Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10641–10680 · переход к 10646.
стр. 10641
ذلك من الجهد والعناء الشيء الكثير. والمعاني لدراسته محتاج إلى وفور حظه من الثقافتين التاريخيتين العامة والإسلامية، فإن لم يفعل كان كمن يغشى الهيجاء بيد عزلاء، أو يتقحم المجاهل برجل عرجاء. من أجل ذلك لم ينهض بعد التاريخ الإسلامي في الشرق نهضته المستقلة المنشودة. مع أن التاريخ سجل أحداثه، وديوان مجده وفخاره، فهو لا يزال قصصاً يقص، وسيراً ساذجة تتلى. أما روح الجماعات، وأثر البيئة والتقاليد، وعمل المبادئ والعقائد، والقوى الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، فتلك كلها لا تزال في العربية أسراراً لم ترفع عنها الحجب. وقد يتعذر بعضهم عن هذه الحال بأن العوامل المذكورة ليست عند الشرقيين في مثل قوتها عند غيرهم ولكن الأمر هنا ليس أمر قوة وضعف، فهي موجودة في كل حال، والطبيعة البشرية واحدة، والناس هم الناس سواء أكانوا في شرق أم في غرب. ولو أنصف أولئك المعتذرون لقالوا إن الذي يحول دون نمو الروح التاريخي الصحيح في الشرق هو ما يعترض الباحث من وعورة المسلك، وبعد الشقة، وصعوبة المنال.
وبعد فقد آن أن نختم هذه الفصول التي لم يدفعنا إلى تسطيرها إلا ما أشرت إليه في كلمتي الأولى من توخي المصلحة العامة قبل كل شئ. فلعلي أكون قد وفقت فيما قصدت إليه.
ونصيحتي الأخيرة للدكتور مؤلف (تاريخ الإسلام السياسي) أنه إذا أسعده الحظ فأعاد طبع كتابه، ينبغي أن يعيد النظر في كل فصل من فصوله، وصفحة من صفحاته، فيصحح الخطأ، ويقيم المعوج، وإنه عندما يتولى إصدار الأجزاء الباقية ينبغي أن يكون أشد تحفظاً، وأكثر تثبتاً، فالناس لا يسألون عادة عن مقدار الزمن الذي ينفق في عمل من الأعمال، بمقدار ما يسألون عن حظ هذا العمل من التجويد والإتقان.
بقي أن أبرأ إليه مما عسى أن يكون القلم قد ناله به في هذه الكلمات من لفظ خشن، أو عبارة قارسة، فإن ذلك مما قد يحمل عليه مجرد الغضب للحق. أما المآخذ العلمية فلا حيلة لي فيها، وقديماً قالوا: (لا يزال الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يؤلف كتاباً)، وقد ألف الدكتور كتاباً، وسمع فيه مديحاً عاطراً كيل جزافاً، فمن الحق عليه أن يسمع إلى جانب ذلك صوت النقد يكال بقدر وحساب.
(انتهى)
стр. 10642
مؤرخ
стр. 10643
العدد ١٣٠ - بتاريخ: ٣٠ - ١٢ - ١٩٣٥
стр. 10644
أبو الطيب المتنبي
بمناسبة ذكراه الألف
- ٢ -
ولد أبو الطيب في ذرور القرن الرابع عظيما بالاستعداد، قويا بالنشأة، طموحا بالفطرة؛ فلا تحاول أن ترجع هذه الصفات فيه إلى أحوال داعية وأسباب موجبة، فأن إعجاز القدرة أن يولد الملك في حجر السوقية، ويدرج العبقري في عش الفدم، ويظهر النبي في بيت المشرك؛ إنما العظمة خلقةٌ في العظيم، تقويها عوامل وتضعفها عوامل؛ فولادة المتنبي بالكوفة، وتجواله في البادية، وتنقله في القبائل، وكدحه الدائب أربعاً وثلاثين سنة وراء الرزق الشرود، يضرب من أفق إلى أفق، ويخرج من هول إلى هول، نمت فيه أخلاق الجرأة والصراحة والصدق والصبر والمغامرة واللسن؛ واتصاله بسيف الدولة الأديب الشجاع السمح، هذب فيه الشاعرية والفروسية، وهما غريزتا البداوة، وخصيصتا العروبة؛ ثم ظهوره في العصر الذي تحللت فيه روابط الخلافة، وتعددت حواضر الأدب، وتطاولت كفايات السيف والقلم إلى العروش المقدسة والمناصب الفخمة، وأثمر تداخل الثقافات المختلفة ما أثمر من شمول العلم، ونضوج العقل، واعتراض الشكوك، وتعدد الفرق، وسع في ذهنه أفق المعرفة، وقوى في نفسه الطموح إلى الرياسة، وهيج في رأسه الثورة على القدر، وأراه بعض الكتاب في بغداد يصل بالأدب إلى الوزارة، وبعض العبيد في مصر يصل بالحيلة إلى الإمارة، فطوع له رأيه في نفسه أن يبايع لها بالملك، ثم أخذها بسمت الملوك، وألزمها شارة الخاصة، وعاشر الدهماء معاشرة الأنوف المكره، وساير الرؤساء مسايرة الغريب الحاقد، وسخر قوته وعبقريته في طلب هذا (الحق) وتحقيق هذا المطلب، حتى ملأ الدنيا بذكره، وشغل الناس بأمره
المتنبي في كتاب الأدب العربي فصل قائم بذاته؛ لأن حياته التي اختلفت عليها العوامل، وازدحمت فيها الأحداث، واعتركت بها الآمال، وفاضت منها التجارب، أمكنته من نوع جديد في الشعر يتسم بالتفكير الحي، والابتكار الجرئ، والأداء الحر، فأقبل عليه عشاق الأدب وطلاب الشهرة من ذوي السلطان في خراسان والعراق والشام ومصر، يتسابقون إلى وده، ويتنافسون في رضاه، وربما توسل بعضهم بالشفاعة ليحطبه في حبله، وجلس
стр. 10645
أحدهم بين يديه ليسمع مدحه فيه، وهو يتصون عن مدح السوقة، ويتكرم عن موقف الشاعر؛ فسعى إليه الرؤساء المحرومون بالعداوة، واجتمع عليه الشعراء المغمورون بالحسد، وتعاون هؤلاء وأولئك على تعقب سقطاته وجحود فضله؛ فكان من أثر الكتب التي ألفت في نقده، والقصائد التي قيلت في هجوه، والخصومة الأدبية التي أثيرت من حوله، والحركة الذهنية التي نشأت من شعره، أن سار ذكره مسير الشمس، وصار شعره سجل الخلود، وغدا مدحه مطمح الملوك، وأصبح أدبه وما اتصل به من النقود والشروح مكتبة!
عقلية المتنبي عقلية بدوية خالصة: تتعلق بالحس أكثر من تعلقها بالمعنى، وتعتد بالواقع أكثر من اعتدادها بالخيال، وتعتمد على القوة أكثر من اعتمادها على الحيلة. لذلك كان ذهول الصوفية نابياً في عقله، وشعور الجمال خابياً في قلبه، واثر الدين ضعيفاً في حياته؛ ثم كانت فلسفته حاجة الدنيا، وخطته سنة الطبيعة، وفكرته صورة الواقع، وغايته غاية الرجل الطماح: شخصيته تبغي الظهور، وشهوته ترغب المال، وحيوته تطلب الغلب، وعظمته تريد الحكم؛ لذلك كان أخص ما يميزه بروز شخصيته في شعره، وصدق إيمانه برأيه، وقوة اعتداده بنفسه، وصحة تعبيره عن طبائع النفس ومشاغل الناس وأغراض الحياة
عبقرية أبى الطيب سباحة الجناح، لماحة الطرف، مبسوطة الأفق؛ ولكنه قيدها بالمادة وحصرها في ما تدور عليه من كاذب المدح ولاذع الهجاء، فقرت قرار الطائر الحبيس، تخافت بالأغاريد المزورة على طبيعتها، وتكابد الشوق الملح إلى الهواء والسماء والروض؛ ثم تفلت أحيانا من ربقة القيد فتحلق في سماء الإلهام وتهتف بالمعجز من قلائد الحكم وشوارد الأمثال وطرائف الذهن، حتى في الأغراض المبتذلة والمواقف الوضيعة
وهكذا كانت قوى المتنبي ومواهبه مقهورة معذبة! ولعله كان أقسى ما يكون على قريحته وعبقريته! فقد أرادهما على الابتكار في مدح لا يعتقده، ووصف لا يحسه، فجاءت معانيه في أمثال هذه الأغراض توليداً في عقله، لا نقلا عن شعوره؛ ومن ثم كثر فيها الإغراق لقيامها على الدعاوى المرسلة، والغموض لانتزاعها من الخوالج المبهمة، والتناقض لتعبيرها عن غير كائن، والتشابه لتفصيلها على غير معين
أما في ما يشعر به كالهجاء والعتاب والنقد والفخر والشكوى، فسيل لا يحجزه سد، وبحر لا
стр. 10646
يحصره ساحل. وهو في تدفع السيل وعمق البحر وسعة العباب، مثله في بطء الحركة واختلاج الأداء وضيق الفكرة: شخصية مفروضة على الذهن، وروح شعاعة على الإحساس، وزفيف في الارتفاع والإسفاف يدل على جناح النسر!
والحق أن المتنبي شاعر القوة، شاعر الحرب، شاعر المغامرة، شاعر المجد! فلو كان سياسيا لكان مكيافللي، أو قائداً لكان نابليون، أو فيلسوفاً لكان نيتشه!
أحمد حسن الزيات
стр. 10647
المجنون
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
تتمة
وطال المجلس بنا وبالمجنونين، والكلام على أنحائه يندفع من وجهٍ إلى وجه، ويمر في معنى إلى معنىً؛ فأردت أن ابلغ به إلى الغاية التي جمعت من أجلها بين هذين المجنونين، بعدما انطلقا في القول وانفتح القفل الموضوع على عقل كل منهما وكان قد مر في الندى بائع روايات مترجمة (بوليسية وغرامية ولصوصية!) يحمل الرجل منها مزبلة أخلاقٍ أوربية كاملة لينفضها في نفوس الأحداث من فتياننا وفتياتنا، فقلت (لنابغة القرن العشرين): أتقرأ الروايات؟ قال: لا، إلا مرة واحدة ثم لم أعاود، إذ جعلتني الرواية روايةً مثلها قلنا: هذا أعجب ما مر بنا منذ اليوم، فكيف صرت رواية؟ قال: أنتم لا تعرفون طبيعة النوابغ، إذ ليس لكم حسهم المرهف، ولا طبعهم المستحكم، ولا خصائصهم الغيبية، ولا خواطرهم المتعلقة بما فوق الطبيعة. قلت: نعم أعرف ذلك؛ وما من (نابغة) إلا هو بين عالمين على طرف مما هنا وطرفٍ مما هناك، فهو خراجٌ ولاجٌ بين العالمين؛ وله نفسٌ مركبة تركيبها على نواميس معروفةٍ وأخرى مجهولة، فهي تأخذ من الظاهر والباطن معاٌ، ويحصرها المكان مرة ويفلتها مرة، وتكون أحياناً في زمان الأرض، وأحيانا في زمن الكواكب من القمر فصاعدا. . . ولكن. . .
فقطع علي وقال: أضف إلى ذلك أن هذه العقول التي تحصر من يسمونهم العقلاء في الزمان والمكان، لا توجد أهلها إلا الهموم والأحزان والمطامع السافلة والأفعال الدنيئة، فانهم يعيشون فوق التراب
قلت: نعم، وإذا عاشوا فوق التراب فباضطرارٍ أن تكون معاني التراب فوقهم وتحتهم ومن حولهم وبين أيديهم، فليسوا يقطعون على هذه الأرض إلا عمراً ترابياً في كل معانيه ولكن. . .
قال: وزد على ذلك أنهم مقيدون تقييد المجانين غير أن حبالهم وسلاسلهم عقلية غير منظورة؛ وبتغليلهم تغليل المجانين يسمون أنفسهم عقلاء، وأعقلهم أثقلهم قيوداً، وهذا من الغرابة كما ترى
стр. 10648
قلت: نعم، أما العقلاء بحقيقة العقل فهم الذين يضحكون على هؤلاء ويسخرون منهم، إذ كانوا في حال كحالٍ المنطلق من المقيد، وفي موضع كموضع المعافى من المبتلى. ولكن. . .
قال: وفوق هذا وذاك، إنهم لا يملكون السعادة إذ ليس لهم العقل الضاحك الساخر العابث الذي خص به النوابغ وكان الأوحد فيه (نابغة القرن العشرين)
قلت: نعم وإذا ملكوا السعادة لم يشعروا بها؛ أما (النوابغ) فقد لا يملكونها ولكن لا يفوتهم الشعور بها أبدا فيجيئهم الفرح من أسبابه ومن غير أسبابه ما دام العقل الضاحك الساخر العابث الذي دأبه أبدا أن ينسى ليضحك، ولا قانون له إلا إرادة صاحبه، على مشيئة صاحبه، لمنفعة صاحبه. ولكن. . . . . . . .
قال: والذي هو أهم من كل ما سبق؛ أن أعظم خصائص هذا العقل الضاحك الساخر العابث أن يطرد عن صاحبه ما لا يحب ويجنبه أن يخسر شيئاً من نفسه، فهو لذلك يجعل حسابه مع الأشياء حساباً يهودياً لا بد فيه من ربح خمسين في المائة. . . . . . . .
قلت: نعم، وهو دائماً كالطفل؛ وما أظرف بلاهة الطفل وما أجداها عليه إذ يضع بلاهته دائماً في أرواح الأشياء وأسرارها فتخرج بلهاء مثله، وتنقلب له الدنيا كأنها أمٌ تضاحك ابنها وتلاعبه. ولكن. . .
قال: ولكن هذا مبلغ لا تبلغه الإنسانية إلا شذوذاً في أفرادها من جبابرة العقول (كنابغة القرن العشرين)
قلت: نعم ولكن كيف صار نابغة القرن العشرين روايةً حين قرأ الرواية!
قال: هذه نكتة النبوغ؛ فلو أن مؤلفها كان نابغةً مثلنا يتلقى في نفسه وحي الأثير وإشارات الروح الأعظم؛ لعلم من الغيب أن نابغة القرن العشرين سيقرأ روايته، فكان يتحرى معاني غير معانيه ويتوخى بهذه القصة وصفاً آخر لا تكون فيه حبيبةٌ خائنة، ولا لص عارم، ولا قاتل سفاح، ولا سجنٌ مظلم، ولا محكمة تقول حيث وحيث. . . . . .
قلت: وما عليك من حبيبة خائنة في الورق، ولص بين الحروف المطبعية، وقاتل لا يقتل إلا كلاما، وسجن ومحكمة على الصحيفة لا على الأرض؟
قال: هذه نكتة النبوغ، فما استوعبت القصة حتى عمرتني أشخاصها وأقحمت منها على
стр. 10649
هول هائل، فخانتني الخائنة لعنها الله. ولولا خوف السجن والمحكمة لقتلتها أشنع قتلة ومثلت بها أقبح تمثيل. ويح الخائنة كيف استمالها ذلك الدميم الطويل العملاق المشبوح العظام المفتول العضل؟ ولكني لست عملاقاً ولا مبنياً ولا بناء الحائط؛ ثم كان مجنوناً بشهواته جنون الفيل الهائج وكنت في شهواتي عاقلا عقل الإنسان؛ ثم كان غنياً غنى الجهال وكنت فقيراً فقر العلماء؛ والنساء؛ قبح الله النساء. إنهن زينةٌ تطلب زينة مثلها. وإن المرأة لتمنح وجهها للقرد يقبله إذا كان الذهب يتساقط من قبلاته. أما من كان مثلي أمواله الشباب والجمال أو العقل والنبوغ، فهو مفلس عندهن إفلاس القرد في الغابة، فهو عندهن قرد لهذه المشابهة
قلت: هذا ليس عجيباً فان اللغويين يجرون على الشيء أسم ما يقاربه في المعنى
قال المجنون الآخر: (مما حفظناه) أن اللغويين يجرون على الشيء ما يقاربه في المعنى. . . . . .
فتربد وجه (النابغة) غضباً وقال: أبي يلعب هذا المجنون؟ إنه يزعم أن اللغويين يسمونني قرداً، فهاتوا القواميس كلها وارجعوا إلى مادة (قرد) ومادة (نابغة). . . سوأة عليك أيها الصبي المعمر. . . ألا فدعوني أؤدبه أدب الصبيان فأن اللطمة القوية على وجه الطفل المكابر في حقيقة، تلمسه الحقيقة التي يكابر فيها إذ تدخله إلى عقله من أقرب طريق. . .
قال ا. ش: أنت قلت لا هو. على أنك لست قردا أبداً إلا عند امرأة جميلة فاتنة متخيلة متامجنة قد تضع البرذعة على ظهر الأمير وتجعله حمارها، فيعجب الأمير أن يكون حمارها. ولست قردا مع قراد إلى جانب عنز وكلب. . .
قال: الآن علمت السبب فأن الخائنة كانت متخيلةً مؤلفة كتب، وروايات، والمرأة التي تؤلف الكتب، غير تؤلف الرجل أيضاً، وتجعله قصة فيها قرد. . . وهذا إن كانت جميلة كامرأة الرواية. أما إن كانت دميمة مجموعة من المتناقضات، أو عجوزا مجموعة من السنين؛ فهذه وهذه كل أيامها كيوم الأحد عند النصارى. . . يوم للعطلة لا بيع فيه ولا شراء ولا مساومة. هذه وهذه كلتاهما تجعل الرجل كالماء في سبيل التجمد. . . لا يشتعل، فضلا عن أن يستعر، عن أن يحترق
مؤلفة الكتب لا يكون وجهها إلا إحدى وثيقتين: فأما جميلة، فوجهها وثيقة بأن لها ديونا
стр. 10650
على الرجال؛ وإما غير جميلة، فوجهها (مخالصة) من كل الديون. . .
قلنا: هذا في الخائنة. فكيف سرقك اللص ولست غنياً؟
قال: هذه هي نكتة النبوغ؛ وفي النبوغ أشياء لا ينكشف تفسيرها وليس في جهلها مضرةٌ على أحد، وجهلٌ لا يضر هو علم لا ينفع، لكنه علم. والبحث في بعض أعمال (النابغة) هو كالبحث عن سر الحياة فيه، إذ يعمل أعماله تلك بسر الحياة لا بسر العقل، أي بالعقل النابغ الخاص به وحده لا بالعقل الطبيعي المشترك بين الناس.
قلت: ومن عجائبك أنك لا تقرأ الروايات ولكنك مع ذلك تؤلفها. . .
قال: إن ذلك ليكون، وإن لم أؤلفها أنا تألفت هي لي. فإذا تقدم الليل ونام الناس جميعاً انتبهت أنا وحدي لرواية العالم فأرى ما شئت أن أرى. وفي ضوء النهار أجد الناس عقلاء ولكني في ظلمة الليل أبصرهم مجانين. فهذا الليل برهان الطبيعة على جنون الناس وضعف عقولهم إذ هو يثبت حاجة هذه العقول إلى ضربٍ من النسيان الأبله التام لولاه ما عقلت في نهارها ولا استقام لها أمر
يصرع الناس في الليل صرعة المجانين فيغمضون أعينهم ولا يرون شيئاً. أما أنا فأرى العالم في الليل مسرحاً هزلياً يضج بالضحك من الإنسان الأحمق الذي يقطع سراة نهاره وهو معتقد أنه قابض على الوجود بالأعين والآذان والآناف. . . أئن رأيت الأسد بعينك أيها الأحمق وسمعت في أذنيك زئيره؛ ادعيت الدعوى العريضة وزعمت أنك ملكته وقبضت عليه، ولا تدري في هذا أنك كالمعتوه إذا قبض على الضل بيده وصاح هاتوا الحبل لأقيده لا يفلت. . .؟
قلت: فإذا كان العالم كله روايتك فأخرج لنا فصلا من الرواية
قال: أيما أحب إليكم، أن أكتب أو أن أمثل؟
وقلنا: بل التمثيل أحب ألينا. فنظر إلى المجنون الآخر وقال: إن المجنون في طبيعته ينبوع من الأشخاص يفيض حالاً بعد حال، كينبوع الماء يسح الدفعة بعد الدفعة، فهنا المسرح، والرواية الآن رواية الطبيب والمجنون. . .
أنت يا س. ع. عم هذا المجنون، فإذا قال لك يا عم. قل له أنا لست عمك ولكني أخو أبيك. . . لننظر أيتنبه على الفرق بين الصيغتين أم لا؛ فأنه فرق عقلي دقيق تمتحن به العقول.
стр. 10651
تعال أيها المريض فأني أرجو أن يكون شفاؤك على يدي، وفي يدي هذه لمسة من لمسات المسيح، لأن (نابغة القرن العشرين) هو الآن طبيب القرن العشرين
اتقوا أن تغضبوه أو تخيفوه، وأقيموا له كل ما يحتاج إليه، وتحروا مسرته دائماً فإن إدخال بعض السرور إلى نفس المجنون هو إدخال بعض العقل إلى رأسه. متى أنكرت يا س. ع عقل ابن أخيك وما كان السبب وكيف غلب على عقله. وهل ا. ش. هو خاله أو أخو أمه. . .؟
لطف الله لك أيها المسكين. قل لي: أتتذكر أمس؛ أتتذكر غداً. . . إن الأمس والغد ساقطان جميعاً من حساب المجانين؛ ومن الرحمة بهم أن الدنيا تبدأ لهم كل يوم فقد استراحوا من ثلثي هموم الزمن في العقلاء. وهم لا يصلحون أن ينفعوا الناس كالعقلاء، غير أنهم صالحون أكثر من العقلاء للانتفاع بأنفسهم في الضحك والمرح والطرب، وهذا حسبهم من النعمة عليهم
قل لي أيها المجنون: أتحس أن الدنيا تصنع لك نفسك أم نفسك هي تصنع لك الدنيا؟ إن هذه مسألة يحلها كل مجنون على طريقته الخاصة به، فما هي طريقتك في حلها؟
مالك لا تجيب أيها الأبله؟ (هذا من جهة ومن جهة) أعطوه قرشاً لينطلق لسانه، وآتوا الطبيب أجره وافياً وهو لا يقل عن قرشين. . .
ثم مال (النابغة) على مجنون المتن وسره بشيء. فقلنا ما أمر المال بسر؛ هذا قرش للمريض وهذان قرشان للطبيب. فقال المجنون: (مما حفظناه) كفى بالسلامة داء
قال الطبيب: هذا مريض بنوع من الجنون أسمه (مما حفظناه) وهو جنون النسيان الذي يضع في مكان العقل كلمةً ثابتة لا يتذكره إلا بها؛ ومن أعراضه جنون الشك فكل ما حول المريض مشكوك فيه، وقد يترامى إلى جنون اللمس، فلو لمسته بإصبعك توهمها عقرباً فخاف من الإصبع تلمسه خوفه من العقرب تلدغه، ولكن بقيت أشياء لابد من التدقيق في فحصها، فليس هذا من مجانين العبقرية التي انحرفت عن طريقها أو شذت في قوتها؛ ولا هو ممن يتجان ويتحامق التماساً للرزق والعيش كما قال بعضهم: حماقةٌ تعولني خير من عقل أعوله
стр. 10652
فقال المجنون: (مما حفظناه) حماقة تعولني
فضحك (النابغة) وقال: هو كما بينت لكم مصاب بجنون (مما حفظناه) وهو أقل الجنون وأهونه، وعلاجه البسط والسرور والقرش؛ والضرب أحياناً. . . فإذا ثابر عليه الداء تحول إلى جنون (مما ضربناه). . . فيتعدى المصاب على كل من يراه أو يوقع به ضرباً، وعلاجه حينئذ القميص المرقوم؛ فإذا فدحت العلة انقلب المرض إلى جنون (مما قتلناه). وعلاجه يومئذ السلاسل والأغلال
والحق أقول لكم إن آخر ما انتهت إليه فلسفة الطب في القرن العشرين أن الناس جميعاً مجانين ولكن بعضهم أوفر قسطاً من بعض، كأن سلب العقل هو أيضاً حظوظ كحظوظ موهبة العقل. وأهل المريخ من أجل ذلك يسمون الأرض بيمارستان الفلك
ولكن بقيت أشياء لا بد من التدقيق في فحصها؛ وعندي في الدار عاطوسٌ إذا أشممته هذا المجنون عطس به عطسة قوية فخرج جنونه من أنفه. . . قل لي أيها المسكين: أتخاف إذا سرت وحدك في ميدان واسع كأن الميدان سيلتف عليك؟ أتضطرب إذا مشيت في مضيق كأن المكان سينطبق عليك؟ وإذا كنت في عربة القطار فهل يخيل إليك أن البيمارستان قد جره القطار وانطلق به هاربا؟ وهل شعرت مرة أنه أوحى إليك أن تنتحر؟
أرني هذا القرش الذي في يدك. فمد المجنون يده بالقرش
قال (النابغة): أنظر الآن هل تحدثك نفسك أن تغصبني هذا القرش أو تسرقه مني؟ قال: نعم
قال (النابغة): إذن يجب أن أحرزه في جيبي. . . وأسرع فأخفاه في جيبه
فصاح الآخر وشغب، وقال سلبني ونهبني. قلنا لا ينبغي أن يتصل بينكما شر في تمثيل الرواية فهذا قرش آخر، ولكن أفي الفلسفة عند (النابغة) إباحة السرقة والغصب؟
قال: فالرواية الآن هي رواية الفيلسوف العظيم أفلاطون وتلميذه أرسطو
قل لي ويحك يا أرسطو. أعلمت أن في المجانين أغنياء يسرقون الشيء القليل لا قيمة له وهم أغنياء وليست بهم حاجة إليه. فما علة ذلك عندك وما وجهه في مقولة الجنون؟
أعجزت عن الجواب؟ إذن فاعلم يا أرسطو أن المصاب بهذا الضرب من الجنون إذا اشترى هذا الشيء بدرهم كانت قيمته من الدرهم وحده، وهو غني لا قيمة للدرهم في ماله
стр. 10653
فلا يحفل بالشراء. بيد أنه إذا سرقه كانت قيمته عنده من عقله وحيلته فيجيئه بلذة لا تشتريها كل أمواله ولا كل أموال الدنيا. فهذا جنون باللذة لا بالسرقة وهو بذلك ضرب من العشق يجعل الشيء إذا لم يسرق كأنه المرأة المعشوقة الممتنعة على عاشقها
والجياع إذا سرقوا ليأكلوا ويمسكوا الرمق على أنفسهم، لا يقال في لغة الفلسفة إنهم سرقوا بل أخذوا. . . فباضطرار جاعوا وباضطرار مثله أكلوا، والسارق هنا هو الفتى الذي منعهم الإحسان والمعونة. . .
فالدنيا معكوسة منقلبة أوضاعها يا أرسطو، ولو استقامت هذه الأوضاع لوجدت السعادة في الأرض لأهل الأرض جميعاً. وكيف لك بالسعادة والناس مخلوقون بعيوبهم؟ ويا ليتهم مخلوقون بعيوبهم فقط، ولكن الطامة الكبرى أن عيوبهم تعمل دائماً على أن ترى في الآخرين عيوبا مثلها
كل حمار فهو يريد أن يملأ جوفه تبناً وفولا وشعيراً، غير أني لم أر حماراً قط يريد أن يملأ لنفسه الإسطبل، فإذا وجد حمار هذه همته وهذا عمله فأسمه إنسان لا حمار. . . .
يا أرسطو إن معضلة المعضلات أن يحاول إنسان حل مشكلة داخلية محضة قائمة في نفس حمار أو ثابتة في ذهنه الحماري؛ ومثل هذا أن يحاول حمار حل مشكلة نفسية في ذهن إنسان أو في قلبه؛ فلا حل لمشاكل العالم أبدا ما دام كل إنسان مع غيره كحمار مع إنسان. . . .
والمعضلات النفسية من عمل الشياطين فكان ينبغي أن تجيء الملائكة لتحارب الشياطين بالبرق والرعد دفاعاً عن الإنسانية؛ ولكن الله تعالى منعها وأرسل للإنسان ملائكة أخرى إن شاء هذا الإنسان عملت، وإن شاء عجزت؛ وهي فضائل الأديان المنزلة فإذا منحها الإنسان إرادته وقوته فعملت عملها كان الإنسان هو الملك بل فوق الملك، وإذا أضعفها ومحقها كان الإنسان وهو الشيطان وأسفل من الشيطان
يا أرسطو (هذا العالم عندي كتلة من العدم اتفقت على الظهور وستختفي. والعالم عندي ضعف ركب وقوة ركبت. والعالم عندي لا شيء. والعالم بين بين. والعالم قسمان. منهم الفلاح الزراعي وذلك أفضل فلسفة طبيعية. . . والعالم في حاجة إلى الموت والموت في حاجة إليه. والأدب هو الحياة ولا حياة بلا أدب. والأدب ضربان: أدب نفساني وأدب
стр. 10654
مكتسب. وقد يكون طبيعياً كما هو عند نابغة القرن العشرين. ومن هو نابغة القرن العشرين؟ وهو شخص مات بلا موت ويحيا بلا حياة.)
أتريد يا أرسطو أن تعرف سر تركيب العالم؟ الأمر يسير غير عسير، فان سر تركيبه كسر تركيب القرش الذي في يدك، فدعني أظهرك على هذه الحقيقة ومد يدك بالقرش لأبين لك سر التركيب فيه. . . .
ولكن المجنون الآخر أسرع فغيب القرش في جيبه. فقال (النابغة) هذا سياسي داهية خبيث. والرواية الآن رواية سياسي القرن العشرين
ليس في حقيقة السياسة إلا الرذل من أفعال السياسيين. والألفاظ السياسية التي تحمل أكثر من معنى هي التي لا تحمل معنى. فليحذر الشرق من كل لفظ سياسي يحتمل معنيين، أو معنى ونصف معنى، أو معنى وشبه معنى. فان قالوا لما (أحمر) قلنا لهم اكتبوه بهذا اللفظ؛ فإذا كتبوه قلنا لهم ارسموا إلى جانبه معناه باللون الأحمر لتشهد الطبيعة نفسها أن على معناه أحمر لا غير. . . . وعلى هذه الطريقة يجب أن تكتب المعاهدات السياسية بين أوربا والشرق
انهم يكتبون لنا جريدة بأسماء الأطعمة ثم يقولن: أكلتم وشبعتم. . . . ولقد رأيت (مظاهرات) كثيرة ولا كالمظاهرة التي أتمناه؛ فما أتمنى إلا أن يخرج كل الجانبين في مظاهرة. . . . . .
وهذا الأبله الذي أمامنا ليس وطنياً ولا فيه ذرة من الوطنية. فان كان وطنياً أو زعم أنه وطني، فليخرج القرش الذي في جيبه. . . . ليكون فألا حسناً لخروج جيش الاحتلال من مصر
ولكن المجنون لم يخرج القرش وترك جيش الاحتلال في مكانه
فقال (النابغة): الرواية الآن رواية الشرطي واللص. وبحقٍ من القانون يكون للشرطي أن يفتش هذا اللص ليخرج القرش من جيبه. . . .
غير أن المجنون أمتنع. فقال (النابغة): كل ذلك لا يجدي مع هذا الخبيث، فالرواية الآن رواية هارون الرشيد مع البرامكة. ويجب أن ينكب الرشيد هؤلاء البرامكة ليستصفي القرش. . .
стр. 10655
بيد أننا منعناه أن ينكب (البرامكة) فقال: الرواية الآن رواية العاشق والمعشوقة، ونظر طويلاً في المجنون وصعد فيه عينه وصوب فلم ير إلا ما يذكر بأنه رجل فتهدى إلى رأي عجيب. فوقع على قدميه وتوهمه امرأةً في حذائها. . . وجعل يناجي الحذاء بهذه المناجاة:
إن سخافات الحب هي أقوى الدليل عند أهله على أن الحب غير سخيف؛ فكل فكرة في الحب مهما كانت سخيفةً، عليها جلال الحب؛ وللحذاء في قدميك يا حبيبتي جمال الصندوق المملوء ذهباً في نظر البخيل، وكل شيء منك أنت فيه سر جمالك أنت. والحذاء في قدميك ليس حذاء، ولكنه بعض حدود جسمك الجميل، فلا أكون كل العاشق حتى أحيط بكل حدودك إلى الحذاء
أن جسمك يا حبيبتي كالماء الجاري العذب؛ في كل موضع منه روح الماء كله. وحيثما وقعت القبلة من جسمك كان فيها روح شفتيك الورديتين. هذه قبلة على قدميك يا حبيبتي؛ وهذه قبلة على ساقك؛ وهذه على ثوبك، وهذه قبلة على جيبك. . .
وكادت يد (النابغة) تخرج بالقرش؛ فعضه المجنون في كتفه عضة وحشية فجأة الخوف منها فطار صوابه؛ فصرخ صرخة عظيمة دوى لها المكان وترددت كصرصرة البازي في الجو. ثم اعتراه الطيف، وأطبق عليه الجنون، فاختلط وتخبط. . . . . .
(والرواية الآن). . .؟ رواية عربة الإسعاف. . . . . .
طنطا
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10656
٢ - بعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي
للأستاذ محمد عبد الله عنان
- ٤ -
وفي عصر الحاكم بأمر الله تدنو أساليب الخلافة الفاطمية، وتدنو شخصية الخلفاء الفاطميين من ذروة الخلفاء؛ وكما أن الدعوة السرية الشيعية لقيت على يد الخلافة الفاطمية أعظم مظاهر ظفرها الديني والسياسي، فكذلك تلقى الدعوة السرية الفاطمية في عصر الحاكم بأمر الله أغرب مظاهرها، وأشدها إمعاناً في الغموض والخفاء؛ وفي هذه الفترة بالذات ينفجر بركان الدعوات السرية التي لبثت تضطرم قبل ذلك بأكثر من قرن، وتحقق بعض غاياتها العملية بصور جريئة مروعة
ولقد كانت شخصية الحاكم بأمر الله مثال الخفاء ذاته؛ ولم تكن مظاهر الغموض والتناقض التي تنتاب هذه الشخصية الغريبة في كثير من المواطن، لتحجب مظاهر القوة المادية والمعنوية التي تتمتع بها في أحيان كثيرة، بيد أنا نلاحظ أن الخفاء يغمر هذه المظاهر جميعا، سواء في فترات قوتها أو ضعفها. كان الحاكم ذهناً هائماً، يشغف بنظريات الخفاء والعالم الآخر، وينكب على دراسة التنجيم والفلك، ويهم في ميدان المباحث الفلسفية والروحية؛ وكان هذا الخفاء المروع يصحب الحاكم في حياته الخاصة، وفي تصرفاته العامة، في أقواله وأعماله؛ وأي خفاء أشد من ذلك الذي تنفثه حولها شخصية ترتفع في سماء التفكير حتى لتزعم السمو فوق البشر، وتهيم في دعوى الألوهية، وتنحط مع ذلك في بعض نزعتها وتصرفاتها إلى نوع من الجنون الغامض؟ لقد يجرؤ الدعاة في كثير من المواطن على انتحال الرسالة أو النبوة، وقد يزعم المشعوذون المغامرون أنهم يتمتعون بمواهب خارقة، ولدينا من هؤلاء وهؤلاء ثبت حافل في جميع العصور والأمم، بل إنا لنراهم ينبثون في القرن الثامن عشر في المجتمعات الأوربية يزاولون السحر والتنجيم، ويعتصمون بأذيال الخفاء والروع؛ ولكنا لا نعرف مثلا عملياً ذهب فيه الداعي إلى انتحال الألوهية، وأثمرت فيه الدعوة ثمرتها العملية كمثل الحاكم بأمر الله
احتشد الدعاة السريون بمصر في عصر الحاكم، وازدهرت الدعوات السرية، واتخذت سبلا ومظاهر شتى؛ وكان المجتمع القاهري يعيش في الواقع على هامش تلك الدعوات الغريبة
стр. 10657
التي تتخذ سبلها في الخفاء إلى أذهان الهائمين والمنافقين؛ وقد تمخضت هذه الحركة السرية الملحدة في عصر الحاكم ذاته عن نتائج مدهشة، ففي أواخر عصر الحاكم ظهر دعاة يدعون إلى ألوهية الحاكم بأمر الله؛ وزعم حمزة بن علي رأس أولئك الدعاة وأشدهم جرأة أن الحاكم ليس بشرا، وإنما هو (المولى سبحانه هو هو في كل عصر وزمان) ونعته بأنه (قائم الزمان)، وأنه هو أي حمزة نبيه ورسوله، وذهب الدعاة في جرأتهم إلى حد التبشير بهذا الهراء في جامع القاهرة (الأزهر) علناً، وكادت تضطرم من جراء ذلك فتنة خطيرة لولا أن بادر الحاكم بصرف الدعاة وإبعادهم إلى الشام، وهنالك أسفرت دعوتهم عن تأسيس مذهب الدروز الذي ما زال قائماً إلى اليوم، وقوامه القول بالتناسخ وحلول الأرواح، وأن الحاكم بأمر الله هو الإله، وهو قائم الزمان، تجسمت فيه روح آدم، بعد أن تجسمت من قبل في علي بن أبي طالب
وقد وضع أولئك الدعاة كتباً ورسائل سرية مدهشة انتهى إلينا بعضها؛ ولم يك ثمة ريب في أن الحاكم بأمر الله كان يرعى هذه الدعوة ويغذيها من وراء ستار، وأنه تأثر بها في أواخر عهده، وأذكت هيامه، واضطرام عقله وروحه، وكان لها أكبر أثر في تطور الدعوات السرية الإسماعيلية
- ٥ -
وكان اختفاء الحاكم كحياته لغزا مدهشا، بل كان ذروة الخفاء والروع؛ وما زالت قصة هذا الاختفاء وظروفه وحقيقة عوامله مثار الريب والجدل. ركب الحاكم ذات مساء في بعض جولاته الليلية التي كان يشغف بها ولا يصبر عنها، وقصد ناحية في جبل المقطم اعتاد أن يرتادها لرصد النجوم، بعد أن صرف الحشم المرافقين له؛ ثم لم ير بعد ذلك قط لا حياً ولا ميتا، ولم يوجد له بعد ذلك أثر قط؛ ولم توجد جثته قط. ولم تقدم إلينا الروايات المعاصرة أو المتأخرة أية رواية حاسمة عن مصرعه أو اختفائه، ولكنا لا نتردد رغم خفاء الحادث وغموض ظروفه في الاعتقاد بأن الحاكم ذهب ضحية مؤامرة، وأن مقتله لم يك سوى جريمة سياسية ارتكبت لتحقيق شهوات الملك والسياسة؛ وهذا ما تقرره بعض الروايات المعاصرة على اختلافها في الشرح والتفصيل؛ وفي ظروف الحاكم، وفي عنفه واضطرام أهوائه، وغريب تصرفاته، وفي قسوته وصرامته نفسه ما يفسر مثل هذا الرأي، وما يسبغ
стр. 10658
عليه مسحة من الرجحان. ومعظم الروايات المعاصرة على أن الذي دبر المؤامرة هي الأميرة ست الملك أخت الحاكم؛ وكانت تأخذ عليه عنفه وإغراقه، وتحذره من عواقب أهوائه؛ وكان الحاكم يشدد عليها الحجر والرقابة وينعى عليها سوء مسلكها وفضائحها الغرامية؛ وكانت تخشى بطشه وفتكه، وترقب الفرص لتدبير اغتياله؛ وكان حليفها وعونها في تدبير المؤامرة وتنفيذها، سيف الدولة بن دواس زعيم قبيلة كتامة القوية التي فقدت في ظل الحاكم ما كانت تتمتع به من النفوذ والجاه. وفي ليلة الاثنين ٢٧ شوال سنة ٤١١هـ (١٠٢٠م) ركب الحاكم إلى المقطم، بعد أن طاف حيناً في أنحاء القاهرة، وسار إلى الجبل ومعه ركابيان فقط؛ وكان أبن دواس قد اتخذ أهبته ورتب للفتك بالأمير عبدين من أخلص عبيده؛ وتوغل الحاكم في الجبل إلى حيث اعتاد أن يرصد النجوم ومعه ركابي فقط؛ أما الركابي الآخر فصرفه مع بعض ذوي حاجة اعترضوه في طريقه، وهنالك في جوف الجبل تمت الجريمة وقتل الحاكم ووصيفه، وقطعت قوائم حماره الأشهب؛ وحملت جثة الحاكم في جوف الظلام إلى أخته ست الملك فدفنته في نفس مجلسها؛ واتخذت كل ما يجب لكتمان الجريمة، وأذاعت أن أخاه سيغيب أياماً؛ وخرج الناس إلى الجبل فلم يعثروا بأثر للحاكم أو حماره أو ركابيه؛ ورتبت ست الملك في نفس الوقت اغتيال أبن دواس وكل من اشترك في الجريمة أو وقف على السر، وذهب السر مع الجناة إلى القبر
وقضى رجال الدولة ثلاثة أيام متوالية يبحثون عن الحاكم دون جدوى، وفي اليوم الرابع توغلوا في الجبل فعثروا بحماره الأشهب وقد قطعت قوائمه، وتابعوا بحثهم حتى وصلوا إلى البركة الواقعة شرقي حلوان، فنزلها البعض، وعثروا فيها بثياب الحاكم مزررة لم تحل أزرارها وفيها أثر الطعان. فعندئذ أيقن الناس بقتله
كان مصرع الحاكم فيما يرجح إذاً جريمة سياسية دبرت ونفذت بأحكام؛ ولكن ذلك التعليل لم يكن حاسما في عصر ذاعت فيه الدعوات والأساطير السرية، ونودي فيه بألوهية ذلك الذي اختفى على هذا النحو الغامض. ومن ثم فقد زعم بعض الغلاة والمغامرين من الدعاة أن الحاكم لم يمت ولكنه اختفى وسيظهر آخر الزمان، أو أنه رفع إلى السماء كما رفع المسيح بل لقد وجدت هذه الأساطير المغرقة سبيلها إلى بعض دوائر البحث الحديث، فنرى المستشرق فون ميللر مثلا يعلق على اختفاء الحاكم بما يأتي: (أما أن أخته قد دبرت قتله
стр. 10659
لخوفها من تنفيذ وعيده لها بالقتل، فهو حديث خرافة. والواقع أن مصيره لم يعرف قط. وعندي أنه طبقا لكل ما نعرفه من حياته، قد رأى استحالة تحقيق مبادئه في مصر، فاعتزال الحياة واختفى في مكان ما ليقضي حياته بعيداً عن الأنظار، لكي يعتقد أنصاره على الأقل أنه هو (الناطق) حقيقة (ناطق الزمان) وأنه سيعود من رمسه آخر الزمان في شخص الإمام أو المهدي؛ وهذا ما لا يزال ماثلا إلى اليوم في عقائد الدروز)
والواقع أن هذه الأساطير رغم بطلانها وإغراقها، كانت أخصب مستقى لمذهب الدروز. وإذا كنا لا نستطيع أن نؤمن بهذا التعليل الغريب لاختفاء الحاكم، ففي وسعنا أن نعتقد أن اختفاء الحاكم كان نتيجة جريمة دبرها الدعاة السريون لإذكاء دعوتهم، ولكي يسبغوا عليها بإخفاء الحاكم من هذا العالم قوة الدلائل المادية، فيقال إن ناطق الزمان قد اختفى ولن يظهر إلا في آخر الزمان. على أنه مهما قيل في مصرع الحاكم وفي تعليل اختفائه، فلا ريب أنه من أغرب حوادث التاريخ الإسلامي، وأشدها غموضاً وروعة وخفاء
- ٦ -
هذه خلاصة منوعة لبعض مواطن الخفاء في التاريخ الإسلامي وهنالك الكثير منها مما لا يتسع المقام لذكره. ولا تقتصر هذه المواطن الخفية الغامضة على حوادث التاريخ الإسلامي؛ ولكنها تمثل في تواريخ معظم الأمم والعصور؛ فما من عصر إلا وله أساطيره، وما من أمة إلا ولها أساطيرها القومية، وقد كانت هذه الأساطير وهذه المواطن الخفية تمت في الغالب بصلة إلى الدين أو إلى الأطماع والمشاريع السياسية، وكان يستغلها دائما دعاة مهرة ومغامرون لهم من الجرأة والإقدام، ما يكفل تحقيق مشاريعهم؛ وكان السلطان الروحي أو السياسي دائما مطمح أولئك الدعاة أو المغامرين؛ وفي أحوال كثيرة نرى الأسطورة الدينية أو الدعوة الخفية تنتهي بانفجار تعقبه انقلابات سياسية واجتماعية خطيرة، وفي بعض الأحيان نرى الأسطورة أو الدعوة تفضي إلى قيام دولة جديدة أو مذهب ديني أو سياسي جديد
ولا ريب أن هذه الأساطير والدعوات والحوادث الخفية تبدو في عصرنا حديث خرافة، ومن المستحيل أن تشق طريقها بعد في أمة متمدنة أو مجتمع مستنير. ولكن يجب أن نذكر فوارق العصر والظروف، وأن نحكم على هذه الظواهر الغريبة بمعيار العصر الذي حدثت
стр. 10660
فيه. على أننا نجد في التاريخ الحديث، وفي المجتمعات الحديثة المتمدنة أيضاً أمثلة مدهشة من هذه الأساطير والظواهر الخفية تشق طريقها إلى أرقى المجتمعات وتثير الدهشة والروع في نفوس الكبراء فضلا عن العامة؛ ففي القرن الثامن عشر ظهر في ألمانيا والنمسا وفرنسا عدة من الدعاة والمغامرين السريين مثل يعقوب فرنك (أو الكونت أوفناخ) والدكتور فوك، ويوسف بلسابو (أو الكونت كاجليوسترو)، والكونت سان جرمان وغيرهم، وجابوا المجتمعات الأوربية الرفيعة، وأثارت مزاعمهم ودعاواهم في الخلود وعلم الغيب، ومزاولة السحر، والخوارق، كثيراً من الدهشة والروع؛ بيد أن هؤلاء المغامرين الدهاة لم يحاولوا أكثر من تحقيق مطامع محلية وشخصية؛ وذلك أن العصر الذي كانت فيه جرأة الدعاة تتجه إلى إنشاء المذاهب الدينية أو الدولة السياسية، كان قد انتهى منذ بعيد، ولم يبقى أمام الأواخر من الدعاة والمشعوذين إلا أن يعملوا في ميدان متواضع جدا لتحقيق المآرب والأهواء الشخصية.
(تم البحث)
محمد عبد الله عنان
стр. 10661
ذكرى زوجة
للأستاذ حسنين حسن مخلوف
حدث صاحبي قال:
عشر سنين سوياً هي مدى العيش بيني وبينها
هي قنطرة حياتها الجديدة اجتازتها عجلة إلى القبر
كانت تملأ بيتي نوراً، ونفسي حبوراً؛ بدلتني بالوحشة أنساً، وبالوحدة جمعاً. هؤلاء أولادها نجوم سماء أرسلتها العناية الإلهية لتكون معجزة الله في نظام الأسرة، وفي بعث الأمل الباسم، وفي سعادة الآباء والأمهات، ثم لم يمتعها الدهر بهم إلا قليلا، واستودعتني صغاراً كأفراخ الطير، وذهبت في عالم السماء. . . . . . . .
دعني يا أخي أخفف من برحاء حزني بقطرات من الدمع هي كل ما أملك عند ما يغلي مرجل قلبي بذكراها
دع دماء قلبي تتبخر فتستحيل دموعاً، ففي انبثاقها هدوء لوعتي وأشجاني، فقد انصبت أحزان الناس جميعاً في مصيبتي فما أطيق لها حملا
أفما رأيت المحزونين يتعزون بي، وينسون مصائبهم إذا رأوني، فيرثون لبلواي، ويمسحون بتعازيهم فيض عيني التي هي معاني دموعهم على موتاهم؟
يا لأيامها الحلوة، وسريرتها الطاهرة!!
أرأيت إلى البحر الصافي الساكن الذي لا يدس في قرارته شيئاً!! أرأيت إلى السماء الزرقاء الجميلة تزهر بالنجوم الوضّاءة، هي رمز السرور والطمأنينة!! ذلك هو قلبها: إخلاص وصدق، وأدب وحياء، وكل ما ترتجي في الزوجة الكاملة من سمو ووفاء. . . . . .
وكأن القدر أراد أن يسقيني كؤوس السعادة مترعة ثم يسلبنيها وشيكا ليطول حزني، وتدمى إلى الأبد جراح قلبي، فأنا منها في همٍ مقعد مقيم
قلت له: هوّن عليك يا أخي، فما لما قضى الله حيلة، وحسبك ما قدمت يداك، وما قمت به نحوها من تمريض، فقد كانت في أغلب سنيها معك بين الموت والحياة، تسعى سعي المجد لتدفع القدر عنها، فلم تدع طبيباً إلا استشرته، ولا صيدلية إلا أفرغت فيها كنوز حياتك
стр. 10662
كنت في حياتها في فكر ممض، وقلق مستديم، وليس من الإنصاف لنفسك ولا لأولادك أن تظل هكذا شقيا بمماتها. .
فما استأذن حديثي على سمعه حتى ظل هنيهة مطرقاً مفكراً، وكأن أطياف الماضي تذهب وتجيء في رأسه، فلا يستطيع لها دفعاً، وكأن لوحة خيال تعرض حوادث حياته مشهداً مشهداً، وبعد أن تنبه إلي قال:
لست أنسى طول حياتي رزانة عقلها، واتزان كلامها، وجميل وفائها؛ وقصدها في الأمور كلها، حتى لقد حسبت أن الله مازها بذلك من دون النساء جميعا؛ وأن شمائل بنات حواء اجتمعت لديها ثم صارت وقفا عليها. أرأيت إلى قطرات من المطر تتحلب من أفواه السحاب، ثم يؤلف الله منها ماء رويا يحظى به فرد واحد من بني الإنسان؟ تلك هي فضائلها. فأن محي البر والمعروف والوفاء من نفوس الناس جميعاً فلن تبرح ذهني ذكراها، وهكذا تمر الأيام وروحها ماثلة أمامي، ومآثرها مشرقة إشراق الشمس؛ فهي باقية في معاني الكمال الإنساني، باقية في هؤلاء الصبية كلما خطروا أمام عيني، فهم بضعة منها، وأمثالها العزيزة على نفسي. . . . . . .
كان داء قلبها مبعث آلامها، فما تبرّمت لحظة في القيام بما تفرضه شركة الحياة بيني وبينها، ولأني أعلم أن صخرة عاتية تنتظرني بعد أن أنفض يديّ من تراب قبرها، فتحطم آمالي تحطيما، وتفرق أجزاء نفسي شعاعاً
وكم كنت أود إن لم يكتب الله لها السلامة أن تعيش هكذا في سريرها تنعم برؤية أولادها، وأنا كل يوم أزجي إليها كواذب الآمال في برئها، وأزور مع الطبيب في الطريق كلاماً نقوله عند لقائها، والطبيب يشفق علي ويقول: حسبك فقد أبليت، والطب ألقى سلاحه معترفاً بالعجز عند باب حجرتها؛ وأنا أجيبه: لا عليك أن تكرر الزيارة، وأن تذرع الأرض جيئة وذهوباً، وأجرك موفور، وعذرك في عدم الشفاء مذكور، رجاء أن تدخل شيئاً من برد الطمأنينة على قلبها
وقد والله كانت راضية بالقدر خيره وشره، وما ذاقت طعم النوم أشهراً إلا مثل حسو الطير ماء الثِّماد، وكانت لا تطيب نفسها أن أسهر بجانبها حتى أقوى على أسباب العيش طول النهار؛ فإذا نزلت عند رأيها انتابني الفزع في وهن الليل، فأراها جالسة مفتوحة العينين
стр. 10663
تنتظر قضاء الله فيها، وقد تسمع المؤذن في الفجر يشق الفضاء بكلمة الحق: (الله أكبر) في سكون الليل وهدوئه، فتضرع إليه أن يحكم فيها بما يراه خيراً لها، ثم تدعو الذي لها كتب لها قصر العمر أن يكتب لي طول العمر جزاء ما أسديت إليها في أمراضها المتطاولة من برٍ ومجهود، فآسى لهذا القول، وأذكر الأمل في الشفاء، فتستبعد تحقيق ما أملت وتقول: أيقدر لي الشفاء فأقضي عمراً جديداً في شكر معروفك؟!
ثم اشتدت بها العلة، وبرحت بها الأوصاب. ومن عجائب القدر أن تكلفني وزارة المعارف مغادرة المدينة لأعمل في الامتحانات في مدينة أخرى، وليس من شرعة وزارة المعارف أن ترحم مثل الظروف المحيطة بي، أو تقبل عذري إلا إذا كنت أنا مدنفا عليلا، ويشهد جماعة من الأطباء جهد أيمانهم إنيل لا أطيق السفر، ولا أقوى على مكابدة الأعمال
سافرت متعب الفكر، مضطرب النفس، وبين جنبي من الهم ما لو كان بالجبال لاندكت، وبالبحار ما سمعت لرنات أمواجها زئيراً، ولا لشموخ أنفها عزّة وزفيراً
وقبل سفري تقدمت إلى أنجالي أن يراسلوني يوميا بحالتها، وأسررت إلى بعض أصدقائي إن حل المقدور أن يبادر باستقدامي برقياً، ومن عجب أن تترى الرسائل كل يوم بأن معجزة عيسى الباهرة ظهرت في زوجي، وأن المرض كادت تزول آثاره! فأحدث ذلك في نفسي حالة بين الشك واليقين. أذكر البرء فأقول: (آمنت بالله)، (يحي العظام وهي رميم)، هاهو ذا مجهودي الطويل تتوّج بالنجاح، وتا لله إن فرحي برؤيتها سليمة لينسيني كل عذاب تحملته صابراً محتسباً، ثم تخم علي سحب مظلمة تقترب من نفسي شيئاً فشيئاً فأنفجر باكياً في حجرتي بالفندق بعد أن أحكم رتاج الباب، وأشتفي ببلسم المحزون؛ هي تلك القطرات
يا لله للإنسان لو لم تكن دموع عيني أتراه ينشق فتطير أجزاء قلبه ورأسه فلذة في المشرق وفلذة في المغرب ثم يتناثر جسمه إرباً إرباً. ثم تعود إلي قوة نفسي فأحس حرارة اليقين في صدري، ويشع أمام عيني ضياء الأمل فأنتعش وأبني قصور الآمال من جديد بعد أن ضعضعتني الأسقام، وزعزعتني الوساوس والأوهام. وعدت من السفر ودخلت عليها مسلما لأبدل بالشك اليقين، فرأيتها جالسة في سريرها وقد امحت منها معالم الحياة إلا عيونا براقة وروحاً رضية تتحدث حديث الأحياء وجسمها في عالم الأموات، فعرفت زيف أحلامي التي
стр. 10664
نعمت بها مدة غيبتي عنها، فسألت في شأن هذه الرسائل فاعتذرت لي بأنها شاءت أن أفرغ لعملي، وحسبي جهود الامتحان من آلام التذكر، فحاطت الرسائل بما يخفف عني، ويحي ميت الآمال من نفسي، فأكبرت هذه المروءة وذلك العقل الكبير من حيةٍ ميتةٍ تنتظر أياما أو ساعات لتودع الحياة الدنيا وقالت لي: إنها ابتهلت إلى الله ألا يحل بها ريب المنون حتى أعود من سفري، وهاهي ذي مشيئة الله كانت رحيمة بها كريمة عليها، وأعلمتني إن دلائل الموت تقترب منها ففاضت شئوني. أما هي فكانت الثقة بالله تملأ جوانب نفسها والتسليم للمقادير ما يلهج به لسانها في كل حين فكانت هادئة رزينة مكتملة العقل كعادتها
ثم عدت إلى المنزل في الظهيرة وقارورة الدواء الأخيرة في يدي فنظرت إليها كما ينظر الموتور إلى واتره فأجفلت منها وكأنها نذير الموت جاء يعجلها فقالت: في هذه الزجاجة بقية عمري فأبعدوها عني ولا تفضوا ختامها: ارحموني فقد تمزق جسمي بالحقن فلم يسلم جزء فيه من طعناتها، وتقطعت أحشائي بالعقاقير وأنا صابرة، فكم من طبيب كشف عن جسمي! وكم من دواء شقت مرارته مرارتي! أين أولادي؟ ليصنعوا مثل الحلقة حولي، وأخذت تقبل هذا، وتمسح بيدها رأس ذاك، وتبلل بالدموع وجوههم جميعاً، كل ذلك وهم في غفلة ساهون يفرحون ويمرحون إلا أكبرهم فكانت دموعه تسابق دموع أمه فيبكيان معا. وبعد قليل استنجدت بجرعات من الزجاجة فشربتها فنامت ثم أستيقضت بعد نصف ساعة وكأنما نشطت من عقال، فاستفاقت وعاد إليها برد الأمل، وما رأيتها في أوقات مرضها أسعد حالا وأعظم سروراً من تلك الساعة، وقلت لها: ألم أقل لك كثيراً إن الإنسان قد يصل به المرض إلى الغاية ثم يشفى، وأنا أعرف كثيراً من الناس بهذه المثابة
وما أنتصف الليل أو كاد حتى زلزلت الأرض زلزالها!! إنه موقف الموت الرهيب!! فرأيت نفسي في مأزق حرج لم أشهده طول حياتي. إنه رسول الموت جاء ليحسم الأمر بعد طول جدال! جاء (لقطع جهيزة قول كل خطيب)
ولتحط أم أولادي الرحال بعد طول تهجير فقد أضناها السرى وبرمت بالحياة الدنيا. رأيتها تسلم الروح إلى بارئها في يقظة وانتباه ونفسها معلقة بأولادها وكأنها تخاطب رسول الموت: قف قليلا لأشهد الكون إني ذهبت إلى الله وخلفت في الدنيا أطفالاً هم بهجة قلبي وحشاشة نفسي. قف قليلا لأودعهم الوداع الأخير
стр. 10665
ثم مسحت آلام المرض الطويل وغسلت كل أسقامها المبرحة بكلمة لن أنساها طول حياتي كانت مفتاح الآخرة (دعوني أستريح. أشهد ألا إله إلا الله وأن محمد رسول الله) ثم صارت جثة هامدة
سهرت ليلة من ليالي العمر بيضت سواد شعري، وكلما دقت الساعة دقت معها شعرة من رأسي لنعلن استحالة السواد بياضاً حتى أدركني الصباح
أنا غريب في هذه المدينة التي صارت مثوى زوجي، ومرقد جزء من أجزاء نفسي، وقد غادرت أمي في العاشرة من عمري لأطوف في نواحي الأرض في سبيل المصير الذي بعض عواقبه اليوم
ولا والله ما شعرت بلذع الغربة يحرق كبدي إلا في هذا اليوم العصيب.
ذهبت مبكراً إلى منزل الصديق الصدوق الأستاذ (مصطفى صادق الرافعي) أحسن الله جزاءه فأيقظته من النوم فعرف سر البكور قبل أن يلقاني وأن قضاء الله قد حمَّ، فجاءني مذعورا فقلت له (أفي مقبرة آل الرافعي مكان للغريبة؟)
ومشينا والنعش أمامنا، فرأيت بعيني سياج حياتي يتحطم، وضياء بيتي ينطفيء، وزوجي في ظلمات القبور!
فيا قبر رفقاً بها فقد كانت عزيزة علينا!! ويا أحجاره كوني على جدثها أوراق الجنة
(القاهرة)
حسنين حسن مخلوف
стр. 10666
المتنبي في ديوانه
بمناسبة ذكراه الألفية للأستاذ عبد الله كنون الحسني
بقية ما نشر في العدد الماضي
وقال المتنبي:
يَترَشفنَ من فمي رشفاتٍ … هنَّ فيه أحلى من التوحيد
فقالوا: لو كان يجد للإيمان في قلبه حلاوة لما جعل رشفاتهن من فمه أحلى من التوحيد. ونقول: إن البيت قد روى هكذا: هن فيه حلاوة التوحيد، وهي نسختنا أيضاً. وقد قيل إن أفعل غير مراد به التفضيل؛ وقيل أيضاً إن التوحيد نوع من التمر! وعلى الرواية الثانية يكون شبه الترشيف بحلاوة التوحيد ولا حرج في ذلك، ومثله مستساغ في مذهب الشعراء. هذه ثلاثة أبيات ليس في شعر المتنبي أكثر غلواً منها، ومع ذلك فهي لا ترد علينا كما رأيت. أما مذاهب عقليته فنشير إليها حيث يقتضي المقام ذلك؛ وليس هناك ما يدل على أنها من ذات نفسه ومضمر قلبه أصلاً؛ وأما مبالغاته في المدح فيصل بها إلى حد المقارنة بين نفسه وممدوحيه من الأنبياء
والأمر الأول لا شك لا يؤاخذ عليه لأنه حتى على فرض كونه مما يؤثر في صحة الإيمان فمن أين لنا أنه كان يعتقده؟ وإلا فحاكى الكفر ليس بكافر، وعلى أنه اعتقده فمن أين لنا أنه استمر على اعتقاده إلى أن مات؟ وعلى كل حال فالحكم على المتنبي بضعف العقيدة لبعض أفكار فلسفية تضمنها شعره يجعلنا لا نقبل في حظيرة الإسلام أكثر علماء الإسلام من الذين لهم مذاهب فلسفية وأفكار حكمية. على أنه ما من قول موهم في شعر المتنبي إلا وقد وجد في شعر غيره ما هو أكثر إيهاماً منه، فلماذا لم تحكموا على غيره من الشعراء بذلك الحكم الجائر؟ ولولا ضيق المجال لعقدنا مناظرة بين أقواله وأقوال غيره من الشعراء في هذا الموضوع حتى يرى القارئ أن المتنبي لا يزيد على غيره إن لم يقصر في ذلك. وإليك قوله مثلا في كافور:
ألا فتى يُورِدُ الهندي هامته … كيما تزول شكوك الناس والتهم
فأنه حجة يوذي القلوبَ بها … مَن دينه الدهر والتعطيل والعدم
فأنه هو عين قول أبن الرومي لصاحب لحية طويلة في صورة أخرى من السخرية:
стр. 10667
أرْع فيها الموسَى فأنك منها … - يشهد الله - في أثام كبير
أيُّما كوَسج يراها فَيلقى … رَبَّه بعدها صَحيحَ الضميرِ
هو أحرى بأن يشكًّ ويغرَى … باتهام الحكيم في التقديرِ
فلماذا أخذ قول المتنبي دليلا على ميله للتعجيل دون قول أبن الرومي الذي منه استعار المتنبي ذلك المعنى؟
كذلك الأمر الثاني، لم يكن المتنبي بارعا فيه ولا بأول ولا آخر؛ فما زال الشعراء يشبهون ممدوحيهم بالأنبياء بل يجاوزون التشبيه إلى ما هو فوقه، وذلك معروف من مذهبهم قديماً وحديثاً، ولا نعني أنه لا بأس به شرعاً، ولكنا نريد أن نقول إن المتنبي لم ينفرد به ولم يطعن أحد بمثله على غيره من الشعراء في عقيدته؛ وقد وجد ذلك في صدر الإسلام ووسطه ويوجد الآن في هذا العصر، فمن قول جرير بمدح عمر بن عبد العزيز:
أتى الخلافة أو كانت له قدرا … كما أتى ربه موسى على قدر
ومن قول أبي نواس في الأمين:
سخر الله للأمين مطايا … لم تسخر لصاحب المحراب
ومن قول أمير الشعراء المرحوم أحمد شوقي بك يذكر طائرات فرنسا:
لسليمان بساط (واحد) … ولكم ألف بساط في الفضاء
فهل هؤلاء الشعراء لا يضربون مع المتنبي على وتر واحد في هذه النغمة؟
والخلاصة أن المتنبي كغيره من الشعراء صدرت عنه أقوال ظاهرها الاستخفاف بأمر الدين ولكن لا نحكم بمقتضاها أنه فاسد العقيدة حتى نحكم على غيره من الشعراء بله العلماء أنهم كذلك، فأن بعضهم أسوة بعض في هذا الأمر
وأما أخلاقه فلسنا بحاجة إلى التنويه بما كان عليه من علو الهمة والشجاعة والصدق والوفاء، فإن شعره مملوء بشواهد ذلك حتى لقد بلغ من علو الهمة أن عابه خصومه بهذا الخلق، فمنهم من لقبه بالمتنبي لتشبيهه نفسه بالأنبياء، ومنهم من جعل ذلك مرضا نفسيا أشبه ما يكون بالجنون. والواقع أن المتنبي كان يسرف في التعظم وإن كان له سلف في ذلك، فانظر إلى قوله:
أي محل أرتقي … أي عظيم أتقي
стр. 10668
وكل ما قد خلق الله … وما لم يخلق
محتقر في همتي … كشعرة في مفرقي
فأنك لا تجده يختلف عن قول هبة الله بن سناء الملك:
وفرطُ احتقاري للأنام لأنني … أرى كل عار من حلي سودَدِي سدى
أرى الخلق دوني إذ أراني فوقهم … ذكاءً وعلماً واعتلاء وسؤددا
وبلغ من شجاعته أن لاقى الموت المحقق فراراً من الغدر. وبلغ من صدقه أن قال عنه بن حمزة إنه ما كذب قط، وقال هو:
ومِن هوى الصدق في قولي وعادته … رغبتُ عن شَعرٍ في الرأس مكذوب
وبلغ من وفائه أنه برغم ما عامله به سيف الدولة من سوء العشرة، لم يبح ذاكراً له متشوقا إليه؛ وقد كان يمدح كافورا فيصدر بمدحه ويكثر التأسف على فراقه. ومن شدة وفائه أنه وفى للشيب فلم يقدر على مفارقته إلا حزينا باكيا كما قال:
خلقت ألوفاً لو رجعت إلى الصبا … لفارقت شيبي موجع القلب باكياً
هذه أخلاق المتنبي ليس مغمز لأحد؛ وقد وصف به نفسه في شعره، وجاءت سيرته دليلا على صدقه في هذا الوصف. إلا أن الطاعنين عليه لم يعدموا ما يلمزون به أخلاقه أيضاً فقالوا: إنه كان بخيلا، وبخيلا جداً، واستدلوا على ذلك بحكايات ملفقة تشتم منها رائحة الوضع كما يقول المحدثون، وبأبيات من شعره إن لم نقل إنها محرفة عن موضعها فلا أقل من أن نقول إنها لا دلالة فيها على ما زعموه أصلا. فأما تلك الحكايات فقد كفانا الأستاذ المازني أمرها إذ بين ما فيها من زور وما تحتويه من بهتان؛ وأما أبيات الشعر فأنا ناقلون مما هو نص من شعره في نفي هذه التهمة عنه ثم مقارنون بينه وبينها ليظهر خطأ الاستدلال بها واضحاً لا خفاء فيه
قال المتنبي يستنجز كافورا ما وعده به من الولاية:
أبا المسْك هل في الكأس فضل أناله … فإني أُغَنى مُنذُ حين وتَشرَبُ
إذا لم تُنط بي ضيعةً أو ولاية … فجودك يكسوني وشغلك يسلب
وقال فيه أيضاً:
وهل نافِعي أن تُرفَعَ الحُجْب بينَنا … ودون الذي أمَّلتُ منْك حِجابُ
стр. 10669
فهذا المتنبي يقول إن بغيته في فضلة من الكأس الذي يشرب بها كافور (يعني الولاية) لا المال. وإن كل ما وصل من عطاء كافور لم يرفع الحجب بينه وبين ما أمله منه، ولا شك أن ذلك شيء غير المال. ومن كانت هذه منزلة المال عنده، لا يحفل به ولا يجعله شيئاً مما أمله، فكيف يوصف بالبخل ويتهم بالحرص لو كان هناك إنصاف؟ وقد صرح به أخذ ضمناً من الأبيات في قوله
وما رغبتي في عسجد أستفيدُه … ولكنها في مَفخر أستَجدُّه
وقال في شكره لمن وهب له هبة:
وما شكرتُ لأن المال فرحني … سيّان عندي إكثار وإقلال
لكن رأيت قبيحاً أن يُجادَ لنا … وإننا بقضاء الحق بُخَّال
وفي مطلعها ما يشير إلى صدق قوله (فجودك يكسوني وشغلك يسلب) وهذا هو المطلع:
لا خيل عندي أهديها ولا مال … فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
ثم هل بقى من تقبيح البخل أكثر من جعله من مبطلات الصلاة كما قال:
فتى لا يُرجِّى أن تَتَّم طهارةٌ … لمن لم يطهر راحتيه من البخل
فهذه الأبيات وسواها كثير مما هو نص في المراد، كيف يصح إغفالها والتمسك بمثل قوله دليلا على بخله:
فلا مجدَ في الدنيا لمن قل ماله … ولا مال في الدنيا قل لمن مجده
فهل هو إلا مقرر لحقيقة واقعية، وهي أن المجد مهما كان رفيعاً لا اعتبار له إلا بالمال، وقد أجمع الناس على ذلك فما يحترمون إلا صاحب المال ولو كان دنيئاً؟ ولكن ألا تراه مع ذلك قد عقب بأن المال وحده لا اعتبار له عند العقلاء ولا بد من خصال المجد التي هي أساس الاعتبار؟
وأغرب من ذلك الاستشهاد على بخله بمثل قوله:
من يطلب المجد فليكن كعليَّ … م يَهبُ الألفَ وهو يَبتسم
وقوله:
تهللَ قبل تَسليمي عليه … وألقى مالهُ قبلَ الوسَاد
وهذا لو صح دليلاً على بخل الشاعر لعددنا كل شعراء العربية بخالا، فأنه لكثرة ما تدوول
стр. 10670
هذا المعنى، صار لا يخلو منه ديوان شاعر
وإننا لا ننفي أن المتنبي كان جماعة للمال، ولكنه لم يكن يفعل ذلك إلا للاستعانة به على مقاصده كما يصرح هو بذلك في شعره لا سيما وهو يعلم من أحوال عصره أن الاعتبار كله إنما هو لأهل المال خاصة. وانظر إلى حكاية البطيخة التي أعطى صاحبها خمسة دراهم فلم يبيعها له وباعها بثلاثة لمن يملك مائة ألف دينار لمجرد كونه يملك مائة ألف دينار! فانصرف وقد علم أنه لا يتم اعتبار الناس له إلا إذا جمع مائة ألف دينار؛ وقد كان كذلك، وكل ما صدر عنه في هذا الصدد إنما هو من قبيل المثل الفرنسي , وكم بين من يطلب المال ليستعين به على قضاء حقوقه - وأي حقوق هي! إنها لتزري بحقوق الطغرائي التي يقول فيها:
أريد بسطة كف أستعين بها … على قضاء حقوق للعلا قِبلي
وبين من يطلبه لمجرد الحرص عليه وشهوته التي هي مرض من الأمراض، فإن هذا هو البخيل حقاً لا ذاك!
والواقع أننا وجدنا المتنبي صادقاً في كل ما وصف به نفسه من خلال المجد، فلا يصح أن يكذب في هذا الأمر لمجرد حكايات الله أعلم بحالها وحال من نحله إياه! كذلك وجدنا شعره طافحا بمدح الكرم وذم البخل في أبيات صريحة لا غبار عليها فلا يجوز أن نغض الطرف عن ذلك ونلجأ إلى الفرض والتخمين محملين بعض ألفاظه ما لا دلالة لها عليه لنصحح تهمة أنه كان بخيلا!
وإذا فرغنا من الكلام في النقط الثلاث التي عنينا به هنا، فلنتساءل ماذا كان مطلب المتنبي في الحياة ما دام لم يكن يطلب المال لذاته؟
والجواب أن المتنبي كان طالب دولة ولا شك، وكان لا أعدي إليه من أصحاب الدول في عصره، فهو لو تمكن منهم لما رحمهم، بل نرحم شبابه من أن يرحمهم على حد تعبيره هو:
لا يخدعنك من عدُوٍّ دمعُه … وارحم شبابك من عَدُو ترحمُ
وقد كان يرى المجد في ضرب أعناق الملوك:
ولا تحسبنَّ المجد زقاً وقَينةً … فما المجد إلا السيف والفتكةُ البكر
وتضريبُ أعناق الملوك وإن تُرى … لك الهبواتُ الكثر والعسكر المجر
стр. 10671
فلو أن الفلك جرى بموافقة سعيه لعصف بدول عصره جميعا ولو دولة الخلافة، وأقام على أنقاضها دولة متنبية من الطراز الذي يقول فيه أبو الطيب:
أعلى الممالكَ ما يبنى على الأسلِ
وما أصدق ذلك الذي قاله على لسان كافور وقد صوّر أنه سئل لماذا لم يُنلْ المتنبي ما طلب منه من الولاية: (يا قوم! من أدعى النبوّة بعد محمد ﷺ كيف لا يدعى الملك بعد كافور؟)
وحينئذ فماذا كان يصير لو نجح المتنبي في مطلبه؟
إن الدولة العربية كانت قد شاخت في زمنه وتمكن الضعف منها فصارت هامة اليوم أو الغد، وقد رأى هو أن العرب أصبحت تدين للعجم بالطاعة وذلك أمر ليس من صالحهم في شيء:
وإنما الناس بالملوك وما … تَصلح عُرْبٌ ملوكها عجمُ
وإن المسلمين أصبحوا في كل جهة عبيد العصا يسوقهم المتغلب أمامه كما يسوق الراعي قطعان الماشية:
ساداتُ كلٍ أُناس من نفوسهمُ … وسَادَةُ المسلمين إلا عبدُ القزُمُ
وقد صار أمرهم مع المشركين بين العجز عنهم والرهب منهم:
أرى المسلمين مع المشركين … إما لعجز وإمَّا رهُبْ
فإذا قلنا إنه لو نجح في مطلبه لكان ذلك من الخير للعرب والإسلام. لم يكن في قولنا هذا شيء من المبالغة لأن الرجل كان قوة هائلة لا تقف عند حد ولا ترجع عن قصد، فكان ينفخ من روحه في جسم الدولة المتهالك ويهيب بالأمة إلى حياة المجد والعظمة فما يكون بأسرع منها إلى الاستجابة له والإقبال عليه صادعة بأمره صادرة عن قوله:
لا افتخارٌ إلاَّ لِمن لا يُضامُ … مُدركٌ أو محاربٌ لا يَنامُ
ليس عزماً ما عرَّض المرءُ فيه … ليس همّاً ما عاقَ عنه الظلامُ
واحتمالُ الأذى ورؤْية جانِ … يه غِذاءٌ تضوي به الأجسامُ
ذلَّ من يغبط الذليل بعيشٍ … رُبَّ عيشٍ أخفُّ منه الحمامُ
(طنجة)
стр. 10672
عبد الله كنون الحسني
стр. 10673
التضحية
للأستاذ محمد روحي فيصل
صلاح الأمة للبقاء أو قوة حيويتها إنما تظهر أشد الظهور إذا أصاب تلك الأمة شر، أو ألمّ بها خطب، أو انتابتها أزمة في السياسة أو في المال، أو في الأخلاق، مما يجل وقعه، ويشق احتماله؛ ذلك لأن جميع الأمم تستطيع أن تعيش في الرخاء، وتسمو بالنعيم، ولكنها لا تستطيع كلها أن تعيش وتسمو إذا أحدقت بها الشدة، وحفت بها المكاره، وتنكر لها الدهر، وعبست في وجهها الحياة
بلى! قليلة جداً تلك الأمم التي تستطيع أن تعيش وتسمو إبان المحنة والشدائد، لأن كل أمة من الأمم تحتاج حينئذ إلى أن تستمد حياتها من حياة أبنائها، وتعتمد في شفائها على سواعد أفرادها؛ فإذا كان خلق التضحية قويا فيهم، متأصلا في نفوسهم، مشتملا عليه كلهم أو جلهم، نجت تلك الأمة من الشر إن كان نازلا بها، أو تقدمت إلى غايتها إن كانت لها غاية عليا تعشقها وتطمح إليها
أما الأمة الأثرة التي لا تعرف من التضحية غير أسمها، فهي محكوم عليها بالفناء والموت، لا بد أن يخني عليها الذي أخنى على لبد
لما اشتدت الأزمة المالية أخيراً على الأمة الإنكليزية رأينا كيف أن مظاهر التضحية لم تنحصر في رؤساء الأحزاب فحسب، وإنما تعدتهم إلى الأفراد رجالا ونساء، فكانت الفتاة الفقيرة تهب سوارها الذهبي الذي أهدته إليها أمها قريرة العين طيبة الخاطر؛ وكانت العائلة الفقيرة تتنزل راضية عن جنيه من كسبها الذي لا تحصل عليه إلا بشق الأنفس وترفقه بكلمة كهذه: (مساعدة متواضعة لملكنا وشعبنا من أسرة (فقيرة))
كذلك كل أمة نالت شأوا بعيداً في المجد، وبلغت مكانة عالية بين الأمم، ما نالت ذلك الشأو وما بلغت تلك المكانة، إلا بتضحية أبنائها أمامها بالأنفس والأموال تضحية صادقة صحيحة! ولعمر الحق ما كانت تكون لأجدادنا العرب، أبناء الصحراء، وساكني الجزيرة، تلك السيادة الرفيعة، وذلك السلطان المرهوب، لو لم يكونوا متشبعين بخلق التضحية إلى أقصى مدى
ونحن، إذا كنا قد تنبهنا بعد الغفلة واستيقظنا بعد النوم، فاستأنفنا طريقنا إلى العلياء وطالبنا
стр. 10674
بحريتنا المسلوبة واستقلالنا المفقود، فإنما يجب أن نتجشم تكاليف ما نطالب به ونضحي لنيله القليل والكثير، ونتحمل ما نلاقي في سبيله من ألوان المكاره وضروب المشاق، ونصبر على صنوف العقبات حتى يلين صلبها ويسهل صعبها، فأنه لا تنال المطالب إلا مكافحة ومغالبة، لأن الحياة معركة، فما لم يدرك فيها بالملاينة والمحاسنة، أدرك بالعنف والمخاشنة. . .!!
إن رجال هذه الأمة جميعاً ثلاثة: رجل لا علم له بما عليه من الواجبات نحو وطنه فلا يعنيه شأنه، ولا يهمه أمره، ولا يعبأ به ولا يحفله، فهو جاهل؛ ورجلٌ أخذ من الدين بقشوره، وشرب من مورده العذب مصة خفيفة ظنها غاية ما يرتوي به المرتوون، فقضى أوقاته في البحث في المحيرة والحيض والنفاس، ونصب نفسه لعداوة كل جديد وإنكار كل ما يألف، فهو جامد؛ ورجلٌ يجري وراء منافعه الشخصية أينما رآها وتخيلها، يراها في جانب مصلحة عامة فيظهر في زي المصلح الداعي إلى هذه المصلحة ويملأ الجو نداء للتعاون عليها، حتى إذا تراءت له منفعة خاصة لا يصل إليها إلا أن يقضي على ما ينفع الناس والوطن داسه بكلتا قدميه، وذهب إلى منفعته تواً لا يلوي على شيء، فهو خبٌ منافق
فإذا أزيل عن الأول جهله، وأزيح عن الثاني جموده، وشنًّع على الثالث خبَّه ونفاقه، وعمل على بث خلق التضحية فيهم وتقويته عندهم، مع تبصيرهم بمقتضيات الأحوال كما يقول البديعيون - إذا فعل هذا عظمت الفائدة، وتوفرت العائدة على الوطن، وسارت الأمة مسرعة إلى مطمحها
(حمص)
محمد روحي فيصل
стр. 10675
السنيون والشيعة والمؤتمر
للأستاذ محمد رضا المظفر
لأول وهلة بدا لي أن أنسحب بعد مقال الأستاذ (أحمد أمين) المنشور في (عدد الرسالة ١٢١)، ولا أدخل في هذا الموضوع من جديد، لأنه قرر أخيراً: (أنه سوف لا يرد على من يتخذ بعض ما جاء في مقالته وسيلة الأثارة النزاع من جديد إلا أن يفتح صاحبها مجالا للكلام في مشروع المؤتمر أو وسائل الوفاق) فخشيت أن أكون عند الناس أو عند نفسي (وهي لا تحب لي الرذيلة) ممن يتحبّب النزاع أو يسعى لتعكير صفو الأخوة التي ظهرت بشائرها في العالم الإسلامي، ولهذا - أو لشيء آخر لا أدري - وُضع هذا التقرير الصريح
ومن جهة أخرى، تخوّفت أن يكون حديثي هذا من (لغو الصيف) وإن كنا نستقبل الشتاء، فلا أجاب عليه بعد ذلك التقرير؛ وليست فكرة المؤتمر - وبالأصح حلم المؤتمر - تلك الفكرة الناضجة والحلم الصادق فيما أعتقد (وسأعود إليها)، حتى أستنزل بعلاجها طرف الأستاذ لميدان هذا الموضوع
كل ذلك دار في خلدي، وأكثر من ذلك صرفني عن كل هذا الحديث، حتى يمضي عليّ هذا الزمان، وأخيراً أتراجع إلى طوية نفسي فأجدها جد مؤمنة بوجوب السعي لتحقيق فكرة الاتفاق، وتوحيد كلمة المسلمين، مهما اختلفت وجهة النظر مع الأستاذ أو مع غيره، وهنا فليقرر الأستاذ ما يشاء؛ وليقل الناس ما يحبون!
ولعل الرسالة تفتح صدرها الرحب لكاتب يقف للفرص يتتبعها، لإزالة ما قد يسيء للاتفاق بين الطائفتين، ويشهد حديث كتابها أو غيرهم عن كثب، حتى لا يتكلموا عن الشيعة كأمة غائبة في مجاهل المفاوز، لا سمع لها ولا لسان، في حين أن رجال الشيعة تتبع الأحاديث عنها في الصحف والكتب بكل إصغاء، وقد لا تشاء الرد والجواب، كما وقع في العام الماضي في الرسالة بين الأستاذين، عبد الوهاب عزام، وأمين الخولي، في قضية مكة ومشهد الحسين
وكم يضحكني ما يكتب عن الشيعة كأنها من الأمم الخوالي (ولتعرف من الآن أنا لا نفهم من كلمة الشيعة إذا أطلقت غير الأمامية)، فتنسب لها عقائد وآراء لا نعرفها، وكثير من رجالها صامتون كأن الحديث مع غيرهم، ثم يحرقون الأرم من غير طائل، وليس من
стр. 10676
الصحيح هذا التسامح الذي جر ما جر من تباغض وشنآن، وربا على ما خلفه لنا علماء أمس ﵏، وزاد في الطين بلة، وربما تصبح الطريق بعد هذا زلقاً لا تصلح لسير الأقدام إلا بما لا يحمد، كما كان في العصور السالفة؛ وكان من الواجب أن يبادر إلى علاج هذه الناحية قبل فوت أوان العلاج، والحرية الصحافية ضربت أطنابها في البلاد، وخصوصاً في مصر، فأعجب أن يسأل صاحب المقتطف - مثلاً - عن الشيعة، فيجيب عنهم بما يعلم - وهو معذور - ولا يرد عليه واحد منهم وهو لا يأبى عن ذلك، ولا يأبى أن يزيد علمه فيهم. إذن بعد هذا لم لا أتقدم بنفسي لهذا الواجب؟
هذا سؤال وجيه، وعليّ أن أجيب عنه بكل صراحة وإخلاص: كم هناك من مباحث وددت كشف غطاء الحقيقة عنها - لو كنت من أهل ذلك - فأتقدم إلى القرطاس، وأحاول أن أجرد قلمي من لحاء التعقيب لعقيدتي التي نشأت عليها، وغذيتها في لبن التربية، لا أطلب الحقيقة بالبرهان، ولا أكون ممن يتطلب البرهان للعقيدة، ولكن أجد محاولتي الباطلة، فأبحث عن قلمي، فأراه قد تألف من مجموع قشور، وأخيراً لا أجد قلماً أحمله لأكتب به
وهكذا العقائد العامة ليس في وسع أحد أن يتجرد عن تبعتها مهما تخيل أنه سيذهب عنها ناحية، ولا بد أن تنزله لحضيضها، ويرغم على غذائها، فيما يكتب وفيما يعمل، فتتركز عليها أقواله وأفعاله، من حيث يدري ولا يدري؛ وعلم النفس يصدقني - وعلى الأقل لا يكذبني - في هذه الدعوى
ولا أعتقد أن امرءا استطاع أن يحرر نفسه من عقيدته، ما دامت له عقيدة يتمسك بها، أبى الأستاذ أحمد أمين أم لم يأب!
ولكني أرجو أن يوفقنا الله في جهاد سورة النفس في تعصبها، وقمع غلوائها، فيما إذا اعتقدنا بعظم النتيجة وفائدتها للجميع؛ وعسى أن نصيب هدف الحقيقة بعد حين بهذه الحيلة؛ وهذا هو الذي يطمئنني أن أنزل إلى هذا الميدان الوعر المسالك، ومن ورائي جمعية (منتدى النشر) تقبض على ناصيتي
ولقد كانت وجهة نظري القاصر - ولا بد أن تعرفها من حديثي المتقدم ومقالي السابق - أن نفتح لنا باباً للتفاهم في أصل عقائدنا وصحتها - مهما كان في ذلك من الخطورة - فندخل في بحث علمي أو تاريخي، كسائر أبحاثنا العلمية والتاريخية، ونتلقى النتائج بصدر
стр. 10677
رحب، وذكرت في مقالي السابق: ما هي النقطة التي يجب اتباعها في البحث؟. وذاك هو الذي فهمته أيضاً من كلام الأستاذين محمد بك كرد علي وأحمد أمين في المرة الأولى، وعلى هذه النغمة حسست وتري، ومضيت مطرباً إلى حد بعيد وحقاً (إن البحث العلمي لا يمنع التفاهم والوئام، بل هو إذا نظر إليه النظر الواسع العالي سبب من أسباب الألفة)
إلا أني بعد هذا وجدتك - أيها الأستاذ - تذهب بعيدا وتنتقل مفاجأة إلى حديث عقد مؤتمر بين الطائفتين في العراق، فماذا تقصد من المؤتمر؟ وعلى أي خطة ولأي غاية يجب أن يسير؟ هذا الذي بعد لم أحط به علماً، ونزولاً عند رغبتك أدخل في الموضوع ما انفتح لي بابه:
لا شك أن عقد مؤتمر بين الطائفتين - على أي وجه يكون - لا يمكن التوصل إلى تحقيقه، بمجرد تفكير واحد واقتراح آخر وتأييد ثالث، مهما كان المفكر والمقترح والمؤيد فلابد أن يختمر في العقول بنقد ورد وبدرسه على جميع وجوهه حتى يستقر على فكرة واحدة ووجه واحد، ويعمم صوته الأسماع النائية والقريبة، ويساهم في درسه العالم والسياسي، ويقتنع به ولاة الأمور - ولا بد من اقتناعهم أو إقناعهم - كعمل لا بد منه، ثم تنتهز الفرص للعمل على تحقيقه، ويسعى بإخلاص لتأسيسه، على سنة الارتقاء والتدرج، أو كما قال معالي العلامة الشبيبي
خواطري اليوم أقوالي ومعتقدي … غَداً وغرّة أعمالي وراء غد
لقد سمعنا بحديث هذا المؤتمر وسعى بعض رجالات الطائفتين لتأسيسه وسمعنا باختلاف التفكير في خططه، كل هذا سمعنا، واتضح لي مما سمعت ومما قرأت أيضاً أنه ما زال أمنية لم تشبع درساً وتدقيقاً؛ وكل عمل كبير مثل هذا لا بد أن يكون كذلك وأكثر. فلنفرض أن المؤتمر انعقد في العراق، واجتمع أعضاؤه لدرس خططهم، فعم يتساءلون؟
يدرسون مذهب الشيعة وأهل السنة - وعلى الأصح مذاهب المسلمين - وأسباب الخلاف بينهم، كأجانب على المذهبين، ثم يتفقون على الصحيح، أو قل على جوهر الإسلام الحقيقي الذي جاء به الرسول عن الله، ويطوحوا بالقشور وبما ألصق بالحنيفة إلصاقا - ولا بد أن يكون هناك لباب وقشور وحق وباطل لا محالة - ليحملوا الأمة الإسلامية جمعاء على الإسلام الصحيح، الذي يفهمه روح الإخلاص والبحث النزيه
стр. 10678
حلم لذيذ! لو صدقناه لكنا خيرا منه ونعم الخلف الصالح. ولاسترحنا من آلاف الكتب التي ألفت في هذه الشؤون، وجرت على المسلمين الويل والثبور، وأضاعت من أوقات العلماء كل غالٍ ونفيس درساً وتأليفاً، فصرفتهم عن كل عمل ينفع الأمة ويجر إليها المغنم، طيلة هذه القرون
ولكن - بالله عليك - هل رأيت حلماً أكذب من هذا في أضغاث الأحلام، وأمنية أبعد منها في الأماني؟ كيف يتفق أولئك على الصحيح؟ وبماذا يحملون الرأي العام على اعتناقه؟ أبالقوة يعتنق هؤلاء الدين الجديد عندهم؟ أم بالتقليد لأولئك النفر القليل؟ أم بطريق الحجة والإقناع؟ كلا! كل هذا ليس من السهل، أو ليس من المستطاع؛ وإذا جاز أن يقع مثله في أول الدعوة إلى الإسلام من نبينا وأصحابه، فليس من الجائز أن يقع في هذا العصر من مؤتمر يؤلف من علماء الطائفتين المتخالفين في بؤرة الخلاف، وهل يصح أن نكتفي بهم وحدهم أو بالخاصة معهم - لو جاز أن يتفقوا - ونستغني عن اتباع السواد لهم
وأكبر الظن أني تياسرت عن الغرض في تأويلي هذا للمؤتمر المقصود، إذن فعم يبحثون؟
لنتركهم يعملوا لإيجاد عوامل الألفة والصداقة الودية بين الفريقين، ولذبح النعرة الطائفية على أعتاب الأخوة الإسلامية ليدخلوها بسلام آمنين، ولتبق بعد هذا كل طائفة على عقيدتها وأعمالها، كمذاهب أهل السنة فيما بينهم، وكالشيعة لما يختلفون في تقليد مجتهديهم، وهناك تتجلى الكلمة الذهبية الخالدة: (إنما المسلمون إخوة)، وقوله ﵇: (المسلمون كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً). وينظر عندئذ للمؤتمر في دعوى من يدعي غمط حقوقه كمحكمة كبرى إسلامية، ويأخذ على الأيدي العابثة من كتاب وغيرهم بالوسائل التي يختطها ويستطيعها
وظني أن هذا المؤتمر هو الذي يرمي إليه إخواننا فيما فكروا وتحدثوا وكتبوا، وهناك ملحوظات يجب ألا نغفل عنها:
هذه الدعوة إلى الاتحاد ونبذ النزعات الطائفية، والتفرقة الشائنة، هي إحدى الأسس القويمة التي بنى عليها الحكم الوطني في العراق - كما ذكرت في مقالي السابق - ورؤساء الطائفتين يومئذ لم يقصروا في توجيه الرأي العام نحو هذه الفكرة الجديدة التي لم يدع لها العهد التركي البائد مجالاً للظهور أو لبذرها في العقول، واستطاعوا في اقصر وقت أن
стр. 10679
يكهربوا الفكرة العامة بتيارهم، حتى إنك كنت تسمع الهتاف بالوحدة يبلغ عنان السماء في جميع محافلنا ومجالسنا، وكان الرجل يخسأ أن ينبس بكلمة واحدة تشتم منها رائحة الخلاف، وعلى ذلك أعوام - أو أيام - مضت، حتى تغير بعض النفوس، وتبدل كثير من النوايا، ولا ندري لماذا كان؟! وهل يجوز أن نقول لا ندري؟ لا أدري!
واليوم - بحمد الله - تجد الحال كما هي، لم تتبدل تلك الظاهرة المحبوبة؛ ولكنها فقاقيع على الماء من ارتفاع درجة الحرارة، وليست هي كل الماء - كما يقول الأستاذ أحمد أمين - أو ليس وجودها إلا لتظهر فقط لا لتنفع - كما يقول الأستاذ الرافعي - لأن هذه الظاهرة احتفظت بها السياسة وحدها واكتفت بها، ولم تأخذ بها الأمة عن طريق الرغبة فيها، والاقتناع بضرورتها وثمراتها، في حين أن العودة إليها قد تضاءل نبراسها إلى حد كاد معه ينطفي، وما أدل على هذا من أن السني الداعي إلى الوحدة يصبح متشيعاً في نظر أصحابه، والشيعي الداعي إلى الوحدة يصبح سنياً في دعوى إخوانه، وهذا ذنب كبير عندهم لا يغتفر!
ولذلك يسود الاعتقاد اليوم أن الدعوة الأولى كانت كلها خداعاً في خداع؛ ومن رجالنا من لا يزال مستمسكاً بها إلى اليوم، فينسب إلى غفلة أو سذاجة، وهذا هو الداء الدوي
فإذا أردنا أن نؤلف هذا المؤتمر في العراق، فإنما نريد أن نعيد تلك الكرة لتنفي العزة، وقد لاقت في مبدأ الأمر سوقاً رائجة، ثم كسدت تلك السوق، ويبيع فيها الرأي العام بأبخس ثمن، وبدراهم معدودة؛ ومن الصعب جداً أن نعمل عملاً مجرباً بتشاؤم منه؛ واعتقد أنه سيكبد القائمين مجهوداً كبيراً من هذه الناحية، ويحتاج إلى زمن ليس بالقصير، لتحوير الأفكار ورسوخ العقيدة من جديد، تتخلله الدعاية الواسعة من القادة وذوي العقول المخلصين: وتقريباً للمسافة أجد من الضروري أن تنضج هذه الفكرة خارج العراق أولاً، ثم تدخل العراق لتستطيع أن تهضمها الأفكار بسهولة
ومن المرجح أن هذا المشروع لا يلاقي الفشل بعد تشكيله في هذه المرة إذا كان القائم به مؤتمرا منظما يبنى على أسس متينة ونظم واضحة، وإذا كان مؤسسو المؤتمر يحملون في حقائبهم إخلاصاً صادقاً وعقيدة ثابتة ووطنية صحيحة، والعراق في دور الاستقلال، وما فشل لأول مرة إلا لأنه كان عملاً فوضوياً اندفع إليه المجتمع كسائر إندفاعاته التي لا
стр. 10680
يقودها العقل والرأي - على حسب قانون المجتمعات - فاستغلته الساسة الوقتية، ثم لعب أهل الأغراض والمطامع ومن خلفهم الاستعمار أدوارهم - وبالطبع يتلاشى هذا الظل بعد حين، متى طلعت الشمس ولا بد أن تطلع -، ولا مؤتمر مسؤول ولا جمعية مخلصة تحاسب الناس على أعمالهم
النجف الأشرف
محمد رضا المظفر
следующие страницы →