← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

في الأدب العربي عكاظ والمربد للأستاذ أحمد أمين (٢) وقد يتفاخر الرجلان من قبيلتين فيفخر كلٌ بقبيلته ومكارمها فيتحاكمان إلى حكم عكاظ كما فعل رجل من قضاعة فاقر رجلا من اليمن فتحا كما إلى ذلك الحكم. ومن كان داعيا إلى إصلاح اجتماعي او انقلاب ديني كان يرى أن خير فرصة له سوق عكاظ، والقبائل من أنحاء الجزيرة مجتمعة، فَمَنْ قَبِلَ الدعوة كان من السهل أن يكون داعيا في قومه إذا دعا إليهم، فنرى قس بن ساعدة يقف بسوق عكاظ يدعو دعوته ويخطب فيها خطبته المشهورة على جمل له أورق فيرغِّب ويرهِّب ويحذِّر وينذر. ولما بعث رسول الله (ص) اتجه إلى دعوة الناس بعكاظ لأنها مجمع القبائل، روى الواقدي أن رسول الله أقام ثلاث سنين من نبوته مستخفياً ثم أعلن في الرابعة فدعا عشر سنين، يوافي الموسم، يتبع الحجاج في منازلهم بعكاظ والمجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلِّغ رسالة ربه ولهم الجنة، فلا يجد أحداً ينصره حتى انه يسأل عن القبائل ومنازلهم قبيلة قبيلة، حتى انتهى إلى بني عامر بن صعصعة فلم يلق من أحد من الأذى ما لقي منهم، وفي خبر آخر أنه أتى كندة في منازلهم بعكاظ فلم يأت حيا من العرب كان ألين منهم، وعن علي بن أبي طالب (ع): إن رسول الله (ص) كان يخرج في الموسم فيدعو القبائل فما أحد من الناس يستجيب له نداءه ويقبل منه دعاءه، فقد كان يأتي القبائل بمجنة وعكاظ ومنى حتى يستقبل القبائل، يعود إليهم سنة بعد سنة حتى كان من القبائل من قال: أما آن لك أن تيأس منا؟ من طول ما يعرض عليهم نفسه حتى استجاب هذا الحي من الأنصار. وروى اليعقوبي أن رسول الله (ص) قام بسوق عكاظ عليه جبة حمراء فقال: يا أيها الناس قولوا لا اله إلا الله تفلحوا وتنجحوا، ويتبعه رجل يكذبه وهو أبو لهب بن عبد المطلب. كذلك كان لعكاظ أثر كبير لغوي وأدبي، فقد رأينا قبائل العرب على اختلافها من قحطانيين وعدنانيين تنزل بها، وملك الحيرة يبعث تجارته إليها، ويأتي التجار من مصر والشام والعراق، فكان ذلك وسيلة من وسائل تفاهم القبائل وتقارب اللهجات، واختيار القبائل

стр. 1087

بعضها من بعض ما ترى أنه أليق بها وأنسب لها، كما أن التجار من البلدان المتمدنة كالشام ومصر والعراق كانوا يطلعون العرب على شيء مما رأوا من أحوال تلك الأمم الإجماعية. وفوق هذا كانت عكاظ معرضا للبلاغة ومدرسة بدوية يلقى فيها الشعر والخطب وينقد ذلك كله ويهذب، قال أبو المنذر: (كانت بعكاظ منابر في الجاهلية يقوم عليها الخطيب بخطبته وفعاله وعد مآثره وأيام قومه من عام إلى عام فيما أخذت العرب أيامها وفخرها) وكانت المنابر قديمة يقول فيها حسان: أولاء بنو ماء السماء توارثوا … دمشق بملك كابرا بعد كابر يؤمون ملك الشام حتى تمكنوا … ملوكا بأرض الشام فوق المنابر فيقف أشراف العرب يفخرون بمناقبهم ومناقب قومهم. . . فبدر بن معشر الغفاري. . . كان رجلا منيعاً مستطيلا بمنعته على من ورد عكاظ فاتخذ مجلسا بهذه السوق وقعد فيه وجعل يبرح على الناس ويقول: نحن بنو مدركة بن خندف … من يطعنوا في عينه لا يطرف ومن يكون قومه يغطرف … كأنهم لجَّة بحر مُسدَف فيقوم رجل من هوازن فيقول: أنا أبن همدان ذوي التغطرف … بحر بحور زاخر لم ينزف نحن ضربنا ركبة المخندف … إذ مدَّها في أشهر المعرف وعمر بن كلثوم يقوم خطيبا بسوق عكاظ وينشد قصيدته المشهورة: ألا هي بصحنك فاصبحينا والأعشى يوافي سوق عكاظ كل سنة، ويأتي مرة فإذا هو بسرحة قد اجتمع الناس عليها فينشدهم الأعشى في مدح المحلق والنابغة الذبياني تضرب له قبة أدم بسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فيدخل إليه حسّان بن ثابت وعنده الأعشى والخنساء فينشدونه جميعا ويفاضل بينهم وينقد فيما زعموا قول حسان: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى فيقول لحسان قلْلَت العدد ولو قلت الجفان لكان أكثر. وقالت يلمعن بالضحى ولو قلت يبرقن بالدجى لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً.

стр. 1088

ودريد بن الصمة يمدح عبد الله بن جدعان بعد أن هجاه فيقول: إليك أبن جدعان أعملتها … محففة للسرى والنصب. . الخ وقس بن ساعدة يخطب الناس خطبته المشهورة فيذكرهم بالله والموت ورسول الله يسمع له، والخنساء تسوم هودجها براية وتشهد الموسم بعكاظ وتعاظم العرب بمصيبتها في أبيها عمرو بن الشريد وأخويها صخر ومعاوية، وتنشد في ذلك القصائد، فلما وقعت وقعة بدر وقتل فيها عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة أقبلت هند بنت عتبة إلى عكاظ، وفعلت كما فعلت الخنساء، وقالت اقرنوا جملي بجمل الخنساء ففعلوا، فعاظمت هند الخنساء في مصيبتها وتناشدتا الأشعار: تقول إحداهما قصيدة في عظم مصيبتها وترد الأخرى عليها، وعلى الجملة فكانوا في عكاظ يتبايعون ويتعاكظون ويتفاخرون ويتحاجون، وتنشد الشعراء ما تجدد لهم، وفي ذلك يقول حسان: سأنشر ما حييت لهم كلاما … ينشر في المجامع من عكاظ فمن هذا كله نرى كيف كانت عكاظ مركزا لحركة أدبية ولغوية واسعة النطاق كما كانت مركزا لحركة اجتماعية واقتصادية. نظام سوق عكاظ كانت القبائل (كما أسلفنا) تنزل كل قبيلة منها في مكان خاص بها، ثم تتلاقى أفراد القبائل عند البيع والشراء أو في الحلقات المختلفة. كالذي حكينا أن الأعشى رأى الناس يجتمعون على سرحة، أو حول الخطيب يخطب على منبر، أو في قباب من أدم تقام هنا وهناك، ويختلط الرجال بالنساء في المجامع، وقد يكون ذلك سببا في خطبة أو زواج أو تنادر وكانت تحضر الأسواق (وخاصة سوق عكاظ) أشراف القبائل. وكان أشرف القبائل يتوافون بتلك الأسواق مع التجار من أجل أن الملوك كانت ترضخ للأشراف، لكل شريف بسهم من الأرباح، فكان شريف كل بلد يحضر سوق بلده، إلا عكاظ فانهم كانوا يتوافون بها من كل أوب). والظاهر أن المراد بالملوك هم الأمراء ورؤساء القبائل الذين يرسلون بضائعهم لبيعها في أسواق العرب كملك الحيرة والغساسنة وأمراء اليمن ونحوهم (وكانت القبائل تؤتي لرؤسائها إتاوة في نظير إقامتهم بالسوق، فقد ذكر اليعقوبي في تاريخه أخبار أسواق كثيرة

стр. 1089

كان يعشرها أشرافها) أي يأخذون العشر. وفي عكاظ كانت القبائل تدفع لأشرافها هذه الإتاوة (فهوازن كانت تؤتي زهير بن جذيمة الإتاوة كل سنة بعكاظ، وهو يسومها الخسف وفي أنفسها منه غيظ وحقد) وكانت الإتاوة سمنا وأقطا وغنما. (وكان عبد الله بن جعدة سيدا مطاعا وكانت له إتاوة بعكاظ يؤتي بها، ويأتي بها هذا الحي من الازد وغيرهم، ومن هذه الإتاوة ثياب). وكان الأشراف يمشون في هذه الأسواق ملثمين، ولا يوافيها (عكاظ) شريف إلا وعلى وجهه برقع مخافة أن يؤسر يوما فيكبر فداؤه، فكان أول من كشف طريف العنبري، لما رآهم يطلعون في وجهه ويتفرسون في شمائله، قال: قبح من وطّن نفسه إلا على شرفه، وحسر عن وجهه وقال: أو كلما وردت عكاظ قبيلة … بعثوا إليّ عريفهم يتوسم فتوسموني إنني أنا ذلكم … شاكي السلاح وفي الحوادث معلم إلى آخر الأبيات. وكان على سوق عكاظ كلها رئيس إليه أمر الموسم وإليه القضاء بين المتخاصمين، قال أبو المنذر: وتزعم مضر أن أمر الموسم وقضاء عكاظ كان في بني تميم. . . وكان من اجتمع له ذلك منهم بعد عامر بن الظرب العدواني سعد بن زيد بن مناة من تميم، وقد فخر المخبل بذلك في شعره: ليالي سعد في عكاظ يسوقها … له كل شرق من عكاظ ومغرب حتى جاء الإسلام فكان يقضي بعكاظ محمد بن سفيان بن مجاشع تاريخ عكاظ: من العسير جدا أن نحدد بدء عكاظ فلم نجد في ذلك خبراً يصح التعويل عليه. يقول الآلوسي في بلوغ الأدب (انها اتخذت سوقا بعد الفيل بخمس عشرة سنة) ولكن إذا بحثنا في الأحداث التي رويت في عكاظ وجدنا ذلك غير صحيح فهم يروون (كما قدمنا) أن عمرو بن كلثوم انشد قصيدته في عكاظ وعمرو بن كلثوم كان على وجه التقريب حول سنة٥٠٠ م. كذلك إذا عدنا إلى ما رواه المرزوقي في الأزمنة والأمكنة عن رؤساء عكاظ وجدنا انه

стр. 1090

عدهم قبل الإسلام عشرة أولهم عامر بن الظرب العدواني. وهذا (من غبر شك) يجعل تاريخ عكاظ أبعد مما يحكي الآلوسي بزمان طويل كذلك يروي الأغاني ان عبلة زوجة عبد شمس بن عبد مناف باعت أنحاء سمن بعكاظ. وظلت سوق عكاظ تقوم كل سنة وكانت فيها قبيل الإسلام حروب الفجار، وهي حروب أربع وكان سبب الأولى على ما يروى، المفاخرة في سوق عكاظ. وسبب الثانية تعرض فتية من قريش لأمرأة من بني عامر بن صعصعة بسوق عكاظ. وسبب الثالثة مقاضاة دائن لمدينهِ مع إذلالهِ في سوق عكاظ، وسبب الأخيرة أن عروة الرجال ضمن ان تصل تجارة النعمان بن المنذر إلى سوق عكاظ آمنة فقتله البراض في الطريق. فكلها تدور حول سوق عكاظ وهذه الحروب كانت قبل مبعث (النبي ﷺ بست وعشرين سنة وشهدها النبي وهو ابن أربع عشرة سنة مع أعمامه وقال: كنت يوم الفجار أنبل على عمومتي واستمرت هذه الحروب نحو أربع سنوات. وقد كانت هناك نزعتان عند اشراف العرب، نزعة قوم يقصدون إلى السلب والنهب وسفك الدماء لا يصدهم صاد ولا يرعون حتى الأشهر الحرم ويتحرشون بالناس فيمد أحدهم رجله في سوق عكاظ ويتحدى الأشراف مثله أن يضربوها فتثور من ذلك الثائرة. وفريق يميل إلى السلم ودرء اسباب الحروب ونجاح التجارة والأسواق بتأمين السالكين وعدم التعرض لهم بأذى. جاء في تاريخ اليعقوبي: (انه كان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا (المحلون) وكان فيهم من ينكر ذلك وينصِّب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة (المحرمون) فأما المحلون فكانوا من أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة وقوم من بني عامر بن صعصعة وأما الذادة المحرمون فكانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة بن زيد مناة وقوم من هذيل وقوم من بني شيبان. . . فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس. وكان من اشهر الداعين إلى السلم عبد الله بن جدعان فقد كان إذا اجتمعت العرب في سوق عكاظ دفعت أسلحتها إلى ابن جدعان ثم يردها عليهم إذا ظعنوا، وكان سيدا حكيما مثرياً.

стр. 1091

ويظهر أن أصحاب هذه النزعة الثانية وهم الذادة هم الذين سموا هذه الحروب حرب الفجار لما ارتكب فيها من الفجور وسفك الدماء وهم الذين تغلبوا فيما بعد ونجحوا في وقف هذه الحروب (ودعوا الناس أن يعدوا القتلى فيدوا من فضل. وان يتعاقدوا على الصلح فلا يعرض بعضهم لبعض) وربما كان من أثر ذلك حلف الفضول وقد عقد في بيت عبد الله بن جدعان هذا. واستمرت عكاظ في الإسلام وكان يعين فيها من يقضي بين الناس، فعين محمد بن سفيان بن مجاشع قاضيا لعكاظ وكان أبوه يقضي بينهم في الجاهلية وصار ذلك ميراثا لهم. ولكن يظهر ان هذه الأسواق ضعف شأنها بعد الفتوح فأصبحت البلاد المفتوحة أسواقا للعرب خيراً من سوق عكاظ، وصار العرب يغشون المدن الكبيرة لقضاء أغراضهم، فضعفت أسواق العرب ومنها عكاظ. ومع ذلك ظلت قائمة وكان آخر العهد بها قبيل سقوط الدولة الأموية. قال الكلبي: (وكانت هذه الأسواق بعكاظ ومجنه وذي المجاز قائمة في الإسلام حتى كان حديثا من الدهر، فأما عكاظ فإنما تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأسدي الأباضي في سنة١٢٩ خاف الناس ان ينهبوا وخافوا الفتنة فتركت حتى الآن، ثم تركت مجنه وذو المجاز بعد ذلك). واستغنوا بالأسواق بمكة وبمنى وبعرفة. . . وآخر سوق خربت سوق حباشة خربت سنة١٩٧. أشار فقهاء أهل مكة على داود بن عيسى بتخريبها فخربها وتركت إلى اليوم. فعكاظ عاصرت العصر الجاهلي الذي كان فيه ما وصل إلينا من شعر وأدب، وجرت فيها أحداث تتصل بحياة النبي (ص) قبيل مبعثه، مهدت السبيل قبيل الإسلام لتوحيد اللغة والأدب وعملت على إزالة الفوارق بين عقليات القبائل، وقصدها النبي (ص) يبث فيها دعوته، وعاصرت الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين والعهد الأموي ولكن كانت حياتها في الإسلام اضعف من حياتها قبله، وبدأ ضعفها من وقت الهجرة لما كان من غزوات وحروب بين مكة والمدينة او بين المؤمنين والمشركين، فلما فتحت الفتوح رأى العرب في أسواق المدن المتحضرة في فارس والشام والعراق ومصر عوضا عنها، ثم كانت ثورة أبي حمزة الخارجي بمكة فلم يأمن الناس على أموالهم فخربت السوق، وختمت صحيفة لحياة حافلة ذات اثر سياسي واجتماعي وأدبي.

стр. 1092

من طرائف الشعر شوقية لم تنشر وهذه قطعة اخرى من أدب الأطفال عنوانها (الرفق بالحيوان) نظمها شاعر الخلود شوقي بك ولم تنشر. الحيوان خّلْق … له عليك حق سخرَهُ الله لكا … وللعباد قبلكا حمولة الأثقال … ومرضع الأطفال ومطعم الجماعة … وخادم الزراعة من حقه ان يرفقا … به وألا يرهقا ان كلَّ دعه يسترح … وداوه إذا جرح ولا يجمع في داركا … أو يظم في جواركا بهيمة مسكين … يشكو فلا يُبين لسانه مقطوع … وما له دموع

стр. 1093

بين صياد وأسد للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي // لاقى أسامة وهو الضيغم الضاري … في الغاب صياد آساد وإنمار فقال واليدُ تحوي بندقيته … يلقي عليه سؤال العاتب الزاري يا ليث قل لي: لماذا أنت ذو ولعٍ … بقتل باقورة ترعى وبَقار فقال بالقتل يغريني السعار فسل … من كان يقتل لهواً بالدم الجاري وقد أحاول قتل النفس مثئرا … والقتل للهو غير القتل للثار وربما اضطرني للقتل معترض … وما على القاتل المضطر من عار القتل فيه حياة لي سأشكر من اجله من … له حياتي بأنياب وأظفارِ أصوم يومي وحسبي أن يكون على … دم عبيطٍ لظبي صدتُ إفطاري لأنت أضعف مخلوق ويدهشني … ما في سلاحك من سحر وأسرار ان القضيب الذي تلهو يداك به … يكاد يخطف منه البرق إبصاري وتعتري رجفة مني الفؤاد لدى … سماع صوت له كالرعد هدار وهذه الأرض من خوفي سأهجرها … فلست تسمع بعد اليوم أخباري لأنت أعدى عدو لي يطاردني … وأنت أجدر من عاد بإكباري قد كنت أحمي عريني أن يطوف به … وحش وأني ذاك القسوَر الضاري إذا زأرتُ فإني مثل راعدة … أو انقضضت فاني شبه إعصار وقد أهاجم جاموسا فاصرعه … بضربة من يميني ذات آثار ما اكثر الوحش في الآجام وأغلة … وما بها كل ذي ناب بمغوار واليوم إني على ما فيّ من ثقةٍ … بقوتي خائف من زندك الواري الليل منك إذا ما جن يسترني … أما النهار فواشٍ غير ستار إني أقر بأوزاري التي عظمت … لو كان يذهب إقراري بأوزاري ان كنُت أقتل ذا شر يهاجمني … فقد قتلتم الوفا غير أشرار بالسيف، بالنار، بالغازات خانقة … وبابتعاث الوباء الفاتك الساري ونحن إما أردنا البطش ننذركم … وتفتكون بنا من غير إنذار

стр. 1094

ندنو فنقتل بالأنياب عن كثب … وتقتلون برغم البعد بالنار كانت لنا الأرض ملكا قبل خلقكم … من صلب قرد طريد آكل الفار سل إن شككتَ رجال العلم يعترفوا … بما أقول وما ذو الجهل كالداري بلى أضرُّ إذا ما وجعت مفترسا … لكني لست في شبعي بضرار \ لا أوثر القتل حُباً في محاسنه … بل ان في حاجتي بعثاً لإيثاري خلقت ليثا هصوراً وسط غابته … ولم أكن أنا في خلقي بمختار إني بكوني رِئْبالاً لمفتخرٌ … فلا تعيبنَّ أخلاقي وأطواري وجدت في الغاب نفسي ضاريا أسداً … فهل يعير مني الهازئ الزاري؟ ولست تعلم ما نفسي ترى حسناً … فان رأسك يحوي غير أفكاري أما الحياة فليست مثل ما زعموا … مقسومة بين أشرار وأبرار أدير عيني في الأحياء أرقبها … فلا ألاقي أمامي غير أشرار ان القوي ليبقى والحياة وغى … في البرِّ في البحر، في الأجواءِ في الغار ولا يعيش عزيزا غير مجترئ … ولا يموت ذليلا غير خوار تود سجني لو تستطيع في قفص … ويمقت السجن حر شبل أحرار الخريف والزهرة همس الخريف لغرسة فواحة … ضحك الربيع لها وبرعم عودها اليوم يرقصك النسيم وتلتوي … بيد النسيم من الزهور قدودها اليوم تفرح بالربيع خمائل … جليت مطارف زهوها وبرودها اليوم تسكركِ الطير وتسمعي … ن على الغصون مرنما غريدها لكن غدا! وغدا إذا خف الهوى … وذوت أزاهير المنى وورودها يمشي الشحوب على محاسنك التي … سطعت يزيل خطوطها ويبيدها وأمد كفي للزهور تهزها … تيهاً، فيفرط شذرها وفريدها فذري حياة للعذاب تألفت … ويل الشقاء يشوبها ويعودها قالت حياتي يا خريف عزيزة … وأنا على رغم الشقاء أريدها أنا كالغواني تستلذ العيش ما … فتئت تشع ميولها وخدودها

стр. 1095

قال الخريف: أميتها وتميتني … قال الربيع: تعيدني وأعيدها خليل هنداوي عبقر لأسرة المعلوف قدم سابقة في الأدب، وعبقرية خالقة في الشعر، ورحم الله فوزي المعلوف فقد ابتدأ الشعر من حيث انتهى غيره ولو لم يحتضر وهو في ريق العمر لأرى الناس كيف يتحضر الشعر ويتجدد الأدب. وقد نبغ اليوم من هذه الأسرة الكريمة الشاعر الشاب شفيق المعلوف: فقد نظم ملحمة عنوانها (عبقر) ثم نشرها في البرازيل. وسنكتفي اليوم باختيار شيء منها على ان نعود إلى الكلام عنها في عدد قادم. قال من الفاتحة: يا يقضة تنفض عن مقلتي … إغفاءة طارت وحلماً نأى ان الضحى صعد أنفاسه … على سراجي فغدا مطفأ ومن تكن حالته حالتي … لم يستعض بالسيئ الأسوأ ما الفرق في نومي وفي يقظتي … وكل في يقظاتي رؤى؟ شيطان الشاعر: على الربى استلقى شعاع الضحى … يعبث فيه الأرج العاطر فعانق الزهر وضمتهما … غمامة علقها الناظر غمامة بينا أراها إذا … شيطان شعري تحتها سائر كأنه لما بدا خفية … أظهره فوق الثرى ساحر في فمه من سقر قطعة … منها يطير الشرر الثائر ووجهه جمجمة راعني … أنيابها والمحجر الغائر كأنما محجرها كوة … يطل منها الزمن الغابر أقبل نحوي قائلا إنني … طوع لما يقضي به الآمر أتيت والليل طوى ذيله … فعم صباحاً أيها الشاعر قلت لشيطاني: أمن حالق … أتيتني ام من شقوق الثرى؟

стр. 1096

فقال إني جئت من بقعة … خافية تدعونها عبقرا تسوس فيها الجن عرافة … ترى بزجر الطير ما لا يرى الشعر ولاّها شياطينه … فسادت الهوجل والهوبرا ساحرة مطلسم مسحها … تطوي بها الأجيال والأعصرا تقفوا السعالي أثرها كلما … أججت المندل والعنبرا جن من النور جلابيبها … في كل سعلاة ترى نيرا تضطرب الأرض متى أقبلت … قاذفة عزيفها المنكرا فقم بنا صاح إلى عبقر … نجوس ذاك المجهل الأوعرا وانطلق الشيطان في الجو بي … كأنه النيزك أو أسرع مكنت من فقاره قبضتي … مندفعا أصنع ما يصنع حتى تهاوى بي إلى موضع … ما راقني من قبله موضع غمائم زرق على متنها … منازل جدرانها تسطع تثور في أبراجها ضجة … بها يضيق الأفق الأوسع فقال هذي عبقر ما ترى … وضجة الجني الذي تسمع عزت على الأنس فمن حولها … أبالس الأبراج تستطلع أنحاؤه الأربع مرصودة … تحرسها الزعازع الأربع ما أفلت الإنسي من زعزع … الا تلقى صدره زعزع الشهوة: جنية تمعن في وثبها … كأن شيئا حولها راعها حُلَّتها كالضوء شفافة … عن بشرة تزيد إشعاعها كأنما الشمس التي كورت … من حلقات النور أضلاعها ألقت إلى الأرض بما أبدعت … ليكبر العالم إبداعها إن بسطت ذراعها أحجمت … ملتاعة تود إرجاعها ثم أراها وهي مأخوذة … تطوي على ما لا أرى باعها من عالم الأجساد مبلوَّة … بنهمة تود إشباعها

стр. 1097

لشهوة في نفسها طاردت … في ظلمة الأدغال اتباعها تعانق الأرواح حتى إذا … خابت مضت تحمل أوجاعها شفيق المعلوف

стр. 1098

في الأدب الشرقي من الأدب التركي الحديث بين صديقين من ريف الأناضول إلى خمائل الأستانة للكاتب الاجتماعي يعقوب قدري من يدري مدى الحيرة التي تنتابك والدهشة التي تستولي عليك حينما يقع بصرك على إمضائي في آخر هذه الرسالة؟ فقد انقضت أعوام وأنا لم اكتب حرفا وأنت لم تخط إلي سطرا. ولا ريب انك ستجد في صوتي الذي اخترق حجاب هذا الصمت الطويل رجعا لصدى غريب من أصداء ما وراء الطبيعة. وهل أنا (والحق يقال) إلاّ رجل يخاطبك من وراء الطبيعة ويناديك؟؟ ان هذه الحرب الطاحنة والفوضى الجارفة قد بدّلتا كل شيء؛ حتى اصبح كل من خرج منهما سالما ذا أنباء وأخبار كأنما هو بأسرار القيامة عالِمْ وعلى أدوار ما قبل التاريخ واقف. ان هذه السنين الخمس من أعمارنا مملوءة بحوادث خمسة عصور، فالأشياء التي كنا نعلمها والملامح التي كنا نعهدها قد أصبحت غريبة عنا ليس بها من عهد. وأنا اليوم لا أجد في نفسي القدرة على أن أتتذكر أيام الصبا التي كنا نقضيها مجتمعين والكتب التي كنا نقرؤها مشتركين والأعمال التي كنا نقوم بها متعاضدين والخيالات التي كنا نبني عليها سعادتنا متفائلين، وكل ما أستطيع أن أتذكره أننا لم نكن في تلك الأيام أسعد بالا ولا أحسن حالاً منا في هذه الأيام. وأنا أريد ان أوضح لنفسي هذا بنفسي فلا أوفق، فيخيل إلى الآن إنني كنت بإنشاد الشعر مشغوفا، وانك كنت بالرسم مفتوناً، ففي السنة الأولى من عهد الانقلاب كنت أنا في عالم الآداب شاعرا معروفا بعض المعرفة، وكنت أنت في عالم الصناعة النفيسة رساما مشهورا بعض الشهرة وأننا كنا اكثر رفاقنا اهتماما للملبس واكتراثا للمسكن واحتفالاً بالمأكل: فكنا نقضي أيامنا بالذهاب إلى المآدب الفاخرة او بالسعي في ترتيب الملاهي الساهرة.

стр. 1099

على أنني أتذكر ان شهرتنا الصغيرة وثروتنا التي كانت تمهد لنا السبيل إلى رغباتنا والإعجاب الشديد الذي كان يظهره رفاقنا بنا، كل ذلك لم يكن ليروي ظمأ نفوسنا الصادية، ولا ليطفئ حرارة قلوبنا المتأججة. وكنا إذا ما انفردنا بأنفسنا نتشاكى ما يجول في خواطرنا من رغبات، وما يختلج في ضمائرنا من نزعات: فلطالما كنا نحتقر محيطنا وبيئتنا، ونشمئز من عالمنا وإقليمنا، فكانت ضالتنا المنشودة، أوربا. . . . وكنا حين نسير في الشوارع، إذا تطاير إلى أثوابنا الوحل، أو تناثر على أحذيتنا الغبار، اشمأزت نفوسنا، واكفهرت وجوهنا، وزفرنا زفرة وصحنا: (هل يستطيع الإنسان ان يعيش في هذه البلاد؟!) وأخيراً ذهبت أنت إلى روما، وأنا إلى باريس. ولكن يخيل إليّ ان تلك الرسائل التي كنت ترسلها إلي من روما، وأرسلها اليك من باريس، كانت مملوءة بنفس الشكاوي، مغمورة بعين الأحزان. فكنت تقول: (ان مظاهر الصنعة الباهرة، ومشاهد الفن الساحرة، لا تكفي لترويح روحي المعذبة، وتسكين نفسي المضطربة، وبالرغم من وجودي بين الجدران، وتحت السقوف التي زيَّنها (ميخائيل آنجلو) و (رفائيل) بريشتهما البديعة، فإنني منقبض النفس ولهان، مشرَّد الفكر حيّْران وان ذلك السجين الذي يحبس في الأقبية الضيقة ذات الهواء الفاسد، والحلك الدامس، لا يعرف معنى القسوة والشدة، مثلما أعرف فما الذي أريد، وعما أبحث؟. . .) هكذا كنت تقول، وكنت أجيبك: (أجدني في هذه المدينة الكبرى وحيدا، أرجو السلوان فلا أجده، والتمس العزاء فلا ألقاه. فمن أنا بين هذه الجموع الغفيرة، ومن يدري بي؟ فان الجنون والخبال كادا يخالطاني لولا كتبي التي كانت تعيد إلى نفسي الأمل والتفاؤل بين الفينة والفينة!) لم يمضِ زمن طويل حتى عدنا أدراجنا إلى الأستانة، فكنت أنت قد سئمت الرسم، وكنت أنا قد تركت الشعر. فكنت أقول: (قد قيل كل شيء، وشعر بكل شيء، فما الفائدة من ترديد الأقوال التي مجتها الاذواق، وتكرير الاحساسات التي نفرت منها الأسماع؟؟) وكنت تقول: (ما الذي يرسمه الإنسان ويصنعه، بعد ان رأى جدران كنيسة (سيكستين)

стр. 1100

المزخرفة البديعة وسقوفها الملونة الجميلة؟ فيجدر بالرسام اما ان يكون فناناً كأنجلو، واما ان يترك الرسم لأهله). وكانت الحياة تمتد أمامنا وتنبسط، ونحن نسير يمنة ويسرة كالتائه في البادية القفراء التي لا حد لها ولا نهاية. فكنا في وطننا وبلدنا، وبين أخداننا وخلاننا، مهذارين لا عمل لنا ولا شغل، نطوف الشوارع حيارى، ونجول في الأزقة كسالى. وكنت كلما استيقظ من النوم افتح عيني وأنا في سريري وأقول: (يا إلاهي! كيف أقضي هذا اليوم أيضاً؟!) وأئنُّ أنيناً شجيَّا كأن بين جنبي داء مبرحاً وفي أحشائي ناراً ملتهبة، وهكذا كنت أضيق بالحياة ذرعاً، واسخط على العالم كرهاً، وبينا أفكر ذات صباح في عثار جدي، إذ خطر ببالي خاطر لم أفكر فيه من قبل: ذلك هو خاطر الذهاب إلى مزرعة أبي، لعل الهم يسري عني قليلاً، والغم يهجرني ملياً. فكنت تضحك مني يا أخي، وأنا أفارق الأستانة ضحكا مشوبا بالألم، وممزوجا بالحنان وتقول: (الحياة الريفية في الأناضول؟. . . ان ذلك لبعيد عنك؛ وسوف نرى!!) ها قد مضت ستة أعوام: أنا هنا! ولا أكذبك إنني تألَّمت في أوائل قدومي، فساورني الهم والشجن واستولى عليَّ الغم والحزن؛ ولكني باعدت عن نفسي تلك الهموم، وشمرت عن ساعد الجد وأخذت أسعى وأتعب، بعد ان سئمت الحياة المدنية المتكلفة، وضجرت من العيشة البلدية المتصنعة فملت إلى الأرض أفلحها، وإلى الحيوانات أخدمها، وإلى الزروع أتعهدها. ولم تمضِ سنة واحدة على مجيئي حتى حوَّلت ذلك البناء الصغير إلى قصر كبير، وتلك البحيرة الكدرة الآسنة التي كانت للجواميس مقيلاً، وللخيول مشربا، إلى بحيرة صافية الماء، طيبة الرائحة. وكان يخترق المزرعة جدول أجرد ليس على ضفتيه نبات ولا شجر فأصلحت مجراه وغرست على جانبيه أشجار الصنوبر، فغدا اليوم روضة ذات منظر يملأ العين، ويبهج القلب. وان تلك الأراضي الواسعة الجرداء، والبراري الشاسعة القفراء، قد استرجعت حيويتها بفضل السماد والعناء، فأخذت تدر علينا الحب الكثير، والرزق الوفير. واما أنا يا أخي! فرئيس (أغا) قرية، تراني وأنا أجول في الأراضي، وأطوف في البراري ممتطياً صهوة جوادي، قابضا على سوطي، محمر الخدين، مخشوشن اليدين، قد أكسبني

стр. 1101

العمل قوة العضلات، ووهبني الجهد حدة النظرات. نعم! ان مسعاي قد أصابه اثناء الحرب بعض الإخفاق، ومزرعتي قد امتدت إليها يد الإملاق، وذلك لتلبية الشبان داعي الدفاع عن الوطن، وكان يجدر بي أنا أيضا الذهاب حيثما ذهبوا والتوجه أينما توجهوا، ولكن الأرض لم تدعني أذهب، ولم تتركني أجيب. ففضلت البقاء بين الأطفال والنساء أسعى لسد عوزهم وقضاء حاجتهم. وأنا يا أخي ما كتبت اليك هذه الرسالة الا لتعرف ان السعادة قد توجد في الأماكن التي لا تخطر على البال، والمواضع التي ليست بذات جمال، ولتعلم انها لا تتوافر بالشهرة ولا الثروة ولا بالسفاهة والعزلة، وإنما تتوفر بالعمل المنتج في الارياف، والسعي المتواصل في المزارع. فانك إذا كنت لا تزال في ذلك المكان المظلم الضيق الذي تركتك فيه، فاسمح لي أن أقول ان كل جهد تبذله فيما لا يثمر ضلالة عمياء تبعث القلق والندم، وكل سعي تقدمه فيما لا ينتج جهالة صماء توجب الخيبة والخذلان. سورية. الريحانية. عمر لبسروق

стр. 1102

في الأدب الغربي لامرتين والخريف لامرتين شاعر رائق الفكر سليم الأسلوب رقيق العبارة. وهو واحد من شعراء فرنسا المجيدين في القرن التاسع عشر. وإليه يعزى الفضل في إحياء الشعر الغنائي الفرنسي الحديث. حياته: ولد في ماكون في (٢١ - ١٠ - ١٧٩٠). وكان ابوه ملكيا متحمسا. وقد اضطر بعد عهد الإرهاب إلى الاعتكاف في ضيعته في بلدة ميلي مقربة من مسقط رأسه ماكون. وهناك شب ونما في أسرة حنون ومناظر طبيعية غاية في الجمال. وقد ألقيت مقاليد تربيته إلى قسيس كريم كان لحبه للأقاصيص وكلفه بها أثر كبير في لامرتين حين كتب قصته (جوسلان أرسله أبوه بعد ذلك إلى كلية ليون ثم إلى مدرسة بليه الاكليريكية. وكانت دراسته حتى ذلك الحين ضئيلة تافهة قومها بعد خروجه من المدرسة بمطالعاته العديدة وبإمعانه النظر في الطبيعة وبجريه وراء الأحلام والخيال. انتظم عام ١٤ في فرقة حرس الملك لويس الثامن عشر، ولم يتركها الا بعد (المائة يوم). وفي عام ١٨٢٠ نشر مجموعة من الأشعار باسم (التأملات). وقد لاقت هذه المجموعة نجاحا منقطع النظير، وكان لها اثر كبير في شهرة لامرتين وتوجيه حياته في طريق العظمة والمجد. وفي العام التالي عين كاتبا لسر المفوضية الفرنسية بفلورنسا. ونشر عام ١٨٢٣ مجموعة شعرية جديدة سماها (التأملات الجديدة) ثم دخل، بعد ذلك بسبع سنين، (الاكاديمية الفرنسية) وعكف علىّ الرحلة والأسفار فزار بلاد اليونان وسوريا وفلسطين. وكتب عند عودته، سياحة في الشرق. غير ان الحياة السياسية جذبته إليها فرغب فيها، ومال إليها فرشح نفسه للنيابة وفاز في الانتخاب عام ١٨٣٣ دون ان يكون له آراء أو مبادئ سياسية مرسومة محددة، ثم اندمج شيئا فشيئا في صفوف المعارضة. ووجهته أشعاره نحو الآراء الديمقراطية فاستقبلها وحفل بها. ويبدو ذلك جليا واضحا في مؤلفه (تاريخ الجيرونديين) عام ١٨٤٧. وقد ساعد على

стр. 1103

سقوط الملكية بتمهيد الطريق لثورة يولية ١٨٣٠ التي انتهت بخلع شارل العاشر، وبتنصيب مجلس النواب الفرنسي دوق أورليان (لويس فيليب فيما بعد) ملكا على الفرنسيين. وانتخب لامارتين عام ١٨٤٨ وزيرا للخارجية في الحكومة المؤقتة التي تألفت من الجمهوريين والاشتراكيين حين ملَّت فرنسا حكم فيليب، الا أن لامارتين اضطر إلى اعتزال السياسة والعودة إلى الحياة الخاصة بعد ان حلَّ لويس نابليون المجلس وشتت أعضاءه عام ١٨٥١. وقد كانت كهولة لامرتين محزنة اذ اضطر تحت عبء الحاجة للمال إلى الانقطاع إلى الإنتاج العاجل المهين لعبقريته والقاتل لذكائه. وقضى في ٢٥ - ٢ - ١٨٦٩م بعد ان باع اكثر عقاره الموروث. شعره: هو شاعر عظيم ولكنه ليس بفنان موهوب، هو (هاوي الشعر) كما يقول هو عن نفسه. وهو لا يستطيع حين يعوزه الوحي والإلهام ان يفعل مثل غيره من الشعراء فيلجأ إلى كفاءته ومقدرته في الصياغة والتأليف ليسد بها حاجته وليشبع بها رغبته. غير ان مجموعة أشعاره الأولى (التأملات) تكفي من غير شك لأن تجعل من لامرتين شيخا للشعر الفرنسي الحديث. وقد ساعد على ذلك ان مجموعته الشعرية هذه تضمنت كل الصفات الغنائية التي فاتت شعراء القرن السالف الذين كانوا ينظمون أشعارا موسيقية في كل الموضوعات دون ان يفيضوا عليها شيئاً من أرواحهم. اما لامرتين فينشدنا ما أحس من فرح أو حزن ومن سرور أو ألم ومن راحة أو وصب. وعبقرية لامرتين في مرونة أشعاره وتنوعها وفي تعبيره الدقيق عن العواطف السامية والإفصاح عنها الإفصاح كله. وهو شاعر الطبيعة. عرف روح الأشياء وكنهها دون ان يتجشم مرة محاولة تصويرها وتلوينها وهو يحب على الأخص ساعات الغسق وفصل الخريف الذي تمتزج بمظاهره الأخيلة والأوهام في رقة وعذوبة. وهكذا يتلاشى فكره الذي ليس له من غاية محدودة في سحابات مبهمة عديدة وهو بعد ذلك يعرف كيف يستخلص لنا منها فكرة ويفصح عما يجول في خاطره في موسيقى عذبة جذابة.

стр. 1104

وقد بلغ لامرتين بوضوح الأسلوب وصفائه وتوافق نظمه وإيقاعه (وهما خلتان لازمتان للكاتب) درجة لم يبلغها شاعر قط. وقد أبدع لامرتين (دون تكلف أو جهد أو صقل) في نظم أشعاره وترقيتها وتنغيمها. غير ان البساطة والسهولة اللتين نظم بهما أشعاره أساءتا إليه من حيث لا يدري، فقد جعلتاه عرضة للسهو واستعمال العبارات المبهمة الغامضة والقوافي النابية الركيكة وذلك نجده بوضوح حتى في القطع الجيدة القليلة من شعره. مؤلفاته: كتب لامرتين، غير أشعاره الغنائية التي أشهرها (التأملات الشعرية) و (التأملات الجديدة) أشعاراً اخرى قصصية وفلسفية نذكر منها (موت سقراط وجوسلان وسقوط ملاك). هذا إلى مجموعة من المذكرات والقصص مثل (رحلة في الشرق وروفائيل جرازيلا). وقد كتب أيضا في التاريخ (تاريخ الجيرونديين) ولم ينس في أخريات أيامه أن يكتب (دروسا عامة في الأدب). والقطعة التي اعرض لترجمتها اليوم هي قطعة من مجموعة أشعاره التأملات الأولى. وقد كتبها في خريف عام ١٨١٩. ولم تكن حالته الصحية وقتئذ على حال من الثبات والاستقرار. فقد كان نهبا لشتى الآلام والعلل. هذا إلى صدمة تلقاها من قبل اذ رفضت خطبته الآنسة ماريان اليسا بيرسن الإنجليزية التي أصبحت له فيما بعد زوجة. وهو يشير في الفقرة السابعة إلى هذا الأمل الضائع. وقد أوحى بها إلى لامرتين نوبة حادة من الحزن والكمد وقد صار موضوعها من الموضوعات التي يتميز بها شعر جماعة (الرومانتكيين). فالخريف؛ صورة من الفناء والموت يحمل بين طياته الحسرة والندم على السعادة الذاهبة. وقد كتب في هذا الموضوع نفر من الشعراء الإنجليز والفرنسيين الا ان لامرتين اسبغ عليه فيضا من التغييرات الدقيقة استخلصها من حس رقيق وخيال واسع وقريحة خصبة. قال: ١ سلام عليك أيتها الخمائل المكللة بفضلة من الخضرة! ويا أيتها الأوراق المصفرة المتناثرة

стр. 1105

على العشب سلام عليك أيتها الأيام الأخيرة الجميلة! ان حداد الطبيعة يلتئم وألمي ويتفق ومشاربي. ٢ وها أنذا أسير في الطريق المنعزل حالماً مفكِّراً ويحلو لي ان أرى ثانية وللمرة الأخيرة الشمس الكاسفة وقد أخذ شعاعها الواهي الضئيل يكشف الطريق بعد لأي لقدمي وسط ظلمة الخمائل الحالكة. ٣ حقاً أني أجد في لحاظ الطبيعة المحجبة حين تقضي في أيام الخريف جاذبية وسحرا، انها وداع صديق، بل هي ابتسامة لشفتين سيلجمهما عما قريب الموت إلى الأبد. ٤ وها أنذا وقد شارفت أفق الحياة، ما زلت أتلفت وأنا ابكي أمل أيامي الطويلة المتلاشي، وانعم نظري في حزن وحسرة في محاسن الحياة التي لم أتمتع بها بعد. ٥ يا أيتها الغبراء، ويا شمس ويا وديان، ويا أيتها الطبيعة الجميلة الحلوة، إني مدين لكن بدمعة وأنا على حافة قبري! ما أعبق النسائم بالعطور! وما أنقى الضوء! وما أجمل الشمس في نظر المحتضر! ٦ كم أودُّ الآن أن استشف هذه الكأس وقد امتزج فيها الرحيق بالمرّْ. فلربما تبقى لي في هذه الكأس التي أتناول فيها الحياة، قطرة من الشهد. ٧ ولربما أخفى لي المستقبل أيضا في ثناياه أوبة لسعادة ضاع الأمل فيها! ولربما تفهم نفسي؛ من بين الصفوف، نفس أجهلها فتجيبني!. . . ٨ تسقط الزهرة تاركة عطرها للريح الدبور، وهذا وداعها للحياة وللشمس. وها أنذا أموت! وروحي حين تفيض تتصاعد كرجع صوت حزين شجي.

стр. 1106

محمود فهمي ادريس. ليسانسييه في اللغة الفرنسية وأدبها (الرسالة) نشرنا هذه المقالة تشجيعا لشبابنا الناشئين في الأدب ولعلهم قبل ان يفكروا في الكتابة يستكملون أداتها الضرورية من نحو وبيان، فان إهمال ذلك شر ما يؤاخذ به الكاتب.

стр. 1107

العلوم الاشعاع للدكتور أحمد زكي. وكيل كلية العلوم الاشعاع من أظهر ظواهر الوجود وأهم حادثاته الدائمة، تجده في المثل الصغير الحقير كما تجده في المثل الهائل الكبير، فالشمعة يحترق دهنها فيشع من احتراقه نور مضطرب ضئيل، يجهد ان يبدد من ظلمة الليل ما استطاع حتى يتبدد هو والنجوم تتوقد في السماوات العلى فتشع فتبعث في القبة الموحشة السوداء روحا وتبعث فيها جمالاً، ويتأجج هذا التنور السيار الهائل تلك الشعلة الدوارة الأبدية التي أسميناها الشمس، فتشع علينا بالنور والدفء، وبالهدى والحياة. هذه أمثلة للإشعاع معروفة مألوفة، لأن العين تراها ولكنها ليست كل ما في الوجود من ذلك. ففي غير المألوف إشعاعات كثيرة لا تراها العين كشفها العلم. فالإشعاع اللاسلكي مثل حادث قريب الوقوع لا يزال يملأ قلوبنا بالإعجاب، ورءوسنا بالفكر والتأمل والحيرة، ولكنه ليس الا بعضا من كل، ومثلاً من مثل. تحدث ظواهر بينة الخلاف شديدة التغاير، وهي على شدة تغايرها وظاهر تناكرها وتعدد أسمائها حبات في عقد واحد وحلقات في سلسلة مطردة وأفراد من أسرة واحدة، تختلف سمة وتقاسيم ولوناً، ولكن تحت هذا الظاهر المضطرب باطن مستقر تلتقي جميعها فيه، وتتوحد جميعها عنده. ولكل شعاع من تلك الأشعة حكاية رائعة، وأحدوثة جميلة تنطق عن صبر للإنسان لا ينفد، وعن حيلة لا تعرف الخيبة، لا في استكشاف تلك الأشعة فحسب، بل في إلجامها وركوبها وتأنيسها حتى تكون ذلولاً طيِّعاً لا تنفر الا إذا أراد الإنسان منها النِفار، ولا تبطش الا حين يريدها على البطش. تناول السير اسحق نيوتن اظهر انواع الاشعاع بالبحث فأمرَّ أشعة الشمس في منشور ثلاثي من الزجاج، فبدل ان تخرج بيضاء كما دخلت، خرجت خليطا من أضواء عدة ذات ألوان عدة. فأعاد تجربته ثم أعاد فخرج على أن ضوء الشمس الأبيض مزيج من عدة أضواء، أي ان إشعاعها وان ظهر متجانسا خليط من جملة إشعاعات مستقلة الحدوث. وأسمى هذا المزيج بالطيف، فكان هذا هو الحجر الأول في بناء علم الإشعاع الحديث. وانتقل الإنسان يسأل نفسه بعد ذلك: وكيف تسافر أشعة هذا الضوء؟ قال نيوتن انها تسافر

стр. 1108

في خطوط مستقيمة، وقال بنظريته المعروفة وفسر بها بعض الظواهر الضوئية كالانعكاس، وبالتدرج أخذ عقل الباحثين يقتنع بالشبه الذي بين سفر الضوء على متن الفضاء، وسفر الأمواج على متن الماء، حتى اهتدوا إلى إثبات أن أضواء الطيف إنما اختلفت ألوانها من الأحمر إلى البرتقالي إلى الأصفر إلى الأخضر إلى الأزرق إلى النيلي إلى البنفسجي لاختلاف في الطول بين موجاتها، واهتدوا كذلك إلى ان الضوء الواحد ذا اللون الواحد إذا ضعف أو اشتد فإنما يحدث ذلك لضعف الموجة او اشتدادها، اعني زيادة ارتفاعها وانخفاضها، او نقصهما عن مسارها المستقيم في الفضاء، وان شئت فسمِ ذلك اتساعها، اما طولها فثابت لا يتأثر ما بقي اللون على حاله، فان تغير طول الموجة تغير اللون، فاللون الأحمر أطول موجة من البنفسجي؛ ولو انك وقفت في مسار هذين اللونين وعددت موجات الأحمر التي تمر عليك في ثانية، وعددت مثال ذلك من البنفسجي لوجدت عدد موجات الأحمر أي ذبذبته أقل لطول موجتها من ذبذبة البنفسجي. وخرج العلماء من هذا كله بان الشعاعة تتعين وتتحدد بذبذبتها وبطول موجتها وبسعتها. بعد ذلك تساءلوا عما يحمل موجة الضوء من مكان إلى مكان. موج البحر يحمله الماء. وتهز الحبل فتسير فيه موجة تبتدئ من حيث مسته يدك وتنتهي حيث ربطته من الحائط. فالحبل أو كتانه هو الذي حمل موجته. فأي مادة حملت موجة الضياء حتى أتتنا من الشمس والقمر والكواكب؟ ليست هي مادة الهواء، فإنما الهواء غلاف كقشرة البرتقالة يلف الأرض ولا يصعد إلا أميالا نحو السماء، وليست هي مادة مما نعرف من المواد، بل ان الضوء يسير في الفراغ، فإن الأنابيب المفرغة بالمعنى الذي نفهمه لا تعوق الضوء في انسيابه. ولكن الموجة طاقة متنقلة، والطاقة لابد ان يتقمصها شيء. فما هو هذا الشيء الذي عجزت حواسنا الموهوبة عن إدراكه وآلاتنا مهما دقَّت عن كشفه؟ والآلات كثيرا ما بصرت بما عميت عنه العين، وسمعت ما صمت عنه الآذان، وناءت بأثقال توافه لا تحفل بها اليد. ما هو هذا الشيء المعدوم في وجوده، الموجود في عدمه؟ ان هذا الشيء معدوم عند العقل العادي الذي لا يؤمن الا بالذي يراه، ولكنه موجود عند العقل العلمي الذي يتخذ من الآلات حواس جديدة فوق حواسه الخمس، ويتخذ من حقائق العلم وتجارب العلم وماضي العلم وحاضره ومآسيه ومفارحه دروسا وعبراً، ويتخذ من التفكير العلمي وحواره وحجاجه

стр. 1109

واستنتاجه منطقا جديدا غير منطق الشراب والطعام والملبس والمركب. موجود عند ذلك العقل العلمي الذي لبس جناحين من ذكر للماضي عاصم من خدعاته وثقة جريئة في المستقبل لا تعرف إلا الإمكان، يطير بهما في مجاهل لا يغني فيها السمع والبصر، ومفاوز على حدود البشرية أشبه بالمعاني منها بالمباني، وبالأرواح اللطيفة منها بالأجسام الكثيفة، هذا الشيء الذي لابد أن تسير فيه موجات الضوء موجود عند ذلك العقل العلمي بالرغم من ظاهر انعدامه، منظور بالرغم من خفائه، ملموس ولو أفلتته الاصابع. وإذن فلا بد له من اسم. فأسموه الأثير. وما مادته؟ لست أدري ولا المنجِّم يدري. وما خواصه؟ لا يعرفها حتى الذي اسماه. سئل الأستاذ أوليفر لودج العالم الطبيعي المعروف عن تعريف له فقال في كلمات ثلاث: هو شيء يتموج. وان كان لابد لك من تعريف فقل انه شيء له من الخواص ما يأذن بانتقال موجات الضوء فيه على نحو ما نعرف وفقا للقوانين التي نعرف، والسرعة الهائلة التي نعهد. فمثلا نعرف ان سرعة الموجة تتوقف على كثافة المجال الذي تنطلق فيه، ونعرف ان الضوء في سيره يقطع في طرفة العين ولمحة الخاطر مسافات يصعب على خيال المرء تصويرها، فنستنتج من هاتين الحقيقتين ان الكتلة التي في سنتمتر مكعب من هذا الأثير لابد ان تكون هائلة المقدار. وبعد ان درس العلماء الوان الطيف وهو كالسلم بدرجاته السبع، أسفلها الأحمر وهو أطولها موجة وأبطأها ذبذبة، وأعلاها البنفسجي وهو أقصرها موجة وأسرعها ذبذبة أخذوا يبحثون عن موجات أسفل من الأحمر وأطول منه موجة، وعن اخرى أعلى من البنفسجي وأقصر منه موجة، فهدتهم التجارب إلى صدق ما حدسوا: إلى موجات دون الأحمر وهي الموجات التي تنتقل بها الحرارة من بين ما تنتقل، وإلى موجات فوق البنفسجي وهي موجات ذات خواص كيميائية تستخدم في التصوير الشمسي، وأمرها الآن معروف ومشهود، وكلا هذين النوعين من الاشعاع غير منظور، فالعين لا ترى الا سلَّم الطيف بدرجاته السبع. وأحس الطبيعيون بأن شعاعات أخرى لابد موجودة فيما دون الأحمر غير التي اكتشفت، فأجرى العالم الطبيعي (هرثر) تجاربه فكشف بها عن موجات جديدة غير مرئية وجدها شبيهة بموجات الضوء والحرارة، الا انها اكثر طولا واقل ذبذبة، وسميت باسمه. وفي الناحية الاخرى في أعلى السلم اكتشفت موجات غير مرئية اخرى قليلة الطول كثيرة

стр. 1110

الذبذبة، سميت بالأشعة الكهربائية المغناطيسية، ثم تلتها الأشعة (السينية) المعروفة بأشعة (اكس) وقد أفادت الطب اكبر فائدة وهي تنفذ في الرصاص إلى نحو من خمسة سنتمترات. واليوم نتحدث عن الأشعة (الكونية) صعد الأستاذ منطاده في بالونه المشهور إلى طبقات الجو العليا في طلبها، وتحدثت عنها وعنه الجرائد منذ أشهر قليلة. وهذا الاشعاع الجديد لا يتوقف انبعاثه على الكرة الأرضية التي لنا الحظ بالعيش عليها فهو ينبعث صباح مساء في الصيف والشتاء غير آبه لنا أو لها، وينبعث حاملا طاقة واحدة لا تزيد ولا تنقص ينفذ بها في الرصاص بضعة أمتار وفي الماء نحو ٨٠٠ قدم. ما أثر هذه الأشعة الجديدة اكتشافا، الأزلية مولداً، فيما على الأرض من حياة؟ ما أثرها في حياة النبات والحيوان وفي حياتنا نحن وارثي الأرض وما عليها؟ يقول الأستاذ السير جيمس جينز ان هذه الأشعة تحلل في الثانية الواحدة ملايين الجزئيات من أجسامنا. ان كان هذا حقا فما اثقل النعاس الذي كنا فيه حتى نمنا كل هذه القرون والأجيال عن أمر له هذا المساس القريب بذواتنا. ويا ترى كم من أمواج اخرى في هذا الفضاء تعمل فينا وفي أجسامنا وفي أرواحنا، ونحن عنها غافلون. وهل يا ترى سنجد في هذا النوع من الاشعاع تفسيرا لبلي الجديد وشيخوخة الشباب وفناء الحي. أذكر من سنوات عدة كلمة للسير أوليفر لودج لا أنساها الا إذا نسيت حضرته الرائعة، تروعك منها قامته الطويلة وكتفاه العريضان ورأسه العظيم يطل عليك من فوق جسمه الكبير مجللا بالشيب ولحية وقورة بيضاء صافية كصفاء ايمانه، وعينان وادعتان تنظر اليك منهما حقب من الزمان امتلأت علما وفكرا في مبنى الوجود ومعناه. كان يحاضرنا في جمع حافل أتى يستمع للعالم الشيخ فساقه ختام المقال إلى عفو من الكلام قال: (أنا هنا واقف بينكم في القرن العشرين في قاعة مملوءة بأنواع عدة من أمواج عدة (يقصد الأمواج اللاسلكية) منبعثة في اتجاهات عدة وكلنا صموت نتسمع ولكننا لا نسمع شيئا. ولكننا جميعا برغم ذلك مؤمنون بوجودها. ولو أني وقفت بينكم هذا الموقف في القرن الغابر أحدثكم عن هذي الأمواج لقلتم خرف أصابه مس الكبر. الفرق بين الموقفين فرق بين الزمنين، ذلك أني اليوم أستطيع أن أعيركم هذه الأذن الجديدة (وأشار إلى سماعة اللاسلكي التي تلتقط الأمواج) تسمعون بها ما عجزت عن سماعه آذانكم. ثم دار الأستاذ بعينيه في أرجاء الحجرة الواسعة في صمت وبطئ كأنما يستوحي جدرانها ثم قال: (ليت

стр. 1111

شعري كم بهذه الغرفة الآن من أمواج غير التي نحن بصددها، وليت شعري أي الآذان يبتدعها الإنسان لادراكها، وليت شعري متى يكون هذا. . . وأنّى، واين؟) ثم صمت يفكر وصمتنا ننظر. فقال (ما الخاطر يرد لي ولك في آن وبيننا الأقطار العريضة والبلاد الواسعة؟ ما النذير يأتي قلبي وقلبك بالشر فيصدق حينا ويكذب حينا؟ ما الايحاء؟ ما الوحي؟) وفنيت جملته في تمتمة لم نسمعها، ورسمت يمناه في الهواء دوائر كأنما كانت تستكمل له رأياً لم يبح به أو فكرة وجد من الكياسة لا يذيعها، او لعله الهام جاءه على غير احتساب فشاء ان يتذوقه في مخدعه فردا قبل ان يكون للجماعة شأن فيه. وفي العلم الهام كما في الشعر الهام، وكما في النبوة وحي؟

стр. 1112

القصص قصة مصرية دموع بريئة للأستاذ محمود الخفيف عرفته في الثامنة عشرة، طويل القامة في غير افراط، نحيل الجسم في غير هزال، مهيب الطلعة في غير تأنق، حلو الحديث في غير تكلف، ولست أذكر وقد مضى على تعارفنا نحو ستة أعوام ما الذي جذبني إليه حينما رأيته لأول مرة حتى لقد امتزجت روحي بروحه، أهو هدوءه ورزانته ام نشاطه وهيبته؟ وكل ما أتذكره الآن هو أني رأيته فأحببته ولشد ما أبهج نفسي أن رأيته يحس نحوي ما أحس نحوه فما هي الا أيام حتى توثقت عرى المودة بيننا واستحكم الوفاق بين قلبينا وصار كلأنا يأنس بصاحبه ويهش للقائه ويحرص على رضائه. ولما عاشرته وتبينت خلاله أعجبني منه أدبه الجم ووقاره العاقل وقلبه الرحيم وأكبرت منه نظراته الهادئة ونفسه المتوثبة وعواطفه الثائرة وشبابه المرح وروحه الجذابة. وتبينت فيه شاعراً يقدس الجمال ويعشق الطبيعة في خيال خصب وذهن متوقد وحس دقيق كما تبينت فيه على حداثته فيلسوفا بعيد النظر دقيق الملاحظة حلو الفكاهة عذب الروح ورأيته مشغوفا بالحياة مقبلا عليها قانعا بحظه منهما راضيا عن نفسه غير ساخط على أحد. ولقد جعلني منذ ان تعارفنا موضع سره يحدثني في غير تحفظ ويجد عزاء طيبا في ان يبثني لواعج نفسه وخطرات حسه كما يجد هناء سائغا في أن أشاطره مسراته وأسباب سعادته. وكان حديثه تارة حزينا يستدر الدموع وتارة بهيجا يملأ جوانب النفس سروراً وغبطة وكان يقص عليَّ مشاهداته في الحياة غير انه كان يشفعها بآرائه او يمزجها بخواطره فيكسبها بذلك قوة تحرك القلب وتستثير العواطف. وكنت أحرص على أحاديثه إذ أرى فيها خواطر فتى كبير القلب راجح العقل. غاب عني شهرا فأشفقت أن يكون قد مسه الضر وأردت أن أذهب إليه ولكن الخادم أحضر إليَّ كتابا تبينت خطه على غلافه ففضضته في شغف فإذا به يخبرني انه سيكون عندي في المساء، ومرت الساعات ثقالا

стр. 1113

حتى كانت الثامنة فإذا هو يطرق الباب ثم يفتحه في هدوء. ودخل عليَّ شاحبا مكدوداً واجما مهموما. ومد إليَّ يده وكأنه قرأ في وجهي إشفاقي وتلطفي، فابتسم ابتسامة قصيرة ثم جلس وقد اتكأ بمرفقه على حافة القعد وأسند رأسه إلى قبضة يده، وشملته كآبة مرعبة دق لها قلبي فأنا اعرفه ثائر العواطف واسع الرحمة يستوقف بصره بكاء بائس فتدمع مقلتاه، ويطرق أذنه أنين ملتاع فيملك عليه مشاعره وكثيرا ما اظهرت له إشفاقي فكان يضحك مني قائلا: لا حيلة في ذلك فتلك جبلته. ولقد كان يتهم نفسه بالطفولة ولكنه كان يعود فيفتخر بهذه الطفولة التي تملأ قلبه رحمة وحناناً. واطرق قليلا ثم رفع رأسه وقال وهو يضحك ضحكة غريبة تعبر عن الأسى والألم: (هو شهر، ولكنه قرن في حوادثه) وتالله لقد ألهب شوقي بتلك العبارة فاصخت بسمعي إليه وأقبلت بكليتي عليه وفهم هو من نظراتي أني استعجله فهز رأسه هزة عصبية وقال: لله ما اغرب هذا المسرح الهائل مسرح الحياة الذي يموج بالناس في غير نظام وكل يلعب دوره حتى يسدل الستار عليه فإذا هو في طي الفناء وفي أغوار الأبدية. هذا ضاحك مستبشر وهذا فرح فخور. وهذا بائس محزون وهذا حائر مشدوه وهذا مستسلم وهذا مغتر متطاول وهذا. . . وأخيراً يتساوى الجميع فيساقون في سكوت كل إلى حفرته. قلت أمرك عجب ايها الصديق وهل هذا ما يحزنك هذا الحزن؟ لكأني بك قد اجتمعت فيك كل هذه الصور. ماذا أحزنك وعهدي بك مرحا خلي البال؟ وتنهد الفتى تنهدا عميقا وقال: (على المسرح المرعب او قل في زواياه التي لا تراها الا الأعين البصيرة او التي لا تراها الأعين الا مصادفة، على هذا المسرح الصاخب المضطرب وفي هذه الزوايا المتوارية عن الأنظار يوجد من المآسي والآلام ما يتفطَّر له القلب حقاً. . .) وقاطعته قائلا: هون عليك يا فيلسوفنا الصغير وما لك ولهذا الانقباض وأنت في زهرة العمر؟ فنظر إلي نظرة لوم وقال: (ما حيلتي وتلك جبلتي؟ يراني الناس ضاحكا فرحا فيظنون أني خلو من الهموم، وتالله ما ضحكي الا خداع مني لنفسي ومغالبة لشعوري، هو كالزهر الصناعي يغالط به الطفل نفسه. . . ولكن. . . أراك على حق فسأضحك وسألعب وسأنسى كل شيء. . . نعم سوف

стр. 1114

اضحك مع الضاحكين. . . وسوف لا ابكي بعد اليوم مع احد او على احد. . .) وضاحكته استطلع دخيلة نفسه وحقيقة أمره فاعتدل في جلسته وتوثب وتحفز واستجمع قوته ثم قال في قوة وعزم هو دور لعبه أمامي ويا ليتني لم أره ولكن ما اسخف لعبته هذه!. . . ليكن ما يكون وليكن ما قدر وهو كائن. قلت مالأمر؟ انك تحيرن. فاستطرد في صوت أبح لم اسمعه منه قبل اليوم وقال: (هن فتيات أربع جئن فسكنَّ في المنزل المجاور لنا وكان قبل مجيئهن تسكنه سيدة وابنها وهو فتى في نحو الخامسة والعشرين ولقد تبينت بعد مجيئهن إنهن اخوته وكان أول ما رأيتهن في ظهيرة يوم عندما عدت إلى المنزل ففتحت النافذة كعادتي في كل يوم وإذا بي أراهن أمامي لا يكاد يفصلني عنهن إلا نحو سبعة أمتار وما وقعت أنظارهن عليّ حتى جرين مسرعات إلى داخل الحجرة واقفلن الباب من ورائهن إلا صغراهن وهي في العاشرة تقريبا فقد ظلت ترمقني بنظرات ساذجة بريئة وكأنها وكانت تجيد (لعبة اليويو) قد أرادت أن تريني مهارتها فأخذت تلعبها وتنظر إلي، فابتسمت فضحكت ودخلت إلى أخواتها صائحة لاعبة. ومضيت أنا إلى بعض المجلات فجعلت اقلبها ولكن نظري كان كثير الاتجاه دائما نحو هذا المنزل أو نحو ذلك الباب، وأنت يا أخي تعرفني أحب الاستطلاع ولا أكاد استقر حتى تصل نفسي إلى ما تريد فجلست اختلس النظرات وأتظاهر بالنظر إلى الصحيفة التي في يدي فرأيت كبرى البنات وهي في العشرين تقريبا قد وقفت إلى الباب فرأيتها ذات حظ من الجمال غير قليل غير انه جمال شاحب حزين. ومرت أختها الصغيرة أمامي وهي في نحو السادسة عشرة تكسو محاها سمرة خفيفة وهي فتاة ضاحكة والعينين مرحة جريئة النظرات سريعة الحركة خفيفة الروح إلى حد عظيم. أما وسطاهن فلم تظهر طول ذلك اليوم. ولست ادري وأيم الله لم ضايقني ذلك، وكل ما أذكره هو إني أحسست بانقباض وضيق لعدم ظهورها. على إني ما لبثت أن اضحك بل وسخرت من نفسي ومضيت إلى كتبي ونسيت من أمرها ومن أمرهن كل شيء. وفي صبيحة اليوم التالي نزلت إلى عملي فتبينت وجهها من خلال زجاج النافذة، جميلة رائعة الجمال دعجاء المحاجر بيضاء الوجه دقيقة الأنف حلوة اللفتة ناهدة الصدر. وفي ظهر ذلك اليوم رأيتها

стр. 1115

واقفة فلم تهرب كعادتها بل رفعت إليّ بصرها ثم دخلت حجرتها في هدوء ورزانة. لا أكتمك يا أخي أني شعرت بميل نحو تلك الفتاة كان أول أمره معتدلا عاديا. فقد أعجبني منها رشاقة جسمها واتزان حركاتها وتناسق أعضائها وغضارة بشرتها وجمال محياها وكانت عيناها الدعجاوان ترسلان من أشعتهما حرارة الشباب فتهز قلبي وتفتح جوانب نفسي حتى لقد صرت أجد في النظر إليها متعة وهناء أشبه بهناء النفس في حلم هادئ جميل. غير أن ما جذبني إليها حقا هو تلك النظرات الحزينة الهادئة التي كانت تتخلل نظراتها اللامعة القوية وتلك البسمات الخفيفة الفاترة التي كانت لا تلبث أن يطفئها وجوم غريب وإطراق مؤثر. وازداد ميلي إليها إلى أن كنا صبيحة يوم فسمعت وأنا بين النوم واليقظة نحيبا متقطعا ولست ادري لم انصرف ذهني إليها لاول وهلة؟ فقفزت إلى النافذة فرايتها ووجهها بين كفيها باكية تئن أنيناً موجعا. وأنا أترك لك أن تقدر لنفسك مبلغ ما نالني من الحزن في تلك اللحظة الرهيبة ولقد كدت أن أصيح بها أن كفكفي دموعك يا فتاة لولا انها أفاقت سريعا من غشيتها ومسحت دموعها في هدوء ثم نظرت إلى الشمس المشرقة نظرة حزينة يهتز قلبي كلما ذكرتها ودخلت بعد ذلك إلى مخدعها. ومنذ ذلك اليوم عرفت طعم الألم حقا وكانت تتمثل لي صورتها فيكتنفني من الألم اللاذع ما يزق شغاف قلبي ويحرك مكامن وجدي ولا سيما وقد تكرر ذلك منها كثيراً في الصباح أحيانا وفي المساء أحيانا اخرى. وأخيراً. . . وأخيراً حم القضاء ووجدت نفسي أسير تلك الفتاة الحزينة الباكية ولك ان تعجب مني ما شئت أنا الذي طالما سخرت من الحب وهزأت بالعاشقين، أنا الذي طالما وصفت لك الحب بانه حلم من أحلام الشباب الخادعة وسراب خلب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا، أو فورة دماء واضطراب مزاج لا أقل ولا أكثر، ولكن الإنسان ضعيف لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. ولماذا أحببتها؟ أهو جمالها الساحر قد ملك على نفسي أم هو حزنها العميق قد صادف عطفا وحناناً في قلبي؟ ولكن مالي أبحث عن سر حبها ومتى كان الحب أمرا يقبل التعليل ويخضع للتحليل! مالي لا أقول أني أحببتها لأنني أحببتها ولتضحك بعد مني ماشئت ولكن لم تضحك؟ أليس الحب تفاعلا نفسانيا أو مزيجا روحانيا يأتي بكل سهولة وبغير أدنى

стр. 1116

ترتيب؟ أحسست باهتمامي بأمرها وإشفاقي عليها فكانت تشكرني بابتسامة عذبة وصرت أرى في عينيها ما يدل على الاعتراف بالجميل، ولكني كنت لا أرى في نظراتها ما يدل على أنها تبادلني حبي وتطارحني هيامي، انها كانت نظرات شكر وامتنان وتالله كانت تؤلمني أحيانا ولكني كنت في سكرة الحب أعلل النفس بالآمال واترك للغد القول الفصل والحكم الأخير. ولكن تصرمت أيام دون أن اجرؤ على مخاطبتها ولو بالتحية. وراقبتها مرة فرأيتها تتأهب للخروج وثارت نفسي واعتراني جنون الشباب وامتدت يدي إلى ملابسي فلبستها دون ان اشعر بشيء أو ادري ماذا افعل وسرت في أثرها وأن فؤادي ليخفق وأن نفسي كلها لتهتز إلى أن رأيتها تجلس وحدها على حافة قناة صغيرة كانت تقرب من المنزل وقد أطرقت قليلا ثم رفعت رأسها فإذا هي تراني أمامها فساورها مزيج من الدهشة والابتسام والخوف والارتياح والغضب والرضى. ولست ادري من أين جاءتني تلك الشجاعة في تلك اللحظة الدقيقة؟ فقلت في ثبات: هل لي يا فتاة أن أسألك سؤالا صغيراً؟ فنظرت إلي نظرة عميقة فيها كثير من المعاني. ويح نفسي إني لأراها الآن، أرى تلك العينين الدعجاوين وتلك التقاطيع الحلوة وذلك الفم الجميل وتينك اليدين الرشيقتين. قالت وما سؤالك يا فتى؟ قلت: هل لي ان اعرف سبب حزنك وبكائك؟ فسرت رعدة قوية في أعضائها وتمشت صفرة فاقعة في وجهها وكأنني هززت بذلك السؤال كل كيانها وتمتمت بكلمات لم اسمعها ثم قالت: شكرا لك على اهتمامك بأمري. لست أستطيع أن أجيبك على ما سألت. قلت ولكني أريد ان اعرف. فعظمت دهشتها وبدا على محياها ذهول وخوف ثم قالت في حدة مصطنعة: وما شأنك أنت والسؤال عن هذا؟ قلت أني. . . أني. . . أريد. . . أرجو. . . فساورها الشك في عقلي فلقد قرأت هذا الشك في نظراتها، وحدجتني بنظرة طويلة وقد

стр. 1117

اغرورقت بالدمع مقلتاها ثم أشاحت بوجهها عني فألحفت وتوسلت فقالت: اليك عني واتق الله في فتاة ضعيفة بريئة. قلت لا أستطيع البعد عنك. ثم انهمرت دموعي فصدقت وقالت وهي تنتفض من شدة الاضطراب: حسبتك أحد أولئك الشبان الذين لا أخلاق لهم ولقد هممت أن أصرفك في قسوة. ثم نظرت إلي طويلا دون ان تتكلم فقلت في صوت خافت متقطع: ستكونين لي منذ الآن. فتجهمت قليلا ثم ابتسمت ابتسامة فهمت من معانيها الندم والحسرة والألم وهزت رأسها كأنها تريد ان تقول لي انك لا تدري من الأمر شيئا ثم قالت: دعني بربك ولا تشغل نفسك منذ اليوم بأمري فلن يجديك ذلك نفعا وستبدي لك الأيام صحة قولي وصدق نصحي. وكأنها ارتاعت لوقع ذلك على قلبي فقالت وهي تبكي: آه ليتني أستطيع!. ليتني أستطيع!. اتركني أشكرك على. . . وغلبها الحزن والبكاء فأجهشت كما يجهش الطفل. فتظرفت إليها ولاطفتها ثم تناولت يدها فلم تمانع ولما أردت ان اجذبها نحوي نهضت قائمة وسارت لا تلوي على شيء ولم تلتفت وراءها وغابت عن بصري في منعطف، فبقيت في مكاني جامدا كالصخر ثائرا مضطربا ثم مرت علي دقائق افتقدت فيها نفسي وحسي. ومرت أيام وأنا أتجنب النظر إليها ما استطعت، أيام كنت أثنائها كالذي يتخبطه الشيطان من المس ولقد بلغ من نفسي أنني كنت أرى الأسرة كلها حزينة كأنما هم مقبلون على أمر خطير. ولما ضاقت بي الدنيا كتبت إليها اطلب عفوها وأبثها لواعج نفسي. وفي صبيحة يوم جلسن جميعا يبكين حول أمهن وأنا حائر مشدوه لا ادري من أمرهن شيء فناديت البدال فأقبل وهو فتى طيب القلب فقلت له: أتدري يا فتى سر هذا الحزن؟ وأشرت إليهن دون أن يرينني. قال أو ما تعلم؟ قلت كلا. قال ان صاحب المنزل قد (أوقع الحجز) عليهن أعقبه بائع الخبز بحجز مثله وفاء لما

стр. 1118

عليهن من الدين وقد قرب يو البيع. قلت وقد دق قلبي دقا عنيفا: هل مات أبوهنَّ؟ قال خير لك الا تعرف عنه شيئا، ثم قال: كان أبوهن تاجرا من كبار التجار وكان عظيم الثراء ولكنه لم يرع النعمة وراح يقامر مرة ويسرف مرة ويتعاطى المخدرات بكثرة مخيفة وهو الآن نزيل السجن من سنتين. وارتفع الدم بغزارة إلى وجهي وأحسست بحرارة كحرارة المحموم ومرت غشاوة فحجبت بصري ورأيت الجو بعد برهة اصفر مكفهرا ثم قلت: وأخوهن؟ قال هو شاب عاطل لا يجد لنفسه عملا مع انه يحمل شهادة عالية. مناه أصدقاء والده كثيرا بوظيفة ولكن أين هي الوظائف الآن؟ وكثيرا ما نصحناه ان يلجأ إلى عمل، أي عمل حر ولكن يظهر أن الأبواب سدت في وجهه. قلت ولم لم يتقدم احد لخطبة البنات من قبل؟ قال بلى خطبت الكبيرتان ولكن خطيبيهما تركاهما بعد ما جرى لأبيهن ما جرى. ثم سكت البدال وقال في ألم: مع ان البنت الوسطى ولعلك تعرفها ذات الشعر الأصفر كانت تحب خطيبها لدرجة الجنون. فصرفته ودخلت حجرتي كئيبا ملتاعا وذرفت الدمع سخينا. وسكت صاحبي برهة ثم قال في نبرات حزينة: أرأيت كيف يقضي هؤلاء الإغفال على أنفسهم واموالهم وأولادهم؟ الا قاتل الله الجهالة انها اصل الفواجع والآلام. ثم قال دونك فاسمع البقية، وبدت منه حركة عصبية ظاهرة في يديه وعينيه وصوته المبحوح وصدره المجروح، قال: في صبيحة اليوم التالي سمع سكان البيوت المجاورة صراخا عاليا ففتحوا النوافذ فوجدوا الدخان يتصاعد من نافذة المطبخ في ذلك المنزل أما أنا فكأني كنت اعلم بما سيجري من قبل فسكت ولكنه كان سكوت اليأس وتجلدت ولكنه كان تجلد الإغماء. وهرع الناس فدخلوا المطبخ فإذا هي ممدودة على الأرض لا تبدي حراكا ولم يحترق منها الا شعرها وقرر الطبيب ان الوفاة بالاختناق. وارحمه لك يا. . . حتى النار أكبرتك وأشفقت من ان تلهب

стр. 1119

هذا الجسد الطاهر ولكنك جدت بغدائرك الذهبية التي طالما قطعت إليها الأعين وخفقت لرؤيتها القلوب. وهنا لم يتمالك صاحبي نفسه فأجهش كما يجهش الصبي وناولني قصاصة من الورق فقرأت فيها ما يلي: وصلتني كلمتك الرقيقة يا صاحبي فضممتها إلى صدري وقبلت الخطاب من أجلك وذرفت الدمع سخينا شفقة عليك. سامحني واعف عني وسنتقابل في الحياة الاخرى حيث لا شقاء ولا عذاب وأرجو أن تستغفر لي الله في صلواتك، الوداع والشكر الجميل! ولما تلوت تلك الورقة وجدته قد غلبه النوم وطول الجهد فأخذت رجليه برفق ومددتها على المقعد وعمدت إلى ملحفة فنشرتها عليه وخرجت على أطراف أصابعي وتركته لينام عله يجد في النوم بعض الراحة وسألت الله ان يشفق به في أحلامه وأن يهبه العزاء والسلوان. محمود الخفيف

стр. 1120

إلى بئر جندلي للأستاذ الدمرداش محمد. مدير ادارة السجلات والامتحانات بوزارة المعارف ٣ لحظة رهيبة مرعبة، ولولا أن ملك الجماعة زمام عقولهم وتصرفوا بما يستلزمه الموقف من بديهة حاضرة وهمة عالية، لسقط أحمد بك في الهاوية، ولا أدري الآن، وقد توالت الحوادث بسرعة مدهشة، كيف نسي الرفاق أن ينتشلوا زميلهم من ورطته، وعلى كل حال فقد انتهى الحادث بسلام، وعاد الجماعة إلى ما كانوا فيه من مطاردة الأرانب، وعند الظهر كانوا قد أنهكهم التعب وأضناهم الجوع، فملوا المطاردة وقنعوا بما أصابوه في ذلك اليوم وكان شيئا كثيراً، فحثوا المطايا في السير كي يصلوا وادي جندلي في الموعد المضروب. وكانوا حينئذ يسيرون على ظهر ربوة عالية وعن يسارهم نحو الشمال، جبل اليحموم الأزرق بلونه القاتم، وعن يمينهم نحو الجنوب جبل أبو شامة بقمته العالية (٢٣٠٠) قدم وكانوا كلما توغلوا شرقا تغيرت معالم الجبال وزادت ارتفاعا، والأودية خضرة وعمقا، وقبل الأصيل اقبلوا على واد شديد الانخفاض كثير التعاريج كبير الشبه بوادي دجلة ونظروا من علٍ فابصروا الجمال ترعى في باطنه والاستعداد قائم حولها لتهيئة الطعام وإعداد مكان المبيت، فطابوا نفسا وقرُّوا عيناً. يقع بئر جندلي على خمسين كيلو مترا من القاهرة على ارتفاع ٣٠٠ متر من سطح البحر، وقد قضينا بالقرب منه ليلتين ويوما وسط طبيعة نقية هادئة مشرقة في صحبة أصدقاء مخلصين حباهم الله الصحة والبشر وسلامة الطوية، حقيقة انها سويعات تعد من أسعد فترات الحياة واصفاها، وقد وافق اليومالثالث من رحلتنا أول أيام العيد، ففي الصباح صلينا ونحرنا غزالة ثم قضينا اليوم في الوادي نلعب ونضحك ونتسابق ونمرح ونمزح كأننا

стр. 1121

الأطفال الصغار. وبعد الغداء جلسنا إلى الدليل نستمع لحكاياته الطريفة عن حياته فقال وقد مال في جلسته واسند ظهره إلى حجر كبير، وعقد يديه على رأسه: من خمس وعشرين سنة كنت شابا شقيا أجوب الصحراء شرقا وغربا شمالا وجنوبا لا أستقر على حال، وفي مرة نزلت السويس وقت موسم الحج فتحككت بشيخ مغربي يحمل خرجين كبيرين ينوء بثقليهما فظن أني أسديه المعونة فمد يده إلى رأسي ودعا لي بالهداية ودعاني أن أرافقه إلى الحجاز، وقد كان فأديت الفريضة واستقبلت الكعبة، وبصوت عميق خلته يخرج من كل جسمي دعوت الله ان يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فاستجاب الله دعائي، وعدت من الحج صالحا طاهر القلب شديد الإيمان، والتحقت بالأزهر فمكثت فيه خمسة عشر عاما إلى ان قطعت عني الجراية في عهد الشيخ محمد عبده، فتحولت إلى التجارة وشغلت بعرض الدنيا ولكني وقد ناهزت الخمسين لا زلت شديد الحنين إلى الجبل فأخرج إليه كلما سنحت الفرصة فأقضي فيه أياما قريبا من الله بعيدا عن المدينة وكدرها ثم أعود وقد تطهرت نفسي وهدأ عقلي واستراح جسمي. ثم انه على غير انتظار امسك عن الكلام وترقرقت دمعة في عينه وتحول ببصره عنا وأطرق برأسه ثم أطبق عينيه ونام. كان البرد في تلك الليلة شديدا فآوينا إلى مضاجعنا مبكرين وأشعلنا نارا كبيرة لنصطلي، وفي أول الليل اكفهر الجو وعصف الريح وأبرقت السماء وأرعدت وانهمر مطر غزير ثم اخذت الصواعق تنقض من حولنا، والبرق يومض بلمعان يضيء الفضاء كأنه نور النهار، والماء يتدفق إلى الوادي بدويِّ شديد، ثم فاض الوادي بسيل عنيف جارف، فكان مشهدا رائعا. وبعد ساعة انقشعت السحب وصفا أديم السماء واشرق الوادي بنور القمر فسرى عنا ما ساورنا من قلق واضطراب، ثم نمنا نوم الهناء والعافية. وقبل الفجر استيقظت على صوت حركة غير عادية بمعسكرنا فوجدت الجماعة يتقلدون سلاحهم وعلامات الاهتمام بادية على وجوههم وأبصرت الدليل ينزل إلى وهدة متوسطة ويقف وراء صخرة كبيرة ويتجه ببصره نحو البئر ثم يتبعه عبد الله بك ويهمس في أذنه بكلمات ويحتمي هو الآخر وراء حجر كبير ثم تتفرق باقي الجماعة على الصخور المجاورة ويتخذونها متاريس يكمنون وراءها وينصبون بنادقهم على حوافيها. دهشت لهذا الاستعداد وانتقلت إلى حيث كان خالي رابضاً واستوضحته في صوت خافت جلية الأمر فأشار إلى

стр. 1122

الدليل وقال، انه رأى شبحين ومعهما بعير هبطا إلى الوادي بالقرب من البئر وبعد أن عقلا الدابة أخذا ينسلان نحو مربط الجمال ملتزمين السفح، فقلت هل تراهما؟ قال ان البئر بعيد والضوء ضعيف والرؤية متعذرة. وبعد قليل صاح الدليل (ها! أكمنوا لا تطلقوا النار) ثم انه أطلق عيارا في الهواء وعندها برز رجلان إلى عرض الوادي واندفعا نحو الجمال فصاح الدليل (جماعة أطلقوا النار في الهواء) فدوى في سكون الليل صوت البنادق كأنه زمجرة المدافع فذعر الرجلان لهذه المباغتة ووقفا مكتوفي اليدين علامة التسليم، فانتقل إليهما سويلم الجمال وقادهما إلى حيث كان الدليل فقالا أنا قادمان من المرج قاصدين وادي الحقول على البحر الأحمر في أمر مستعجل، وفي المساء كنا نجتاز اليحموم الأزرق فشاهدنا ناركم فعرجنا عليكم لنستدفئ وما قصدنا بكم سوءا ولكنها مداعبة على عادة البدو. وبعد أخذ ورد من الدليل على قولهما سألهما عن البعير فقالا انهما وجداه ضالا فساقاه أمامهما حتى لا يقع غنيمة في يد (أولاد علي) اسم قبيلة، وبعد ان نفحناهما بطعام وكبريت انصرفا بسلام وقد تنفس الصبح ولاح. قضينا اليوم الرابع في الصيد كذلك فوق سفوح جبل القطامية على ثلاث ساعات شرقي بئر جندلي وعند الظهر التقينا بوادي الغز بجبل أبو شامة حيث كانت تنتظرنا الجمال وبتنا فيه تلك الليلة وفي صباح اليوم الخامس غادرنا أبا شامة راجعين عن طريق البعيرات فوق مشارف وادي دجلة وبعد سير حثيث دام عشر ساعات من غير انقطاع وصلنا القاهرة عند العشاء ونحن على احسن حال وفي أجود صحة. (الرسالة) لاحظ القارئ ولا ريب ان عبد الله بك واخوته يمثلون جيلا من الناس أولع بالصفة الباقية من صفات الفتوة وهي الصيد. والصيد رياضة بدنية نفسية تربي في النفوس أخلاق الرجولة كالنخوة والمغامرة والقوة وقد كانت ولا تزال ديدن الملوك والأمراء والقادة فعسى ان يكون لهذا الجيل بقية في مصر. وان يكون لهذه البقية أثر صالح في توجيه الناشئة لمثل هذه الرياضة.

стр. 1123

الكتب أهل الكهف للدكتور علي مصطفى مشرفة عزيزي الأستاذ توفيق الحكيم لطالما تاقت نفسي إلى رؤية أدب عربي أجد فيه الغذاء الروحي واللذة الفكرية اللذين الفتهما فيما اطلع عليه عادة من الأدب. ومع إيماني باليوم الذي يرتفع فيه أدبنا إلى المستوى العالمي كنت اشعر بان هذا اليوم سيجيء بحكم طبيعة الأشياء متأخرا، فربما رآه أهل جيلي، وربما حبت به الظروف أبناء جيل قادم. فلما قرأت (أهل الكهف)، الذي تكرمت عليّ بنسخة منه، علمت علم اليقين ان اليوم الذي كنت أترقبه قد طلع وملأت شمسه الآفاق. تعلم أنني لست من الأدباء ولا من (المستأدبين)، وإنما نظرتي إلى الأدب، كنظرتي إلى غيره من نواحي الفن الإنساني: نظرة الرجل المثقف العادي يطلب الجمال والإلهام الصادق حيث يجدهما، كما يتطلب مستوى خاصا من التفكير المطلق المخلص فيه لوجه الحق حيث وجد. وفي رأيي ان (أهل الكهف) قد ارتفع من كل هذه النواحي إلى أسمى ما قرأته وان كانت لي ملاحظة على كتابك فربما كانت شيئا من التحديد في دائرة ما تناولته فيه من الموضوعات، فما كان أشوقني إلى رؤية بعض المسائل الاجتماعية مثلا تعالج بنفس القلم الذي صور لنا إيمان المسيحيين الأولين وقابل لنا بين الحقيقة والتاريخ! ولكن لعل ذلك شراهة مني، فالوليمة ولا شك فاخرة وان كانت تشحذ شهية أمثالي. لا تنتظر مني نقدا فنيا لروايتك التمثيلية فأشخاص الرواية كلهم أحياء يتحركون ويلمسون (ربما كان الملك أقل الشخصيات وضوحا ولعلك تريده عديم الشخصية) والمواقف على أشد ما تكون من التشويق والتأثير. وإلى حد ما، أستطيع أن أرى، ستكون روايتك ناجحة على المسرح إذا استطعت ان تجد لها ممثلين يفهمون أدوارهم فيها، وأظنها تكون ناجحة بدون ذلك. لم يبق عليَّ بعد هذا الا ان أشكرك على التحية التي انطوى عليها إرسالك نسخة من كتابك إليَّ، وأن أرجو ما انتظره لك من التوفيق والسلام. النجوم في مسالكها

стр. 1124

تأليف الأستاذ جيمس جينز وترجمة الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني كتاب جليل الموضوع لطيف الحجم أنيق الطبع كان محله من المكتبة العربية خاليا. وضعه السير جيمس جينز احد أساطين علم الفلك في العصر الحديث بأسلوبه المشرق وبيانه الرائع وعرضه الحقائق العلمية العويصة في معرض سهل المأخذ قريب التناول، وذلك ما انفرد به بين العلماء، وتميزت به كتبه بين الكتب. بسط المؤلف في هذا الكتاب (خلاصة ما انتهى إليه العلم الحديث في الكون ونظامه واصله ونشوئه، وتركيب أجسامه وذراته، وتولدها وانحلالها، وبحث مدى الكون من حيث هو محدود أو غير محدود ومتمدد أو منقبض، وعرج على الطاقة والإشعاع والنسبية، ثم بحث الحياة في عالمنا والعوالم الاخرى في الكون) واستوعب تفصيل هذه المباحث الطريفة في ثمانية فصول وأربعة ذيول. قرأها الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني ناظر مدرسة القبة الثانوية (وهو في هذا الموضوع ثقة) فاعجب بمادته وطريقته فترجمه ترجمة أمينة رصينة. ولم يقف جهد الأستاذ المترجم عند أمانة النقل. وإنما تجاوزها إلى مسألتين خطيرتين هما تمصير الكتاب، وتحقيق المصطلحات، فمصَّر الكتاب بأن وضع للقارئ المصري مصورا للنجوم يبين ما يرى منها في القاهرة على الدوام او في بعض الأيام، كما وضع المؤلف مصوره مراعيا فيه موقع إنجلترا وحال القارئ فيها. وحقق المصطلحات بالرجوع إلى مظانها العربية ككتاب عجائب المخلوقات للقزويني ومحاضرات السنيور نللينو المستشرق الإيطالي، ثم جعل للكتاب لحقا يشتمل على فهرس أبجدي شامل لمواده، وقائمة بأسماء النجوم والسيارات باللغتين العربية والإنجليزية، وقائمة ثانية بالحروف العربية المقابلة للحروف اليونانية والرومانية، ثم قائمة ثالثة بالمصطلحات وما يقابلها بالإنجليزية، وأثر الجهد والعناية بادٍ في ترجمة الكتاب وتحقيقه وصوره وطبعه. وحسبه مزية أن يكون السير جيمس مؤلفه، والدكتور الكرداني مترجمه، ولجنة التأليف والترجمة ناشرته، ومطبعة دار الكتب المصرية طابعته. أ. ح

стр. 1125

رحلة إلى بلاد المجد المفقود بقلم وريشة مصطفى فروخ - مطبعة الكشاف ببيروت كتاب أنيق الشكل جيد الطبع، لا تكاد تتناوله حتى تدرك أن صاحبه من رجال الفن، فهو بقلمه وبريشته، على غلافه صورة لناحية من جامع قرطبة وقد كتب عنوانه من الخارج ومن الداخل بخطين مختلفين طريفين، وتناثرت فوق صحائفه طائفة من الصور التقطت بعضها عدسة التصوير، ونقشت بقيتها ريشة المؤلف الفاضل فجاء في مجموعها جامعة بين الجمال والفائدة، ولذلك فالكتاب من هذه الناحية طريف خفيف الظل. وتقرأ في أوله كلمة تحت عنوان (الأندلس) فتلمس فيها إعجاب الكاتب بتلك البلاد وتشوقه إليها، بل هيامه بها قبل زيارتها، تلمس ذلك في مثل قوله (أجل شغفت بها طفلا وشابا وسأحتفظ بهواها مدى الحياة) وكأنك لشدة حماسته تسمع صوته ولست تقرأ عبارته، ولذلك فالكتاب من هذه الناحية قوي الروح عميق الأثر. ولقد أحسن الكاتب صنعا بأن مهد لكتابه بكلمة في أهمية الفن، ثم بلمحة في الفن العربي عامة، والأندلس خاصة، ثم بعجالة في تاريخ الأندلس. قضى المؤلف أربعة أيام في مجريط، ثم اتخذ سبيله إلى طليطلة ويسميها المنيعة، فمتع نفسه بجمال آثارها ثم عاد إلى مجريط فاتخذ القطار من محطة مديوديا إلى قرطبة دار العلم كما نعتها، فزار جامعها ووصفه وصفا مسهبا واتى له بطائفة من الصور البديعة ثم سار إلى أشبيلية، وهي عنده مدينة الطرب وهناك زار قصر الزهراء ووصفه وصفا دقيقا، ومن إشبيلية سار إلى أختها غرناطة مقر الحمراء فوصفها في حماس قوي وإعجاب شديد. ومما أحمده للمؤلف تلمسه الروح العربية في تلك البلاد، مما يشهد بدقة ملاحظته، ففي مجريط أحس تلك الروح في كرم أهلها، ووفرة الطعام على موائدهم، وفي طليطلة رآها في نوافذها وأبوابها الدمشقية وفيما يعرضه الباعة في الطرقات من أقمشة زاهية الألوان، من أساور وأقراط و (بقج) مقصبة وأسلحة وحلي. . . الخ وفي قرطبة وإشبيليةوغرناطة تجلت له تلك الروح في عادات الناس وفي شكل المنازل ذوات الردهات الفسيحة والأبواب والنوافذ العربية , وفيما رآه من أمثال بائعي (البوظة) والليمونادة، وهم يضربون صحونهم ويصيحون في لحن عربي على نحو ما يشاهد في شوارع دمشق. ولئن قدرت قيمة الكتب بما تتركه من أثر في نفوس قارئيها فإني أشهد أن هذا الكتاب من
следующие страницы →