Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.
стр. 10676
الصحيح هذا التسامح الذي جر ما جر من تباغض وشنآن، وربا على ما خلفه لنا علماء أمس ﵏، وزاد في الطين بلة، وربما تصبح الطريق بعد هذا زلقاً لا تصلح لسير الأقدام إلا بما لا يحمد، كما كان في العصور السالفة؛ وكان من الواجب أن يبادر إلى علاج هذه الناحية قبل فوت أوان العلاج، والحرية الصحافية ضربت أطنابها في البلاد، وخصوصاً في مصر، فأعجب أن يسأل صاحب المقتطف - مثلاً - عن الشيعة، فيجيب عنهم بما يعلم - وهو معذور - ولا يرد عليه واحد منهم وهو لا يأبى عن ذلك، ولا يأبى أن يزيد علمه فيهم. إذن بعد هذا لم لا أتقدم بنفسي لهذا الواجب؟
هذا سؤال وجيه، وعليّ أن أجيب عنه بكل صراحة وإخلاص: كم هناك من مباحث وددت كشف غطاء الحقيقة عنها - لو كنت من أهل ذلك - فأتقدم إلى القرطاس، وأحاول أن أجرد قلمي من لحاء التعقيب لعقيدتي التي نشأت عليها، وغذيتها في لبن التربية، لا أطلب الحقيقة بالبرهان، ولا أكون ممن يتطلب البرهان للعقيدة، ولكن أجد محاولتي الباطلة، فأبحث عن قلمي، فأراه قد تألف من مجموع قشور، وأخيراً لا أجد قلماً أحمله لأكتب به
وهكذا العقائد العامة ليس في وسع أحد أن يتجرد عن تبعتها مهما تخيل أنه سيذهب عنها ناحية، ولا بد أن تنزله لحضيضها، ويرغم على غذائها، فيما يكتب وفيما يعمل، فتتركز عليها أقواله وأفعاله، من حيث يدري ولا يدري؛ وعلم النفس يصدقني - وعلى الأقل لا يكذبني - في هذه الدعوى
ولا أعتقد أن امرءا استطاع أن يحرر نفسه من عقيدته، ما دامت له عقيدة يتمسك بها، أبى الأستاذ أحمد أمين أم لم يأب!
ولكني أرجو أن يوفقنا الله في جهاد سورة النفس في تعصبها، وقمع غلوائها، فيما إذا اعتقدنا بعظم النتيجة وفائدتها للجميع؛ وعسى أن نصيب هدف الحقيقة بعد حين بهذه الحيلة؛ وهذا هو الذي يطمئنني أن أنزل إلى هذا الميدان الوعر المسالك، ومن ورائي جمعية (منتدى النشر) تقبض على ناصيتي
ولقد كانت وجهة نظري القاصر - ولا بد أن تعرفها من حديثي المتقدم ومقالي السابق - أن نفتح لنا باباً للتفاهم في أصل عقائدنا وصحتها - مهما كان في ذلك من الخطورة - فندخل في بحث علمي أو تاريخي، كسائر أبحاثنا العلمية والتاريخية، ونتلقى النتائج بصدر
стр. 10677
رحب، وذكرت في مقالي السابق: ما هي النقطة التي يجب اتباعها في البحث؟. وذاك هو الذي فهمته أيضاً من كلام الأستاذين محمد بك كرد علي وأحمد أمين في المرة الأولى، وعلى هذه النغمة حسست وتري، ومضيت مطرباً إلى حد بعيد وحقاً (إن البحث العلمي لا يمنع التفاهم والوئام، بل هو إذا نظر إليه النظر الواسع العالي سبب من أسباب الألفة)
إلا أني بعد هذا وجدتك - أيها الأستاذ - تذهب بعيدا وتنتقل مفاجأة إلى حديث عقد مؤتمر بين الطائفتين في العراق، فماذا تقصد من المؤتمر؟ وعلى أي خطة ولأي غاية يجب أن يسير؟ هذا الذي بعد لم أحط به علماً، ونزولاً عند رغبتك أدخل في الموضوع ما انفتح لي بابه:
لا شك أن عقد مؤتمر بين الطائفتين - على أي وجه يكون - لا يمكن التوصل إلى تحقيقه، بمجرد تفكير واحد واقتراح آخر وتأييد ثالث، مهما كان المفكر والمقترح والمؤيد فلابد أن يختمر في العقول بنقد ورد وبدرسه على جميع وجوهه حتى يستقر على فكرة واحدة ووجه واحد، ويعمم صوته الأسماع النائية والقريبة، ويساهم في درسه العالم والسياسي، ويقتنع به ولاة الأمور - ولا بد من اقتناعهم أو إقناعهم - كعمل لا بد منه، ثم تنتهز الفرص للعمل على تحقيقه، ويسعى بإخلاص لتأسيسه، على سنة الارتقاء والتدرج، أو كما قال معالي العلامة الشبيبي
خواطري اليوم أقوالي ومعتقدي … غَداً وغرّة أعمالي وراء غد
لقد سمعنا بحديث هذا المؤتمر وسعى بعض رجالات الطائفتين لتأسيسه وسمعنا باختلاف التفكير في خططه، كل هذا سمعنا، واتضح لي مما سمعت ومما قرأت أيضاً أنه ما زال أمنية لم تشبع درساً وتدقيقاً؛ وكل عمل كبير مثل هذا لا بد أن يكون كذلك وأكثر. فلنفرض أن المؤتمر انعقد في العراق، واجتمع أعضاؤه لدرس خططهم، فعم يتساءلون؟
يدرسون مذهب الشيعة وأهل السنة - وعلى الأصح مذاهب المسلمين - وأسباب الخلاف بينهم، كأجانب على المذهبين، ثم يتفقون على الصحيح، أو قل على جوهر الإسلام الحقيقي الذي جاء به الرسول عن الله، ويطوحوا بالقشور وبما ألصق بالحنيفة إلصاقا - ولا بد أن يكون هناك لباب وقشور وحق وباطل لا محالة - ليحملوا الأمة الإسلامية جمعاء على الإسلام الصحيح، الذي يفهمه روح الإخلاص والبحث النزيه
стр. 10678
حلم لذيذ! لو صدقناه لكنا خيرا منه ونعم الخلف الصالح. ولاسترحنا من آلاف الكتب التي ألفت في هذه الشؤون، وجرت على المسلمين الويل والثبور، وأضاعت من أوقات العلماء كل غالٍ ونفيس درساً وتأليفاً، فصرفتهم عن كل عمل ينفع الأمة ويجر إليها المغنم، طيلة هذه القرون
ولكن - بالله عليك - هل رأيت حلماً أكذب من هذا في أضغاث الأحلام، وأمنية أبعد منها في الأماني؟ كيف يتفق أولئك على الصحيح؟ وبماذا يحملون الرأي العام على اعتناقه؟ أبالقوة يعتنق هؤلاء الدين الجديد عندهم؟ أم بالتقليد لأولئك النفر القليل؟ أم بطريق الحجة والإقناع؟ كلا! كل هذا ليس من السهل، أو ليس من المستطاع؛ وإذا جاز أن يقع مثله في أول الدعوة إلى الإسلام من نبينا وأصحابه، فليس من الجائز أن يقع في هذا العصر من مؤتمر يؤلف من علماء الطائفتين المتخالفين في بؤرة الخلاف، وهل يصح أن نكتفي بهم وحدهم أو بالخاصة معهم - لو جاز أن يتفقوا - ونستغني عن اتباع السواد لهم
وأكبر الظن أني تياسرت عن الغرض في تأويلي هذا للمؤتمر المقصود، إذن فعم يبحثون؟
لنتركهم يعملوا لإيجاد عوامل الألفة والصداقة الودية بين الفريقين، ولذبح النعرة الطائفية على أعتاب الأخوة الإسلامية ليدخلوها بسلام آمنين، ولتبق بعد هذا كل طائفة على عقيدتها وأعمالها، كمذاهب أهل السنة فيما بينهم، وكالشيعة لما يختلفون في تقليد مجتهديهم، وهناك تتجلى الكلمة الذهبية الخالدة: (إنما المسلمون إخوة)، وقوله ﵇: (المسلمون كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً). وينظر عندئذ للمؤتمر في دعوى من يدعي غمط حقوقه كمحكمة كبرى إسلامية، ويأخذ على الأيدي العابثة من كتاب وغيرهم بالوسائل التي يختطها ويستطيعها
وظني أن هذا المؤتمر هو الذي يرمي إليه إخواننا فيما فكروا وتحدثوا وكتبوا، وهناك ملحوظات يجب ألا نغفل عنها:
هذه الدعوة إلى الاتحاد ونبذ النزعات الطائفية، والتفرقة الشائنة، هي إحدى الأسس القويمة التي بنى عليها الحكم الوطني في العراق - كما ذكرت في مقالي السابق - ورؤساء الطائفتين يومئذ لم يقصروا في توجيه الرأي العام نحو هذه الفكرة الجديدة التي لم يدع لها العهد التركي البائد مجالاً للظهور أو لبذرها في العقول، واستطاعوا في اقصر وقت أن
стр. 10679
يكهربوا الفكرة العامة بتيارهم، حتى إنك كنت تسمع الهتاف بالوحدة يبلغ عنان السماء في جميع محافلنا ومجالسنا، وكان الرجل يخسأ أن ينبس بكلمة واحدة تشتم منها رائحة الخلاف، وعلى ذلك أعوام - أو أيام - مضت، حتى تغير بعض النفوس، وتبدل كثير من النوايا، ولا ندري لماذا كان؟! وهل يجوز أن نقول لا ندري؟ لا أدري!
واليوم - بحمد الله - تجد الحال كما هي، لم تتبدل تلك الظاهرة المحبوبة؛ ولكنها فقاقيع على الماء من ارتفاع درجة الحرارة، وليست هي كل الماء - كما يقول الأستاذ أحمد أمين - أو ليس وجودها إلا لتظهر فقط لا لتنفع - كما يقول الأستاذ الرافعي - لأن هذه الظاهرة احتفظت بها السياسة وحدها واكتفت بها، ولم تأخذ بها الأمة عن طريق الرغبة فيها، والاقتناع بضرورتها وثمراتها، في حين أن العودة إليها قد تضاءل نبراسها إلى حد كاد معه ينطفي، وما أدل على هذا من أن السني الداعي إلى الوحدة يصبح متشيعاً في نظر أصحابه، والشيعي الداعي إلى الوحدة يصبح سنياً في دعوى إخوانه، وهذا ذنب كبير عندهم لا يغتفر!
ولذلك يسود الاعتقاد اليوم أن الدعوة الأولى كانت كلها خداعاً في خداع؛ ومن رجالنا من لا يزال مستمسكاً بها إلى اليوم، فينسب إلى غفلة أو سذاجة، وهذا هو الداء الدوي
فإذا أردنا أن نؤلف هذا المؤتمر في العراق، فإنما نريد أن نعيد تلك الكرة لتنفي العزة، وقد لاقت في مبدأ الأمر سوقاً رائجة، ثم كسدت تلك السوق، ويبيع فيها الرأي العام بأبخس ثمن، وبدراهم معدودة؛ ومن الصعب جداً أن نعمل عملاً مجرباً بتشاؤم منه؛ واعتقد أنه سيكبد القائمين مجهوداً كبيراً من هذه الناحية، ويحتاج إلى زمن ليس بالقصير، لتحوير الأفكار ورسوخ العقيدة من جديد، تتخلله الدعاية الواسعة من القادة وذوي العقول المخلصين: وتقريباً للمسافة أجد من الضروري أن تنضج هذه الفكرة خارج العراق أولاً، ثم تدخل العراق لتستطيع أن تهضمها الأفكار بسهولة
ومن المرجح أن هذا المشروع لا يلاقي الفشل بعد تشكيله في هذه المرة إذا كان القائم به مؤتمرا منظما يبنى على أسس متينة ونظم واضحة، وإذا كان مؤسسو المؤتمر يحملون في حقائبهم إخلاصاً صادقاً وعقيدة ثابتة ووطنية صحيحة، والعراق في دور الاستقلال، وما فشل لأول مرة إلا لأنه كان عملاً فوضوياً اندفع إليه المجتمع كسائر إندفاعاته التي لا
стр. 10680
يقودها العقل والرأي - على حسب قانون المجتمعات - فاستغلته الساسة الوقتية، ثم لعب أهل الأغراض والمطامع ومن خلفهم الاستعمار أدوارهم - وبالطبع يتلاشى هذا الظل بعد حين، متى طلعت الشمس ولا بد أن تطلع -، ولا مؤتمر مسؤول ولا جمعية مخلصة تحاسب الناس على أعمالهم
النجف الأشرف
محمد رضا المظفر
стр. 10681
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي وكيل كلية العلوم
كوخ رابع غزاة المكروب يكتشف مكروب السل
بدت لكوخ طلائع النجاح، فقضى أشهرا يؤكده بالعمل المتواصل، والتفصيل الممل، والصبر النادر، والدقة المتناهية، والحذر البعيد. تجد كل ذلك منه إذا أنت قرأت تجاربه المتكررة العديدة في تقريره التاريخي عن داء السل، وقد ولد من هذه البشلات ثلاثا وأربعين أسرة مختلفة، ولدها على فالوذج المصل في أنابيبه المائلة من القردة المسلولة والفئران والخنازير الغينية العليلة
ولم يستطع توليدها إلا من حيوانات أصابها السل أو ماتت من جرائه، وقضى أشهراً يرعى تلك القتلة الصغار رعى الحاضن ولدها، وكان أكبر همه ألا يدخلها من أخلاط المكروبات الضالة شيء
قال كوخ: (والآن إذ ولدت بشلاتي هذه خالصة، فلم يبق لي إلا أن أحقنها في خنازير غينية سليمة، بل في كل نوع من حيوان سليم. فإذا أصابها السل علمت علم اليقين أن هذه البشلات ضرورة لازمة لإحداثه، وأنها علته التي لا شبهة فيها)
وقام كالمجنون الذي يركب رأسه لفكرة ملكت عليه منافذ السبل، فقلب معمله فصار أشبه شيء بحدائق الحيوانات، وأصبح يتجهم للناس ويتهكم بزواره المتشوفين لما عنده حتى صار غولاً ألمانيا صغير الجرم حقوداً، وعقم عشرات المحاقن وحده، وزودها بمكروبه الأحدب من زريعاته التي على فلاذج أمصاله بعد أن دافه بقليل من الماء، ثم أطلق هذا المكروب من هذه المحاقن كالسهام في جلود الخنازير والأرانب والدجاج والجرذان والقردة والفئران. ثم زمجر فقال: (لا يكفي هذا. فلا بد من إطلاق هذا المكروب في أنواع من الحيوانات لا يعرف أن السل أصابها أبداً)، وخرج عن ألمانيا يطوف البلاد فجمع لمعمله. ثم عاد فحقن بشلاته، العزيزة عليه الشديدة على غيره، في سلاحف وعصافير وخمسة ضفادع وثلاثة من ثعابين الماء
وفي نوبة ذهب فيها عقله شاء أن يتمم تجريته الغريبة في سمكة مرجان
ومضت أيام تلو أيام، وتلاحقت الأسابيع، وفي كل يوم منها ذهب كوخ إلى (ورشته) في
стр. 10682
الصباح واتجه تواً إلى أقفاصه وجراره التي احتوت هذه الحيوانات الخطيرة. أما سمكة المرجان فظلت تفتح فاها وتغلقه وهي تعوم عوم الوداع الآمن في طاسها الكبير ذي البطن العظيم. أما الضفادع فظلت تنق نقيق من لا يأبه لشيء. وأما ثعابين البحر فكانت على عهدها نشيطة رشيقة في انزلاقها على الماء، وأما السلاحف فكانت تخرج رأسها أحياناً من بيتها العظم وتطرف بعينها لكوخ كأنها تغمز به وتقول: (إن مكروبك يا سيدي العزيز غذاء صالح لنا، فهل لديك من مزيد؟)
سلمت هذه الحيوانات من محاقن كوخ، ولا عجب، فهي في حياتها العادية منيعة على السل. أما الخنازير الغينية فأخذت تميل ثم تتساقط على جنوبها تتلهف على الهواء وتستدر الرحمات ثم تموت وقد براها السل برياً شديداً
والآن وقد أتم كوخ آخر حلقة من البرهان الذي أراده، تهيأ ليعلن للدنيا أن البشلة التي هي سبب السل الحق قد اصطيدت، قد اكتشفت! وما كاد يهم بالإعلان حتى خطر له أن للبرهان ذيلاً لا بد من إتمامه. قال: إن الناس لا بد آخذة هذه البشلات استنشاقا مع تراب الهواء، أو لعلهم آخذوها من المسلولين إذ يسعلون. فليت شعري أتأخذه الحيوانات السليمة بهذه الطريقة أيضاً؟) وما عتم أن قلب وجوه الحيلة لإجراء هذه التجربة الخطرة. وارتأى أن يرش البشلات رشا في وجوه الحيوانات. وتلك مخاطرة من دونها فتح أبواب السجن لعشرات الألوف من القتلة السفاحين
ولكن كوخ كان مشبعاً بروح الصيد، فعرف أنه لا بد له من مواجهة الأخطار التي لا مندوحة لصياد عنها. فصنع صندوقا كبيرا في الجنينة ووضع فيه الخنازير الغينية والفئران والأرانب. وأوصل من شباك معمله خرطوماً ينتهي طرفه في الصندوق برشاشة. وقعد هو في معمله عند طرف الخرطوم الآخر يحرك مضخة ينبعث من تحريكها في الصندوق ضباب من البشلات قتال يستنشقه ما في الصندوق من حيوان، وقام كوخ يحرك المضخة نصف ساعة كل يوم طيلة ثلاثة أيام. وعند فوات عشرة أيام وجد ثلاثة من الأرانب تتنفس سريعاً في طلب هذا الهواء الغالي الذي عجزت رئاتها المريضة عن إعطائها إياه. ولم تمض خمسة وعشرون يوماً حتى كانت هذه الخنازير قامت هي أيضاً بنصيبها المتواضع من هذه المأساة المجيدة فمات الواحد تلو أخيه مسلولاً
стр. 10683
ولم يذكر لنا كوخ كيف صنع لاخراج هذه الحيوانات من صندوقها وقد عمه وعمها الوباء، ولم يحدثنا ما الذي صنعه بهذا البيت الصغير الذي بناه بعد أن ابتلت حيطانه بهذا الرشاش الفتاك. ولعمري لقد أضاع هذا البحاثة الهادئ المتواضع بصمته عن ذكر هذا فرصة ثمينة لمن همه الفخر وطلب المباهاة
(يتبع)
احمد زكي
стр. 10684
شعراء الديباجة
أدب البارودي وشعره
بمناسبة انقضاء مائة سنة على مولده
للأستاذ أحمد الزين
تتمة
أما شاعرية البارودي فقد قدمت لك أنها صياغة عصورٍ غابرة، ووليدة بيئات منقرضة، إذ لم يسبق بنهضة أدبية نما فيها ذوقه العربي، ولم ينشأ في بيئة عربية ترعرع فيها فنه البياني؛ بل كان هو باعث تلك النهضة بعد أن لم تكن، ومطلع ذلك النور بعد أن خبا، والمجلي في حلبة البيان الذي لم يسبقه أحد قبله وجاء على أثره من بعده، ومكون تلك البيئة بعد أن كانت مصر قبله وفي صدرٍ من عهده ممحلةً من الأدب والأدباء والشعر والشعراء إلا القليل ممن لا يعتد بشعرهم، ولا ينبغي أن تسجل أسماؤهم في الشعراء إلا تسجيلا تاريخياً لمن أراد أن يكتب سجلا جامعاً، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
إلا أن تلك النهضة التي بعثها من مرقدها لم تكن نهضة تجديدية في الأفكار والمعاني؛ وتلك الوثبة التي وثبها لم تكن وثبةً انقلابية في تصوير ما حوله من المشاعر والاحساسات؛ وهذه الخطوة التي خطاها لم تكن خطوة تطويرية في مسايرة روح العصر وتوجيهه إلى ما يريده الشاعر لأمته وبلاده من المثل الأعلى في الآمال والأغراض، بل كانت نهضةً بيانية لا أكثر، متعلقة بجودة العبارات، واختيار الألفاظ، وإحكام النسج، ومتانة التركيب، والجري على مذهب القدماء في الفخامة والجزالة؛ فلا تكاد ترىفي شعره ما يعبر عما حوله من أحاسيس أمته وأوطانه، إلا القليل مما تراه منتثرا في ديوانه؛ وسبب ذلك يرجع إلى أن شاعريته كما قدمت لك من صياغة الكتب والدواوين، وصناعة هؤلاء الشعراء المتقدمين؛ فكان يعيش بشعره في عصرٍ غير عصره، وكان أشبه بالعاشق الموله الذي يجالس القوم بجثمانه، ويكلمهم بلسانه، وهو مع معشوقه وسالب لبه بروحه ووجدانه
وهنا ينبغي أن نشير إلى مخالفتنا لما رآه بعض كتاب النقد في شعر البارودي، فقد قسم الشعر إلى أربعة أقسام، وهي شعر التقليد الضعيف، وشعر التقليد القوي، وشعر الابتكار
стр. 10685
الذي يوحيه الشعور بالحرية القومية، وشعر الابتكار الذي يوحيه الشعور بالحرية الفردية؛ وذكر أن شعر البارودي في طليعة النوع الثالث، وهو شعر الابتكار الذي يوحيه الشعور بالحرية القومية
وعندي أن شعره لا يعدو من هذه الأنواع الأربعة، وهو شعر التقليد القوي؛ وهذا هو سر شغفه بمحاكاة الفحول من شعراء المتقدمين ومعارضتهم في مشهورات قصائدهم كأبي نواس، والشريف الرضي، وأبي فراس، والبويسيري، وغيرهم؛ وفي رأيي أنه لم يبلغ أحدا من هؤلاء، وإن كان قد قاربهم بعض المقاربة، وذلك لأنه مقلد، والتقليد كما تحدثت إليك من قبل أضعف من الأصل مهما يبالغ المقلد في إحكام المشابهة وإتقان المحاكاة. وإنك لتقرأ القصيدة من شعره فلا توقظ عاطفة من عواطفك، ولا تحرك شجناً من أشجان نفسك، ويخيل لك أنك سمعتهاقبل عدة مرات؛ والحق أنك قد سمعتها، فإن لم تكن قد سمعتها بالفاظها، فقد سمعتها بمعانيها في شعر العباسيين وغيرهم من المتقدمين؛ حتى أن قصائده التي قالها في صفة الحروب وأهوالها، والميادين وأبطالها، وافتخاره بالإقدام إذا حمي الوطيس واشتد الخوف وجاشت نفس الجبان لا تراها تتميز إلا في القليل النادر بمعان جديدة وأفكار مستحدثة عن شعر المتقدمين في صفة ذلك، حتى إنك لو لم تعرف أن قائل هذا الشعر هو البارودي لحسبت أنه شاعر عباسي يصف إحدى غزوات الرشيد أو المأمون في خراسان أو بلاد الروم. وإلا فأي جديد مستحدث يلفت ذهنك إليه، ويجتذب قلبك نحوه، تراه في قوله:
فلا جوَّ إلا سمهريُّ وقاضِبٌ … ولا أرضَ إلا شَّمري وسابحُ
ترانا بها كالأسد نرصُد غارةً … يطير بها فنق من الصبح لامحُ
فلست ترى إلا كماةً بواسلا … وجُردا تخوض الموت وهي ضوابح
نُغير على الأبطال والصبح باسمٌ … ونأوي إلى الأدغال والليلُ جانح
بكى صاحبي لما رأى الحرب أقبلت … بأنيابها واليوم أعبر كالح
ولم يك مبكاه لخوف وإنما … توهم أني في الكريهة طائح
فقال اتئد قبل الصِّيال ولا تكن … لنفسك حربا إنني لك ناصح
ألم تر معقود الدخان كأنما … على عاتق الجوزاء منه سرائح
стр. 10686
وقد نشأت للحرب مُزْنة قَسْطَل … لها مستَهلٌ بالمنيةِ راشح
فلا رأى إلاُ أن تكون بنجوةٍ … فأنك مقصود المكانة واضح
فقلت تعلّم إنما هي خُطّة … يطول بها مجدٌ وتخشى فضائح
فقد يهلك الرِّعديد في عقر داره … وينجو من الحتف الكَمِيُّ المشابحُ
الخ. . . . . .
وقد كان ينبغي أن يتميز شعره في صفة الحرب عن شعر المتقدمين، ولا يحاكيهم في كثير ولا قليل من معانيهم فيها، وذلك لما باشر من وقائعها، وخاض من غمراتها، وتعرض لمخاوفها، ولما امتلأت به نفسه من حبها، والتمدح بالإسراع إليها، ولِما تميزت به الحروب في عصره عن الحروب في العصور الماضية، واختلفتْ في صُورَها وآلاتها وترتيبها عن الحروب أيام تقسيم الغزاة إلى شاتية وصائفة
ومما يعاب على البارودي ويؤاخذ به قلة شيوع الشعور الوطني والإحساس المصري في شعره، وخلو قصائده إلا في القليل النادر من العاطفة القومية، وإنما استثنيت القليل النادر لما له في ذلك من القصائد اليسيرة التي قالها وهو في منفاه بسرنديب كقوله من قصيدة:
هل من طبيب لداء الحب أو راقي … يشفي عليلا أخا حزن وإيراق
قد كان أبقى الهوى من مهجتي رمقا … حتى جرى البين فاستولى على الباقي
وفيها يقول:
يا روضة النيل لا مسّتكِ بائقةٌ … ولا عدتك سماءٌ ذات إغداق
ولا برحتِ من الأوراق في حلل … من سندس عبقريّ الوشى برّاق
يا حبّذا نَسَمٌ من جوِّها عَبِقٌ … يسري على جدول بالماء دفّاق
مَرعَى جيادي ومأوى جيرتي وحِمَى … قومي ومنبتُ آدابي وأعراقي
أصُبو إليها على بُعد ويعجبني … أني أعيش بها في ثوب إملاق
وكيف أنسى دياراً قد تركتُ بها … أهلا كراماً لهم ودّي وإشفاقي
فيا بريد الصَّبا بلغ ذوي رحمي … أني مقيم على عهدي وميثاقي
وأنت يا طائرا يبكي على فنن … نفسي فداؤك من ساقٍ على ساق
أذكرتَني ما مضى والشمل مجتمع … بمصر والحربُ لم تنهض على ساق
стр. 10687
الخ. . . . . . .
ولعل السر في عدم شيوع ذلك الشعور في شعره وقلة ظهور هذه العاطفة في قصائده يرجع إلى أنه سليل عائلة من الأتراك الذين يرون أن سيادتهم في مصر لا تتم إلا بالترفع عن مخالطة أهلها، وعدم مشاركتهم فيما يشعرون به من آلام وآمال، ويرون أن الاتصال بطبقات الشعب ثلم في غزتهم، وانتقاص من سيادتهم
وإليك طرفاً من قصيدته التي استقبل بها مصر حين عاد من منفاه، قال:
أبابلُ رأىَ العين أم هذه مصر … فأني أرى فيها عيوناً هي السحر
نواعِسُ أيقظن الهوى بلواحظ … تدين لها بالفتكة البيض والسمر
فإن يك موسى أبطل السحر مرة … فذلك عصر المعجزات وذا عصر
بنفسي وإن عزت عليّ ربيبةٌ … من العين في أجفان مقلتها فترُ
الخ. . . . . . . . . .
فأنت ترى أنه لم يزد في استقبال وطنه على ذكر ما فيه من الجمال النسوي الشائع بين جميع الأمم، والمشترك بين مختلف الشعوب، ولم يقل في قدومه إلى مصر إلا ما يقوله قادم على أي بلد من البلاد المشهورة بهذا النوع من الجمال، وإن لم يكن وطنه. ثم انظر هذا الإحساس الوطني المتدفق، والعاطفة المصرية الفياضة في قصيدة شوقي التي استقبل بها مصر حين عاد من منفاه بالأندلس، إذ يقول:
ويا وطني لقيتك بعد يأس … كأني قد لقيتُ بك الشبابا
وكلُّ مسافر سيؤوب يوماً … إذا رزُق السلامةَ والآيابا
ولو أني دُعيتُ لكنت ديني … عليه أقابل الختم المجابا
أدير إليك قبل البيت وجهي … إذا فُهْتُ الشهادة والمتابا
هدانا ضوءُ ثغرك من ثلاثٍ … كما تهدي المنوَّرةُ الركابا
وقد غشُّى المنارُ البحر نورا … كنار الطور جلّلت الشعابا
وقيل: الثغر، فاتأدت، فأرست … فكانت من ثراك الطُّهر قابا
وقوله وهو في منفاه أيضا:
وطني لو شغلت بالخلُد عنه … نازعتني إليه في الخلُدُ نفسي
стр. 10688
وهفا بالفؤاد في سلسبيل … ظمأ للسواد من (عين شمس)
أحرامٌ على بلابله الدَّوْ … ح حلال للطير من كل جنس
كلِ دار أحق بالأهل إلاّ … في خبيث من المذاهب رجس
وهنا قد يخطر بذهنك أن تسأل عن العوامل المؤثرة في شعر شوقي هذا الأثر الظاهر، وميزته من شعر البارودي هذا التمييز الواضح، وجعلتْه فياضاً بهذه العاطفة القومية، مفعما بتلك الاحساسات الوطنية، فلا تكاد تقرأ قصيدة من قصائده خالية من ذكر مصر والفخر بماضيها، والألم لحاضرها والأمل القوي في مستقبلها؛ ولا تبعد عن الحق كثيرا ً إن قلت إن شوقي لم يجد إجادة تامة إلا في هذه الأغراض؛ وأقول في جواب هذا السؤال إن سر ذلك يرجع إلى مخالطة شوقي لزعماء الوطنية المصرية وصلته القوية بهم، وحرصه على توثيق أسباب المودة بينه وبينهم، وملازمته لمجالسهم بالليل وانهار، فلا عجب إن شاركهم بعد ذلك في الآراء والأفكار، وشاطرهم في الآمال والأوطار. . .
أضف إلى ذلك خدمته الطويلة للخديو السابق عباس الثاني؛ وقد كان من كراهته للمحتل الغاصب، وحبه الاستقلال بالسلطة والانفراد بالحكم، ما هو معروف مشهور
وهذا جواب إجمالي أرجئ تفصيله إلى فصل آخر عند الكلام على شاعرية شوقي
أحمد الزين
стр. 10689
سكان أعالي النيل
بقلم رشوان أحمد صادق
يسكن أعالي النيل ثلاث مجموعات أساسية تتفرع منها عدة مجموعات أخرى فرعية:
١ - المجموعة النيلية، ويطلق عليهم أسم وهم خليط من الزنجي والحامي. نشأ هذا الخليط بالقرب من شرق البحيرات الكبرى في شرق أفريقيا ثم نبعت منه شعبتان:
الشعبة الأولى هي جماعة الدنكا وقد اتجهت شمالا ثم تكون منها الدنكا والنوير الحاليتان
والشعبة الثانية اتجهت شمالا أيضا ونتج عنها القبائل التي تتكلم اللهجة الشلك مثل جماعة الشلك والليو والأنواك
وهذه المجموعة تشغل أقاليم بحر الغزال وبحر الجبل وبحر الزراف والسوباط وجزءا من النيل الأبيض. أما مميزات هذه المجموعات الجنسية فهي قامة بائنة الطول، ورأس مستطيل، وبشرة سوداء جدا، وشعر مجعد؛ فهم يختلفون عن الزنجي البحت وكذلك عن الحامي البحت
أما جماعة الأشولي الذين يتكلمون لهجة الشلك فرؤوسهم مستديرة، وذلك يرجع إلى تأثرهم جنسياً وثقافة بعنصر مستدير الرأس جاء من الغرب إلى الشرق والتقى بهم أثناء هجرتهم من موطنهم الأصلي
٢ - المجموعة الحامية النيلية مثل الباري واللوتوكو وغيرهم، وهم يشبهون النصف حاميين الذين يوجدون في شرق أفريقيا وفي شرق أفريقيا الوسطى، ويكثر وجودهم في مستعمرة كينيا وأوغندا حتى حدود السودان وشمال تنجانيقا. وهم أيضا خليط من الحامي والزنجي، غير أنه يظهر تغلب الجنس الحامي في تكوينهم خصوصا من حيث التقاطيع مثل الأنف ولو أن البشرة سوداء اللون. ولقد تأثروا أيضا بالهجرات المستديرة الرأس الآتية من الغرب إلى الشرق، ولكن هذا التأثير كان ثقافيا لا جنسياً
٣ - مجموعة زنجية مستديرة الرأس لونهم أخف من لون النيليين وقامتهم أقصر. كانت أماكنهم بحيرة تشاد، ثم هاجروا جنوبا إلى أفريقيا الاستوائية الفرنسية، ثم شمالا إلى خط تقسيم المياه بين الكنغو والنيل. وأهم هذه المجموعة الأزندي، ويسكنون في أعالي بحر الغزال الآن
стр. 10690
وبعض العلماء يظن أن لونهم الفاتح يرجع إلى اختلاطهم بجماعة البربر أو بعض الحاميين
ولقد اشتهر سكان هذه الجهات ومعظم سكان أفريقيا - سواء الزنجي البحت أو الخليط - بحب اللهو والطرب والرقص وكثرة شرب الخمور. ولقد تبارى العلماء في تعليل هذه الظاهرة التي تكاد تعم معظم بقاع أفريقيا
فابن خلدون يرجع ذلك إلى عوامل مناخية إذ يقول:
(من خلق السود على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب فتجدهم مولعين بالرقص على توقيع، موصوفين بالحمقفي كل قطر؛ والسبب الصحيح في ذلك أنه تقرر في موضعه من الحكمة أن طبيعة الفرح والسرور هي انتشار الروح الحيواني وتفشيه، وطبيعة الحزن بالعكس وهو انقباضه وتكاثفه. وتقرر أن الحرارة مفشية للهواء والبخار، مخلخلة له زائدة في كميته، ولهذا يجد المنتشى من الفرح والسرور ما لا يعبر عنه، وذلك بما يداخل بخار الروح في القلب من الحرارة الغريزية التي تبعثها ثورة الخمر في الروح من مزاجه فيتفشى الروح تجيء طبيعة الفرح. وكذلك نجد المتنعمين بالحمامات إذا تنفسوا في هوائها واتصلت حرارة الهواء في أرواحهم فتسخنت، لذلك حدث لهم فرح، وربما انبعث الكثير منهم بالغناء الناشئ عن السرور. ولما كان السودان ساكنين في الإقليم الحار واستولى الحر على أمزجتهم وفي أصل تكوينهم كان في أرواحهم من الحرارة على نسبة أبدانهم وأقاليمهم، فتكون أرواحهم بالقياس إلى أرواح أهل الإقليم الرابع (المعتدل) أشد حرا، فتكون أكثر تفشياً، فتكون أسرع فرحا وسرورا وأكثر انبساطاً، ويجيء الطيش على أثر هذه. وتتبع ذلك في الأقاليم والبلدان تجد في الأخلاق أثراً من كيفيات الهواء والله الخلاق العليم.)
ولقد حاول كثير من العرب تعليل حب هؤلاء الأقوام للخمر واللهو والرقص، ومن هؤلاء المسعودي الذي ينسب ذلك إلى ضعف عقليتهم، كذلك يعقوب بن إسحاق الكندي ذكر ذلك التعليل الذي ربما يكون المسعودي قد نقله عنه
كذلك ذكر هذا الرأي جالينوس كما يقول ذلك أبن خلدون
وربما كان ذلك راجعاً إلى قلة العمل وطول الوقت، ولذلك يلهو الزنجي بمثل هذا النوع من الطرب. وربما يرجع حب الزنجي للرقص والخمر إلى التغلب على مناخ بلاده الذي يدعو إلى الكسل والخمول. كما يستعمل الأوربي مثلا المسكرات للتغلب على البرد في بلاده.
стр. 10691
ويقول نعوم بك شقير في كتابه تاريخ السودان: (وهم مولعون بالرقص ولعاً شديدا، ولكل قبيلة منهم رقصة خاصة يرقصها الرجال والنساء على أصوات الآلات الموسيقية. وقد رأيت جماعة من رجال الشلك يرقصون رقصة حربية في الخرطوم أيام تشريف الخديو للخرطوم، وقد لبسوا شعورهم على أشكال غريبة وزينوها بالريش والخرز وصبغوا جفونهم بصباغ أبيض مشرب حمرة، ولبسوا أساور العاج والنحاس في أيديهم، والجلود أو الخرق في أصلابهم، وحملوا الحراب والنبابيت فمثلوا في رقصهم واقعة حربية وقفوا فيها صفين يهاجم أحدهما الآخر، وهم يقفزون كالقردة ويصيحون كالذئاب، وهم يهزون رماحهم وعصيهم فوق رؤوسهم، ويغنون أغاني لا تلحين فيها، ويصوتون بالقرون أصواتاً مزعجة تصم الآذان؛ وبالإجمال لم يكن في رقصهم طرب بل دل على الهمجية والخشونة)
وقد اشتهر الزنجي بجودة الرقص خصوصاً في عهد قدماء المصريين إذ استخدموا الأقزام لرقص الآلهة. وكثيرا ما نرى الآن في موسيقى الجاز الأوربية الراقصة أن يستخدم الزنجي للعزف. كما اشتهر بعض الزنوج نساء ورجالا بالرقص الأوربي
الزنوج النيليون
النوير
لم يتأثروا بالحكم الأوربي لأن أماكن سكناهم تجعلهم في عزلة إذ يتعذر اجتياز بلادهم في فصل المطار لكثرة المستنقعات كذلك في فصل الجفاف. لذلك لم يحاول جيرانهم الاعتداء عليهم، كما أن العرب الذين عرفوا هذه الجهات قديما اكتفوا بإنشاء محطات تجارية على المجاري الرئيسية. ولم تهتم بهم الحكومات الأوربية إلا منذ أربع سنوات عندما قاموا ببعض الاضطرابات. وكان لهذه العزلة الأثر الأكبر في عدم قبولهم الاختراعات الحديثة، وعدم تغييرهم لنظامهم الاجتماعي، كذلك لم يتأثروا بالمسيحية ولا بالإسلام؛ وتجد الحكومة صعوبة في جباية الضرائبمنهم أو إرغامهم على العمل
وتنقسم السنة عندهم إلى قسمين تبعاً لتغير الإنتاج الزراعي الذي يتوقف على هطول الأمطار. فمن ابتداء شهر مايو تهطل الأمطار وتستمر كذلك حتى أواخر نوفمبر، فتمتلئ الأنهار وتكثر الأخوار. ولما لم يكن هناك تصريف على السطح فإن هذه المياه تتجمع على
стр. 10692
شكل مستنقعات تقوم في الأراضي المرتفعة. وفي هذا الفصل تكون الماشية على مقربة من هذه القرى لكي يمكن إيوائها مساء في الأماكن المخصصة لها لحمايتها من شر البعوض. كذلك يتمكن النوير في هذا الفصل من زراعة بعض الذرة. وفي هذا الشهر ديسمبر تبدأ الأمطار في القلة، ولذلك تساق الماشية إلى أماكن بعيدة عن القرى في الجهات الغابية حيث ترعى هناك، وبعد أن يجمع المحصول في القرى ترجع الماشية إلى القرى لتأكل بقايا النباتات؛ ثم بعد ذلك يحل فصل الجفاف وأهم شيء في حياة النوير خاصة، والزنوج النيليين عامة هو الماشية، فمنها يأخذون اللحم واللبن، وجلودها تستعمل فراشاً، وروثها يستعمل وقوداً، والرماد المتخلف يتخذ لدلك الجسم لحمايته من البعوض، ويصنع منه مسحوق للأسنان والشعر، وقرونها تستعمل ملاعق، وذيلها للزينة. والرجل الغني عندهم هو الذي يملك ماشية، فهي تقوم مقام الصداق في حفلات الزواج، ولذلك كان النويري شديد الاهتمام بتنمية القطيع من الماشية، لأنه مهم من حيث الزواج. والرجل عندما يريد الزواج لابد أن يوزع عشرين رأساً من الماشية على أهل زوجته ولابد من إهداء عشرة رؤوس لأقارب والدة عروسه، وعشرة أخرى لأقارب والد عروسه، فمن اللازم أن يأخذ القطيع في الزيادة حتى يصل إلى خمسين رأسا من الماشية. فإذا تزوج أبن فلابد أن يظل بقية الأبناء بدون زواج حتى يأخذ القطيع في الزيادة إلى أن يستعيد عدده قبل الزواج. فالزواج حسب الترتيب: الأكبر فالذي يليه وهكذا. وعلى نساء الأبناء الكبار أن يقمن بطهي الطعام وحلب الماشية للأخوة الذين لم يتزوجوا بعد؛ كذلك تستعمل الماشية في دفع الديات والتعويضات. والنويري يعتبر القتل كالزواج، أي أن الرجل إذا قتل شخصاً من عائلة أخرى كان كأنه تزوج فتاة من هذه العائلة؛ وذلك على قاعدة أن هذه العائلة ستفقد فرداً منها في حالة الزواج أو في حالة القتل. فعلى القاتل أن يعطي عائلة المقتول عشرين رأسا من الماشية: عشرة منها توزع على أقارب والد القتيل، وعشرة أخرى توزع على أقارب والدة القتيل. والفكرة في ذلك أن عائلة القتيل تحتفظ بهذه الماشية التي أخذتها دية لكي يمكنها أن تحصل بواسطتها على زوجة للرجل الميت لكي تلد هذه الزوجة أبنا يحل محل أبيه. وهذه الزوجة بعد الحصول عليها تعيش مع زوجة الرجل المقتول، والابن الذي يولد لها يعتبر كأنه للرجل المقتول.
стр. 10693
يتبع
رشوان أحمد صادق
стр. 10694
اندفاعات
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
يعيش القريعُ الحُّر في البلد الحِّر … فبالخير يجزى الخيرَ والشرَّ بالشرِّ
ويزري بعادات يراها مضرّة … وأمّا بما فيه انتفاعٌ فلا يزري
وأَكْثِرْ بمغُترّ بما كان ظاهراً … وأَقْلِلْ بمن قد كان ليس بمغتر
بمجتَمعٍ حّريةُ الفكر عنده … وما عنده حُريةُ القول والجهر
ولم يك أسراً منع حُرّية الورى … ولكنه شرٌّ عليهم من الأسر
وما خيرُ أرض هان فيها ذوو الحجا … وذو الأفْن موصول الكرامة والقدر
تحّملتُ أعباَء ثقيلة … فكانت كأخت الموت قاصمة الظهر
يعادونني من أجل تركي لمدحهم … ومَن كان حُراً عاش للأدب الحُر
ومالي وثوق في العراق بصاحب … مع المدّ يأتيني ويمضي مع الجَزْر
لقد نسبوا لي الوزرَ فيما أقوله … وهل مُثقِلٌ غيري إذا صدقوا وزري
وللكفر والإيمان تجمع لحمةٌ … وقد شرب الإيمان من منبع الكفر
ولو كنتُ أدري ما ألاقي من الأذى … أخذت من الأيام قبل الأذى حِذري
أعاتب أيامي على ما أصابني … وما في يد الأيام شيءُ من الأمر
ولست إذا لاقيتُ مكراً بنا كصٍ … ولكنني أستقبل المكرَ بالمكر
إذا رمتَ أن تلقى من الناس حرمةً … فكن سيداً للخير أو سيد الشر
وإن الفتى الخّوار في حومة الوغى … إذا لم يمت بالسيف مات من الذعر
وليس يردّ العسكرَ المجرَ غازياً … لمملكة مُثلى سوى العسكر المجر
وما أنس لا أنس الشبابَ فأنه … على ما به من خفة غرّةُ العمر
صبوتُ إلى غُرّ الوجوه مُتيماً … ومَن كان لا يصبو إلى الأوجه الغُرّ؟
وإني ليعروني اضطرابٌ لذكرهم … كما اضطراب العصفور في مخلب الصقر
وإني كسارٍ ضلّ ليلاً طريقه … بمذأبة خرقاء أو مهمةٍ قفر
ذكرتُ شباباً كان لي في زمانه … سوابق آثام فأخجلني ذكرى
أثمتُ وبالطيش اعتذرتُ مُبرّراً … وأكبرُ من إثمي الذي جئتهُ عذري
стр. 10695
ألامُ على حبي لدنيايَ هذه … وما حيلتي إن كان قلبي بها يغري
صحوت غداةَ الشيب من سكرة الصبا … ويا رُبّ صحوٍ كان شراً من السكر
وكان نصيبي في الشباب ابتسامةً … تلوح على عين الحبيبة والثغر
قد ازدان بالألماس والزَهر فرعُها … كما ازدان ليل الصيف بالأنجم الزُهر
ولما تفارقنا شجاني بكاؤها … وما نثرت تلك المدامعُ من دُرّ
أذال هوانا الدمعَ والعقل صانه … فموقفُه بين المذلّة والكبر
وماذا لليلي جدّ حتى تغيرت … فأني وليلى كنت كالماء والخمر
تعيرني بالشيب وهو مصيرُها … كأني وإياها إلى غايةٍ نجري
أبالقلب مني تهزئين إذا صحا … ولكن هذا القلب ينبض بالشعر
منحتك حبي خالصاً فهجرتني … وأسرفتِ يا ليلى الجميلة في الهجر
وللبلبل الصداح في كل روضة … عرائسُ يبثثن الغرامَ من الزَهر
ويبسمن للصيداح من فرح به … ويرمينني للشيب بالنظر الشزر
وللزهر مثل الغانيات لواحظٌ … وفي تلكم الألحاظ شيءٌ من السحر
عيون رمتني بالسهام مريشةً … بأهدابها من حيث أدري ولا أدري
سأهبط قبراً بعد حُمّى تميتني … سلامٌ على الحمّى، سلامٌ على القبر
وإني لأخشى دفنهم لي بحفرة … فيدُفن للنسيان فيها معي فكري
تموت اعتبارات الفتى عند موته … فلا حسنَ في عُرفٍ ولا قبحَ في نكر
وأطْوِلْ بليل القبر والقبرُ ضيّقٌ … ونوميَ في جوف التراب مدى الدهر
وددتُ لو أني قد يقضتُ من الكرى … على صيحة الصيداح في مطلع الفجر
طريقُ حياتي لم يكن متساوياً … فوعرٌ إلى سهل وسهلٌ إلى وعر
أرى المرَء مضطراً لما هو فاعَل … وإن خال جهلاً أنه غير مضطرّ
ولستُ أخاف الشكَّ في كل ما رووا … ولكنّ بعض الشكّ يأكل من حِجري
لمن تكتب الأرواحُ في اليمّ مألكاً … فإني أرى الأمواجَ سطراً إلى سطر
مكانك لا تطلب من الدهر مخرجاً … فأنك أَني سرت في قبضة الدهر
وليس أنيناً ما له أنت سامعٌ … ولكنه شكوى الغريق إلى البحر
стр. 10696
لقد جرّد الدوحَ الخريفُ وليته … لأطياره أبقى على الورق النضر
فَروضٌ ولكن لا رواء لزهره … فهل فيه لاقى الزهرُ شحّاً من القطر
إذا لم تكن تشكو الأزاهيرُ كربةً … فما بالها ليست بباسمة الثغر
стр. 10697
بحر الحسد
للأستاذ عبد الرحمن شكري
مقدمة:
الحياة هي بحر الحسد، ويسعى الناس في الحياة لأرزاقهم وجاههم بالكيد والمكر كأنما يسبحون في بحر من الحسد، وقد يدفع بعضهم بعضاً كي يظهر الدافع على متون أمواجه، وقد يعين بعضهم بعضاً في الأحايين. أما المجاملة في الحياة والتحيات فقد تكون أشبه بلألاء الشمس على سطح الماء، يخفي بجماله ما في البحر من قبح وبلاء (الناظم)
يسبح الأحياء في بحر الحسد … فاعتصم بالصبر فيه والجلَدْ
واقتعد صهوته مستبشراً … سابحاً في الموج منه والزَّبد
ضاحكاً من عنت الأمواج لا … يُدفَعُ الغائلُ منها بالكمد
أنظر الأمواج في الشط تَجِدْ … لُجَّها منهزم الأمر بدد
إن علت موجة حقد فاصطبر … أي موج في ذرى اليمَّ خلد
وإذا ما رمَّة لاحت فلا … تحسب الرمة فيه كالسند
وإذا لألأت الشمس على ال … يمَّ أخفت قبح ما دون الزبد
كمقال الحب يُخْفى كَيدهُ … إن سطا في العيش في لؤم وحِقْد
وإذا غار بك الماءُ فقل … كم حسام في قراب قد غُمِد
رب دُرٍّ فيه لا تأمله … إن من غاص على الدر وجد
درة مخبوءة أنت إذا … ما طفا باللؤم إن أُغرِقْتَ وغد
أنجد السابح إن خار وكن … للذي أشفى على الهُلْكِ عّضُد
ليس مجد الغدر أحجى بالفتى … أي مجد ناله الأوغاد مجد
أحمق الناس جهول خائف … كلما لاح له برق ورعد
ليس في العيش ولا الموت أذى … إنَّ من سار على الدرب ورد
لا يلذ الموتَ إلا مُتْعَبٌ … سهر العيش وفي الموت رقد
رقدةٌ يا طيبها من رقدة … بعد أن عانى وأبلى وسهد
стр. 10698
الشادوف
بقلم محمود حسن إسماعيل
دَعْ نايَكَ الشَّادي بلا تَعْزيفِ … طرِبَ الخيالُ لأنَّة الشادوفِ
عُرْيانُ جَرَّدَه الضحَى مِن سِتْرِهِ … فغدا يضِجُّ بدمْعِه المذْروف
لم يُرضهِ ثَوْبُ السَّنا سِدْلاً له … يخْتالُ في بَهجَ ولَمْحِ شُغوف
فبكى ونكّس رأسه مُتَذَلِّلاً … متحسَّراً كالعاشق الملْهوف
فإذا تقاعس خِلْتَهُ في صَمْتِهِ … جُثْمانَ مصلوبٍ بغَيْر كُفًوف
بَترَتْ سواعده الليالي، وانبرتْ … تُبْليه في سخَطٍ وفي تعْنيف
وإذا جَثا ألفَيْتَهُ متعِّبداً … طهُرَتْ سرائُرهُ من التّزييف
سجَداتُهُ في النّبْع قُبْلَةُ والهٍ … طبِعَتْ على سَلْساله المرشوف
صَدْيان قدَّم للوُرود شرابَهُ … وأّعارَ أدْمُعَهُ لقلب الرِّيف
فيظلُّ يَظمأ عارياً، والزَّهْر في … رِيٍّ، ونبْتُ الحقل في تفويف
ثاوٍ على الجُبًّ العَميق كأنّهُ … أَعمى على جُرُفٍ هنالكَ موفي!
جبارُ أفزعه الرَّدى فتقَلْصَتْ … أضلاعُه من صَرْعَة التخويف
فتخالُه في الوهْم جُثّةّ مارِدٍ … ضجِرَتْ لهوْلٍ في القبور مخيف
فأعارتْ الأكفان ثوْرةَ حانِقٍ … بَرِمتْ بِحَتفٍ فالتقتْ بحتُوف
يا صامتاً والريحُ تَخْفُقُ حَوْلَه … والنّبتُ يطربُه بسجْع حَفيف
وتصايحُ الغِرْبان يُنْذرُ مَرْجَه … بحَصيدِ سافَيةٍ، وجَدْب خَريف
وربابةُ الّراعي تُهدْهِدُ عِنْده … قلْباً يَهيم بلَحنِها المعْزوف
سَكْرَى من الأنْغام أسكَرَ شَدْوُها … آذان ثاغِيَةٍ وسمْع خَروف؛
هلاّ شَجَتْكَ نُفاثةٌ من بائِسٍ … لهفانَ في كنَف الأَسى ملْفوف
روّى الزُّروعَ بصَّيبٍ من دَمْعِهِ … وثوَى بقلب في الظلام لهيف!
محمود حسن إسماعيل
стр. 10699
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
الناحية السلبية من مذهب نيتشة
الإنسان للأستاذ خليل هنداوي
يرى نيتشه شريعة العبيد ومثل الزهد وسلطة الكاهن تقوم أركانها على جملة أكاذيب فارغة؛ وهو لا ينظر إلى الشريعة المسيحية نظرة الرافض لها، وإنما يجد فيها خطراً كبيراً وتدميرا. إن قطيع المنحطين وقائدهم كاهنهم الزاهد تراهم وقد قضي عليهم بأن يغمضوا أعينهم عن بيان أصول الأشياء، لكي يضعوا - موضع الامتحان والحقيقة التجريبية - شريعتهم وقيمهم الوهمية الضالة التي عالجوا بها حل أسرار الوجود. لو أدرك المريض حقيقة أمره، وعرف مكان عافيته، وموطن شفائه، وعلم أن علاج الكاهن لا يزيح من ألمه الحقيقي شيئاً، وإنما هو علاج ظاهر يعمل على تشديد الألم بدلا من أن يعمل على تخفيفه وشفاء صاحبه؛ لو علم ذلك كله لرأيت العمارة المسيحية قد انهارت دعائمها واندكت صروحها. إن المنحط الضعيف يتحرى عن مخفف حقيقي لآلامه عند الطبيب أو عند الموت. وقد أحس الكاهن هذا الخطر فأخذ يحدث قرناءه دائماً عن الإيمان، وهو الاقتناع المبني على غير العقل، عن الإيمان الذي لا يحفل بحقيقة الأشياء، وهل الإيمان بحقيقته إلا أن تفرض وهما تشعر بضرورةوجوده في الحياة، تفرض وجوده بأي ثمن كان
في كل عصر يرى الكاهن في الحكمة الدنيوية والعلم الواقعي الذي يدرس الوجود للعلم، غير حافل بقواعد الدين، يرى الكاهن فيهما خصمين عنيفين، وهو يحلل كل وسيلة تصرف الإنسان عن التأمل في الأشياء بعين نفسه، وعن جلاء الحقيقة عارية مجردة من غير تشويه. وهذا ما لا يتساهل فيه نيتشه، ولقد يغفر للمسيحية ما تبث في الإنسانية من آلام، وما عسى يضر الألم الإنسان إذا كان الألم يصفيه؟ وفي الحقيقة نرى الإيمان الديني قد خلق أرواحاً كثيرة أفادت البشر؛ ولم يكلف نتشيه نفسه بيان الآلاء التي قامت بفضل ثورة العبيد فأغنت النوع الإنساني وظلت من الانقلابات المعتبرة في التاريخ. ونتشيه يعجب بالمنطق العظيم في المنطق الديني الكاذب، وبالمذهب الذي ابتدعه وظل يغذي الناس طيلة
стр. 10700
عشرين قرناً بالأوهام الخيالية، وقد يعجب بالكاهن برغم أنه ينطوي على إرادة شريرة، لأن إرادته تستمد شعورها من نفسها، لا تحوك الأوهام حول الهدف الذي تقصده ولا حول الوسائل التي تصطنعها. وأما يستفز غضب نيتشه من العالم المسيحي فهو ذلك المحيط القدسي الذي يحيط به، وذلك المزيج من المكر والغباوة والطهارة الكاذبة التي يتظاهر بها رجال الإيمان. فاستفاق في نتشيه شعوره الوحشي وحبه للطهارتين المادية والروحية، وجرأته في الذهاب وراء أقصى ما أشرف عليه عقله، فثار وتمرد على هذا التدليس كله، ثم انصرف عن هذه الجماعة، وفي قلبه سأم من رجالها الذين غدا الوهم عندهم جزءا من الأجزاء التي لا يتم بدونها الوجود؛ وهم لا يعرفون أنفسهم حين يخدعون ويخادعون وحين يكونون صادقين، يعيشون أسرى أوهامهم حين يريدون أو لا يريدون؛ وأعلن بأن المسيحية هي المسئولة عن تسميمها للبيئة العقلية والأدبية في أوربا.
على أن جهود الكنيسة كلها في مناضلة العلم ذهبت عبثاً، ومقاومتها للعقل البشري انطلقت أدراج الرياح؛ فان في أوربا كثيرين من علماء الطبيعة - على اختلاف مناهجهم ومدارسهم - يعيشون في غير أكناف الدين والإيمان؛ هؤلاء هم أعداء الكاهن. ولكن سائلا يسأل: وما بال عقول هؤلاء لم تضع سداً يمنع تأثير الوهم المسيحي؟ وكيف لم يفلح أصدقاء الطبيعة والحياة والعافية في تحطيم القيم المسيحية؟
كان جواب نتشيه على هذا السؤال جواباً أدبيا، يقول: إن هؤلاء العلماء لا يؤمنون بعلمهم، ومعنى ذلك أنهم لا ينصرفون إلى تبديل المثل الأعلى الديني بمثل أعلى عندهم؛ أو أنهم يؤمنون بعلمهم ويأتون بحل جديد للحياة يستمدون مادته من المثل الأعلى المشيد على الزهد؛ أو أن رجال العلم هم رجال متوسطو الإدراك، عاجزون عن إبداع شريعة جديدة؛ أو أنهم قوم زاهدون محتالون عالمون؛ لا يختلف جوهر مثلهم الأعلى عن مثل الكهان
يشبه نتشيه هذا العالم (المتوسط) بامرأة عجوز لا تلد ولا تنجب. وهو قليل القناعة بنصيبه
ولآن فلننظر في تعريف رجل العلم!
إن رجل العلم يتصل نسبه بذرية بشرية غير شريفة. تنطوي نفسه على خلال ذرية غير شريفة، ذرية لا تأمر ولا تملك السلطة، ولا تغني شيئاً. إنه عامل دائب يدرك بشعوره حاجات قرنائه. إنه وارث أمراض ذرية غير نبيلة، ملك عليه الزهور ومشى لا يتحرى إلا
стр. 10701
عن الأشياء السفلية في الطبائع. أما العظمة فهي بعيدة المنال عنه. وإن مما يجعل العالمجليل الخطر شعوره الباطن بأنه من ذرية متوسطة، فهو والحالة هذه يدأب عاملاً على إبادة الرجل (الشاذ)
ولا ريب أن العالم يحيا بعيداً عن كل إيمان؛ ألا ترى فطرته في كثير من المواطن توائم فطرة رجل الدين، ثم يخالفه ويفر من ملامسته وملامسة أمثاله، لأنه يعتقد كل الاعتقاد بأن رجل الإيمان هو نموذج سفلي في البشرية، وأن رجل العلم هو أسمى منه. على أن هنالك هوة سحيقة تفصل بين رجل الدين رجل الإرادة الكبيرة المريضة، المقاتل الظافر بفضل هذه الإرادة، والخالق قيماً يعتقد بصحتها، وبين هذا الرجل العالم الجريء، هذا القصير المعجب بنفسه وعلمه. يعمل كما تعمل الآلهة ليزداد ضلالاً، ولينعتق من التفكير، وليزيح من سبيله هذه المسائل المغلقة! قد يكون عمله حسناً لو كان يعمل مستوحياً نفسه، لكنه يعمل ليكون مأموراً عاجزاً عن إبداع قيمة جديدة عاجزاً عن أن يتذرع بإرادة
لنحكم العالم (غير الذاتي) الذي نضجت فيه الحاسة العملية قد ساد أمره فماذا ينتج منه؟ لا شيء إلا مرآة. . . وآلة لا إرادة لها. . . إنه يشبه المرآة التي تعكس الأشياء، ترتقب حتى تظهر عليها فتعكس مرآها، وإنما غناء في أن يكون معبراً تمر به الأشياء. لا يحس ولا يلمس آلامه الشخصية. يعمل ما يستطيع، ولكن ما يعطيه حقير لا قيمة له. هو لا يأمر ولا يخرب شيئاً، يقول مع (ليبينز): (أنا لا أحتقر شيئا). إنه آلة تتجلى فيها العبودية والخضوع والطاعة. مفتقر إلى معلم يهديه إلى الغاية المقصودة. وهو ليس بعلامة حركة جديدة، ولا بعلة أولى. إنه وا أسفاه ليس بمعلم. إنه وعاء فارغ يتخذ لون السائل المراق فيه، إنه فاقد الشخصية
ثم هاجم نيتشه الشكوكيين الذين يصل بهم علمهم إلى حيرة يتساوى فيها العود والهبوط، والعلم والجهل، وإنما يتميزون من رجال العلم بأن هؤلاء عاملون دائبون كالآلات؛ أما الشكوكيون فهم عقول أضعفها تريضها الزائد في العلوم، وهم ليسوا بشيعة واحدة، فمنهم المضطرب والمعتدل المزهو بنفسه، ومنهم النفس التي تبذل الجهد في كشف أسرار الوجود وقد دوختها أسراره حتى غدت تروح وتغدو كالخيال الدقيق ليس له من قرار
ألا ترى إلى زرادشت - نبي نيتيشه - المبشر بالسوبرمان قد سحب وراءه خيالا من هذه
стр. 10702
الأخيلة الضالة، رافقته في كل مراحله، قد طلقت كل أيمان كان فيه عزاء، وحطمت كل الأوثان، وفقدت أيمانها بالأسماء الكبيرة والرموز الفخمة حتى أضاعت غايتها في النهاية، وضلت في زوايا الوجود الموحش هائمة بدون حب ولا رجاء ولا وطن. رآها زرادشت فلم يتمالك نفسه من الإشفاق عليها
- قال بكآبة: أنت ظلي!
إن الخطر الذي تفر منه ليس بحقير أيها المسافر!
إن أمامك نهاراً سيئاً فاحترس من أن يكون مساؤك أسوأ. إن السجن لأمثالك الطائشين قد يصبح نعمةً لهم
أرأيت هؤلاء العاتين المفسدين، يجرجرون في قيودهم!
هؤلاء ينامون نوماً هادئاً لأنهم مرتاحون بطمأنينتهم
أحترس في النهاية أن تغدوا سجين إيمان ضيق ووهم قاس مرعب. على أن كل ما هو ضيق قاس هو لك فيه إهواء وخديعة
أنك أضعت الغاية، وكذلك أضعت سبيلك
يالك من نفس ضالة طائشة! يالك من فراشة منهوكة القوى
ولكن رجال العلم ليسوا جميعاً على هذا النحو الذي صوره نيتشه، فهنالك رجال يقين من رجال العلم، علم هؤلاء لا يقف عند قولهم: ماذا ندري؟ هو علم وثاب يخلق إرادة ويبدع شريعة ومذهباً
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 10703
القصص
في ذكرى بدر
أبو جهل. . . . لم أكتب رواية، ولكني عرضت مناظر من
بدر. . . . . (علي)
للأستاذ علي الطنطاوي
(المنظر الأول)
(في بيت عاتكة بنت عبد المطلب)
عاتكة - يا أخي! والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني، وتخوفت أن يدخل على قومك منها شرٌ ومصيبة، فاكتم عني ما أحدثت، فانهم إن سمعوها آذونا، وأسمعونا ما لا نحب
العباس - حدثيني، فسأكتم الحديث
عاتكة - رأيت راكباً قد أقبل على بعير له، وحتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا فانفروا يا لَغدُرُ إلى مصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه؛ فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة، ثم صرخ بمثلها؛ ثم مثل به على رأس أبي قبيس، فصرخ بمثلها؛ ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوي، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت، فما بقيت دار من دور مكة إلا دخلها منها فلقة. . . .
العباس - إن هذه رؤيا حق، فاكتميها ولا تذكريها لأحد
(المنظر الثاني)
(في الحرم، وقد غابت الشمس، وجلست قريش في مجالسها من حول الكعبة)
(أبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة)
أبو جهل - يا أبا الفضل! إذا فرغت من طوافك فأقبل علينا. . . .
(يقبل العباس)
أبو جهل - يا بني عبد المطلب! متى ظهرت فيكم هذه النبيّة؟
العباس (متجاهلاً) - وما ذاك؟
أبو جهل - الرؤيا التي رأت عاتكة!
стр. 10704
العباس وما رأت؟
أبو جهل - كأنك لا تدري؟. . . ألم تحدث بذلك الوليد بن عتبة؟ أما رضيتم يا بني عبد المطلب بكذب الرجال، حتى جئتمونا بكذب النساء؟ زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال: انفروا في ثلاث! فسنتربص بكم هذه الثلاث، فان بك حقاً فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب
العباس (وقد غضب) - هل أنت منتهٍ يا مصفّراً. . . .؟ فان الكذب فيك وفي أهل بيتك
(يهم به فيحول القرشيون بينهما)
القرشيون - ما كنت يا أبا الفضل جهولا ولا خرقاً
(المنظر الثالث)
(في بطن الوادي، صباحاً. . .)
العباس (لرجل معه) - لقد لقيت أمس من عاتكة أذىً شديداً لما أفشيت من حديثها، ولم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني تقول: أقررتم. . . أقررتم لهذا الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت. . . . . . . .
فو الله لأتعرضنَّ له؛ وإن عاد قاتلته، فلقد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه
الرجل - أنظر يا أبا الفضل! هذا أبو جهل خارجاً من باب المسجد يشتدَّ
العباس - ماله لعنه الله، أكل هذا فرقاً مني؟ اذهب فانظر ما شأنه؟
(يذهب الرجل ويرجع على عجل)
الرجل (مضطرباً) - ألا تسمع؟
العباس - ماذا؟
الرجل - هذا ضمضم بن عمرو الغفاري. يصرخ ببطن الوادي وقد شق قميصه، وحوَّل رحله، وجدع بعيره! اسمع
(يتقدمان ويصغيان)
ضمضم - يا معشر قريش! اللطيمة. . . اللطيمة أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه. . . لا أرى أن تدركوها. . . الغوث. . .! الغوث. .!
стр. 10705
(حركة واضطراب ولغط وصيحات حماسية)
رجل - هذه والله رؤيا عاتكة!
آخر - والله إن أخذ محمد العير لا تفلح قريش أبداً
آخر - انفروا إلى مصارعكم في ثلاث. إن رؤيا عاتكة كأنها أخذ باليد
أبو جهل - هه! أيظنّ محمد أنها كعير أبن الحضرمي؟. . والله ليعلمنّ غير ذلك. . إنها قريش!
سهيل بن عمر - يا آل غالب! أتاركون أنتم محمداً والصُّباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم؟ - من أراد مالا فهذا مالي؛ ومن أراد قوتاً فهذا قوتي. . .
(يتفرق الناس. يستعدون للخروج)
(المنظر الرابع)
(في الحرم، وقت الظهيرة)
أمية بن خلف وسعد بن معاذ سيد الأوس وهو ضيفه وخليله
أمية - تعال فطف بالبيت، فانه وقت الظهيرة ولا يراك أحد
(يطوف سعد بالبيت ويجلس أمية)
أبو جهل (قادماً) - من هذا الذي يطوف بالبيت؟
سعد - أنا. سعد بن معاذ!
أبو جهل - ماذا؟ أتطوف بالبيت آمناً، وقد آويتم محمداً وأصحابه، وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم؟! أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالماً
سعد - أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه: طريقك على المدينة
أمية (لسعد) - لا ترفع صوتك على أبى الحكم فانه سيد أهل الوادي
سعد (لأمية) - إليك عني، فأني سمعت محمداً يقول إنه قاتلك
أمية - إياي؟
سعد - نعم!
أمية - بمكة؟
سعد - لا أدري!
стр. 10706
أمية - والله ما كذب محمد
(يسقط أمية خائر القوى)
إذن والله لا أخرج من مكة، إذن والله لا أخرج من مكة
المنظر الخامس
(في الحرم. مساء. قريش في مجالسها، عقبة بن أبي معيط قادم على مجلس أمية معه مجمرة فيها بخور. أبو جهل على أثره)
أمية - ويلك لمن هذا؟
عقبة - لك يا أبا علي. قم استجمره فإنما أنت من النساء
أمية - قبحك الله وقبح ما جئت به
(يصل أبو جهل)
أبو جهل - يا أبا صفوان، إنك متى يراك الناس قد تخلفت، وأنت من أشراف قريش، فسر يوماً أو يومين
أمية - افعل!
(يمشي عقبة وأبو جهل إلى مجلس عتبة وشيبة أبي ربيعة وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام)
أبو جهل - أنتم سادة قريش، وأنتم قادة الناس، فمالكم لا تتجهزون؟
عتبة - لقد استقسمنا بالأزلام فخرج الناهي
عقبة - كلا. ولكنه الفزع من اللقاء
عتبة - ألمثلي يقال هذا؟ والله لولا أنك في بيت الله. . . .
أبو جهل - دعه يا أبا الوليد، فانك اليوم شيخ قريش، فإذا لم تخرج أقام الناس
عتبة - سأخرج
(المنظر السادس)
(يفصلون من مكة، وهم ألف رجل فيهم شيوخ قريش وأشرافها. وقد خرجوا على الصعب والذلول، ومعهم القينات يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين، وقد أرتج بهم الوادي)
(المنظر السابع)
стр. 10707
(ماء في البادية، عليه خباء رجل، وعليه جاريتان تختصمان، يقف عليه رجلان من المسلمين فيستقيان)
الجارية - لا أدعك حتى تقضيني الذي لي
الأخرى - دعيني، فستأتي العير غداً أو الذي بعده، فاعمل لهم، فأقضيك
الرجل لقد صدقت، فستأتي العير غدا أو بعد غد
(يسمع الرجلان فيجلسان على بعيرهما ليلحقا بالمسلمين)
(أبو سفيان يأتي بعد قليل، يتقدم العير وحده)
أبو سفيان - هل أحسست أحداً أيها الرجل؟
الرجل - ما رأيت أحداً أنكره، إلا أن راكبين قد أناخا إلى التل، ثم استقيا في شنّ لهما، وانطلقا
أبو سفيان - أرني مبرك ناقتيهما
الرجل - هو ذاك. . .
(يأتي أبو سفيان المبرك، فيأخذ من أبعارهما في يده)
أبو سفيان - هذا هو النوى، هذه والله علائف يثرب
(ويمضي مسرعاً فينجو بالعير)
(المنظر الثامن)
(في جيش المسلمين، في ذفران، وقد جاءهم الخبر بمسير قريش ليمنعوا عيرهم)
قال رسول الله ﷺ :
إن القوم قد خرجوا من مكة، على كل صعب وذلول، فما تقولون؟ ألعير أحب إليكم من النفير؟
رجل - عليك بالعير ودع العدو
آخر - هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له! إنا خرجنا للعير
(يتغير وجه رسول الله ﷺ
المقداد بن الأسود - يا رسول الله! امض لما أمرك الله، فنحن معك؛ والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن أذهب أنت
стр. 10708
وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. والله الذي بعثك بالحق نبياً لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه نقاتل عن يمينك ومن خلفك حتى تبلغه
(يشرق وجه رسول الله ﷺ
المسلمون - كلنا ذاك الرجل يا رسول الله، ولكنا ظننا أن العير قوّة للإسلام
قال رسول الله ﷺ : أشيروا عليّ
عمر - يا رسول الله! إنها قريش وعزّها، والله ما ذلت منذ عزّت، ولا آمنت منذ كفرت؛ والله لتقاتلنَّك؛ فتأهب لذلك أهبته، واعدد له عدَّته
قال رسول الله (ص): أشيروا عليّ أيها الناس
سعد - لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله
قال رسول الله: أجل
سعد - قد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، ولعلك يا رسول الله تخشى أن تكون الأنصار ترى عليك ألا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار، وأجيب عنهم، فصِل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت لنا، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع أمرك. فامض يا رسول الله لما أردت ونحن معك، والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصُبُر في الحرب، صُدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينيك، فسر بنا على بركة الله
قال ﷺ :
- سيروا وابشروا، فان الله وعدني إحدى الطائفتين، فو الله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم!
(المنظر التاسع)
ماء في البادية عليه شيخ من العرب، يقدم عليه رسول الله وأبو بكر مستخفيين فيسألانه عن قريش
- ماذا تعرف عن قريش؟
стр. 10709
الرجل - لا أخبركما حتى تخبراني من أنتما!
قال رسول الله (ص): إن أخبرتنا أخبرناك
الرجل - ذاك بذاك؟
قال الرسول: نعم
الرجل - بلغني أن محمداً وأصحابه، خرجوا يوم (كذا) فان كان صدق الذي أخبرني. فهم اليوم في مكان (كذا)
أبو بكر (لنفسه) - لقد عرف مكاننا
الرجل (متمما) - وبلغني أن قريشاً خرجوا يوم (كذا) فان صدق الذي أخبرني فهم اليوم في مكان (كذا). فمن أنتما؟
قال النبي (ص): نحن من ماء!
أبو بكر (لنفسه) - فلينظر الإنسان مم خلق، خلق من ماء دافق
الرجل (متعجبا) - من الماء؟ أمن ماء العراق؟ أمن ماء الشام؟
(المنظر العاشر)
(في بدر الماء الأدنى من المدينة)
الحباب - يا رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أهو منزل أنزلكه الله تعالى، ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال: بل هو الرأي والحرب المكيدة؟
الحباب - يا رسول الله! إن هذا المنزل ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأنى أدنى ما من القوم فتنزله، ثم نغوّر ما عداه من القلب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه، فنشرب ولا يشربون
قال النبي (ص): لقد أشرت بالرأي
(يتقدم المسلمون)
(المنظر الحادي عشر)
(في بدر على الماء الأدنى من القوم)
سعد: يا نبي الله! ألا نبي لك عريشاً من جريد تكون فيه، وتعد عنك ركائبك، ثم نلقى عدونا، فان أعزنا الله تعالى وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى،
стр. 10710
جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حباً منهم، لهم رغبة في الجهاد ونية؛ ولو ظنوا أنك تلقى حرباً ما تخلفوا عنك إنما ظنوا أنها العير،
يمنعك الله بهم ويناصحونك، ويجاهدون معك
قال رسول الله ﷺ :
- أو يقضي الله خيراً من ذلك يا سعد
(المنظر الثاني عشر)
(قريش في الجحفة في طريقهم إلى بدر)
رسول - يا معشر قريش! قد أرسلني إليكم أبو سفيان إنه قد نجا بالعير، فارجعوا فأحرزوا عيركم
أبو جهل - سوءة لك! والله لا نرجع حتى نحضر بدراً فنقيم عليه ثلاثة أيام، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، فلا يزالون يهابوننا أبداً
الرسول - هذا بغي، والبغي منقصة وشؤم
أبو جهل - صَه قطع الله لسانك
الأخنس - لقد صدق الرسول، وأنا راجع بقومي
(لقومه) - يا بني زهرة! قد نجى الله أموالكم وخلٌص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي حميتها، وارجعوا فانه لا حاجة بكم إلى أن تخرجوا في غير منفعة
(ضجة وهياج ولغط. . . ينفرد الأخنس بأبي جهل)
الأخنس - أترى محمدا يكذب؟
أبو جهل - ما كذب قط؛ كنا نسميه (الأمين)، ولكن إذا كانت في بني عبد المطلب السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة، فأي شيء يكون لنا؟
الأخنس - أنت والله تحسده
(يرجع الأخنس وبنو زهرة)
عمير بن وهب (قادماً) - يا معشر قريش! لقد ذهبت في الوادي، أحزر أصحاب محمد،
стр. 10711
أنظر هل للقوم كمين أو مدد فأبعدت فلم أر شيئاً، وأنهم لثلاثمائة رجل؛ يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكني رأيت البلايا تحمل المنايا: نواضح يثرب تحمل الموت النافع، ألا ترونهم خرساً لا يتكلمون؛ يتلمظون تلمظ الأفاعي، لا يريدون أن ينقلبوا إلى أهليهم؛ زرق العيون كأنهم الحصى تحت الجحف، ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم؛ والله ما نرى أن نقتل منهم رجلاً حتى يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعداها فما خير العيش بعد ذلك! فروا رأيكم
حكيم بن حزام (لعتبة) - يا أبا الوليد! إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟
عتبة - وما ذاك يا حكيم؟
حكيم - ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي
عتبة - هذا والله الرأي، فأدع لي الناس
(يدعوا الناس)
عتبة (خطيباً) - يا معشر قريش! أنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً؛ والله لئن أصبتموه لا يزال رجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل أبن عمه وأبن خاله، ورجلا من عشيرته. ارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فان أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك كفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. أي يا قوم! إعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة، وانتم تعلمون أني لست بأجبنكم. . . . . .
يا قوم أطيعوني فأنكم لا تطلبون غير دم أبن الحضرمي وما أخذ من العير وقد تحملت ذلك. يا معشر قريش! أنشدكم الله في هذه الوجوه التي تضيء ضياء المصابيح أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات
(يسكت عتبة ويلغط القوم لغطاً شديداً)
رجل - نعما يقول أبو الوليد!
آخر - هو والله الرأي
آخر - عتبة سيد الناس فأطيعوه
عتبة (لحكيم) - انطلق إلى أبن الحنظلية
стр. 10712
(يذهب حكيم)
حكيم (لأبي جهل) - إن عتبة أرسلني إليك لنرجع بالناس، وهو يحمل دم حليفة أبن الحضرمي
أبو جهل - أهو يقول هذا؟ والله لو قاله غيره لأعضضته إنتفخ والله سحره! كلا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد
(يرسل أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي)
أبو جهل (لعامر) - هذا حليفك، عتبة بن ربيعة يريد أن يرجع بالناس، ويخذلهم عن القتال. وقد تحمل دية أخيك من ماله يزعم أنك قابلها، ألا تستحي أن تقبل الدية من مال عتبة، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فاذكر مقتل أخيك
(عامر يتكشف ويجثو عليه التراب)
عامر (صائحاً) - واعمراه. . . واعمراه!
(يهيج الناس ويتحمسون)
حكيم (لعتبة) - لقد أثارها
عتبة - دعه فسيكون شؤماً وبلاء على قومه.
(المنظر الثالث عشر)
(اشتعلت الحرب وقتل المسلمون عتبة وشيبة والوليد ورجع سراقة وكان قد أجارهم من كنانة)
أبو جهل - يا معشر الناس! لا يهمنكم خذلان سراقة فانه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة وشبيبة والوليد، فانهم قد عجلوا، واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه بالحبال. . . .
يا معشر قريش! لا تقتلوهم. خذوهم أخذ اليد
(يخرج رسول الله من العريش فيحض الناس على القتال)
- أما والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبرا، إلا أدخله الله الجنة
(عمير بن الحمام يأكل ثمرات بيده)
стр. 10713
عمير - بخ بخ. . . ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ فان حييت حتى آكل ثمراتي
(يلقي الثمرات ويقدم)
عمير (هاجماً)
ركضاً إلى الله بغير زاد
إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضه النفاد
غير التقى والبر والرشاد
(تزداد الحرب اظطراما)
(المنظر الرابع عشر)
(قريش تنهزم، أبن مسعود يفتش بين القتلى عن رجل)
عبد الله - هل أخزاك الله يا عدو الله؟
(يضع رجله على عنق أبي جهل وهو على آخر رمق)
(المنظر الخامس عشر)
أبو جهل - وبم أخزاني؟ أعار على رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن كانت الدبرة لنا أو علينا؟
عبد الله - بل لله ولرسوله!
(في الحرم وقد جلس أبو سفيان وأبو لهب في ناس من قريش ينتظرون الأخبار. . .)
أبو لهب. . . هذا أبن عبد عمرو! وما وراءك يا أبن عبد عمرو؟
أبن عبد عمر - فنيت قريش! قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأمية بن خلف. . . . . . لقد ظهر الإسلام! فسيظل غالباً إلى يوم القيامة. . .!. . وذلت الأصنام فلا تعز إلى يوم القيامة. . . . .!
علي الطنطاوي
стр. 10714
البريد الأدبي
آنساتنا والثقافة الأجنبية
ثار أخيراً في مجتمعنا الأدبي حوار طريف، بين الكاتب الفكه الأستاذ فكري أباظه وبين بعض آنساتنا المثقفات؛ فالأستاذ ينعى على أولئك الآنسات المثقفات أنهن برغم ثقافتهن الواسعة الفرنسية والأدب الفرنسي، لم يتزودن بأي قسط من العربية والأدب العربي، وأنهن يكدن يعجزن عن أن يعربن عن آرائهن بالعربية، وأنهن يبالغن في الانصراف إلى الفرنسية وإلى الكتابة بها. وقد حاولت إحدى الآنسات اللائي يوجه اليهن هذا اللوم، وهي من أعضاء الاتحاد النسائي المصري أن تدافع عن موقفهن، فضربت مثلاً بإحدى زميلاتها وقالت إنها تعلمت في باريس، ولم تعرف مصر إلا فتاة ناضجة فلا جناح عليها إذن، والتبعة في ذلك - إن كان ثمة تبعة - تقع على أسرتها، ثم قالت: إن أولئك الآنسات يكتبن بالفرنسية لكي يسمعن صوت المرأة المصرية إلى الخارج، وأن العربية لا تقرأ في باريس ولا لندن ولا برلين
ونحن نؤيد الأستاذ فكري أباظه في ملاحظته كل التأييد فأولئك الآنسات اللائي يعتصمن بالثقافة الأجنبية يذهبن في هذا الاعتصام إلى حد الإغراق، وإلى حد الانفصال عن البيئة المصرية والمجتمع المصري؛ وفي رأينا أن مثل هذه الثقافة الأجنبية تفقد كثيراً من قيمتها لأنها لم تقرن بقسط من الثقافة العربية السليمة؛ ولسنا ندري ما المانع في أن تمثل الثقافتان معاً، وذلك أن من المحزن أن نرى أولئك الآنسات يكدن يعجزن عن الإفصاح عن أفكارهن بالعربية العادية فضلا عن الكتابة بها، وليس صحيحاً أن قضية المرأة المصرية تخدم فقط عن طريق الكتابة بالفرنسية، لأن الفرنسية تقرأ في برلين ولندن، فالمرأة المصرية بحاجة إلى التحدث إلى أبناء جنسها أولا وقبل كل شيء، وقضية المرأة المصرية (إن كان ثمة لها قضية) يجب أن تبث في مصر أولا وباللغة العربية قبل كل شيء؛ ولسنا نعرف في الواقع مثلا لهذا النوع الغريب من الثقافة في أي بلد متمدين؛ ففي الغرب لا يمكن أن يحول أي عذر دون تذوق الثقافة القومية، وإذا نهل الراغبون من أية ثقافة أجنبية، فهي دائما إضافة فقط إلى جانب الثقافة القومية؛ ولم نسمع بأن مستشرقا ممن يفنون أعمارهم في دراسة اللغات والآداب الشرقية قد أعجزه تعلم العربية أو الفارسية عن الكتابة بلغته الأصلية؛
стр. 10715
كذلك يجب ألا يغيب عن ذهن أولئك الآنسات أن هذا الاعتصام المحزن بثقافة أجنبية يجعلهن في شبه عزلة من المجتمع المصري الصحيح، ويحرم القضية التي يدافعن عنها من كثير من العطف القومي وهو ألزم لها من أي عطف أجنبي، وأن تلك الصلة الروحية التي أنشأتها الطبيعية بين المرء ولغته الأصلية وماضي أمته وتراثها العقلي وهو خير دعامة في صرح الوطنية الصحيحة والعزة القومية الأثيلة
تاريخ الأديب
كتب الكاتب الفرنسي الكبير بيير بنوا عضو الأكاديمية الفرنسية كلمة يصور فيها تاريخ (الأديب). وفي رأيه أن الأديب لم ينشأ محترفاً بطبيعته، ولكنه قطع زهاء عشرين قرنا قبل أن ينتهي إلى هذه النتيجة؛ فمنذ العصور القديمة، أعني منذ فرجيل وهوراس، وفي خلال العصور الوسطى والعصر الحديث نجد الأديب (هاويا) ينساق إلى ميدان الأدب بفطرته وذوقه، وتحقيقاً لهواه وشغفه؛ وقلنا نجد أدبياً أو مفكراً يعمل ليعيش من قلمه؛ بل كان كل هنالك من كتاب وشعراء ومؤرخين يعيشون في كنف الأمراء والكبراء ويلوذون جميعاً برعاية ملك أو عظيم من العظماء، يتخذون مكانهم في بطانته، ويعلمون له كمستشارين أو مدبرين، وإلا عاشوا على مديحه وملقه، أو يتخذهم معلمين لأولاده، أو بوقاً لوحيه؛ وقلما نجد كتاباً كتب في هذه العصور إلا وقد صدر بإهداء وتحية رقيقة لملك أو عظيم، وليس معنى ذلك أن الأديب لم يكن يكسب من قلمه، فقد كان ثمة أدباء يكسبون من ثمرات قرائحهم وأقلامهم، ولكنه كسب ضئيل جدا، لم يكن ليصلح لهم قوتاً أو حياة، ولنذكر على سبيل التمثيل أن راسين قد باع مخطوطة (أندروماك) بما يساوي ألفا ومائتي فرنك. ويستخلص مسيو بيير بنوا من ذلك أن الأديب المحترف لم يخلق مختارا في المجتمع، ولكنه بدأ (هاوياً)، لا تمنعه عبقريته من يكون من ذوي الهوى والشغف، وهذا الهوى ما زال يؤثر أكبر تأثير في تكوينه وفي مصايره
نقول، وهذه الصورة التي يقدمها بيير بنوا عن تاريخ الأديب في بلاد الغرب، ليست بعيدة عن الصورة التي يمكن أن نقدمها عن تاريخ الأديب المشرق؛ فقد نشأ الأديب فيه أيضاً هاوياً يعيش في كنف الأمراء والعظماء، ولم يتقدم في سبيل الكسب إلا بعد عصور؛ بيد أن الكسب الأدبي لم يكن أساسياً في عبقريته أو إنتاجه، ولم يكن قوام عيشه وحياته
следующие страницы →