Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10501–10540 · переход к 10506.
стр. 10501
حتى مات وهي هكذا:
أبو العبر طَرَدْ طيل طَليرِي بَك بَك بَك
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10502
حوادث الشرق الأقصى
مشروع اليابان في الاستيلاء على الصين
بقلم باحث دبلوماسي كبير
بينما تشتغل أوربا والعالم بأسره بتطورات المشكلة الإيطالية الحبشية وما يترتب على تفاقمها من أخطار داهمه على سلام أوربا وسلام العالم، إذا بالشرق الأقصى يجيش بحوادث خطيرة قد يكون لها أكبر الأثر في مصير الصين والشرق الأقصى كله، ولكن يحجب عنا خطورتها، نأيهاً وغموضها وانحصارها في ذلك الركن من العالم؛ وهي ليست في جوهرها جديدة أو مستقلة، ولكنها حلقة جديدة في ثبت الحوادث التي يضطرم بها الشرق الأقصى منذ أربعة أعوام، والتي تضرمها وتذكيها السياسة اليابانية كلما آنست فرصة صالحة للعمل
وليس من الصعب أن نتلمس في حوادث الصين الجديدة رغم غموضها، وجه الصلة بينها وبين الحوادث المماثلة التي تقع في الصين بين آونة وأخرى، فالسياسة اليابانية هي التي تنظمها وتوجهها بأساليب متماثلة، وتتذرع لاضرامها بنفس المعاذير: اعتداء على المصالح اليابانية في ناحية من النواحي، أو مقتل أحد الرعايا اليابانيين، أو اضطراب الأمن وعيث العصابات، أو دسائس الشيوعية؛ كذلك ليس من الصعب أن نتحرى العوامل والبواعث الدفينة التي تحمل هذا الغزو الياباني المنظم إلى داخل الصين بين آونة وأخرى تارة بالقوة العنيفة، وتارة بالوسائل السياسية، فاليابان تكاد تفصح عن نياتها ومقاصدها الاستعمارية البعيدة في كل مناسبة، وإن كانت ما تزال تستتر وراء بعض المظاهر والعبارات الخلابة التي يمهر الاستعمار في صوغها
وقد بدأت اليابان منذ بضعة أسابيع في القيام بمحاولة جديدة لبسط نفوذها على مناطق جديدة من الصين؛ ومهد قادة الجيش الياباني في شمال الصين لذلك بمؤتمر عقدوه في دايرين ثغر منشوريا الجنوبي، ووجهوا على أثره بلاغاً نهائياً إلى الحكومة الصينية الوطنية (حكومة نانكين) ضمنوه المطالب الآتية:
١. قمع الدعوة الشيوعية في الصين، وهي دعوة مهدها ومصدرها منغوليا
٢. قمع أعمال (الكومن تانج) (الحزب الوطني الصيني) وأعمال الجمعية الوطنية الصينية
стр. 10503
المسماة بجمعية (ذوي الأقمصة الزرقاء) في شمال الصين
٣. تعهد الحكومة الصينية بأن تتبع منذ الآن سياسة ودية نحو اليابان
وبينما كانت حكومة نانكين تدرس ذلك البلاغ، إذ وقعت عدة حوادث في منطقة الحياد الشمالية في شمال بكين اقتضت تدخل السلطات اليابانية، وقامت ثورات محلية صغيرة في عدة مناطق طولب خلالها بتخفيض الضرائب والاستقلال عن حكومة نانكين؛ ولم يكن أصبع العسكرية اليابانية بعيداً عن هذه الحوادث
ولم تلبث السياسة اليابانية أن أفصحت عن غرضها الحقيقي من القيام بهذه الحركة؛ فقد أبلغت السلطات المحلية في ولايات الصين الشمالية، وأبلغت حكومة نانكين بوجوب إنشاء حكومة إدارية مستقلة في ولايات خمس هي: هوبي، وتشاهار، وشانصي، وسويان، وشانتونج، وتكون عاصمتها بكين، العاصمة الإمبراطورية السابقة؛ وقصد اليابان منذ ذلك أن تقيم دولة متوسطة بين أملاكها الصينية في الشمال أعني منشوكيو وجيهول، وبين وادي النهر الأصفر حيث يبدأ نفوذ حكومة نانكين الحقيقي
وقد أفرغت اليابان مطلبها في صيغة بلاغ نهائي، وأنذرت الحكومة الوطنية الصينية بأنها ستتخذ الإجراءات العسكرية اللازمة إذا لم تحقق رغبتها؛ ولكن حكومة نانكين لم تذعن لهذا الوعيد، وكذلك لم يذعن زعماء الشمال، ولم تنفذ اليابان وعيدها في الحال، ولكنها آثرت أن تعمد مؤقتاً إلى العمل السياسي؛
وفي الأنباء الأخيرة أن الضغط الياباني قد أحدث أثره الأول وذلك بحمل حكومة نانكين على الموافقة على إنشاء إدارة مستقلة في مقاطعتي تشاهار وهوبي يكون مركزها في بكين، ويتولى إدارتها مجلس مؤلف من زعماء الشمال، ويكون لها طابع الاستقلال التام في شئونها الداخلية وعلائقها الخارجية، ما عدا الجمارك والبريد فتحتفظ حكومة نانكين بإيرادها؛ ومعنى ذلك أن اليابان قد فازت بتحقيق الخطوة الأولى في مشروعها لفصل الشمال عن الجنوب ووضعه تحت نفوذها السياسي والاقتصادي
ونظرة بسيطة إلى خريطة الصين توضح لنا فداحة هذا المشروع الياباني، فالولايات الخمس التي يراد فصلها عن الحكومة الوطنية من أهم وأغنى الأقاليم الصينية؛ وفصلها على هذا النحو يشطر الصين إلى شطرين، ويمهد إلى بسط النفوذ الياباني على الأقاليم
стр. 10504
الشمالية حتى النهر الأصفر (الينج تسي)؛ وتتظاهر السياسة اليابانية بأنها في هذه المحاولة إنما تعبر عن رغبات سكان هذه الأقاليم، والواقع أنها تعتمد في ذلك على مؤازرة الجنرال (شنج تشي يوان) زعيم الشمال وخصم الحكومة الوطنية، وتعتمد من جهة أخرى على محالفة حكومة (كوانتونج) الجنوبية (حكومة كنتون) وهي أيضاً خصيمة الحكومة الوطنية؛ فالحكومة الوطنية أو حكومة نانكين تجد نفسها بين نارين في هذا الصراع الذي يوشك أن يقوض دعائمها
ويجب أن نذكر إلى جانب أن اليابان قد استولت قبل ذلك بأربعة أعوام على إقليم منشوريا الغني، ولم تعبأ بتدخل عصبة الأمم وقراراتها النظرية؛ وأنشأت فيه جمهورية صورية تحت الحماية اليابانية (منشوكيو)؛ ولبثت بعد ذلك تتحين الفرص للزحف جنوباً متذرعة بمختلف الحجج والأعذار حتى اقتحمت قواتها (السور الكبير) واستولت على قسم كبير من إقليم جيهول، وبسطت نفوذها على جميع الأراضي الواقعة شمال بكين؛ وليست الحركة الانفصالية الجديدة التي تدبرها السياسة اليابانية إلا حركة غزو جديدة، تستأنف بها اليابان نشاطها في سبيل تنفيذ مشروعها الاستعماري الضخم الذي تتحين الفرص لتحقيقه كلما شغلت الدول الغربية بأزماتها الخطيرة
والظاهر أن السياسة اليابانية كانت تعبر عن نيتها ومشاريعها المستقبلية تعبيراً صادقاً حينما ألقت إنذارها الشهير منذ نحو عام ونصف إلى أوربا وأمريكا وهو: (ارفعوا أيديكم عن الصين) أو بعبارة أخرى حينما صرحت بأنها تجري في سياستها الصينية على مبدأ (آسيا للأسيويين) مثلما تجري أمريكا في سياستها على مبدأ (مونرو) الشهير أو على مبدأ (أمريكا للأمريكيين)، وقد كانت اليابان ترقب دائماً مشاريع الدول الغربية وتوغل نفوذها في الصين بمنتهى الاهتمام والتوجس؛ وتعمل على مقاومة نفوذها وامتيازها بالوسائل الاقتصادية والعسكرية ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، ولكنها جرت في الأعوام الأخيرة على سياسة عملية يؤيدها التدخل العسكري، وكان استيلاؤها على منشوريا تحت سمع أوربا وأمريكا ورغم تدخل عصبة الأمم تجربة عملية ناجحة عجمت بها عود الدول الكبرى ذات المصالح في الصين مثل بريطانيا العظمى وروسيا وفرنسا وأمريكا، واستطاعت أن تقف على مدى المقاومة التي يمكن أن تتذرع بها الدول لمعارضتها؛ بيد أن الدول عدا روسيا لم
стр. 10505
تبد معارضة نظرية، ومع أن روسيا وأمريكا قدمتا على غزو اليابان للأراضي الصينية احتجاجات شديدة، فان اليابان لم تحفل بأي احتجاج أو معارضة؛ ولما توسعت اليابان في مشروعها وغزت ثغر شنغهاي لترغم الصين على الاعتراف بالحالة الواقعة في منشوريا، احتجت الدول الغربية بنصوص معاهدة الدول التسع (معاهدة سنة ١٩٢٢) التي تنص على احترام سيادة الصين ووحدتها الإقليمية والإدارية، ولكن اليابان لم تنسحب من شنغهاي إلا أمام المقاومة العنيفة التي استطاعت أن تنظمها حكومة نانكين
والآن تمضي اليابان في تنفيذ مشروعها لاحتلال الصين واستعمارها مرحلة أخرى. وهي تعمل في ظروف صالحة جداً؛ فالدول الغربية وأمريكا مشغولة بالأزمة الدولية الخطيرة التي أثارتها المشكلة الحبشية، والصين في حال من التفرق والتمزق لا تمكنها من أية مقاومة عملية، فحكومة الجنوب أو حكومة كوانتونج (وعاصمتها كنتون) تخاصم الحكومة الوطنية وتناوئها، والحكومة الوطنية (حكومة نانكين) لا تكاد يتعدى سلطانها الأقاليم الوسطى. أما الأقاليم الشمالية وهي مسرح النشاط الياباني، فتكاد تخرج جميعاً عن قبضتها ولا تكاد تتمتع فيها بأية سلطة أو نفوذ يذكر؛ والسلطة فيها موزعة بين جماعة من القادة العسكريين المحليين، أهمهم وأقواهم الجنرال (شنج تشي يوان) زعيم الشمال وهو من أنصار سياسة التفاهم مع اليابان. ويجب أن نذكر أن اليابان تعمل الآن مطمئنة من جانب روسيا التي اضطرت إزاء تطور الحوادث وتفاقمها في أوربا أن تترك ميدان الصراع مع اليابان في الشرق الأقصى، وأن تنسحب نهائياً من منشوريا بعد أن باعت لليابان نصيبها في السكة الحديدية الشرقية؛ وبذلك خفت عوامل الاحتكاك القديمة بين اليابان وروسيا، وهي عوامل كانت تحسب اليابان حسابها كلما أقدمت على عمل جديد في هذا الميدان
أما الدول الغربية فليس من المنتظر أن تقوم في الظرف الحاضر بعمل ذي شأن، وخصوصاً بعد ما تصدعت جبهتها المشتركة، وأضحت كل تعمل بمفردها؛ بيد أن الصين تحاول من جانبها أن تحمل الدول الغربية على التحرك، وذلك بإثارة التمسك بمعاهدة الدول التسع لدى الدول الموقعة عليها، وهي الولايات المتحدة (أمريكا) وبريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا والبرتغال والصين واليابان ذاتها؛ وتنص هذه المعاهدة على احترام سيادة الصين واستقلالها ووحدتها الإدارية والإقليمية، وعلى معاونتها على النهوض
стр. 10506
والتقدم بكل الوسائل، واستعمال الدول الموقعة لنفوذها في تأييد مبدأ الفرص المتساوية في النشاط التجاري والصناعي في الصين لجميع الأمم، وعلى عدم انتهاز ظروف الصين للحصول على امتيازات خاصة؛ فهذه المعاهدة هي التي تثير الصين وتثير الدول نصوصها اليوم احتجاجاً على عمل اليابان في شمال الصين، بيد أنه من المشكوك فيه أن يسفر هذا الاحتجاج النظري عن أية نتيجة عملية؛ فاليابان تمضي دائماً في طريقها غير حافلة بالنصوص التي تعرقل مشاريعها
على أن هناك عاملاً يحسب حسابه؛ فان اليابان إذا استمرت في سياسة التوغل في الصين على هذا النحو، فنها تقترب شيئاً فشيئاً من حدود الهند البريطانية، وحدود الهند الصينية الفرنسية؛ وبريطانيا العظمى لا تستطيع السكوت طويلاً على هذه الحركة التي قد تفضي إلى تهديد سيادتها في الهند؛ كذلك تشعر فرنسا بالخوف على مستقبل الهند الصينية، إذا ما اقتربت اليابان من جنوب الصين. والواقع أن بريطانيا رغم انشغالها بالمشكلة الحبشية واحتمالاتها المزعجة، لم تفتر عن العمل لمقاومة التوغل الياباني في الصين، والصراع يضطرم دائماً بين الدولتين وإن كان ما يزال يقتصر على الوسائل المستترة؛ وآخر محاولة بريطانية لمقاومة النفوذ الياباني، هي اتفاق بريطانيا مع حكومة نانكين على القيام بتنظيم المالية الصينية على يد خبير بريطاني، وعقد قرض للصين في إنكلترا، وهي محاولة تفطن لها اليابان وتعمل لمعارضتها؛ وإذا كانت الدلائل تدل على أن أمريكا قد أخذت تبتعد شيئاً فشيئاً عن التمسك بسيادة المحيط الهادي وعن التعرض لسياسة التوسع الياباني في الصين، فأنها من جهة أخرى تدل على أن بريطانيا العظمى ما زالت تعتبر قيام التوازن الدولي في الصين أمراً حيوياً لسلامة الهند وباقي أملاكها في الشرق الأقصى؛ ولم يكن إنشاء إنكلترا لقاعدة سنغافورة البحرية الهائلة بعيداً عن التحوط للزحف الياباني نحو الجنوب
وليس بعيداً أن يكون تقدم التوسع الياباني في الشرق الأقصى على هذا النحو المزعج عاملاً جوهرياً في التقرب بين إنكلترا وروسيا، واتحادهما معا على مقاومة هذا الخطر الياباني الذي تشعر كلتاهما باشتداد وطأته؛ فإذا تم ذلك، فانه يسجل انقلاباً خطيراً في السياسة الدولية، قد يكون له أبعد الأثر في تطور الحوادث في الشرق الأقصى
стр. 10507
المرأة كما يراها شوبنهور
للأستاذ زكي نجيب محمود
إن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضطلع بجليل الأعمال - الجسمي منها والعقلي على السواء، وإن رسالتها في الحياة لتنحصر في الانسال وتعهد الأطفال، مع وجوب طاعتها للرجل وخضوعها له؛ فقد شاءت لها الطبيعة أن تسلك في حياتها سبيلا هادئاً مطمئناً وادعاً، لا تصادف فيه ما يصادف الرجل في حياته من التطرف في اللذة والألم كليهما - وإذا كانت الحياة قد ركنت إلى المرأة في أداء هذه الرسالة الكبرى، وأرادت بها أن تكون أداة لتربية النشء في مدرج الطفولة الباكرة، فقد أعدتها إعدادا عقلياً يلائم الغرض من وجودها، فجاءت ضعيفة العقل قصيرة النظر، حتى لكأنها طفل كبير، لكي يتم بينها وبين أطفالها شيء من التناسق والانسجام، أو إن شئت فقل إنها مرحلة عقلية متوسطة بين الطفولة والرجولة، فالرجل هو الكائن البشري الحق الذي قصدت إليهالحياة
عرفت الطبيعة في المرأة ضعفها فوهبتها الجمال تغزو به أفئدة الرجال لينهض هؤلاء بعبئها عن رضى وطواعية، ولكن الطبيعة في عطائها كانت كعهدنا بها مقترة مغلولة اليد، فلم تهب المرأة من الجمال إلا بمقدار ما تستطيع أن تتخذ منه أداة لحفز الرجل على التناسل ليستمر البقاء، حتى إذا ما انقضت مهمتها في ذلك عادت الحياة فسلبتها ما كانت وهبتها من فتنة وجمال، وتركتها ذابلة ذاوية تنعى شبابها المفقود. . . وإن الفتاة مهما اشتعلت حماسة لحريتها، واصطنعت لنفسها مهن الرجال، لَتَشعرُ في أعماق نفسها أنها ما خلقت إلا للمعركة الجنسية، تتوسل لها بالحب وما يتصل به من تزين ودلال
ومما يلاحظ أنه كلما ارتفع الكائن الحي في سلم الكمال كان أبطأ وصولا إلى مرتبة النضوج، فبينما المرأة تكتمل نضوجها العقلي في سن الثامنة عشر، ترى الرجل لا يكاد يبلغ نهاية هذا النضوج إلا بعد الثامنة والعشرين، على أن المرأة لا تدرك من القوة العقلية إلا حدا ضئيلا لا يمكنها من أن تنفذ إلى حقائق الأشياء، ولذا يسهل انخداعها بالظواهر الباطلة، كما أنها كثيرا ما تتعلق بتوافه الأمور دون الهام منها والخطير؛ كذلك تتميز المرأة بأنها تعيش في حاضرها فقط، نظرا لعجزها عن أن تنفذ بفكرها إلى الماضي أو المستقبل، فبالقوة العقلية وحدها يستطيع الرجل أن يحطم حدود الزمن التي تقيد المرأة كما تقيد
стр. 10508
الحيوان الأعجم، فيرسل بصره إلى الأفق النائي البعيد، ويضم في نفسه أطراف الزمان من الأزل إلى الأبد؛ ولعل هذه الخاصة هي التي يتميز بها الرجل دون المرأة، وأعني بها النظر الشامل العميق، هي العلة فيما يلاحظ عليه من هم وانقباض كثيرا ما يغلبان عليه حتى ينسياه ما قد يحيط به من عوامل الهناءة والسرور. أما المرأة فهي تنعم بضعفها العقلي لأنها تلهو بلذائذ يومها غير حافلة بما يأتي به الغد من ويلات وكوارث. فهي في ذلك كالحيوان الأجهر (ضعيف البصر) الذي يرى ما هو قريب منه في وضوح وجلاء، ولكن بصره لا يمتد إلى أبعد من أنفه؛ أي أنها قد تستطيع أن ترى الحوادث الحاضرة أدق مما يراها الرجل، ولكنها عاجزة كل العجز عن اجتياز حاضرها إلى ماضيها ومستقبلها، وربما كان هذا النظر الضيق المحدود هو الذي دفع المرأة إلى ما تتصف به عادة من إسراف قد يصل إلى حد الحماقة والجنون؛ فهي تريد أن تنعم (الآن) وليأت بعد ذلك الطوفان! ولكن اشتغال المرأة بحاضرها واستمتاعها بلذائذ يومها لا يخلو من حكمة بالغة، لأن ذلك يكسبها مرحاً وابتهاجاً بالحياة يمكنانها من القيام بواجبها الخطير نحو الرجل، وهو الترويح عن نفسه مما يعانيه من شقاء وعناء، فما أكثر ما تكون المرأة جنة فيحاء تزيل بسحرها عن كاهل الرجل المتعب المضني عبء الهم الثقيل
ولكن لا ينبغي أن يتيه الرجل بما أوتي من العقل فلا يصغي لرأيها ولا يحفل بما تقول، بل خير له إذا ما حزب الأمر واشتد الخطر أن يستشيرها الرأي ويستهديها السبيل، وذلك لأن طريقة المرأة في فهم الأشياء تخالف طريقة الرجل كل المخالفة، فهي تحب بطبعها أن تسلك أقصر الطرق التي تؤدي إلى الغاية المقصودة، هذا فضلاً عن مقدرتها على رؤية القريب بسبب ضعف قواها العقلية الذي أشرنا إليه، فهي بذلك قد تلفت نظر الرجل إلى ما يغفل عن إدراكه لقربه منه، إذ هو كما قدمنا مفطور بطبعه على النظر البعيد؛ أضف إلى ذلك أن المرأة ألصق بالحقائق الواقعة فترى الحوادث كما هي لا تضيف إليها ولا تنقص منها، أما الرجل فإذا ما اضطرمت عواطفه، انطلق خياله يهول في الأمر ويزيد عليه فتضيع الحقيقة في ثنايا الأوهام ويستحيل عليه التفكير السليم
وقد كان هذا الضعف العقلي الذي تتميز به المرأة قيداً حصرها في دائرة الحقائق والوقائع المحسوسة دون أن تكلف نفسها مؤونة التفكير المطلق المجرد، فنتج عن هذا شدة عطفها
стр. 10509
على البائسين وحدبها على الأشقياء، لأنها لا تدري من حقائق الكون إلا هذه الحقائق الجزئية التي تراها وتلمسها؛ وليس في مقدورها أن تنظر إلى العالم كله وحدةً متصلة وحقيقة واحدة ينمحي في خضمه المتلاطم كل ما فيه من بؤس الأفراد وشقائهم، ولكن إن كان هذا النظر الواقعي المحدود قد أكسب المرأة عطفها الجميل، فقد جنح بها كذلك إلى ألأم الطباع وأخسها، فهي أبعد ما يكون الإنسان عن العدل والشرف ويقظة الضمير وما إليها من الصفات الخلقية التي لا تستساغ إلا بالنظر المجرد العميق، وقد ألجأها ما أحسته في نفسها من ضعف إلى أساليب المكر والحيل والخداع، فهيهات أن تجد بين النساء امرأة واحدة قد خلص طبعها من الخيانة والغدر والكذب؛ فبهذه هي عدتها التي وهبتها إياها الطبيعة لتدافع بها عن كيانها ووجودها كما امتدت الضواري بالمخالب والأنياب، فليس عند المرأة من عتاد تدرأ به عن نفسها ما يتهددها من خطر إلا المكر والخداع، لا فرق في ذلك بين امرأة وامرأة، وهي تلجأ إلى هذا السلاح الفكري في كل ظرف دون أن تشعر أنها ترتكب بذلك ما يناقض فضيلة أو شرفاً، بل إنها على نقيض ذلك تعتقد أنها إنما تستخدم قوة طبيعة فيها لها كل الحق في استخدامها كما يستعين الأسد بمخالبه ساعة الخطر؛ ولما كان الخداع مفطوراً في دماء النساء كُنَّ أقدر من الرجل على إدراك خداع الناس. ولذلك كان من الغفلة والبلاهة أن يحاول الرجل خداع المرأة لأنها في هذا الميدان فارسة لا يشق لها غبار. ولقد نشأ من هذا الجانب في النساء ميل غريزي إلى العقوق والخيانة ونكران الجميل؛ وما أهون على المرأة أن تحنث في يمينها، وما أيسر عليها أن تمد يدها إلى السرقة حتى ولو لم تكن في حاجة إلى ما تسرقه
لقد اتخذت الحياة من المرأة وسيلة للتعبير عن إرادتها في البقاء، وإن المرأة لتعلم في أعماقها أنها خلقت لحياة النوع قبل أن تخلق لشخصها، ولذا تراها تسعي جهدها لأداء واجبها الأول نحو النوع وإن تعارض ذلك مع واجبها نحو الرجل الذي يتعهدها ويرعاها، فهي تأبى مثلا إلا أن تلد وترضع وتربي مهما كلفها ذلك من عناء؛ وهنا تختلف المرأة عن الرجل اختلافا جوهريا، فبينما هي تتوفر لخدمة النوع وبقائه، ترى الرجل لا ينصرف بمجهوده إلا لبقاء شخصه؛ أعني أن المرأة خلقت وسيلة لبقاء النوع، أما الرجل فهو غاية في حد ذاته - ومن هذا الفارق بين الجنسين تفرع وجه اختلاف آخر بينهما: فالرجال لا
стр. 10510
يكاد بعضهم يأبه ببعض، بل كل منهم منصرف إلى سبيله لا يحفل بغيره، وذلك لبعد ما بين أعمالهم من تباين وخلاف؛ أما النساء فبينهن عداوة غريزية فلا يسع الواحدة منهن إلا أن تضمر في نفسها أشد المقت لغيرها من بنات جنسها. وعلة ذلك مدعاة للغيرة والكيد والتنافس؛ فنظر مثلا إلى سيدتين تقابلتا في الطريق كيف تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين كلها الغل والكراهية؛ وإنه لما يبعثك على الضحك أن تستمع إلى امرأتين تتعارفان أو تتبدلان تحية اللقاء أو الوداع، فلن ترى إلا سخفاً منشؤه أن التودد والتعاطف والمحبة ليست من طبيعة المرأة نحو المرأة، وأن هذه العداوة الفطرية بينهن لتتضح لك في جلاء إذا رأيت كيف تعامل المرأة الأرستقراطية من هي دونها في المنزلة الاجتماعية من النساء؛ عندئذ ترى صلفا أي صلف وغطرسة وكبرياء، لماذا؟ لأنها تشعر أن الفارق بينهما في حقيقة الأمر جد ضئيل. استغفر الله بل إنه لا فارق البتة بين امرأتين. فهذه تحفظ النوع بنسلها كما تحفظه تلك سواء بسواء؛ ولعمري أن الحياة لم تقصد بهن إلا هذا، وهذا وحده. تشعر المرأة الأرستقراطية بانعدام الفارق في الجوهر بينها وبين المرأة الوضيعة فتلجأ إلى الصناعة والتكلف تخلق بهما ما تريد هي أن يكون بين المرأتين من تفاضل؛ أما الرجل فتراه على النقيض من ذلك: يعامل من دونه بالحسنى، لأنه يعلم أن الطبيعة قد فرقت بينهما في القوة والعمل، فليس به لإظهار منزلته حاجة إلى الصلف والكبرياء
ولشد ما أعجب لهذا الاسم الذي يطلق على النساء جزافاً: (الجنس اللطيف)؛ ولست أشك أن من أطلق هذا اللقب على ذلك الجنس الضئيل القصير الشائه، هم أولئك الذين أفسدت غرائزهم الجنسية عقولهم. فجمال المرأة كله قائم على الغريزة الجنسية وحدها، وإنه لأقرب إلى الصواب أن نسمي النساء بالجنس الذي لا ذوق له ولا فن، إذ ليس في مقدورهن تقدير الجمال في شتى الفنون، ولكنهن كثيراً ما يغالطن في الحقائق فيدعين أنهن ذوات فن جميل، بأن يعزفن على الآلات الموسيقية أو يعالجن التصوير، ولكن ذلك منهن كذب ورياء، فهن لا يُشغفن إلا بما خلقن من أجله: حفظ النوع. . . . . . إن الرجل يجاهد في العلوم والفنون لتتم له السيطرة على الأشياء، إما بفهمها أو بالتحكم فيها، أما المرأة فهي بطبيعتها لا تحب أن تسيطر على الأشياء سيطرة مباشرة، ولكنها دائماً تقصد إلى السيادة على الأشياء عن طريق سيادتها على الرجل، فالرجل وحده هو ما تصبو المرأة إلى التحكم
стр. 10511
فيه والسيطرة عليه - ومعنى ذلك بعبارة أخرى - أن المرأة ترى في كل شيء وسيلة فقط لغزو الرجل، فإذا ما تظاهرت بميل إلى الموسيقى أو الشعر مثلاً فليس ذلك ناشئاً عن رغبة طبيعية فيها نحو هذه الفنون، إنما هي تتخذ منها أداة تتجمل بها لتروق في عين الرجل. وما أصدق روسو حين قال: (إن النساء بصفة عامة لا يحببن الفنون ولا يعرفنها، ومحال أن يبلغن فيها حد النبوغ) وهل تريد دليلاً على نفورهن من الفنون الرفيعة أقطع من هذا الذي تراه في دور التمثيل؟ أنظر إليه ن كيف يواصلن الحديث في أتفه الكلام، معرضات عما قد يكون على المسرح من أروع آيات الفن! ولئن صدق ما يقال من أن الإغريق لم يسمحوا لنسائهم بمشاهدة تمثيل المآسي، فو الله لقد أصابوا. . . ثم استعرض التاريخ وحدثني مَنْ من النساء قد أبدع في الفن آية فيها الأصالة والنبوغ؟؟
ولقد شاءت الطبيعة للمرأة أن تثير في الرجل أحط جوانبه، فهي لا تنفذ إلى الرجل من ناحية عقلية وهو مظهر قوته وسيادته ولكنها تأتيه من نواحي ضعفه ومجونه. فيجمل بالرجل أن يتخلص من ضعفها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، أما أن يكرمها ويرفع من قدرها فذلك ما أعجب له أشد العجب! إن إكرامك للمرأة واحترامك لها انحطاط لك في عينها، لأنها تدرك بفطرتها أنها أحط من الرجل وأضعف. فلا يضعها في غير موضعها إلا الضعيف العاجز - المرأة يجب أن تكون أماً فيجب ألا نعد بناتنا إلا لهذا مع تدريبهن على طاعة الرجل وقسرهن على الخضوع؛ وفي ذلك يقول بيرون الشاعر الإنجليزي (على النساء أن يعنين بالمنزل، وعلينا أن نحسن لهن في الطعام واللباس، ولكن لا يجوز لهن مخالطة المجتمع، فان تعلمن شيئاً فليكن ذلك هو الدين، على شريطة ألا يطالعن شعراً ولا سياسة، وألا يقرأن إلا كتب العبادة والطبخ)
إن كل قانون للزواج يعامل المرأة على أساس مساواتها بالرجل باطل من أوله، فإذا أراد القانون أن يسويها في الحقوق بالرجل فليعطها أولاً عقلاً كعقول الرجال! ومع ذلك فتأبى سخرية القدر إلا أن تعاني المرأة نفسها ما وراء المساواة من وخيم العواقب، لأنه كلما جارت القوانين على الرجل وأجحفت بسيادته الطبيعية على المرأة وطالبته بأن يقف منها موقف الند للند، أعرض الرجل ونفر، فليس من الهين عليه أن يقوم على مثل هذه التضحية وأن يطوح بما أوتيه من قوة وسيادة، وبذلك الإعراض يزداد عدد النساء غير
стр. 10512
المتزوجات اللواتي قد يدفعهن الفقر والحاجة أما إلى عمل لا يتفق مع طبيعتهن، وإما إلى السقوط في هاوية الفساد، وعندئذ تكون الطامة الكبرى. ويستطرد شوبنهور في استحسان تعدد الزوجات وفي وجوب عدم توريث المرأة مال زوجها لأنها مسرفة بطبعها، وقد نشأ إسرافها من تعلق أطماعها بالأشياء المادية فتراها تبذل بغير حساب في تجملها وزينتها، وهي في ذلك مخالفة للرجل الذي يتوجه بطموحه إلى نواح غير مادية كالعلم والشجاعة وما إليهما، فهو يستنفذ مجهوده فيما لا يحتاج إلى البذل والإسراف
يقول أرسطو في كتاب (السياسة): إنه إذا سمح للمرأة بالزيادة من حقوقها كان ذلك نذيرا بزوال الدولة ودمارها، وهو يستشهد على ذلك بأسبرطة. وقد جاء التاريخ الحديث بأمثلة كثيرة تؤيد ما ذهب إليهالفيلسوف العظيم، فزيادة نفوذ المرأة في فرنسا منذ عهد لويس الثالث عشر أدى إلى تدهور الحكومة والبلاط، وهذا بدوره أنتج الثورة الفرنسية الكبرى وما أعقبها من ثورات
وشهد شاهد من أهلها
لقد عرضت على القراء آراء شوبنهور في المرأة بمناسبة ما قرأته في إحدى الصحف الإنجليزية لسيدة تنكر على المرأة حقها في الحرية، قائلة إن الحرية تستتبع التفكير والمسئولية وهما ضد طبائع المرأة التي خلقت لتستعبد لشخص ما: زوجها أو طفلها. وهي تؤيد قولها بأنصع الأدلة وأقوى الحجج، وتروي لنا أنها كانت تحاضر في ناد نسوي فسألت الحاضرات: لو لم تكوني من بنات هذا القرن فأي زمن تختارين؟ فأجابتها فتاة ذكية: كنت أحب أن أعيش في أي عصر لا يتطلب من المرأة التفكير!!
زكي نجيب محمود
стр. 10513
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
كوخ غزاة المكروب
وانتقل كوخ بزوجه ومتاع بيته إلى برِسْلاوة، وعُيّن فيها طبيبا للبلدية براتب قدره تسعون جنيها في العام، وكان قد افتُرِضَ عند تقدير المرتب أن كوخ لا شك سيضاعفه أضعافا بما يكسبه من مرضاه، وأن المرضى لا شك آتون إليهزرافات ووحدانا إذا شاع في البلد أنه قد حلّ به مثل هذه العبقرية الفذّة. هكذا ظن الأستاذ كوُن، وهكذا ظن الأستاذ كُون هايم؛ وفتح كوخ داره للناس، فلم يقرع بابه طارق واحد. عندئذ تعلم كوخ أن من مساوئ الطبيب أن يكون فِكِّيرا يبحث في علل الأشياء. وعاد أدراجه إلى قرية فُلِشتين عودة حنين بخُفيه، وفيها ظل يقتفي آثار المكروب، ويتجسّس الجراثيم، ويقتنص تلك الخلائق الدنيئة في أجحارها، تلك الموجودات المعدومات في حكم العين، التي تصل إلى جروح الإنسان والحيوان فتبُثّ فيها سمّا قاتلا. وظل يحرز في هذا الميدان السبق بعد السبق من عام ١٨٧٨ إلى عام ١٨٨٠، وتعّلم أن يَصْبُغ كل نوع من أنواع البشلاّت صَبْغاتٍ مختلفات لتظهر صُغرها بَيْنة الجرم فيما حولها واضحة الحدود. واقتصد شيئا من المال، ولا يدري إلا الله كيف اقتصده، وأشترى كمِرةً ربط عدستها بمكروسكوبه، وتعلم وحده كيف يصوّر بها تلك الخلائق الصغيرة
قال كوخ: (ليس في استطاعة المرء أن يقنع العالم بحقيقة هذه المكروبات حتى يريهم صُوَرا منها. وفوق هذا فالمجهر الواحد لا يستطيع النظر فيه اثنان في آن، وهما إذا نظرا استحال عليهما أن يَنْقلا عن المكروبة الواحدة صورةً واحدة، وإذَنْ يكون خصام وانقسام. أما الصور الفوتوغرافية فلا تكذب، ويستطيع العشرة من الرجال أن ينظروها معاً، ويدرسوها سوياً، ويخرجوا منها على نتيجة واحدة لا سبيل للخُلف فيها) على هذا النحو أراد كوخ أن يدخل في هذا العلم الوليد شيئاً من النظام والانسجام مكان الهرجلة والتخليط، وشيئاً من الموسيقى والنغم المتسق بعد النشوز الذي آذى الآذان ردحا طويلا من الزمان
стр. 10514
وفي هذه الأثناء لم يغب عن بال أصدقائه؛ ففي عام ١٨٨٠ لم يدر إلا والحكومة تدعوه إلى الحضور إلى برلين ليتعين بها زميلا فوق العادة لمصلحة الصحة الإمبراطورية. وفي منصبه الجديد أعطت له السلطات معملا جميلا، ووفرة كبيرة من الأجهزة لم يكن يحلم بها، ومساعدين، ومالا كافياً فيه غناءٌ عن طلب الرزق، وتمكينٌ له من قضاء ست عشرة ساعة أو ثماني عشرة في اليوم الواحد بين صبغاته وأنابيبه وخنازيره الغينية
وفي هذا الوقت كانت اكتشافات كوخ شاعت في معامل أوربا جميعها، وعبرت المحيط الأطلسي إلى أمريكا، فقام لها أطباؤها وقعدوا، وتحمسوا لها، واتقدوا من جرائها اتقادا؛ ودارت معركة حامية الوطيس واسعة النطاق حول نظرية الجراثيم وبلغت في هذا الأوان أشدها. واتخذ كل طبيب وكل أستاذ في علم الأمراض عرف المكرسكوب وخفاياه، أو خال أنه عرفه وعرف خفاياه، اتخذ عدته وعتاده، وقام بتقفي المكروبات يؤمل اصطياد جديد منها؛ وأخذت تنجلي الأسابيع عن اكتشافات مزعومة فرح الناس لها عن جراثيم خال أصحابها أنها سبب السرطان أو السل أو التيفود. وصرخ صارخ منهم صرخة تردد صداها في القارات الخمس زعم فيها أنه وجد مكروبا واسع الأثر يعطيك من الأمراض على هواك، من التهاب الرئة إلى زكمة الدجاج. وهدأت هذه الصرخة، وتلاشت موجاتها في الهواء، لتَتْبعها أخرى من سخيف آخر يدعي أنه أثبت أن الداء الواحد كالسل مثلا قد تسببه مئات من أنواع مختلفات من المكروبات
ازداد تحمس القوم لفكرة الجراثيم، وزاد تخليطهم فيها، حتى خِيف على اكتشافات كوخ ذاتها أن يضحك الناس منها ضحكهم من هذه الخُزَعْبِلات التي ملأت الكتب والمجلات في هذا السبيل، وأن ينسوها نسيانهم تلك الأباطيل
ولكن قُدّر لأعمال كوخ أن تحيا؛ واليوم صيحة الأمم أقوى في طلب زيادةٍ في المعامل، وزيادة في قنّاص المكروب، وزيادة في أجور البُحّاث الذين يعملون جهدهم في دفع السوء عنا، ولا سبيل إلى التقدم إلا أن يبعث الله لنا رجالا ككوخ ذوي صدق وبصيرة
كان ما كان من هذا الحماس الجاهل المشئوم الذي لا يكون من نتيجته إلا القضاء على علم المكروب وهو وليد ناشئ. ولكن كوخ حفظ اتزانه في وسط هذه الجلبة الضارة، وجلس في هدوء وسكون يتعلم كيف يربي النوع الواحد من المكروب خالصاً من أخلاطه. قال: (أنا
стр. 10515
أومن بأن النوع الواحد من الجراثيم يسبب نوعاً واحدا من الأدواء، وأن كل داء له جرثومته الخاصة) آمن بذلك قبل أن يُثبته، فكأنما أُوحي إليه. قال: (. . . . . فلا بد لي أن أجد طريقة أكيدة يسيرة أُكّثر بها الجنس الواحد من المكروب دون أن تختلط به الأجناس الأخرى التي هي دائماً حوله تحاول الدخول إليهخلسة واستراقا)
ولكن كيف السبيل إلى اقتناص جرثومة واحدة بادئ ذي بدء؟ اخترع المخترعون عدة مكنات غريبة لفصل المكروبات، ونصب آخرون منهم أجهزة مركبة معقدة، طويلة لا شك أنهم من طولها وتعقد تركيبها نسوا بعد أن أتموا الغرض الذي من أجله نصبوها. وقام بحاث غير هؤلاء، لا يبالون الموت، فحقنوا المكروب الذي حقنوا في جو سام قتال من الكيميائيات المطهرات ليقتلوا جراثيم الهواء التي تسبح فيه على ضلال كي لا تقع في المكروب الذي يحقنون
- ٥ -
وذات يوم نظر كوخ إلى فِلْقة من البطاطس المسلوق تُرِكت عفوا في معمله، نظر إليه اتفاقاً وأقر هو بذلك؛ نظرها فوجدها قد تبقعت بعدة بقع ذات ألوان، فهمس لنفسه قال: (هذه بقعة شقراء، وهذه بقعة حمراء، وهذه ثالثة بنفسجية، ورابعة صفراء. لابد أنها تكوّنت جميعاً من جراثيم الهواء). وأخذ يحدق فيها من قريب لقصر نظره حتى كادت تمتزج بها لحيته الخفيفة، وهّم ينظف عدسات مجهره ويهيئ رقائق الزجاج. وأمسك بعود رقيق من معدن البلاتين فغمسه بخفة في بقعة من البقع الشقراء ورفعه بشيء منها؛ ثم وضع هذا الشيء القليل، ومزاجه كالمخاط، على رقيقة من تلك الرقائق الزجاجية، ودافه بقطرة من الماء، وحدق فيه من خلال المجهر فإذا جماعات البشلات تتهادى في الماء عموماً، وتشاكلت جميعها فلم يكن بها على كثرتها بشلة واحدة غريبة عن أخواتها. وأخذ من البقعة الصفراء ومن البنفسجية ومن الحمراء، فوجد لمكروب في إحداهما مستديرا، وفي الأخرى عصيا عائمة، وفي الثالثة حلزونيات كالبريمات دبت فيها الحياة؛ وليس في هذا جديد، وإنما الجديد أن المكروبات في البقعة الواحدة متشاكلات لا تختلف واحدة عن أختها
وفي سرعة البرق الخاطف تجلى لكوخ جمال هذه التجربة التي اصطنعتها له الطبيعة: (كل بقعة من هذه البقعات زريعة خالصة من نوع واحد من المكروبات. . . الأمر واضح
стр. 10516
وتفسيره حاضر! فالمكروبات عندما تقع من الهواء في الأحسية السائلة التي نستخدمها، هي أنواع عدة، تتكاثر جنباً لجنب، وتعوم فتختلط فلا ينتج إلا مزيج من أخلاط عدة. أما اذا هي وقعت على سطح البطاطس، وهو صلب، لصقت وحداتها في المكان الذي وقعت فيه، فتكاثرت الواحدة حيث هي فصارت ألوفاً، ولكن من نوع واحد لا يخالف)
وكان يعين كوخ طبيبان في الجيش، يدعى أحدهما لُفْلار والآخر جفكي فدعاهما كوخ في هدوء وأطلعهما على ما وجد، وأراهما مدى التغيير الذي سيطرأ على دراسة المكروب بسبب التفاتته السانحة إلى قطعة البطاطس المتروكة، نقول التغيير، وما كان إلا الثورة! وبدأ الرجال الثلاثة يدرسون صحة ما خال كوخ بجد لا حد له، وبدقة ألمانية إذا وصفها الفرنسي المتعصب سماها سخفاً. بدأ الثلاثة يعملون فكنت تراهم صفاً واحدا على كراسيهم الثلاثة، منكبين على مجاهرهم الثلاثة ينظرون في ضوء ثلاث نوافذ وقد توسطهم كوخ. ثالوث أي ثالوث! يبذلون الجهد الجاهد لا ليثبتوا الذي ظنوه، بل ليكذبوه، فإذا النتيجة تؤمن على الذي قاله كوخ وقالوه، وكانت طريقتهم في ذلك أنهم خلطوا من المكروبات نوعين أو ثلاثة؛ فتكوّن منها مزيج تعجز الأحسية السائلة عن فصل أنواعه مهما طال زرعها فيها وتكثيرها. ثم جاؤا بقطرة من هذا المزيج ونشروها نشرا واسعاً على سطح مستو لبطاطسة مسلوقة مشقوقة؛ فاستقرت المكروبات من هذا السطح على أبعاد غير متقاربة، وتكاثرت المكروبة الواحدة حيث استقرت فخرج منها الملايين ولكن من نوعها، ومن نوعها فحسب
بشق بطاطسة عتيقة استحدث كوخ طرائق جديدة لاقتناص المكروب، وأرسى هذا العلم على قواعد صحيحة يطمئن إليهاأولو الفكر اطمئنانهم إلى سائر العلوم، من بعد أن كان ظناً ورجماً بالغيب؛ ثم أخذ كوخ يتجهز لاقتناص المكروبات التي تسبب عشرات الأمراض التي تفتك بالناس، ولم يكن كوخ لقي بعد من رجال العلم انتقادا يذكر ولا اعتراضاً كبيرا، ذلك لأنه لم يفتح فمه إلا بعد ذلك أن كان يتم تأكده من نتائجه، ثم لأنه كان اذا تحدث بعد ذلك عن اكتشافاته ذكرها في كثير من التواضع فتخاذل خصومه ونام الشر في قلوبهم، وفوق هذا وهذا لأنه كان دائماً يصوّر لنفسه شتى الاعتراضات الممكنة، والانتقادات الجائزة، ويجيب عليها قبل إخراج عمله للناس
وامتلأ كوخ ثقة بنفسه، فاعتزم أن يلقى الأستاذ رودلف فرشو وما أدراك من هو؟ هو
стр. 10517
أشهر بحاث ألمانيا في أصول الأدواء، وأكبر جهابذتها وأعلامها؛ إذا حدثته في موضوعات شتى أراك فيها من العلم ما لا يريك عشرات العلماء، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. كان فرشو عمدة الطب الألماني، درس تجبن الدم وقال آخر كلمة تقال فيه، واخترع ألفاظاً من أروع الألفاظ مثال الهتربوبيا وأجنيسيا والأكرونوسس وكثير غيرها مما يسهر طلاب الطب لياليهم في محاولة تفهمها، ونظر بمكرسكوبه في ستة وعشرين ألف جثة، ووصف فيها حال الأنسجة وقد غيرتها شتى الأمراض، ونشر بلا مبالغة ألوفا من الأبحاث في كل موضع يخطر بالبال، من دراسة أشكال رؤوس الذكور من تلاميذ المدارس الألمانية، وتفحص أصواتهم، إلى قياس الأوعية الدموية، وقد بلغت الغاية في الصغر في أجسام بنات اخضرت وجوههن مرضاً واعتلالا
ذهب كوخ إلى صاحب هذا الصيت الكبير وفي قلبه رعب، فدخل الى حضرته على أطراف قدميه احتراماً وخشية أن يتحرك الهواء فينزعج رب المكان
قال كوخ وهو مطرق: (سيدي الأستاذ! لقد كشفت طريقة لتكثير النوع الواحد من المكروب خالصاً لا شائبة فيه)
فقال الأستاذ: (إذن فقل بالله كيف تصنع، ففي ظني أن هذا لن يكون)
قال كوخ: (بتربيته على طعام جامد. نعم أستطيع أن أولد منه على قطعة من البطاطس مستعمرات لا يسكنها غير نوع واحد منه. . . . فبدل البطاطس أذيب الآن الجلاتين في حساء من لحم البقر، فإذا برد انعقدا جميعاً وصار لمزيجهما سطح جامد، وعندئذ. . . . . .)
لم يتحرك فرشو لهذا الكلام؛ ولما نطق قال في استهزاء الحاقد: (إن منع المكروب من أن تختلط أنواعه عسير جداً، إلا إذا شاء كوخ أن يبني لكل نوع معملا خاصاً. .) واختصاراً لم يجد كوخ عند صاحبنا غير البرود والتثبيط؛ ولا عجب، فالرجل كان قد بلغ من الشيخوخة تلك السن التي عندها يعتقد الرجال أن كل شيء عُرِف، فلم يبق في الدنيا ما يُكتشف؛ وتولى عنه كوخ وفي نفسه شيء من الكآبة، ولكن عزيمته لم تهن، ولم يفعل ما كان غيره فاعله، فلم يجادل فرشو في الذي كان، ولا كتب المقالات، ولا خطب الخطب في النيل منه، ولكنه اتجه بكل ما فيه من حول إلى بحثٍ هو أبدع بحوثه، إلى تقفَّي أثر أخبث
стр. 10518
مكروب عرف، إلى كشف ذلك القتال الخفي الذي سبق المكروبات جميعا في حصد أنفس الرجال والنساء والأطفال، فتقاضى روحاً من كل سبع صعدت إلى ربها. شمر كوخ عن ساعديه، ومسح نظارته، وبدأ رحلته الكبرى لاقتناص جرثومة السل المروع
(يتبع)
أحمد زكي
стр. 10519
في طريق المدينة
للأستاذ علي الطنطاوي
أفاق سحراً - ولا يبدو السحر على أتمه إلاّ في البادية، فلا ليل في الجلال كلَيْلها، ولا صبح في الجمال كصبحها، ولا نهار في الشدة كنهارها - فجلس ينظر إلى هذه الصحراء التي تمتد من حوله؛ يغيب أوْلها في بياض الفجر المقبل، وآخرها في سواد الليل المدبر، وهي ساكنة سكون الموت، واسعة سعة السماء، فأحس في نفسه بشيء لم يحسّ به قط؛ فقال: لا إله إلا الله! فخرجت من أعماق قلبه. . . وأي امرئ تلقيه الأيام في البادية، فيرى ليلها ونهارها، وشمسها ورمالها، ثم لا يكون أشد الناس بالله إيماناً، وعليه اتكالا؟ وهو يرى أبداً من جلال المخلوق ما يخشع منه قلبه لجلال الخالق؛ وهو يعلم أنه ليس بينه وبين أن يموت عطشاً، أو يهلك جوعاً، إلا أن يحيد عن طريقه ذراعاً، أو ينحرف عن وجهته شبراً. . . وكيف يكفر بالذي لا يرجو النجاة إلا منه، ولا قوّة إلاّ به، وليس له من يدعوه إلاّ إياه؟
وكانت تلك صبيحة اليوم السابع عشر من أيام البادية، فطفق يذكر هذه الأيام، وينظر ما أفاده فيها، فإذا هو قد عرف من خبر العرب، في سبعة عشر يوماً، ما لم يعرفه في سبع عشرة سنة، يقرأ فيها أسفار العرب، ويتلو أشعار العرب، ويدرس لغة العرب، وتاريخ العرب، وإذا هو قد سافر ألفاً وثلثمائة سنة في الزمان، لا ألفاً وثلثمائة كيلٍ على الأرض؛ وسلك الطريق التي سلكها الغزاة الأوّلون، فعلم أن سرّ قوةّ العربي الأوّل الذي عمل ما لم تعمله الجن، ولا تقوى عليه المرَدَة، حتى بنى للحضارة هذا الصرح العظيم، فأوت إليه، وتفيأت ظلاله، وإنّ سر عجز العربيّ الأخير، حتى نام عن هذا الصرح، وأباح العدوّ حماه، إنما هو (بعد الإسلام) هذه الصحراء
هذه الصحراء الذي لا يعيش فيها الجبان العاجز، لأن الحياة فيها بين عيني الأسد، لا ينالها إلاّ شجاع مقدام، أخو غمرات، صّبار على النكبات، ضحّاك في الملمّات، وإلاّ ابن الشمس، صديق الرمال، حليف الجوع والعطش، ذو إرادة لا تنثني، وهمة لا تطاول، وعزيمة لا تفلّ
ولا يعيش فيها المريض، لأنها لم تخلق مستشفى للمرضى، ولكنما خلقت ميداناً للأبطال، وأنىّ يأتي البدويّ المرض، ما دام لا يؤتى من قبل معدته (والمعدة بيت الداء)، وما دام كل
стр. 10520
طعامه التمر والسّمن واللحم والأقط، وكلّ شرابه اللبن والماء، فإذا مرض يشرب قارورة من شعاع الشمس، وشمس الصحراء أنفع من مجموعة صيدليات باريز! فإذا لم تجده نفعاً، أجداه الكي، وما بعد الكيّ إلا حياة كاملة أو موت كامل، هو خير على كل حال من حياة ناقصة. . . وقديماً قالوا آخر الطب الكيّ!
ولا يعيش فيها الفقير، لأن أهلها كلهم أغنياء. . . وهل الغنى إلاّ أن تنال كل ما تطلب؟ وهل يطلب البدويّ إلاّ ماء له وكلأ لمواشيه؟ فإذا أمحلت الدار أم غيرها:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى … وفيها لمن خاف القلى متحول
ولا يعيش فيها المنافق المتملّق الخدّاع، الذي يلبس جلد الحمل على جلد الذئب. . . . لأن الصحراء منبسطة مستوية متكشّفة، ظاهرها كباطنها، وليس فيها سقوف ولا جدران، ولا مغارات ولا سراديب، وكذلك نفس العربيّ ما في قلبه على لسانه؛ فان عاداك فعداوة الشريف، يستقبلك بالشر ولا يستدبرك به؛ ويحمل إليك الموت على شفرة السيف، لا يقدمه في كأس من الذهب، قد خلط فيها السمّ بالدسم؛ وإن صافاك آخاك، فأخوّة الشريف يفديك بنفسه وماله، ولا يرغب عنك حتى ترغب به، وإذا أنت أنكرت من العرب جفاء في الطبع، أو خشونة في المقال، فلن تنكر منهم عَوْضُ تلوّناً ولا تملقاً، ولا تنكر منهم لين الحيّة ولا لطف المستعمر. . . على أنّ الجفاء ليس من شأن العرب، ولا هو في جميعهم، وإن فيهم للطفاً، وإن فيهم لظرفاً، وإن لهم لأحلاما. . .
وطفق يذكر كيف كان يتبرم بهذه الأشعار التي تندب الديار وتبكي الأطلال، ويستثقلها ويراها كأنها الدّمى فيها جمال وليس فيها روح؛ فلما كانت أول ليلة قضاها وأصحابه في البادية، وحطّ الركب في قاع الدغيلة فوقفت السيارات الخمس، ووضعت الأحمال، ونصبت الخيام، وأوقدت النيران، ورفعت القدور، وبسطت البسط، ومدّت الفرش، وكمل المجلس حتى قام المذياع (الراديو) يسمعهم بين الشّيح والقيصوم، أغاني عبد الوهاب وأم كلثوم
ف. . . باتوا بأنعم ليلة حتى بدا … صبح تلوَّح كالأغرّ الأشقر
فنادى منادي الرحيل؛ فما هي حتى طويت الخيام، ولفّت البسط، وشدّت الأحمال، فإذا كل شيء كأنه حلم، أو كأنه صفحة طويت، ولم يبق إلا الؤى المهدم، وإلاّ موقد النار، فامتلأت نفسه حزناً، وانطلق لسانه يترجم عن أصدق عاطفة، وأعمق شعور، بكلمة النابغة التي
стр. 10521
استثقلها، وعدها من القول المعاد، والكلام الفارغ:
عوجوا فحيوا لنعم دمنة الدار. . .
وانطلق يقف إخوانه لحظة، يحيّ فيها هذه البقعة التي ترك فيها ليلة من حياته، وطائفة من ذكرياته، وقطعة من نفسه؛ ثم عاد فسخر منهم كيف يقفون على أحجار قد سوّدتها النار، وحفرة حفروها من حول الخيمة خشية الأمطار. .
ماذا تحيوّن من نؤى وأحجار؟
ويجد القاع بعد أن تقوّضت الخيام، وطويت البسط، وضاع المكان الذي سوّاه لنومه، وأعدّه لجلوسه
أقوى وأقفر من نعم وغّيره … هوج الرياح بهابي الترب موّار
ويطول به الوقوف، وأصحابه يستحثّونه، والسيارات (تصرخ) مستعجلة، فيمشي وهو يفكر في هذا القاع. هل يحفظ هذه الذكريات؟ ويسأل هذا القاع: هل يذكر أبداً هذه الليلة التي قضاها فيه، والعواطف التي استودعه إياها؟ فلا يسمع مجيباً، ولا يجد إلا أحجار الموقد، وإلا هذا الثمام الضعيف الليّن، الذي جمعوا منه فأوقدوا به النار، واتخذوه فراشاً، فينشد قول النابغة:
وقفت فيها سراة اليوم أسألها … عن آل نعم أمواناً عبر أسفار
فاستعجمت دار نعم ما تكلمنا … والدار لو كلمتنا ذات أخبار
فما وجدت بها شيئاً ألوذ به … إلا الثمام وإلا موقد النار
وتعدو به السيارة عدو الظليم، وهو لاهٍ عما حوله، يتمثل الشاعر وقد يممّ الديار، فلم يجد بها سائلاً ولا مجيباً:
ناديت: أين أحبّتي؟ … فأِجبت: أين أحبّتي؟
فبرّح به الشوق، واشتعلت في صدره النار، وكواه الهجر فذهب يذكر نعماً، وقد كان يسايرها حتى ينأى بها عن الحيّ، ثم يجلسان حتى تغيب الشمس، ويلفهما الظلام برداء الأمن من الرقباء، ويسبغ عليهما نعمة الحبّ، فلا يكون بينهما إلا كل خير: يبثها حبّه، فتشكو له حبّها، ويكشف لها عن قلبه، فتكشف له عن قلبها، ولا يخفي عنها شيئاً، ولا تكتمه شيئاً:
стр. 10522
وقد أراني ونعما لاهيين بها … والدهر والعيش لم يهمم بامرار
أيام تخبرني نعم، وأخبرها … ما أكتم الناس من حاجي وأسراري
وجعل يذكر كيف فهم في تلك الساعة قصيدة النابغة، ونفذ إلى روحها، وقد كان يتلوها، ويدرّسها، ويشرحها، فلا يفهم منها إلا كلماتها وجملها، وعروضها وإعرابها؛ وجعل يذكر ما حفظ من أشعار الديار، فيبصر فيه جمالاً لم يبصره من قبل، فيعلم أنه قد كان منه في ليل مظلم، لا يرى فيه إلا سواداً فطلعت تلك الساعة بدراً، أراه أن وراء الظلام دنيا واسعة، وفتنة وجمالاً، وروضة وأنهاراً. . .
وجعل يذكر كيف كان يقرأ أمثال العرب فلا يفهم من قولهم: (أن ترد الماء بماء أكيس) إلاّ أن ذلك أحزم، فلما خرجوا من القاع وأقبلوا على ماء الهزيم الذي طالما وصفوه لهم وحببوه إليهم، وجده بئراً منتنة خبيثة، تقتل من يشمها، فكيف بمن يشرب منها؟ فعلم أن معنى أكيس: أنك لا تشرب ماء خبيثاً فتمرض!
فلما وردوا ماء الفجر، بعد مسيرة يومين في الشعب لم تر السيارة فيهما كيلين متتابعين على أرض كالأرض، ولكنها كانت تعلو صخرة، أو تهبط حفرة، أو تغوص في رملة، لما وردوا الماء وجدوه جافاً، فعلم أن معنى أكيس: أنك تبقى بلا ماء فتموت
ثم نظر فرأى الفجر قد انبثق، فأيقظ المؤذن، وكان قوي الحنجرة حسن الصوت، فأذن فزلزل البادية بـ (الله أكبر) فلما قال (أشهد أن محمداً رسول الله)، لم يتمالك صاحبنا نفسه أن تضطرب وقلبه أن يخفق، وعينه أن تدمع:
هذا آخر يوم من أيام البادية. لم يبق بيننا وبين المدينة إلاّ نصف مرحلة. . . فهل يكتب لنا أن ندخل من باب السلام ونقوم أمام الحجرة ونسلم على رسول الله ﷺ ؟
علي الطنطاوي
стр. 10523
نظرية النسبية الخصوصية
بقية البحث الأول
الزمان ونسبيته
للدكتور إسماعيل احمد أدهم عضو أكاديمية العلوم الروسية
- ٣ -
علل هذه الظاهرة فتزجرالد بقوله إن المتحركات تتقلص في اتجاه سرعتها، فالأرض تتقلص في اتجاه سرعتها بقدر الفرق النظري بين رحلتي الشعاعتين بحيث تعودان كما هما عمليا في وقت واحد. وقام العلامة لورانتن الهولندي فاستخرج مقدار هذا التقلص في عملية رياضية دقيقة
لو رمزنا بالرمز (ر) لمسافة رحلة الشعاعة (س١)، وبالرمز (ر٢) لرحلة الشعاعة (س٢)، وبالرمز (ص) لسرعة الضوء، وبالرمز (س) لسرعة الأرض، لكان:
وهذا معناه تقلص الأرض حتى تصير بمقدار:
وبذلك تقرر استحالة استخراج الحركة المطلقة للمتحرك، وبذا صار من المحال معرفة التواقت
- ٤ -
لابدّ من فاصلة زمانية لمعرفة سرعة الضوء؛ هذا إلى أن معنى الزمان قائم على معرفة سرعة انتشار النور. هذا التضاد استخدمه العلامة ألبرت اينشتين في سبيل استخلاص مبادئه الأولى في النسبية الخصوصية
لنفرض كوناً مثل (ك) به نقطة مثل (أ) ثابتة، وبهذه النقطة راصد ومعه ساعة؛ ولنفرض أن هذا الراصد يعين حدوث الحادثات في كونه بموجب زمن الساعة التي يحملها، ولكنه بلا شك يفشل في تعيين زمان الحادثات عينها بالنسبة لنقطة ثابتة في كون آخر يتحرك حركة انتقالية ازاءه؛ ما لم يوحّد سير ساعته مع سير الراصد القائم في الكون الآخر
وتوحيد سير الساعتين لا يقوم إلا على إشارة ضوئية؛ والضوء كما قلنا سرعته واحدة في كل الجهات؛ ومعنى هذا أن الفترة التي تستغرقها شعاعة الضوء لقطع المسافة من الكون
стр. 10524
الأول إلى الثاني هي عين الفترة التي تستغرقها للعودة من الكون الثاني إلى الأول
هكذا يتحول معنى المسافة الممتدة بين النقطتين (أ) في الكون الأول، و (ب) في الكون الثاني من امتداد الأجسام الصلبة إلى أمواج النور، أعني أنها تتحول من خط امتداد الأجسام الصلبة إلى السافة التي تقطعها أمواج النور في آماد متساوية
هذا التبدل يؤدي إلى تغير موضوع الهندسة الأوقليدية، إذ تتحول الأشكال والخطوط الأوقليدية التي ترسمها الأجسام الصلبة في تحركها إلى الأشكال والخطوط الاينشتينيّة التي يرسمها سير أمواج الضوء
- ٥ -
لقد رجع اينشتين بعالم الحادثات إلى الهندسة. ومن المعلوم أن هنالك ضربين من الرياضيات: ضربا ذهنيا محضا، وضربا حسيا. فالضرب الأول هو الذي تقوم عليه مبادئ الرياضة، وخاصة التحليلية منها، والضرب الثاني يتفق والأول في الماهية الرياضية، إلا أنه يختلف في كونه راجعاً إلى الحس والتجربة. والمدرسة الأكسيومانيكية تجد في مكان الرياضة المحض مكان المنطق الصوري والذهن الخالص
على هذا الأساس لو مضينا ندقق موضوع الهندسة الأوقليدية لألفينا هندسة ترجع لخواص الأجسام الصلبة وعلاقتها ببعض، فهي ضرب من الهندسة التجريبية، وبذا تعد ضرباً من الطبيعيات. والهندسة الأوقليدية ليست قضاياها منطقية تحليلية فحسب، بل هي تنطوي على أحكام تجريبية مستمدة من الاختبار والمشاهدة، وبذلك كانت بعيدة عن ساحة الهندسة الصرفة
وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال من حول الهندسة الأوقليدية وعمليتها بمعنى: هل هي تلتئم من حول حوادث هذا العالم؟ وللاجابة على هذا السؤال نلجأ للتجربة، فهي الأداة العلمية الوحيدة التي تمكننا من الاجابة على هذا السؤال، فان قياس أي طول في علم الطبيعة يرجع لمبدأ انتشار النور في خطوط مستقيمة، وبذا نلفي الأطوال ترجع ضرب من الرياضة التجريبية؛ وهذه الحقيقة نخرج منها بنتيجة هامة. فالنقطة والخط. . . . . . . . . . . . . . .؛ ليس من المهم أن نقول إن معرفتنا بها عقلية، لأننا في الحقيقة نفرض صحة بعض المبادئ، ومن حول هذا الفرض نقيم هندستنا الصورية التي لا ترجع معرفتنا
стр. 10525
بمبادئها إلى التجربة؛ إذ هي مبادئ أوجدها العقل الانساني وصرح بامكانها. غير أنه من المهم أن نقول إننا بارجاعنا الهندسة إلى مبدأ انتشار الضوء نقرر ضمناً ارجاع الهندسة إلى الطبيعيات الحديثة أو العكس، ويكون مقدار ما في الهندسة من الصواب بمقدار ما فيها من المرونة للالتئام من حول حقائق العالم الخارجي، وهكذا نرى الهندسة الأوقليدية تنهار حيث لا تتفق ومبدأ انتشار النور
- ٦ -
(موضوع النسبية الخصوصية: تقوم على أساس أولى في تحويل موضوع الهندسة من الأشكال التي ترسمها الأجسام الصلبة اللا متغيرة إلى الأشكال التي ترسمها الأمواج النورية الثابتة)
برتر اندرسل
لنفرض ساعة في نقطة مثل (أ) حيث صدرت منها شعاعة نور في الآونة (أ) إلى النقطة (ب) فوصلتها في الآونة (ب١) ثم رجعت إلى (أ) في الآونة (أ٢) فنكون:
(ب١) - (أ١) = (أ٢) - (ب١) أو أن:
بمعنى أن الساعة التي في (أ) تكون متساوية في سيرها مع الساعة التي في (ب) ويكون إعلان الساعتين للزمان واحدا. فلو أردنا أن نعين زمان الساعتين في وقت واحد فما علينا إلا أن نرسل إشارة نورية بزمان النقطة (أ) إلى (ب) فتضبط استناداً عليها نقطة (ب) زمنها. وعليه تكون النقطتان متوافقتين في زمنهما، وهنا يوحي التواقت إلى الذهن فكرة أن الزمان ليس أكثر من مجرد الفواصل التعاقبية للحادثات
- ٧ -
ما معنى التواقت؟
حدثت حادثة مثل (ح) في (أ) وحادثة أخرى مثل (ح١) في (ب)؛ فما معنى تواقتهما؟
للاجابة على هذا السؤال نفرض أن الحادثة (ح١) حدثت في الزمن (أ٢)، كما أن الحادثة (ح) حدثت في الزمان (أ١)، فلو كان سير ساعة النقطة (أ) هو سير ساعة النقطة (ب)، وما تعلنه الساعة الأولى من الوقت هو ما تعلنه الساعة الثانية فالحادثتان متواقتتان.
стр. 10526
على هذا الأساس يمكننا أن نعرف الزمان استناداً على إشعارات الساعات؛ ولكن لنا أن نتساءل: هل يصح القول بتواقت حادثتين حدثت احدهما في كون مستقل عن الآخر وهما يتحركان بالنسبة لبعض حركة انتقالية؟
للاجابة على هذا السؤال نرجع لمثالنا السابق فندقق فيه النظر فسنرى أن ساعات كل كون يمكن أن تتساوى في سيرها مع آخر، وعليه يمكننا تعيين زمان حدوث أية حادثة بأية ساعة في هذا الكون لانتشار النور خلاله بسرعة ثابتة؛ أما في أكوان متعددة تتحرك بالنسبة لبعضها حركات انتقالية كما هو جار في العالم الخارجي فلا يمكن القول بالتواقت لانعدام واسطة استخراج الحركة المطلقة. ولبيان هذا نفرض خطاً يمتد من النقطة (م) إلى (م١) طوله ٩٠٠٠ وحدة طولية، وأن هنالك شعاعا من النور يقطع هذا الخط من اتجاه (م) إلى (م) بسرعة ٣٠٠ وحدة طولية في الساعة، ولنفرض كذلك طيارة بها راصد تتحرك من جهة (م) إلى (م١) مع شعاعة النور بسرعة ٧٥ وحدة طولية في الساعة؛ ولنرمز للراصد الذي بداخل الطيارة بالرمز (ص١)، ولنفرض أن في منتصف المسافة بين (م) و (م١) على بعد ٤٥٠٠ وحدة طولية من كل من النقطتين يقوم راصد مثل (ص٢) في النقطة (ن) ومعه جهاز كهربائي يمتد طرفا إلى نهاية الخط من الجهتين، وبكل طرف مصباح كهربائي يبين بإشارة نورية تأتيه من الجهاز الكهربائي الذي مع الراصد (ص٢) وبالطبع ستتلاقى الشعاعتان معاً عند (ص٢) في آونة واحدة
لنفرض أن الراصد (ص٢) ضغط على جهازه الكهربائي فصدرت منه إشارتان كهربائيتان إلى النقطتين (م) و (م) حينما صارت الطيارة براصدها (ص١) أمامه تماماً. فهل تبدو الشعاعتان الواردتان عن المصباحين متواقتتين لكل من الراصدين (ص١) و (ص٢) لأن كلا منهما في منتصف المسافة بين (م) و (م١) حينما ضغط (ص٢) على الجهاز الكهربائي الذي معه؟
إن الإشارة الكهربائية ستقطع المسافة من (ن) إلى كل من النقطتين (م) و (م١) في ١٥ ساعةوستقطع الموجة النورية الصادرة من المصباح الذي في (م) المسافة من (م - ن) ومن (م١ - ن) في نفس المدة. فبعد ثلاثين ساعة يشاهد الراصد (ص٢) الشعاعتين قد وصلتا أمامه في (ن) في آونة واحدة. هاتان الحادثتان متواقتتان للراصد (ص٢)، ولكن هل
стр. 10527
هما متواقتتان بالنسبة للراصد (ص١)؟
لا. لأن الراصد (ص١) يكون قد غادر النقطة (ن) عندما ضغط (ص٢) على الجهاز، فيأخذ في الاقتراب من نقطة (م) بمعدل ٧٥ وحدة طولية في الساعة، وحينما تتلاقى الشعاعتان عند (ص٢) يكون هو قد قطع ٢٢٥٠ وحدة طولية، ويستقبل الشعاعة الواردة من النقطة (م١) قبلما تصل إلى (ن)، فعنده تجري حادثة وقوع شعاعة (م١) قبل أن تجري حادثة وقوع شعاعة (م)؛ أعني أن الحادثتين غير متواقتتين عنده. ونستنتج من هذا أن التواقت نسبي حسب المشاهد وكذلك الزمان
- ٨ -
إن التواقت نسبي في أكوان تتحرك بالنسبة لبعضها حركة انتقالية كما هو حاصل في عالمنا هذا. ويصح التواقت بين حوادث كون ساكن؛ أما في أكوان متحركة فلا يصح القول بالتواقت حتى ولو وصلت الحادثات إلى المشاهد متواقتة في وقوعها، إذ يلزم أن تكون الحوادث في وضعها متواقتة؛ ولما كان السبيل إلى ذلك قائماً على معرفة الحركة المطلقة للأكوان، وكانت الحركة المطلقة مستحيلاً استخراجها، كان القول بالتواقت المطلق لغواً، وكان لكل حادثة زمان خاص نسبي لها حسب المشاهد؛ كذلك يكون التواقت نسبياً حسب المشاهد، فما هو متواقت عندك يكون غير متواقت عند غيرك
من هنا نخرج بأن الزمان نسبي، وأن التواقت نسبي، وأن زمان كل حادثة نسبي لمشاهدها
(تم البحث الأول)
إسماعيل أحمد أدهم
стр. 10528
في الأدب الأمريكي
مارك توين
(بمناسبة انقضاء مائة سنة على ميلاده)
- ١ -
في يوم السبت الماضي ٣٠ من شهر نوفيمبر سنة ١٩٣٥ احتفل الأدباء في أغلب أقطار الأرض بانقضاء مائة عام على مولد الكاتب العبقري الأمريكي الفكه مارك توين. ومَن من الناس لا يحي ذكرى مؤلف: (مخاطرات توم ساوير)، و (هيلكبري فن)، و (الأمير والشحاذ) وغيرهما من القصص التي استهوت قلوب الصغار لفكاهتها وطرافتها، وعقول الكبار لحكمتها وبلاغتها؟ أن الذين قرأوا مارك توين قد علموا بعض العلم عن الرجل، لأنه انما يتحدث في الغالب عن نفسه او عن ذويه في قصصه؛ وقد روى ذكريات طفولته في تلك المخاطر التي عزاها إلى أولئك الأطفال الذين عاشوا على ضفاف (المسيسبى)؛ وليست العمة الشهيرة (بولي) في قصته (توم ساوير) إلا أمه. ولعلنا نستطيع أن نزيد في هذا العلم شيئاً بحكاية تاريخ حياته المضحكة المبكية المملوءة بالمخاطر والأحداث والطرف، فانها في ذاتها لا تقل امتاعا للقارئ عن سائر كتبه
فى ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٣٥، وفى قرية (فلوريدا) بولاية (ميسوري) ازدادت أسرة المحامي (جون كليمانس) واحدا بولادة طفل خامس سموه (صمويل)، ثم صار بعد حين من الدهر (مارك توين)؛ وكان يؤكد أنه لم يكد يولد حتى وجد له محلا بين عظماء الناس، لأن ولادته زادت في عدد قريته واحدا في المائة، إذ كان تعداد سكانها مائة بالضبط
وفي سنة ١٨٣٩ عين أبوه العابس القاسي قاضياً في (هانيبال) على شواطئ المسيسبي فلحقت به أسرته، وهناك قضى صمويل شطرا من طفولته. وكانت الطباع في ذلك البلد شرسة، والأخلاق منحلة؛ فالمقامرة والمعاقرة والعراك والقتل أمور مألوفة وحوادث فاشية، وصمويل قد شهد بنفسه أربع حوادث من حوادث القتل، وقد اختزن في ذاكرته جملة من مشاهد هذه الحياة وصفها في مؤلفاته. وكان في هانيبال عدد وفير من العبيد؛ وكان لأسرة كليمانس منهم ثلاثة أعبد جاءت بهم أم صمويل مهراً لأبيه. وكان هؤلاء المساكين يحبون
стр. 10529
صمويل حباً جماً لرقته وعطفه؛ ولهم من ذكرياته في مؤلفاته حظ عظيم
كان صمويل في المدرسة شديد الكسل ردئ العمل، يؤثر على درسه وكتبه الاجتماع بطغمة من رفاقه الأشرار الذين أتى وياهم من المنكرات والسيئات ما قرأناه بعدُ في قصصه. وقد يئست أمه من صلاح أمره؛ وكانت سيدة جميلة ذكية متسلطة تؤثره وترعاه، ولها عليه سلطان قوي مدى عمرها الطويل إلا في الجانب الذي يتعلق بدراسته. كان تقويمه من طريق الاقتناع عبثاً، فعمدت أمه إلى تقويمه بالضرب والأذى؛ وفي ذات يوم قالت له وهي تضربه: صدقني يا بني أني حين أضربك أتألم بشدة، فأجابها بقوله: هذا ممكن، ولكنك تألمين في غير الموضع الذي أتألم منه. وهذا الجواب الذي صار مثلا يشهد هو وغيره أن صمويل كان حاضر البديهة سريع الجواب
كان من عادة مارك توين أن يقول: (إن السيد الحقيقي للانسان هو المصادفة). وذلك قول صحيح بالنسبة له، فان المصادفات الطارئات والظروف المفاجآت كثيرا ما غيرت مجرى حياته. فقد كان صمويل لا يزال على مقاعد الدرس حين فجعه الموت في أبيه، فاضطرت أمه أن تخرجه من المدرسة وتجعله (صبياً) عند صاحب جريدة (هانيبال كورييه) يعمل له من غير أجر إلا الطعام والمأوى؛ ولكن الجراية كانت وا أسفاه قليلة لا تسد رمقه. ولما أصدر أخوه الأكبر (جريدة هانيبال) في سنة ١٨٥٠ ضمه إليهوعمره يومئذ لا يزيد على خمس عشرة سنة؛ ولكن النجاح لم يكن على قدر الأمل فقل عدد الموظفين واضطر صمويل إلى أن يجمع بين صف الحروف وبين ترتيب المواد، وأن يجوب بعد ذلك شوارع المدينة للتحصيل، فيعود مملوء اليدين بالحبوب لأن أغلب المشتركين كانوا يؤدون قيمة اشتراكاتهم عيناً. كان العمل كثيراً، ولكن صمويل مع ذلك كان يجد الفراغ لكتابة مقالة أو أقصوصة تظهر فيها دلائل قريحته الفكهة المنتظرة؛ وكان ينتهز الفرصة في غياب أخيه لبعض أعماله، فينشر في الجريدة ما يكتب؛ وكان أكثر ما يطرق من الموضوعات التعليق اللاذع على الحوادث المحلية، فيؤنبه على ذلك أخوه؛ ولكن الجمهور كان شديد الاعجاب بها، وأكثر القراء كانوا لا يشترون الجريدة إلا ليقرأوها
وفي ذات يوم رأى في غيبة أخيه أن يلهو مع القراء فنشر أقصوصة عن صحافي أمريكي مدع كان مولعاً بالأسفار، فوقع في بعض رحلاته في أواسط أفريقية أسيراً في قبيلة تأكل
стр. 10530
لحوم البشر، فكان مصيره الأليم لا شك فيه، إلا أن شيخ القبيلة أراد أن يستجوبه طويلا عن حرفته، وعن الغاية المقصودة من رحلته، فلما سأله في ذلك أجابه المسكين وعيناه الزائغتان تنظران إلى معدات الوليمة: أنا لست إلا صحافياً متواضعاً يا مولاي العظيم. فقال له الشيخ: صحافي؟ تريد أن تقول انك مدير جريدة؟ فأجابه: أوه! كلا يا مولاي القادر ما أنا إلا وكيل حقير، فقال له اطمئن ايها الرجل الأبيض! سترقى بعد أن نصنع منك الحساء إلى مدير!!
كانت هذه النوادر المضحكة تستهوي ألباب القراء، ولكن أخاه (أوريون كليمانس) كان لا يجد لها مذاقاً ويرجو منه ألا يستمر فيها. على أن صمويل لم يحرص على البقاء في الجريدة، فقد كان نزوعاً بطبيعته إلى الاستطلاع والنقلة، ولكن افلاسه كان يحول بينه وبين قضاء هذه النزعة. وقد طلب من أمه أن تقرضه خمسة دولارات فأبت عليه ذلك حتى لا تشجع فيه هذه النزعة التي تحسبها نوعاً من التشرد والصعلكة؛ فاضطر إلى أن يتذرع بالصبر حتى يجمع المبلغ المطلوب بارة فبارة، حتى اذا ظن أنه أصبح غنياً يستطيع مواجهة العالم الفسيح فر في ليلة من الليالي يريد (أن يحيا حياته) على حد تعبيره، فكسبه الترحال والتجوال ثروة في اختباراته، ووفرة في انطباعاته، أفادته كثيراً فيما بعد حين تكتشف مواهبه النادرة عن الكاتب النابه (مارك توين)
- ٢ -
على أن من النادر أن تأتي الشهرة والنباهة دفعة واحدة، فقد كان أول الطريق على صمويل وعراً، طوّف في البلاد ما طوّف حتى بلغ نيويورك، فأتقن فن الطباعة، ثم ارتد إلى هانيبال، وكان عمره إذ ذاك ثمانية عشر عاماً؛ وكان أخوه في غضون ذلك قد تزوج وأصبح مديراً لإحدى المطابع، فصار صمويل عاملا من عمالها، ولكنه كان قد تذوق الحرية وقرأ كثيراً من كتب الرحلات، فما كان يحلم إلا بانتجاع أمريكا الجنوبية على ضفاف الأمازون؛ وكان للمصادفة مرة أخرى يد بيضاء في توجيه الشاب الحالم. فقد عثر ذات يوم في الطريق على ورقة مالية من ذات الخمسين دولارا، ولما لم يجد لها طالباً في الصحف احتفظ بها وعاد من جديد يضرب في الأرض. سار على ضفاف المسيسبي منحدرا مع مجراه حتى بلغ بعد خمسة عشر يوما (أوليان الجديدة)، وهنالك أدركته خيبة
стр. 10531
الأمل؛ فقد علم أن ليس في البواخر ما يسافر إلى الجنوب، وإذن لا يستطيع أن يبحر كما فكر وقدر. صفرت يده من المال، وهدده الشرط أن يعاملوه معاملة المتشرد، وأخذت حاله تسوء من يوم ليوم. . . ولكن إله المصادفة كان يرعاه، ففي الوقت الذي بلغت فيه حاله من الحرج وحياته من الضيق مبلغا شديدا، ألفى في طريقه بحاراً يدعى (بكسبي) تقدم إليهصمويل ليكون تلميذاً بحرياً في سفينته دون أن يفكر في المصاعب التي يلقاها الملاح في نهر كالمسيسبي طوله اثنا عشر ألف ميل، وبه من التعاريج ما يجب على راكبه أن يعرفها على التفصيل والجملة. ولكن وساطة بعض الأصدقاء ذللت له العقبات وسهلت عليه القبول. قضى المغامر الشاب عهد التعلم الشاق في ثبات وصبر وشجاعة، حتى غدا قائدا ماهرا للسفينة. . . أصبحت حجرة الدفة مأواه، والنهر المتنوع الحي مدرسته، فكانت هذه الحياة العاملة التي قضاها في النهر بعد تلك المقالات التي نشرها في جريدة أخيه مدرسة ناجحة لهذا الصحافي المنتظر؛ ومن مِلاحته في الماء العذب أخذ صمويل اسمه المستعار (مارك توين)، فقد كان في بعض مواضع النهر كثبان من الرمل، فإذا ما اقتربت السفينة منها سبر العامل المختص غور الماء، وقال وهو يلاحظ المسار: ارقم ثلاثة أرقم اثنين وهلم جرا. . . فأعجبت صمويل كلمة مارك توين فاتخذها اسما له. راغ صمويل من حرب الانفصال طول شبوبها، ثم سافر بعد ذلك مع رفيق له يبحثان عن الذهب، ولكن ما معه من المال نفذ سريعاً، فاضطر إلى العمل أجيرا في منجم من مناجم الذهب بعشرة دولارات أسبوعيا، وهي أجرة ساخرة إذا قيست بالعمل المرهق المنهك الذي كان يؤديه هذا المسكين. وذلك كان رأيه، فانه حين ظفر يوماً بمقابلة المدير طلب منه زيادة الأجر فقال له المدير: إنك لا تساوي شيئاً؛ ومع ذلك فأنا أحب أن أعرف ادعاءك. فقال له صمويل بأدب: إني رجل معقول، لذلك أقنع بأربعمائة ألف دولار في الشهر! فما كان جواب المدير إلا أن طرده لتّوه. ولما لقيه بعد ذلك مصادفة سأله ألم تندم على شيء؟ فقال له: بلى (بعد أن علمت ما هو العمل في المنجم كان ينبغي أن أطلب سبعمائة ألف دولار أجرة في الشهر لا أربعمائة ألف كما طلبت)
بعد هذه التجربة القاسية عزم صمويل أن يبحث عن الذهب على حسابه، فاشترك مع رفيق له، وحصل على امتياز ومضى في العمل. ولكنه تعلم على حسابه أن الثروة لا تواتي
стр. 10532
الجسورين دائماً. فقد أهمل هو ورفيقه أن يسورا الأرض التي يملكان فيها الامتياز، فنازعهما على ملكها بعض الناس، وأعوزهما الدليل فآلت إلى هؤلاء المنازعين، وبحثوا فيها فعثروا على عروق خصيبة من الذهب. وكانت الصدمة قوية على الشابين. ولكن المصادفة أدركت صمويل في ساعة المحنة. إذ طلب إليهأن يكون وكيلا للإدارة في جريد (انتربريز)، وهذا المنصب في نظر صمويل كان عرقاً ذهبياً من نوع آخر، إذ أدخله على غير انتظار في حلبة الأدب. وكان دخوله في تحرير هذه الجريدة فرصة حسنة تمكنه من ناحية الإنشاء والقصص، فصقل بالتحرير أسلوبه، وهذب بالمران حكاياته، ولكن طبعه الهجَّاء وروحه المداعب الفكه لم يخمدا فيه؛ وأوشك في البداية أن يقع منهما في ورطة شديدة، وذلك أنه نشر في بعض الأيام بيانا عن حادثة قتل وقعت في محطة (دوتش نيكس) أطلق فيه لخياله العنان، فذكر أن القاتل بعد أن طعن زوجته وأطفاله التسعة بالخنجر وضرب نفسه فقطع عنقه من الأذن إلى الأذن، امتطى جوادا عدا به حتى بلغ (كنساس ستي) ثم خر صريعاً هناك. نقلت ذلك الخبر جرائد كليفورنيا كلها ثم حملت في تعليقاتها على وحشية القاتل وفظاعة جرمه، ولكن جرائد بعض الولايات القريبة روت ذلك الحادث الغريب وقالت انه حديث خرافة. فكان ذلك فضيحة طريفة للكاتب أوشكت أن تخرجه من عمله
ثم انتقل إلى (سان فرنسيسكو) واستمر يكتب في الصحف كتابة رفعت شأنه وأذاعت اسمه في ولاية (كليفورنيا)، ولكنه بعد أن نشر كتابه (قصة الضفدعة التي تثب) أصبح نابه الذكر بعيد الصيت في أمريكا أولا، ثم في سائر البلاد بعد ذلك؛ واحتل من الأدب العالمي مكانا ممتازاً لا يتبوؤه إلا القليل. كذلك في هذه المدة نال مارك توين شهرته الذائعة في فن المحاضرة، وأضاف إلى علمه العميق بفن القراءة وقدرته العجيبة على زخرف الحديث، موهبته الساحرة لجذب قلوب السامعين باللهو والضحك. ولما عزم أن يحاضر الجمهور لأول مرة كتب في الإعلان الذي ألصقه على الجدران: (فتح الأبواب في الساعة السابعة والنصف، وابتداء الضجة الفاضحة في الساعة الثامنة تماما. ولما زار إنجلترا ليلقي فيها بعض المحضرات أحس في أول اختلاطه بالجمهور اللندني بعض الفتور وشيئا من عدم الثقة، فعلم أن ليس من اليسير التغلب على الطبع الإنجليزي المتزمت المحتشم، فطفق
стр. 10533
يتحدث عن أخبار رحلاته وعن انفعالات نفسه أمام جبل (يبرد الهواء على قمته بردا يجمد له مخ الإنسان في التو، وأثر ذلك في كل من يصعدونه أن يصبحوا عاجزين عن قول الحقيقة) ثم سكت قليلا وقال في لهجة نادمة ساذجة: (إني أعرف شيئا عنه لأني صعدت فوقه!) فانفجرت قاعة المحاضرة بالضحك الغرب، واعتقد ساعتئذ أنه ربح الصفقة واكتسب السامعين
وكان يلقي ذات مرة محاضرة في (بوستن) فقاطعه أحد السامعين وسأله رأيه في الجنة والنار، فأجابه (لا أريد أن أبدي رأيي فيما تسأل، لأني لي أصدقاء كراما في هذه وفي تلك!)
كان مارك توين ذكي القلب متوقد الذهن، ولكنه لم يكن على شيء من حسن السمت وجمال الشارة، فقد كان هندامه مهملاً ولقاؤه فجاً ومعاملته خشنة؛ على أن السنين صقلت هذا الفلاح فاكتسب سمت النبلاء بفضل امرأته (أوليفيا كليمنس) التي بنى عليها في سنة ١٨٧٠. وكانت هذه السيدة أنيقة مثقفة ذكية، فأثرت تأثيرها الجميل في زوجها، ودامت حياتهما الزوجية خمسا وثلاثين سنة لا يكدر صفاءها حادث، ولا ينغص هناءها خلاف. وقد جاهدت هذه الزوجة الكريمة في إصلاح زوجها، فلمت شعثه وحالت بينه وبين بعض الأمور التي لا تلائم مكانته. كانت ترعاه رعاية الأم لطفلها، فلا تدعه يخرج إلى مكان ما قبل أن تفحص هندامه فحصاً دقيقاً مخافة أن يكون في شكله وزيه ما يخالف العادة
وكانت تنبه إلى كل شيء حتى إلى خلع معطفه في المدخل قبل أن يدخل البهو. فإذا غابت ذات يوم كانت الطامة، فقد اتفق مرة وهما في واشنجطون أن خرجت السيدة كليمنس لبعض شأنها، وكان على مارك توين زيارة لابد أن يؤديها إلى سيدة من سيدات الطبقة العليا. فارتدى ثيابه بنفسه وخرج دون أن يخضع هذه المرة لتفتيش زوجه. أدى الزيارة وعاد إلى مكتبه في زيه الفاخر وطفق يعمل. وكانت زوجته قد عادت في هذهالاثناء فدخلت عليه تلاطفه وتسأله عن الزيارة. ولكنها لم تكد تلقي على السيد نظرة حتى رفعت يدها إلى السماء وصاحت قائلة: يا الله! أفي هذه الهيئة زرت السيدة فلانة؟ فأجابها: وهو قلق يعيد النظر في نفسه خلسة: ماذا؟ ألست في زي أنيق وشارة حسنة؟ فقالت: ولكن أين رباط رقبتك؟ لقد نسيت رباط رقبتك! يا للفضيحة الفظيعة يا عزيزي!! فأجابها بلهجة
стр. 10534
مصالحة: (أهذا كل ما هنالك؟ لا تضايقي نفسك فسأسوي الأمر) وما كان أشد دهشة الزوجة حين علمت في اليوم التالي كيف سوى زوجها الأمر! علمت أنه أرسل رباط رقبته مع الخادم إلى السيدة التي زارها مصحوباً ببطاقة كتب عليها: (هذه تكملة زيارتي)
على أن الدهر لم يسالم الكاتب النابغ طويلا، فقد فجعه الموت في ثلاث من بناته قضين صغيرات، وجل الخطب وفدح الرزء بفقد زوجته المحبوبة؛ ولكنه عاد فتصرف على هواه، وقرر بعد موت زوجته ألا يرتدي غير الثياب البيض وقد حرص على اتخاذ هذا اللون بقية عمره
كان مارك توين رقيق القلب شديد العطف على الناس يقابل ضعفهم بالتسامح، وبؤسهم بالرحمة، وجرمهم بالعفو؛ وذلك في شيء من الفكاهة الحلوة والدعابة الخبيثة. دخل اللصوص ذات ليلة في منزله في (إستار مفليد) وسرقوا كل ما وجدوه من الأواني الفضية؛ وكانت هذه السرقة شغل البيت وحديث أهله بالطبع، فأخطروا الشرطة وأذاعوا الخبر وتقاسموا الهم، إلا مارك توين، فقد كان في هذه الضجة هادئاً لا يعبأ بشيء ولا يقوم بحركة؛ فلما هم بالانصراف ليلاً إلى مخدعه علق في مكان ظاهر من مدخل الدار ورقة كبيرة كتب فيها هذه الكلمات
(اعلان للصوص في المستقبل)
ليس في المنزل بعد الآن أوان فضية بل مفضضة، وهي في ركن من أركان قاعة المائدة بجانب السلة التي تنام فيها القطط الصغيرة؛ وإذا احتجتم إلى هذه السلة فلا تنسوا أن تضعوا القطط في درج البوفيه الأسفل. أرجو ألا تحدثوا ضوضاء، وأن تغلقوا الباب وراءكم، وتقبلوا خالص احتراماتي.
(س. كليمانس)
ومن السهل أن نتصور ما قابلت به الأسرة هذا الاعلان من الدهش العظيم والضحك الشديد. وهكذا عاش ممثل الذكاء الأمريكي حتى توافاه الله في ٢١ ابريل سنة ١٩١٠ وهو في أوج مجده
стр. 10535
حول السنين والشيعة
إلى الأستاذ أحمد أمين
للأستاذ السيد محمد صادق الصدر
يسرني ويسرني جداً أن أقرأك أيها الأستاذ الأمين على صفحات (الرسالة) - صحيفة الأدب الخالدة - حاملاً لواء الوحدة، داعياً إلى الاتحاد والألفة. وإن في لحنك الجديد العالي - يا أستاذ - لذة ومتاعا، وإن فيه كل ما تصبو إليهالنفوس الحساسة الشاعرة، وإن تفسيرك للفظة الشيعية التي وردت في كتابيك الجليلين وسفريك الثمينين: فجر الإسلام وضحاه، وتصريحك بأنك لم تقصد من لفظ الشيعة الأمامية الاثني عشرية منهم، وإنما قصدت المغالي الممعن في غلوه، كل ذلك منك عاطفة مشكورة هذه لدليل أقوى دليل، وبرهان أسطع برهان، على أدب نفسك وطهارة ذاتك، وعظيم أخلاقك وخلالك. وكن على يقين معي بأن تصريحك هذا قد رفع سوء التفاهم وأزال من نفوس إخوانك الشيعة البررة كل ملامة وعتب؛ وإذا قرأت أو سمعت عن مفكريهم شيئاً لا يرضيك، فإنما كان ذلك غيرة على طائفتهم ودفاعاً عن آرائهم ومعتقداتهم، وهذا طبيعي لكل أمة تحتفظ بكرامتها، وتحرص على سمعتها؛ واسمح لي بأن أقول إنهم لم يخطئوا إذ فهموا من لفظ الشيعة أنك عنيتهم ما دام لفظ الشيعة مطلقاً غير مقيد؛ وليس في كتابيك (فجر الإسلام وضحاه) عبارة واحدة على تقييد الشيعة بالغالية لتخرج الاثني عشرية عن لفظ الشيعة المطلق الذي يشمل فرق الشيعة المتعددة؛ ومن المقرر في أصول الفقه أن المطلق إذا لم تقم قرينة تدل على تقييده يحمل على إطلاقه. وقد تكون ثمة قرائن - لا قرينة واحدة - قامت لدى الشيعة على الإطلاق وحملتهم على ما فهموه، فان ذكرك للفظ الشيعة مطلقاً أيضاً في كتابك (ضحى الإسلام) - بعد أن زرت العراق وطفت بمدن الشيعة، واجتمعت برجالاتها، وعرفت الشيء الكثير من عقائدها وآرائها - سوغ لهم هذا الفهم وحملهم على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد؛ ولست أريد بكلامي هذا أن أثبت أنك تقصد ما فهموه، وإنما أريد أن أقول إنهم لم يخطئوا في فهمهم ما دام إطلاق اللفظ كان يحتم عليهم فهم ذلك. وعلى كل حال سترى من الشيعة إخواناً شاكرين أفكارك وآراءك الأخيرة
وأود أن ألفت نظرك إلى نقطة مهمة وردت في مقالك القيم، فقد قلت: (وليست الأمامية
стр. 10536
التي يدين بها أهل العراق وفارس إلا فرقة واحدة من فرق عديدة بعضها باق إلى اليوم، وبعضها عفى عليه التاريخ). إن الطائفة الاثني عشرية هي الطائفة الوحيدة اليوم من طوائف الشيعة وهي مبثوثة في العراق وفارس والهند وأفغان وسورية والبحرين والحسا والقطيف وفي غيرها من الأقطار الإسلامية، وكل ما يبرز للعالم من آثار علمية ومنتوجات أدبية هو مما دبجته أقلام علماء هذه الفرقة وكتابها وشعرائها، ولم يبق من طوائف الشيعة المتعددة غير هذه، اللهم إلا بعض طوائف ضئيلة لا تذكر. لذلك أصبح لفظ الشيعة اليوم خاصاً بهذه الطائفة يتبادر إلى الذهن لدي إطلاقه؛ وقد بادت - والله الحمد - أكثر هاتيك الطوائف الضالة التي شوهت سمعة الشيعة. وأملي وطيد ألا تعرض في الجزء الثالث من فجر الإسلام إلى غير هذه الطائفة لأنها هي الطائفة الوحيدة من بين طوائف الشيعة المتعددة، التي يطلق عليها لفظ الشيعة بكل ما لهذه اللفظة من معنى؛ فهي التي شايعت علياً ﵇ وتابعته في أفعاله وأقواله، وليست طوائف الشيعة الضالة من التشيع في شيء ما دامت أفعالهم وأقوالهم لا تتفق وأقوال أهل البيت ﵈ وأفعالهم. ومن الخطأ جداً أن نجعل المقياس والجامع للتشيع حب علي (ع)، لأنا إذا أردنا أن نجعل المقياس هذا العنوان وجب أن نطلق على السنيين لفظة الشيعة أيضاً، لأنهم يحبون الأمام ويقدسون شخصيته، فالمقياس للتشيع إذن هو المشايعة والمتابعة، وهو الذي يقتضيه لفظ الشيعة؛ أما الطوائف التي لا نجدها مطابقة لهذا اللفظ فليست من الشيعة في شيء وإن ألصقت نفسها إلصاقا واتخذت لها هذا الاسم وساماً
أما ما رجحت من عقد مؤتمر في بغداد يجمع بين علماء الطائفتين، ويؤلف بين الفرقتين فهذه فكرة ناضجة، وأصبحت اليوم محتمة. وجدير بكل مسلم أن يبث هذه الدعوة، ويسعى لتحقيق هذه الفكرة فقد آن أن نتفق ونتحد، وآن لنا أن نوحد الصفوف ونجمع الكلمة، وآن لنا أن ننبذ النعرات الطائفية التي كانت السبب الوحيد في شق عصا المسلمين وبث روح الخصام في نفوس الأمة المسلمة التي كان يسودها الاتفاق، ويعلو سماءها الحب والوئام. وحري بنا - ونحن في هذا العصر الذي كثر فيه أعداء الإسلام ومناوئوه - أن نتناسى الماضي ونسدل حجاباً كثيفاً على كل ما من شأنه أن يكدر الجو ويثير العداوة والبغضاء. وإذا فرقتنا المذاهب بالأمس فستجمعنا المصائب اليوم. وإني أتذكر كلمة خالدة في هذا
стр. 10537
الموضوع لعلامة جبل عامل الأكبر الأمام السيد عبد الحسين شرف الدين نوهت عنها مجلة المنار الإسلامية، فقد قال عن الطائفتين: (فرقتهما السياسة، وستجمعهما السياسة)؛ فالسياسة التي فرقت بينهما طيلة الأعصر الماضية هي هي التي ستجمع بينهم في هذا العصر وتوحد صفوفهم في الأعصر الآتية؛ وإن الواجب ليحتم على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية أن يبث روح الاتفاق الحية، ويسعى جهده في كل ما يرجع إلى صالح الأمة، (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولكن مما لا شك فيه أن المسؤولية العظمى تلقي على عاتق العلماء والمفكرين من الأمة، فانهم هم القادة، وهم الذين يقدرون الواجب، وهم الذين يحسون بمسيس الحاجة إلى بث روح الاتفاق والألفة، وهم قادرون - بما أوتوا من علم وحكمة وقوة بيان - أن يخضعوا العامة لآرائهم ونظرياتهم؛ وإذا قام العلماء ببث هذه الروح، وقاموا بإيجاد مؤتمر إسلامي عام، فإنما يقومون بواجب تفرضه عليهم حالة الأمة الإسلامية الحاضرة، وتحتمه آي القرآن الكريم ونصوص السنة المقدسة؛ فالقرآن الكريم يحض على الاتفاق، ويحث على الألفة فيقول: (إنما المؤمنون اخوة)، ويقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، ويقول: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ويقول (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) إلى غير ما هنالك من الآيات الكريمة التي تحتم على المسلمين أن يتفقوا، وتحذرهم أن يتفرقوا فتذهب ريحهم، ويخسروا عزهم ومجدهم. ونحن لو رجعنا إلى السنة النبوية المقدسة لوجدناها تضرب على هذا الوتر وتلحن أحاديثها الشريفة على هذا التلحين، وتواجه المسلمين بنحو هذا الأسلوب فتقول: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وهم يد على ما سواهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل) والأحاديث في ذلك كثيرة. وكان صلى الله عليه واله وسلم يبث هذه الروح المباركة ويحض عليها بمختلف التعبير، وكان لإرشاداته (ص) وتعاليمه القيمة دوي عظيم في أنحاء الجزيرة العربية، وأثر في نفوس المسلمين الأثر الذي جعل فيهم روحا وثابة حية كانت هي السبب الوحيد في رقيهم الباهر، وتقدمهم العظيم. فالأمة الإسلامية ما اجتازت تلك المراحل، وما وصلت إلى ما وصلت إليه من المجد والعظمة إلا بالتمسك بالاتفاق والاعتصام بحبله المتين؛ بفضل الاتفاق أصبحت الأمة الإسلامية أمة
стр. 10538
حية، وبفضل الاتفاق تربعت على دست الحكم وقبضت بيدها الحديدية على أنحاء المعمور. وإذا أردنا أن نسترجع مجدنا القديم ونسترد عزنا السالف لتحتم علينا أن نتقدم للعمل حاملين هذه الروح الوثابة المباركة. (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
بغداد - الديوان
محمد صادق الصدر
стр. 10539
وا أُمَّاهُ!!
للأستاذ الحاج محمد الهراوي
تكَشفْتُ للأَحداثِ بعدكِ يا أُمَّي … فيا طولَ ما أقَي من الحزنِ والهمَّ
ليَ الله يا أُمَّاهُ ما أَنا بالّذي … تعَوَّد أَنْ يَقْوَى على الحادثِ الجَهْم
تلمَّسْتُ حَزْمِي في المصاَب فعزَّني … لقد غاب عنَّي في الثرى مَصْدر الحزم
فقَدْتُ الّتي كانتْ إذا شطَّ بي النَّوَى … تُساَئِلُ عنَّي في الدُّجى سَارِيَ النَّجم
وإن تَرْمِنِي الأقدارُ منها بحادِثٍ … تَلَقَّفُه عنَّي على الرُّوح والجِسْم
وإن تَرِبَتْ كفِّى تجودُ برُحها … مخافةَ ما لَمْ أحتمِله من العُدْم
وإن مسني سُقْمٌ ثوَتْ عند مَرْقدي … لِزاماً فلم تَبْرَحْهُ إلاّ معَ السُّقْم
عَلى أَنَّها والسُّقْمُ يَرْى عِظَامَها … تُحاوِلُ أن تُخْفيهِ عَنَّيَ بالكتْم
ولو أنها استطاعت لأَخْفتْ حِمامَهاَ … وقد حُمَّ، إشفاقاً عليَّ من الضّيْم
فيا رَحْمَتاَ للفاَقِدِي أُمَّهاتِهِمْ … من الناسِ مِثلي أو من الطيْر والبُهْم
فإِن الحنَانَ الحقَّ في الأمَّ وحدهاَ … وغيرُ حناَنِ الأُمَّ ضَرْبٌ من الوهْم
هِيَ الأُمُّ شِرٌّ لستَ تَعرِفُ كُنهَه … وإن خِلْتهاَ في صورةِ الدَّمَّ واللَّحم
يقولون فانظُرْ رسمهاَ بعد موتِها … فقُلتُ لهم في الرَّمْسِ أُمِّيَ لا الرَّسم
فإِن فاتَني ذاك الحنَانُ التَمَستهُ … على حسْرَةٍ من ذلك القَبر باللَّثْيم
دَفَنْتُ به من لا يني إن دَعَوْتُه … إلى معشَرٍ صُمّ إذا ما دُعُوا بكْم
فإن قلتُ يا أُمَّاهُ أَغْنَاني اُسْمُهاَ … عن الأَبِ والأبناء والخالِ والعَمِّ
عصامِّية كانت على حينَ أنَّهَا … لها نسبٌ فوق النّقيصةِ والذَّمِّ
وأُمِّيَّة كانت ولكنَّ رَأْيهاَ … لدي مُعْضِلَاتِ الأمرِ فوقَ ذوي العِلْم
فقَدْتُ أبي طْفلاً فلم أَدْرِ ما اُلأَسَى … وأُفقِدْتُهاَ كهلاً فَهدَّ الأسى عَزْمي
سَلونِي أُحَدِّثْكُمْ عن اُلْيتمِ بَعْدها … فإنَّ الْيتيمَ الكَهْلَ أَعْرَفُ باليُتْم
فيا ليتَ أَيامَ الحياةِ وقَفْنَ بي … لدى مَوضعِي منها من اللثْمِ والضّيمِ
ويا لْيت لمَ يَقطَعْ بنا الدهرُ شَوطَهُ … فإِن خُطَاهُ للِقطيعةِ والصَّرْ
سَرَي لِيَ يا أُمَّاهُ طَيفُك في الكَرَى … فغَابَ خَيَال الأُمِّ عن زَوْرةِ الأُ
стр. 10540
وأنَّى لِيَ السَّلْوى وقد حالَ دُونَها … مِثاَلكِ في عيني وطَيفكِ في حُلمِ
سأَخْضَعُ يا أُمِّي لقلبي ومَدْمَعِي … على رَغمِ ما أسْديتِ من نُصْحِكِ اُلجَميل
وأبكيكِ بالقلبِ الذي تَعْرِفينَهُ … وللدَّمْع شأنٌ غير ذلك في الحُكم
следующие страницы →