Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10536–10575 · переход к 10541.
стр. 10536
التي يدين بها أهل العراق وفارس إلا فرقة واحدة من فرق عديدة بعضها باق إلى اليوم، وبعضها عفى عليه التاريخ). إن الطائفة الاثني عشرية هي الطائفة الوحيدة اليوم من طوائف الشيعة وهي مبثوثة في العراق وفارس والهند وأفغان وسورية والبحرين والحسا والقطيف وفي غيرها من الأقطار الإسلامية، وكل ما يبرز للعالم من آثار علمية ومنتوجات أدبية هو مما دبجته أقلام علماء هذه الفرقة وكتابها وشعرائها، ولم يبق من طوائف الشيعة المتعددة غير هذه، اللهم إلا بعض طوائف ضئيلة لا تذكر. لذلك أصبح لفظ الشيعة اليوم خاصاً بهذه الطائفة يتبادر إلى الذهن لدي إطلاقه؛ وقد بادت - والله الحمد - أكثر هاتيك الطوائف الضالة التي شوهت سمعة الشيعة. وأملي وطيد ألا تعرض في الجزء الثالث من فجر الإسلام إلى غير هذه الطائفة لأنها هي الطائفة الوحيدة من بين طوائف الشيعة المتعددة، التي يطلق عليها لفظ الشيعة بكل ما لهذه اللفظة من معنى؛ فهي التي شايعت علياً ﵇ وتابعته في أفعاله وأقواله، وليست طوائف الشيعة الضالة من التشيع في شيء ما دامت أفعالهم وأقوالهم لا تتفق وأقوال أهل البيت ﵈ وأفعالهم. ومن الخطأ جداً أن نجعل المقياس والجامع للتشيع حب علي (ع)، لأنا إذا أردنا أن نجعل المقياس هذا العنوان وجب أن نطلق على السنيين لفظة الشيعة أيضاً، لأنهم يحبون الأمام ويقدسون شخصيته، فالمقياس للتشيع إذن هو المشايعة والمتابعة، وهو الذي يقتضيه لفظ الشيعة؛ أما الطوائف التي لا نجدها مطابقة لهذا اللفظ فليست من الشيعة في شيء وإن ألصقت نفسها إلصاقا واتخذت لها هذا الاسم وساماً
أما ما رجحت من عقد مؤتمر في بغداد يجمع بين علماء الطائفتين، ويؤلف بين الفرقتين فهذه فكرة ناضجة، وأصبحت اليوم محتمة. وجدير بكل مسلم أن يبث هذه الدعوة، ويسعى لتحقيق هذه الفكرة فقد آن أن نتفق ونتحد، وآن لنا أن نوحد الصفوف ونجمع الكلمة، وآن لنا أن ننبذ النعرات الطائفية التي كانت السبب الوحيد في شق عصا المسلمين وبث روح الخصام في نفوس الأمة المسلمة التي كان يسودها الاتفاق، ويعلو سماءها الحب والوئام. وحري بنا - ونحن في هذا العصر الذي كثر فيه أعداء الإسلام ومناوئوه - أن نتناسى الماضي ونسدل حجاباً كثيفاً على كل ما من شأنه أن يكدر الجو ويثير العداوة والبغضاء. وإذا فرقتنا المذاهب بالأمس فستجمعنا المصائب اليوم. وإني أتذكر كلمة خالدة في هذا
стр. 10537
الموضوع لعلامة جبل عامل الأكبر الأمام السيد عبد الحسين شرف الدين نوهت عنها مجلة المنار الإسلامية، فقد قال عن الطائفتين: (فرقتهما السياسة، وستجمعهما السياسة)؛ فالسياسة التي فرقت بينهما طيلة الأعصر الماضية هي هي التي ستجمع بينهم في هذا العصر وتوحد صفوفهم في الأعصر الآتية؛ وإن الواجب ليحتم على كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية أن يبث روح الاتفاق الحية، ويسعى جهده في كل ما يرجع إلى صالح الأمة، (فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، ولكن مما لا شك فيه أن المسؤولية العظمى تلقي على عاتق العلماء والمفكرين من الأمة، فانهم هم القادة، وهم الذين يقدرون الواجب، وهم الذين يحسون بمسيس الحاجة إلى بث روح الاتفاق والألفة، وهم قادرون - بما أوتوا من علم وحكمة وقوة بيان - أن يخضعوا العامة لآرائهم ونظرياتهم؛ وإذا قام العلماء ببث هذه الروح، وقاموا بإيجاد مؤتمر إسلامي عام، فإنما يقومون بواجب تفرضه عليهم حالة الأمة الإسلامية الحاضرة، وتحتمه آي القرآن الكريم ونصوص السنة المقدسة؛ فالقرآن الكريم يحض على الاتفاق، ويحث على الألفة فيقول: (إنما المؤمنون اخوة)، ويقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)، ويقول: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) ويقول (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) إلى غير ما هنالك من الآيات الكريمة التي تحتم على المسلمين أن يتفقوا، وتحذرهم أن يتفرقوا فتذهب ريحهم، ويخسروا عزهم ومجدهم. ونحن لو رجعنا إلى السنة النبوية المقدسة لوجدناها تضرب على هذا الوتر وتلحن أحاديثها الشريفة على هذا التلحين، وتواجه المسلمين بنحو هذا الأسلوب فتقول: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم، وهم يد على ما سواهم فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل) والأحاديث في ذلك كثيرة. وكان صلى الله عليه واله وسلم يبث هذه الروح المباركة ويحض عليها بمختلف التعبير، وكان لإرشاداته (ص) وتعاليمه القيمة دوي عظيم في أنحاء الجزيرة العربية، وأثر في نفوس المسلمين الأثر الذي جعل فيهم روحا وثابة حية كانت هي السبب الوحيد في رقيهم الباهر، وتقدمهم العظيم. فالأمة الإسلامية ما اجتازت تلك المراحل، وما وصلت إلى ما وصلت إليه من المجد والعظمة إلا بالتمسك بالاتفاق والاعتصام بحبله المتين؛ بفضل الاتفاق أصبحت الأمة الإسلامية أمة
стр. 10538
حية، وبفضل الاتفاق تربعت على دست الحكم وقبضت بيدها الحديدية على أنحاء المعمور. وإذا أردنا أن نسترجع مجدنا القديم ونسترد عزنا السالف لتحتم علينا أن نتقدم للعمل حاملين هذه الروح الوثابة المباركة. (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).
بغداد - الديوان
محمد صادق الصدر
стр. 10539
وا أُمَّاهُ!!
للأستاذ الحاج محمد الهراوي
تكَشفْتُ للأَحداثِ بعدكِ يا أُمَّي … فيا طولَ ما أقَي من الحزنِ والهمَّ
ليَ الله يا أُمَّاهُ ما أَنا بالّذي … تعَوَّد أَنْ يَقْوَى على الحادثِ الجَهْم
تلمَّسْتُ حَزْمِي في المصاَب فعزَّني … لقد غاب عنَّي في الثرى مَصْدر الحزم
فقَدْتُ الّتي كانتْ إذا شطَّ بي النَّوَى … تُساَئِلُ عنَّي في الدُّجى سَارِيَ النَّجم
وإن تَرْمِنِي الأقدارُ منها بحادِثٍ … تَلَقَّفُه عنَّي على الرُّوح والجِسْم
وإن تَرِبَتْ كفِّى تجودُ برُحها … مخافةَ ما لَمْ أحتمِله من العُدْم
وإن مسني سُقْمٌ ثوَتْ عند مَرْقدي … لِزاماً فلم تَبْرَحْهُ إلاّ معَ السُّقْم
عَلى أَنَّها والسُّقْمُ يَرْى عِظَامَها … تُحاوِلُ أن تُخْفيهِ عَنَّيَ بالكتْم
ولو أنها استطاعت لأَخْفتْ حِمامَهاَ … وقد حُمَّ، إشفاقاً عليَّ من الضّيْم
فيا رَحْمَتاَ للفاَقِدِي أُمَّهاتِهِمْ … من الناسِ مِثلي أو من الطيْر والبُهْم
فإِن الحنَانَ الحقَّ في الأمَّ وحدهاَ … وغيرُ حناَنِ الأُمَّ ضَرْبٌ من الوهْم
هِيَ الأُمُّ شِرٌّ لستَ تَعرِفُ كُنهَه … وإن خِلْتهاَ في صورةِ الدَّمَّ واللَّحم
يقولون فانظُرْ رسمهاَ بعد موتِها … فقُلتُ لهم في الرَّمْسِ أُمِّيَ لا الرَّسم
فإِن فاتَني ذاك الحنَانُ التَمَستهُ … على حسْرَةٍ من ذلك القَبر باللَّثْيم
دَفَنْتُ به من لا يني إن دَعَوْتُه … إلى معشَرٍ صُمّ إذا ما دُعُوا بكْم
فإن قلتُ يا أُمَّاهُ أَغْنَاني اُسْمُهاَ … عن الأَبِ والأبناء والخالِ والعَمِّ
عصامِّية كانت على حينَ أنَّهَا … لها نسبٌ فوق النّقيصةِ والذَّمِّ
وأُمِّيَّة كانت ولكنَّ رَأْيهاَ … لدي مُعْضِلَاتِ الأمرِ فوقَ ذوي العِلْم
فقَدْتُ أبي طْفلاً فلم أَدْرِ ما اُلأَسَى … وأُفقِدْتُهاَ كهلاً فَهدَّ الأسى عَزْمي
سَلونِي أُحَدِّثْكُمْ عن اُلْيتمِ بَعْدها … فإنَّ الْيتيمَ الكَهْلَ أَعْرَفُ باليُتْم
فيا ليتَ أَيامَ الحياةِ وقَفْنَ بي … لدى مَوضعِي منها من اللثْمِ والضّيمِ
ويا لْيت لمَ يَقطَعْ بنا الدهرُ شَوطَهُ … فإِن خُطَاهُ للِقطيعةِ والصَّرْ
سَرَي لِيَ يا أُمَّاهُ طَيفُك في الكَرَى … فغَابَ خَيَال الأُمِّ عن زَوْرةِ الأُ
стр. 10540
وأنَّى لِيَ السَّلْوى وقد حالَ دُونَها … مِثاَلكِ في عيني وطَيفكِ في حُلمِ
سأَخْضَعُ يا أُمِّي لقلبي ومَدْمَعِي … على رَغمِ ما أسْديتِ من نُصْحِكِ اُلجَميل
وأبكيكِ بالقلبِ الذي تَعْرِفينَهُ … وللدَّمْع شأنٌ غير ذلك في الحُكم
стр. 10541
ليلة حوراء
للأستاذ عبد الرحمن شكري
رق الظلام بليلة … حوراء كالطرف الكحيلْ
سحر العيون كسحرها … بين الشواهد والشكول
هي فتنة الحدق الملا - ح ونعسة الطرف العليل
رق الظلام كأنه … مُتَفيَّأُ الظل الظليل
في روضة فينانة … هجر الهجيرُ بها المقيل
وصفا الدجا فكأنما … مزج النهار به الأصيل
فتمازجا كتمازج ال … ماء المُصَفّى والشَّمُول
في جنحها وصفائها … قُرِنَ الجليل إلى الجميل
وتصالحا من بعد ما اف … ترق السبيل عن السبيل
تحنو علينا مثلما … يحنو الخليل على الخليل
وتخالها حُلُماً بسع … د جل عن قيد العقول
ولرب ليلٍ فاحم … فيكاد يُقْطَعُ أو يسيل
لا مثل لَيْلَتيَ التي تندي على الوجد الدخيل
في سحرها وصفائها … ونجومها برء الغليل
عم السكون كأنه مَلَكٌ على الدنيا نزيل
فكأنها رسم بدا … وكأنها حُلُمٌ مخيل
في مثلها من هدأة … سكن القضاء فلا يصول
وكهدأة في معَبد … للخاشعين به مثول
وكأنما أغفى الهو … ء كغضة الطرف الكليل
والبدر طيف في المنا … م يطيف كالحِبَّ الوَصول
في مثلها من ليلةٍ … عبد الداني أهل الحلول
ورأوا تَجَلِّي الله في … كونٍ عراه له ذهول
والزهر كالمسحور وس … نان المحاسن في ذبول
стр. 10542
والنهر غافٍ راكد … نَسِيَ الترقرق والميل
وسنان يحلم بالريا … ض وظلها فيه الظليل
في مثلها من ليلةٍ … يقف الزمان فلا يحول
يصغي إلى نجوى القلو … ب وذكرها العهد المحيل
كوقوف نجم سمائها … يثنيه من سحر ذهول
كذهول مسحور بما … تجلو من الحُلُمِ الجميل
يا ليل بل يا سحر بل … يا حُلْمُ ليتك لا تزول
عبد الرحمن شكري
стр. 10543
الحياة
للأستاذ فخري أبو السعود
ليت شعري لأي أمرٍ مُراد … قد سرتْ منكِ نفحةٌ في الجماد؟
فاستقلت أجزاؤه من همود … وصحا بعد طول ذاك الرقاد
دائبَ السعي لا يمل حراكاً … مستمراً ولا طويل جلاد
ساعياً دون غاية يجتليها … سعي ذي غاية جَلَّيِ المراد
صابراً للصروف كيف توالت … مستجما للنازلات الشداد
فيك بؤس له وفيك نعيم … وهو في الحالتين لهفان صاد
يبلُغ الجوعُ منه والخوف والحز … ن وعادتٍ من نازل الداء عاد
باسماً للرجاء يشرق بعد ال … كد منه وبعد وَعْزِ الجهاد
آملاً كيفما تمادى شقاءٌ … أن يدورَ الزمان بالإسعاد
وهو مهما أصاب خيراً مُريغٌ … غيره منك طامعٌ في ازدياد
وهو مهما طال البقاء به را … ج بقاءٌ وراغبٌ في التمادي
وحريصٌ على هواكِ وأنْ لم … تتْق غير الجفاء والإبعاد
فرط حبٍ قد استوى أفتَكُ الفُتّ - اكِ فيه وأزهدُ الزُّهَّاد
ليس يدري سواكِ أصلاً وفصلاً … ليس يَسْبيه غيرَ وَاديكِ واد
يكره الموتَ جُهْدَهُ وهو رَوْحٌ … وقرارٌ له على الآباد
وإذا حَنَّ للخلودِ تَقِيٌّ … يبغي بالصلاح دارَ الرشاد
فهو يبغي في الخْلدِ ما فيكِ من نُع … مى ومن فتنةٍ ومن إرغاد
وهو يبغي جميع ذلك صفواً … من صفوف القذى وَريْب العوادي
وهو يبغي جميع ذاك مُقيماً … مستمراً له لغير نفاذ
جَنّةُ الُخلدِ صورةٌ منكِ تَغْذُو … منه شتّى المُنى وحاج الفؤاد
فخري أبو السعود
стр. 10544
فراق
للأستاذ رفيق فاخوري
يا خدينَ الصِّبا رعى الله عهداً … لم يلد مثله الزمان المقلُّ
لا أرى لي عمراً سواه فأولا … ظله لم يكن لمحيايَ ظل
هو فصلٌ من النعيم نهبنا … هُ قصيراً، ولذةٌ لا تُمل
لُممعٌ من سعادةٍ ورخاء … أَعقبتْ حسرةً تَمُرُّ وتحلو
زعموا البعدَ منتهى كلِّ أُنسٍ … وفراقَ الأحبابِ خطباً يَجِلُّ
قلتُ: إنْ أزمعَ الخليطُ احتمالاً … ففؤادي بالوجد لا يستقل
نحن كلٌ بَحدة الروح يحيا … وجميعٌ على العُداة مُطِل
فإذا ناله التفرقُ يوماً … لم يكنْ فيه للحياة مَحلُّ
يا مَعين السلوان ليت لقلبي … ما يُميت الحنينَ فيه فيسلو
آتهِ جرعةً تغول حجاه … عَلّة من بواعث الهم يخلو
كاد من لوعةٍ وفرط اشتياقٍ … عن حماهُ بين الأضالع يجلو
ضاقَ عن حُبّبه فتىً ذا مراسٍ … واشتكى من عذابه وهو طفل
حمص
رفيق فاخوري
стр. 10545
القصص
صور من هوميروس
١٧ - حروب طَرْوادة
طوفان للأستاذ دريني خشبة
تفَزّغ الطرواديون مما أخذهم به أخيل؛ وزادهم خبالا هذا الظلام الذي راحوا يضربون فيه على غير هدى، والذي تمد حيرا في دياجيره فيتدجى فوق الساحة الصاخبة، ويمكن لابن بليوس من أعدائه فيضرب في أقفيتهم، ويهوي على أعناقهم، ويمسح بِسُوقهم ويضرب كل بنان
وضاق الجسر بجموع الفارين، فاضطروا إلى خوض عباب النهر الزاخر، وخَوَّضوا فيه بخيلهم ورجلهم. . وتطامن لهم سكمندر فسكنت أواذيه، ونامت جراجره، وانكشف قاعه عن حصباء كالدر النضيد. . . .
وتبعتهم أخيل فخاض مياه النهر، ثم أعمل سيفه ورمحه، فكانت شآبيب الماء تختلط وشآبيب الدماء، وأنين القتلى يمتزج وأصداء المنهزمين، والجماجم المنتثرة تصطدم بالأشلاء الطافية هنا وهناك، والسماء الكاسفة ترسل عقبانها تغتذي بالجزر المتساقط في رحب المعركة، من بطون مبقورة، وهام مُفَلّةٍ، ولحم مقروم. . . . . . . . .
واستطاع أخيل أن يحصر اثني عشر شاباً فيأخذ عليهم سبيل الفرار، وفضل أن يرسلهم إلى سفائنه أسرى حتى لا يثخن في الأرض، وحتى يشهدوا ثمة ذلك القتيل المسجي، تسقيه ذيتيس الحزينة خمرا؛ فكبل أرجلهم وأيديهم من خلاف، ووكل بهم جماعة من رجاله فقادوهم إلى الأسطول، بعد ما وقفوا هنيهةً أمام جثة بتروكلوس، يؤدون لها تحية المعركة التي دارت رحاها عليهم، واصطلوا من بعده بنارها
وطفق أخيل يأخذ الجموع من كل حدب، ويلقاهم في كل صوب، حتى كان وجهاً لوجه أمام ليكاون بن بريام، الذي كانت له معه قصة قديمة مشجية، زمان إذ أسره أخيل واستاق قطعانه، وحبسه في جزيرة لمنوس، حتى افتداه أهله من الحرس الموكل به، ورشوهم بمائة ثور جسد ذي خوار ليطلقوا سراحه!
стр. 10546
مسكين ليكاون بن بريام! لقد فر من جزيرة لمنوس منذ اثني عشر يوماً فقط، وسعى إلى هذه الساحة النكراء ليلقى فوق أديمها حتفه، كما لقيه أخوه بوليدور من قبل
ودهش أخيل إذ رأى ابن بريام يذرع الميدان أمامه، وعجب من أفلته من منفاه السحيق في عرض البحر. . . ثم أيقن أن في الأمر مكيدة. . فانقض على الفتى المسكين انقضاض الباشق، وأرسل إليهطعنة نجلاء كادت تخترم أجله، لولا هذه اللفتة الرشيقة التي أنفتلها الشاب فأنقذت حياته. . . ولو إلى حين!
وفتح الفتى عينيه فنظر إلى شبح الموت تنتشر سماديره من ظباة أخيل، وأحس كأن هذا الشبح يلاحقه في كل مكان فيقبض على عنقه ويضغطه، ثم ينشب فيه أظافره فيسري السم في هيكله الخاوي فلا يكاد يبين!
وحاول أن ينجو من روع هذا الموقف. . ولكنه كان أبطأ من حتفه الذي يسابقه، فلما أيقن أن لا سبيل إلى الفرار، ألقى سلاحه وتقدم إلى أخيل فقبل ثرى الساحة عند قدميه، ثم لف ذراعيه المرتجفتين حول ساقْي زعيم الميرميدون، وطفق يضرع إليهألا يقتله. . (فان لي أماً محزونة ما تفتأ ترسل دموعها على أخي بوليدور الذي قتلته منذ لحظة، والذي أذويت شبابه النضر ولم تبق على عوده الفينان، ولم ترحم فيه قلوباً تعطف عليه، وأباً شيخاً أصبته في ولده بقاصمة الظهر. . .
أرسلني يا أخيل تباركك الآلهة، وترعاك أرباب الأولمب، ولا تفجع فيّ ذيْنك القلبين الحنيين على، الحفيين بي. . .)
وكان الفتى يغسل توسلاته بعبرات شبابه، ويصهرها بآهات صباه. . . ولكن أخيل الذي يضطرم حزناً على بيروكلوس، لمتأخذه رحمة في ابن بريام المسكين، وأخي هكتور الذميم. . .! بل استل جزاره البتار وأهوى به على عنق الفتى. . . فطاح الرأس الطروادي الكريم!
وكان البطل الطروادي العظيم، سترابيوس بن بلجون، رب البركات، الذي يدين له بحياته أكسيوس رب النهر الشرقي الكبير. . . كان سترابيوس على مقربة من أخيل وهو يصرع ليكاون بن بريام، فجزع - شهدت الآلهة - على ابن الملك، وأحزنه ألا يرق أخيل لتوسلاته؛ ووقر في نفسه أن يقتص له من هذا الشيطان، ويخلص الطرواديين منه، فيطير
стр. 10547
ذكره في الخافقين ويقترن اسمه بما لم يقترن به اسم أحد في العالمين. فيمم شطر أخيل والكبرياء تنفح أوداجه، والغرور يشيع في أعطافه، ثم هز رمحه هزة المتحدي الخصيم. . .
وزجره أخيل فلم يزدجر، فانقض عليه انقضاض الحتف، وأخذه أخذ المنية، لا تجدي فيها إذا أنشبت أظافرها النمائم، ولا تدفعها الرُّقي، ولا تُفلت من أقصدته ولو كان في برج مشيد!
وأرسل أخيل رمحه كالصاعقة، لو لقي الصخر لقده، أو الجبل لنفذ فيه، ولكن سترابيوس كان أرشق من أن يلقي الطعنة فانزلق انزلاقه خفيفةً أذهبت الرمح في الهواء، ثم هوى إلى الأرض فغاص فيها؛ ومن ثمة راح يداعب أخيل حتى أحنقه وحتى بلغ الغيظ منه، فامتشق بن بليوس سيفه وصرخ صرخة رجفت لها السماء، وانصدع من هولها جانب الجبل، وهجم على سترابيوس هجمة رابيةً فلم يفلته، بل أرسل السيف في بطنه فخرج سنانه من ظهره، وبرزت الأمعاء فاجتمعت حولها أسماك الماء، تنوشها وتتغذى بها.
وريع سكمندر، رب النهر العظيم، إذ نظر فرأى ابن ضيفه المقدام، يلفظ أنفاسه، ويُساقط نفَسه، فدارت الأرض به، وضاقت عليه بما رحبت، وتجهم من تَوّه لأخيل، وود لو انشق فابتلع ابن بليوس آخر الدهر، أو لو يأخذ هو سيفاً فيقد به أضلاعه، ويطيح به رأسه، ويريح العالم من بأسه. لكنه آثر، كأله له وقاره، أن ينذر أخيل ويأخذه بالحيلة، فخاطبه من القرار، قال: (أخيل! يا ابن بليوس العظيم! أنا لا يهمني أن تصطلم الطرواديين جميعاً، ما دام زيوس قد سلّطك عليهم ورماهم بك. . . أنا لا يهمني من ذلك شيء. . . ولكن الذي يحزنني ويضيق به صدري هذه الجثث الكثيرة التي يعج بها عبابي، وينتشر منها الخبث في أرجائي. . . لقد أنتنت يا أخيل، وخالطت عذوبة مائي، ولم يعد لي بها طاقة، ولا عليها جلد. . . وهي إلى ذلك كادت تقف تياري، وتشل حركتي. . . فهلم فارفعها عني، وقف التصريع والتقتيل حتى تطهر مجراي من أدرانها وحتى ألفظ أنا إلى البحر ديدانها. . .)
وتبسم أخيل قائلا: (أما أن أقف هذه الحرب فلا سبيل إلى ذلك حتى آخذ بثأر بتروكلوس، وحتى أدك طروادة على رأس هكتور، فاما أن ألقاه فأقتله وإما إن يلقاني فيقتلني؛ وأما أن أطهر مجراك من هذه الجثث الطافية فوقه فليس لي الآن بذلك يدان. . . أو تضع هذه
стр. 10548
الحرب أوزارها. . .)
وحنق سكمندر العظيم، وانطلق إلى أبوللو يكلمه في أمر أخيل، ولم يدعه أبوللو حتى أغراه بابن بليوس أعدى أعدائه، وأشد شانئيه، وحتى أثاره عليه، وهاج فيه كل حقد دفين. وعاد سكمندر فأشار إلى الماء فعلا وفاض، وإلى الموج فتلاطم وجرجر، وإلى الأواذي فدوّمت وهوّمت، ولاحقت أخيل من ههنا ومن ههنا؛ وظن ابن بليوس إلى الخطر الذي أوشك أن يحيق به فهرع يحاول الفرار. . . ولآت حين فرار. . . فقد أزبد الموج، وانساب العباب، وتشققت الأرض عيوناً ومسايل، وعَمُقت اللجة، وبعد ما بين سطحها وبين قدمي أخيل، أو ما بينه وبين قرارها، فأطلق المسكين ذراعيه يسبح في أغوارها، ويتعلق بالجثث الطافية فوقها
وأشتد الخطب، وعظم الكرب، وصرخ أخيل يستنجد أربابه، فما كادت حيرا تسمعه حتى فزعت إليه، وأمرت فلكان ابنها فانطلق يجفف الأمواه بنيرانه، ويرسل على الطوفان بدخانه، ويستعين في كل ذلك بآلهة الريح التي هرعت إليهمن كل صوب تساعده، وكان زفيروس الكريم يهب على النهر اللجي سجسجاً، ويذهب منه بكل مزنةٍ مثقلة، وديمة محملة، فلم يمض غير بعيد حتى صفا الجو، وغيض الماء، وبرز أخيل يحمل عدته، فطربت الآلهة لنجاته، وانقض فلكان على سكمندر يحاول أن يثأر لأخيل منه. . .! ولكن بعد أن عاهد حيرا - إذ هي صدت عنه ولدها فلكان - أن يحصر الطرواديين بموجه، فلا يمكنهم من الدخول إلى مدينتهم، ويجعلهم بذلك هدفاً لأخيل يصنع بهم ما يشاء!!
وتثار الخصومة بين الآلهة لموقف فلكان من سكمندر. . . ويغيظ مارس من مينرفا أنها تؤيد فلكان وتحرضه على رب النهر المسكين الذي أفزعته النيران تأخذه من كل حدب. . . فتقدم إليها وطفق يقرعها وتقرعه، ويرميها بالمثالب وترميه بها. . . ثم تناول رمحه العظيم واستجمع كل قوته، وأرسله يود لو يقضي به على ربة الحكمة الحازمة، ولكن، ويل لك يا مارس! لقد ارتد الرمح فلم يستطع إلى درع مينرفا من سبيل. . . وانحنت الآلهة المغيظة فأخذت حجراً من أكبرا حجارة الجبل وقذفت به مارس فدكت عنقه، وتركته على السفح الشاحب لَقًي من ألقاء هذه الحرب!
وظل مارس ممدداً على السفح يخور ويئن، ويتلوى بجثته العظيمة التي كانت ترتطم
стр. 10549
بالجيل فتميد به، وتهزه هزاً ظاهراً
وأقبلت فينوس فوقفت تواسي مارس وتهون عليه ما فعلت به مينرفا، ثم أنهضته وانصرفت به، ولكن حيرا أرسلت في إثرهما مينرفا، ترى ما يكون من أمرهما. . . بعد كل تلك الفضائح التي لوثت شرفهما، وجعلت اسمهما مضغة في جميع الأفواه. . .
وأقبلت فينوس على مارس تشفي حرقةً في قلبه، وتنيله من قبلاتها ما تنسيه به بعض الذي لقيه من أذى. . . ولكن مينرفا أهابت بهما. . .! وطفقت تنصح لهما أن يدعا اليوم فلا ينصرانها على شعبهما المختار. . . هيلاس العزيزة! ولكن. . .! لقد أسمعت لو ناديت حياً. . .! فلقد أعطيت فينوس موثقاً، وان فينوس لصادقة. . .!!
وانطلق نبتون يعظ أبوللو، ويصرفه هو الآخر عن مؤازرة الطرواديين، فذكر له أيام أن نفاهما زيوس إلى أقصى الأرض، فأتيا إلى طروادة، وعملا في خدمة أميدون الجبار، الذي لم يتورع أن يرسل أبوللو فيرعى له قطعانه، ويسمّن نعمه وشاءه، كأن لم يكن أبوللو أبن إله عظيم، وكأن لم يكن هو نفسه إلهاً عظيماً!!. . . (أتذكر هذه الأيام يا أخي أبوللو!!. . أتذكر أيام أن كان هذا العاتية العنيد يسومنا الذل، ويقهرنا أرهق القهر، وينزل بنا أشد ألوان الخسف، متذرعاً بغضب سيد الأولمب علينا، لا تأخذه فينا رحمة، ولا يهمه أن نبرم ونتسخط ما دام - فيما كان يزعم - يؤدي ما أمره به أبوك زيوس!!
فيم هذه المناصرة كلها لطروادة يا أبوللو؟. . . ماذا تذكر من حسنات لملكها اللعين أوميدون؟! أنسيت يوم أسخطناه بالتراخي قليلاً في عملنا، فأمر بنا فقطعت آذاننا وشد وثاقنا، وأصبحنا ضحكة كل راء؟!. . . لا لا يا أبوللو. . . أنا لا أرتضي لك أن تكون غبياً إلى هذا الحد. . .)
وعملت فيه كلمات العم نبيتون عملها، فعاهده ألا يخوض غمار هذه الحرب كرة أخرى، وقاسمه ألا يسدد فيها بعد اليوم سهما. . . ولو عيرته أخته ديانا ألف تعيير!!!
وماذا لو عيرته ديانا، ورمته بالجبن أمام نبيتون؟! ها هي ذي حيرا تسمع إلى ربة القمر، فتقذفها أشنع القذف وأمره، ثم تهجم عليها فتكبلها، وتنثر كنانة سهامها، وتمضي بعد ذلك لشأنها. . . وتأتي لاتونا - أم ديانا الباكية - فتواسيها وتذهب وإياها إلى زيوس. . . المتربع فوق سدة الأولمب، فتشكو إليهما لحق ابنتها من زوجه. . . ويغضي الآلة. . . لأنه
стр. 10550
ليس له على حيرا يدان. . . . . .!
ويتم الظفر لأخيل وجنده بعد إذ ينسحب أبوللو من المعركة، فيأخذ الطرواديين أخذ عزيز مقتدر؛ ويقف بريام الملك في برج شاهق يطلع على الساحة، ويشهد هزائم جنده، فتدمع عيناه. . . ويأمر بالبوابة الكبرى فتفتح، ويهرع الجنود ناحيتها فراراً من أخيل وشياطين أخيل، ولكن أخيل وشياطين أخيل تشطر الجنود الفارين شطرين، بل يستطيع أخيل وكوكبة قوية من الميرميدون أن ينفذوا إلى البوابة الكبرى، ويدخلوا طروادة فاتحين. . . . . . . . .!!
وهناك! يثبت لهم أجينور البطل الطروادي الحلاحل، ويأخذ مع أخيل في ملاحاة عنيفة، ثم يتقارعان برهة، ويصاول أحدهما الآخر. . .
ويكون. . . أبوللو. . .!! إلى جانب أجينور يحضه ويحرضه، ويثبت قدميه. . . ناسياً مواثقه التي قطعها على نفسه أمام نيبتون. . . . . .
ويهم أخيل أن يبطش بفتى طروادة
لولا أن يعز على أبوللو أن يلحق أجينور بصاحبه استرابيوس من قبل، وبعشرات الأبطال من مثل سترابيوس، فيتقدم إلى أجينور يحميه، ويرسل عليه سحابة بيضاء فيحمله فيها. . . . مضللا أخيل عن خصمه. . . ومبعده خارج البوابة التي يقفلها الطرواديون من دونه. . . . . .
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 10551
البريد الأدبي
الصقالبة في الرواية العربية رد على ملاحظة
وجه إلى قارئ فاضل هو الأستاذ عطية الشيخ في عدد الرسالة الماضي ملاحظة بشأن ما ورد في مقالي (الصقالبة في الرواية العربية) تفسيراً لرواية الرحالة ابن حوقل البغدادي عن (صقالبة الأندلس). فقد ذكر ابن حوقل في رحلته المسماة بالمسالك والممالك عن الصقالبة ما يأتي: (وذلك أن بلد الصقالبة طويل فسيح، والخليج الآخذ من بحر الروم ممتد على القسطنطينية واطربزنده يشق بلدهم بالعرض، فنصف بلدهم بالطول يسبيه الخراسانيون ويصلون، والنصف الشمالي يسبيه الأندلسيون من جهة جليقة وأفرنجة وأنكبردة وفلورية، وبهذه الديار من سبيهم الكثير باق على حاله) (ص٧٥)؛ قلت: (ومعنى ذلك أن الصقالبة الأندلسيين كانوا مزيجاً من الجليقيين (النصارى الأسبان) والألمان والفرنسيين (أهل افرنجة) واللومبارديين (أهل انكبردة) والإيطاليين (من فلورية))، ولكن القارئ الفاضل يريد أن يفسر قول ابن حوقل بأن الصقالبة كانوا يصلون إلى الأندلس عن طريق البلاد المذكورة، لا بأنهم كانوا يجلبون منها
وردي على ذلك هو أن المعنى الثاني هو الأرجح، وهو الذي اخترت الأخذ به، ذلك أن من بين البلاد التي يذكرها ابن حوقل أقطاراً كانت تقع في صميم بلاد الصقالبة في تلك العصور مثل لومبارديا (أنكبردة) وشرق افرنجة (ألمانيا)؛ وفي الوقت الذي زار فيه ابن حوقل الأندلس في أواخر عهد الناصر (أو أوائل عهد الحكم المستنصر) كانت كلمة الصقالبة تطلق في الأندلس على جميع الأجانب الذين يخدمون في البطانة أو الجيش؛ ولم يكن يقتصر في فهمها على الصقالبة الخلص، أعني سكان شرق أوربا وحوض الدانوب، وفي القسم الأول من مقالي شرح واف لتطورات هذه الكلمة، وذكر بعض المراجع التي تلقي ضوءاً على الموضوع.
م. ع. ع
التاريخ والسينما
كانت حوادث التاريخ وما زالت أعظم غذاء للمسرح والسينما؛ والمسرح القديم عريق في
стр. 10552
الاقتباس من حوادث ووقائعه الشهيرة؛ ولكن السينما استطاعت على حداثتها تتوسع في هذا الاقتباس سواء من حيث الوقائع أوالمناظر لتفوق وسائلها الفنية، وقد بدأت السينما باقتباس كثير من حوادث التاريخ القديم وشخصياته، فرأينا على ستارهاحياة كليوباطرة، وصفحات كثيرة من التاريخ الروماني قبل رواية (كوفاديس) الشهيرة؛ ثم كان عهد القصص التاريخية الكبيرة مثل (الفرسان الثلاثة)، و (مونت كريستو)، و (الفرنسية) لاسكندر ديماس وغيرها، وفي الأيام الأخيرة رأينا ممثلاً نابغاً هو السير أرليس يحي لنا طائفة من أشهر شخصيات التاريخ الحديث مثل ريشيليو، وفولتير، والدوق ولتون وغيرها
وفي الأنباء الأخيرة أن شركة فنية إنجليزية قررت أن تخرج شريطاً مصوراً يمثل حياة أَلفرد نوبل المخترع السويدي جوائز نوبل الشهيرة للعلوم والآداب والفنون، وكان نوبل صورة رائعة التناقض، فقد قضي حياته في اختراع أصنافجديدة من المفرقعات المهلكة، ثم جعل كل ثروته بعد وفاته وقفاً على تشجيع العلوم والفنون، ورصد منها جائزة كبيرة تمنح كل عام لمن يقدم أجل خدمات لقضية السلام. وقد رأى نوبل قبل وفاته نتائج اختراعاته المهلكة في الحرب الفرنسية (سنة ١٨٧٠) ورأى رائع فتكها ببني الإنسان فحزن لهذه النتيجةأيما حزن وغدت حياته عذاباً مستمراً، ورأى أن خير ما يكفر به عن هذا الإثم هو أن يهب كل ثروته التي جمعها من اختراع المهلكات لتشجيع أعمال السلام من علوم وفنون، وهذه المأساة المؤلمة وما يترتب عليها من العبر البالغة هي التي يريد مخرجو الشريط الجديد أن يبرزوها للناس
والظاهر أن التعاون بين السينما والتاريخ لن يقف عند تمثيل الحوادث التاريخية وإخراجها على هذا النحو، وانه لن يمضي وقت طويل حتى تقوم السينما بدور أهم في خدمة التاريخ؛ ففي باريس يعرض الآن شريط مصور (فلم) عنوانه (السينما في خدمة التاريخ) وهو عبارة عن شرح مصور لأشهر الحوادث التاريخية التي وقعت في الثلاثين عاماً الأخيرة، ومادته مأخوذة من الصور المعاصرة التي سجلت عن هذه الحوادث نفسها. ومعنى ذلك أن المؤرخ قد يرى في الغد القريب في السينما نوعاً من المحفوظات التاريخية التي يمكنه أن يرجع إليها ليحقق بعض المناظر والحوادث. ولا ريب أن تسجيل الحوادث بطريق التصوير وسيلة مؤكدة لإجراء مثل هذا التحقيق؛ وفي وسع المؤرخ أن يعتمد كثيراً على
стр. 10553
صورة لاجتماع برلماني، أو اجتماع دولي، أو مناظر ثورية، أو عسكرية، أو غيرها صورت وقت حدوثها، بأفضل مما يعتمد على الروايات المعاصرة ذاتها
مصادرة مؤلف ألماني
من أنباء النمسا أن الحكومة النمساوية قررت أن تصادر كتابا صدر أخيراً بالألمانية وعنوانه (الإمبراطورة اليزابيث وأنا) بقلم السيدة ماري لويز فون فالرسي لاريش، وقد أخرجته إحدى المطابع الألمانية في لايبزج. والإمبراطورة اليزابيث هي قرينة الإمبراطور فرانز يوسف وإمبراطور النمسا والمجر، وقد اغتالتها بعض الجمعيات الفوضوية في سنة ١٨٩٨، وكان لمصرعها دوي كبير في أوربا. وقد كانت المؤلفة وصيفة في البلاط الإمبراطوري، وكانت صلاتها بالقصر والبلاط تهيئ لها فرصة الاطلاع على كثير من الأسرار والحقائق الملوكية؛ والظاهر أنها خرجت في مؤلفها المذكور عن حدود التحفظ المألوف
العيد المئوي لصمويل بتلر
احتفل أخيرا في إنكلترا بالعيد المئوي لمولد الكاتب والشاعر الإنكليزي الكبير صمويل بتلر، وكان مولده في نوفيمبر سنة ١٨٣٥ في مقاطعة نوتنهام شير؛ وقضى طفولته فيما وراء البحار في زيلاندة، وتلقى بعد ذلك تربية جامعية حسنة في كمبردج. وكان بتلر ذا خلال ومواهب خاصة، فقد كان مصوراً بارعاً يتمتع في عالم التصوير بشهرة ذائعة، ولكنه نزل إلى ميدان الأدب فجأة وأخرج قصته الشهيرة (ايرهوم) وهي قصة طريفة تدور حول وصف عالم خيالي غير عالمنا وبلاد لا وجود لها إلا في مخيلة الكاتب على مثل (رحلات جوليفر) الشهيرة وهي قطعة تفيض بالمخاطرات والحوادث المدهشة، ولكنها تفيض أيضاً بالسخرية اللاذعة والتهكم المر؛ وقد قفاها في أواخر حياته بقصة أخرى من طرازها وعلى منوالها في سرد الحوادث وسماها (ايرهوم المنقحة) سنة ١٩٠١؛ وكتب بتلر أيضاً كتاباً أخرى منها (الحياة والعادة) و (التطور قديماً وحديثاً)، وهو مؤلف علمي يحاول فيه بتلر أن يدحض نظريات دارون في التطور؛ وكان آخر ما كتبه بتلر قصته الشهيرة تركها مخطوطاً ولم تظهر إلا بعد وفاته في سنة ١٩٠٣؛ وله قصائد ومقطوعات شعرية كثيرة؛
стр. 10554
وأهم ما يؤثر عن بتلر أنه كان بمثابة الأستاذ الروحي لكاتب من أعظم الكتاب الإنكليز المعاصرين ونعني به برنارد شو؛ وقد تأثر أيما تأثير بتفكيره وأساليبه في التهكم والسخرية اللاذعة. وكانت وفاة صمويل في سنة ١٩٠٢
نادي الجامعيين
يدرس الآن أساتذة الجامعة المصرية فكرة إنشاء ناد لهم يقضون فيه بعض الفراغ، فيتبادلون المعرفة، ويتواضعون الرأي، ويتساهمون المودة. والفكرة حكيمة ولا شك، لأن توثيق الصلات الحرة بين ممثلي الذكاء المصري وأئمة الثقافة العالية له أثره البالغ في توجيه النهضة الفكرية، وتمهد السبل لها، وتوحيد الغاية منها
والمأمول أن نرى قريباً تحقيق هذه الفكرة
الفرقة القومية المصرية
افتتحت الفرقة الحكومية موسمها التمثيلي الأول مساء الخميس الماضي برواية (أهل الكهف) الأستاذ توفيق الحكيم، فسمعنا من وراء الستار قارئاً حلو النغم يقرأ قول الله تعالى في هذه القصة من سورة الكهف؛ ثم ابتدأ الفصل الأول بمقدمة موسيقية رائعة تترجم الصور الخيالية التي كانت تمر على الستار الأبيض مصورة اضطهاد المسيحيين في عهد دقيانوس قبل حادثة الرواية؛ وسنكتب عن الإخراج والتمثيل والرواية في عدد قادم
стр. 10555
الكتب
في الأدب القديم
١ - اعجام الأعلام: للأستاذ محمود مصطفى
(أخرجته جماعة دار العلوم بإقرار لجنتها العلمية)
٢ - الفروق اللغوية: لأبي هلال العسكري
٣ - معجم الشعراء: للموزباني
٤ - المؤتلف والمختلف: لأبي القاسم الآمدي
(نشرتها مكتبة القدسي)
للأستاذ محمد سعيد العريان
كيف نفهم الأدب القديم، وكيف نتروَّاه، وإلى أي مدى نستفيد منه، وما وسيلتنا إلى ذلك. . .؟
هذه أسئلةٌ كثيراً ما تعرض لي، حين يضمني مجلس إلى بعض المتأدّبين من ناشئتنا الذين يدعون إلى الجديد؛ وإن أعجب ما يلقاك في مثل مجلس هؤلاء، هو الدعوة العريضة، والإنكار الساخر - أو سمَّه الإنكارَ الجاهل - والاعتداد بالنفس في غير مُعتدّ، ثم الحكم الجامع لا نقض فيه ولا استثناء. ما ايسر أن تسمعمن واحد من هؤلاء. (الأدب القديم. . .! وما الأدب القديم؟ وماذا فيه. . .؟) فلا أدب عنده إلا هذا اللغو الذي تنشره له الصحف، أو هذه الرطانة العجماء تحاول أن تستعرب على لسانه؛ ولا إنشاء إلا على مثال برقيات (روتر) و (هافاس)، التي يترجمها (فلان) ويدعو إلى احتذاءها فيما يكتب الأدباء وينشئون. . .!
ولو أنك ذهبت تحاول أن تحمل واحداً من هؤلاء على غير ما يرى في الأدب القديم، أو أن تقنعه بما فيه من حياة وقوة - لأعياك أن تبلغ إليه؛ وأنى لك أن تبلغ وما يعرف أكثر هؤلاء ولا يفهمون من الأدب القديم إلا محفوظات المدارس. . . وما حصلوا من فنون اللغة إلا القليل من قواعد النحو والبلاغة في حجرات التعليم. . .؟ بل لو أنك أردت واحداً من هؤلاء على أن يحقق لفظة في معجم، أو يقرأ سطراً غير مشكوا في كتاب - لكنت كمن يطلب إليهأن ينقل صخرة، أو يحفر بئراً. . .! فمن أين لمثل هذا أن يتذوق ما تجلوه عليه
стр. 10556
من روائع الأدب القديم؟
وطائفة أخرى من هؤلاء المتأدبين آمنت عن تلقين، أو تقليد، أن في الأدب القديم ثروة مخبوءة، ومنجماً حقيقياً بالجهد وحسن الاستغلال؛ فراحت هذه الطائفة - طمعاً في الثورة وحسن الاستغلال وحسب! تحاول أن تعثر بشيء تستسيغه، أو تجد لَقًي تسعى إليه، ولكنها لم تأخذ الأهبة، ولم تهيئ الأسباب، وحسبت أن في أظفارها اللينة غَناءً عن الفئوس والمساحي في الحفر والتنقيب؛ قلما آبت أوبتها الخاسرة، عادت تعيب ما كانت تباهي به، وتنكر ما كانت تعترف؛ ولو أنصفت لعابت الجهد الكليل والعزم الخائر
وقد جلست مرة إلى آنسة متأدبة تشتغل بشؤون التعليم، فلقيتني متعبة مكدودة وهي تقول: (حسبي منك يا صاحبي ومن أدبك القديم!) قلت: (ماذا يا آنسة؟) قلت: (هذا (نهاية الأرب) بين يديّ منذ أيام ثلاثة، أحاول أن أجد فيه شيئاً يفيد تلميذاتي فأترجمه لهن في كتاب المطالعة الذي أشتغل بتأليفه فما وجدْت. . .!)
وكان هذا أول عهد صاحبتي بالأدب القديم، وقد لجأت إليه أوّل ما تلجأ، لتجد بغيتها تحت عينيها؛ فلما استيأست ونال منها الجهد، ورمت الكتاب وهي تسب الأدب القديم، وتعيب الأدب القديم!
وإنما يتأنى الفوز بمثل ذلك لمن أدمن الاطلاع والنظر، وداوم البحث والاستقرار، فيقرأ أولاً ليدرس ويلذّ نفسه، حتى إذا بلغ من ذلك ما بلغ، جاءته الثمرة من حيث لا يطلبها، ووجد الفائدة تحت عينيه تدلّ على موضعها وهؤلاء الباحثون جميعا لم يؤدوا إلينا نتائج ما بحثوا مستوفاةً ناضجة لأنهم أرادوا أن يبلغوا هذه النتائج أوّل ما قرءوا؛ إنما كانت القراءة أولا؛ ثم شعاع الفكرة، ثم عناصر البحث، ثم هذه الثمرات التي نقرؤها فتعجب بها فنثني على ما جاهدوا وظفروا؛ ولو أنهم أرادوا موضوع البحث قبل أن يقرأوا، لكان غاية جهدهم أن يخترعوا عناوين البحوث. . .!
وهذا أديب آخر يظفر بالشهرة والجاه عند دعاة الجديد، ويحسبونه واحداً منهم، لأنه يكتب بأسلوبهم وعلى طريقتهم، لقيته مرة فحدّثته وحدّثني، فقال لي: (دعهم يقولون عني، وينسبون إلي وينتسبون؛ ولكني لا أكذبك، فكم تمنيّت أن يكون حظّي من الأدب القديم أكثر مما عندي، وسأبلغ ذاك، وسيعلم أصدقائي يومئذ أنني لم أكن في المجددين لأني أنكر
стр. 10557
القديم، بل لأن زادي وثروتي من اللغة لم يكن يبلغ بي أن أكون مع غير الذين يسمونهم مجددين. . .!)
أفينكر إخوانُنا في اللغة أن هذه النهضة التي ينتسبون إليها لم تكن من صنعهم؟ وإنما هّيأ أسبابها وأذكاها تلك الكتب القديمة التي يسبّونها اليوم حين نهض لنشرها أدباؤنا منذ قرن فدرسوها مخطوطٍات باليةً مركومة، وخلّفوها لنا مطبوعةً مصحّحة مجلوّة
ولكل عمل أدته ووسيلته، وإنما الوسيلة لدراسة هذه اللغة هي النشاط الدائب في التحصيل، والجهد المتصل في الاستقراء، والمحاولة المستمرة للكشف والبحث والاطلاع. ولهذه اللغة أصول لابد من الإحاطة بها قبل الشروع، وعندها طرف الخيط، فمن شاء فليبلغ إلى الغاية. . .
أما بعد فهذه كتب أربعة، لم أكن بحاجة في تقديمها إلى كل ما أسلفت، ولكنها جميعاً من الأدب القديم؛ وللأدب القديم ملمس خشن، أفيدري اللامسون ما وراء. . .؟
١ - اعجام الأعلام:
أكثر ما يعاني المطالع في الكتب القديمة، هذه الأعلام الكثيرة في كل سطر وفي كل عبارة مما يقرأ؛ على أن أشق ما يعانيه في هذه الأعلام، هو ضبطها والتميز بينها؛ وحسبك أن تعلم أن أكثر هذه الأعلام ليس مما يسمى به في هذا الزمان، فلا سبيل إلى تصحيح نطقه إلا بالسماع والرواية، ولا سبيل إلى الترجمة لمسّماه - إنسانا كان أو بلدا - إلا بالبحث الطويل والجهد المضني، على أن ذلك لا يتأنى لكل طالب؛ فأنت لا تجد كتابا في العربيةُ يستغني به عن سواه في هذا الباب
والأستاذ محمود مصطفى أستاذ الأدب العربي بكلية اللغة العربية الأزهرية، رجل دءوب كثير البحث، طويل الأناة؛ وهو قد لقي في شتى مطالعاته ضروبا من العناء في ضبط الأعلام والتعرف إلى أصحابها؛ فاجتمع له بسبيل ذلك فيما أجتمع من ثمرات المطالعة طائفةٌ كبيرة من أعلام الأناسيّ والبلاد مضبوطة مترجمة لا تجتمع لمثله حين ينشدها إلا بجهاد سنوات وسنوات؛ فرأى أن يقدّم هذه الثمرة الجليلة إلى أدباء عصره، ليخفف عنهم بعض ما لقي، على أنه لم يثقل عليهم بما لا حاجة بهم إليه. فاكتفى من عمله بضبط الأعلام وتصحيحها، ثم إيجاز ترجمتها بما يقصر على ما يفيد، بعيدا من الاختصار المخلّ
стр. 10558
والتطويل الممل؛ وقد أعانته على إخراج كتابه (جماعة دار العلوم) بإقرار لجنتها العلمية؛ ومن غير جماعة دار العلوم تعرف قيمة هذا العمل الجليل؟ على أن ذلك وإن يكن من واجبها، لا يمنعنا أن نذكر عملها شاكرين، فقلَّ في هذا الزمان من يذكر واجبه بمقدار ما يفكر في وسائل الفرار منه!
وأكثر الكتاب في ضبط أعلام الأناسيّ، وأقله لأعلام البلاد. ولو أنني حاولت الإنصاف لما وسعني إلا أن أعترف بأن هذه الصفحات المائتين والأربعين، تغني عن مكتبة حافلة بكتب التراجم ومعاجم الأعلام
ولكن إعجابي بالكتاب وثنائي عليه لا يمنعان أن آخذ على مؤلفه العالم أنه أهمل الإشارة إلى المراجع التي منها استمدّ؛ وأحسبه كان يجمعه لنفسه فلا يهتم بحفظ المصادر، فلما اجتمع له هذا القدر الكبير أخرجه كتاباً. أفيدفع عنه النقد هذا الاعتذار. . .؟؟
وفي الكتاب أشياء كانت تقتضي جهداً أوسع، وعناية أدق، فالتعرف بالأماكن قليل مخل، وأرى المؤلف في هذا الباب لم يُفد إلا ضبط أعلام المواضع، أما تحديدها وتعيين أماكنها فما بلغ منه إلى كثير. وتراه في أكثر من موضع من الكتاب، قد أوجز الحديث وأحال إلى موضع آخر، فإذا انتقلنا إلى ذلك الموضع لم نجد شيئاً مما أحال إليه، أو نجد شيئاً ولكنه لا يغني كل الغناء؛ فمن ذلك في ص٧٦ (. . . . بسطام، وهي بلدة مشهورة من أعمال قومس)، فإذا بحثت عن (قومس) هذه في أعلام البلاد وجدت (القوامس) كثيرة، فلا تعرف إلى أيها تنتسب (بسطام). وفي ص٩٤: (كان منزل رهط (جميل) في وادي القرى (أنظره). . .) وتنتظر في أعلام البلاد، فلا تجد ذكراً لوادي القرى. ومثل ذلك في ص١٢٨ ترجمة السُّهْرَوَرْديّ (ونسبته إلى سهرورد، وهي بلدة (أنظرها)) ولكن أين؟ وغير ذلك كثير
على أن الكتاب مع ذلك لا يستغني عنه متأدب، وإن فيه لغناء عن كتب ومكتبة، وأكثر مصادره مما لا تتناوله الأيدي، وهو مجهود مشكور، جدير بالثناء والإعجاب
٢ - الفروق اللغوية
أبو هلال إمام من أئمة اللغة في القرن الرابع الهجري، تحتفظ له المكتبة العربية بآثار خالدة؛ أكثرها معروف متداول، وهو إلى أنه شاعر وأديب، عالم فحل، واسع المعرفة،
стр. 10559
صنَّف في أكثر من فن من فنون العربية، وهذا كتابه (الفروق اللغوية) يبحث في الفرق بين الألفاظ التي تؤدي معاني متقاربة، والتي يسميها علماء اللغة مترادفات، وهو في هذا الكتاب يقرر مذهباً في اللغة: (أن كل اسمين يجريان على معنى من المعاني وعين من الأعيان في لغة واحدة، فان كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، وإلا لكان الثاني فضلا لا يحتاج إليه. . . لأن في ذلك تكثيرا للغة بما لا فائدة فيه. . . إلا أن يجئ ذلك في لغتين، فأما في لغة واحدة فمحال أن يختلف اللفظان والمعنى واحد كما ظن كثير من النحويين واللغويين. . .)
فهو يرى كل لفظين مما نسميه مترادفاً، يختلفان في المعنى، أو في الصفة، أو الاستعمال. أو الاشتقاق. . . وتراه على هذا المذهب يسير في كتابه، يبين الفرق بين اللفظ ومرادفه، في أبواب مقسمة على معاني الكلمات، تريك دقة أبي هلال، وسعة علمه، وصدق نظره في فقه اللغة العربية، والكتاب كله أمثلة على ما ذكرت ولو أن كاتباً من أبلغ أدباء هذا الزمان، عرض كلامه على كتاب (الفروق اللغوية)، لبانت له قيمة ما يكتب بازاء ما يجب أن يكتب، ولعرف مقداره بين كتّاب العربية حين يعرف أين عربيته من العربية الصحيحة. وهذا وحده الدليل كلُّ الدليل على جدوى هذا الكتاب في كل زمان، لا سيما هذا الزمان!
٣ - معجم الشعراء:، ٤ - المؤتلف والمختلف
يعترض القارئ في أثناء مطالعته في الأدب القديم، أسماء شتى لشعراء من مختلف العصور، فتختلف عليه، وتَشْعَب فكره، وتتشابه في مسمعه، ويا أكثر ما يشترك شاعران أو أكثر في اسم واحد، فتتداخل الصور وتزدحم عليه، فما يتأنى له أن يحكم حكمه في موضوعه، أو يتضح له منهاج بحثه، إلى أن يعرف ترجمة كل شاعر من هؤلاء، معرفة تحدد في الذهن صورته وتكشف عن ابهامه، وسبيل هذه المعرفة لا تكون إلا بمثل هذين الكتابين
والمرزباني والآمدي عَلمان من أعلام القرن الرابع الهجري، لهما في الأدب العربي فكر وفنٌ وبيان
والكاتبان على ما اختلفا في الغرض يلتقيان في الموضوع، فأوّلهما يترجم لشعرائه ترجمة تعرّف بهم في إيجاز مفيد مع استشهاد رائق، على أن الذي بين يدينا من كتابه هو جزء
стр. 10560
منه أحسبه يبلغ ثلثيه
وأما الآمدي فيترجم للشعراء المشتبهة أسماؤهم وحسب، ترجمةً تزيل الشبهة وتكشف اللبس، ويجمع هذا الكتاب مع الجزء الموجود من معجم الشعراء - أكثر من ألفي شاعر، بأسمائهم، وكُناهم، وألقابهم، وأنسابهم، وبعض شعرهم. وقد أحسن ناشرهما إحساناً كبيراً بضم بعضهما إلى بعض في مجلد واحد، ليكون النفع بهما أتم والغاية أوفى
ولا نشك أن مكتبة (القدسيّ) بنشرها هذين الكتابين، وكتاب (الفروق اللغوية) قد بذلت جهدا، ويسرت نفعاً، وعممت فائدة، وهذا باب في خدمة العربيةُ يُذكر فيه العاملون.
(شبرا)
محمد سعيد العريان
стр. 10561
النقد
٣ - تاريخ الإسلام السياسي
تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن
مصادر الكتاب لأستاذ كبير
ألممت في كلمتي السابقتين بما تأخذه النظرة العجلى من الأغلاط التاريخية والجغرافية الواقعة في كتاب (تاريخ الإسلام السياسي) وهي لعمري أغلاط يذهب بعضها بمحاسن أي كتاب يرد فيه فكيف بها كلها: وأريد في هذه الكلمة أن أعرض في شيء من النقد لمصادر هذا الكتاب، وأن آتي بعد ذلك على بعض عيوب لحظتها على طريقة المؤلف في أخذه عن المصادر المذكورة، وكم كنت أود، علم الله، أن تكون كلمة اليوم كلمة ثناء أكيله للمؤلف جزافاً لعلي أمحو ما عساه أن يكون قد علق بنفسه من جراء المقالين السابقين، ولكن شاء سوء حظي أن يجئ الأمر على غير ما أريد
كل من يطلع على (تاريخ الإسلام السياسي) تبهره من غير شك كثرة المصادر التي تدل على أن المؤلف رجع إليها في وضع كتابه، فما من صفحة من صفحاته، ولا فقرة من فقرة إلا وهي تحتوي على أقل تقدير إحالة واحدة للقارئ على مرجع من مراجع التاريخ الإسلامي القديمة والحديثة. ثم إن المؤلف لا يكتفي بذكر مراجعه منثورة مفرقة على الفصول والصفحات والفقر والأسطر، بل هو يوردها في آخر كتابه مجموعة منسوقة في بضع صفحات تروع النظر والفؤاد جميعاً
وإيراد المراجع العلمية على هذا النحو واجب محتوم في البحوث العلمية الدقيقة التي يراد فيها الإدلاء بنظرية علمية جديدة أو بسط وجهة نظر مستطرفة. أما في الكتب العامة التي يقصد أن تكون في متناول الطلاب المثقفين فقد جرى العرف بأن يقتصر من ذكر المراجع في صلب الفصول على الضروري، ثم يذيل كل فصل بذكر المراجع التي استعان المؤلف بها في كتابة الفصل تبرئة لذمته وتوسيعه على الطلب والقارئ الراغب في سعة الاطلاع وكثرة التحصيل. ومما يبعث على سلوك هذه الطريقة أن الأصل في الكتب المؤلفة للطلاب وراغبي الثقافة، أن يكون واضعوها من أعلام العلماء وجهابذة الأساتذة، ممن لهم في العلم
стр. 10562
قدم راسخة ومكانة عالية تحمل قراءهم على تصديقهم فيما يقررون وما إليهيذهبون
ومع أن كتاب (تاريخ الإسلام السياسي) من الصنف الثاني فقد آثر المؤلف ركوب الطريقة التي تتبع في الصنف الأول، فحمل متن كتابه من الشروح والحواشي حملا ثقيلا، وكلف نفسه شططا وقراءه مشقة وعنتا. ولم كل هذا؟ لا لشيء سوى ابتغاء السمعة عند الناس وأن يلقي في روع القارئ أنه في التاريخ واسع الاطلاع، طويل الباع، قد وعى ما كتبه الأوائل والأواخر
على أن نظرة ناقدة إلى المراجع المذكورة كفيلة بأن تثبت أن كثرتها إلى حد بعيد صورية لا حقيقية. فان حرص المؤلف على التكثير والتزيد قد حمله في كثير من الأحيان على أن يدلل على ما لا يحتاج إلى دليل، وأن يعدد المراجع ولو كانت في مرد أمرها ترجع إلى مصدر واحد. فمن من تلاميذ المدارس لا يعرف نص الخطبة التي افتتح بها أول الخلفاء الراشدين عهده؟ إنها أشهر من أن تجهل. ومع ذلك فالمؤلف الكريم يحيل قارئه عند إيراده نص هذه الخطبة على أربعة كتب قديمة متضمنة لها ذاكرا اسم الكتاب واسم المؤلف ورقم الجزء والصفحة والطبعة ومكان الطبع! كذلك الحديث الذي يزعم رواة العرب أنه جرى بين أبي سفيان وبين هرقل قيصر الروم في الشام. وهو حديث يحمل في ثناياه أدلة ضعفه وانتحاله، وهو على فرض صحته ليس بذي خطر، ولا يقدم في فهم سيرة الرسول ولا يؤخر. ومع ذلك، فالمؤلف يورده بنصه على طول ذلك النص ثم يحيل القارئ على الكتب القديمة التي ذكرته، وقد ذكر منها خمسة أكثرها شروح مختلفة على متن البخاري. لو أن المؤلف قصد إلى مناقشة هذه النصوص ومقارنة رواياتها المختلفة بعضها ببعض، وبيان ما تتفق فيه وما تختلف من حيث اللفظ والمعنى، ثم الوصول بعد ذلك إلى حكم يكون لها أو عليها، لكان للمشقة التي عني نفسه وقارئه بها ما يجيزها ويسوغها. أما وهو لم بقصد إلى شيء من ذلك فقد انتقلت المزية وبقيت المشقة
ثم إن هذه الكثرة صورية من وجه آخر أكثر خطرا وأضر بقيمة الكتاب العلمية وبمقدرة مؤلفه على نقد مراجعه وتقويمها ذلك بأن المؤلف كثيرا ما يأخذ عن كتب أثبت البحث العلمي الدقيق أنها لا يصح الاعتماد عليها بحال في معرض التدليل العلمي الصحيح. فهو يعتقد أن الكتاب القصصي المسمى (فتوح الشام) للواقدي حقا، ثم يذهب يستعين به في
стр. 10563
الفصل الذي عقده لفتح العرب الشام، وينقل عنه صفحات برمتها، ثم لا يكتفي بذلك بل ينبري لمناقشته ومجادلته. فليأذن لنا الدكتور أن نقول له إن هذا الكتاب ليس للواقدي، بل ليس من آثار عصر الواقدي، وإنما هو كتاب كتب بعد زمن الواقدي بمئات السنين: كتب على أغلب الظن إبان الحروب الصليبية لبث الحمية الدينية في نفوس الجمهور وترغيبه في مجاهدة الصليبيين بتذكيره بفعال آبائه في الشام. ونفس عبارة الكتاب من النوع القصصي الحماسي. جاء في دائرة المعارف الإسلامية في ترجمة الواقدي ما يأتي:
, ; ' , وترجمتها (إن كتابي فتوح الشام والعراق قد فقدا. أما الكتابان المتدولان بهذا الاسم فيرجعان إلى عصر متأخر، وهما مضافان إلى الواقدي خطأ.)
كذلك يعتمد المؤلف في عدة مواضع من كتابه على كتاب آخر زائف هو كتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب إلى ابن قتيبة وكل شيء في هذا الكتاب يدل على أنه ليس لابن قتيبة. وإنما هو في غالب الظن لكاتب أندلسي أراد تسلية الخاصة باسم الحياة السياسية الإسلامية فوضع هذا الكتاب الذي يعتبر من الناحية الأدبية قطعة فنية، وإن كان من الناحية التاريخية لا يعول عليه على الإطلاق. وفي ذلك يقول المستشرق الإنجليزي مرجوليوث في كتابه (مؤرخو العرب) في ص١٢٥)
' وترجمته (أن ما في هذا الكتاب من تكذيب للتاريخ أم جهل به، لفاضح بحيث لا يمكن أن يكون من تصنيف ابن قتيبة.)
ثم إن المؤلف كثيراً ما يستمد ويقتبس من كتب منها ما قد أصبح قديماً قاصراً من حيث المستوى العلمي، ومنها ما هو ثانوي الأهمية، ومنها الضعيف، ومنها ما قصد بكتابته إلى التثقيف العام. من هذه: (تاريخ العرب) لسديو، و (موجز تاريخ العرب) للسيد أمير علي، و (الحضارة العربية) لجوستاف لوبون)، و (أتباع محمد) لواشنجتن أيرفنج
إن هذه الكتب وكثيراً غيرها قد وضعها في أغلب الأحوال هواة قصدوا بها ناحية الثقافة العامة والتصوير المجمل، فكثيرة الاستدلال بها في مقام البحث الجدي ترخص لا مسوغ له
هذا عن مبلغ نقد المؤلف أمهات مصادره. أما مذهبه في الانتفاع بهذه المصادر إجمال فلنا عليه بعض الاستدراك. فهو مفرط في الأخذ عنها والاقتباس منها، بحيث أنك في كثير من فصول الكتاب تبحث عن شخصية المؤلف فلا تجدها أو تجدها ضئيلة ضعيفة، خذ لذلك
стр. 10564
مثلا الباب الأخير من أبواب الكتاب الخاص بالحضارة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين، وهو باب كان يمكن المؤلف أن يجول فيه ويصول، ومع ذلك فهو لا يخرج عن كونه مجرد تلخيص لكتاب (الحلافة) لارنولد، وكتب الحضارة الإسلامية والأدب العربي لفون كريمر والسيد أمير علي ونيكلسن. أن الأمر هنا أمر تكرار لا ابتكار
وقد يخطئ المؤلف بعض من يأخذ عنهم تخطئه لا حق له فيها. من ذلك أنه عند كلامه على الخوارج استشهد بقول صاحب كتاب (الفخري): (وصدرت منهم أمور متناقصة تدل على أنهم يخبطون خبط عشواء، منها أن رطبة سقطت من نخلة فتناولها رجل ووضعها في فيه، فقالوا له أكلتها غصبا وأخذتها بلا ثمن، فألقاها، ومنها أن خنزيراً لبعض أهل القرى مر بهم فضربه أحدهم بسيفه فعقره فقالوا هذا فساد في الأرض، فمضى الرجل إلى صاحب الخنزير وأرضاه، ومنها أنهم كانوا يقتلون النفس التي حرمت إلاّ بالحق، قتلوا عبد الله بن خباب، وكان خباب من كبار الصحابة، وقتلوا عدة نساء وسبوا، وفعلوا أفاعيل من هذا القبيل) هذه العبارة التي يصح أن تعتبر مثلاً للتناقض يعلق عليها المؤلف بقوله: (نرى أن هذا ليس من التناقض في شيء، وإنما هو أقرب إلى أن يكون غلوا في تطبيق مذهبهم)!!
ومن ذلك نقدم الهادم لحاجي خليفة، لا لشيء سوى أنه أورد خبراً لم يرضي المؤلف فيقول: (ومثل هذا المؤرخ لا يؤخذ بكلامه ولا يعول عليه في المسائل التاريخية الهامة لأنه كان متأخراً في الزمن فقد توفي سنة ١٠٦٧هـ) وهو تعسف في الحكم من غير منازع، ومن هذا القبيل أيضاً تصديه لمرجوليوث في أمر الرجلين اللذين تزعم الرواية العربية أن كسرى أمر عامله على اليمن أن ينفذهما إلى الرسول ليأتياه به، فلما قدم الرجلان على الرسول أخبرهما النبي بأن كسرى قتل وأن أبنه هو الذي قتله. فمرجوليوث يأخذ من هذه الرواية أن النبي كان له من يأتيه بالأخبار. أما المؤلف فبدلاً من أن ينقد الرواية العربية، ليرى هل من المعقول أن ينفذ كسرى من طريق عامله على اليمن رجلين اثنين إلى سيد الحجاز ليأتياه به، فانه يأخذ في الرد على مرجوليوت لأنه لم ينظر إلى المسألة نظر المسلم المؤمن بنبوة محمد (ص)، ولو عمد إلى نقد الرواية أو تأولها على أقل تقدير لأنهارت دعوى مرجوليوت من تلقاء نفسها
стр. 10565
والمؤلف يسهو أحياناً فيذكر أنه أخذ من مصدر بعينه أخذاً مباشراً، في حين أنه يكون قد أخذ عنه بالوساطة، فهو يحيل القارئ في ص٨٠ وغيرها على ما يسميه هو المجلد الثاني من كتاب (بقية الوثنية العربية) المستشرق الألماني فلها وزن. والواقع أن الكتاب المذكور يقع في مجلد واحد فقط، ولكنه طبع مرتين، فلو أنه رجع إليهحقاً لما وقع هذا الخلط القبيح
وعلى كثرة من يستشهد المؤلف بهم في كتابه وذكره أسماءهم مباهياً بتلميذته لبعض المستشرقين منهم، كأرنولد ونيكلسون، نراه ينسى أن يذكر أن الفصل الذي عقده لمكتبة الإسكندرية كله ملخص من كلام دكتور بطلر في كتاب (فتح العرب مصر) والغريب أنه يحيل في ختام هذا الفصل على كتابه هو (عمر بن العاص)
وبهذه المناسبة نقول أن المؤلف غمط حق مؤرخ جليل وعالم كبير طالما جلس المؤلف منه مجلس التلميذ من الأستاذ، ذلك هو المرحوم الشيخ محمد الخضري بك الذي طوى الموت ما بينه وبين هذه الدنيا بما فيها من غدر ومحال، وباطل وغرور. لقد انتفع المؤلف بعلم هذا الشيخ حياً وميتاً كما يدل كلامه على شرعية القتال، ثم هو يبخل بأن يذكر اسمه ضمن من أخذ عنهم. فيا ليت شعري إذا كنا لا نظفر بالوفاء عند تلاميذنا، فعند من سواهم يكون الظفر بالوفاء؟.
(يتبع)
مؤرخ
стр. 10566
العدد ١٢٩ - بتاريخ: ٢٣ - ١٢ - ١٩٣٥
стр. 10567
أبو الطيب المتنبي
بمناسبة ذكراه الآلف
في مثل هذا الأسبوع من سنة أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة طل في سواد بغداد دم الرجل الطموح.
والبطل الشاعر أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي، فهمدت بهموده نفس دائبة الشبوب وعزيمة دائمة الوثوب وهمة رفيعة المصعد! وكان المأمول أن يكون هذا العدد من الرسالة ديواناً لما يلقيه أساتذة الجامعة المصرية من المحاضرات في (أسبوع المتنبي)، ولكن العواصف الهوج التي ثارت بالبلاد فروعت قلوب الناس، وزعزعت سلام الجامعة، حالت من دون هذا الأمل. وأبو الطيب الذي رزق السعادة في شعره، وأوتي النباهة الخالدة في ذكره، لا يزال حظه العاثر لعبة الأيام وألهية القدر! هذا العراق الذي ولد به ودفن فيه قد أعرض بسمعه عن ذكراه، وهو المثل الذي يرتجيه لشبابه، والروح الذي يبتغيه لنهضته! وهذه حلبالتي جعلها نشيدا في فم الزمن، قدقسم الهوى رأيها على ذكراه فجاءت بما لا يتفق مع قدره، ولا يسمو إلى جلاله! وهذه مصر التي كان أول من أخذها بالخضوع الضارع، وعابها بالزهد الوضيع، ونبه عينها الوسنى إلى فساد الحكم قد دفنت ذكراه بين وعد من (رابطة الأدب العربي) عفى عليها النسيان، ونية من الجامعة المصرية ثبطت عنها الحوادث؛ فلم يظفر شاعر القوة وشهيد المجد إلا بحفلتين جديرتين بفضله: حفله قومية أقامها شباب العرب الأبرار في (سان باولو)، وحفلة رسمية سيقيمها رجال الأدب الأخيار في (دمشق)! وسان باولو لم تخلق في دنيا، ودمشق لم تذكر في شعره.
كان أول عهد بالمتنبي أن والدي - بقى الله ثراه - أهدى إلى في يوم من الأيام ديوانه، وكنت لا أزال غلاماً يافعاً قد ارتفع قليلاً عن سن الحداثة، فأنا إقراء القصص، وأحفظ المتون، وأتلقى الدروس الأولية في الأزهر، وأكثر من نظم الشعر في المناسبات المختلفة على معاناً سقيمة وقوالب مشوشة؛ فأراد أبي أن استعين بالنظر في هذا الديوان على تقويم ملكتي وتهذيب طبعي؛ فأقبلت عليه إقبال المنهوم المحروم، لأنه الكتاب الوحيد الذي أملك، والغذاء الشهي الذي احب، والحنان الأبوي الذي أقدس. أقرأه فأدرك موسيقاه بشعوري، وأن كنت لا أدرك معناه بعقلي، وأحس أن شعاعاً سحرياً ينبثق عن سطوره، فيغمر القلب
стр. 10568
بالنشوة، ويرفع النفس بالحماس، كاللحن القوي ينساب في الأذان الأمية نغما من غير معنى، وجمالا من غير تحديد، ووحياً من غير بيان، ولذة من غير وعي.
ازداد على الدرس والأيام فهمي للمتنبي، فصار للذوق الساذج حجة من الفن، وللحب الذي صادف خلاء من القلب قوة من المنطق. وكان أستاذنا المرصفي - تغمده الله بالرحمة - لا يصح في رأيه أحد من الشعراء المولدين وبخاصة أبو الطيب، فدس في أذواق تلاميذه الكراهة له والنفور من شعره؛ وتأثر بذلك الإيحاء رفيقاي طه حسين ومحمود زناتي، وقاومه في نفس تلك العوامل الأولى فلم أر رأيهما فيه، ولم أمالي تعصبهما عليه؛ وكثر ما كنا نتمادى في أدبه، ونتهاجى بسببه! ولا زلنا نتذاكر تلك المداعبات الأدبية الأخوية فنستروح منها شميم الصبي الغريض، ونسيم العيش الأبله، ونفخ الولاء الخالص.
إن أبلغ ما أثر في نفسي من حياة المتنبي منذ عرفته هي هذه النفسية المعذبة بين الطموح والعجز، وتلك الشخصية المذبذبة بين الوسيلة والغاية: سمت نفسه منذ أيفع إلى معالي الأمور، ولم يجد معيناً عليها غير المال والقوة. أما القوة فقد ألتمسها في قيادة الأعراب باسم الدين أو باسم العدالة فأخفق، وأما المال فأحتال عليه بوحي العبقرية وقوة الشاعرية فأصاب. وكان الشاعر المغامر من هذه الوسيلة الأرضية، ومن تلك الغاية السماوية، بين عاملين مختلفين: عامل يرفعه فيدل على الملوك، ويتأبى على السوقة، ويتجافى عن الهون. ويقول لبعض الأمراء:
وفؤادي من الملوك وأن كا … ن لساني يرى من الشعراء
وعامل يضعه للهبة هشاشة السائل، ويحرص على المال حرص الشحيح، ويعفر خده الأصعر في البحث عن درهم، ويقول لبعض الأغنياء:
تهلل قبل تسليمي عليه … وألقى ماله قبل الوساد
ولكنه في كلتا الحالين كان طالب ملك، وعاشق مجد وخاطب دولة
(للكلام بقية)
احمد حسن الزيات
стр. 10569
٥ - المجنون
للأستاذمصطفى صادق الرافعي
ثم إن (نابغة القرن العشرين) استخفه الطرب لذكر صواحبه وجميلاته من فاطمة إلى رباب؛ ومن طبع المجنون أنه إذا كذب صدق نفسه، فان قوة الضبط في عقله إما معدومة وإما مختلة، وكلوجه تخيل منه خيالا فهو وجه من وجوه العالم عنده إذ كان عالمه أكثره في داخله لا في العالم، فإذا توهم أو أحس أو شعر فإنما يكون ذلك بطريقته هو لا بطريقة الناس العقلاء، فليس يحتمل عقله إلا فكرة واحدة تمضى منفردة بنفسها مستقلة بمعناها كأنها قدر غالب على جميع أفكاره الأخرى، فلا شأن لها بالواقع ولا شأن للواقع بها، وإنما هي تحقق معناها كما تخطر له لا كما تتمثل فيما حوله. فبين كل مجنون وبين ما حوله دماغة المتدجي بالغيوم القليلة، لا تزال تعرض له الغيمة بعد الغيمة من اختلال بعض المراكز العصبية فيه، وفساد أعمالها بهذا الاختلال، وقيام الطبيعة فيها على هذا الفساد. ومن ذلك تنقلب الكلمة من الكلام وإنها لحادثة تامة في عقل المجنون كالقصة الواقعة لها زمان ومكان وبدء ونهاية، لا يخامره فيهاالشك، ولا يعتريها التكذيب؛ وكيف وهي قائمة في ذهنه من وراء سمعه وبصره قيام الحقيقة في الأبصار والأسماع؟ ولحواس المجنون جهتان في العمل لأنها بين كونين أحدهما الكون الخرب الذي في دماغه؛ وفي هذا يقول (نابغة القرن العشرين): إن في داخل عينيه منظارا يرى به الأشياء في غير حقائقها، أي في حقائقها.
وحدثنا الدكتور محمد الرافعي قال: إن في دار المجانين بمدينة ليون بفرنسا نابغة كنابغة القرن العشرين ذكرت إمامه قيصرة روسية وخبر مقتلها، فأحفظه هذا وأرمضه وقال يا ويحهم! كذبوا عليها وعلي. . . فسأله الدكتور: وكيف ذلك؟
قال: كان من خبر القيصرة أنها رأتني فأحبتني وعلمت من كل وجه يمكن أن يعلم منه قلبها أني أنا رجلها لا القيصر.
فما زالت بعدها تناكد القيصروتلتوي عليه ولا تصلح له في شيء حتى يئس منها فطلقها. فحملت كنوزها وحلاها ولجأت إلى حبيبها. ثم تبعتها نفس القيصر ولم يطق العيش بعدها فانتحر. . . ثم طلبها الشيوعيون لما معها من كنوز فأخفاها هو في مكان حريز لا يعلمه إلا هو؛ ثم إنه هو لا يصل إلى هذا المكان الذي أحرزها فيه إلا إذا نام. . . كيلا يراه أحد من
стр. 10570
الشيوعيين فيتعقبه فيعلم مقرها. ولهذا كان من الحكمة أن ينسى المكان إذا استيقظ. . . فقد يزل مرة فيخبر به أو يغلبه الشوق مرة على عقله. . . فيذهب إليه فعسى أن يراه من ينم بذلك فتفتضح الحبيبة وتؤخذ منه، قال: وإن القيصرة هي تحتاط أيضا مثل ذلك فتراسله كل يومباللاسلكي رسائل تقع من الجو في دماغه فيقرؤها وحده. وإن أخوف ما يخافه أنيغلبها جنون الحب يوما فتطيش طيش المرأة فتزوره في هذا المارستان. . . فقد تقتل إذا رآها الشيوعيون.
قال الدكتور: وهناك (نابغة) آخر ثبت في ذهنه أن امرأة من أجمل النساء قد استهامت به وأنها مبتلاة في حبها إياه بجنون الغيرة، وقد تناهت فيه حتى إنها لتقتل نفسها إذا علمت أن لصاحبها هوى في امرأة أخرى. وخبلته هذه الفكرة فاعتقد أنحبيبته من جنون غيرتها واقعة بين السلامة والتلف؛ ثم توهم ذات يوم أن واشيا قد أعلمها أن النساء افتتن به؛ فطار صوابها فهي آتية إليه في المارستان لتوبخه وتشفى غيظها منه ثم تنتحر إمام عينيه. وأدار (النابغة) الفكر في إقناعها لتعلم أنه لم يخنها بالغيب. . . فلم يهتد إلى مقنع تستيقن به المرأة أن لا أرب للنساء فيه إلا أن. . . ففعل وجب خصيتيه بيده ليقدمهما برهانا أنه لها وحدها. . .
قلنا: وطرب نابغة القرنالعشرين، لذكر صواحبه وجميلاته فجعل يترنم بهذا الشعر:
قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم … ما لذة العيش إلا للمجانين
فقال المجنون الآخر: (مما حفظناه): ما لذة (الخبر) إلا للمجانين. . .
فضحك (النابغة) وقال: ما أسخفك من أحمق. إذا كان هذا هو المعنى فقل ما لذة (الكعك). ألم أقل لكم إن هذا الأبله لو تهجأ كلمة خبز لقال إنها ل. ح. م. ولو تهجأ كلمة لحم لقال ف. و. ل. . .
إنه طفل عمره ثلاثون سنة وفيه دائما غضب الطفل ونزقه وحماقته، وفيه كذلك سرور الطفل وطيشه وأحلامه؛ غير أنه ليس فيه عقل الطفل. وهو من الضعفوشدة الحادة إلى العناية في حياطته وسياسته والبر به كطفل صغير - بحيث يخيل إلى أحيانا أنني أمه. . .
قلنا: وتنسى في هذه الحالة أنك رجل؟
قال: وأنتم كذلك تهمونني بالنسيان وهو شرعا جهة ملزمة للحكم بالجنون. فما النسيان إلا
стр. 10571
الكلمة الأخرى لمعنى ضعف العقل؛ وضعف العقل هو اللفظ الآخر لمعنى جنوني، وقد أعلمتكم ما أكره من الكلام.
قلت: لا، إن النسيان لا يكون منك نسيانا بمعناه في المجانين، بل بمعناه فيك أنت من تواثب الأفكار النابغة وتزاحمها في تواردها على العقل. فإذا تواثبت وتزاحمت كان أمرها إلى أن ينسى بعضه بعضا فلا ينطلق منها إلا القوي النابغ حق نبوغه، فيجيء كالمنقطع مما قبله، فيحسب ذلك نسيانا وما هو به. وقد تصطلح الأفكار في هذه المعركة الذهنية إذا كان النابغة مسرورا محبورا يرقص طربا. . . فيكون أمرها إلى أن تجيء كلها معا على اختلاف معانيها وتناقضها؛ فحسب ذلك ضربا من الذهول عند من يجهل العلة النبوغية؛ وعذره جهل هذه العلة وهي في دلالة العقل ليست نسيانا ولا ذهولا.
قال: فأعلمني كيف نسيان المجانين فقد خفي علي أن أدرك هذا الأمر العجيب فيهم، ولست أدري كيف يفوتهم ما استدنى لهم من الفكر بعد أن يكون قد استقر وحصل في عقولهم؟
قلت: لا يكون النسيان تهمة بالجنون إلا في أحوال ثلاث جاءت بكلها الرواية الصحيحة المحفوظة:
فأما الأولى فما يروى عن رجل كان سريا غنيا وعمر حتى أدركه الخرف؛ فجاء كاتبه يوما يستعينه على تجهيز أمه وقد ماتت فدفع إلى غلام له دنانير يشتري بها كفنا ودنانير أخرى يتصدق بها على القبر؛ ثم قال لغلام آخر: إمض إلى صاحبنا وغاسل موتانا فلان فادعه يغسلها. قال الكاتب: فاستحييت منه وقلت يا سيدي ابعث خلف فلانة وهي جارة لنا تغلسها. قال يا فلاناً تدع عقلك في حزن ولا فرح. كيف ندخل عليها من لا نعرفه؟ قال الكاتب: نعم تأذنبذلك. قال لا والله ما يغسلها إلا فلان.
فضاق الكاتب بهذا الحمق وقال: يا سيدي كيف يغسل رجل امرأة؟
قال: وإنما أمك امرأة.،.؟ والله لقد أنسيت
وأما الحالة الثانية فما يروى عن رجل كان نائما في ليلة باردة فخرجت يده من الفراش فبردت، فأدناها إلى جسده وهو نائم فأحس ردها فأيقظته، فانتبه فزعا فقبض عليها بيده الأخرى وصاح: اللصوص. اللصوص. . . هذا اللص قد قبضت عليه أدركوني لئلا تكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا بالسراج فوجدوه قابضا بيده على يده وقد نسى أنها يده.
стр. 10572
وأما الثالثة فهي رواية عن رجل قد ورث نصف دار، ففكر طويلا كيف تخلص الدار كلها له ثم اهتدى إلى الوسيلة؛ فذهب إلى رجل وقال له: أريد أن أبيعك حصتي من الدار وأشترى بثمنها النصف الباقي لتصير الدار كلها له. . .
قال (النابغة) لعمري إن هذا لهو الجنون، وما يذكر مع هؤلاء مجنون المتن ولا غيره. . .
فقال الآخر: تالله لولا أن (نابغة القرن العشرين) يدفع نفسه عن الجنون لجاء في الجنون بما يذهل العقول. . .
ثم نظر فإذا النابغة يتحفز له. . .؛ فأسرع يقول: (مما حفظناه) كنحذرا كأنك غر، وكن ذاكراً كأنك ناس. فهذا هو نسيان نابغة القرن العشرين، نسيان حكماء لا نسيان مجانين.
قال (النابغة) ولكن قد فسد قول الشاعر، ما لذة العيش إلا للمجانين؛ فما بقيت مع الجنون لذة.
قلت: إن الشاعر لا يريد المجانين الذين هم مجانين بالمرض وإنما يريد العشاق المجانين بالجمال؛ وجنون العاشق في هذا الباب كعيوب العظماء من أهل الفن، وهي عيوب تدافع عن نفسها بحسنات العظمة فليست كغيرها من العيوب.
قال: فيجب أن أصنع بيتاً آخر يفسرذلك الشعر ليستقيم لي التمثل به. ثم فكر وهمهم، ثم كتب في ورقة ثم طواها وقال: اصنع أنت أول، وسأئتمن س. ع. على شعري ودفع إليه الورقة.
فنظرت وقلت: يجب أن يكون الشعر هكذا:
قالوا جُنِنت بمن تهوى فقلتُ لهم … ما لذة العيش إلا للمجانين
العقلُ إن حَكَم العُشّاقأثقلُ من … فقرٍ تحكَّم في رزقِ المجانين
ونشر س. ع. الورقة فإذا فيها:
قالوا جُنِنت بمن تهوى فقلتُ لهم … ما لذة العيش إلا للمجانين
إن العيوب عن المجنون دافعةٌ … بأنه نابغ في القرن العشرين. . .
وضحكنا جميعا؛ فقال النابغة: أبعدك الله يا س. ع. إن من ائتمن المجنون على سر وقال له أكتمه فكأنما قال له انشره.
стр. 10573
ثم قال: وددت والله أن يكون س. ع. هذا نابغة، ولكني سأجعله نابغة، فقد صار له علي حق الصديق وهو حق لا أضيعه ولا أخل به. فإذا احتجت يا س. ع إلى خطاب رنان تلقيه في حفل عظيم، أو قصيدة تمدح بها وزير المعارف، فالجأ إلي فإني ملجأ لك. ومتى انتحلت شعري كنتعند الناس المتنبي أو البحتري أو ابن الرومي، فان هؤلاء القدامى لم ينفعهم إلا أنني لم أكن فيهم، ولما لم أكن فيهم أعجبوا الناس إذ أنني لم أكن فيهم.
قلنا فما حكمك عليهم في الأدب؟
قال: إذا حكمت عليهم فقد جعلت نفسي بينهم، فمن الطبيعي إلا يعجبني منهم أحد. إن (نابغة القرن العشرين) لا يقول لمعنى هذا أحسن فانه هو فوق الأحسن، ولا يقول عننابغة هذا أشهر فانه هو فوق الأشهر.
قلت: كأن الدنيا تحت قدميك وأنت فيها الزاهد العظيم الذي لا يقول في حسن هذا أحسن لأنه فوق الشهوة، ولا في نعيم هذا أطيب لأنه فوق الطمع، ولا في مال هذا أكثر لأنه فوق الحرص. وأحسبك لو كنت ترعى غنما لكنت الحقيق في عصرنا بقول تلك الراعية الزاهدة: أصلحت شأني بيني وبين فأصلح بين الذئب والغنم.
قال: وكيف ذلك؟
قلت: حكي عنبعض الصالحين أنه فكر ذات ليلة فقال في نفسه: يا رب. من زوجتي في الجنة؟ فأرى في منامه ثلاث ليال أنها جارية سواء في أرض كذا. فجاء تلك الأرض فسأل عن الجارية، فقال له رجل ما هذا؟ تسأل عن جارية سوداء مجنونة كانت لي فأعتقتها؟ قال وماذا رأيتم من جنونها؟ قال: كانت تصوم النهار فإذا أعطيناها فطورها تصدقت به، وكانت لا تهدأ الليل ولا تنام فضجرنا منها.
قال: فأين هي؟ قال ترعى غنما للقوم في الصحراء.
فذهب إلى الصحراء فإذا هي قائمة في صلاتها، ونظر إلى الغنم فإذا ذئب يدلها على المرعى وذئب يسوقها. فلما فرغت من صلاتها سلم عليهافأنبأته أنه زوجها في الجنة وأنبأها أنه بشر بها؛ ثم سألها ما هذه الذئاب مع الأغنام؟ قالت: نعم أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب والغنم.
قال (النابغة): هذا كذب لأنه عجيب، وهو عجيب لأنه كذب.
стр. 10574
قلت: وأي عجيبفي هذا؟ إن الذئب والشاة، والأسد والغزال، والثعبان والعصفور، وكل آكل ومأكول من الأحياء، لو هي دخلت في دائرة الصلاة الحقيقية لانتظمت كلها صفا واحدا يركع ويسجد. فهذه الجارية نشرت روح الصلاة والتقوى علىكل ما حولها من قلبها الطاهر المطمئن بالإيمان، فوقع الذئب منها في دائرة مغناطيسية، فسلب وحشيته ورجع مسخرا لفكرة الصلاح والخير إذ تجانست فيه الحياة بما حولها، وانسجم النوع والنوع في حركة متجاوبة انسجام الرجل المغناطيسيهو ومن ينومه في إرادةواحدة وفكرة واحدة.
قال (النابغة): فإذا دخل الذئب مسجدا يرتج بالمصلين، أتراه يصف أربعته ويقف بينهم للصلاة، أم يصلي صلاته الذئبية في لحومهم؟
قلت: وأين هم الذين يصلون بحقيقة الصلاة فيخرجون بها من النفس إلى الكون، ومن الزمن إلى الأبد، ومن الأسباب إلى مسببها، ومما في القلب إلى ما فوق القلب؟ إن هؤلاء جميعا يصلون بجوارحهم وبينهم وبين أرواحهم طول الدنيا وعرضها؛ وما منهم إلا من يتصل فكره بما يغلب عليه كما يتصل فكر اللص بيده، وفكر العاشق بعينه، وفكر الطفيلي بمعدته. . .
فاسمعها عندهم الصلاة وحقيقتها عند الله كما ترى.
قال (النابغة) ولكنه ذئب من طبيعته أن يأكل الشاة لا أن يرعاها، فلا أفهم شيئا.
وقال الآخر: (مما حفظناه) رتع الذئب في الغنم، ولم يقولوا صلى الذئب في الغنم، فلا أفهم شيئا.
قلت: سأزيد كما عدم فهم. . . إن قلب تلك المرأة العظيمة الطاهرة متصل بالله، وليس فيه شيء من طباعها الإنسانية ولا ظل من ظلال الدنيا؛ وقد تجلى فيه سر الحياة، وهو السر الذي لا يطعم ولا يشرب ولا يلبس ولا يشتهى ولا يطمع في شيء ولا يحرز شيئا، وإنما طبيعته أشواقه الكونية واتصاله بنفحات القوة الأزلية المسخرة للوجود كله. فانتشرت هذه الموجة الكهربائية الأثيرية حول الجارية من قلبها، وجاء الذئب فلتج فيها وغمرته الروحانية الغالبة فإذا هو يفتح عينه على كون غريب قد تجلى السلام عليه، فليس فيه إلا قوة آمرة أمرها بائتلاف كل شيء مع كل شيء، واجتماع المتنافرين في حالة معرفة لا في حالة إنكار. فصار الذئب مستيقظا، ولكن في روح النوم، وشلت فيه الذئبية الطبيعية فإذا
стр. 10575
هو يحمل الأنياب والأظافر وقد أنسى استعمالها، وبقيت حركته الحيوانية ولكن تعطلت بواعثها فبطل معناها.
ومن كل ذلك اختفى الذئب الذي هو في الذئب، وبقى الحيوان حيا ككل الأحياء، فناسب الشاة وفزع إليها إذ لم تعد العلاقة بينهما علاقة جس الآكل بجسم الأكيلة، بل علاقة الروح الحي بروح حي مثله. قال (النابغة): أما أنا فقد فهمت ولكن هذا المجنون لم يفهم. أكتب يا س. ع: جلس نابغة القرن العشرين مجلسه للفلسفة على غير إعداد ولا تمكن، وبدون كتب البتة. . . وكان هذا أجمع لرأيه وأذهن له وأدعى لأن يتوفر على الإملاء بكل مواهبه العقلية؛ ولما أن فكر النابغة وأعطى النظر حقه وجمع في عقله الفذ جزالة الرأي إلى قوة التفنن والابتكار، قال مرتجلا: إن فلسفة الذئب والشاة حين لم يأكلها ولم تنطحه، هي بالنص وبالحرف كما قال أستاذ نابغة القرن العشرين. . .
(حاشية) وإن مجنون المتن لم يفهم هذه الفلسفة.
فامتعض الآخر وقال: (مماحفظناه):
وبات يقدح طول الليل فكرته … وسر الماء بعد الجهد بالماء
فقال (النابغة): ويلك يا أبله! أما والله لو كنت نفطويه أو سيبويه لما كنت عندي إلا جحشوية أو بغلويه. . .
لقد كنت أرى الكلام في تلك الفلسفة طريقا نزها جميلا حفته الأشجار والأزهار عن جانبيه، واندفعت في سوائه (تمبيلات) الأفكار خاطفة كالبرق. فلما تكلمت أنت انتهينا من سخافتك إلى طريق حجري تقعقع فيه عربات النقل تجرها البغال البطيئة.
فقال الآخر وهو يتعذر إليه: ما أردت والله مساءتك ولو أردتها لقلت وفسر الماء بعد الجهد بالسبرتو. . . فهذا هوالخطأ، أما تفسير الماء بعد الجهد بالماء فهو صحيح.
قال النابغة: ولكنه تفسير مفرط السقوط كتفسير المجانين، فهو يقول إني مجنون.
قلت: كلا، إن تفسير المجانين يكون على غير هذا الوجه كالذي حكاه الجاحظ قال: سمعت رجلا يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقا. قال الآخر: وأي شيء الزنديقا؟ قال الذي يقطع المزيقا. قال: وكيف علمت أنه يقطع المزيقا؟ قال رأيته يأكل التين بالخل. . . .
(طنطا)
следующие страницы →