← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

الكلمة الأخرى لمعنى ضعف العقل؛ وضعف العقل هو اللفظ الآخر لمعنى جنوني، وقد أعلمتكم ما أكره من الكلام. قلت: لا، إن النسيان لا يكون منك نسيانا بمعناه في المجانين، بل بمعناه فيك أنت من تواثب الأفكار النابغة وتزاحمها في تواردها على العقل. فإذا تواثبت وتزاحمت كان أمرها إلى أن ينسى بعضه بعضا فلا ينطلق منها إلا القوي النابغ حق نبوغه، فيجيء كالمنقطع مما قبله، فيحسب ذلك نسيانا وما هو به. وقد تصطلح الأفكار في هذه المعركة الذهنية إذا كان النابغة مسرورا محبورا يرقص طربا. . . فيكون أمرها إلى أن تجيء كلها معا على اختلاف معانيها وتناقضها؛ فحسب ذلك ضربا من الذهول عند من يجهل العلة النبوغية؛ وعذره جهل هذه العلة وهي في دلالة العقل ليست نسيانا ولا ذهولا. قال: فأعلمني كيف نسيان المجانين فقد خفي علي أن أدرك هذا الأمر العجيب فيهم، ولست أدري كيف يفوتهم ما استدنى لهم من الفكر بعد أن يكون قد استقر وحصل في عقولهم؟ قلت: لا يكون النسيان تهمة بالجنون إلا في أحوال ثلاث جاءت بكلها الرواية الصحيحة المحفوظة: فأما الأولى فما يروى عن رجل كان سريا غنيا وعمر حتى أدركه الخرف؛ فجاء كاتبه يوما يستعينه على تجهيز أمه وقد ماتت فدفع إلى غلام له دنانير يشتري بها كفنا ودنانير أخرى يتصدق بها على القبر؛ ثم قال لغلام آخر: إمض إلى صاحبنا وغاسل موتانا فلان فادعه يغسلها. قال الكاتب: فاستحييت منه وقلت يا سيدي ابعث خلف فلانة وهي جارة لنا تغلسها. قال يا فلاناً تدع عقلك في حزن ولا فرح. كيف ندخل عليها من لا نعرفه؟ قال الكاتب: نعم تأذنبذلك. قال لا والله ما يغسلها إلا فلان. فضاق الكاتب بهذا الحمق وقال: يا سيدي كيف يغسل رجل امرأة؟ قال: وإنما أمك امرأة.،.؟ والله لقد أنسيت وأما الحالة الثانية فما يروى عن رجل كان نائما في ليلة باردة فخرجت يده من الفراش فبردت، فأدناها إلى جسده وهو نائم فأحس ردها فأيقظته، فانتبه فزعا فقبض عليها بيده الأخرى وصاح: اللصوص. اللصوص. . . هذا اللص قد قبضت عليه أدركوني لئلا تكون في يده حديدة يضربني بها، فجاءوا بالسراج فوجدوه قابضا بيده على يده وقد نسى أنها يده.

стр. 10572

وأما الثالثة فهي رواية عن رجل قد ورث نصف دار، ففكر طويلا كيف تخلص الدار كلها له ثم اهتدى إلى الوسيلة؛ فذهب إلى رجل وقال له: أريد أن أبيعك حصتي من الدار وأشترى بثمنها النصف الباقي لتصير الدار كلها له. . . قال (النابغة) لعمري إن هذا لهو الجنون، وما يذكر مع هؤلاء مجنون المتن ولا غيره. . . فقال الآخر: تالله لولا أن (نابغة القرن العشرين) يدفع نفسه عن الجنون لجاء في الجنون بما يذهل العقول. . . ثم نظر فإذا النابغة يتحفز له. . .؛ فأسرع يقول: (مما حفظناه) كنحذرا كأنك غر، وكن ذاكراً كأنك ناس. فهذا هو نسيان نابغة القرن العشرين، نسيان حكماء لا نسيان مجانين. قال (النابغة) ولكن قد فسد قول الشاعر، ما لذة العيش إلا للمجانين؛ فما بقيت مع الجنون لذة. قلت: إن الشاعر لا يريد المجانين الذين هم مجانين بالمرض وإنما يريد العشاق المجانين بالجمال؛ وجنون العاشق في هذا الباب كعيوب العظماء من أهل الفن، وهي عيوب تدافع عن نفسها بحسنات العظمة فليست كغيرها من العيوب. قال: فيجب أن أصنع بيتاً آخر يفسرذلك الشعر ليستقيم لي التمثل به. ثم فكر وهمهم، ثم كتب في ورقة ثم طواها وقال: اصنع أنت أول، وسأئتمن س. ع. على شعري ودفع إليه الورقة. فنظرت وقلت: يجب أن يكون الشعر هكذا: قالوا جُنِنت بمن تهوى فقلتُ لهم … ما لذة العيش إلا للمجانين العقلُ إن حَكَم العُشّاقأثقلُ من … فقرٍ تحكَّم في رزقِ المجانين ونشر س. ع. الورقة فإذا فيها: قالوا جُنِنت بمن تهوى فقلتُ لهم … ما لذة العيش إلا للمجانين إن العيوب عن المجنون دافعةٌ … بأنه نابغ في القرن العشرين. . . وضحكنا جميعا؛ فقال النابغة: أبعدك الله يا س. ع. إن من ائتمن المجنون على سر وقال له أكتمه فكأنما قال له انشره.

стр. 10573

ثم قال: وددت والله أن يكون س. ع. هذا نابغة، ولكني سأجعله نابغة، فقد صار له علي حق الصديق وهو حق لا أضيعه ولا أخل به. فإذا احتجت يا س. ع إلى خطاب رنان تلقيه في حفل عظيم، أو قصيدة تمدح بها وزير المعارف، فالجأ إلي فإني ملجأ لك. ومتى انتحلت شعري كنتعند الناس المتنبي أو البحتري أو ابن الرومي، فان هؤلاء القدامى لم ينفعهم إلا أنني لم أكن فيهم، ولما لم أكن فيهم أعجبوا الناس إذ أنني لم أكن فيهم. قلنا فما حكمك عليهم في الأدب؟ قال: إذا حكمت عليهم فقد جعلت نفسي بينهم، فمن الطبيعي إلا يعجبني منهم أحد. إن (نابغة القرن العشرين) لا يقول لمعنى هذا أحسن فانه هو فوق الأحسن، ولا يقول عننابغة هذا أشهر فانه هو فوق الأشهر. قلت: كأن الدنيا تحت قدميك وأنت فيها الزاهد العظيم الذي لا يقول في حسن هذا أحسن لأنه فوق الشهوة، ولا في نعيم هذا أطيب لأنه فوق الطمع، ولا في مال هذا أكثر لأنه فوق الحرص. وأحسبك لو كنت ترعى غنما لكنت الحقيق في عصرنا بقول تلك الراعية الزاهدة: أصلحت شأني بيني وبين فأصلح بين الذئب والغنم. قال: وكيف ذلك؟ قلت: حكي عنبعض الصالحين أنه فكر ذات ليلة فقال في نفسه: يا رب. من زوجتي في الجنة؟ فأرى في منامه ثلاث ليال أنها جارية سواء في أرض كذا. فجاء تلك الأرض فسأل عن الجارية، فقال له رجل ما هذا؟ تسأل عن جارية سوداء مجنونة كانت لي فأعتقتها؟ قال وماذا رأيتم من جنونها؟ قال: كانت تصوم النهار فإذا أعطيناها فطورها تصدقت به، وكانت لا تهدأ الليل ولا تنام فضجرنا منها. قال: فأين هي؟ قال ترعى غنما للقوم في الصحراء. فذهب إلى الصحراء فإذا هي قائمة في صلاتها، ونظر إلى الغنم فإذا ذئب يدلها على المرعى وذئب يسوقها. فلما فرغت من صلاتها سلم عليهافأنبأته أنه زوجها في الجنة وأنبأها أنه بشر بها؛ ثم سألها ما هذه الذئاب مع الأغنام؟ قالت: نعم أصلحت شأني بيني وبينه فأصلح بين الذئب والغنم. قال (النابغة): هذا كذب لأنه عجيب، وهو عجيب لأنه كذب.

стр. 10574

قلت: وأي عجيبفي هذا؟ إن الذئب والشاة، والأسد والغزال، والثعبان والعصفور، وكل آكل ومأكول من الأحياء، لو هي دخلت في دائرة الصلاة الحقيقية لانتظمت كلها صفا واحدا يركع ويسجد. فهذه الجارية نشرت روح الصلاة والتقوى علىكل ما حولها من قلبها الطاهر المطمئن بالإيمان، فوقع الذئب منها في دائرة مغناطيسية، فسلب وحشيته ورجع مسخرا لفكرة الصلاح والخير إذ تجانست فيه الحياة بما حولها، وانسجم النوع والنوع في حركة متجاوبة انسجام الرجل المغناطيسيهو ومن ينومه في إرادةواحدة وفكرة واحدة. قال (النابغة): فإذا دخل الذئب مسجدا يرتج بالمصلين، أتراه يصف أربعته ويقف بينهم للصلاة، أم يصلي صلاته الذئبية في لحومهم؟ قلت: وأين هم الذين يصلون بحقيقة الصلاة فيخرجون بها من النفس إلى الكون، ومن الزمن إلى الأبد، ومن الأسباب إلى مسببها، ومما في القلب إلى ما فوق القلب؟ إن هؤلاء جميعا يصلون بجوارحهم وبينهم وبين أرواحهم طول الدنيا وعرضها؛ وما منهم إلا من يتصل فكره بما يغلب عليه كما يتصل فكر اللص بيده، وفكر العاشق بعينه، وفكر الطفيلي بمعدته. . . فاسمعها عندهم الصلاة وحقيقتها عند الله كما ترى. قال (النابغة) ولكنه ذئب من طبيعته أن يأكل الشاة لا أن يرعاها، فلا أفهم شيئا. وقال الآخر: (مما حفظناه) رتع الذئب في الغنم، ولم يقولوا صلى الذئب في الغنم، فلا أفهم شيئا. قلت: سأزيد كما عدم فهم. . . إن قلب تلك المرأة العظيمة الطاهرة متصل بالله، وليس فيه شيء من طباعها الإنسانية ولا ظل من ظلال الدنيا؛ وقد تجلى فيه سر الحياة، وهو السر الذي لا يطعم ولا يشرب ولا يلبس ولا يشتهى ولا يطمع في شيء ولا يحرز شيئا، وإنما طبيعته أشواقه الكونية واتصاله بنفحات القوة الأزلية المسخرة للوجود كله. فانتشرت هذه الموجة الكهربائية الأثيرية حول الجارية من قلبها، وجاء الذئب فلتج فيها وغمرته الروحانية الغالبة فإذا هو يفتح عينه على كون غريب قد تجلى السلام عليه، فليس فيه إلا قوة آمرة أمرها بائتلاف كل شيء مع كل شيء، واجتماع المتنافرين في حالة معرفة لا في حالة إنكار. فصار الذئب مستيقظا، ولكن في روح النوم، وشلت فيه الذئبية الطبيعية فإذا

стр. 10575

هو يحمل الأنياب والأظافر وقد أنسى استعمالها، وبقيت حركته الحيوانية ولكن تعطلت بواعثها فبطل معناها. ومن كل ذلك اختفى الذئب الذي هو في الذئب، وبقى الحيوان حيا ككل الأحياء، فناسب الشاة وفزع إليها إذ لم تعد العلاقة بينهما علاقة جس الآكل بجسم الأكيلة، بل علاقة الروح الحي بروح حي مثله. قال (النابغة): أما أنا فقد فهمت ولكن هذا المجنون لم يفهم. أكتب يا س. ع: جلس نابغة القرن العشرين مجلسه للفلسفة على غير إعداد ولا تمكن، وبدون كتب البتة. . . وكان هذا أجمع لرأيه وأذهن له وأدعى لأن يتوفر على الإملاء بكل مواهبه العقلية؛ ولما أن فكر النابغة وأعطى النظر حقه وجمع في عقله الفذ جزالة الرأي إلى قوة التفنن والابتكار، قال مرتجلا: إن فلسفة الذئب والشاة حين لم يأكلها ولم تنطحه، هي بالنص وبالحرف كما قال أستاذ نابغة القرن العشرين. . . (حاشية) وإن مجنون المتن لم يفهم هذه الفلسفة. فامتعض الآخر وقال: (مماحفظناه): وبات يقدح طول الليل فكرته … وسر الماء بعد الجهد بالماء فقال (النابغة): ويلك يا أبله! أما والله لو كنت نفطويه أو سيبويه لما كنت عندي إلا جحشوية أو بغلويه. . . لقد كنت أرى الكلام في تلك الفلسفة طريقا نزها جميلا حفته الأشجار والأزهار عن جانبيه، واندفعت في سوائه (تمبيلات) الأفكار خاطفة كالبرق. فلما تكلمت أنت انتهينا من سخافتك إلى طريق حجري تقعقع فيه عربات النقل تجرها البغال البطيئة. فقال الآخر وهو يتعذر إليه: ما أردت والله مساءتك ولو أردتها لقلت وفسر الماء بعد الجهد بالسبرتو. . . فهذا هوالخطأ، أما تفسير الماء بعد الجهد بالماء فهو صحيح. قال النابغة: ولكنه تفسير مفرط السقوط كتفسير المجانين، فهو يقول إني مجنون. قلت: كلا، إن تفسير المجانين يكون على غير هذا الوجه كالذي حكاه الجاحظ قال: سمعت رجلا يقول لآخر: ضربنا الساعة زنديقا. قال الآخر: وأي شيء الزنديقا؟ قال الذي يقطع المزيقا. قال: وكيف علمت أنه يقطع المزيقا؟ قال رأيته يأكل التين بالخل. . . . (طنطا)

стр. 10576

مصطفى صادق الرافعي إلى (الحضرمي): أنامن زمن لا اقرأ شيئا لهذا الزنديق الذي سميته في كتابك؛ وقد عرفته رجلا لو أيقن أن حبل المشنقة يرفعه مترين فقط في جو الشهرة لمد له عنقه. . . فكل ما تقرؤه له من الطعن في العربية والعرب والإسلام، فإنما نيته فيه أن يتناول الكتاب ولو بالصفع إذا رن الصفع في العالم العربي. . . الرافعي

стр. 10577

١ - بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي للأستاذ محمد عبد الله عنان كان الخفاء وما يزال الفضول والروع، ومصدر الأساطير الغريبة الشائقة؛ وفي عصور ومواطن كثيرة كان الخفاء عماد دعوات وثورات سياسية واجتماعية خطيرة، وكان مبعث دول قوية قامت في ظروف غامضة، واستندت في قيامها إلى دعوات ومبادئ خفية؛ وكان هذا الخفاء نفسه مصدر قوتها وحياتها. وقد شغلت هذه الفورات والدعوات الخفية فراغا كبيرا في التاريخ الإسلامي، وخصتها الرواية الإسلامية بكثير من التفصيل والجدل؛ ومازلنا نلمس آثارها حتى اليوم في بعض الطوائف والمجتمعات التي تلوذ في عقائدها وتقاليدها بكثير من الغموض والخفاء. وقد كانت قصة المهدي المنتظر بلا ريب من أشد مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي وكانت أخصبها موردا للأساطير، واحفلها بالدعوات والفورات الخفية؛ ويكفي أن هذه الأسطورة الغريبة كانت مبعثا لطائفة من الدول القوية التي كان لها أكبر الأثر في سير التاريخ الإسلامي كما أنها كانت مصدرا لطائفة من الدعوات والمذاهب الدينية والاجتماعية التي شغلت مكانا كبيرا في الكلام الإسلامي. كانت أسطورة المهدي عماد الدولة الفاطمية التي قامت في قفار المغرب الأوسط حول تلك الشخصية الخفية - شخصية المهدي المبعوث - وحول رسالتها وإمامتها؛ ثم افتتحت مصر والشام وبسطت سيادتها على قلب العالم الإسلامي فيما بين آسيا الصغرى والحرمين؛ وكانت عماد دولة الموحدين التي قامت في قفار المغرب الأقصى، وسادت بسائط المغرب والأندلس أكثر من قرن؛ وكانت عماد طائفة كبيرة من الثورات والفتن الدينية التي وقعت في مختلف العصور في أنحاء العالم الإسلامي. وكان الخفاء صفة ملازمة لأسطورة المهدي قبل البعث وبعده، يسبغ على القائم ودولته وخلفائه نوعا من القداسة الروحية أو السمو فوق بني الإنسان. ومنذ عصر الإسلام الأول تتبوأ هذه الأسطورة مكانها في الكلام الإسلامي، وتقوم على عناصر الغموض والخفاء، فنرى من غلاة الشيعة من يقول إن عليا بن أبي طالب لم يمت، ولكنه حي غائب عن أعين الناس، مستقر في السحاب، صوته الرعد والبرق في سوطه؛ ونرى منهم من يقول مثل ذلك القول في ولده محمد بن الحنفية، وأنه مستقر في جبل

стр. 10578

رضوى من أعمال الحجاز؛ ثم نرى الأسطورة تتخذ بعد ذلك صبغتها السياسية وتدعم بالأسانيد الكلامية والشروحي التاريخية، ولكن مع اقترانها بصفة الخفاء دائما. وخلاصة الأسطورة (أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من آل بيت يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويعيد مجد الإسلام ودولته ويسمى بالمهدي). أما هذا الإمام الخفي فمن هو؟ هو من ولد علي بن أبي طالب؛ ولكن يختلف الشيعة في مساق الإمامة أصولا وفروعا؛ وليس من موضوعنا أن نتعرض لهذا الجدل؛ ولكننا نذكر فقط أن أشهر فرق الشيعة الإمامية، وهم الاثنا عشرية، يقولون إن الثاني عشر من أئمتهم، وهو محمد بن الحسن العسكري، هو المهدي، وإنه لم يمت؛ ولكنه اختفى وغاب عن الأنظار، ولا يزال مختفيا إلى آخر الزمان، ولكنه اختفى وغاب عن الأنظار، ولا يزال مختفيا إلى آخر الزمان، ثم يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا؛ وزاد بعض الدعاة على ذلك فحددوا لظهروا المهدي تواريخ معينة، وكلهم يستتر لتأييد مزاعمه وراء الرموز والإشارات الغامضة، مما يسبغ على دعوتهم دائما لون السرية والخفاء. وكما كان الخفاء مبعث القداسة والخشوع قبل تحقيق الظفر السياسي، فكذلك كان الخفاء بعد تحقيق هذا الظفر مصدر القوة والنفوذ للدولة أو الأسرة التي تتشح بثور الدعوة أو الإمامة أو الرسالة، ولنا أسطع مثل على ذلك في الدولتين، الفاطمية والموحدية. بيد أن هنالك أمثلة محلية كثيرة للاعتصام بهذا الخفاء المروع، وما كان يترتب على هذا الاعتصام من النتائج المادية والمعنوية المدهشة؛ ويكفي أن تكون هذه الغمر الخفية مبعثا لأكثر من دعوة بالنبوة، بل مبعثا لدعوة الألوهية ذاتها، وأن تقوم عليها عقائد ومذاهب كان لها أثر قوي في سير العالم الإسلامي وما زالت تمثل في عصرنا. - ٢ - ويقدم لنا التاريخ الإسلامي أمثلة عملية مدهشة قوامها الخفاء المادي والروحي؛ ومن الصعب أن نستوعب هذه الأمثلة أو أن نحصيها جميعا في هذا المقام المحدود، ولكننا نقدم منها بعض أمثلة شهيرة. ففي أواخر القرن الثالث من الهجرة ظهرت دعوة القرامطة مستظلة بالدعوة الشيعية والإسماعيلية وقوامها التبشير بالمهدي المنتظر؛ وظهر داعية القرامطة الأول الفرج بن

стр. 10579

عثمان القاشاني الملقب بذكرويه في جنوب العراق، ولبث حينا يبث دعوته سرا وخفية؛ وتلاه تلميذه وصاحبه (قرمط) مؤسس المذهب الحقيقي يبث الدعوة جهرا، ويدعو إلى إمام من آل البيت هو المهدي الذي يظهر فيملأ الأرض عدلا، فلما ذاع أمره قبض عليه عامل الكوفة وألقاه إلى ظلام السجن، ولكنه استطاع أن يفر من سجنه في ظلام الليل بمساعدة جارية للحاكم؛ وكان هذا الداعية الجريء يدرك سر الخفاء وفعله في نفوس الكافة فاختفى على أثر فراره حينا، وألقى في روع أنصاره أنه رفع إلى السماء فازدادوا به فتنة؛ ثم ظهر بعد ذلك وكأنه قد بعث، ثم فر إلى الشام ولم يوقف له على خبر بعد ذلك، فكان هذا الاختفاء في ذاته عاملا في ذيوع الدعوة القرمطية واضطرامها. ورأى الفرج بن عثمان أو ذكرويه أن يخوض أيضا غمر الخفاه، ليحدث مثل الأثر الذي أحدثه اختفاء قرمط، فنزح إلى القفر وتوارى عن الأنظار في مكان ناء، في مغار أنشأه لذلك، واستخلف أولاده للدعوة، ولبث أعواما طويلة يعمل ويدبر الخطط من وراء ستار، ويوجه أكابر أنصاره وخاصته حتى اشتدت دعوة القرامطة بعد قتال رائع، وجرح ذكرويه وأسر، وحمل إلى بغداد حيث توفى من جراحه بعد أيام، ومثل بجثته أشنع تمثيل (سنة ٢٩٤هـ) بيد أن فورة القرامطة كانت قد اجتاحت يومئذ أنحاء البحرين، واستقرت هنالك قوية منذرة، واستمرت خطرا داهما على الشام ومصر وأطراف الجزيرة حتى أواخر القرن الرابع. - ٣ - على أنا نجد أروع مثل للخفاء فيالدولة الفاطمية، في قيامها، وفي وسائلها، وفي خلفائها؛ فقد نشأت هذه الدولة القوية في قفار المغرب على يد دعاتها السريين وشيعتهم من القبائل البربرية المتعصبة الساذجة، وكان أول خلفائها عبيد الله المهدي شخصية خفية غامضة لم يستطع التاريخ أن يقف على حقيقتها أو يتقصى نسبتها؛ واستمر هذا الخفاء يغمر شخصية الخلفاء الفاطميين، وهذا الريب يغمر أصلهم ونسبتهم، حتى أننا نجد أشراف مصر يطلبون إلى المعز لدين الله حيث مقدمه إلى مصر أن يوقفهم على، نسبه، فيجمعهم في مجلس عام ويسل نصف سيفه ويقول لهم هذا نسبي، ثم ينثر عليهم ذهبا ويقول لهم هذا حسبي، ونجد خصوم الفاطميين ولا سيما بني يتخذون هذا الريب في نسبهم مثارا للطعن في إمامتهم وفي

стр. 10580

ذممهم وعقائدهم مما لا يتسع المقام لبسطه؛ بيد أن هناك حقيقة تلفت النظر، هي أن الخلفاء الفاطميين، ولا سيما الأوائل منهم كانوا يزعمونعلم الغيبومعرفة الخفاء، ومما يروى في ذلك أن العزيز بالله الفاطمي صعد المنبر ذات فرأى رقعة مكتوب فيها. بالظلم والجور قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة إن كنت قد أعطيت علم غيب … فقل لنا كاتب البطاقة وذلك إشارة إلى دعواهم علم الغيب؛ وقد اتخذ تعلق الفاطميين بالخفاء واستظلالهم برموزه صورا واضحة لهم أثرها القوي في بناء الدولة الفاطمية وفي خططها ووسائلها؛ بل كان هذا التعلق بالخفاء سياسة مقررة للخلافة الفاطمية؛ فنراها منذ استقرت بمصر مجالس الحكمة الشهيرة في القصر وفي الأزهر وتعني بأن تكون هذه المجالس مبعثا لتعاليمها المذهبية؛ ثم نرى هذه المجالس يتسع نطاقها شيئا فشيا وتغدو، جزءا من نظم الدولة الروحية والاجتماعية، ونراها تعقد للنساء والكافة، وينصب للأشراف عليها رجل من أكبر موظفي الدولة هو قاضي القضاة، وينعث في هذا المنصب (بداعي الدعاة). وفي عهد الحاكم بأمر الله تتخذ الخطوة الأخيرة والحاسمة في تنظيم مجالس المحكمة، وتنظيم الدعوة السرية الفاطمية بصورة رسمية وتنشأ دار الحكمة الشهيرة، لتستأثر بتنظيم الدعوة وبثها على يد نخبة من الدعاة والنقباء (سنة ٣٩٥هـ)؛ وقد اتخذت دار الحكمة منذ قيامها صبغة مذهبية واضحة قوامها بث الروح والمبادئ الدينية الفاطمية، وكانت هذه مهمتها الظاهرة؛ بيد أنها كانت تعمل في الظلام لغاية أخرى يغمرها الخفاء، هي بث الدعوة السرية الفاطمية. ولا يتسع المقام للإفاضة في تفاصيل هذه الدعوة الغريبة ورسومها، ولكنا نقول فقط أنها كانت من أغرب الدعوات السرية المذهبية؛ وكانت موزعة على مراتب تسع يتدرج فيها الطلبة على يد الدعاة، ويدفعون تباعا إلى حظيرة التعاليم الفلسفية والالحادية؛ ويبدأ الطالب في جو من الإيمان العيق، ولكنه لا يصل المرتبة السادسة أو السابعة حتى يكون قد انحدر إلى غمر الإنكار المطبق؛ ويبدو مما نقل إلينا من تفاصيل هذه الدعوة الغريبة ومن موضوعات مراتبها، أن الغاية الأخيرة التي كانت تعمل لها الدعوة السرية الفاطمية هي هدم كل اعتقاد وكل عقيدة دينية، والانتقال بالطلبة والصحب إلى حظيرة الإلحاد المطبق والترفع عن العقائد الروحية العامة التي تؤكد الدعوة أنها لمتوضع إلا

стр. 10581

للكافة، ولا يلزم بها ذوو الإفهام الرفيعة وقد استمرت هذه الجامعة الغريبة، أعنى دار الحكمة، عصرا ثبت العقائد والمبادئ الفاطمية، الخفية والظاهرة، وكانت جهودها السرية أخطر وأشد أثرا في توجيه الحركة الروحية في مصر؛ بيد أنها لم توفق إلى تحقيق الغاية التي عملت لها، ولم تستطع أن تطبع المجتمع المصري بطابع عميق من الدعوة التي كانت مبعثها ومستقرها، وكانت جهودها بالعكس عاملا في بث أسباب السخط على تلك السياسة التي رسمت للاستئثار بتوجيه العقائد وبث الإنكار والإلحاد؛ واضطرت الخلافة الفاطمية غير بعيد أن تعدل عن هذا الإغراق في بث العقائد المذهبية، فتضاءلت أهمية دار الحكمة، ثم أغلقت بعد ذلك؛ بيد أن هذه الدعوة السرية ذاتها تمخضت كما سترى عن نتائج مدهشة سريعة الأثر. (للبحث بقية) محمد عبد الله عنان

стр. 10582

المتنبي في ديوانه بمناسبة ذاكره الألفية للأستاذ عبد الله كنون الحسني اختلفت مذاهب الأدباء في المتنبي بين المدح والذم اختلافا شديدا منذ العصور الذي كان يحيا فيه إلى الآن، وقد مر على وفاته عشرة قرون كاملة. وانك لتجد اليوم بعد هذه الأجيال الطويلة من يتكلم عن المتنبي بلسان الصاحب بن عباد خصمه العنيدالذي جعل وكده النيل من المتنبي وإنكار فضائله بالحق أو الباطل، ومن يدافع عنه ويتعصب له أكثر من ابن جني وأبي العلاء. ولقد كان حريا أن تضيع حقيقة المتنبي بين التفريط والإفراط من الفريقين كما هو الشأن في كل ما يتعاوره هذان العاملان المختلفان، ولكن المتنبي كان شخصية فذة تأبى إلا الإعلان عن نفسها والظهور بمظهرها الحقيقة مهما حالت الحوائل بينها وبين الناس فالمتنبي لا يجهل أحد من المثقفين اليوم أنه من أكبر شعراء العربية إن لم يكن أكبرهم على الإطلاق. رفع من شأن الشعر العربي فأحله مرتبة لم تكن له من قبل، بما نفى عنه من الزخارف اللفظية والأساليب التقليدية والأغراض السافلة، وما نفخ فيه من روح العظمة والابتكار والسمو إلى الغايات البعيدة المنال. حتى انه إذا مدح شخصا فان مدحه له يكون كالتلقين لمبدأ سام لا يجد الإنسان مندوحة عن الاستجابة له من أعماق نفسه. ولا نستدل على ذلك بأكثر من مطلع هذه القصيدة التي يمدح بها سيف الدولة، فان فيه وحده بلاغا لمن يتشكك في هذا القدر، وهو قوله: على قَدْرِ أهلِ العزْمِ تأتي العزائم … وتَأتي على قَدْرِ الكِرَامِ المكارِمُ وتَعْظَمَ في عَيْنِ الصَّغير صغارُها … وتصغُرُ في عين العَظِيم العَظاِئمُ وكما يعرف الجمهور هذه الحقيقة من أمر المتنبي اليوم، فانه كان يعرفها بالأمس وفي نفس عصر المتنبي. يدلنا على ذلك هذه العناية الكبيرة من الأدباء بشعره؛ فمن شرح له، إلى انتقاد، إلى تقريظ، إلى غير ذلك مما لم ينله شاعر قبله ولا بعده. وفي حياة المتنبي قال ابن العميد لأحد خلصائه: (انه والله ليغيظني أمر هذا المتنبي واجتهادي في إخماد ذكراه، فقد ورد على نيف وستون كتابا في التعزية ما منها إلا وقد صدر بقوله: طَوَى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ … فَزِْعتُ منه بآمالي إلى الكذبِ حتى إذا لم يَدَعْ لي صدقه أملاً … شَرِقت بالدمع حتى كاد يَشرَقُ بي

стр. 10583

ولاحظ الأستاذ العقاد عن المدة بين نظم القصيدة التي منها هذان البيتان وموت أخت ابن العميد التي كانت التعزية فيها، أنها لا تزيد كثيرا على سنة واحدة. فانظر كيف كان تلقف الأدباء لآثار المتنبي وتلقيهم لها بالقبول، برغم وجود كثير من المنافسين له والعاملين على إخماد ذكراه كما يعبر الرئيس ابن العميد! فمقام المتنبي دائما أرفع من أن يتطاول إليه أحد، وشأنه أكبر من أن يؤثر فيه مقال أهل الحسد. وما كثرت هذه التبعات لشعره فكثرت بسببها العثرات التي يأخذها عليه خصومه، إلا لأن نبوغه كان أكمل وأتم، وعبقريته أجل وأعظم؛ والناس منذ كانوا مولعون بالعظماء يتلمسون عيوبهم فيظهرونها، ويتكشفون عوراتهم فلا يسترونها. على أن جل ما أخذ على المتنبي قد رده المحققون وبينوا أن الصواب ما ذهب إليه هو؛ وبعض الباقي هو مما لم يخل منه كاتب ولا شاعر في القديم والحديث، وأي صارم لا ينبو؟ وأين الجواد الذي لا يكبو؟ نعم، هناك هنات لا تزال لاصقة بالمتنبي فتزري بشخصه الكبير؛ ولا زال البحث العلمي بعيدا عن أن يصل فيها إلى نتيجة حاسمة، فنريد أن نلقي عليها بصيصا من نور التحقيقمعتمدين في الكثير على شعر المتنبي الذي هو أصقل مرآة لنفسيته وأخلاقه. وسيكون اعتمادنا في الأكثر على نسخة خطية عتيقة من ديوانه توجد بالخزانة الكنونية. وهذه الهنات التي نقصد إلى الكلام فيها هي تنبؤه وعقيدته وأخلاقه. فأما تنبؤه فهو الزلة الكبرى التي تؤخذ على ذلك العقل الجبار، وهو في الحقيقة أمر لو صح لكان ذريعة إلى اتهامه في سلامة الادراك. ولكن من المعروف أن المعري كان يشك في صحة ذلك، ويقول في هذا اللقب الذي غلب على أبي الطيب: إن اشتقاقه من النبوة أي الارتفاع، لما كان من ترفعه على الخلق، لا من النبأ الذي منه اشتاق النبئ. وهذا الخبر وحده كاف في نفي هذه التهمة عنه، لا لتشكك المعري فيها، ولكن لما يتضمنه ذلك من إخفاء قضية التنبؤ وعدم شهرتها بين الخاصة فأبله بالعامة، وإلا لما سأل ابن القارح أبا العلاء عن حقيقتها فأجابه أبو العلاء بذلك الجواب. وهذا على أن ما بين المتنبي وأبي العلاء من الزمن لا يجاوز العقد الواحد من السنين. فكيف خفي هذا الأمر ودفن مع المتنبي حتى أن اثنين من كبار أدباء ذلك العصر لا يجدان سبيلا إلى التوثق منه، مع أن العادة في

стр. 10584

مثله إذا وقع ولو ممن هو أدنى من المتنبي مقاما، أن يشتهر ويتعالم فيتناقله الناس ولا يبقى إحدى ليس عنده نبأ منه! وأكثر من خبر المعري دلالة على هذا المعنى، خبر ابن جني الذي ذكر له أبو القاسم الشريف (الشريف الغرناطي) في شرح مقصورة حازم، قال: (وحكى أبو الفتح ابن جني قال: سمعت أبا الطيب المتنبي يقول: إنما لقبت بالمتنبي لقولي: أنا تِرْبُ الندَى وربُّ القوافي … وسمامُ العدَى وغيظُ الحسودِ أنا فِي أمةٍ تدارَكها الله … غريبٌ كصالح في ثُمودِ) فهو لو كان تنبأ حقيقة لما جهل ذلك من أمره حتى يحتاج إلى البيان، وإلا كان كالمعتذر بأقبح من الزلة. وصفوة القول أن قضية تنبئه لم تثبت حتى في زمن حياته. وهي إن لم تكن من إشاعات خصومه الكاذبة فهي على الأرجح مما نبز به لتشبيهه نفسه بالأنبياء كما في البيتين السابقين والبيت الآخر الذي يقول فيه: ما مقامي بأرض نخلة إلا … كمقام المسيح بين اليهود وننظر في ديوانه فلا نجد ما يدل على هذه القضية لا تصريحا ولا تلويحا إلا ما كان من أمر سجنه في صباه بسبب وشاية بعض الناس به إلى الوالي. فنقول ما هي هذه الوشاية؟ أتراها مما له علاقة بهذا الأمر؟ وتجيب نسختنا عن ذلك بما كتب فيها على القصيدة التي مدح بها الوالي فتقول: (وكان قوم في صباه وشوا به إلى السلطان وتكذبوا عليه وقالوا له قد انقاد إليه خلق من العرب، وقد عزم على أخذ بلدك، حتى أوحشوه منه. فاعتقله وضيق عليه فقال يمدحه). فالوشاية إذا هي خروجه على السلطان لا ادعاؤه النبوة. واستمع إلى ما يقوله في استعطاف الوالي من تلك القصيدة: أمالك رقي ومن شأنه … هبات اللجين وعتق العبيد دعوتك عند انقطاع الرجا … ء والموت مني كحبل الوريد دعوتك لما براني البلي … وأوْهن رجلىِ ثقلُ الحديد وقد كان مشيهما في النعال … فقد صار مشيهما في القيود وكنت من الناس في محفل … فها أنا في محفل من قرود يريد المسجونين من اللصوص والجناة المختلفي الطبقات السيئي السلوك

стр. 10585

تعجل فِيَّ وجوب الحدود … وحدِّيَ قبل وجوب السجود يريد أنه صغير لم تجب عليه الصلاة فكيف يجب عليه الحد؟ وقيل عدوت على العالميـ … ن بين ولادي وبين القعود يريد أنهم اتهموه بالعدوان على العالمين في حال الطفولة قبل أن يستطيع القعود. وليلاحظ القارئ نوع التهمة فهي منحصرة في الخروج، ولو كانت ادعاء النبوة لما قالت عدوت على العالمين: فماَلك تَقبلُ زُ ورَ الكلام … وقدرُ الشهادة قدرُ الشهود يريد أن الشهود من سفلة الناس فشهادتهم مردودة لعدم تورعهم عن الكذب: فلا تسمعنَّ من الكاذبين … ولا تعبأنَّ بمحكِ اليهود وكن فارقا بين دعوى أردت … ودعوى فعلتُ بشأو بعيد وفي جود كفك ما جدت لي … بنفسي ولو كنت أشقي ثمود فهذا كلامه في حال صباه قبل أن يناصبه العداء أحد من المنافسين له والحانقين عليه، لم يتضمن شيئا من الإشارة إلى دعوى النبوءة، ولا يمكن ان تفهم منه بحال. فلو كان قال هذه القصيدة في إبان شهرته وانتشار ذكره لقلنا إنه جمجمفيها ودارى عن نفسه، ولكنه كما علمت قالها في صباه، وهي من أوائل شعره بلا نزاع عليها وصحة الاستشهاد بها. بل نحن نسلم جدلا انه أدعى النبوة وبسببها سجن، فكيف يصح قوله حينئذ: بين دعوى أردت … ودعوى فعلت بشأو بعيد؟ وهل من يريد إدعاء النبوة متنبئ بالفعل؟ وهل هذه الإرادة مما يمكن الاطلاع عليه قبل إظهارها حتى تأتي الوشاية به؟ وذلك بخلاف الخروج فان بوادره تظهر للناس قبل الإقدام عليه، لأنه لا بد له من دعاوة كبيرة، إذ أن الفرد لا يمكن أن يرفع وحده علم الثورة في وجه الدولة! ومع تأكيدنا أن الذين وشوا به لم يتهموه إلا بالخروج، لا نستبعد أنهم الذين لمزوه بذلك اللقب المشنوء لما رأوا تعاليه عليهم وتقريعه لهم مع تشبيههم باليهود وتشبيه نفسه بالأنبياء كما في قوله: ما مقامي بأرض نخلةَ إلا … كمقام المسيح بن اليهود وقوله:

стр. 10586

فلا تسمعن من الكاذبين … ولا تعبأنَّ بمحك اليهود بل إننا لا نكاد نميل عن هذا الرأي في سبب تلقينه بالمتني حتى تقوم الحجة، والحجة القاطعة على خلافه. وأما أقوال خصومه في ذلك فمرجد ادكار قوله انه سمام العدا وغيظ الحسود تضعف وتضمحل حتى لا يبقى لها اعتبار ما. وأما عقيدته فهي مما كثر كلام الناس فيه؛ ولسوء حظ المتنبي لم يتناولها إلا منتقد، وليس هناك معتقد فيما نعلم تولي رد ما رمى به من الزبغ والإلحاد. فنحن نبين ما يعتمد إليه متهموه فيها ونعقب عليه بما يلوح لنا من ذلك صحيحا أو باطلا. غير أنه لابد من القول أن مثل المتنبي في أدبه وشعره وروحه الفلسفية لا يطمع منه أن يكون متدينا خالصا إلى حد التبتل والانقطاع للعابدة ومحاسبة نفسه على الخطرات وحبس لسانه عن فضول الكلام، فان التدين بهذه الصفة مما لا يكاد يفهمه إخوانه من الشعراء وأهل الأدب على وجه العموم. وقديما مثلوا برقة إيمان الأدباء، فكيف نريد منالمتنبي أن يتستر على جمهورهم ويقدم لنا من نفسه (أويسا) في ثوب شاعر، أو شاعار في ثوب (أويس)؟ ولئن قال علي بن حمزة عن المتنبي إنه ما صام ولا صلى ولا قرأ القرآن فلقد قال عنه إنه ما كذب ولا زنا ولا لاط. وهذه إن لم تقم بتلك فان تلك لا اعتداد بها مع هذه. وهل كان الشعراء الذين لم يتنزهوا عن الكذب والزنا واللواط يصمون ويصلون ويقرأون القرآن؟ وبهذا تعلم أن عدوان الخصومة على المتنبي قد ستر من محاسنه ما لو ظهر لكان له في النفوس مكان أسمى مما له فيها الآن ولأقص على سمعك بعد هذه المقدمة بعض الأبيات التي يزن بسبها بضعف العقيدة. قال يمدح بدر بن عمار: تَتَقاَصرُ الأفهامُ عن إدراكه … مِثُل الذي الأفلاكُ فيه والدُّنى فقالوا: لقد أفرط جدا لأنه شبه ممدوحة بالحق ، لأن الذي فيه الأفلاك والدنى هو علمه . ونقول إن هذا تعسف ظاهر، فمن الذي نقل عنه أنه يريد ما ذكرتم؟ وماذا حسن في بلاغتكم؟ التعبير عن علم الله بالذي الأفلاك فيه والدنى حتى رجحتموه على أن يكون المراد به هذا الفضاء الواسع الذي يحتوي الأفلاك والدنى حقيقة ممتدا وراء الآفاق التي تتقاصر عن إدراكها العقول؟ وقال المتنبي:

стр. 10587

أنا مُبصرٌ وأظن أني نائمٌ … من كان يحلم بالآله فأحلما؟ فقالوا: هذه مبالغة مذمومة وإفراط وتجاوز حد، ثم هو غلط في إنكار رؤية الله تعالى في النوم فان الأخبار يقد تواترت بذلك ونقول: إن البيت رواية أخرى وهي الأشهر هكذا: من كان يحلم ما يراه فاحلما، وهي كذلك في نسختنا، والمعنى عليها أظهر من الأولى فلا يبعد أن تكون تحريفا (البقية في العدد القادم) (طنجة) عبد الله كنون الحسني

стр. 10588

قصة المكروب كيف كشفه رجاله ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم كوخ رابع غزاة المكروب يكتشف مكروب السل - ٦ - إن بشلات الجمرة بشلات في المكروبات كبيرة يسهل الكشف عنها إذا هي قورنت بمكروب السل، ذلك المكروب القتال الخداع. ومكروب الجمرة يكثر في أجسام الحيوان قبيل موته كثرةً هائلة، فلا يخطئه البصر ولو لم يكن حديدا، أما مكروب السل - ولم يكن كوخ على يقين من وجود مكروب له - فقد طلبه الطالبون وتقفاه الباحثون ولكن بغير جدوى. ولو أن لوفن هوك نفسه، وهو أحد البحاث عيناً، نظر في مائة رئة مريضة، ثم نظر، ثم أعاد النظر، ما خرج من نظراته الحديدة الكثيرة على شئ. ولو ان اسبلنزاني حاول ما حاول لوفن لعجزت مجاهره عن إبلاغه تلك الغاية. أما بستور، وهو الباحث القدير، فلم تكن طرائقه من الدقة بحيث ترفع الغطاء عن هذا الفاتك الغادر. أو لعل صبره كان ينقذه دون أن يحقق شيئاً. ولم يكن يعرف قبل كوخ من داء السل شئ كثير، فكل ما عرف عنه أنه داء تنقله مكروبات، وذلك لأمكان نقله من حيوان سقيم إلى أخر سليم. سبق إلى هذا الدليل عالم شيخ اسمه فلمان وحققه من بعده كون هايم أستاذ برسلاوة الكبيرة، فاستطاع أن ينقل داء السل إلى الأرانب، إذ أخذ فتيتة من رئة مسلولة فأدخلها في الخزانة الأمامية لعين أرنب، فأخذت أنسجة العين تتدرن، وأخذ الدرن يتمدد ينذر الموت. وظل عالمنا القدير يرقب حوادثهذه التجربة البديعة من خلال أغنية العين الشفافة فكأنما يرقب دوراً على مسرح يلعب من وراء زجاج كان كوخ قد أطلع على تجربة كون هايم، ودرسها درساً طيباً. قال: (ليس في المقدور أن أجرب تجارب السل في آدمي، وقد أمكن الآن نقل هذا الداء إلى الحيوان، فهناك يا نفس فرصة غالية لدراسته، لكشف مكروبه، فلا بد من مكروب ينشأ عنه هذا الداء. . . .).

стр. 10589

وبدأ كوخ عمله، وكان لا يعمل إلا على خطه يرسمها، وكانت خططه قاسية لا صلةهلا بعاطفة بني الانسان، ولا تمت بسبب إلى الحنان القلوب. وأجرها ببرود قلب لو أطلعت عليه في تقاريره عنها لأقشعر بدنك منها. وحصل على مادة سله الأولى من عامل يفعل في الأرض؛ وكان رجلا قوي البنية، مفتول العضل شديداً، وكان عمره ستة وثلاثين عاماً، وكان منذ ثلاثة أسابيع في صحة هي الغاية مما يرجوه إنسان، فلم يلبث أن جاءته سعلة باغتة، اخترقت صدره الآم فاجئه، نفذ منه نفوذ السهام. وأخذ جسمه في الهزال السريع حتى أصبح كأنه الشمعة احترقت فأخذت تسيح. ودخل المستشفى ولم تظله سقفه أربعة أيام حتى صعدت روحه إلى السماء، وتخلف جسمه حيث هو من سريره، وقد عمه الدرن وتنقط كل عضو فيه بتلك الحبيبات الغبراء الصفراء كأنها الفلفل بعثره مبعثر فيها. بدأ الكوخ عمله في هذه المادة الخطيرة وحيداُ، فمساعداه كانا قد افترقا عنه، أما لفلار فأخذ يتقفى مكروب الدفتريا، وأما جفكي فكانا ينقب عن مكروب التيفود. بدأ كوخ العمل وحده، فجمع الدرن الأصفر من جثة العامل المنكود بين مشرطين أحماهما في النار، ثم سحق الدرن، ثم حقن سحيقة بلطف في عيون طائفة من الأرانب، وحقن منه تحت جلود طائفة أخرى من الخنازير الغينية، ووضع الأرانب والخنازير في أقفاص نظيفة، وأخذ يعني بها ويلاطفها ويداعبها مداعبة الأم الرؤوم؛ وبينا هو ينتظر انبعاث السل فيها ملأ وقته بالنظر بأقوى مجهر في الأنسجة المريضة التي خلفها العامل المسكين. نظر ثم نظر، ثم داوم النظر أياما بمجهر يكبر الأشياء مئات المرات، فلم يكشف بصره شيئاً إلا الحطام الذي تخلف من كبد تهدمت أورئةتخربت. قال كوخ: (إن يكن للسل مكروب فلا بد أنه يداورني ويغالبني حتى يفلت من عيني فلن أستطيع بعد الآن رؤية وهو حيث هو من الأنسجة بصبغة شديدة، فلعله يتراءى من بعد ذلك فيها. . .) ومضى اليوم تلو اليوم، وكوخ قائم قاعد في صبغ الدرن الذي جمعه، يصبغه بالأسمر والأحمر، وبكل لون من ألوان الطيف استطاعه. كان ينشره على شريحة من الزجاج نظيفة، ثم يغمرها بما عليها فيمحلول صبغة قوية زرقاء، ويدعها الساعات فيها، ثم يعود إلى شريحة ثانية ويصنع بها ما صنع بالأولى، فيغمرها في صبغة أخرى، ثم يعاود ثالثة ورابعة، وكلما مست يداه شيئاً مستراباً غمسها في محلول مطهر من السليماني حتى تقشف

стр. 10590

جلدهما وأسود. واصبح صباح يوم، فقام كوخ إلى شرائحه الزجاجية فأخرجها من محلول الصبغات التي كانت بها، ووضعها واحدة بعد أخرى تحت مجهره،، واخذ يبؤئره عليها، فاخذ مجال بصره يتضح رويداً رويداً حتى خرج له من العلماء الأغبر صورة جلية بينة، وإذا عينه ترى بين خلايا الرئة التي تقوضت من الداء مجموعات غريبة من بشلات صغيرة كالعصي زرقاء، رقت في بصره فلن يستطع تقدير سمكها، أما طولها فأقل من جزء من خمسة عشر آلف جزء من البوصة الواحدة قال كوخ: (ما أجملها بشلات! إن بها انحناء قليلا والتواء، فهي ليست في استقامة مكروب الجمرة، وهناكأسرابا منها اجتمعت واكتنزت كأنها حزم السجائر، وهاك بسلةً عفريتة دخلت وحدها خلية من خلايا الرئة المتآكلة. . . أحقاً هذا مكروب السل وقعت عليه هكذا سريعاً؟) وواصل كوخ عمله بدقته المعهودة، فظل يصبغ الدرن يستخرجه من كل ناحية من نواحي جثة العامل، وحيثما صبغ أرته صبغته الزرقاء تلك البشلات الدقيقة الحنواء؛ تلك الخلاق الغريبة الجديدة وقد اختلفت عن كل ما كان رآه في أجسام ألوف الحيوان والإنسان سليمة وسقيمة. ولم يلبث فيما هو فيه طويلا حتى بدأت الفاجعة المحزنة تقع في الخنازير الغينية والأرانب. أخذت هذه الخنازير يتزاحم بعضها لصق بعض في أركان القفص في كآبة بينة، وانتفش فروها، وأجسامها الصغيرة التي دأبت بالأمس على الوثب واللعب، آخذت تنهزل ويذوب عنها ما كساها من اللحم والشحم فصارت كأنها العظم حوته صرة من جلدها. ولزمتها الحمى فهمدت وتخاذلت عن طعامها من الجزر الطيب قد زها لونه، والحشيش الطازج قد فاح شذاه. ثم آخذت تموت واحدا فواحده، وكلما مات واحد منها إرواء لغلة عالنا من البحث، وافتداء لسلامة للاتسان، قام صاحبنا إليه فدبسه على لوحة تشريحه، وبلل جلده بمحلول السليماني ثم اخذ مشارطه فطهرها ثم شق جثة الخنزير وشرحها في دقة زائدة وعناية بالغة سكتت لها أنفاسه مخافة الزلل. وفي بطون هذه الضحايا، التي جهلت بما ضحت، وجد كوخ نفس ذلك الدرن الأصفر الأرمد المرعب الذي امتلأت به جثة العامل. فقام يبسطه على لوائح زجاجه الذي لايفني، ثم يغمره في صبغته الزرقاء، وفي كل حالة وبكل جسم كشفت له الصبغة عن نفس تلك

стр. 10591

العصي الحدباء التي أرته إياها أول مرة في رئة ذلك العامل فدعا عونيه الأقدمين - لفلار الشغال، وجفكي المخلص - فتركا ما هما فيه من مكروبات أخرى يبحثانها، فلما جاءاه أراهما ما وجد. قال: (انظر كلاكما فآني وضعت في هذا الحيوان منذ ستة أسابيع فتيتة صغيرة من الورق لا يتجاوز ما فيها مائة من هذه البشلات، وها هي اليوم قد تكاثرت فيه فبلغت البلايين. أي مخلوقات هذه! فلقد إنتشرت من حيث حقنت في فخذ هذا العيني إلى كل أجزاء جسمه، فنفذت كالأرضة إلى اقاصيه، واخترقت جوانب الشرابين. . . . وحملها الدم إلى عضامه. . . وحملها إلى ابعد زوايا في مخه. . . .) وذهبت إلى مستشفيات برلين، كائنة حيث ما كانت، يستجدي منها جثث الموتى رجلًا ونساءً من صرعى السل، واخذ يقضي أيامه وحيدا مستوحشاً بين هذه الجثة حيث هي من بيوتها، ويقي امساءه عند مكرسكوبه في معمله، وهو ساكن كالقبر إر من أصوات خنازيره الغينية وحركاتها، واستخرج من أجساد الموتى أنسجتها المريضة فحقن منها في مئات من هذه الخنازير، وفي كثير من أجساد الموتى أنسجتها المريضة فحقن منها في مئات من الخنازير، وفي كثير من الأرانب، وفي ثلاثة كلاب، واثنتي عشرة حمامة، ثلاثة عشرة قطة خداشة، دجاجات دفاقةقواقة؛ ولم يقف من جنونه إلى هذا الحد من جقن هذا العدد الكبير من الحيوانات، بل انه حقن هذه المادة الجبنية القاتلة في أنواع عدة من الجرذان والفئران أبيضها وأرمدها، وما يرتاد الجبال منها، بلغت دقة كوخ في صيد المكروب حداً لم يبلغه صائداً قبله. وتفكر كوخ لما أجهده الحذر قال: (يا لله من عمل يهز الأعصاب هزاً). قال هذا وقد خال ما كان حاله لو أن مخلب هذه الهرة امتد كالبرق إلى محقنه فأرتشق في جلده بكروبها القاتل! لم يكن كوخ برغم هدوئه ووحدته وانفراده في محاربة هذه الأعداء الخفية خلوا من هزات الحياة وانفعالاتها، إلا أنها لم تكن انفعالات من التي تنعش وتسر، ولكن من تلك التي تنذر بالفواجع والمآسي. وصمد صاخباً للمأساة المنذرة فلم تزل يده إنما ازدادت على الأيامجفافاً وتجعداً واسوداداً لغمسه إياها في محلول السليماني، هذا المحلول الطيب الذي وجد بحاث الكروب في تلك الأيام أمنهم فيه، فغمروا يه كل شيُ حتى أجسامهم. وتتالت الأسابيع وكوخ بين مواء القطط وقيق الدجاج ونباح الكلاب، وبشلته الحنواء تتكاثر تكاثراً سريعاً قاسياً فظيعاً في هذه

стр. 10592

الحيوانات، ثم أخذت هذه الحيوانات تتساقط واحدة بعد اخرى، وتعجلها الموت فازدحمت بين يدي كوخ، فاشتغل من يومه ثماني عشرة ساعة قضاها في شق جثتها وتفحص ما بها، ثم في امتحان ما وجد فيها تحت المكرسكوب بعينه العمشاء. قال كوخ لتلميذيه الأقدمين لفلا وجفكي: (إني لا أجد هذه العصي الزرقاء إلا في الرجل أو في الحيوان المسلولين. ولقد نظرت كما تعلمون في مئات من الحيوانات الصحيحة فلم أجد لهذه العصي أثراً). فقال صاحباه: (ومعنى هذا يا سيدنا الدكتور أنك وجدت البشلة التي هي أصل هذا الداء). فيقول كوخ: (لا. لا. للساعة لم يتم الأمر. . . إن الذي أتيته قد يقنع بستور، أما أنا فلم أقتنع بعد، فلا بد لي من استخراج هذه البشلات من أجسام هذه الميتات، ولا بد لي بعد ذلكمن زرعها في فالوذج حساء اللحم الذي كنا اصطنعناه. . . (لا بد من الحصول علة زريعات خالصه من هذه البشلات من أجسام هذه الميتات، ثم لا بد لي بعد نسل عدة اشهر، بعيدة عن كل مخلوق حي. ثم بعد ذلك أحقن النسل الأخير الخالص في حيوانات سليمة، فاذا جاءها السل. . . .) وعندئذ انبسطت أسارير كوخ وعلت فمه ابتسامة قصيرة. وعاد لفلار وجفكي إلى أبحاثهما، وفي قلبيهما روعة المعجب خجلة المتسرع الذي يجني النتائج فجة غير ناضجة. ورسم كوخ في رآسة كل الصور الممكنة لزرع خذا المكروب وبدأ بزرعه على فالوذج حساء البقر. وصنع عشرات من مختلف الأحسية، وصبها في أنابيب وقنيناته ووضعها في درجات من الحرارة مختلفة؛ فبعضها في درجة حرارة غرفته، وبعضها في درجة حرارة جسم الإنسان السليم، وبعضها الآخر في درجة جسم الإنسان المحموم. وأتى ببشلاته من رئات خنازير غينيه فجاءت حالص من كل مكروب ضال يخشة منه أن يكاثرها وهي دقيقة فيسج عليها مسالكها. وزرع هذه البشلات النقية في مئات الأنابيب والقناني، ولكنه خرج من كل هذا - بالخيبة! فهذه البشلات الدقائق التي تتكاثر في أجسام حيواناته تكاثراً سريعاً ذريعاً، هذه البشلات التي تناسلت في أجسام المرضى من بني الإنسان حتى بلغت الملايين، هذه البشلات رفعت أنوفها - على فرض إن لها أنوفاً - عن طعام كوخ اشمئزازاً من احسائه وفواليذهذات يوم خطر لكوخ خاطر فيسبب إخفاقه قال: (إن بشلات السل لا

стр. 10593

تنمو إلا في أجسام حية، فلعلها آذن تتطفل على هذه الأجسام، وعلى إذن أن أجهز لها طعاماً أقرب ما يكون إلى مادة جسم الحيوان). هكذا اكتشف كوخ طعامه الشهير - فالوذ مصل الدم اكتشفه طعاماً لكل مكروب أرستقراطي مترف يعاف طعام السوق ' طعاماً لكل مكروب أرستقراطي مترف يعاف طعام السوقة من المكروبات، وذهب إلى القصابين وجاء منهم بدم طازج من أبقار قتلت لوقتها، فلما أنجمد وتجبن، شققه، فسال منه عصير زلالي يضرب إلى صفرة التبن. ثم سخن هذا المصل بمقدار يقتل ما سقط فيه من مكروبات الهواء الضالة، ثم صبه على حذر في عشرات من أنابيب اختبار ضيقة، أمالها في مواضعها إمالة كبيرة ليتسع سطح المصل الذي بها، فعلى هذا السطح سيبسط مادة المكروب. ثم سخن الأنابيب وهي على ميلانها تسخيناً يكفيلانعقاد مصلها وتحوله إلى مزاج فالوذي جامد جميل في روقانه. ومات في صباح هذا الغد خنزير غيني خرمه السل تخريماً، فشرحه واستخرج منه درنة أو درنتين، نشرهما بعود من البلاتين على سطح فالوذ المصل وهو ندى، وانتقل منأنبوبة إلى أخرى حتى لقح الجميع. ثم استنشق نفساً كبيراً، ثم زفر زفرة طويلة فكأنما نفض فيها الهم الذي ملأه في هذه العسلية الدقيقة وقد نجحت بعد خشية الزلل، وقام كوخ فأخذ الأنابيب فوضعها في مدفأ درجة حرارته تعدل تماماً تلك التي في جسم الخنزير الغيني ومضت أيام ذهب كوخ فيها كل صباح إلى هذا الفرخ الدافئ، ورفع أنابيبه إلى نظارته في إطارها الذهبي، وحدق فيها وحملق، ولكنه لم ير شيئاً. قال كوخ: (هذه خيبة أخرى! كل المكروبات التي زرعتها تكاثرت في يومين، وهذا هو اليوم الرابع عشر، فما لهذا المكروب التعس لا يتكاثر أبداً. . .) لو أن رجلاً غير كوخ صادف ما صادفه من الخيبات لكب أنابيبه وسكب مصله، ورجع عما قصد إليه. أما كوخ طبيب القرية الأشوع، فله شيطان يحفزه ويغريه، فقام عندئذ يوسوس إليه من وراء عاتقه: (صيراً سيدي صبراً. أنسيت أن جرثومة السل بطيئة تستغرق في قتل الرجال الأشهر والسنين. فلعلها أذن بطيئة كذلك في تكاثرها في مصل أنابيبك) فأستمع كوخ لشيطانه، فلم يرم بأنابيبه وأمصاله، واستمهلها لليوم الخامس عشر. فلما كان صباحه نزل إلى مفرخة فوجد الفالوذج المصل قد تبعثرت على سطحه الناعم حبات صغيرة لامعة. فمد كوخ يده في لهفة إلى جيبه يستخرج منه عدسته وألصقها

стр. 10594

بعينه وأخذ يحدق في الأنابيب أنبوبة أنبوبة، فلما كبرت هذه الحبات في عينه تراءت قشوراً جافة صغيرة فأمسك كوخ وهو ذاهل بإحدى الأنبوبات، فنزع عنها سداد القطن الذي يسدها، ووضع فاها وهو غائب الفكر في اللهب الأزرق لمصباح بنسن ليعقمه، وأدخل فيها عوداً من البلاتين فلقط على طرفه حبة من تلك الحبات التي ظهرت على الفالوذج المصل، وهو يكاد يوقن أنها مكروبات. فوضعها تحت مكرسكوبه، وهو لا يكاد يدري ما وضع، ونظر فعلم أن البحث تجري طريقه شاقه في صحراء لفاحة جرداء، لا زرع فيها ولا ماء، ولكن المسافر فيها يأتي الفينة بعد الفينة على واحة ظلها وارف، ونبعها بارد، وثمرها وفير مستطاب، نظر فعلم أنه هبط بعد الجهد والجلد على واحة من تلك الواحات، أفليست ملايين المكروبات هذه التي تكشف لبصره الآن هي عينها تلك البشلات الحنواء التي رآها في رئة ذلك العامل المسلول زمناً مضى، وتراءت له لا حراك بها، ولكنها حية بدليل تكاثرها، وتراءت له دقيقة صغيرة، رقيقة المزاج، أنيقة المطعم، سريعة الرغبة عما لا ترضاه منه، ولكنها مع هذا كبيرة النهم شديدة الفتك مخربة هدامة، أكثر تخريباً من غزاة التتر، وآكد في الموت من الحيات والأفاعي. (يتبع) احمد زكي

стр. 10595

أبو الطيب المتنبي شاعر الأدب القوي بمناسبة ذكراه الألفية مهداة إلى الأستاذ الكبير أحمد أمين بقلم السيد كامل حريري في مثل هذا اليوم منذ ألف سنة خلت، فقدت آلهة الشعر والبيان رسولها الأمين ونبيها العظيم أبا الطيب أحمد المتنبي، بعد إذ أدى رسالتها ونشر دعوتها أربعين عاماً لا تأخذه كلالة ولا تتكاءده ملالة، وأنبياء البيان كأنبياء الأديان شديد عنتهم كثير اضطهادهم صعبة دعوتهم، وهممع ناكري رسالتهم في بلاء وجهد ما أنزلت عليهم إلهة الشعر رائع آياتها وخالد أبياتها، وما بي عرض رسالة المتنبي وما كان يلقى بسببها من كفر العبقرية وجحود الفضل ونكران العظمة، فكل أحس ذلك في شعر شوقي ورسالته، إن ما أخذت نفسي به هو ذكر أبى الطيب الفيلسوف المهذب، (كورني) العرب في القرن الرابع؛ وأنا إذ أقول هذا لا أقصد إلى قول الفيلسوف الشاعر أبى العلاء المعري: (إنما أبو تمام وأبو الطيب حكيمان والشاعر البحتري) بل أعني ناحية خطيرة في شعر المتنبي هي وحدها سر خلوده وعظمته وبقاء شعره على الزمن. وما الدهر إلا من رواة قصائدي … إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا فسار به من لا يسير مردداً … وغنى به من لا يغنى مفردا ولكن هذا يقتضيني ذكر القرن الرابع الهجري، وقد تهاوى بناء الدولة العباسية، ورث حبل العروبة، وفشت فاشيةُ ملوك الطوائف في البلاد العربية الاسلامية؛ فآل بويه وبنو حمدان فيالعراق وفارس والشام، ودولة الأخشيديين وبنو رائق في مصر وفلسطين يتواثب بعض على بعض، وإن للفساد والرذيلة لسوقاً رائجة، وان للخيانة والنفاق لبضاعة نافقة؛ أما عن الأخلاق الواهية والعزائم الوانية والمروءات الساقطة فحدث ولا إثم. فدهري ناسه ناس صغار … وإن كانت لهم جثث ضخام أرنب غير أنهم ملوك … مفتحة عيونهم نيام ذلكم القرن الرابع الذي ولد فيه فجر الشعراء أبو الطيب المتنبي قد عرضته عليك بعجره

стр. 10596

وبجره وخيره وشره. لأن للعصر أثراً بيناً فيما ينظم الشاعر ويكتب الأديب، وهو عصر ما أخلقه بشاعر كالمتنبي ينشر بين أهله الضعفاء فرقان القوة ورسالة المجد والمثل الأعلى. وكما ابتعث (جوبيتير) آله الحرب والقوة نيتشه فيلسوفا يوقظ بإنجيله همم الألمان الراقدة وعزائمهم الهامدة ويلقنهم آيات تنازع البقاء وبقاء القوي الغالب، ابتعث المتنبي قبله بثمانية عصور إلى الأمم الإسلامية يقول: فالموت أعر لي والصبر أجمل بي … والبرُّ أوسع والدنيا لمن غلبا تطاول العهد بالجاهلية الأولى، فنسى الشعراء نغمة التفاخر بالعديد، والتكاثر بالوليد، والاعتداد بالقوة، والاعتزاز بالمنعة، والتفاضل بمنع الجار وحفظ العشيرة، فأصبحوا وقد رقت حاشيةالحياة، ولانت أعطاف العيش، تشوقهم اللذة، ويروقهمالترف، ويستعبدهم الهوى، وتتصباهم الطريقة النواسية، فما منهم إلا عاشق مفتون، وقيس بليلاه مجنون، وما فيهم إلا نضو ردف ثقيل، وخصر نحيل، وطرف سقيم، وثغر نظيم؛ ومن لا يحب الخصور والنحور واللواحظ والثغور إذا كن مما يشتهي ويستملح!. طغى سيل الأدب اللين بنوعيه الشعر والنثر على الحياة الإسلامية العربية في القرن الثالث والرابع حتى ماعت الأخلاق الصلبة البدوية، وذابت الرجولة القاسية الجاهلية، وتفككت الفضائل من رابطتها الوثيقة، وتحللت الأخلاق من أزمتها المتينة، وسرى داء الضعف والتخنث في نفوس الشيوخ والشبان بله الكواعب والغلمان. فكان من ذلك جيل مترف متنعم، مسخت الحضارة رجولته، وألان الترف شكيمته، وأماتت النعمة طموحه. فما تتراقى إلى مجد له همةٌ، ولا تتسامى إلى مثل أعلى له عزمةٌ، وما جنى على هذا الجيل ما جنى إلا شعراؤه الخليعون الماجنون وفي طليعتهم بشار وأبو نواس. فان من يقول: ولو أن مالي يستقل بلذتي … لأنسيت أهل اللهو كسرى وقيصرا لا يبشر إلا بجيل خائر ضعيف كهذا الجيل الذي ولد فيه المتنبي. وما لنا لا نقول في صراحة وصدق، إن الأدب القوي في غير عنف، الشديد في غير عسف، ظل يتيماً بعد الفرزدق وجرير حتى جاء أبو الطيب فرأب الصدع، وسدَّ الثأى وحمل الراية؛ ثم فتح للشعراء طرائق الخلد، وسنَّ لهم سنن المجد؟

стр. 10597

ولا تحسبن المجد زقاً وقينة … فما المجد إلا السيف والفتكة البكر وتضريب أعناق الرجال وأن تُرى … لك الهبواتُ السود والعسكر المجرُ وتركك في الدنيا دوياً كأنما … تدوال سمع المرء أنمله العشر أنا لا أريد لهذا النشء المتفكك من شبابنا (الشيك) أن يقحم نفسه الحرب، ويحملها الطعن والضرب، كي ينشأ شجاع النفس شديد البطش منيع الجانب عظيم الرجولة، ولكني أنصحه بقراءة ديوان المتنبي شاعر القوة والبطش والرجولة الحق، وأنا زعيم له بعد ذلك بما يتطلبه من رجولة وإقدام. ولو أن الحياة تبقى لحر … لعددنا أضلنا الشجعانا وإذا لم يكن من الموت بد … فمن العجز أن تموت جبانا أما أنتم أيها الذين أضلهم المجد وقعدت بهم الهمة عن طلب العلا، فأستوطأوا مهاد الضعة، وأساغوا صاب الذل، ورضوا بخطة الخسف، فإليكم أتوجه ببيتي شاعر المجد والعظمة إذا غامرت في شرق مروم … فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم وبعد: فأن في ديوان المتنبي جبهة حربية تعلم شبابنا الشجاعة والقتال، ومدرسة أسبارطية تنشئ أطفالنا على احتمال الشدائد والأهوال، وجماعة فلسفية توحي إلى رجالنا جلائل الأعمال. فلنمجد شاعر الأدب القوي الذي يدعو إليه نيتشه في عصره، والأستاذ أحمد أمين في عصرنا، والذي توجبه حالنا الاجتماعية والخلقية، وتفرضه سنة البقاء على الناس. وليحْن قراء (الرسالة) معي رؤوسهم خشوعاً وإجلالاً لنبي الشعر، وفارس الدهر، وملء أذن العمر، وعبقري لو تقدم به الزمن في عهده الإغريق لخلده هومير مع الأبطال وسما به إلى سماء الآلهة! ولا عجب. وأبو الطيب القائل عن نفسه: وقت يضيع وعمر ليت مدته … في غير أمته من سالف الأمم أتى الزمان بنوه في شبيبته … فسرهم وأتيناه على الهرم. (حلب) كمال حريري

стр. 10598

أندلسيات: ٤ - قصة الفتح بن خافتان للأستاذ عبد الرحمن البرقوقي تتمة تواليف الفتح وشئ من منظومه ومنثوره الشائع المعروف أن ليس للفتح بن خاقان غير قلائد العقيان، ومطمح الأنفس، ولكن يجب أن يلحظ أن المطمح نسختان صغيرة وكبيرة؛ وقال أبن خلكان إن المطمح ثلاث نسخ صغرى ووسطى وكبرى. وللفتح غير قلائد العقيان والمطمح كتاب أسمه بداية المحاسن وغاية المحاسن، ذكر ذلك المقري وقال إن له أيضاً مجموعاً في ترسيله وتأليفاً صغيراً في ترجمة ابن السيد البطليوسي نحو الثلاثة كراريس على منهاج القلائد. . . ولمناسبة ذكر ابن السيد البطليوسي الأندلسي الأديب الكبير وصاحب شرح أدب الكاتب لابن قتيبة نقول: إنه كان بينه وبين الفتح علقة ومودة، ومن ثم قرظ ابن السيد كتاب القلائد بهذه الرقعة التي أرسلها إلى الفتح، قال: (تأملت - فسح الله لسيدي ووليي في أمد بقائه - كتابه الذي شرع في إنشائه، فرأيت كتاباً سينجد ويغور، ويبلغ حيث لا تبلغ البدور، وتبين به الذرى والمناسم، وتغتدى له غرر في أوجه ومواسم، فقد أسجد الله الكلام لكلامك، وجعل النيرات طوع أقلامك، فأنت تهدى بنجومها، وتردى برجومها، فالنثرة من نثرك، والشعرى من شعرك، والبلغاء لك معترفون، وبين يديك متصرفون، وليس يباريك مبار، ولا يجاريك إلى الغاية مجار، إلا وقف حسيراً وسبقت، ودعي أخيراً وتقدمت، لأعدمت شفوفاً، ولا برح مكانك بالآمال محفوفاً. بعزة الله. .). وقلائد العقيان كتاب قدمه الفتح لأبي إسحاق إبراهيم بن يوسف بن تاشفين أخي أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ونائبه في الأندلس، وقد ألمعنا فيما سلف إلى بعض صفات هذا الكتاب وأنه هو والذخيرة لابن بسام، واليتيمة للثعالبي، والخريدة للعماد، ونظائها، لا تعد كتب تراجم بالمعنى المتعارف؛ وإنما هي حليّ وصفات لبعض أفاضل العصر وبلغائه بأسلوب منمق بليغ. ومختارات من منظومهم ومنثورهم.

стр. 10599

أما تاريخ المترجم له ومنشؤه ونسبه ومولده ووفاته وكيف تصرفت به الأحوال فهذا ما ليسوا منه بسبيل ولا هو من عملهم وإنما هو من عمل المؤرخ. أما هم فأدباء يحلون أدباء معاصرين أو قريبين من عصورهم. . . وأسلوب الفتح في كتبه أسلوب لاشك جزل متين وإن كان كله مسجعاً؛ ومن ثم قد يعلو وقد يسفل، وقد يرى مطبوعاً وقد يرى عليه أثر التكلف والتعمل. وقد كان بلغاء الكتاب في تلك الأعصر يظنون السجع عملا فنياً في الذروة من الفن تلي مرتبته مرتبة الشعر للموسيقية التي فيه وإن كان النقدة من المتقدمين ينكرون الولوع به والإفراط فيه كما ننكره نحن اليوم. وقد اشترطوا به شروطاً أهمها: أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى، ولم يشترطوا ذلك في السجع فحسب؛ وإنما اشترطوه في كل المحسنات البديعية، قالوا: إن هذه المحسنات ولاسيما اللفظية منها لا تحل محلها من القبول، ولا تقع موقعها من الحسن، حتى يكون المعنى هو الذي استدعاها وساقها نحوه، وحتى تجدها لا تبتغي بها بدلاً ولا تجد عنها حولاً؛ ومن هنا ذم الاستكثار منها والولوع بها، لأن المعاني لا تدين في كل موضع لها، إذ هي في الغالب ألفاظ، والألفاظ خدم المعاني مصرفة في حكمها، فمن نصر اللفظ على المعنى كان كمن أزال الشيء عن جهته، وأحاله عن طبيعته، وذلك مظبة من الاستكراه، وفيه فتح أبواب العيب والتعرض للشين. ولهذه الحالة كان كلام المتقدمين الذين تركوا فضل العناية بالسجع ولزموا سجية الطبع أمكن في العقول، وأبعد من القلق، وأوضح للمراد، وأسلم من التفاوت، وأبعد من التصنع الذي هو ضرب من الخدع بالتزويق. والرضا بأن تقع النقيصة في نفس الصورة وذات الخلقة إذا أكثر فيها من الوشم والنقش؛ وأثقل صاحبها بالحلي والوشم، قياس الحلي على السيف الددان والتوسع في الدعوى بغير برهان، كما قال المتنبي: إذا لم تشاهد غير حُسن شياتها … وأعضائها فالحسن عنك مغيب هكذا يقول إمام النقاد عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة ٤٧١هـ - سنة ١٠٧٨ ميلادية - ويقول: وقد تجد في كلام المتأخرين كلاماً حمل صاحبه فرط شغفه بأمور ترجع إلى ماله اسم في البديع - ومنه السجع - إلى أن ينسى أنه يتكلم ليفهم، ويقول ليُبِين؛ ويخيل إليه أنه إذا جمع بين أقسام البديع في بيت فلا ضير أن يقع ما عناه في عمياء، وأن يوقع السامع من طلبه في خبط عشواء، وربما طمس بكثرة ما يتكلفه على المعنى وأفسده كمن ثقل على

стр. 10600

العروس بأصناف الحلي حتى ينالها من ذلك مكروه في نفسها. . . ولن تجد أيمن طائراً، وأحسن أولاً وآخراً، وأهدى إلى الإحسان، وأجلب للاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تركت وما تريد لم تلبس إلا ما يليق بها، ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها. فأما أن تضع في نفسك أنه لابد من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذي أنت منه بعرض الاستكراه وعلى خطر من الخطأ والوقع في الذم الخ. (وبعد) فإن الكلام في هذا الموضوع يطول، ولنجتزئ بهذا المقدار. والآن، إلا يسمح لنا القارئ بأن نعرض عليه شيئاً من منظوم الفتح ومنثوره؟ وأنت تعلم أن شعر الكتاب في الأعم الأغلب إن هو إلا مقطعات من جهة، وليس من النسق العالي كشعر فحول الشعراء من الجهة الأخرى. ومن ثم كان ما رأيناه من شعر الفتح على قلته شعراً وسطاً كما قال لسان الدين بن الخطيب. فمن شعره مما لم يرد في كتبه: لله ظبي من جنابك زارني … يختال زهواً في ملاء ملاح ولي التماسك في هواه كأنه … مروان خاف كتائب السفاح فخلعت صبري بالعرا ونبذته … وركبت وجدي في عنان جماح أهدي لي الورد المضعف خده … فقطفته باللحظ دون جُناح وأردت صبراً عن هواه فلم أطق … وأريت جدا في خلال مزاح وتركت قلبي للصبابة طائراً … تهفو به الأشواق دون جَناح ومنه قوله وقد أورده في قلائد يخاطب أبا يحيى بن الحاج: أكعبة علياء وهضبة سؤدد … وروضة مجد بالمفاخر تمطر هنيئاً لملك زار أفقك نوره … وفي صفحتيه من مضائك أسطر وأين لخفاق الجناحين كلما … سرى لك ذكر أو نسيم معطر وقد كان واش هاجنا لتهاجر … فبت وأحشائي جوى تتفطر فهل لك في ود ذوى لك ظاهراً … وباطنه يندى صفاء ويقطر ومن منثوره مما لم يرد في القلائد ولا في المطمح قوله: معاليك أشهر رسوماً، وأعطر نسيماً، من أن يغرب شهاب مسعاها، أو يجدب لرائد مرعاها، فان نبهتك فإنما نبهت عمرا، وإن استنرتك فإنما أستنير قمراً؛ والأمير أيده الله

стр. 10601

تعالى أجل من أعتصم في ملكه، وأنتظم في سلكه، فإنه حسام بيد الملك طلاقته فرنده، وشهامته حده، وقضيب في دوحة الشرق رطيب، بشره زهره، وبره ثمره، وقد توسمت نارك لعلي أفوز منها بقبس، أو تكون كنار موسى بالوادي المقدس. وعسى الأمل أن تعلو بكم قداحه، ويشف من أفقكم مصباحه. فجرد أيدك الله تعالى صارم عزم لا يفل غروبه، وأطلع كوكب سعد لا يخاف غروبه. . . (وأما بعد) فان أردت التروي من منثور الفتح وبدائعه، فعليك بالقلائد والمطمح، فهما بحق نهران يزخران بالمعجب والمطرب، رحمة الله على هذا الأديب الأندلسي العبقري المبدع. . (تم البحث) عبد الرحمن البرقوقي

стр. 10602

بمناسبة ذكرى المتنبي الألفية دنيا المتنبي إن أهنت الدنيا فانك دنيا … كلها عزة ونبل وجود للسيد أمجد الطرابلسي هكذا المجدُ! هِمَّةُ وصُعودُ … وَحَياةٌ بعدَ الرّدى، وَخُلودُ هكذا المجدُ! صَيْحَةٌ تَمْلأ الأر … ضَ كما تَملأُ الفضاَء الرُّعودُ هكذا المجدُ! وَمْضَةٌ تَبْهَرُ العَي … نَ، وَتُجْلى بها اللَّيالي السّودُ هكذا المجدُ! فَرحةٌ لِبَني الأَر … ضِ وللارضِ والسّماءِ وَعِيدُ هكذا المجد مَجْدُ (أَحْمَدَ) لَحْنٌ … في سَماعِ الدّنيا لَهُ تَرْديد نَفْحَةٌ مِنْ خَمائِلِ الخُلْدِ رَيّا … بِشَذاهُ، وَبُلْبُلٌ غِرِّيد يا نَبِّي القَريض كَمْ لكَ بَيْتٍ … مَلأَ الخاِفَقْينِ وَهْوَ شَرودُ! كم خطاب فَصْلٍ، وَكم مَثَلٍ سا … رَ فَأبلى القُرونَ وَهْوَ جَديد! سائِلِ الأَعْصُرَ الطِّوالَ أَأَوْدى … لكَ فيها بَيْتٌ وماتَ قَصيد؟ يَتوإلى المَدى وشِعْرُكَ باقٍ … وَتَشيخُ الدّنيا وَأَنْتَ وَليد شِعْرُكَ المُسْتَفيضُ في عُنُقِ الأَ … يّامِ دُرٌّ وَلُؤْلُؤٌ مَنْضود أيُّ سَلْوى عَنِ الزّمانِ يَراها … في قَوافيكَ بائِسٌ منْكود أي سَلْوى عنِ الحَبيبِ يَراها … في قوافيكَ ثاكِلٌ مفؤْود شِعْرُك النارُ للجَبانِ سِلاحٌ … وَعَتادٌ وَعَزْمةٌ وَجُنود وَهُتافٌ يُهيبٌ بالنِّكْسِ حَتى … يَرِدَ الكالِحات وَهْوَ جَليد يَستَثِيرُ الاسْرى على الظْلمِ حَتى … يَتَبَزَّى المُقَيَّدُ المَصْفود وَيَهزُّ الدنْيا على الجَوْرِ حَتى … تَتَفَرى سَلاسِلٌ وَقُيود أَيُّها الشاعِرُ الذي أَطْرَبَ الأَجْ … يالَ مِنْهُ الإنْشادُ والتَّغْريد وَغَدا الدهْرُ راوياً وَمُعيداً … لأَغاريدِهِ، وَجَلَّ المُعيد أَيُّها الشّاعِرُ الذي سَحَرَ الأسْ … ماعَ حَتى كأنَّهُ داوُد وَتَغَنَّى بِلَحْنِهِ الفَلَكُ الدَوَّا … رُ وَاليَمُّ وَالرُّبى وَالبِيد

стр. 10603

مِلءُ صَدرِ الزَّمانِ حِكْمَتُكَ المُث … لى وَإرْشادُكَ القَويمُ السَّديد (أَنْتَ في شِعْرِكَ العظيمِ نَبِيٌ) … مُرْسَلٌ مُلْهَمٌ وَأُفْقٌ مَديد وَفُحولُ القَريضِ بَعْدكَ يَرْوي … هِمْ عَلى الدهْرِ بَحْركَ المَرْفود هكَذا الشّعْرُ نِعْمَةُ اللهِ في الأَرْ … ضِ تَغَنَّى بِها الهُوى والنُّجُود يَتَخَطَّى الزَّمانَ جيلاً فَجيلاً … وَيُبيد القرونَ وَهْوَ خَلود يا ابْنَ حَمْدانَ أَنْتَ لَولا أبو الطِّيِّ … بِ أنّى لِذِكرِكَ التّخْليد أَنْتَ أَوْلَيْتَهُ العَطايا جُزافاً … والعَطايا مَعَ الزَّمانِ تَبيد وَحَباك الخُلودَ في مُصْحَفِ العِزِّ … م وَهذا هَو النَّدى والجود أَنت لولاهُ ما رَأَيناكَ في السا … ح، وَلْلحَرْبِ ضَجَّةٌ وَبُنود تَصدعُ الجَحْفَلَ الألَفَّ بِسيْفٍ … مُصْلتٍ حُرِّمتْ عَلَيْهِ الغُمود باسماً تَطْلُبُ الرَّدى مُستميتاً … وَالرَّدى مِنْكَ خائِفٌ مكدود وَفلولُ الأعداءِ تبَغْي عَنِ المْو … تِ مَحيداً وليس ثَمَّ مَحيد كلهم يصرُخُ النجاةَ ويطوي … صفَحاتِ القِفِار وهْوَ شَريد صورَةٌ للنِّضالِ عَيني تراها … في ارتِياعٍ، ومنْظرٌ مشْهود ياأبا الطّيّبِ الزَّكِّي مِنَ الوَحْ … ى ويا أيها الحديثُ الفَريد إنْ أهْنت الدُّنيا فإنَّكَ دُنْيا … كلها عِزَّة ونُبْلٌ وجود قد أبيت الرِّياَء والكونُ خَتْلٌ … ورِياءٌ وخُدْعَةٌ وسجود وحَقَرْتَ الدنيا يموجُ بها الش … رُّ وتَغْلي مطامِعٌ وحُقود وسَئِمْتَ الحياةَ رَتَّقَها الظلْ … مُ وأَوْدى بصفْوِها التَّصْريد يَتلوَّى النَّبيغُ فيها من الجو … عِ ويَعْلو عروشَها الرِّعديد آفةُ المرءِ في الحياةِ شُعورٌ … مستفيضٌ وخافِقٌ مَجْهود ونصيبُ الإنْسانِ بين الجلامي … دِ عذاب وحُرْقَةٌ ونكود وأخو النُّبلِ والإباء بغيضٌ … تتجافى عنهُ الرِّفاقُ، وحيد مُستضامٌ يطوى الحياةَ كميداً … وهْوَ في مُرِّ عيشِه محسود ئِدُ العمرَ في تُرابِ التمني … والأمانِيُّ لَوْعةٌ وجهود

стр. 10604

يا أبا الطيِّب السَّنيِّ منَ الذك … رِ ويا أيُّها الثَّناءُ الحميد ما الذي أشتكى إليكَ وقَلبي … مُفْعَمٌ مُوجع، ودَمعي بدِِيد قد شكوتَ الزَّمانَ والمجدُ مجد … عربيٌّ، وغُصنُه أُمْلود وملِلْت الحياةَ في ظِلَّ (سيفٍ) … وهْوَ فَحْلُ العُروبةِ الصِّنْديد فلعَمري ماذا نبُثُّ ونشكو … بعدَ أن صوَّح التراثُ المجيد؟ قد عفا المُلكُ وانطوى كلُّ عزٍّ … وهوى العرشُ والبناءُ المَشيد (وغدا الحُرُّ من بني الصِّيد عبداً … بينما العبدُ سيِّدٌ معبود) وتمشي الصَّغارُ فوق شبابِ ال … مجد يختال هازِئاً ويسود وبنو الصِّيد نائمونَ على الضَّيْ … مِ فلا غُصَّةٌ ولا تنكيد يا أبا الشِّعر أين منك دويٌّ … هو للظلْم والطغاةِ وعيد أين صَيْحاتُكَ التي تتنادى … بصداها يومَ الزِّحامِ الأسود قُم وصَرِّخْ بين الغُفاةِ مُهيباً … فلقد طالَ بالنِّيامِ الهجود وأثِرْ نخوَةَ الضّراغِمِ حتى … يُرْخِصوا كلَّ مُهجةٍ ويجودوا وصْمةٌ للخلودِ أن تمَّحى العُرْ … بُ، ويَبلى لِواؤُها المعقود ويصيحُ العفاءُ في رَبْعِها القَفْ … رِ، ويُطوى حديثُها الممدود يا أخا المجدِ والمكارِمِ ماذا … في حياةٍ نعيمُها تعقيد؟ لو تَركتَ الدنيا وأهْوالَها السُّحْ … مَ، فإِن الحياةَ فيها جُدود! أنتَ تَبغي السماَء والجَدُّ يأبى … وتروضُ الزَّمانَ وَهْوَ عنيد قد رَكبتَ الأهوالَ في دَرَكِ المُلْ … كِ فلا راحةٌ وَلا تهجيد وقطعتَ القِفارَ يحمِلُك الشَّو … قُ ويحدوكَ حلْمكَ المنشود عْزمةٌ دونَها السُّيوفُ المواضي … وإباءٌ، وَهِمَّةٌ لا تميد وَمَضاءٌ يستعذِبُ الموت وِرْداً … ويفُلُّ الصُّروفَ وَهْو حديد وإذا النفس دُلِّهت بمُناه … فالمنايا خمائلٌ ومُهود حلُمُ يستيبك في أُفق المج … دِ بَهِيٌّ، لا أعيُنٌ وخدود وقدود القَنا سَبتْكَ غراماً … لا قدود عاجِيّةٌ وَنُهود

стр. 10605

رُضتَ صَعبَ الفلا وجُبْتَ الصحارى … ظامئاً يطَّبيك وِرْدٌ بَرُود (وشَققْتَ النّوى إلى العِزِّ حتى … جاَءك الموت في المطاف يصيد فرميتَ السِّلاح بعد حياةٍ … كلها ثورَةٌ وجَهد جهيد ولقيتَ الجَمامَ في كنفِ المو … تِ وقد عزَّ في الحياة الهُمود ثُم ضاقَ الثرى الرحيب وضقت … عنك يا ابْنَ الخلودِ هذي اللُّحود فمحتْ قبرَكَ السِّنون المواحي … ومشى فوقُه الزمانُ المبيد مُتَّ إلا صداك فَهْو مُرِنٌ … هازئٌ بالمَدى الطويل، شديد إن عفا قبرُكَ الضئيل فأنت ال … يوم في كلِّ خافقٍ ملحود أوْ خبا لحنُك الجميل فأنتَ ال … يوم في مِسمع الزمان نَشيد (دمشق) أمجد الطرابلسي

стр. 10606

الشتاء في إنجلترة (ذكرة) للأستاذ عبد الرحمن شكري مقدمة: يسقط الثلج في إنجلترة شتاء على شكل حبات الدقيق فيعلو الأرض والمنزل والأشجار، فيخيل للرائي كأنما قد كسيت الدنيا كساء من القطن، وكأن النهار ليلة مقمرة، وكأنمابياض الثلج من أثر بياض أشعة القمر؛ وتذكى النار في المواقد في البيوت، فكأن ألوان النار ألوان الأزهار الزاهية في جنة الربيع؛ وتذكى نار المواقد وجنات الوجوه، فكأن في المواقد جمراً، وفي الوجوه جمراً؛ وتبحث في القلوب فترى نار الحياة وشرتها، وترى الحب والآمال لم يغض منها برد الشتاء وثلجه. (الناظم) نشر الضريبُ على البسيطة … حلة بيضاء تمحو غبرة الغبراء يسعى على وَضَح النهار كأنما … يسري الفتى في ليلة قمراء فكأنَّ نُورَ البدر ما حَلَّى الثرى … برواء تلك الحلة البيضاء غلب البياض على اصفرار أشعة … تهب النهارَ من اصفرار ذُكاء وعلى المساكن كسوة منه كما … تعلو المفارقَ شيبةُ الشمطاء فإذا مشابهة المشيب كدعوةٍ … للنفس أن تنأى عن الأهواء وإذا استراح لِمُقْمِر من لونه … راء ترى الأحلامَ عينُ الرائي وكأنما زهرا أبيضاً غطَّى الثرى … برواء ثوب الروضة الغناء ولكل لون حسنه كالليلة ال … ليلاء أو كالقبة الزرقاء ولربما اختلف الجمال وفعله … متشابهٌ في أخذة الصهباء وإذا المواقد في البيوت تضاحكت … من شدة الإيقاد والإذكاء خلت الربيعَ سعى إليك بحلفه … والنارَ زهرَ الجنة الفيحاء يُذكى الوجوهَ لهيبُها فتراهما … جمرين يشتعلان في الظلماء

стр. 10607

ما غض من دفءِ الحياة ونارها … ثلج الشتاء على ثرى الغبراء الحب والآمال فوق متونه … كالحب والآمال في الصحراء والقلب قلبٌ حيث كان إذا ذكت … نار الشباب وشِرَّةُ الأحياء عبد الرحمن شكري

стр. 10608

مؤتمر القلوب للأستاذ محمد السيد زيادة بقية المنشور في العدد ١٢٧ وبقيت حزيناً مطرقاً أتفكر في أساليب الشقاء على الأرض حتى أخرجني من الحزن قلب رأيته حائراً بين القلوب موزعاً عليها مجنحاً فوقها!! يجد قلباً آسيا فيميل إليه مشفقاً عاطفاً يسأله عن قصته ثم يواسيه ويعزيه، ويظل مائلاً إليه بشفقته وعطفه حتى يتأكد أنه خفف عنه بعض ألمه. ثم يتركه ويمضي في المجتمع نائحاً يردد في نوحه صدى القصة التي سمعها من ذلك القلب، ويذيع سرها منمقا، ويصورها مجسمة ليتأسى صاحبها ويستعبر سامعوها. . ثم يصادف قلباً آخر متربة فيبذل له قسطه من دموعه ومن عزائه، ثم يمضي إلى سبيله في المجتمع موضحاً ما غمض شارحاً ما تعقد. وهكذا رأيته كالطائر الغريد يقضي كل وقته متنقلاً بين الأدواح والغصون يتسمع الهمس والنبض والأنين، ويتغنى بما يصل إلى حسه من شجو القلوب وأساها، فيصرف في ذلك راحته وهدوءه. ويتهافت على ذلك كأنما هو يؤدي وظيفة يحتم عليه الواجب أن يؤديها. قلت: قلب من هذا القلب المؤمن العطوف الذي يعذبنفسهفي راحتنا، ويصب علينا من مشاعره حنانا ورحمة، وينساب بيننا كما ينساب الجدول في الحديقة بين مختلف الزهور يغيث منها الظامئ، وينعش الذابل، ويرقص المنتعش؟. قالوا: هذا قلب شاعر. . . وما خلق الشعراء إلا رحمة للعالمين. . . قلب كريم يتعذب بين الناس بحنانه، ليزرع الحنان في قلوبهم بعذابه؛ فترينا حياته كيف تكون حياة الملائكة إذا صاروا من بني الإنسان. إن في أحنائه لعالماً فسيحاً تمتزج فيه آلام الناس بآلامه هو فتكون كتلة واحدة من الألم يتفجر من بينها ينبوع فوار من الرحمة ينهل منه كل بائس. لكأنما هو مكلف باستخراج مصيبة لنفسه، من كل مصيبة تنزل بغيره، أو مرسل من عند الله لتخفيف أشجان مخلوقاته. فكم يفتش في مناحي الحياة عن مآسيها وعبرها ليتحمل نصيباً منها! وكم ينقب في أغوار الكيان عن خفاياه ومكنوناته ليحدثالناس عنها! وكم يكد ليخلق من كل ما حوله جنة لكل من حوله!. ولما أنى للمؤتمر أن يبدأ عمله وجدت قلب الشاعر أظهرنا اهتماماً، وأشدنا فرحاً، وأكثرنا

стр. 10609

حركة. وما كدت أعجب لهذا حتى عجبتُ لأكثر منه إذ علمت أنه هو الداعي إلى هذا المؤتمر. وساد الكون فترة ثم وقف قلب الشاعر يقول: دعوتكم إلى هنا اليوم يا إخواني لأنادي فيكم بالوئام فهل أنتم مجيبون؟ إذا كان ذلك، وما أظن إلا ذلك، فلنجمع إذاً أمرنا على إقرار المحبة، وتبادل الوداد والإخلاص بيننا؛ ولنترك إذن كل ما يتعلق في أهداب الحياة من المساوئ والمكارة التي إذا وقع أحدنا في إحداهاوقعفي أخس الصفات وبات مذموماً ممقوتاً؛ ولنتنصُّل إذن من شئ بغيض اسمه البغض، ومن شئ كريه اسمه الكراهية؛ ولنتجنب الوضاعة في تجنب الحقد، ولننبذ الأنانية في نبذ الحسد. ْ لنشرع لنا يا إخوتي سنناً جديداً، ونمشي في نوره إلى المثل الأعلى لنقاوة القلوب. كونوا جميعاً عصبة واحدة كلمتها الدائمة: نحن إخوة فليس بيننا إلا مافي الإخاء من إخلاص ووفاء - كونوا جميعاً قلباً واحداً لا يحمل غير الأيمان والحب. قال قلب الشيخ المصلح: أكرم بك يا قلب الشاعر!! لقد قلت ما أحب دائماً أن أقوله وأن أعمل له. إنك لصورة مني في قالب الجرأة، وأنى لصورة منك في قالب الحياء. ثم تحول إلى الجمع وقال: أنصتوا له يا أعضاء المؤتمر، وأطيعوه، إنه يدعوكم إلى السلام. قال قلب الشاب الساذج المغتر وهو يرقص كالطفل يرى لعبة جديدة له في يد أمه: مرحى. . . مرحى. . . جاء السلام. . . نعم السلام؛ فلنتسارع جميعاً إليه ولنستبشر بالهدوء والطمأنينة. قال قلب الرجل المفسد: كأن لك غرضاً خفياً من وراء ندائك هذا يا قلب الشاعر!! فأنت تدعونا الآن إلى الانصراف عما خلقنا له من عمل وجهاد، والركون إلى ما خلقنا لنحاربه من خمود واستسلام. قال قلب الشاعر: صه يا هذا القلب المتكلم. . . ماذا في السلام من الخمود والاستسلام؟ وهل معنى العمل والجهاد أن نتسابق في الضغائن والأحقاد؟ أعملوا وجاهدوا ولكن فيما فيه الخير والنفع تعيشوا في حدود السلام سالمين. قال قلب المفسد: وكيف نسلم إذا كانت نواميس الطبيعة تحتم علينا إن تختلف طباعُنا، فنختلف بها، فيأخذ كل منا منهجاً لنفسه، فتتعدد الأحوال بتعدد المناهج، فتنجم المشاكل

стр. 10610

فتخلق العناد، وتستلزمالعمل والجهاد. قال قلب الشيخ المصلح: ما أخطرك أيها القلب على كل محيط تندس فيه!! إنك لخبيث وتدافع عن الخبث بقوة هي فجور الخبث وتسلطه وانتقاله من طور الداء إلى طور الوباء. لماذا لم يتكلم غيرك منابذاً دعوة السلام، محاولاً تفنيد الرسالة التي حملها ألينا قلب الشاعر؟ ولماذا لم تبدر من غيرك نذر الخلف ووسائل الشر؟ أليس هذا لأنك مجبول على الخسة وحقارة المبدأ؟. . . ما أقل شأنك عند الله، وماأبعدك عن رحمته، وما أحقك بأن تكون سخرية لكل ساخر!. قال قلب الشاعر: لقد فسد خلقه، ثم أعلن في هذا المؤتمر فساده، ثم دافع عنه الصلاح، ثم أرادأن يجعله نهجاً نتسقل فنعمل به جميعاً. . . ليس بعد هذا حضيض لمنحط، أو قرار لنازل من مستوى الآدميين على دركات منها الوقيعة، ومنها النميمة، ومنها الدس، ومنها الرياء؛ وآخرها التبجح في كل ذلك!! أخرجوه عنا وأبعدوه. فانقضضنا عليه وطردناه، وكان كل منا يشعر إذ ذاك بأن هذا القلب رذيلة تتحكك به، فاتحد شعورنا فشعرنا كلنا بأنه رذيلة تريد أن تسلك سبيلها المظلم في المجتمع، فوجب علينا أن نصدها، بل وجب علينا أن نمحوها. . . ولما طرد من بيننا ذلك القلب الشرير، أو ذلك الشر المتسلط، أو ذلك الخطر المتسلل، أسوأ الطرد كانت لا تزال بيننا قلوب من طبقته، تعمل على شاكلته، فتوجست خيفة، وتضاءلت، والتمست النجاة، وانتدحت المخابئ. ولكنها كانت مع هذا حريصة على أن تظل مدسوسة في المؤتمر، أو مخبوءةفي مسمع مما يدور فيه لتشبع غريزة الحب الاستطلاع التي هي إحدى لوازم عملها، وإحدى دعائم حياتها. وعرفناها فألحقناها بزميلها الذي فضح نفسه حين تكلم، فكان شراَ على نفسه حين أراد أن يكون شراً علينا، وانقلبت عليه سيئات ما عمل قبل أن تصل إلينا. ووقف قلب الشاعر يكرر نداءه، ويستكمل رسالته ويقول: أحسب الآن أننا نجونا من الرذائل بطرد دعاتها ومحبذيها، وأعتقد أننا سنحارب القلوب المضرة ما استطعنا حتى تصير مثلنا أو تنقرض، وأن كلاً منا قد آمن بنعمة السلام، وأننا قد أصبحنا أخوة، ولكن تظل أخوتنا ناقصة حتى نسبغ عليها شيئاً ضرورياً لها هو روح الاخوة. . . فينظر بعضنا إلى بعض دائماً نظرة الاحترام الخالية من الاستصغار أو الاستنكار أو الاستهتار، فليكن
следующие страницы →