← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.

стр. 10606

الشتاء في إنجلترة (ذكرة) للأستاذ عبد الرحمن شكري مقدمة: يسقط الثلج في إنجلترة شتاء على شكل حبات الدقيق فيعلو الأرض والمنزل والأشجار، فيخيل للرائي كأنما قد كسيت الدنيا كساء من القطن، وكأن النهار ليلة مقمرة، وكأنمابياض الثلج من أثر بياض أشعة القمر؛ وتذكى النار في المواقد في البيوت، فكأن ألوان النار ألوان الأزهار الزاهية في جنة الربيع؛ وتذكى نار المواقد وجنات الوجوه، فكأن في المواقد جمراً، وفي الوجوه جمراً؛ وتبحث في القلوب فترى نار الحياة وشرتها، وترى الحب والآمال لم يغض منها برد الشتاء وثلجه. (الناظم) نشر الضريبُ على البسيطة … حلة بيضاء تمحو غبرة الغبراء يسعى على وَضَح النهار كأنما … يسري الفتى في ليلة قمراء فكأنَّ نُورَ البدر ما حَلَّى الثرى … برواء تلك الحلة البيضاء غلب البياض على اصفرار أشعة … تهب النهارَ من اصفرار ذُكاء وعلى المساكن كسوة منه كما … تعلو المفارقَ شيبةُ الشمطاء فإذا مشابهة المشيب كدعوةٍ … للنفس أن تنأى عن الأهواء وإذا استراح لِمُقْمِر من لونه … راء ترى الأحلامَ عينُ الرائي وكأنما زهرا أبيضاً غطَّى الثرى … برواء ثوب الروضة الغناء ولكل لون حسنه كالليلة ال … ليلاء أو كالقبة الزرقاء ولربما اختلف الجمال وفعله … متشابهٌ في أخذة الصهباء وإذا المواقد في البيوت تضاحكت … من شدة الإيقاد والإذكاء خلت الربيعَ سعى إليك بحلفه … والنارَ زهرَ الجنة الفيحاء يُذكى الوجوهَ لهيبُها فتراهما … جمرين يشتعلان في الظلماء

стр. 10607

ما غض من دفءِ الحياة ونارها … ثلج الشتاء على ثرى الغبراء الحب والآمال فوق متونه … كالحب والآمال في الصحراء والقلب قلبٌ حيث كان إذا ذكت … نار الشباب وشِرَّةُ الأحياء عبد الرحمن شكري

стр. 10608

مؤتمر القلوب للأستاذ محمد السيد زيادة بقية المنشور في العدد ١٢٧ وبقيت حزيناً مطرقاً أتفكر في أساليب الشقاء على الأرض حتى أخرجني من الحزن قلب رأيته حائراً بين القلوب موزعاً عليها مجنحاً فوقها!! يجد قلباً آسيا فيميل إليه مشفقاً عاطفاً يسأله عن قصته ثم يواسيه ويعزيه، ويظل مائلاً إليه بشفقته وعطفه حتى يتأكد أنه خفف عنه بعض ألمه. ثم يتركه ويمضي في المجتمع نائحاً يردد في نوحه صدى القصة التي سمعها من ذلك القلب، ويذيع سرها منمقا، ويصورها مجسمة ليتأسى صاحبها ويستعبر سامعوها. . ثم يصادف قلباً آخر متربة فيبذل له قسطه من دموعه ومن عزائه، ثم يمضي إلى سبيله في المجتمع موضحاً ما غمض شارحاً ما تعقد. وهكذا رأيته كالطائر الغريد يقضي كل وقته متنقلاً بين الأدواح والغصون يتسمع الهمس والنبض والأنين، ويتغنى بما يصل إلى حسه من شجو القلوب وأساها، فيصرف في ذلك راحته وهدوءه. ويتهافت على ذلك كأنما هو يؤدي وظيفة يحتم عليه الواجب أن يؤديها. قلت: قلب من هذا القلب المؤمن العطوف الذي يعذبنفسهفي راحتنا، ويصب علينا من مشاعره حنانا ورحمة، وينساب بيننا كما ينساب الجدول في الحديقة بين مختلف الزهور يغيث منها الظامئ، وينعش الذابل، ويرقص المنتعش؟. قالوا: هذا قلب شاعر. . . وما خلق الشعراء إلا رحمة للعالمين. . . قلب كريم يتعذب بين الناس بحنانه، ليزرع الحنان في قلوبهم بعذابه؛ فترينا حياته كيف تكون حياة الملائكة إذا صاروا من بني الإنسان. إن في أحنائه لعالماً فسيحاً تمتزج فيه آلام الناس بآلامه هو فتكون كتلة واحدة من الألم يتفجر من بينها ينبوع فوار من الرحمة ينهل منه كل بائس. لكأنما هو مكلف باستخراج مصيبة لنفسه، من كل مصيبة تنزل بغيره، أو مرسل من عند الله لتخفيف أشجان مخلوقاته. فكم يفتش في مناحي الحياة عن مآسيها وعبرها ليتحمل نصيباً منها! وكم ينقب في أغوار الكيان عن خفاياه ومكنوناته ليحدثالناس عنها! وكم يكد ليخلق من كل ما حوله جنة لكل من حوله!. ولما أنى للمؤتمر أن يبدأ عمله وجدت قلب الشاعر أظهرنا اهتماماً، وأشدنا فرحاً، وأكثرنا

стр. 10609

حركة. وما كدت أعجب لهذا حتى عجبتُ لأكثر منه إذ علمت أنه هو الداعي إلى هذا المؤتمر. وساد الكون فترة ثم وقف قلب الشاعر يقول: دعوتكم إلى هنا اليوم يا إخواني لأنادي فيكم بالوئام فهل أنتم مجيبون؟ إذا كان ذلك، وما أظن إلا ذلك، فلنجمع إذاً أمرنا على إقرار المحبة، وتبادل الوداد والإخلاص بيننا؛ ولنترك إذن كل ما يتعلق في أهداب الحياة من المساوئ والمكارة التي إذا وقع أحدنا في إحداهاوقعفي أخس الصفات وبات مذموماً ممقوتاً؛ ولنتنصُّل إذن من شئ بغيض اسمه البغض، ومن شئ كريه اسمه الكراهية؛ ولنتجنب الوضاعة في تجنب الحقد، ولننبذ الأنانية في نبذ الحسد. ْ لنشرع لنا يا إخوتي سنناً جديداً، ونمشي في نوره إلى المثل الأعلى لنقاوة القلوب. كونوا جميعاً عصبة واحدة كلمتها الدائمة: نحن إخوة فليس بيننا إلا مافي الإخاء من إخلاص ووفاء - كونوا جميعاً قلباً واحداً لا يحمل غير الأيمان والحب. قال قلب الشيخ المصلح: أكرم بك يا قلب الشاعر!! لقد قلت ما أحب دائماً أن أقوله وأن أعمل له. إنك لصورة مني في قالب الجرأة، وأنى لصورة منك في قالب الحياء. ثم تحول إلى الجمع وقال: أنصتوا له يا أعضاء المؤتمر، وأطيعوه، إنه يدعوكم إلى السلام. قال قلب الشاب الساذج المغتر وهو يرقص كالطفل يرى لعبة جديدة له في يد أمه: مرحى. . . مرحى. . . جاء السلام. . . نعم السلام؛ فلنتسارع جميعاً إليه ولنستبشر بالهدوء والطمأنينة. قال قلب الرجل المفسد: كأن لك غرضاً خفياً من وراء ندائك هذا يا قلب الشاعر!! فأنت تدعونا الآن إلى الانصراف عما خلقنا له من عمل وجهاد، والركون إلى ما خلقنا لنحاربه من خمود واستسلام. قال قلب الشاعر: صه يا هذا القلب المتكلم. . . ماذا في السلام من الخمود والاستسلام؟ وهل معنى العمل والجهاد أن نتسابق في الضغائن والأحقاد؟ أعملوا وجاهدوا ولكن فيما فيه الخير والنفع تعيشوا في حدود السلام سالمين. قال قلب المفسد: وكيف نسلم إذا كانت نواميس الطبيعة تحتم علينا إن تختلف طباعُنا، فنختلف بها، فيأخذ كل منا منهجاً لنفسه، فتتعدد الأحوال بتعدد المناهج، فتنجم المشاكل

стр. 10610

فتخلق العناد، وتستلزمالعمل والجهاد. قال قلب الشيخ المصلح: ما أخطرك أيها القلب على كل محيط تندس فيه!! إنك لخبيث وتدافع عن الخبث بقوة هي فجور الخبث وتسلطه وانتقاله من طور الداء إلى طور الوباء. لماذا لم يتكلم غيرك منابذاً دعوة السلام، محاولاً تفنيد الرسالة التي حملها ألينا قلب الشاعر؟ ولماذا لم تبدر من غيرك نذر الخلف ووسائل الشر؟ أليس هذا لأنك مجبول على الخسة وحقارة المبدأ؟. . . ما أقل شأنك عند الله، وماأبعدك عن رحمته، وما أحقك بأن تكون سخرية لكل ساخر!. قال قلب الشاعر: لقد فسد خلقه، ثم أعلن في هذا المؤتمر فساده، ثم دافع عنه الصلاح، ثم أرادأن يجعله نهجاً نتسقل فنعمل به جميعاً. . . ليس بعد هذا حضيض لمنحط، أو قرار لنازل من مستوى الآدميين على دركات منها الوقيعة، ومنها النميمة، ومنها الدس، ومنها الرياء؛ وآخرها التبجح في كل ذلك!! أخرجوه عنا وأبعدوه. فانقضضنا عليه وطردناه، وكان كل منا يشعر إذ ذاك بأن هذا القلب رذيلة تتحكك به، فاتحد شعورنا فشعرنا كلنا بأنه رذيلة تريد أن تسلك سبيلها المظلم في المجتمع، فوجب علينا أن نصدها، بل وجب علينا أن نمحوها. . . ولما طرد من بيننا ذلك القلب الشرير، أو ذلك الشر المتسلط، أو ذلك الخطر المتسلل، أسوأ الطرد كانت لا تزال بيننا قلوب من طبقته، تعمل على شاكلته، فتوجست خيفة، وتضاءلت، والتمست النجاة، وانتدحت المخابئ. ولكنها كانت مع هذا حريصة على أن تظل مدسوسة في المؤتمر، أو مخبوءةفي مسمع مما يدور فيه لتشبع غريزة الحب الاستطلاع التي هي إحدى لوازم عملها، وإحدى دعائم حياتها. وعرفناها فألحقناها بزميلها الذي فضح نفسه حين تكلم، فكان شراَ على نفسه حين أراد أن يكون شراً علينا، وانقلبت عليه سيئات ما عمل قبل أن تصل إلينا. ووقف قلب الشاعر يكرر نداءه، ويستكمل رسالته ويقول: أحسب الآن أننا نجونا من الرذائل بطرد دعاتها ومحبذيها، وأعتقد أننا سنحارب القلوب المضرة ما استطعنا حتى تصير مثلنا أو تنقرض، وأن كلاً منا قد آمن بنعمة السلام، وأننا قد أصبحنا أخوة، ولكن تظل أخوتنا ناقصة حتى نسبغ عليها شيئاً ضرورياً لها هو روح الاخوة. . . فينظر بعضنا إلى بعض دائماً نظرة الاحترام الخالية من الاستصغار أو الاستنكار أو الاستهتار، فليكن

стр. 10611

بيننا كبيراً في مقداره، كثيراً في اعتباره، وليكن شعوره محترماً ككل شعور. فاستاء قلب الجبار وقال: عجباً!! كيف يساغ أن نعامل الضعيف كما نعامل القوى؟؟ وكيف نجل ذاك كما نجل هذا؟ وكيف نعتبر ذاك في ضعفه كما نعتبر هذا في قوته؟ إلا يكون في ذلك خلط، وتزييف في حقائق، وغبن للكرامة، وتشويه للحياة؟. . . . . إنها لمساواة فاشلة باطلة، كالمساواة بين الخادم وسيده، أو بين الطفل وأبيه. فلا العقل يتصورها، ولا الطبيعة تقيمها، ولا ظروف المعايش تبيحها. قال قلب الشاب الساذج المغتر: أجل. . . . أجل. . . هذا هو الصواب؛ فالقوي لا يمكن أن يقبل الضعيف عديلاً له أو شبيهاً به، لأن القوي لا يستطيع أن يهبط حتى عيشه الضعيف، والضعيف لا يستطيع أن يعلو حتى يعيش عيشه القوي، فليكن القوي فوق الضعيف، ولتكن القوة موضع الاحترام. قلت أنا أخاطب قلب الجبار: أنت واهم أيها القلب المتجبر تحسب أن الصدارة للقوي يعمل ما يشاء فيرتاح الجميع لما يعمل؛ ثم يأبى عليك جبروتك أن تساوي بمن يقل عنك قوة ومكانة؛ ولكن هون عليك فانك لم تدع إلى ما فيه غبن لكرامتك أو حطم لكبريائك، وإنما دعيت إلى ما تعد كريماً لو فعلته. دعيت إلى تبادل المحبة مع القوي والضعيف على السواء؛ فبقدر قوتك يحسب على الضعيف كرمك، وبقدر كرمك يعتبر تواضعك، وبقدر تواضعك يكون سموك. نحن نعرف أنك قوي، ونعرف أنك لست وحدك القوي، فأكثرنا ذو قوة. . . وإن لم تكن قوته في بنيته ففي صلابة إيمانه، أو في طيبة عنصره، أو في طهارة نزوعه، أو في عزته وإبائه؛ وقد ينقصك شئ مما في غيرك من هذا كما ينقص غيرك شئ مما فيك من القوة. فلنقدر كل هذه الصفات، ولتعلم أن القوة ما هي إلا واحدة منها. قال قلب الشاعر: ليس ذنب الضعيف أنه ضعيف، لأنه خلق كذلك فلم يدخل شيئاً جديداً على خلقته؛ والقوي يكون مذنباً إذا اختال بقوته، لأنه يدخل باختياله عيباً كبيراً على خلقته. . . وكنت أظن أن عمل المؤتمر قد انتهى إلى هذا، ولكن وقف قلب الشاعر مرة أخرى يستكمل رسالته ويقول:

стр. 10612

ما دمنا أخوة، ومادمنا نشعر بروح الأخوة. . فعلينا واجب هو آخر واجباتنا غير أنه أهمها، هو أن نقدم العون والمواساة لمن كان منا منكوباً أو مكروباً؛ فمثل هذا القلب - وأشار إلى قلب المومس بجانبي فيكي - كم بألم، وكم يكتم ألمه، لأنه لا يجد من يشكوه إليه، وإن وجد فأنه لا يجد من يواسيه فيه، فيكي وحده كلما انفرد فتذكر، أو كلما اجتمع فتفكر - بكاء الصابرين على غير أمل، والأحياء في غير رجاء. فأقبلنا جميعاً على هذا القلب المسكين نواسيه، حتى انفرجت كربته؛ ثم أخذنا نتشاكى ونتناجى ونتواسى، ثم أقبلنا على قلب الشاعر نكبره ونصافحه ونحييه، ثم انفض المؤتمر. ولما خرجت من التفكير والحلم، ثم عدت كما أنا شخصاً في صدره قلب، قلت: آه!! كم يعيش العالم سعيداً لو اتحدت قلوبنا فاتحدنا؛ وكان ٍأساس اتحادنا الإخلاص!. (طنطا) السيد محمد زيادة

стр. 10613

بين المتنبي وسيف الدولة للأستاذ أحمد أحمد بدوي غادر المتنبي أرض مصر وشعوره لأميره السابق سيف الدولة نستطيع أن نجمله في بيتين قالهما المتنبي وهما: فارقتكم فإذا ما كان قبلكم … قبل الفراق أذى، بعد الفراق يد إذا تذكرت ما بيني وبينكم … أعان قلبي على الشوق الذي أجد فهو قد خرج من مصر ونفسه تواقة إلى سيف الدولة، مشتاقة إلى الاستظلال بكنفه، لأن آماله التي غرسها عند غيره لم يجن منها غير الخيبة والندامة؛ ولم يكن اشتياق سيف الدولة إلى لقاء المتنبي بأقل من ذلك، فقد أحس بعد فرقته بفراغ لم يملأه شاعر ممن حوله، ورأى بلبله الغريد قد طار عن أبكته، وحط عند غيره، ولم يكن أحب إليه من عودته، كما دلت على ذلك فعال سيف الدولة بعد أن فارق المتنبي أرض مصر، وهو إحساس كان من السهل على المتنبي أن يستثمره وأن يقصد تواً أرض سيف الدولة، ولكنه لم يفعل لأمور نستطيع تلخيصها فيما يأتي: أولاً ما فطر عليه المتنبي من سمو النفس والعظمة التي كانت تملأ جنبيه، فقد عز عليه أن يلجأ إلى من فارقه مغضباً منه، وأن يذهب إلى من فرّط فيه ولم يبق عليه، بل سمع فيه قول الوشاة. وثانياً هذا الشعر الكثير الذي قاله مضطراً تحت عوامل نفسية، وعوامل خارجية وثورة واضطرام عواطف وسب فيه سيف الدولة، فلم يجد من اللياقة أن يقصد من هجاء، ورأى في ذلك غضاضة لا يسبغها ولا يقبلها. لم يذهب المتنبي إذاً إلى سيف الدولة ولكنه قصد الكوفة، وهناك كثيراً ما ذكر أيامه السالفة لدى الأمير وعهده الغابر؛ أما سيف الدولة فقد نسى كل ما ذكره المتنبي عنه حينما كان بمصر وأرسل إليه ابنه بهدية، فلم نجد المتنبي ما يشكره به سوى شعره، فكتب إليه قصيدة بدا فيها ما يكنه من جميل الذكرى وفيها يقول: كلما رحبت بنا الروض قلنا … حلب قصدنا، وأنت السبيل والممَّون بالأمير كثير … والأمير الذي بها المأمول

стр. 10614

الذي زلت عنه شرقاً وغرباً … ونداه مقابلي ما يزول نقص البعد عنك قرب العطايا … مرتعي مخصب وجسمي هزيل إن تبوأتُ غير دنياي دارا … وأتاني نَيْل فأنت المنيل من عبيدي إن عشت لي ألف كافو … ر ولي من نداك ريف ونيل ولا ينسى في تلك القصيدة أن يسمعه تلك النغمة القديمة التي كان يطرب بها مسامعه أيام كان في كنفه، فهو يحدثه عن حربه مع الروم وطول عراكه معهم، لأن تلك النغمة أعذب نغمة لدى سيف الدولة، فهو يقول له: وموال تحييهم من يديه … نعم غيرهم بها مقتول فرس سابق، ورمح طويل … ودلاص زُعف وسيف صقيل أنت طول الحياة للروم غاز … فمتى الوعد أن يكون القفول تلك القصيدة تشعرك حقاً بأن المتنبي يحفظ أجل الذكريات لأميره ولا ينساها. ثم لما ماتت أخت سيف الدولة وورد نعيها العراق وسمع به المتنبي أبت عليه نفسه إلا أن يكون له نصيب من الحزن عليها فرثاها بقصيدة تدلك حقاً على وجدان متألم، وأنه يحزن لحزن أميره القديم ويرثى لمصابه، وفيها يقول: طوى الجزيرة حتى جاءني خبر … فزعت فيه بآمالي إلى الكذب حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا … شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي أرى العراق طويل الليل مذ نعيت … فكيف ليل فتى الفتيان في حلب يظن أن فؤادي غير ملتهب … وأن دمع جفوني غير منسكب بلى وحرمة من كانت مراعية … لحرمة المجد والقصاد والأدب فأنت ذا تراه ينفى عن نفسه أنه لم يشارك أميره في الحزن ويقسم له بحرمة الفقيدة ثم يقول: يا أحسن الصبر زر أولى القلوب به … وقل لصاحبه يا أنفع السحب وأكرم الناس لا مستثنياً أحداً … من الكرام سوى آبائك النجب ولعل رغبة سيف الدولة قد اشتدت في أن يكون المتنبي إلى جانبه فأرسل إليه كتاباً بخطه إلى الكوفة يطلب منه أن يسير إليه، فأجابه بقصيدة فيها عتاب جميل واعتذار عن التخلف،

стр. 10615

ومدح لسيف الدولة؛ ولعل المتنبي بذلك المدح يريد أن يعوض على سيف الدولة فقده؛ واستمع إليه يعتذر ويقول: وما عقني غير خوف الوشا … ة، وإن الوشايات طرق الكذب وتكثير قوم وتقليلهم … وتقريبهم بيننا والخبب وقد كان ينصرهم سمعه … وينصرني قلبه والحسب وما قلت للبدر أنت اللجي … ن وما قلت للشمس أنت الذهب فيقلق منه البعيد الأباة … ويغضب منه البطئ الغضب ويمدحه ويقول: وما لاقني بلد بعدكم … ولا اعتضت من رب نعماي رب وما قست كل ملوك البلاد … فدع ذكر بعض، بمن في حلب أفي الرأي يشبه أم في السخا … ء أم في الشجاعة أم في الأدب ثم يمضي مادحاً معيداً على أذنه تلك النغمة القديمة - كما قلنا - نغمة مدحه بقتال الروم. تلك علاقة المتنبي بسيف الدولة وهي علاقة لا تتعدى المراسلة، وقد يقال: أما كان من الخير للمتنبي أن يذهب إلى سيف الدولة بعد أن دعاه؟ ولكن إذا علمنا ما كان يخشاه المتنبي من الوشاة وأن المأساة ربما تتكرر خففنا من لومه والاعتراض عليه. لم يلق المتنبي إذاً سيف الدولة بعد أن فارقه حتى قتل؛ أما شعور الأمير ساعة علم بمقتل شاعره القديم فان كتب الأدب إذا كانت لم تحدثنا عنه فمن السهل علينا فهمه، إذ ليس من اليسير على سيف الدولة تقبل مثل هذا الخبر من غير أن يحزن له وأن يتألم من أجله في صميم فؤاده. أحمد أحمد بدوي

стр. 10616

٧ - معركة عدوى للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي وكان لموقع عدوى خطورة خاصة من حيث الاحتشاد في (ادجرات) حيث يوجد طريق يربط عدوى بأسمرة تواً بعد أن يمر بغوندت ويقطع خط الاتصال على القوات في ادجرات، وإذا أرادت الانسحاب تكون القوة الحبشية في عدوى قد سبقتها إلى اسمرة، بينما موقع أسمرة خطير وهو واقع على عقدة الجبال ويستر ميناء مصوع. نعم يوجد طريق آخر يربط ادجرات بزولا في جنوبي مصوع وتستطيع القوات أن تتمون وتنسحب بواسطته إلى الساحل عند الحاجة، بيد أنه لا يستر الميناء (مصوع)، وهذا الميناء هو القاعدة لجميع الحركات ومنه تتمون حاميات (كرن) و (كسلا)، ولم يكن البريطانيون راغبين في إخلاء كسلا قبل أن يقضوا على حركات المهدي تماماً. وقد أدى جمع القوات في ادجرات إلى مجابهة القيادة الطليانية مشكلة التموين. وكان في عدوى مقدار كبير من الذخائر اضطر الطليان إلى إتلافه لما انسحبوا منها. ولم تكف وسائل النقل لنقل المؤن. وبدلاً من أن يمونوا الوحدات الأهلية أخذوا يدفعون إليها الدراهم بدلاً من الأرزاق، بينما كانت الأرزاق قليلة، وكانت الأحوال جميعاً تدل على أن الطليان وقعوا في مأزق لا يمكنهم الخروج منه إلا بصعوبة. فأرادت الحكومة الطليانية أن تنقذ الموقف بإرسال قوات جديدة إلى أريترة، وقررت من جهة أخرى إنزال القوات في ميناء زيلع للتقدم نحو هرر واستمالة المسلمين إلى جانب إيطاليا وتهديد العاصمة (أديس أبابا)، فتضطر القوات الحبشية إلى الإنقسام. بيد أن حكومتي بريطانيا وفرنسا لم توافقا على إنزال القوات الطليانية في ميناء زيلع في الصومال البريطاني لأنهما كانتا قد اتفقتا على اعتبار مقاطعة هرر من الأملاك الحبشية. وهذه المقاطعة الكثيرة السكان تتجر مع المستعمرتين الفرنسية والبريطانية، ولكلتا الدولتين منافع خاصة فيها. والذي زاد الطين بلة أن الخلاف ظهر بين القيادة الطليانية في أريترة وبين الحكومة الطليانية في رومة. وكانت البرقيات التي يرسلها رئيس الحكومة (كريسبي) تندد بأعمال

стр. 10617

الجنرال باراتيري، وكلما ورد خبر مؤلم إلى إيطاليا تثور زوبعة في رومة تنتهي بإرسال برقية شديدة اللهجة إلى حاكم المستعمرة وقائدها. ومن هذه البرقيات البرقية التالية التي أرسلها رئيس الحكومة إلى الحاكم العام بعد وصول أخبار نكبة (امبا - الاغي): (أرسلنا إليك أكثر مما طلبت ولا نزال نرسل. وإذا كان سبب المصائب عدم كفاية وسائلك أو قلة كفايتك فالويل لك). وفي البرقية الأخرى يذكر ما يلي: (يظهر لنا أن في روحك شيئاً من الخيبة والتردد). وطلب الجنرال إرسال أربعة عشر فوجاً وخمس بطريات جبلية؛ بيد أنه لم يفكر في كيف يتمكن من تموين هذه القوات بينما كانت القيادة عاجزة عن تموين أولئك الموجودين في المستعمرة، وكان يبحث في القيام بالهجوم من جديد. وكان جواب (كريسبي) إليه ما يلي: (أنا لا أريد منك خطط حركات، وإنما أرغب إلا تتكرر الهزائم). وفي ٨ يناير ١٨٩٦ أبرق الجنرال (باراتيري) أنه لا يريد إرسال قوات لأنه لا يتمكن من تموين القوات الموجودة عنده. وبعد سقوط قلعة (مكلة) تأكد من كثرة قوات الحبشة التي عسكرت بين (مكلة) وادجرات، فقرر ترك مقاطعة (تيجري) والانسحاب بقواته إلى مصوع، وطلب الموافقة على ذلك من رومة، إلا أن الحكومة الطليانية لم تشاركه في هذا الرأي، وكان كريسبي يستهزئ بباراتيري مبرقاً إليه: (إنك مصاب بالتدرن). فلم ير الجنرال بداً من رمي الجيش الإيطالي في النار ٨ - قبل معركة عدوى لما حاصر ماكونين قلعة (مكلة) عسكر منليك بجيشه بين القلعة و (ادجرات)، ولما سقطت (مكلة) وافق على ذهاب الأسرى مقابل مال تدفعه إليه الحكومة الطليانية. وكان رسول كريسبي يفاوض منليك في هذا الشأن. وسافر الموظفون المدنيون أولاً إلى (ادجرات)، وبعد خمسة عشر يوماً سافر الجرحى والمرضى على البغال التي أخرجتها الحامية من القلعة لقلة الماء فيها وقد أظهر النجاشي مقدرة حربية بالاستفادة من سوق الأسرى. ولم تكن القوة المحتشدة في

стр. 10618

ادجرات قليلة، وكانت القلعة حصينة، والطريق الذي يصل مكلة بادجرات وعراً، ويمر بمضايق حصنها الطليان لسدها في وجه الأحباش. وكانت الجهة المعرضة للهجوم واقعة إلى الجنوب ومسيطرة على الوادي في انحدار شديد. وكان طول الخنادق حول القلعة ٧٥٠ متراً، وكانت مواضع المدافع صالحة للرمي على مسافات بعيدة. وبلغت القوة المكلفة بالدفاع عن هذه الجبهة ٠٠٠ر٢٠ مقاتل، وكان التقدم في هذه الناحية يلقى عراقيل وموانع، وقد لا ينجح الهجوم على الطليان لمناعة مواضعهم وكثرة مدافعهم ووفرة سلاحهم. وإذا استطاع منليك أن ينقل جيشه من شمالي مكلة إلى عدوى دون علم الطليان فإنه يكون قد هدد طريق (اسمرة - مصوع) وألجأ الطليان إلى الانسحاب من ادجرات، لأن التقدم من عدوى في الجهة الشمالية الشرقية يقطع خط الرجعة على الجيش الطلياني ولكن كيف يستطيع منليك القيام بالمسير الجنبي بهذا الجيش اللجب دون علم الطليان؟ والأمر يتوقف على الخدعة، والعرب يقولون: (رب حيلة تغني عن قبيلة). وسوق الأسرى وفيهم الجرحى والمرضى من مكلة إلى ادجرات هيأ هذه الخدعة، فأنبأ منليك القيادة الطليانية بأنه سوف يوفد قوة من جيش ماكونين مع الأسرى لحراستهم. فساقهم يوم ٢٥ يناير على طريق (اندرثا) وفي اليوم الثامن غير طريقهم إلى (هوزن) بحجة أن الطريق الأول لا يصلح لسوق المرضى والجرحى؛ وهكذا قدم جيش ماكونين على طريق (مكلة - هوزن - ادجرات) وبحراسة هذا الجيش سير منليك جيشه من معسكره إلى عدوى. ولما وصل الأسرى إلى ادجرات كان جيش منليك في عدوى والتحق به بعد ذلك جيش ماكونين فأصبح مجموع القوة ٠٠٠ر٨٠ رجل ولا ريب في أن منليك أهمل أمر (ادجرات) واهتم بعدوى. والحقيقة أن لخط (ادجرات - عدوى) خطورة عظيمة من حيث السيطرة على مستعمرة اريترة، أو سد الطرق في وجه المهاجمين لبلاد الحبشة، لأن الخط المذكور كما سبق القول يمر بذرى الجبال التي تؤلف الخط الفاصل بين حوضي نهر مارب ونهر تكاسا. واعتمد منليك على تفوق عدده وتيقن أن الضربة التي ينزلها في عدوى تفتح له الطريق. وما دام هو في عدوى فلا يجرؤ الطليان على التقدم في الجهة الجنوبية الغربية ولما وصل الجيش إلى عدوى احتل الروابي الشرقية وتأهب للمعركة، فاضطر الجنرال

стр. 10619

(باراتيري) أيضاً إلى تغيير وجهة جيشه. فبعد أن كان متوجهاً إلى الجنوب توجه إلى الغرب ولم يستعجل منليك القتال، وكانت لديه مهمات أخرى يريد أن ينجزها قبل العمل، وهي إراحة الجيش، واحتلال المواضع المسيطرة، وتسليح الأهليين في المستعمرة، وحثهم على الثورة على الطليان. فتظاهر بأنه يريد الصلح، وشاغل الطليان بمفاوضات الصلح، فحملهم على البقاء في ادجرات. وطلب من الحاكم العام أن تجري المفاوضات على الأسس التالية: اعتبار نهر مارب ونهر بلزة خط الحدود، وتصحيح معاهدة كسلا، والاعتراف باستقلال الحبشة. وهكذا أظهر للعالم أنه مسالم. بيد أن الجنرال (باراتيري) أنبأه بأنه غير مفوض بقبول هذه الشروط ما لم يقف على رأي رومة وفي ١٣ فبراير سنة ١٨٩٦ نجحت تدابير منليك بإغراء الأهليين الذين كانوا قد تطوعوا في الجيش الطلياني مقابل راتب. وفي ١٤ فبراير ترك المتطوعون الجيش الطلياني وانضموا إلى الجيش الحبشي وهاجموا قوة الستار الطليانية في مضيق (اليطا) وحاول قائد القوة في هذه الجبهة أن يحول دون انضمام المتطوعين إلى الأحباش وأرسل وراءهم فصائل طليانية على التعاقب، إلا أن المتطوعين أحاطوا بهؤلاء واضطروهم إلى التسليم وساقوهم أسرى إلى منليك، فتشجع الأهليون بذلك وثاروا على الطليان، واستولوا على طريق (ادجرات - سنافه)، وقطعوا الأسلاك البرقية؛ وطفق الطليان يشعرون بحرج الموقف إذ قلت الأرزاق، لأن الثوار أخذوا يهاجمون القوافل على خط المواصلات؛ وكانت القوافل تسير بحراسة حاميات قوية ببطء. وأخذ بعض فصائل الجيوش يتقدم نحو أسمرة لعبور نهر مارب والوصول إلى (غودفلاسي) (يتبع) طه الهاشمي

стр. 10620

شعر الديباجة أدب البارودي وشعره بمناسبة انقضاء مائة سنة على مولده للأستاذ أحمد الزين أما وقد تحدثت إليك في الفصول السابقة عن ألفاظ الشعر ومعانيه؛ وبينت أن للشعر ألفاظاً ومعاني مختصين به، لا يشاركه فيهما غيره من الكتابة والخطابة؛ وأوضحت الفرق بين المعاني الشعرية وغيرها من المعاني البسيطة؛ ومثلت لجميع ذلك بما أوضحت به الغرض من شعر القدماء والمحدثين؛ فإني متحدث إليك اليوم عن شعراء الألفاظ فأقول: قد يفرط بعض الشعراء في تحسين الألفاظ وتجميل العبارات مع خلو الشعر من المعاني الحية، والأغراض الملائمة للبيئة، والتفكير المساير لثقافة العصر، فلا ترى في القصيدة على طولها، بل في الديوان على ضخامته صورة صادقة منتزعة من حياة الأمة ولا من حياة الشاعر نفسه، بل يعمد الشاعر إلى معاني سواه من الشعراء المتقدمين فيرددها في شعره، ويحشو بها قصائده، ويحاول أن يخدع القراء عن هذا التقليد بألفاظ يجيد تهذيبها، ويحسن اختيارها، ويجري فيها على مذهب القدماء من الفخامة والجزالة والمتانة، ومع هذه الفخامة وتلك الجزالة فإنك تشعر في مجموع القصيدة وفي كل بيت من أبياتها ببرودة الموت وسكون الفناء، كأنك ترى جسماً ميتاً يبدو الجمال على محياه، وما يجدي الجمال مع فقد الحياة؟ فإنه مما لا نزاع فيه أن للمعاني كما لذوات الروح أزمنة محدودة تحياها، وأعماراً معدودة تعيشها؛ وأن من المعاني ما ينقضي أجله بمجرد انقضاء الحادثة التي قيل فيها، فإذا قيل بعدها عدّ من المعاني الرثة البالية؛ ومنها ما يخلد على توالي العصور وتعاقب الأجيال ويظل جديداً على قدمه، يغالب الزمن بما فيه من عناصر القوة والبقاء، ويدافع العدم بما فيه من أسباب الحياة، وذلك إذا تعلق المعنى بغرض عام في حياة الإنسانية جمعاء، وصلح أن يتخذ مثلاً سائراً بين جميع الأحياء؛ ومنها ما يخرج من فم قائله ميتاً، كالسقط الذي لم يستهل صارخاً، لا يستحق غسلاً ولا تكفيناً، لأنه ولد دفيناً؟ وكثيراً ما ترى ذلك في شعر التقليد وقصائد المعارضات التي يجاري فيها الشعراء من تقدمهم ن فحول

стр. 10621

الشعر وأعلام القريض. وبالجملة فمن عيوب الشعر التي لا تغتفَر أن يُعنى الشعراء بالألفاظ دون ملاءمة المعاني للبيئة التي يعيشون فيها، ومسايرتها لثقافة العصر الذي قيل فيه الشعر ومن هؤلاء المرحوم (محمود سامي البارودي) فقد كان ﵀ غريباً في مصره، وصياغة عصر غير عصره، ومغرداً في روض العلويين بأغاريد العباسيين، ومُسمعاً دولة إسماعيل وتوفيق ما لا يطرب له غير الرشيد وأنداده من أمراء المؤمنين، فهو شاعر جاء متأخراً عن زمنه، بعيد العهد بينه مبين أقرانه وأساتذته من أوائل العصر العباسي إلى أواسط القرن الرابع، وهم الشعراء الثلاثون الذين اشتملت مختاراته الضخمة على كرائم قصائدهم، وعيون شعرهم في أهم أبواب الشعر وأجل أغراضه في تلك العصور وهي المديح والرثاء والأدب والصفات والنسيب والهجاء والزهد. ولم يزل هذا الكتاب منذ طبع حتى اليوم ينبوعاً صافي المورد، ومنهلاً عذب الشريعة، يرده الأدباء والمتأدبون ظماء، ويصدرون عنه رواء، فكم من أديب نابغ في هذا الجيل قد تخرج عليه، وعلم من أعلام البيان العربي كان مرجع بيانه إليه، وشاعر فحل زكت شاعريته، ونمت موهبته بالرواية عنه، والأخذ منه، ولسان منعقد حلت عقدته بمطالعته، وانطلق من وثاق اللكنة بمذاكرته، وتعلم صقل الألفاظ، وعلو البيان، وإشراق الأسلوب بدوام النظر فيه، ومحاكاة ما يعلق بالذهن واللسان منه؛ وكم خابط في ظلمات العجمة استوضح معالم العربية الصريحة، وملامح الصور الشعرية الصحيحة بضوء مصباحه، فهذه المجموعة في حسن ما اشتملت عليه من قصائد المولَّدين وجدواها على الأدباء والمتأدبين، وكثرة من تخرج عليها من الشعراء المجوّدين، أشبه الكتب بحماسة أبي تمام وإن اختص كل منهما بشعراء عصر، فمختار أبي تمام مقطعات من شعر العربية الخالصة التي لم يشُبها توليد، وختار البارودي قصائد من شعر الموّلدين؛ فحيث انتهى أبو تمام في حماسته ابتدأ البارودي في مختاراته، فهو كالذيل له، وإن كان أضفى من الثوب، وقد كان يقال: إن أبا تمام في اختياره، أحسن منه في أشعاره. وعندي أن البارودي يشبهه في ذلك، بل هو أولى منه بهذا الحكم الأدبي العادل. فجميع شعره ليس إلا تقليداً لشعر هؤلاء الثلاثين الذين اختار لهم، ولا نزاع في أن الأصل

стр. 10622

أقوى في بابه من التقليد مهما بالغ المقلد في أحكام عمله، وتنوق في تقليده. أما أبو تمام فلم يقلد أحداً في شعره، بل كان إمام مذهب شعري خاص موسوم به، معزوٍّ إليه؛ لم يُسبق فيه بأحد قبله، وتابعه عليه كثيرون ممن عاصره أو جاء بعده. وناهيك بما كابده البارودي ﵀ من العناء والجهد في جمع هذه الدواوين التي كانت تعد في عصره من نوادر الكتب ونفائس الخزائن، وذخائر الكنوز الخطية التي لم تصل إليها يد النشر بطبع ولا نسخ، إذ كان بعضها في خزائن العظماء والسراة يتوارثونها فيما يتوارثون من ذخائر وطرائف لا يعرفون قيمتها، ولا يدرون ما يُفعل بها؛ وكان أكثرهم بل كلهم من أمراء الترك الذين استوطنوا هذه البلاد واتصلوا بملوكها، أما بالمودة أو بالقربى أو بالعمل، واستأثروا بالثروة الوافرة والجاه العريض؛ وكانوا يحشدون في خزائنهم تلك الكتب مباهين بعضهم بعضاً في جمعها، لا في نفعها، وقد آل بعض هذه الخزائن إلى دار الكتب المصرية من عهد قريب، كمكتبة المرحوم طلعت بك وحليم باشا وغيرهما، ويشهد الله ما فتح أكثر هؤلاء من كتبهم سِفراً، ولا قرءوا منها سطراً، وإنما كان يبهجهم ما يرون في بعض هذه الكتب من النقوش الفنية البديعة، والصور المتقنة الرفيعة، ويبهرهم من الكتاب ما يرون فيه من نفاسة الغلاف، والعلامات الذهبية في أواسط الصحف أو على الأطراف، وغير ذلك مما يسترعي الأبصار، دون الأفكار. ولا يزال بيننا الآن من الناس من لهم كلَف شديد باقتناء الكتب: إما ببذل المال الكثير في شرائها، أو باستهدائها من مؤلفيها وجمعيات نشرها، ويتنوقون في تجليدها تجليداً حسناً، وينقشون أسماءهم عليها بالذهب، ويرتبونها في خزائنها ترتيباً متقناً، وينسقونها في مواضعها تنسيقاً فنياً يبهج الناظر، متوخين في ترتيبها التجانس في الألوان والأحجام، دون العلوم والموضوعات، إذ كانوا لا يفقهون من ذلك قليلاً ولا كثيراً، ولا يدركون من نفعها جليلاً ولا حقيراً؛ معتقدين أن حجرة الكتب مما تتم به مرافق البيت، كحجرة الزائرين وحجرة الطعام وما إليها، فإن قدم عليهم زائر أدخلوه حجرة الكتب ليرى أثر النعمة عليهم، بجمع هذه التحف لديهم. وكان بعض هذا الكنز الثمين مدفوناً بين أنقاب المساجد وفي كوَى الزوايا في حراسة الجهلة من خدمها، يبيعونه لتجار الفرنجة بيع يوسف بثمن (بخس دراهم معدودة وكانوا فيه

стр. 10623

من الزاهدين). فتفرق أكثر هذه الكتب في العواصم الأوربية، إما في مكاتبها العامة، أو في الخزائن الخاصة، والأدباء والعلماء في الشرق يتلهفون شوقاً إليها، ويتحرقون أسفاً عليها، ويسمعون بها سماعهم بأصحابها، حاسبين أنها انقرضت بانقراضهم، وذهبت بذهابهم؛ وهي تختلس من بلادهم، وتنتهب من بين أيديهم؛ واللغة التي أشفت على الهوّة، وأشرفت على المنحدر، في حاجة ماسة إلى نهضة كبرى لإحيائها، وقِوام تلك النهضة هو إحياء تلك المخطوطات البالية، بل الآثار الباقية لأعلام البيان وأمراء الكلام من الكتاب والشعراء، فلبثت هذه الكتب في ظلمات الخزائن مئات من السنين تتعاقب عليها الحقب والأجيال، ويتضافر على تعطيل الانتفاع بها الجهل والإهمال، وتنتفع الجرذان والأرَض بأكلها، أكثر مما ينتفع الأدباء والعلماء بفضلها؛ حتى أتاح الله لها ذلك الأديب النابغ، والشاعر الفذ، فتولى نظارة ديوان الأوقاف، وجمع ما بقي من هذه الكتب في مخابئها؛ وكان هذا هو بدء العمل في إقامة دار للكتب في مصر. ولا يغيبنّ عن ذهنك أن ما بذله ذلك النابغة ﵀ من الجهود المضنية في الظفر بتلك الدواوين التي جمع منها مختاراته، لم يكن بأكثر مشقة مما عاناه من التعب المُمِض، والنصب المُقِضّ، في تصحيح ما أفسدته أيدي الجهلة من النسّاخ بل المسّاخ من ألفاظها، وإصلاح المحرّف من كلماتها، وتكميل الناقص من أبياتها، وإعادة البهاء والرونق إلى ما شوه الجهل من جمالها، ومسخ من صورها، وطمس من معالمها، وإن أيسر ذلك لمما يستنزف الجهود، ويستنفد الزمن المعدود، والعمر المحدود؛ فإنك لا تكاد تفتح أحد هذه الدواوين المخطوطة حتى ترى ظلاماً كثيفاً من التحريف والتصحيف قد غشي جميع صحفه، وخيّم على جميع سطوره، فلا يبدو لعينك في وسط هذه الظلمة من شعاع الصواب، إلا كما يبدو ضوء الشهب من خلل السحاب، ولا تكاد تقرأ سطراً خالياً من عدة كلمات محرفة، أو مصحفة، غير مستقيمة المعنى ولا واضحة الغرض، يحتاج إصلاحها إلى زمن طويل، وبحثٍ غير قليل، وذهن غير كليل؛ وتحفّظ من الخطأ، ودقة في الذوق الشعري ينفذ بها القارئ إلى وجه الصواب؛ وحسن اختيار في المحو والإثبات، وتفهّم دقيق لما يقتضيه سياق الكلام من المعاني والأغراض، ومعرفة بأساليب الشعراء ومصطلحاتهم في

стр. 10624

كل عصر، ليكون المحو والإثبات تابعين لما تقتضيه هذه الأساليب وتلك المصطلحات وخبرة واسعة بالكتب اللغوية والأدبية، وأغراض كل منها، ومكان الفائدة منها، ثم إعمال الذهن بلا كلل، وإجهاد الفكر بلا سآمة في الألفاظ المحرفة، والعبارات المغلقة، التي لم يستقم معناها على وجه من الوجوه، بتقليب حروفها بين التحوير والتغيير، والتقديم والتأخير، والحذف والزيادة، والإعجام والإهمال، حتى يستقيم المعنى ويتضح الغرض مع الأمانة التامة على الأصول، وعدم الخروج عنها إلا بالقدر المعقول. هذا قليل من كثير من المشتقات التي يعانيها الناظر في أمثال هذه الدواوين ليختار منها مجموعة ضخمة مصححة أقوم تصحيح كمختارات البارودي. أما شاعرية البارودي فسنحدثك عنها في العدد المقبل. احمد الزين

стр. 10625

القصص صور من هوميروس ١٨ - حروب طروادةمصرع هكتور للأستاذ دريني خشبة اختلط حابل الطرواديين بنابلهم، وظلوا يهرعون إلى الأبواب حذر الموت الذي يتلقفهم عن شمائلهم وعن أيمانهم، ومن فوقهم ومن تحت أرجلهم، كأنما جثمت المنايا في كل خطوة فهي لهم بالمرصاد. . . طالما يكر أخيل هنا ويفر هناك، وتكر من خلفه وتفر شياطين الميرميدون، صائحين متهدجين: (يا لَثارات بتروكلوس!) ووقف أبوللو وهو يتميز من الغيظ يشهد المعركة، ويرى إلى أخيل يحصد تلك الرؤوس اليانعة التي لم يحن بعد قطافها، فلم يملك أن دنا منه وقال: (على رسلك يا ابن بليوس، فكأني بك ما كفاك من صرعت حتى لتحدثك نفسك بقتال الآلهة، ومحاربتي أنا من دون أرباب الأولمب خاصة! ولكن هيهات! فإنك لابد يوماً ذائق الموت الذي لن يذوقه إله في الأرض ولا في السموات. . . فاقصد في تقتيل هؤلاء الأبرياء، ولا يغرنّك نصر قد تكون في آثاره هزائم. . . . . .) وعبس أخيل عبوسة قاتمة، ثم نظر إلى أبوللو مغضباً وقال: (حسبك يا سيد الشمس ما ضيعت من جهود، وما فوّت عليّ من ثارات. . . أعرج في سمائك الشاسعة، ودع بني الموتى يصطرعون من أجل المجد والشرف. . . لقد أنقذت خصمي من قتلة محققة، فهل يا ترى تظل يا سيد الشمس تعترض طريق الأقدار، ليمرح في كنفك الفجار الأشرار؟. . .) وانطلق أخيل يعدو في أثر هكتور؛ وكان هكتور قد أخذته العزة فأبى أن ينجو بنفسه فيدخل المدينة مع الداخلين وكان بريام، الملك الشيخ، يشرف على الساحة الحمراء من أحد أبراج مدينته، فرأى ابنه واقفاً في إحدى حنيّات الأسوار يستجم، ويرسل في رهج الميدان عينين سادرتين محزونتين، تشفان عن قلق عميق، واضطراب دوي، فريع الأب المفئود، وزلزل زلزالاً شديداً، وطفق يئن أنيناً عالياً، ويدرب صدره الموهون بيديه الواهيتين، ثم يصيح بابنه أن

стр. 10626

يسارع إلى البوابة الإسكائية قبل أن يلحق به أخيل، عسى أن ينجو مما يتربص به من منون. . . (أي بني! هكتور! فيم تقف في هذا الميدان وحدك تنتظر الطاغية أخيل عليه لعنة السماء والآلهة، بقتله بنيّ، وإهداره دماء مواطنيّ! هلم يا بني فحسبي ما جزعت عن بوليدور، وحزنت أمض الحزن وأوجعه على ليكاون، وحطم قلبي من الأسى على أبناء اليوم!. . . هلم يا بني فأنت أمل طروادة ومعقد رجائها، وليس لها بعدك من ولي ولا شفيع! هلم فأبوك الشيخ قد صدعه الحزن، وأوقرت ظهره ويلات الحرب، وأغطشت عينيه أرزاء هذا البلاء، فلا تكن أنت محنة المحن التي تحل به، واستبق شبابك له يتسل بك، ولأمك المفجّعة تستلهم بقربك الصبر، على ما كرثها الزمن الصارم من نكبات يلاحق بعضها البعض، وتأخذ أولاها بتلابيب أخراها مشرق كل شمس، وكل مغيب شمس هلم يا هكتور إليّ! إلى والدتك! إلى زوجك! إلى طفلك الذي تكاد تسلمه لليتم، وتدعه خلفك للشقاء!. . . هلم وحسبنا أرامل شجعاننا اللائى يحلن إشراق أيامنا ظلمة، ويصيرون لألاء الحياة قتاماً. . . أو يرسفن في أغلال الاستعباد حيث يقمن في خدمة الإغريق اللؤماء. . .! هلم إليّ يا بني! فو أرباب الأولمب إني لأرتعد فرقاً كلما خلتك كلقى بالعراء تنوشك سباع الطير، منبوذاً لضواري هذه البرية التي طالما أطعمتها وأكرمت مثواها. . .) وصمت الملك، وراعه أن ابنه لم يتحرك لتوسلاته، بل لبث مكانه يرمق الميدان فراح يضرب يداً بيد، ثم انحنى فجعل يحثو التراب على رأسه المجلل بثلج الشيب، وندف الأيام، وبهذه الشعلة البيضاء التي زادتها أحداث الزمان اضطراماً. . . وكان هيكوبا إلى جانبه. . . هيكوبا مليكة اليوم،. . . هيكوبا الأم. . . التي فجعها أخيل في عدد من أعز أبنائها، ويحاول اليوم أن يفجعها في هكتور، ابنها البكر، وتاج الأمومة الوضّاح، الذي تفخر به كل أم، وتدل به كل والدة! وقالت الأم الباكية تخاطب هكتور: (هلم يا ولدي فإنك وحدك لا تستطيع أن تكبح جماح هذا البحر الزاخر من الجند، بل لو أن معك ألفاً من شجعان طروادة ما وسعهم أن يردوا عادية

стр. 10627

هؤلاء الميرميدون المقنعين في حديدهم، الكثيرين في عديدهم. هلم يا هكتور واستبق شبابك وعنفوانك لأمك المحزونة التي لم يبق لها من ولد غيرك، ولا عز إلا في جوارك، ولا حمى إلا في كنفك، ولا مجنّ يرد عنها عوادي الأيام إلا في ظلك، ولا فخر لها بين النساء إلا فخرك، وما تمد الآلهة في أيدك، وتشد به أزرك. . . هلم يا بني فقد أزعجتني الرؤى، وروعتني الأحلام، وجثمت فوق صدري أشباح هذه الساحة التي تفتأ تلبس الحداد وتخلعه وتغري بالنصر ثم تنزعه، وإن سرت بطلاً بفوز تنكص فتفجعه، فتنقد أضلعه وتمتزج بدمي أدمعه. . .). وكانت الملكة، كما كان الملك، تمزج توسلاتها إلى ولدها بأغلى الدموع، وأحر الآهات؛ بيد أن هكتور ظل مسمراً مكانه كالحية الرقطاء التي تتحوى وتتكوم في انتظار عابر تنقض عليه؛ وكان يمني أن يأخذ أخيل على غرة، فيريح طروادة منه، ويضفر لنفسه بنفسه إكليلاً من المجد لم يزن مفرق بطل من قبل. وكانت توسلات أبويه تتناثر فوق أذنيه، ولا يصغي لها قلبه، بل هو ظل يحلم في يقظته أحلاماً معسولة، كانت تطن في خلده هكذا: (ضلة لي إذا ثنيت عناني إلى المدينة ألوذ بها من أخيل، فأرسف أبد الدهر في حضيض العار، واطأطئ حياء كلما رأيت طروادياً يهمس في أذن أخيه: إن هذا هكتور الذي ولى دبره، ونكص على عقبيه، ولم يجرؤ أن يلقى أخيل بمفرده في الميدان. . . وأين أذهب من غادات اليوم وحرائرها إذا أنا وليت الأدبار، وهاهن مشرفات على الساحة يرين ماذا يكون من أمري مع ابن بليوس الذي تفزع الآلهة من ضرباته، وتمور الأرض تحت عجلاته، وتنعقد عجاجة الوغى فوق رأسه في حين يبرز منها كالكوكب الدري! حاشاي أن أعود أجرر أذيال الخيبة، فأما أن ألقاه فأريح الدنيا قاطبة من شره، وإما أن يرحني هو من هذا الهم المقيم فأفضي في سبيل بلادي ومن أجل مملكتي. . . ثم فيم صراخ أبي وعويل أمي؟ أيرجوان أن أدخل إلى المدينة فأكون بنجوة من الموت الشريف فوق أديم الميدان ساعة، ثم يفتحها أخيل عليّ، فيذبحني كما يذبح شاة لا حول لها ولا طول، أو يضع الأغلال في عنقي ويجرني في شوارع (إليموم) كما تكون أذن الجارية في يد النخاس بسوق الرقيق!؟

стр. 10628

(حاشا. . . بل خير لي ألف مرة أن أخوض غبار المعمعة، مادام لن يضيرني إلا ما حتمت المقادير عليّ. . .) وما كاد يفيق من أحلامه حتى كان أخيل أمامه وجهاً لوجه، وعلى كتفه الرحب الهرقلي رمحه الضامئ العتيد، وفوق صدره العريض الممرد سوابغ دروعه التي سردها الإله الحداد فلكان، تنعكس عليها آلاف وآلاف من أراد الشمس فتبهر الأبصار وتخلع الأفئدة، وتذيب في الجوارح كهرباء الرعب، وتشعل في الرؤوس ضرام الشيب!! وزاغ بصر هكتور، واضطرمت مفاصله، ونُخِب قلبه، واستُطير لبه، وأحس كأن جبلاً ينحط عل روحه فلا يكاد يفلتها، وذاب الثلج في عروقه فجمدت من الروع والفزع، وهزته قشعريرة طفقت تعصف بكيانه الضخم، وتلعب بفؤاده الونى. . . ثم بدا له أن يلهب جياده فتفر به من وجه أخيل، ولكن إلى أين؟ إنه حيثما تولى فثم وجه أخيل!! إن أخيل غدا آلافاً لا حصر لها من الأشباح المفزعة تملأ الساحة وتكظ الهواء، وتأخذ على الطرواديين أنفاسهم! وانطلق ابن بليوس في أثر هكتور، وأشرف عذارى اليوم يطللن من أبراج المدينة الخالدة ويمسكن حبات قلوبهن أن تثب إلى الميدان فتطأها سنابك تلك الجياد الجوامح. وكان كلما أغذّ هكتور أوخف أخيل في أثره، فكانا كالأبردين: لا الليل يدرك النهار ولا النهار يستأنى فيدركه الليل، حتى نال منهما الجهد، وتفزعت الآلهة في علياء الأولمب إشفاقاً على ابن بريام العظيم، ورثاء لابن بليوس المتهدج، ورحمة لهذه الأرض لتضرجه بدماء الشهداء وهم سيد الأولمب أن ينقذ هكتور لولا أن أقنعته ابنته، مينرفا ربة الحكمة والموعظة الحسنة، فنحّته عن طريق الأقدار وأخلت بين أخيل وخصمه. . . وطافا حول طروادة ثلاثاً، وما كادا يبدآن طوافهما الرابع، حتى قبض زيوس إليه ميزان القدر، فهوت كفة الحق بقتل هكتور، وأربد وجه أبوللو وسقط في يده، وانطلق يضرب أخماساً لأسداس. . .! وأسرعت منيرفا إلى أخيل تزف إليه بشرى السماء، وآثرت له أن يتلبث مكانه يستجم نشاطه، ويتنفس الصعداء، حتى تذهب هي إلى هكتور تغريه بلقاء خصمه، وتنفره من هذا الفرار الذي أضحك منه قيان إليوم وحسانها. . .

стр. 10629

واستخْفت منيرفا، وبدت لهكتور في هيئة أخيه الأصغر ديفوبوس، ثم راحت تحضه على الحرب، وتحرضه على أخيل، وتهوّن له من شأن زعيم الميرميدون، وتعده أنها ستقدم له كل عون حتى يظفر به وتنصره السماء عليه نصراً عزيزاً. . . ولم يشك هكتور في أن الذي يخاطبه هو شقيقه وحبيبه ديفوبوس، فوقف قليلاً يفرج عن قلبه بعض ما كرثه من روع، وراح يمزج شكرانه لأخيه بدموع الفزع، وذلة العبارات المنقطعة الحزينة، وخفقان القلب المضطرب ذي الوجيب! وانثنى هكتور للقاء أخيل. . . فما كاد ابن بليوس يشهده مقبلاً، بعد إذ كان مدبراً، حتى طرب قلبه، وشاعت بشاشة اللقاء في زنده القوي وسواعده المفتولة، ثم انقلبت هذه البشاشة إلى جهنم من الغيظ تستعر بالتشوّف إلى الانتقام في فؤاده، وتضطرم بلظى البطش في سويدائه؛ وتطل من عينيه تود لو تنقدح في أضلع هكتور. . .! وقال هكتور: (تخدع نفسك يا أخيل إذا ظننت أني كنت ألوذ بأذيال الهرب منك، حين أجريتك هذه الأشواط الثلاثة حول إليوم. . .؟! لا. . . فإنني ما حاولت إلا إجهادك، وأن ينال الإعياء منك. . . والآن، هأنذا قد انقلبت للقائك فأما أن أقتلك، وأما أن تروي رمحك الضامئ من دمي. من يدري؟ أليست الأقدار مطوية عنا في صحائف الغيب، لا يعلمها إلا سيد الأولمب وكبير الآلهة: زيوس جل شأنه! بيد أنني أطمئنك من الآن يا أخيل، إن أظفرتني السماء بك، فلن أفضحك في هذه العدة السابغة من فوقك، ولن أنزع عنك تلك الدروع الضافية التي لن تنفعك من المقادير من شئ. . . ثم أعدك أيضاً إلا أفضحك بعد موتك في هذا الجسم العزيز الذي سيكون بعد قليل جثة لا نأمة فيها ولا حياة. . . لن أرسل بك إلى عراء طروادة فأنبذك فتأكل الطير منك، زتنوشك سباع البرية الموحشة التي تعج بالضواري والكلاب. . . لا. . . لن أفعل من ذلك قليلاً ولا كثيراً. . . بل سأترك لجنودك البواسل أن يحملوك إلى سفائنك عزيزاً في قتلتك، كما كنت عزيزاً في معاشك والآن يا ابن بليوس! هل تعدني الوعد الذي وعدتك، وهل تعاملني بمثل ما أنا معتزم أن أعاملك، إن أظفرتك السماء عليّ. . . . . . . .؟

стр. 10630

وتزلزل الأرض تحت عربة أخيل مما سمع من مهاترة ابن بريام ويقذفه بشواظ من الكلم المحنق والقول المضطرم، ثم يقذفه بصعدته الظامئة التي تمرق إلى هكتور كالبرق الخاطف، لو أصابت منه عضواً لذهبت به إلى الجحيم. . . ولكن هكتور العظيم ينفتل انفتالةً عجلى، فيهوي رمح أخيل إلى أرض الساحة، ويغوص ثمة إلى ثلثيه. . . إلا قليلاً وكانت فرصة طيبة لهكتور ينفرد فيها بخصمه الأعزل، لو لم تكن مينرفا حاضرة، وعلى أهبة تامة لمعاونة أخيل. . . . فلقد سارعت إلى الرمح فانتزعته من الأرض وسلمته لصاحبه دون أن يلمحها هكتور. . . وقبل أن يتهيأ لها أن تضع ذلك، قال ابن بريام: (أخيل! ها قد طاشت ضربت، وآن لطروادة التليدة أن تستريح منك يا ألد أعدائها!! لقد كنت تحدث نفسك برأس هكتور؛ غريمك وخصمك، فلتبحث الآن عن رأسك يا ابن بليوس. . . . ولم يكد البطل المسكين يتم قولته، ويضيع بها فرصته حتى كانت مينرفا قد أعادت الرمح إلى أخيل. . . وحتى تبسم أخيل ابتسامة لاذعة ساخرة بما قال هكتور، الذي داعب هو الآخر رمحه، ثم أرسله كأنه الحتف فارتد على درع فلكان، ومنه إلى الأرض، فغاص فيها؛ وقبل أن يلحق به هكتور حال أخيل بينهما، وأصبح الموت أقرب إليه من حبل الوريد؛ وتلفت ابن بريام يبحث عن أخيه ديفوبوس فلم يعثر له على أثر، فصاح من الوجل يقول: (يا ديفوبوس! أغثني يا ديفوبوس! أدركني يا ديفوبوس! هات لي رمحاً يا ديفوبوس. . . . . .) بيد أن ديفوبوس لم يغثه ولم يدركه ولم يحضر له رمحاً، وبدت له مينرفا وهي تبتسم له ابتسامة خبيثة زلزلت أركان هكتور، الذي فطن إلى الحيلة التي دخلت عليه، فقال يخاطب الربة الساخرة، وهو يكاد ينشق من الغيظ: (يا للسماء! أهكذا تخاتل الآلهة، فتقضي بموتي في معركة لا أحمل فيها سلاحاً. . . ولكنني سأقاومك يا ابن بليوس، فإذا سقطت فلن يكون لك في ذلك فضل ولا محْمدة، واذهب من بعدها فصلّ للخاتلة التي نصرتك وآزرتك. . .) وامتشق المسكين سيفه، ولكن ماذا يصنع الجراز البتار في ملحمة لا يقطر الموت فيها إلا على أسنة الرماح!. . .

стр. 10631

لقد انقضّ أخيل على فخر طروادة وأملها المذخور فعاجله بشكة من رمحه الظامئ نفذت في عنقه، وهوت به إلى أديم الأرض المقدسة التي يا طالما دافع عنها مع جنوده البواسل الكرماء. . . . . . (هكتور! اليوم شفيت حزني الممض على بتروكلوس. . . واليوم تذهب روحك إلى ظلمات هيدز غير كريمة ولا محمّدة. . يا كلب طروادة المذؤوم!! كم كنت تمني نفسك لو تظفر بي فتنبذ جثتي بالعراء لوحوش طروادة وجوارح طيرها. . . إلا فحدث نفسك الآن مامذا صنع القدر بك. . .!) ويتهدج هكتور قائلاً: (أخيل! يا ابن بليوس العظيم! استقسمك برأسك الرفيع، وأبويك الحبيبين، إلا تأخذ جثتي فتنبذها لكلابك، وتعفر جبيني الحر بثرى المذلة بين أصحابك، وحسبك أن الآلهة قد أظفرتك بي، وأن المقادير السوداء قد أفلذتك عليّ) فيقول أخيل، وقد زهاه النصر على ألد خصمائه: (اطمئن يا هكتور، فكلابنا لا تستطيب إلا جزر الأبطال، وستكون لها وليمة فاخرة. . . فو رأس أبيك لو ملأ لي بريام هذه الدنيا ذهباً على أن أخلي بينه وبينك، ليعود بك إلى اليوم، ما رضينا بك بديلاً. . .) وتكون سكرة شديدة من سكرات الموت جاثمة في صدر هكتور تعذبه وتضنيه، فيتأنى قليلاً حتى تنجاب عنه الحشرجة، ويفتح عينيه ويقول: (أخيل؟ لا تغتر بما تم لك من نصر؛ فباريس أخي سيقتص منك لي؛ وسيرميك من أبراج طروادة بسهم يعجل بك إليّ. . . في هيدز. . . وثمة سنلتقي!) ويموت البطل. . . وتنطوي صحيفة مجيدة من صحائف طروادة. بل تنطوي أنصع صفحاتها جميعاً، بموت هكتور. يا عجباً!! هل كان كتاب الغيب مفتوحاً أمام هكتور يقرأ منه عندما أنذر أخيل بسهم باريس؟! وازدحم الهيلانيون حول الجثة يطعنونها ويصلونها كلوماً عجزوا عن إيصالها إليها حية فأبوا إلا أن يصلوها بها ميتة. . . ونزل أخيل من عربته، فنحنى على الجثة، ونزع عنها تلك العدة العزيزة التي نزعها

стр. 10632

هكتور عن جثة بتروكلوس. . . عدة أخيل. . . فلن تكون بعد اليوم إلا لأخيل! واستل ابن بليوس خنجره، وأهوى على عقبي هكتور فخرمهما، وربط القدمين العزيزتين في مؤخر عربته الحربية، ثم ألهب جياده فهامت على وجوهها في الساحة، وطفقت تطويها مثنى وثلاث حول إليوم، والرأس العظيم يتعثر بثرى المعمعة الذاهلة، والطرواديون فوق الأسوار ينظرون ولا يحيرون. . . إلا هذا الملك الشيخ. . . بريام المذهول. . . الذي راح يملأ الفضاء أنيناً موجعاً، وشجواً مفزعاً،. . . وإلا هذه الأم المرزأة. . . هكيوبا الملكة. . . التي راحت تحثو التراب فوق رأسها، وتتقلب فوق الأرض كالطائر المذبوح. . . أما أندروماك. . . فلها السماء. . . ولها الآلهة!! لقد كانت تضفر أفواف الزهر للقاء هكتور، وترشق الورود في أرائك المخدع، وتعد الحمام الساخن لغسل ثرى الميدان. . . ولم تكن تفكر قط إلا في عودة البطل مخضّب الذيل بدماء الأعداء. . . ولكنها سمعت لغطاً وضوضاء يرتفعان فجأة خارج القصر. . . وكأن هتافاً من السماء هتف بها أن تخرج لتستجلي النبأ. . . ولكنها أيضاً شعرت بقوة خفية تدفعها إلى البوابة الأسكاتية. . . حيث وقف بريام يبكي ولده. . . فما كادت تصل ثمة وتشهد هذا الجمع المحزون يذري دموعه. . . وما كادت تطل من شرفة البرج فترى إلى هكتور مربوطاً في عربة أخيل، وأخيل الجبار يطوي به الساحة، ويذرع به الميدان. . . حتى وجفت نفس الزوجة البائسة، وخرت إلى الأرض مغشياً عليها. . . وأفاقت أندروماك التاعسة. . . وطفقت تبكي زوجها وترثيه بالدم وطفقت نفسها تساقط عليه أنفساً!؟ لها بقية دريني خشبة

стр. 10633

حادث انتحار بقلم حسين شوقي عندما دقت الساعة الثانية صباحاً، كان بار (الدب الأبيض) خالياً من خدمه ورواده، عدا رجلين: أدولف الخمار الشيخ الذي ذهب إلى داخل المحل لتصفية حسابات اليوم، وشاب جلس في ركن منزو يشرب ويكتب؛ ولم تمض فترة قصيرة على انزواء أدولف حتى سمع دويّ رصاص في البار، فعاد مهرولاً، فوجد الشاب قتيلاً على كرسيه، قتل نفسه بمسدس كان لا يزال بيده اليمنى. . . فحصه أدولف فوجده قد مات من فوره، بينما السيجارة التي كان يدخنها لا تزال مشتعلة. . وقع أدولف في حيرة من أمره، ثم أخذ يصخب ويلعن، ثم جعل يخاطب نفسه قائلاً: ألم يكن الأجدر بهذا الأبله أن ينتحر في بيته؟ علام يزعج الخلق هكذا؟ ثم فكر أدولف في النوم الذي لن يذوقه الليلة. إذ عليه أعمال كثيرة. . . إخطار البوليس بالحادث، وانتظار التحقيق القضائي الذي سوف يدوم ساعات. . . وعلى رغم هذا شعر أدولف بشيء من العطف عندما نظر ثانية إلى وجه القتيل لأنه كان شاباً بين العشرين والخامسة والعشرين، ثم تنهد قائلاً: إنه لم يحن أوان موته بعد! إن الشباب يجلب العطف دائماً، وبخاصة من جانب الذين فقدوه أمثال أدولف، أو من جانب الذين فقدوا أشخاصاً يعزونهم ماتوا في ميعة الصبا، أمثال أدولف أيضاً، الذي فقد في العام الماضي ابنة لم تبلغ العشرين بعد. . . وبعد أن أخطر أدولف البوليس بالحادث رجع عند الجثة، ثم أخذ يحدق في وجه القتيل! إنه لا يعرفه أبداً، فلقد كانت هذه زيارته الأولى للبار. . . ثم رأى أدولف ورقة مكتوبة أمام الشاب فتناولها مدفوعاً بحب الاستطلاع، فقرأ ما يأتي: الموقع على هذا (س). . المولود في. . والمقيم في. . يقدم اعتذاره إلى صاحب بار الدب الأبيض من القلق الذي سيسببه له بعمله هذا. إن (س) يأسف لأنه لم يستطع أن ينتحر في بيته كما كانت تقضي بذلك اللياقة، لأن صاحبة الفندق الذي يقيم فيه سيدة عجوز مريضة بالقلب، فأي انفعال يقضي عليها؛ وإذا كان (س) قد اختار البار لفعلته، فلكي يستطيع أن

стр. 10634

يتناول بضعة أقداح من (الويسكي) تنعشه في رحلته الطويلة المظلمة. . ومع ذلك فإن (س) واثق من أن هذا الحادث سوف يعوض لصاحب البار ما أصابه من ضرر، يعوضه بالإعلان الذي يعمله هذا الانتحار للمحل. . إن (س) لا يأسف كثيراً على مفارقة الحياة لأنه لم يعد يملك شيئاً، والحياة بلا مال، أمرّ في نظره من جرعة ملح. . ثم (س) فوق ذلك لا يثق بالمستقبل، ولا بنفسه، فهو يعلم أنه لا شئ، وأنه لن يصير في يوم من الأيام رجلاً مثرياً. . ومع ذلك فإن (س) لم يخلف ديوناً. . بل لا يزال في حجرته بالفندق بضعة جنيهات، وهو يهديها إلى جمعية الرفق بالحيوان، لأنه لا يحب أن يخلف شيئاً لبني جنسه، إذ هو يحتقر الطبيعة البشرية، ولا يستثني منها نفسه. . إذ لم يكن ملاكاً في الحياة الدنيا، بل كان كغيره مخادعاً. . بل (س) يأسف لأنه لم يحسن الخداع في الحياة، لأن الحياة في نظره كلعبة (البوكر) لا يربح فيها إلا البارع في الخداع. . ومن الأسباب القوية لانتحار س أيضاً، أن ضميره لم يكن مستريحاً، فقد كان سبباً في وفاة فتاة في العام الماضي في ريعان الصبا، ماتت كمداً لأنه وعدها بالزواج ولكنه لم يف بوعده، لأنه فقير لا يستطيع أن يتزوج، وهو لا يعترف بالحب مع البؤس. كم ودّ (س) أن يتناسى هذا الحادث! ولكن ماذا يفعل في ذلك الشيطان الصغير الذي يقطن داخل جسدنا والذي أخذ ينغّص عليه الحياة من أجل هذا الحادث؟. . . لهذا تجد (س) غير نادم كثيراً على مفارقة الحياة. . . وبهذه المناسبة يطلب (س) الصفح من هيلانة (وهو اسم الفتاة). . . ولكن أدولف الخمار لم يكمل قراءة الورقة، بل قذف بها صارخاً: آه من الوغد! مسكينة هيلانة! فلقد كانت هذه الفتاة ابنته. . حسين شوقي

стр. 10635

البريد الأدبي كتاب عن التاريخ الحبشي وهذا أيضاً كتاب جديد عن الحبشة. والحبشة ومسائلها ومصايرها تثير اليوم أعظم الاهتمام والعطف. وقد صدرت عن الحبشة في الآونة الأخيرة كتب ومؤلفات عديدة أشرنا إلى بعضها في هذا المكان من (الرسالة). واليوم نشير إلى مؤلف قيم جديد هو تاريخ الحبشة بقلم الأستاذ جونس والسيدة مونرو وهو عرض قيم جداً لتاريخ الحبشة منذ أقدم العصور إلى الآونة الحاضرة؛ ويمهد المؤلفان بوصف شائق للحبشة وشعوبها وأصولها؛ ويتلو ذلك الحديث عن عصر الأساطير في التاريخ الحبشي، وهو حديث يدعمه التدليل التاريخي؛ (كان ملوك الحبشة حتى القرن الرابع من الميلاد وثنيين، يرجعون أصلهم إلى (مهرم) وهو إله الحرب. أما أسطورة ملكة سبأ فقد نشأت بعد القرن السادس؛ ومن المرجح أنها نشأت في العصور المظلمة التي تلت قيام الإسلام في جزيرة العرب. وحرمت الحبشة من الاتصال بالعالم النصراني) وقد اعتنقت الحبشة النصرانية في القرن الرابع؛ وكان ملوك الحبشة يومئذ يعيشون في بذخ همجي، وما زالت مسلات اكسوم تدل على ذلك العصر. وفي (عصر الحبشة المظلم) وهو الذي يعرضه القسم الثاني من الكتاب، احتل العرب والمسلمون شواطئ البحر الأحمر وسحقوا حركة القرصان الأحباش، وقطعوا الحبشة عن العالم الخارجي، وفي ذلك العصر ازدهرت أسرة (زاجوي) واستمرت في الملك حتى سنة ١٢٧٠م، ثم عادت الأسرة السليمانية التي تزعم أنها سليلة ملكة سبأ وسليمان. وبدأ تاريخ الحبشة الحديث؛ وكان للحبشة ديوان تحقيق (محكمة تفتيش) تطارد الملاحدة ورئيسها زرعة ابن يعقوب ويتناول القسم الثالث من الكتاب أسطورة (القس جون) وسفارة البرتغال، ووصف السفير البرتغالي الفاريز للحبشة يومئذ (سنة ١٥٢٠) وهو أدق وأقيم وصف لحالة الحبشة في أوج مجدها وحضارتها قبل أن تنحدر إلى عصر من الضعف والفوضى. وكان ملك الحبشة يعيش يومئذ في معسكر متنقل وليس له عاصمة ثابتة؛ وقد انتهت هذه السفارة الشهيرة بتنازل الإمبراطور عن مصوع للبرتغال نظير توريد السلاح وإرسال الأطباء؛ ولكن النتائج المرغوبة لم تتحقق لأن الترك عبروا البحر الأحمر يومئذ، وغزوا الحبشة؛ ولكنه

стр. 10636

غزو لم يطل أمده؛ ووقعت الحبشة في عصر من الفوضى ويتناول القسم الرابع عصر (العزلة والفوضى) ثم يتناول القسم الخامس تاريخ الحبشة الحديث، ونزاع الأسر على العرش وظهور طلائع الاستعمار الأوربي، وحملة السير نابيير وانتحار الإمبراطور تيودور؛ ويتناول القسم السادس والأخير مسألة النزاع الإيطالي الحبشي في سنة ١٩٣٥، وتطوراتها المختلفة حتى أغسطس الماضي وقد كتب الكتاب بأسلوب سلس قوي يحفز القارئ؛ والكتاب قيم مدعم بالوثائق التاريخية، ويعتبر من أنفس ما كتب عن الحبشة في الآونة الأخيرة. كتب بالمزاد! أذيع أخيراً في القاهرة نبأ بيع مكتبة فخمة لأحد الكبراء، تحتوي على طائفة كبيرة من المجموعات والكتب القيمة، والمطبوعات النادرة، وكان البيع بالمزاد طبعاً، فهرع إلى مكانه حشد من العلماء وهواة الكتب والآثار النادرة، وبيعت في اليوم الأول طائفة حسنة من الكتب والمجموعات، ولكن لوحظ أنها بيعت بالأخص لجماعة من الهواة الذين يأسرهم جمال الطبع والرونق قبل أن تغريهم البواعث العلمية؛ ورأى الحاضرون من العلماء والخبراء الذين يعرفون قيمة الكتب ويحسنون تقدير أثمانها أنهم لا يستطيعون الشراء في هذا الجو المشبع بتنافس الهواة، فلم يشتروا سوى القليل. ذلك أن قليلاً جداً من الكتب المعروضة بيع بثمن المثل أو أقل قليلاً، ولكن معظمها رسا بأثمان فاحشة كانت تصل أحياناً إلى أضعاف القيمة الحقيقية؛ وكانت ثمة عوامل وأصوات مريبة تتدخل في المزايدة في ظروف ووقفات خاصة، فترفع الأثمان بنسب مدهشة حتى يتقدم أحد الفرائس من الهواة فيلقى عليه العبء المنشود وبعد أيام قلائل كان بيع القسم الثاني من هذه المكتبة الشهيرة؛ فكان أول ما لوحظ أن معظم الذين حضروا في الدفعة الأولى لم يحضروا هذه المرة. ألم تتضح لهم الحقيقة بعد أن غادروا قاعة المزاد، وتساءلوا عن القيم الحقيقية للكتب التي اشتروها في هذا الجو المكهرب؟ وكان قد عُرف خلال ذلك أن المكتبة المعروضة ليست لكبير ولا وزير وإنما هي ملك لأحد تجار الكتب المعروفين الذين أزعجتهم الأزمة، فعمد إلى تصريف كتبه بهذه الوسيلة، وفي هذه الجلسة أيضاً ازدادت العوامل المريبة والمصطنعة ظهوراً، وتصاعدت

стр. 10637

أثمان الكتب المعروضة إلى نسب فاحشة حتى أن كثيراً منها كان يباع بأضعاف ثمنه جديداً، وزاد يقين العارفين بأنهم يجلسون في شرك منصوب؛ ولكن حدث كما حدث في الجلسة الأولى أن توالى سقوط الهواة في هذا الشرك ولقد كان درساً لمن حدثته نفسه بالظفر بنصيبه من هذا الكنز بالوسائل والأثمان المشروعة؛ وكانت خيبة أمل، ولكن الحقيقة ظهرت ناصعة، وهي أن شراء الكتب بالمزايدة وسيلة لا تصلح للعلماء، وأن المزايدة (ولاسيما في مصر) ليست دائماً وسيلة شريفة للتعامل. فحذار أن تشتروا الكتب بالمزايدات! وفاة مؤلف موسيقي شهير من أنباء النمسا أن المؤلف الموسيقي الشهير ماكس فون أوبرليتنر قد توفي في الثامنة والستين من عمره، فاختفى بوفاته أحد أساطين المدرسة الموسيقية القديمة، التي ازدهرت في أواخر أيام الإمبراطورية، وما زالت آثارها تخلب ألباب الشعب النمسوي. وقد تفرغ ماكس فون أوبرليتنر منذ شبابه للتأليف للأوبرا، وأحرز في هذا الميدان نجاحاً باهراً؛ وبزغ مجده في سنة ١٩١٢ حيث لحنت قطعته الشهير (افروديتي) وعزفت في الأوبرا الإمبراطورية بفينا، وغنتها يومئذ فنانة موهوبة كانت في مستهل حياتها الفنية وهي ماريا يرتزا التي تتبوأ اليوم مقاماً فنياً سامياً في نيويورك وتعتبر أشهر مغنية في أمريكا. وفي سنة ١٩١٦ عزفت قطعته (المسيح الحديدي) في (الأوبرا الشعبية)، فأحرزت نجاحاً باهراً، ثم عزفت بعد ذلك في عدة مسارح شهيرة نمسوية وألمانية، وانتهت إلى دار الأوبرا؛ ووضع فون أوبرليتنر بعد ذلك عدة مقطوعات وأوبرات كانت دائماً موضع التقدير والإعجاب مدينة دولية للفنانين والكتاب تألفت منذ حين في باريس جمعية اسمها (جمعية المدينة الدولية للفنون والتفكير) برئاسة مسيو جبراييل بواسي الكاتب الشهير ورئيس تحرير مجلة (كوميديا) الكبرى؛ وقد صرح رئيس هذه الجمعية أخيراً بأن الغرض من تأسيس هذه الجمعية هو السعي في إنشاء (مدينة دولية) بالقرب من محطة مونبارناس، يخصص سكناها للعلماء والفنانين من جميع البلدان،

стр. 10638

وإن الجمعية تعلق أكبر الأهمية على الآثار المادية والمعنوية التي تترتب على تنفيذ مثل هذا المشروع الجليل. ومن المعروف أن الحي الذي تختاره الجمعية لإنشاء المدينة الجديدة، وهو حي مونبارناس، هو حي الفنون والآداب منذ بعيد، وله تقاليد فنية وأدبية مؤثلة، وقد بزغ فيه نجم مئات من الكتاب والفنانين، الذين تغص بهم دائماً ربوعه ومقاهيه المعهد الإمبراطوري ومهامه يذكر القراء تلك الأحاديث الشائقة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية وبعض أكابر الساسة أمام عصبة الأمم عن توزيع المواد الخام ووجوب توزيعها بين الدول الكبرى بنسب أكثر عدالة، وذلك لمناسبة النزاع القائم على توزيع المستعمرات واستئثار إنكلترا بأعظم نصيب منها. وقد وقفت في بعض الصحف على معلومات هامة عن المعهد الإمبراطوري الذي يعتبر في إنكلترا قلب الاستعمار النابض، والذي يسهر على مصاير المواد الأولية في جميع أنحاء العالم؛ فهذا المعهد قد أسس للعمل على تنمية الاستغلال الصناعي والاستفادة من المواد الأولية المختلفة، وجمع الإحصاءات البيانات الاستعمارية اللازمة؛ وقد زود المعمل بمعامل للأبحاث الكيميائية والفنية لبحث المواد الأولية وتعيين قيمتها ومدى الانتفاع بها ووضع التقارير الفنية عنها. ويصدر المعهد نشرات فنية محققة عن مختلف المواد الأولية وعلاقاتها بالصناعة، ومدى تقدم الاستغلال الاستعماري في ميادين الزراعة والمعارف وغيرها، ويعنى عناية خاصة بدرس المواد الأولية في الهند البريطانية والمستعمرات والأملاك المستقلة

стр. 10639

النقد ٤ - تاريخ الإسلام السياسي تأليف الدكتور حسن إبراهيم حسن موضوع الكتاب، الثقافة الإسلامية، خاتمة لأستاذ كبير لست أدري لم قصر مؤلف (تاريخ الإسلام السياسي) وصف كتابه على (السياسي) فحسب، مع أنه عرض لنواح شتى من الحياة الإسلامية القديمة: عرض لنواحي الدين، والسياسة، والاجتماع، والعقل، والأدب. فبينا تقرأ له فصلاً في حكمة تشريع القبلة، إذا بك تنتقل إلى فصل آخر موضوعه فتح عمرو بن العاص مصر؛ وبينا تقرأ له فصولاً في عقائد الفرق الإسلامية القديمة ومذاهبها، إذا بك تقرأ له كلاماً في حال المرأة المسلمة في العصر القديم، ثم إذا بك تنتقل بعد إلى كلام مطول في صناعتي الشعر والنثر في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين. أو ما كان أولى للمؤلف أن يقدر هذه المزايا قدرها، فيصوغ عنوان كتابه بحيث يدل عليها كلها مقتدياً في ذلك بالسيد أمير علي حين سمى كتابه الذي يعرفه المؤلف حق المعرفة (موجز تاريخ العرب). لاشك أن الصفة السياسية الصحيحة، كما يعرفها علماء التاريخ والعارفون بأصول علم السياسة، ليست أبرز نواحي الكتاب، وقد تكون عند التحقيق من أضعف نواحيه. ولكن من يدري؟ فلعل المؤلف قد لحظ هذه الحقيقة فنعت كتابه بأضعف صفاته تواضعاً منه! وإن كان التواضع خلة قلما يدل عليها كتابه. أو لعل له غرضاً آخر يعرفه ولا نعرفه. والحق أن المؤلف أقدم على تأليف كتابه وليس له غرض واضح محدود يرمي إليه ويسير على هديه، إلا أن يكون كتابة تاريخ عام للإسلام من الطراز المألوف وهو ما لا يدل عليه عنوان الكتاب. وغموض الغرض الحقيقي أو انتفاؤه بالمرة أضر بالكتاب من عدة وجوه. فمن جهة أحال الكتاب كتلة ضخمة من الأخبار والحوادث المتعلقة بعصر معين، قد جمعت من هنا وهنا، ثم حشدت حشداً، وأزجيت على الورق إزجاء، فاقدة الوحدة المعنوية،

стр. 10640

والاتصال الذاتي، اللذين يكسبانها الروح والحياة والحركة. ومن جهة ثانية فإن غموض الغرض قد لبس على المؤلف أمره، وجعله يضطرب بين طرائق المؤرخ المحقق، والمحامي المنافح عن الدين، والواعظ المبشر بالإسلام، الراد لشبهات المبشرين وتعسفات المستشرقين؛ فعدل في كثير من المواطن عما يحسن، وتكلف ما لا يحسن، وما ليس من شأنه من حيث هو مؤرخ فحسب. ومن جهة ثالثة فإن نشاط المؤلف وعنايته لم يوزع على أجزاء الكتاب توزيعاً يتكافأ وأقدارها من الوجهة التاريخية البحتة، فتشريع القبلة وحكمته يظفران بثلاث صفحات، في حين أن غزوة بدر التي تعتبر بحق أهم وقائع الإسلام ومن وقائع التاريخ الفاصلة، لا تكاد تظفر بصفحة واحدة! وأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك تخص بصفحتين، في حين أن الأحداث الجسام التي وقعت في زمن الخليفة يزيد ابن الوليد بن عبد الملك تركز وتضغط في أسطر قلائل! أوردها سعد وسعد مشتمل … ما هكذا تورد يا سعد الإبل ومن الأمور التي أثرت في كتاب (تاريخ الإسلام السياسي) وقعدت به عن رتبة الجودة ما يدل عليه الكتاب نفسه من عدم وفور حظ المؤلف من الثقافة الإسلامية الصحيحة، والمطلع على الكتاب يرى أن المؤلف يحاول جهده أن يكتم هذا الضعف، ويستره بطلاء براق من الاقتباسات العربية الكثيرة التي يطالعك بها في كل صفحة، ولكن هذه المحاولة لا تروج حتى على من يقرأ الكتاب قراءة عجلى. فإن اللحن والتحريف الفاشيين في الكتاب واللذين أعرضا عن تتبعهما اختصاراً للقول، وتوخياً لصميم الموضوع، وإن المآخذ التي سردنا بعضها في بحوثنا الماضية، نقول إن ذلك كله كفيل بإثبات أن المؤلف غير موفور الثقافة الإسلامية. وقد أداه تفريطه في جانب الثقافة الإسلامية إلى الإفراط في الأخذ عن المصادر الأجنبية، فخرج كتابه حائل الصبغة، حائراً بين العروبة والفرنجة، لا ينتمي إلى واحدة منهما انتماء صحيحاً والحق أن التاريخ الإسلامي من أشق فروع التاريخ مطلباً وأوعرها مذهباً، فهو تاريخ عالم بأسره؛ لا مجرد تاريخ إقليم معين أو أمة بعينها. وهو تاريخ عصور متطاولة تقرب من أربعة عشر قرناً، ثم هو تاريخ تختلط في الأحداث، والنظم، والآراء، والمذاهب اختلاطاً عجيباً، فإذا ما أريد تصنيفها وإفراد كل منها على حدته، وسوقه في مساقه الخاص، اقتضى

стр. 10641

ذلك من الجهد والعناء الشيء الكثير. والمعاني لدراسته محتاج إلى وفور حظه من الثقافتين التاريخيتين العامة والإسلامية، فإن لم يفعل كان كمن يغشى الهيجاء بيد عزلاء، أو يتقحم المجاهل برجل عرجاء. من أجل ذلك لم ينهض بعد التاريخ الإسلامي في الشرق نهضته المستقلة المنشودة. مع أن التاريخ سجل أحداثه، وديوان مجده وفخاره، فهو لا يزال قصصاً يقص، وسيراً ساذجة تتلى. أما روح الجماعات، وأثر البيئة والتقاليد، وعمل المبادئ والعقائد، والقوى الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، فتلك كلها لا تزال في العربية أسراراً لم ترفع عنها الحجب. وقد يتعذر بعضهم عن هذه الحال بأن العوامل المذكورة ليست عند الشرقيين في مثل قوتها عند غيرهم ولكن الأمر هنا ليس أمر قوة وضعف، فهي موجودة في كل حال، والطبيعة البشرية واحدة، والناس هم الناس سواء أكانوا في شرق أم في غرب. ولو أنصف أولئك المعتذرون لقالوا إن الذي يحول دون نمو الروح التاريخي الصحيح في الشرق هو ما يعترض الباحث من وعورة المسلك، وبعد الشقة، وصعوبة المنال. وبعد فقد آن أن نختم هذه الفصول التي لم يدفعنا إلى تسطيرها إلا ما أشرت إليه في كلمتي الأولى من توخي المصلحة العامة قبل كل شئ. فلعلي أكون قد وفقت فيما قصدت إليه. ونصيحتي الأخيرة للدكتور مؤلف (تاريخ الإسلام السياسي) أنه إذا أسعده الحظ فأعاد طبع كتابه، ينبغي أن يعيد النظر في كل فصل من فصوله، وصفحة من صفحاته، فيصحح الخطأ، ويقيم المعوج، وإنه عندما يتولى إصدار الأجزاء الباقية ينبغي أن يكون أشد تحفظاً، وأكثر تثبتاً، فالناس لا يسألون عادة عن مقدار الزمن الذي ينفق في عمل من الأعمال، بمقدار ما يسألون عن حظ هذا العمل من التجويد والإتقان. بقي أن أبرأ إليه مما عسى أن يكون القلم قد ناله به في هذه الكلمات من لفظ خشن، أو عبارة قارسة، فإن ذلك مما قد يحمل عليه مجرد الغضب للحق. أما المآخذ العلمية فلا حيلة لي فيها، وقديماً قالوا: (لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يؤلف كتاباً)، وقد ألف الدكتور كتاباً، وسمع فيه مديحاً عاطراً كيل جزافاً، فمن الحق عليه أن يسمع إلى جانب ذلك صوت النقد يكال بقدر وحساب. (انتهى)

стр. 10642

مؤرخ

стр. 10643

العدد ١٣٠ - بتاريخ: ٣٠ - ١٢ - ١٩٣٥

стр. 10644

أبو الطيب المتنبي بمناسبة ذكراه الألف - ٢ - ولد أبو الطيب في ذرور القرن الرابع عظيما بالاستعداد، قويا بالنشأة، طموحا بالفطرة؛ فلا تحاول أن ترجع هذه الصفات فيه إلى أحوال داعية وأسباب موجبة، فأن إعجاز القدرة أن يولد الملك في حجر السوقية، ويدرج العبقري في عش الفدم، ويظهر النبي في بيت المشرك؛ إنما العظمة خلقةٌ في العظيم، تقويها عوامل وتضعفها عوامل؛ فولادة المتنبي بالكوفة، وتجواله في البادية، وتنقله في القبائل، وكدحه الدائب أربعاً وثلاثين سنة وراء الرزق الشرود، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من هول إلى هول، نمت فيه أخلاق الجرأة والصراحة والصدق والصبر والمغامرة واللسن؛ واتصاله بسيف الدولة الأديب الشجاع السمح، هذب فيه الشاعرية والفروسية، وهما غريزتا البداوة، وخصيصتا العروبة؛ ثم ظهوره في العصر الذي تحللت فيه روابط الخلافة، وتعددت حواضر الأدب، وتطاولت كفايات السيف والقلم إلى العروش المقدسة والمناصب الفخمة، وأثمر تداخل الثقافات المختلفة ما أثمر من شمول العلم، ونضوج العقل، واعتراض الشكوك، وتعدد الفرق، وسع في ذهنه أفق المعرفة، وقوى في نفسه الطموح إلى الرياسة، وهيج في رأسه الثورة على القدر، وأراه بعض الكتاب في بغداد يصل بالأدب إلى الوزارة، وبعض العبيد في مصر يصل بالحيلة إلى الإمارة، فطوع له رأيه في نفسه أن يبايع لها بالملك، ثم أخذها بسمت الملوك، وألزمها شارة الخاصة، وعاشر الدهماء معاشرة الأنوف المكره، وساير الرؤساء مسايرة الغريب الحاقد، وسخر قوته وعبقريته في طلب هذا (الحق) وتحقيق هذا المطلب، حتى ملأ الدنيا بذكره، وشغل الناس بأمره المتنبي في كتاب الأدب العربي فصل قائم بذاته؛ لأن حياته التي اختلفت عليها العوامل، وازدحمت فيها الأحداث، واعتركت بها الآمال، وفاضت منها التجارب، أمكنته من نوع جديد في الشعر يتسم بالتفكير الحي، والابتكار الجرئ، والأداء الحر، فأقبل عليه عشاق الأدب وطلاب الشهرة من ذوي السلطان في خراسان والعراق والشام ومصر، يتسابقون إلى وده، ويتنافسون في رضاه، وربما توسل بعضهم بالشفاعة ليحطبه في حبله، وجلس

стр. 10645

أحدهم بين يديه ليسمع مدحه فيه، وهو يتصون عن مدح السوقة، ويتكرم عن موقف الشاعر؛ فسعى إليه الرؤساء المحرومون بالعداوة، واجتمع عليه الشعراء المغمورون بالحسد، وتعاون هؤلاء وأولئك على تعقب سقطاته وجحود فضله؛ فكان من أثر الكتب التي ألفت في نقده، والقصائد التي قيلت في هجوه، والخصومة الأدبية التي أثيرت من حوله، والحركة الذهنية التي نشأت من شعره، أن سار ذكره مسير الشمس، وصار شعره سجل الخلود، وغدا مدحه مطمح الملوك، وأصبح أدبه وما اتصل به من النقود والشروح مكتبة! عقلية المتنبي عقلية بدوية خالصة: تتعلق بالحس أكثر من تعلقها بالمعنى، وتعتد بالواقع أكثر من اعتدادها بالخيال، وتعتمد على القوة أكثر من اعتمادها على الحيلة. لذلك كان ذهول الصوفية نابياً في عقله، وشعور الجمال خابياً في قلبه، واثر الدين ضعيفاً في حياته؛ ثم كانت فلسفته حاجة الدنيا، وخطته سنة الطبيعة، وفكرته صورة الواقع، وغايته غاية الرجل الطماح: شخصيته تبغي الظهور، وشهوته ترغب المال، وحيوته تطلب الغلب، وعظمته تريد الحكم؛ لذلك كان أخص ما يميزه بروز شخصيته في شعره، وصدق إيمانه برأيه، وقوة اعتداده بنفسه، وصحة تعبيره عن طبائع النفس ومشاغل الناس وأغراض الحياة عبقرية أبى الطيب سباحة الجناح، لماحة الطرف، مبسوطة الأفق؛ ولكنه قيدها بالمادة وحصرها في ما تدور عليه من كاذب المدح ولاذع الهجاء، فقرت قرار الطائر الحبيس، تخافت بالأغاريد المزورة على طبيعتها، وتكابد الشوق الملح إلى الهواء والسماء والروض؛ ثم تفلت أحيانا من ربقة القيد فتحلق في سماء الإلهام وتهتف بالمعجز من قلائد الحكم وشوارد الأمثال وطرائف الذهن، حتى في الأغراض المبتذلة والمواقف الوضيعة وهكذا كانت قوى المتنبي ومواهبه مقهورة معذبة! ولعله كان أقسى ما يكون على قريحته وعبقريته! فقد أرادهما على الابتكار في مدح لا يعتقده، ووصف لا يحسه، فجاءت معانيه في أمثال هذه الأغراض توليداً في عقله، لا نقلا عن شعوره؛ ومن ثم كثر فيها الإغراق لقيامها على الدعاوى المرسلة، والغموض لانتزاعها من الخوالج المبهمة، والتناقض لتعبيرها عن غير كائن، والتشابه لتفصيلها على غير معين أما في ما يشعر به كالهجاء والعتاب والنقد والفخر والشكوى، فسيل لا يحجزه سد، وبحر لا
следующие страницы →