره فهو آخر الحيلة والأكذوبة، وهو قول الطفيلي قد شبعتُ وقد رويت. . . ويحكم أين أولُ الكلام؟ قلنا: أوله ما أعجب سحر المرأة في الكون النفساني للرجال قال: نعم هذا هو. إنه سحر لا أعجب منه في هذا الكون النفساني إلا سحر الذهب. فلوُ مسِخت المرأةُ الجميلة شيئاً من الأشياء لكانت سبيكةً ذهبيةً تلمع. ولهذا يُوجدُ الذهبُ اللصوص في الدنيا، وتوجد المرأةُ الجميلة لصوصا آخرين، فيجب أن يصان الذهب وأن تصان المرأة قلت: ولكن أليس من المال فضة وهي توجد اللصوص كالذهب؟ قال: نعم، وفي النساء كذلك فضة وفيهن النحاس. ولو أنت ألقيت ريالاً في الطريق لأحدثتَ معركة يختصم فيها رجلان ثم لا يذهب بالريال إلا الأقوى. ولو تركت قرشاً لتضارب عليه طفلان ثم لا يفوز به إلا من عض الآخر. . . ولكن (فورد) الغني الأمريكي العظيم الذي يجمع يَده على أربعمائة مليون جنيه لا يتكلم عن القرش؛ (ونابغة القرن العشرين) الذي يملك (ليلى) لا يتكلم عن غيرها من قروش النساء قلت: فإني أحسبك أعلمتني أن اسمها فاطمة لا ليلى قال: هل يستقيم الشعر إذا قلت: وكل الناس مجنون بفاطمة وفاطم لا تقرُّ لهم؟ قلت لا. قال: إذن فهي (ليلى) ليستقيم الشعر. . . أما حين أقول: أفاطمُ مهلاً بعد هذا التدلّل، فهي فاطمة ليصح الوزن قلت: يُشبه والله ألا يكون اسمها ليلى ولا فاطمة؛ وإنما هي تسمى حسب الوزن والبحر،

стр. 10499

فاسمها فَعُولنْ أو مُفَاعَلتنْ ثم قلنا له: فما رأيك في الحب، فانه ليقال: إنك أعشقُ الناس وأغزل الناس؟ قال: إن ذلك ليقال (وهو الأصح). ثم أطرق يفكر. وبدا عليه أنه مندهش ذاهب العقل كأنه من قلبه على مسافة أبعد من المسافة التي بينه وبين عقله. وخّيل إلي أن النساء قد حُشِرن جميعاً في رأسه ومرت كل واحدة تعرض مفاتِنها وغَزلَها وتلائم هَذيَانه بهذيان من جمالها، فهو يرى ويسمع ويَعْرض ويَتخيّرْ. ثم اضطرب كالذي يحاول أن يسمك بشيء أفلت منه؛ فلم ينّبهه إلا قول المجنون الآخر: (مما حفظناه) أن أعرابية سئلت عن العشق فقالت: إنه داء وجنون. . . قال: اسكت يا ويلك لقد أطفأت الأنوار بكلمتك المجنونة. كان في رأسي مرقص عظيم تسطع الأنوار فيه بين الأحمر والأخضر والأبيض؛ وترقص فيه الجميلات من الطويلة والقصيرة والممشوقة والبادنة، فجئتَ بالداء والجنون قبحك الله فأخرجتني عنهن إليك. أحسبُ أنِك لو انتحرت لصلح العالم أو صلحتُ أنا على الأقل، فإذا أردت أن تشنق نفسك فأنا آتيك بالحبل الذي كنتُ مقيدا فيه أي الحبل الذي عندي في الدار. . على أن رأسك الفارغ مشنوقٌ فيك وأنت لا تدري. قال الآخر: ما أنت مُنذُ اليوم إلا في شنقي وتعذيبي أو في شنق عقلي على الأصح. (ومما حفظناه) قول الأحنف بن قيس: إني لأجالس الأحمق ساعةً فأتَبينُ ذلك في عقلي. . فلم يَرُعْبنا إلا قيامُ المجنون مسلَّحاً بحذائه في يده. . . وهو حذاء عتيق غليظ يقتل بضربة واحدة؛ فحلنا بينهما وأثبتناه في مكانه. وقلنا: هذا رجل قد غُلِب على عقله فلا يدري ما يقول؟ فإذا هو دل على أنه مجنون، أفلا تدل أنت على أنك عاقل؟ ما سألناك في انتحاره وجنونه، بل سألناك رأيك في الحب؛ وما نشك أنك قد أطلتَ التفكير ليكون الجواب دقيقاً، فانك (نابغة القرن العشرين)، فانظر أن يكون الجوابُ كذلك قال: نعم إن العاقل إذا ورد عليه السؤال أطال الفكر في الجواب. فأكتب يا فلان (س. ع): (جلس نابغة القرن العشرين مجلس الإملاء مُرتجلاً فقال: قصةُ الحب هي قصة آدم، خلق الله المرأة من ضلعه. فأول علامات الحب أن يشعر الرجل بالألم كأن المرأة التي أحبها كسرت له ضلعاً. . وكل قديم في الحب هو قديم بمعنى غير معقول، وكل جديد فيه جديد

стр. 10500

بمعنى غير مفهوم؛ فغيرُ المعقول وغيرُ المفهوم هو الحب والجمرةُ الحمراءُ إذا قيل إنها انطفأت وبقيت جمرة فذلك أقرب إلى الصدق من بقاء الحب حياً بمعناه الأول إذا انطفأ أو بَرَدَ والعاشق مجنون. وجنونه مجنون أيضاً، فهو كالذي يرى الجمرةَ منطفئةً ويرى مع ذلك أنها لا تزال حمراء، ثم يُمْعِنُ في خياله فيراها وردة من الورد. . وإذا سألته أن يصف الجمالَ الذي يهواه كان في ذلك أيضاً مجنونَ الجنون كالذي يرى قمر السماء أنه قد تَفَتَّت وتناثر ووقع في الروضة فكان نِثارُه هو الياسمينَ الأبيض الجميل الذكي. . . والمجنون يرى الدنيا بجنونه والعاقل يراها بعقله؛ ولكن العاشق المخبول لا ينظر من يهواه إلا ببقية من هذا وبقيةٍ من ذلك فلا يخلُصُ مع حبيبته إلى جنون ولا عقل (والمجهول) إذا أراد أن يظهر في دماغ بشريّ لم يسمعه إلا أحدُ رأسين: رأسِ المجنون ورأسِ العاشق ولا صعوبة في الحكم على شيء بأنه خير أو شر إلا حين يكون الخير والشر امرأة معشوقة. أما أوصاف الشعراء والكتاب للجمال والحب فهي كلها تقليد قد توسعوا فيه؛ والأصل أن ثوراً أحب بقرة فكان يقول لها: يا نجمة القطب التي نزلت من السماء لتدور في الساقية كما دارت في الفلك. . . قال (النابغة): هذا رأيي في حب العاشقين، أما حبي أنا (نابغة القرن العشرين) فيجمعه قولك: فلّ، ورد، زهر. . . قلنا ما هذه الألغاز، وهل للحب مَنْن كقولهم: حروفُ القَلْقَلة يجمعها قولك (قُطْبُ جَدٍ)، وحروف الزيادة يجمعها قولك (سألتمونيها)؟ فتضاحك (النابغة) وقال: تكاثرت الظباءُ على خَراش، فلكيلا ننسى. . . إن كل حرف هو بدءُ اسم، الفاء فاطمة، واللام ليلى، والواو وردة، والراء رباب، والدال دلال، والزاي زكية، والهاء هند، والراء رباب قلنا: رباب قد مضت في (ورد). قال: كنا تهاجَرْنا مدةً ثم اصطلحنا بعد هند. . قلت: هكذا النوابغ فان رجلا أدبياً كانت كنيته (أبا العباس) فلما (نبغ) صيّرها (أبا الِعبر) وفَتَق له نبوغه أن يجعلها تاريخاً يعرف منها عمره. قالوا فكان يزيد فيها كل سنة حرفاً

стр. 10501

حتى مات وهي هكذا: أبو العبر طَرَدْ طيل طَليرِي بَك بَك بَك (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 10502

حوادث الشرق الأقصى مشروع اليابان في الاستيلاء على الصين بقلم باحث دبلوماسي كبير بينما تشتغل أوربا والعالم بأسره بتطورات المشكلة الإيطالية الحبشية وما يترتب على تفاقمها من أخطار داهمه على سلام أوربا وسلام العالم، إذا بالشرق الأقصى يجيش بحوادث خطيرة قد يكون لها أكبر الأثر في مصير الصين والشرق الأقصى كله، ولكن يحجب عنا خطورتها، نأيهاً وغموضها وانحصارها في ذلك الركن من العالم؛ وهي ليست في جوهرها جديدة أو مستقلة، ولكنها حلقة جديدة في ثبت الحوادث التي يضطرم بها الشرق الأقصى منذ أربعة أعوام، والتي تضرمها وتذكيها السياسة اليابانية كلما آنست فرصة صالحة للعمل وليس من الصعب أن نتلمس في حوادث الصين الجديدة رغم غموضها، وجه الصلة بينها وبين الحوادث المماثلة التي تقع في الصين بين آونة وأخرى، فالسياسة اليابانية هي التي تنظمها وتوجهها بأساليب متماثلة، وتتذرع لاضرامها بنفس المعاذير: اعتداء على المصالح اليابانية في ناحية من النواحي، أو مقتل أحد الرعايا اليابانيين، أو اضطراب الأمن وعيث العصابات، أو دسائس الشيوعية؛ كذلك ليس من الصعب أن نتحرى العوامل والبواعث الدفينة التي تحمل هذا الغزو الياباني المنظم إلى داخل الصين بين آونة وأخرى تارة بالقوة العنيفة، وتارة بالوسائل السياسية، فاليابان تكاد تفصح عن نياتها ومقاصدها الاستعمارية البعيدة في كل مناسبة، وإن كانت ما تزال تستتر وراء بعض المظاهر والعبارات الخلابة التي يمهر الاستعمار في صوغها وقد بدأت اليابان منذ بضعة أسابيع في القيام بمحاولة جديدة لبسط نفوذها على مناطق جديدة من الصين؛ ومهد قادة الجيش الياباني في شمال الصين لذلك بمؤتمر عقدوه في دايرين ثغر منشوريا الجنوبي، ووجهوا على أثره بلاغاً نهائياً إلى الحكومة الصينية الوطنية (حكومة نانكين) ضمنوه المطالب الآتية: ١. قمع الدعوة الشيوعية في الصين، وهي دعوة مهدها ومصدرها منغوليا ٢. قمع أعمال (الكومن تانج) (الحزب الوطني الصيني) وأعمال الجمعية الوطنية الصينية

стр. 10503

المسماة بجمعية (ذوي الأقمصة الزرقاء) في شمال الصين ٣. تعهد الحكومة الصينية بأن تتبع منذ الآن سياسة ودية نحو اليابان وبينما كانت حكومة نانكين تدرس ذلك البلاغ، إذ وقعت عدة حوادث في منطقة الحياد الشمالية في شمال بكين اقتضت تدخل السلطات اليابانية، وقامت ثورات محلية صغيرة في عدة مناطق طولب خلالها بتخفيض الضرائب والاستقلال عن حكومة نانكين؛ ولم يكن أصبع العسكرية اليابانية بعيداً عن هذه الحوادث ولم تلبث السياسة اليابانية أن أفصحت عن غرضها الحقيقي من القيام بهذه الحركة؛ فقد أبلغت السلطات المحلية في ولايات الصين الشمالية، وأبلغت حكومة نانكين بوجوب إنشاء حكومة إدارية مستقلة في ولايات خمس هي: هوبي، وتشاهار، وشانصي، وسويان، وشانتونج، وتكون عاصمتها بكين، العاصمة الإمبراطورية السابقة؛ وقصد اليابان منذ ذلك أن تقيم دولة متوسطة بين أملاكها الصينية في الشمال أعني منشوكيو وجيهول، وبين وادي النهر الأصفر حيث يبدأ نفوذ حكومة نانكين الحقيقي وقد أفرغت اليابان مطلبها في صيغة بلاغ نهائي، وأنذرت الحكومة الوطنية الصينية بأنها ستتخذ الإجراءات العسكرية اللازمة إذا لم تحقق رغبتها؛ ولكن حكومة نانكين لم تذعن لهذا الوعيد، وكذلك لم يذعن زعماء الشمال، ولم تنفذ اليابان وعيدها في الحال، ولكنها آثرت أن تعمد مؤقتاً إلى العمل السياسي؛ وفي الأنباء الأخيرة أن الضغط الياباني قد أحدث أثره الأول وذلك بحمل حكومة نانكين على الموافقة على إنشاء إدارة مستقلة في مقاطعتي تشاهار وهوبي يكون مركزها في بكين، ويتولى إدارتها مجلس مؤلف من زعماء الشمال، ويكون لها طابع الاستقلال التام في شئونها الداخلية وعلائقها الخارجية، ما عدا الجمارك والبريد فتحتفظ حكومة نانكين بإيرادها؛ ومعنى ذلك أن اليابان قد فازت بتحقيق الخطوة الأولى في مشروعها لفصل الشمال عن الجنوب ووضعه تحت نفوذها السياسي والاقتصادي ونظرة بسيطة إلى خريطة الصين توضح لنا فداحة هذا المشروع الياباني، فالولايات الخمس التي يراد فصلها عن الحكومة الوطنية من أهم وأغنى الأقاليم الصينية؛ وفصلها على هذا النحو يشطر الصين إلى شطرين، ويمهد إلى بسط النفوذ الياباني على الأقاليم

стр. 10504

الشمالية حتى النهر الأصفر (الينج تسي)؛ وتتظاهر السياسة اليابانية بأنها في هذه المحاولة إنما تعبر عن رغبات سكان هذه الأقاليم، والواقع أنها تعتمد في ذلك على مؤازرة الجنرال (شنج تشي يوان) زعيم الشمال وخصم الحكومة الوطنية، وتعتمد من جهة أخرى على محالفة حكومة (كوانتونج) الجنوبية (حكومة كنتون) وهي أيضاً خصيمة الحكومة الوطنية؛ فالحكومة الوطنية أو حكومة نانكين تجد نفسها بين نارين في هذا الصراع الذي يوشك أن يقوض دعائمها ويجب أن نذكر إلى جانب أن اليابان قد استولت قبل ذلك بأربعة أعوام على إقليم منشوريا الغني، ولم تعبأ بتدخل عصبة الأمم وقراراتها النظرية؛ وأنشأت فيه جمهورية صورية تحت الحماية اليابانية (منشوكيو)؛ ولبثت بعد ذلك تتحين الفرص للزحف جنوباً متذرعة بمختلف الحجج والأعذار حتى اقتحمت قواتها (السور الكبير) واستولت على قسم كبير من إقليم جيهول، وبسطت نفوذها على جميع الأراضي الواقعة شمال بكين؛ وليست الحركة الانفصالية الجديدة التي تدبرها السياسة اليابانية إلا حركة غزو جديدة، تستأنف بها اليابان نشاطها في سبيل تنفيذ مشروعها الاستعماري الضخم الذي تتحين الفرص لتحقيقه كلما شغلت الدول الغربية بأزماتها الخطيرة والظاهر أن السياسة اليابانية كانت تعبر عن نيتها ومشاريعها المستقبلية تعبيراً صادقاً حينما ألقت إنذارها الشهير منذ نحو عام ونصف إلى أوربا وأمريكا وهو: (ارفعوا أيديكم عن الصين) أو بعبارة أخرى حينما صرحت بأنها تجري في سياستها الصينية على مبدأ (آسيا للأسيويين) مثلما تجري أمريكا في سياستها على مبدأ (مونرو) الشهير أو على مبدأ (أمريكا للأمريكيين)، وقد كانت اليابان ترقب دائماً مشاريع الدول الغربية وتوغل نفوذها في الصين بمنتهى الاهتمام والتوجس؛ وتعمل على مقاومة نفوذها وامتيازها بالوسائل الاقتصادية والعسكرية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولكنها جرت في الأعوام الأخيرة على سياسة عملية يؤيدها التدخل العسكري، وكان استيلاؤها على منشوريا تحت سمع أوربا وأمريكا ورغم تدخل عصبة الأمم تجربة عملية ناجحة عجمت بها عود الدول الكبرى ذات المصالح في الصين مثل بريطانيا العظمى وروسيا وفرنسا وأمريكا، واستطاعت أن تقف على مدى المقاومة التي يمكن أن تتذرع بها الدول لمعارضتها؛ بيد أن الدول عدا روسيا لم

стр. 10505

تبد معارضة نظرية، ومع أن روسيا وأمريكا قدمتا على غزو اليابان للأراضي الصينية احتجاجات شديدة، فان اليابان لم تحفل بأي احتجاج أو معارضة؛ ولما توسعت اليابان في مشروعها وغزت ثغر شنغهاي لترغم الصين على الاعتراف بالحالة الواقعة في منشوريا، احتجت الدول الغربية بنصوص معاهدة الدول التسع (معاهدة سنة ١٩٢٢) التي تنص على احترام سيادة الصين ووحدتها الإقليمية والإدارية، ولكن اليابان لم تنسحب من شنغهاي إلا أمام المقاومة العنيفة التي استطاعت أن تنظمها حكومة نانكين والآن تمضي اليابان في تنفيذ مشروعها لاحتلال الصين واستعمارها مرحلة أخرى. وهي تعمل في ظروف صالحة جداً؛ فالدول الغربية وأمريكا مشغولة بالأزمة الدولية الخطيرة التي أثارتها المشكلة الحبشية، والصين في حال من التفرق والتمزق لا تمكنها من أية مقاومة عملية، فحكومة الجنوب أو حكومة كوانتونج (وعاصمتها كنتون) تخاصم الحكومة الوطنية وتناوئها، والحكومة الوطنية (حكومة نانكين) لا تكاد يتعدى سلطانها الأقاليم الوسطى. أما الأقاليم الشمالية وهي مسرح النشاط الياباني، فتكاد تخرج جميعاً عن قبضتها ولا تكاد تتمتع فيها بأية سلطة أو نفوذ يذكر؛ والسلطة فيها موزعة بين جماعة من القادة العسكريين المحليين، أهمهم وأقواهم الجنرال (شنج تشي يوان) زعيم الشمال وهو من أنصار سياسة التفاهم مع اليابان. ويجب أن نذكر أن اليابان تعمل الآن مطمئنة من جانب روسيا التي اضطرت إزاء تطور الحوادث وتفاقمها في أوربا أن تترك ميدان الصراع مع اليابان في الشرق الأقصى، وأن تنسحب نهائياً من منشوريا بعد أن باعت لليابان نصيبها في السكة الحديدية الشرقية؛ وبذلك خفت عوامل الاحتكاك القديمة بين اليابان وروسيا، وهي عوامل كانت تحسب اليابان حسابها كلما أقدمت على عمل جديد في هذا الميدان أما الدول الغربية فليس من المنتظر أن تقوم في الظرف الحاضر بعمل ذي شأن، وخصوصاً بعد ما تصدعت جبهتها المشتركة، وأضحت كل تعمل بمفردها؛ بيد أن الصين تحاول من جانبها أن تحمل الدول الغربية على التحرك، وذلك بإثارة التمسك بمعاهدة الدول التسع لدى الدول الموقعة عليها، وهي الولايات المتحدة (أمريكا) وبريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا والبرتغال والصين واليابان ذاتها؛ وتنص هذه المعاهدة على احترام سيادة الصين واستقلالها ووحدتها الإدارية والإقليمية، وعلى معاونتها على النهوض
следующие страницы →