← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10711–10750 · переход к 10716.

стр. 10711

أنظر هل للقوم كمين أو مدد فأبعدت فلم أر شيئاً، وأنهم لثلاثمائة رجل؛ يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ولكني رأيت البلايا تحمل المنايا: نواضح يثرب تحمل الموت النافع، ألا ترونهم خرساً لا يتكلمون؛ يتلمظون تلمظ الأفاعي، لا يريدون أن ينقلبوا إلى أهليهم؛ زرق العيون كأنهم الحصى تحت الجحف، ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم؛ والله ما نرى أن نقتل منهم رجلاً حتى يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا منكم أعداها فما خير العيش بعد ذلك! فروا رأيكم حكيم بن حزام (لعتبة) - يا أبا الوليد! إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ عتبة - وما ذاك يا حكيم؟ حكيم - ترجع بالناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي عتبة - هذا والله الرأي، فأدع لي الناس (يدعوا الناس) عتبة (خطيباً) - يا معشر قريش! أنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمداً وأصحابه شيئاً؛ والله لئن أصبتموه لا يزال رجل منكم ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل أبن عمه وأبن خاله، ورجلا من عشيرته. ارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فان أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك كفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون. أي يا قوم! إعصبوها اليوم برأسي وقولوا: جبن عتبة، وانتم تعلمون أني لست بأجبنكم. . . . . . يا قوم أطيعوني فأنكم لا تطلبون غير دم أبن الحضرمي وما أخذ من العير وقد تحملت ذلك. يا معشر قريش! أنشدكم الله في هذه الوجوه التي تضيء ضياء المصابيح أن تجعلوها أندادا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات (يسكت عتبة ويلغط القوم لغطاً شديداً) رجل - نعما يقول أبو الوليد! آخر - هو والله الرأي آخر - عتبة سيد الناس فأطيعوه عتبة (لحكيم) - انطلق إلى أبن الحنظلية

стр. 10712

(يذهب حكيم) حكيم (لأبي جهل) - إن عتبة أرسلني إليك لنرجع بالناس، وهو يحمل دم حليفة أبن الحضرمي أبو جهل - أهو يقول هذا؟ والله لو قاله غيره لأعضضته إنتفخ والله سحره! كلا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد (يرسل أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي) أبو جهل (لعامر) - هذا حليفك، عتبة بن ربيعة يريد أن يرجع بالناس، ويخذلهم عن القتال. وقد تحمل دية أخيك من ماله يزعم أنك قابلها، ألا تستحي أن تقبل الدية من مال عتبة، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فاذكر مقتل أخيك (عامر يتكشف ويجثو عليه التراب) عامر (صائحاً) - واعمراه. . . واعمراه! (يهيج الناس ويتحمسون) حكيم (لعتبة) - لقد أثارها عتبة - دعه فسيكون شؤماً وبلاء على قومه. (المنظر الثالث عشر) (اشتعلت الحرب وقتل المسلمون عتبة وشيبة والوليد ورجع سراقة وكان قد أجارهم من كنانة) أبو جهل - يا معشر الناس! لا يهمنكم خذلان سراقة فانه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة وشبيبة والوليد، فانهم قد عجلوا، واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه بالحبال. . . . يا معشر قريش! لا تقتلوهم. خذوهم أخذ اليد (يخرج رسول الله من العريش فيحض الناس على القتال) - أما والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبرا، إلا أدخله الله الجنة (عمير بن الحمام يأكل ثمرات بيده)

стр. 10713

عمير - بخ بخ. . . ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ فان حييت حتى آكل ثمراتي (يلقي الثمرات ويقدم) عمير (هاجماً) ركضاً إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضه النفاد غير التقى والبر والرشاد (تزداد الحرب اظطراما) (المنظر الرابع عشر) (قريش تنهزم، أبن مسعود يفتش بين القتلى عن رجل) عبد الله - هل أخزاك الله يا عدو الله؟ (يضع رجله على عنق أبي جهل وهو على آخر رمق) (المنظر الخامس عشر) أبو جهل - وبم أخزاني؟ أعار على رجل قتلتموه؟ أخبرني لمن كانت الدبرة لنا أو علينا؟ عبد الله - بل لله ولرسوله! (في الحرم وقد جلس أبو سفيان وأبو لهب في ناس من قريش ينتظرون الأخبار. . .) أبو لهب. . . هذا أبن عبد عمرو! وما وراءك يا أبن عبد عمرو؟ أبن عبد عمر - فنيت قريش! قتل أبو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وأمية بن خلف. . . . . . لقد ظهر الإسلام! فسيظل غالباً إلى يوم القيامة. . .!. . وذلت الأصنام فلا تعز إلى يوم القيامة. . . . .! علي الطنطاوي

стр. 10714

البريد الأدبي آنساتنا والثقافة الأجنبية ثار أخيراً في مجتمعنا الأدبي حوار طريف، بين الكاتب الفكه الأستاذ فكري أباظه وبين بعض آنساتنا المثقفات؛ فالأستاذ ينعى على أولئك الآنسات المثقفات أنهن برغم ثقافتهن الواسعة الفرنسية والأدب الفرنسي، لم يتزودن بأي قسط من العربية والأدب العربي، وأنهن يكدن يعجزن عن أن يعربن عن آرائهن بالعربية، وأنهن يبالغن في الانصراف إلى الفرنسية وإلى الكتابة بها. وقد حاولت إحدى الآنسات اللائي يوجه اليهن هذا اللوم، وهي من أعضاء الاتحاد النسائي المصري أن تدافع عن موقفهن، فضربت مثلاً بإحدى زميلاتها وقالت إنها تعلمت في باريس، ولم تعرف مصر إلا فتاة ناضجة فلا جناح عليها إذن، والتبعة في ذلك - إن كان ثمة تبعة - تقع على أسرتها، ثم قالت: إن أولئك الآنسات يكتبن بالفرنسية لكي يسمعن صوت المرأة المصرية إلى الخارج، وأن العربية لا تقرأ في باريس ولا لندن ولا برلين ونحن نؤيد الأستاذ فكري أباظه في ملاحظته كل التأييد فأولئك الآنسات اللائي يعتصمن بالثقافة الأجنبية يذهبن في هذا الاعتصام إلى حد الإغراق، وإلى حد الانفصال عن البيئة المصرية والمجتمع المصري؛ وفي رأينا أن مثل هذه الثقافة الأجنبية تفقد كثيراً من قيمتها لأنها لم تقرن بقسط من الثقافة العربية السليمة؛ ولسنا ندري ما المانع في أن تمثل الثقافتان معاً، وذلك أن من المحزن أن نرى أولئك الآنسات يكدن يعجزن عن الإفصاح عن أفكارهن بالعربية العادية فضلا عن الكتابة بها، وليس صحيحاً أن قضية المرأة المصرية تخدم فقط عن طريق الكتابة بالفرنسية، لأن الفرنسية تقرأ في برلين ولندن، فالمرأة المصرية بحاجة إلى التحدث إلى أبناء جنسها أولا وقبل كل شيء، وقضية المرأة المصرية (إن كان ثمة لها قضية) يجب أن تبث في مصر أولا وباللغة العربية قبل كل شيء؛ ولسنا نعرف في الواقع مثلا لهذا النوع الغريب من الثقافة في أي بلد متمدين؛ ففي الغرب لا يمكن أن يحول أي عذر دون تذوق الثقافة القومية، وإذا نهل الراغبون من أية ثقافة أجنبية، فهي دائما إضافة فقط إلى جانب الثقافة القومية؛ ولم نسمع بأن مستشرقا ممن يفنون أعمارهم في دراسة اللغات والآداب الشرقية قد أعجزه تعلم العربية أو الفارسية عن الكتابة بلغته الأصلية؛

стр. 10715

كذلك يجب ألا يغيب عن ذهن أولئك الآنسات أن هذا الاعتصام المحزن بثقافة أجنبية يجعلهن في شبه عزلة من المجتمع المصري الصحيح، ويحرم القضية التي يدافعن عنها من كثير من العطف القومي وهو ألزم لها من أي عطف أجنبي، وأن تلك الصلة الروحية التي أنشأتها الطبيعية بين المرء ولغته الأصلية وماضي أمته وتراثها العقلي وهو خير دعامة في صرح الوطنية الصحيحة والعزة القومية الأثيلة تاريخ الأديب كتب الكاتب الفرنسي الكبير بيير بنوا عضو الأكاديمية الفرنسية كلمة يصور فيها تاريخ (الأديب). وفي رأيه أن الأديب لم ينشأ محترفاً بطبيعته، ولكنه قطع زهاء عشرين قرنا قبل أن ينتهي إلى هذه النتيجة؛ فمنذ العصور القديمة، أعني منذ فرجيل وهوراس، وفي خلال العصور الوسطى والعصر الحديث نجد الأديب (هاويا) ينساق إلى ميدان الأدب بفطرته وذوقه، وتحقيقاً لهواه وشغفه؛ وقلنا نجد أدبياً أو مفكراً يعمل ليعيش من قلمه؛ بل كان كل هنالك من كتاب وشعراء ومؤرخين يعيشون في كنف الأمراء والكبراء ويلوذون جميعاً برعاية ملك أو عظيم من العظماء، يتخذون مكانهم في بطانته، ويعلمون له كمستشارين أو مدبرين، وإلا عاشوا على مديحه وملقه، أو يتخذهم معلمين لأولاده، أو بوقاً لوحيه؛ وقلما نجد كتاباً كتب في هذه العصور إلا وقد صدر بإهداء وتحية رقيقة لملك أو عظيم، وليس معنى ذلك أن الأديب لم يكن يكسب من قلمه، فقد كان ثمة أدباء يكسبون من ثمرات قرائحهم وأقلامهم، ولكنه كسب ضئيل جدا، لم يكن ليصلح لهم قوتاً أو حياة، ولنذكر على سبيل التمثيل أن راسين قد باع مخطوطة (أندروماك) بما يساوي ألفا ومائتي فرنك. ويستخلص مسيو بيير بنوا من ذلك أن الأديب المحترف لم يخلق مختارا في المجتمع، ولكنه بدأ (هاوياً)، لا تمنعه عبقريته من يكون من ذوي الهوى والشغف، وهذا الهوى ما زال يؤثر أكبر تأثير في تكوينه وفي مصايره نقول، وهذه الصورة التي يقدمها بيير بنوا عن تاريخ الأديب في بلاد الغرب، ليست بعيدة عن الصورة التي يمكن أن نقدمها عن تاريخ الأديب المشرق؛ فقد نشأ الأديب فيه أيضاً هاوياً يعيش في كنف الأمراء والعظماء، ولم يتقدم في سبيل الكسب إلا بعد عصور؛ بيد أن الكسب الأدبي لم يكن أساسياً في عبقريته أو إنتاجه، ولم يكن قوام عيشه وحياته

стр. 10716

ترجمة لجالسوير ذي منذ نحو عام ونصف توفي جون جالسوير ذي عميد الكتاب القصصين الإنكليز ورئيس نادي القلم الإنكليزي؛ ومن ذلك الحين يعنى جماعة من أصدقائه بوضع كتاب جامع عن حياته، وقد صدر هذا الكتاب أخيراً بعنوان (حياة جون جالسوير ذي ورسائله) بقلم الكاتب والنقادة المعروف مستر هـ. ماروت، وهو مجلد ضخم في نحو تسعمائة صفحة، ولكنه ليس بالكثير على رجل كان طليعة القادة والزعماء في الأدب الإنكليزي المعاصر. وفي حياة جالسوير ذي ما يستوقف النظر، فهو لم ينشأ كاتباً ولا قصصياً، ولم ينزل ميدان الكتابة إلا بعد أن طوى مرحلة الشباب؛ وقد هام في صباه بالرياضة والرحلات، وكان أول عهده بهوى الكتابة رحلةٍ قام بها في البحار الجنوبية؛ وشاءت الأقدار أن يلتقي على ظهر السفينة التي أقلته ببحار فتى بولوني يدعى يوسف كونراد، وقد كان هذا البحار الفتى أديباً، وشاءت الأقدار غير بعيد أن يغدوا كاتباً شهيراً، وأن يكتب بالإنجليزية قصصاً رائعة؛ وكانت صحبة تاريخية بين الكاتبين العظيمين، وكان لقاء له أكبر الأثر في تطور حياة جالسوير ذي وثمة ظرف آخر كان له في حياة جالسوير ذي وفي تكوينه الأدبي أكبر تأثير، وذلك هو حبه لزوجه، وهو حب كان يشوبه الحزن والألم لما كانت تلقاه هذه الزوجة العزيزة من صنوف الأوصاب المبرحة، وقد أذكى هذا الظرف المؤلم عاطفة الحب عند جالسوير ذي، وأذكى مشاعره الإنسانية، فغدا نصير المكلومين والبؤساء، وأضحى القلم في يده أداة للتعبير عن هذا الحب الإنساني؛ وهكذا أضحى جالسوير ذي مصلحاً وزعيما إنسانياً. ويقال إنه كان ينفق نحو نصف دخله لغوث المنكوبين والبؤساء هذه الظروف والمواقف المؤثرة في حياة جالسوير ذي يعرضها مستر ماروت في عرضاً قوياً بديعاً، ويورد خلال حديثه للكاتب عشرات الرسائل التي لم تنشر من قبل جائزة فمينا لسنة ١٩٣٥ منحت جائزة (فمينا) الأدبية الشهيرة عن هذا العام لسيدة شاعرة، هي الكاتبة والشاعرة الفرنسية كلود سيلف أو الكونته دلافوريه ديفون، وقد نالت السيدة هذه الجائزة بكتابها

стр. 10717

المسمى (البركة) وهو قصة شعرية لقصر قديم ترويها سيدة قارئة في زاوية سحيقة من زوايا القصر، وتذكر خلالها طائفة مدهشة من العجائب والخوارق، وقد وصف الكتاب بأنه قطعة من الأدب الساحر، وأنه صورة قوية للأدب النسوي، يفيض رقة ورشاقة، وهو مكتوب بالشعر الريفي القوي المؤثر، وقد صرحت مؤلفته مدام سيلف أنها ما كانت تنتظر قط أن يظفركتابها بمثل تلك الجائزة الخطيرة، لأنها تعتقد أن جمهور القراء قد انصرف منذ بعيد عن قراءة الشعر، أما الآن فهي تعتقد أن الجمهور ما زال يحتفظ بذوقه الشعري، وأنه في وسع المرء أن يكتب الشعر وأن يقدمه إليه في أدب الشباب جرت مجلة (آلاباج) الفرنسية على أن تخصص في ديسمبر من كل عام جائزة أدبية قدرها ألف فرنك (نحو خمسة عشر جنيهاً) تمنح عن أحسن قصة صغيرة يكتبها شاب دون الحادية والعشرين. وقد منحت هذه الجائزة هذا العام لطالب طب يدعى (آلان ليجيه) عن قصة كتبها وقدمها بعنوان (الخلاصة)، وتشرف على تخصيص هذه الجائزة لجنة أدبية مكونة من عدة من أعلام الكتاب مثل جورج دوهامل، وفرنسوا مورياك، وبونار. وقد صرح مسيو دوهامل للصحفين أن القصة التي منحت الجائزة هذا العام هي أحسن قصة للشباب قرأوها منذ أربعة أعوام. والظاهر أن سيكون لهذا الطالب القصصي مستقبل زاهر في عالم الأدب

стр. 10718

الكتب الجزء الثاني من شرح الإيضاح تأليف الأستاذ عبد المتعال الصعيدي أتمت المكتبة المحمودية التجارية طبع الجزء الثاني من شرح الإيضاح في علوم البلاغة للأستاذ عبد المتعال الصعيدي المدرس بكلية اللغة العربية، وقد نهج فيه نهجه الأول من العناية باللباب في هذه العلوم دون القشور التي يعنى بها فيها، وشرح شواهده، ونسبتها إلى قائليها، وبيان ما دخل هذه العلوم من الأخطاء التي وقعت فيها، ومن ذلك مسألة الوصل والفصل فقد جرى عبد القاهر على أنهما إنما يكونان في الجمل دون المفردات، وفي الواو دون غيرها من حروف العطف، وجرى المتأخرون على أنهما يكونان في الجمل وفي المفردات، وفي الواو وغيرها من الحروف العاطفة، فرد الأستاذ الشارح الحق في ذلك إلى نصابه، وذكر أن العطف في المفردات يجري وراء اشتراكها في الحكم ولو لم يكن هناك بينها مناسبة من المناسبات المعتبرة في مسألة الوصل والفصل، كما جمع بعض الشعراء بين الضب والنون في وصف واد جمع بينهما فقال زُرْ وادي القصر نعم القصر والوادي … في منزل حاضر إن شئت أو بادي ترقيَ به السُّفْنُ والظُّلمانُ حاضرةٌ … والضَّبُّ والنُّونُ والملاح والحادي ولو جرت المفردات في ذلك مجرى الجمل لما صح لهذا الشاعر عطف النون على الضب، لأنهم يقولون في الجمل إن الجمع بين غير المتناسبين فيها كالجمع بين الضب والنون؛ وقد تحس مراعاة تلك المناسبات بين المفردات في الخيال الشعري، لأن الأمر فيه يجري على الخيال لا على الحقيقة. وقد اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة فأنشد الكميت: أم هل ظعائن بالعلياء رافعة … وإن تكاملَ فيها الدل والشنب فعقد نصيب واحدة؛ فقال له الكميت ماذا تحصى؟ فقال خطأك، فأنك تباعدت في القول! أين الدل من الشنب؟ ألا قلت كما قال ذو الرمة لَمياءُ في شفتيها حوّةٌ لَعَسٌ … وفي اللثات وفي أنيابها بَرَدُ فالدل يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه وكذلك عيب على أبي نواس قوله:

стр. 10719

وقد حلفت يميناً … مَبرورَةً لا تكذبْ برب زمزم والحو … ض والصفا والمحصب فإن ذكر الحوض مع زمزم والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما وإنما يحسن من ذلك مثل قوله تعالى (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها) لما بين ذلك من تقابل التضاد، وكذلك قول البحتري في رثاء المتوكل: ولم أنْسَ وحش القصر إذ رِيعَ سِرْبُهُ … وإذ ذُعِرتُ أطلاؤُه وجآذِرُهْ تحمل عنه ساكنوه فجاءة … فعادت سواء دوره ومقابره ولكن ذلك كله يرجع إلى محسنات بديعية، ولا يرجع إلى ما يجب في اعتبار الوصل والفصل بين الجمل وقد جرى الأستاذ الشارح على هذا المنوال في تحقيق أمثال هذه المسألة، فجزاء الله خيرا، ومنح شرحه ذيوعاً. (ص)

стр. 10720

العدد ١٣١ - بتاريخ: ٠٦ - ٠١ - ١٩٣٦

стр. 10721

الرسالة في عامها الرابع تُحَيِّ الرسالة عامها الرابع بوجه مشرق بالرضى، وثغر مُفْترٍ عن الأمل، ولسان رطيب بالحمد؛ وتسأل الله سبحانه أن يزيدها نَفَسا في الأجل، وثباتا في العمل، وإخلاصا في النية؛ ثم تقف على رأس هذه المرحلة الجديدة وقفة المستجم الذاكر، تستمد القوة من الإيمان، وتستروح النشاط من الصبر، وتستخرج الصواب من الخطأ، ثم تبادل أصدقاءها الخلص ولاء بولاء ووفاء بوفاء وتحية بتحية. تعالوا يا رفاق الروح وإخوان الفكرة نتناقل شجون الحديث في هذه البرهة التي ينسدل فيها ستار ويرتفع ستار، وينتهي من رواية الحياة فصل ويبتدئ فصل. ماذا سجل العام المنصرم في صفحته المطوية عن حياتنا العقلية؟ هل استقر لنا أدب خاص؟ هل صدر عنا إنتاج مستقل؟ هل ظهر فينا زعيم موهوب؟ هل غلبت علينا ثقافة واحدة؟ هل تسايرت أفكارنا إلى غاية معينة؟ هل أتصل أدبنا بالأدب العالمي المشترك؟ هل اتسع نطاق الأدب العربي فشمل نواحي الفن؟ تلك أسئلة يتشقق في أجوبتها الرأي، ثم لا يجتمع لك منها ما يوضح مبهماً ويحدد فكرة. وحسبك من ضعف الشيء أن تتعارض الأقوال في وجوده. مما لا ريب فيه أن هناك أدباً متميز بفنه عن كل عصر، وإنتاجاً أستقل بأصالته عن كل نقل، وأسلوب أنفرد بخصائصه عن كل مذهب، واتجاها تنزه بمراميه عن كل عبث؛ ولكن هنالك أيضاً تنوعاً في مصادر الثقافة يباعد وجوه الرأي، وضلالا في فهم الأدب يزيف حقائق الفن، وإمعاناً في استيحاء الغرب يفسد روح القومية. فأحمد أمين، والرافعي، وطه حسين، والعقاد، والمازني، وهيكل لا تكاد تجد لهم في الأدب الموروث أشباها في سلامة المنطق وعمق التفكير وصدق الأداء وأصالة الإنتاج. وهم على اختلاف ثقافتهم متفقون على بناء الجديد على أساس القديم، وإذكاء الفكر الشرقي بالفكر الغربي، وتلقيح الروحية العربية بالمادية الأوربية، وإيثار الأسلوب البليغ المشرق في حدود الفن البارع السليم؛ وقد ظهر اتحاد وجهتهم جليا فيما نشروه هذا العام من مقالات ومحاضرات وكتب، وسينتهون متى استقرت أمور البلد، واستقلت إدارة الشعب، وهدأت ثائرة النفوس، إلى أدب واضح المعالم، مرسوم الحدود، تحرك جسمه روح، وتجمع أجزاءه وحدة، ويواجه أهواءه غرض. وعلى هذه الخطة المثلى سارت الرسالة ثلاث سنين كاملة، قطعت فيها ولله الحمد مراحل مطموسة وعرة، ولولا عناية الله لأبدعت المطىٌّ وحار الدليل.

стр. 10722

لقد كان على الرسالة أن تجاهد خصوماً ثلاثة جمعهم عليها دفاع الطفيلي عن وجوده: زهادة الشباب في القراءة وبخاصة ما كان جدّ يامنها؛ وتلك العلة التي جرها عليهم سوء التعليم وفساد الغيش هي سبب ما نشكوه من بطئ الثقافة وضعف الصحافة وقلة الإنتاج. وطغيان الأدب اللاهي على الأذواق الناشئة، فأصاب الأذهان بالكسل العقلي حتى برمت بالدرس وضاقت بالتفكير وعزفت عن الجد. ثم نفور طائفة من الأدباء لأسباب مرضية من هذه اللغة التي تقرأ، ومن هذا الأدب الذي تذوق؛ فهم يجلبون الأدب الأوربي بمعانيه ومراميه ووحيه، ثم يلبسونه طربوشاً أو عمامة ويقولون له تكلم، فيتكلم على الرضى أو على الكره، ولكنك لا تسمع بالطبع إلا عربية كعربية الرومي في البار، أو الإيطالي في المتجر! قالت الرسالة لهؤلاء: مادمتم تكتبون بالعربية فلا بد من فنها وأدبها؛ وما دمتم تعيشون في الشرق فلا بد من إلهامه وطابعه. أما أن تحاولوا طمس حدود الأرض، ونسخ قوانين الطبيعة، وقطع سلسلة الزمن، فذلك مجهود لا يضعه الناس إلا في قرارة الحمق. فقالوا إننا ننشر ثقافة العصور المظلمة، ونجدد أساليب البيان القديم! يريدون بالعصور المظلمة عصر الرشيد وأبنه المأمون في آسيا، وعصر الناصر وأبنه الحكم في أوربا، وعصر العزيز بالله وأبنه الحاكم في أفريقيا! وهي العصور الثلاثة التي جلت عن الأرض دياجير القرون فكشفت الأفق للإنسان، وهيأت العقل للعلم، وراضت البربر على الحضارة! وهم في ذلك أيضاً يقلدون الكتاب الأوربيين في نعتهم عصور الجرمان بالظلام، كأنما ظنوا قبائل البربر من جزيرة العرب!! ثم يريدون بأساليب البيان القديم تلك الأساليب التي تجري على قواعد الفن فلا يشوهها لحن ولا تتعاورها ركاكة. قطعوا أنفسهم عن الموارد الروحية لهذه اللغة فصاغوها من حروف الهجاء، لا من الأعصاب والدماء، ثم آذوا فطرة الإنسان فجعلوا قوة الأسلوب عيباً، وجمال الصياغة نقيصة. ليس في أسلوب الرسالة ما يشبه القديم إلا في الصحة. إنما هو اختيار اللفظ الجميل القوي للمعنى الجديد القوي ليس غير. أما اطراد النسق، وحلاوة الجرْس، ونبض الحياة في الكلمة، وإشراق الدلالة في اللفظ، وامتزاج الكاتب بالجملة، وبراءة الأسلوب من اللغو، فذلك هو الفن الذي يعيش ما عاش الناس، ويُعجب ما سلمت الفطرة.

стр. 10723

فالرسالة بين هؤلاء الخصوم الثلاثة إنما تنحت في الصخر طريقها الطويل! تسير ببطيء ولكنها لا تقف، وتعالج برفق ولكنها لا تهن، وتصطدم بالأحداث ولكنها لا تحيد. على ذلك تجدد لأصدقائها وقرائها العهد والعزم معتمدة على فضل الله، مطمئنة إلى عطف الأمة، متكئة على عون الشباب، ممتدة بإيمان القلب، معولة على إتقان العمل؛ وفي بعض ذلك الضمان الأوفى والسند الأقوى والمرفأ الأمين. أحمد حسَن الزيات

стр. 10724

اجتلاء العيد للأستاذ مصطفى صادق الرافعي جاء يومُ العيد؛ يومُ الخروج من الزمن إلى زمنٍ وحدَهُ لا يستمرُّ أكثر من يوم. زمن قصير ظريفٌ ضاحك، تفرضُهُ الأديان على الناس، ليكون لهم بين الحينِ والحينِ يومٌ طبيعيُّ في هذه الحياة التي انتقلت عن طبيعتها. يومُ السلام، والبشرْ، والضحك، والوفاء، والإخاء، وقول الإنسان للإنسان: وأنّتم بخير. يومُ الثيابِ الجديدة على الكل إشعاراً لهم بأن الوجه الإنسانيَّ جديدٌ في هذا اليوم. يومُ الزينة التي لا يراد منها إلا إظهارُ أثرها على النفس ليكون الناس جميعاً في يوم حب. يومُ العيد؛ يوم تقديم الحلوى إلى كل فم لتحلوَ الكلمات فيه. . . . يوم تعمُّ فيه الناسَ ألفاظُ الدعاء والتهنئة مرتفعةً بقوةٍ إلهية فوق منازعات الحياة. ذلك اليومُ الذي ينظر فيه الإنسانُ إلى نفسه نظرةً تلمحُ السعادة، وإلى أهله نظرةً تبصر الإعزاز، وإلى داره نظرةً تدرك الجمال، وإلى الناس نظرةً ترى الصداقة. ومن كل هذه النظرات تستوي له النظرة الجميلة إلى الحياة والعالم؛ فتبتهج نفسُه بالعالم والحياة. وما أسماها نظرة تكشف للإنسان أن الكلَّ جمالُه في الكل! وخرجتُ اجتلي العيدَ في مظهره الحقيقيْ على هؤلاء الأطفال السعداء. على هذه الوجوه النَّضرة التي كبرتْ فيها ابتساماتُ الرضاع فصارت ضحكات. وهذه العيون الحالمة التي إذا بكت بكت بدموع لا ثقل لها؛ وهذه الأفواه الصغيرة التي تنطق بأصوات لا تزال فيها نبرات الحنان من تقليد لغة الأم؛ وهذه الأجسام الغضة القريبة العهد بالضمات والَّلثمات فلا يزال حولها جوٌّ القلب. على هؤلاء الأطفال السعداء الذين لا يعرفون قياساً للزمن إلا بالسرور. وكلٌّ منهم ملكٌ في مملكة؛ وظرفهم هو أمرهم الملوكي. هؤلاء المجتمعين في ثيابهم الجديدة المصبَّغة اجتماعَ قوسِ قُزَح في ألوانه. ثيابٌ عملت فيها المصانع والقلوب، فلا يتم جمالها إلا بأن يراها الأبُ والأمُّ على أطفالهما. ثيابٌ جديدة يلبسونها فيكونون هم أنفسهم ثوباً جديداً على الدنيا.

стр. 10725

هؤلاء السَّحرةُ الصغار الذين يخرجون لأنفسهم معنى الكنز الثمين من قرشين. . . ويسحرون العيد فإذا هو يومٌ صغير مثلهم جاء يدعوهم إلى اللَّعِب. وينتبهون في هذا اليوم مع الفجر، فيبقى الفجرُ على قلوبهم إلى غروب الشمس. ويُلْقُون أنفسهم على العالَم المنظور فيبنون كلَّ شيء على أحد المعنيين الثابتين في نفس الطفل: الحبْ الخالص، واللهو الخالص. ويبتعدون بطبيعتهم عن أكاذيب الحياة، فيكون هذا بعينه هو قربهم من حقيقتها السعيدة. هؤلاء الأطفال الذين هم السهولة قبل أن تتعقد. والذين يرون العالم في أول ما ينمو الخيالُ ويتجاوزُ ويمتدْ يفتَّشون الأقدارَ من ظاهرها؛ ولا يَسْتَبْطِنون كيلا يتألموا بلا طائل. ويأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها، ولا يأخذون من أنفسهم للأشياء كيلا يوجدوا لها الهمْ. قانعون، يكتفون بالثمرة؛ ولا يحاولون اقتلاع الشجرة التي تحملها. ويعرفون كُنه الحقيقة، وهي أن العِبرة بروُح النعمة لا بمقدارها. . . . فيجدون من الفرح في تغيير ثوبٍ للجسم، أكثر مما يجده القائدُ الفاتحُ في تغيير ثوبَ للمملكة. هؤلاء الحكماءُ الذين يشبه كلٌّ منهم آدمَ أولَ مجيئه إلى الدنيا. حين لم تكن بين الأرض والسماء خليقةٌ ثالثة معقدة من صنع الإنسان المتحضَّر. حكمتُهم العليا: أن الفكر الساميَ هو جعلُ السرور فكرا وإظهارُه في العمل. وشِعورهم البديعُ: أن الجمالَ والحبْ ليسا في شيء إلا في تجميل النفس وإظهارها عاشقة للفرح. هؤلاء الفلاسفةُ الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية، وهي أن الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة. وبذلك تعيش النفسُ هادئةً مستريحةً كأن ليس في الدنيا إلا أشياؤها الُميسرة. أما النفوسُ المضطربةُ بأطماعها وشهواتها فهي التي تبتلي بهموم الكثرة الخيالية. ومثَلُها في الهمْ مَثَلُ طُفيليْ مغفَّلٍ يحزن لأنه لا يأكل في بطنين.

стр. 10726

وإذا لم تكثر الأشياءُ الكثيرةُ في النفس، كثرت السعادة ولو من قلة. فالطفلُ يقلَّب عينيه في نساءٍ كثيرات، ولكن أمَّه هي أجملهن وإن كانت شو هاء. فأمه وحدها هي أمُّ قلبه، ثم لا معنى للكثرة في هذا القلب هذا هو السرُّ؛ خذوه أيها الحكماءُ عن الطفل الصغير! وتأملت الأطفال وأثر العيد على نفوسهم التي وسعت من البشاشة فوق ملئها. فإذا لسانُ حالهم يقول للكبار: أيتها البهائم اخلعي أرسانك ولو يوماً. . . . . . . . . أيها الناسُ انطلقوا في الدنيا انطلاقَ الأطفال يُوجدون حقيقتهم البريئة الضاحكة. لاكما تصنعون إذ تنطلقون انطلاقَ الوحش يُوجد حقيقتَه المفترسة. أحرارٌ حرية نشاط الكون ينبعث كالفَوضى ولكن في أدقْ النواميس. يثيرون السخط بالضجيج والحركة، فيكونون مع الناس على خلاف لأنهم على وفاق مع الطبيعة. وتحتدم بينهم المعارك ولكن لا تتحطم فيها إلا اللعب. . . . أما الكبارُ فيصنعون المدفعَ الضخَم من الحديد للجسم اللّين من العظم. أيتها البهائمُ اخلعي أرسانك ولو يوماً. . . . لا يفرح أطفال الدار كفرحهم بطفل يُولد؛ فهم يستقبلونه كأنه محتاجٌ إلى عقولهم الصغيرة. ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر الخلق لقربهم من هذا السر. وكذلك تحمل السنة ثم تلد للأطفال يوم العيد؛ فيستقبلونه كأنه محتاج إلى لهوهم الطبيعي. ويملؤهم الشعور بالفرح الحقيقي الكامن في سر العالم، لقربهم من هذا السر. فيا أََسَفَا علينا نحن الكبار! ما أبْعَدَنا عن سرْ الخَلْق بآثام العمر! وما أبعدنا عن سِر العالَم بهذه الشهوات الكافرة التي لا تؤمن إلا بالمادة! يا أسفَا علينا نحن الكبار! ما أبعدنا عن حقيقة الفرح! تكاد آثامنا والله تجعل لنا في كل فَرْحَة خَجْلة. . . أيتها الرياض المنوِّرةُ بأزهارها! أيتها الطيور المغرِّدة بألحانها! أيتها الأشجار المصفِّقة بأغصانها!

стр. 10727

أيتها النجومُ المتلألئة بالنور الدائم! أنتِ شَتى؛ ولكنك جميعاً في هؤلاء الأطفال يوم العيد! (طنطا) مصطفى صادق الرافعي

стр. 10728

الرمز في الأدب الصوفي للأستاذ أحمد أمين تدور العقيدة الصوفية على فكرة (وحدة الوجود)، فليس العالم والله شيئين منفصلين، وليس الله في السماء وحدها ولا في الأرض وحدها، بل هو في كل شيء، بل هو كل شيء؛ وليس هناك محب ومحبوب، وعاشق ومعشوق، بل المحب والمحبوب واحد، يختلفان في المظاهر والأحوال ويتحدان في الحقيقة؛ وكل شيء في العالم له مظهر فانٍ متغير متقلب، وله مخبر دائم باق لا يتغير؛ ونفس الإنسان كذلك: نفس ناقصة فانية ظاهرة، ونفس كاملة باقية باطنة؛ والنفس الأولى تشق الطريق لتحقق نفسها الثانية فتتحد بالحقيقة وتتشربها وتفني فيها. وسمى الصوفي هذا المسلك (طريقاً) أو (طريقة)، وسمى نفسه (سالكا)، وسمى المسافات التي يقطعها فيقف عندها للاستجمام (مقامات)، وسمى الغرض الذي يقصده من سلوكه وهو اتحاد نفسه بالحقيقة، وبعبارة أخرى اتحاد ذاته بالله (الفناء في الحق). وقد رسموا (خُرَطاً) لهذا الطريق، وتعددت (خرطهم) بتعدد أنظارهم، وسموا كل مرحلة وكل مقام بأسم، فهي عند بعضهم مقام التوبة، ثم مقام الورع، ثم مقام الزهد، ثم مقام الفقر، ثم مقام الصبر، ثم مقام التوكل، ثم مقام الرضا؛ وفي كل مقام من هذه المقامات يقف السالك فيشعر بمشاعر نفسية خاصة سموها (الأحوال)، فحال الخوف، وحال الرجا، وحال الشوق، وحال الأنس، وحال الطمأنينة، وحال المشاهدة، وحال اليقين الخ؛ ولا بد للسالك أن يستوعب كل مرحلة من هذه المراحل ويؤقلم نفسه بها ليستعد للمرحلة التي تليها، حتى يصل في النهاية إلى حالة اتحاد بالعالم وبالله فيستحق بذلك أن يسمى (عارفاً). ولا بد للسالك أن يقوده (شيخ) في هذه الطريقة الوعرة حتى لا يضل المسلك. وليس المقام مقام تفصيل لتعاليمهم وعقائدهم وإنما نريد أن نقول إنهم بتعمقهم في هذا المبدأ الذي ألممنا به إلماماً بسيطاً قد أقاموا أنفسهم في عالم غير العالم المادي الذي يعيش فيه غيرهم؛ فلهم خاصة بهم ومسميات لا يعرفها إلا هم - ولكنهم فعلوا في اللغة كما فعل كل العلماء في اللغة العربية، فأخذوا الألفاظ العربية وأطلقوها على مدلولات خاصة كما فعل النحاة بالفاعل والمفعول والمبتدأ والخبر والجار والمجرور ونحو ذلك من ألفاظ كان يستعملها العرب في مدلولات عامة فأخذها النحاة ووضعوها لمصطلحات خاصة، حتى أن

стр. 10729

العربي القح لم يكن يفهمها في معاني النحاة. وهكذا الشأن في البلاغة والعروض والفلسفة - غير أن هناك فرقاً كبيراً بين المتصوفة وغيرهم، فالأوضاع النحوية والصرفية والبلاغية لها مدلولات ترجع إلى العقل في تفهمها، أما المصطلحات الصوفية فلا ترجع إلى العقل، وإنما ترجع إلى الذوق، ولهذا لا يفهمها أحد بعقله فهماً صحيحاً؛ إنما يفهمها من تذوقها ووقف في المقام الذي يقف فيه المتصوف؛ والفرق بين العاقل والمتذوق كالفرق بين شخصين أحدهما لم يذق الكمثرى قط فوصفت له وصفاً لفظياً علمياً، وشخص ذاقها وعرف الفروق الدقيقة بين مذاقها ومذاق الموز والتفاح؛ فأستعمل شعراء الصوفية ألفاظ الشعراء الخليعين من (ليلى) و (الخمر) والوصل والعناق والهجر والعذال، واتخذوها رموزا لأحوالهم ومقاماتهم؛ وكان لهم من ذلك كله أدب رمزي بديع غريب يمتاز عن غيره من الأدب بروحانيته وصفائه، كما يمتاز بغموضه وخفائه. والسبب في الغموض والخفاء أن الشاعر المادي إذا وصف خمراً أو لوعة حب أو هجراً أو وصالاً، فإنما يصف عواطف يدركها الناس وهي في منالهم، أو بعبارة أخرى هي قدر مشترك بينهم؛ فكل الناس أحب، وكل ذاق لذة الوصل وألم الهجر؛ أما الصوفي فيعبر عن مقام يقفه وحال غلبت عليه، فوصف مقامه وحاله بحيث لا يفهمه إلا من كان في موقفه وحاله، أو كان قد قطع هذه المرحلة إلى مرحلة أبعد منها مدى. ومن أجل هذا لا يفهم الصوفي إلا الصوفي، بل قد لا يفهم الصوفي الصوفي إذا سلك كل منهما مسلكاً خاصاً، أو كان الصوفي الشاعر في مقام بعيد عن مقام الأول؛ ومن أجل هذا شرح بعضهم قصائد لبعض المتصوفة، فكان الشرح غامضاً كالأصل. وصاحب القصيدة معذور كل العذر، لأنه في حال لا يجد فيها ألفاظاً تعبر عما في نفسه في وضوح وجلاء؛ وهناك سبب آخر قد يدعو إلى الغموض، وهو أنه في حال لو أوضح ما في نفسه لرماه من لم يفهمه بالكفر والإلحاد. على كل حال يمتاز الأدب الصوفي بأنه أدب رموز من ناحيتيه القابلة والفاعلة، فهو يفهم مظاهر العالم على أنها رمز؛ والعالم عنده لا يختلف عن أحلام النائم؛ فكما أن الحلم يعرض حوادثه عرضاً رمزياً فكذلك العالم كل ما فيه رمز، فكل ما يقع تحت عينه وما يسمع بأذنه، وما يتصل بجميع حواسه رموز يستنتج منها ما يغذي عواطفه ومشاعره، وبذلك أنفتح

стр. 10730

أمامه عالم غريب الأطوار مملوء بالجمال، مفعم بالتخيلات، حتى كأن كل شيء - ولو كان صغيراً - كتاب ملئ علماً، أو لسان ينطق دائماً بالحكمة، هو في العالم دائماً يقرأ ولا مقروء، ويسمع ولا مسموع، ويستخرج من الحبة قبة، ومن القطرة بحراً خضماً. يقرأ في كل حادثة نفسه وعالمه وربه، ويفسرها تفسيراً يتفق ومزاجه وحاله. وهذا الأدب الرمزي والدين الرمزي والحكمة الرمزية نزعة كانت في الإنسان منذ القدم، فالديانة المصرية القديمة مملوءة بالرموز الدينية، وكذلك ديانة الهنود والفرس الأقدمين، ترمز إلى الحقيقة في بعد وخفاء؛ والميثولوجيا اليونانية ليست إلا رموزاً لما كانوا يرون من حقائق؛ وكثير من شعائر الأديان إنما وضعها فلاسفة متصوفون رمزوا بها إلى بعض الحقائق. فأتى العامة الجهلة، وظنوا نفس الرموز حقائق؛ فما الأصنام ولا النجوم ولا نقوش المصريين في عباداتهم ولا كثير غيرها إلا رموز أتى عليها الزمن فنسى أصلها وعبدت ذواتها، وجرى كثير من الفلاسفة على هذا النحو فيحكى عن فيثاغورس اليوناني أنه كان يكثر من الكلام الرمزي ليدل به على الحقيقة، وكذلك كان من بعده أفلوطن. ولهذا الأدب الرمزي جماله، فهو يمتاز بأنه جمال مقنع تدركه ولاتلمسه، وتتخيله ولا يسمح لك أن تحدق فيه، فهو جمال تنظره وكأنك لاتنظره، وتسمعه وكأنك لاتسمعه، وتعرفه وكأنك لاتعرفه، قد خلع عليه الخفاء جلالاً فكان جميلاً جليلاً معاً - تسمعه فتلتذ له وتترنم به، فإذا أردت أن تقبض عليه قبضت على هواء؛ ليس لكلماته مدلول محدود، ولا لمعانيه حدود، وإنما هو إمعان في اللانهاية، وسبْح ولا غاية. يرى الصوفي أن لكل ظاهر باطناً، وفي كل شيء إشارة، وفوق السطح عمقاً، ووراء القناع جمالاً فاتناً؛ ويتيه عجباً على الناس إذ فهم ولم يفهموا، وغنى لهم ولم يطربوا، ويرى أن العقل حجاب يحجب النفس عن إدراك الجمال، وأن كشف هذا القناع إنما هو بالذوق والألهام، لا بالمنطق والقضايا والأحكام. وبهذا النظر نظر الصوفي إلى العالم فسمى الحقيقة ليلى وسعدي، وأعجب بالخمر وتغنى بها، ورأى في الخمر معاني ليست في غيرها. فهي رمز إلى رقي النفس وتساميها، فالنفس ترقى بالفناء في الحقيقة كما تنشأ الخمر بفناء العنب، فيكون شيء من شيء، ويختلف الشيئان والأصل واحد؛ وإذا خرجت الخمر من العنب بقيت إلى الأبد وصلحت بمرور

стр. 10731

الزمان، على حين أن العنب نفسه لا يصلح للبقاء، فكذلك النفس إذا تجردت من مادتها الفاسدة ونزعت إلى الكمال صلحت للبقاء، ولم يعتروها فناء، وكلما مرت عليها السنون والأعوام زادت نقاء، ورقت صفاء. وهكذا ولّد الصوفية من كل شيء أشياء، ورأوا في كل مادة رمزاً لمعان لا عداد لها وبني آخرهم على ما أتى به أولهم ونظروا إلى الدين نظرهم إلى كل ما في العالم، فكل آية في القرآن رمزا، وكل حديث له تأويل. فليسوا يفهمون من الآيات ما يفهم الناس، ولا من الأحداث ما يفهم الناس. إن شئت مثلاً لذلك فخذ ما فهموا من حادثة شق صدر النبي ﷺ ، فعلماء السيرة يروون أنه (ص) شُق قلبه وهو مع رابّته ومرضعته في بني سعد، وأنه جيء بطست من ذهب فيه ثلج فغسل به قلبه إلى آخر مارووا؛ والصوفية لا يفهمون هذا إلا على أنه رمز، فقلب الإنسان قد ران عليه الخوف والشهوة والطمع وغير ذلك من السيئات، فأراد الله أن يذهب عنه الرجس ويطهره تطهيراً، فأبعد عنه ما غشى قلوب الناس، وفتح قلبه ونقاه من كل سوء حتى يستعد للنبوة. فرويت هذه القصة وفهمها العامة حقيقة، وفهمها الخاصة رمزاً. وهكذا كان شأنهم فيما عرض عليهم من العالم ومن الدين ومن الأدب؛ وهكذا كان شأنهم فيما أنتجوا من دين وأدب - عاشوا في حلم لذيذ من حب وتضحية، ونعموا بما قرءوا في العالم من رموز، وأخذوا أدب الأدباء وشعر الشعراء فنقلوه إلى أحوالهم ومقاماتهم، فطربوا لشعر مجنون ليلى وأبي نواس وفسروه بليلاهم وخمرهم، فلما شعروا هم أسبغوا على شعرهم من معانيهم ورموزهم، فكان لنا من ذلك كله نوع من الأدب طريف. أرجو أن أعرض لتفصيله في مقال تال. أحمد أمين

стр. 10732

فضيحة دولية استعمارية عصبة الأمم بين المد والجزر بقلم باحث دبلوماسي كبير كانت عصبة الأمم في نظرنا دائماً أداة دولية مريبة، لا تتفق أعمالها وجهودها مع المثل والغايات السامية التي أدمجت في دستورها، ولم نستطيع يوماً مدى الخمسة عشر عاماً التي قطعتها العصبة من حياتها أن تحمل على الثقة بها أو الاطمئنان لاستقلالها أو نزاهة وسائلها وغاياتها؛ وإنما رأينا العصبة دائماً أداة مسيرة في يد الدول الغربية القوية توجهها حيثما شاءت لتحقيق مشروعاتها وغاياتها على حساب الأمم الضعيفة، ورأيناها بالأخص سوط استعمار بالنسبة لبعض الأمم الشرقية، تفرض عليها نير الانتداب وتنظمه لمصلحة الدول الكبرى التي تواجهها؛ ولم تقدم العصبة يوماً أي دليل على أنها تعمل لأنصاف دولة ضعيفة أو أمة شرقية، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بمصلحة دولية قوية أو أمة غربية، ولم تنل العصبة توفيقاً في أي ميدان من الميادين العامة أو الإنسانية التي تزعم أنها تعمل في سبيلها، فلم يحقق مشروع نزع السلاح أو تحديده، ولم يوضع نظام ثابت للسلامة العامة أو عدم الاعتداء، ولم تكفل حقوق الأقليات أو الأمم الضعيفة بصورة مستقرة عادلة. ولكنا رأينا عصبة الأمم تتخذ فجأة لمناسبة النزاع الإيطالي الحبشي صورة أخرى، فتبعث دستورها من قبره وتطبقه بروح جديدة؛ رأيناها تحل السيادة والحقوق القومية مكانتها، وتعمل لاحترام استقلال الأمم الضعيفة، فتصم إيطاليا بما تستحق من وصمات الاعتداء المنكر، وتحرك من نصوص دستورها ما تراه كفيلاً بوقف الاعتداء ورد المعتدي إلى صوابه؛ وتستجمع شجاعتها لتطبيق العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضت على المعتدي، وتطبقها بالفعل على إيطاليا المعتدية، فتحظر تصدير السلاح وجميع المواد الأولية إلى إيطاليا وتبيحه للحبشة، وتطلب إلى أعضائها أن يقطعوا كل العلائق الاقتصادية والمبادلات التجارية مع إيطاليا؛ فيلبي دعوتها نحو خمسين دولة أو ما يشبه الإجماع؛ وهكذا رأينا عصبة الأمم تفتتح عهداً جديداً في سياستها وفي فهم مهمتها الدولية، واستبشرنا بأن يكون العهد الجديد مفتتح الآمال بالنسبة للأمم الضعيفة، فتستطيع أن تطالب بحقوقها وحرياتها، وتستطيع أن تعتمد على ذلك التعضيد الدولي الذي تحمل لواءه عصبة الأمم.

стр. 10733

ولم يغب عن العالم مع ذلك ما هنالك من وراء ستار، فقد فطن العالم إلى أن عصبة الأمم لم تكن في عملها مستقلة ولا مختارة، وإنها كانت مسيرة موجهة فيما اتخذت من قرارات جريئة؛ ولم يغب عن العالم أن السياسة البريطانية هي مبعث التوجيه والوحي الأول، وأنها اتخذت هذه الخطة لأن الاعتداء الإيطالي على الحبشة، وتوسيع النفوذ الإيطالي في شرقي إفريقية، وما يترتب على ذلك من إذكاء الروح الحربي الفاشستي، يعرض الإمبراطورية البريطانية وسلامة مواصلاتها في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وسيادتها في وادي النيل وشرق إفريقية إلى أخطار جسيمة، وأن إنكلترا لم تحرك أساطيلها الضخمة، وتتخذ هذه الأهبات الحربية الواسعة النطاق في مصر وعدن وشرق إفريقية انتصارا لقضية الحبشة أو دفاعاً عنها، ولكن رداً للخطر الفاشستي الذي ظهر في الأفق فجأة، وأخذ يزعجها بمطامعه وتحديده. بيد أن وقوف العالم على هذه العوامل المستترة الظاهرة معاً، لم يثنه عن التصفيق لعصبة الأمم والإعجاب بموقفها وتصرفاتها في هذا المأزق العصيب؛ ذلك أن الوسائل لاتهم دائماً؛ وكفى أن عصبة الأمم قد انتهت إلى الغاية المقصودة، وسيقت إلى العمل لصون الحريات والحقوق القومية، وإلى الحكم على الاعتداء المنظم بأقسى الأحكام. ولهذا دهش العالم أيما دهشة حينما أذيعت شروط هذا المشروع الشائن الذي أسفرت عنه المفاوضات الفرنسية البريطانية الأخيرة كتسوية سلمية للمسألة الحبشية، والذي أريد أن يقدم إلى إيطاليا هدية سابغة على اعتدائها المثير لكي تكف عن المضي في أعمالها ومشاريعها الحربية. وقد وقف القراء على هذا المشروع وتطوراته فلا حاجة بنا إلى الإفاضة فيه، ويكفي أن نذكر أنه كان يقوم على تمزيق الحبشة تمزيقاً شائناً، وينص على منح أكثر من نصفها لإيطاليا، ويحيط سيادة الحبشة على الأراضي الباقية بقيود خطرة أو هو بعبارة أخرى يقضي بشقيه على الحبشة كأمة مستقلة ذات وجود، ويمهد لاستبعادها النهائي في أعوام قليلة؛ نقول ثار العالم كله لهذا المشروع الشائن الذي يتوج اعتداء إيطاليا بغار ظفر لم تحرزه، ويحقق لها حلماً مازالت تتخبط في غمر الصعاب لتحقيق شطراً منه؛ وأشد ما كانت دهشة العالم لأن السياسة البريطانية التي ثارت من قبل لاعتداء إيطاليا وألبت عليها أمم العالم بواسطة عصبة الأمم وحملت العصبة على أن تقرر العقوبات

стр. 10734

الأقتصادية، قد أشتركت في وضع هذا المشروع الشائن الذي يقضي فجأة على آمال أمة مستقلة مازالت تناضل عن حرياتها نضالاً يثير الإعجاب والإكبار؛ على أن الصدى العنيف الذي أحدثه المشروع في العالم كله، وفي الرأي العام البريطاني بنوع خاص، كان كافياً لأن يحدث أثره بسرعة في استنكار هذه السياسة الاستعمارية الصارخة، واستنكار المشروع برمته، وكان من جراء ذلك أن استقال السير صمويل هور وزير الخارجية البريطانية الذي أشترك في وضع المشروع، وكان لاستقالته أعظم وقع كما شهدنا، واضطرت الحكومة البريطانية أن تتراجع بسرعة، وأن تعلن أنها لا تؤيد المشروع وأنها تعتبره قد مات؛ هذا بينما كان المشروع مطروحاً أمام عصبة الأمم، يلقي الضربة الأخيرة على يد مجلس العصبة، ويرجئ النظر فيه إلى أجل غير مسمى. وهكذا مات مشروع تمزيق الحبشة في أيام قلائل تحت ضغط الرأي العالمي واستنكاره، ولم يُسمح لإيطاليا أن تجني ثمرة اعتدائها الشائن وأن تحقق بالدجل السياسي ما لم تستطع أن تحققه على يد جنودها في ميدان القتال. أما الحبشة فقد رفضت مشروع تمزيقها لأول وهلة، ورفضته بمنتهى الأباء والقوة، بل واستطاعت أن تقرن رفضها الأبي بانتصارات محلية أحرزتها الجيوش الحبشية في مختلف الميادين في نفس الوقت الذي طرح فيه المشروع أمام عصبة الأمم. ومع أن العوامل الحقيقية التي أملت بوضوح هذا المشروع، وحملت السياسة الإنكليزية على إقراره، في الوقت الذي ذهبت فيه إلى هذا المدى البعيد في مخاصمة إيطاليا ومقاومتها، لم تتضح إلى الآن وضوحاً كافياً، فأنه يمكن فهمها على ضوء بعض الحوادث والظروف الأخيرة، وأخصها تفاقم الخطر الياباني في الشرق الأقصى، وانتعاش الحركة الوطنية في مصر، وما يذاع من وجود تذمر في الأسطول البريطاني، وما يبدو من تحرك ألمانيا وتربصها؛ هذا إلى بعض الاعتبارات الأوربية والاستعمارية العامة، وهو أنه ليس من حسن السياسة أن تشجع أمة إفريقية سوداء على مقاومة أمة أوربية كبرى، وأن تترك إيطاليا لتطوح على هذه الصورة بشطر كبير من قواها الحيوية في شرق إفريقية، في حين أن هذه القوى ذاتها ضرورية لحفظ التوازن الأوربي ومقاومة مطامع ألمانيا في النمسا؛ ومن جهة أخرى فأن هذه الصعاب والمتاعب الفادحة التي تتخبط فيها إيطاليا قد تدفع بها إلى غمار اليأس فيسقط النظام الفاشستي، وسقوطه في هذا المأزق

стр. 10735

الدقيق قد يضعف إيطاليا ويصيب التوازن الأوربي بضربة شديدة: فإلى هذه العوامل يمكن أن نرجع تطور السياسة الإنكليزية الفجائي. بيد أن هنالك حقيقة لاشك فيها هي أن أكبر الفضل في هذا التطور يرجع إلى تذبذب السياسة الفرنسية وترددها، وإلى ما تبديه من تحيز ظاهر للاعتداء الإيطالي، وما تبديه من فتور ظاهر في تأييد سياسة العقوبات الدولية التي تعتمد عليها إنكلترا في تحطيم مشاريع إيطاليا. وتذبذب السياسة الفرنسية وتحيزها يرجعان إلى عوامل أنانية محضة، فالحكومة الفرنسية الحاضرة تريد أن تحرص على الصداقة الإيطالية بأي ثمن، وأن تحافظ بكل الوسائل على أن تتقاضى تعاون إيطاليا في أوربا ضد ألمانيا وبالأخص في المسألة النمسوية، ثمناً لما بذلته فرنسا لإيطاليا في الاتفاق الفرنسي الإيطالي الأخير (يناير الماضي) من المنح والمزايا السياسية والاستعمارية؛ وهي تحاول في نفس الوقت أن تحتفظ بصداقة إنكلترا ومعاونتها. على أن هذه السياسة التي انكشفت عواملها الأنانية بسرعة لقيت حتفها في الحال في إنكلترا وفي الحبشة وفي جنيف؛ ومع أن السياسة البريطانية استطاعت بسرعة مدهشة أن تستدرك الخطأ الذي وقع فيه السير هو وزير الخارجية البريطانية بإقراره لمشروع الصلح، واستقال الوزير في الحال ليخلفه مستر إيدن بطل سياسة السلامة الاجتماعية والعقوبات الدولية على يد عصبة الأمم، أو بعبارة أخرى بطل سياسة التشديد على إيطاليا، فأن هيبة بريطانيا السياسية قد أصيبت بشيء من التصدع والريب؛ ذلك لأنه لم يكن خافياً ما ينطوي عليه مشروع الصلح المقدم إلى جنيف من معنى مستتر، هو تقسيم الحبشة بين إيطاليا وإنكلترا، واختصاص إيطاليا بالقسم الشرقي الذي تحتل قسماً منه، واختصاص إنكلترا (فيما بعد) بالقسم الغربي الذي تقع فيه منابع النيل الأزرق، والذي تحرص كل الحرص على استخلاصه من يد أية دولة أوربية أخرى؛ بيد أن هذا الرجوع السريع الحازم من جانب السياسة البريطانية إلى خطتها الأولى، أعنى خطة الوقوف في وجه إيطاليا ومقاومتها عن طريق العمل الدولي، قد رد إليها كثيراً مما كادت تخسر من هيبة ونفوذ. على أننا نستطيع أن نستخلص من هذه المأساة الدولية درساً بليغاً يؤيد ما ذهبنا إليه في صدر مقالنا بشأن عصبة الأمم؛ فما كانت العصبة يوماً ملاذاً للعدالة الدولية وحقوق الأمم الضعيفة، ولاسيما الأمم الشرقية، ولن تكون العصبة يوماً ملاذاً حقيقياً لهذه المثل العليا.

стр. 10736

وإذا كان موقف العصبة في المسألة الحبشية قد أسبغ عليها هيبة لم تتمتع بها منذ نشأتها، فأن الفضل في ذلك لا يرجع إلى إرادة العصبة ذاتها أو إلى استقلالها ونزاهتها بقدر ما يرجع إلى العوامل السياسية والاستعمارية الخارجية التي شرحناها؛ وكون العصبة تعمل في مثل هذه الظروف أداة مسيرة، لا يؤكد الآمال التي يمكن أن تثيرها نصوص دستورها الخلاب، بل كل ما هنالك يثير الريب دائماً في وسائلها وغاياتها. ومع ذلك فأن عصبة الأمم يمكن أن تكون أداة حقيقية لتأييد السلام العالمي والعدالة الدولية، ولكنها يجب قبل كل شيء أن تحرر من ذلك النفوذ الذي يواجهها وينحرف بها عن العمل للغاية الحقيقية التي أنشئت لها إلى العمل لغايات السياسة القومية والاستعمارية. وقد رأينا في مثل إيطاليا وما نالها من أثر العقوبات الاقتصادية، قوة العمل الإجماعي وتأثيره الفعال في كبح جماح الشهوات القومية؛ فإذا صلح دستور العصبة ليلائم الظروف الدولية الحاضرة، وإذا استطاعت الأمم أن تضع ثقتها في سياسة الضمان المشترك والسلامة المشتركة، فإن العالم يستطيع أن يتجنب كثيراً من الحروب الاعتدائية المخربة. ولكن هل تستطيع الدول الاستعمارية الكبرى أن تتجرد عن غايات الأثرة القومية، أو تعدل عن الالتجاء إلى القوة الهمجية التي تمكنها من أعناق الفرائس الضعيفة المغصوبة؟ (* * *)

стр. 10737

شهيد من شهداء أحد أنس بن النضر للأستاذ خليل هنداوي كتب الله النصر للمسلمين في غزوة (بدر الكبرى)؛ وكان نصراً رائعاً للدعوة الإسلامية، فأنصرف المشركون وفي كل عضو من أعضائهم جراحة من أثر بدر، وفي كل بيت من بيوتهم مناحة لفقد عزيز من أعزائهم يوم بدر؛ وقد تبرأ هذه الكلوم، وتهدأ هذه المناحات، ولكن المضض كامن في صدور كأنها الدروع المنطوية في النار. - ألا يعود يوم كيوم بدر نثأر فيه لشرفائنا، ونلوك أكباد أعدائنا! إنه إن يعد - وهبل - نشف منهم النفوس أو تضمنا الرموس. . . . . . . . . . والمسلمون خلال ذلك تخفق ألوية النصر عليهم، وأصحاب بدر يخطرون طربين بما أوتوا، يجلسون حلقات، هذا يتحدث عن بلائه، وذلك عن بطشه بأحد رؤوس قريش، وقد يسمع النبي لحديث من أحاديثهم فيغلب الإشفاق على قلبه ويود لو أن دماء قومه لم تهدر، ولكن الدعوة تفتقر إلى ضحايا! وقد يغادر المتحدثون هذه الأصناف من الحديث، لا لأن بدراً يفرغ حديثها. . . وإنما يعودون إلى التحدث بينهم: كيف ألقى الله الرعب في قلوب أعدائهم، وثبت منهم الأقدام، وزلزل أقدامهم، ويشكرون الله على صدق وعده لهم، فما أخف نفوس هؤلاء البدريين الذين قاتلت جنود الله معهم! ويكفي أحدهم إذا أراد أن يفتخر أن يقول: (أنا بدري)! وما أشد أسى الذين لم يكتب لهم أن يكونوا من جنود هذه الغزوة المباركة! كيف يمشي هؤلاء الذين لم يحضروا غزوة بدر، وكيف تطمئن لهم جنوب أو تسكن قلوب، وقد رأوا أن رفاقهم سبقوا بالأجر: أجر بدر؟ وكيف يخالطون أصحابهم الغزاة، وكيف يكلمون الرسول، وهم يرون في أنفسهم منقصة تؤخرهم عن مجالس هؤلاء الغزاة، إنهم ليسوا ببدريين! حاور أنس بن النضر نفسه فلم يقنعه منها عذر؛ فآثر أن يتوارى عن قومه، وأن يعتزل مجالسهم، مقسما أنه لن يغفر هذه الحوبة لنفسه حتى يلاقي غزوة كغزوة بدر، يحملها ما لم تحمل، ويحمل منها فوق ما حمل أصحابه، فإذا سمع (ببدر) رأيت وجهه اكتأب وأساريره

стр. 10738

انقبضت، لأن حديث بدر - عنده - حديث ذو شجون، فيسأل نفسه إذا أشتد به الأمر: - أعهد بدر الثانية عنك بعيد؟ رب أقرب بدراً وقد عجب أصحابه لوجومه وانصرافه عن مجالسهم، ولم يروا منه إلا كل خلة حميدة، وعقيدة صلبة؛ يرونه يمشي كمن يلوذ بجدار، ويرتاح إلى الليل الأسود كمن يتخذه لباساً، ويجنح إلى العزلة كمن هو على موعد من ربه. . . وتحدث القوم بينهم: ما بال أنس لا يطأ مجالسنا؟ أأذىً به أم عارض؟ وكان الرسول لا يلمحه إلا معتزلاً في زاوية وحده، لا يسمعه سامع إلا هاجساً ببدر، مستفسراً عن بدر؛ وقد أقلق الرسول حاله، فسأله: - ما خطبك يا أنس؟ فقال أنس: - (يا رسول الله غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع!) ففهم الرسول أمره، وبارك عزيمته وقال: - أما وقد نويت: ولم يقف الرسول على شيء من أمره بعد مقابلته. وهاهي المقادير جاءت تنتقم (لأنس)، وتكتب أسمه في سجل الغزاة الثابتين، وهاهي الأيام كرت تجدد (بدراً) ثانية، ليس موعدها بدراً، لكن أُحُدا! فهب البدريون إلى شحذ سيوفهم البدرية ولا تزال أغرتها مكتسية دماً، ورماحهم ولا تزال ثعالبها حُمرا، ونشط من لم يحضروا بدراً لينالوا من الأجر ما لم ينالوه، فكان الأولون يمشون ثابتي الأقدام، مستخفين بأعدائهم عند الروع؛ وكان الآخرون يمشون خفافاً كمن أُزيح عن صدره ثقل الجبال، وقد ارتاحت من أنس نفسه، ودنا يحدث صحبه كأن لم يكن له عهد بتلك الوحشة. بزغ الفجر من وراء أُحد، وأفاقت قعقعة الرجال: وتيقظ كل ثأر قديم وكل خصومة قديمة، فلم يمهل بعضهم بعضاً بالبراز وإنهم لا يملكون أنفسهم في مثل هذا اليوم، وقد ود (أنس) قبل زحفه إلى الشهادة أن يكلم الرسول فيكتسب منه دعوة صالحة أو يراه فيذكر الرسول وجومه فيقول له: - إيه يا أنس! اليوم بدر!

стр. 10739

ولكن الزحام شديد والقتام ساطع والعدو راصد، والنبي قد وزع عقله هنا وقلبه هناك، يهدي ويوصي ويرشد وقد ذهب أمامه أقرباؤه قروم الحرب وأبطال الشدائد، فأقلع أنس عن رغبته وأدرك أنه لم يكتب له الحظ أن يمس جلده جلد رسول الله قبل آخر العهد، فأنطلق زاحفاً إلى صفوف المشركين يضرب بيديه وبسيفه ورمحه وفرسه، وكأن المقادير أرادت أن تنتقم له انتقاماً حسناً فلم تظهر ثباته وصدقه في جمع ظفر، لكن في جمع تفرق وأنكسر، ولم يثبت فيه إلا كل أروع صنديد؛ فكرام من الصحابة يذودون عن النبي بأرواحهم وأجسادهم! وكرام من الصحابة شدوا على العدو المحيط بهم وقد أبت لهم عقيدتهم أن ينهزموا ويستسلموا! وهذا أنس لا يزال يجول وما زادته جراحه الكثيرة إلا زيادة في الثبات. وهل أكرم من الثابتين عند الله؟ وما زادته سراويله الحمر إلا استقتالاً وطمعاً في ذلك الأجر الذي تلوِّح له به بدر؛ لكن يوم بدر كان يوم ظفر، ويوم أُحد أسود الجلباب! فحيثما يطأ يجد صحابياً جريحاً يئن، وأيان توجه ير قتيلاً تزفه الحور العين. - بادر يا أنس! فهذا هو يوم الأجر الأكبر، وهذا هو يوم الرضوان، ما ينفع تأجيل الموت وفي الشهادة حياة؟ وإنه ليحدث نفسه بهذا الحديث فيستقبله سعد بن معاذ فيقول له: - (يا سعد! الجنة ورب النضر، إني لأجد ريحها من دون أُحد. . .) فيتركه سعد ويود لو يصنع ما يصنع، ولكن رجال الله رجال، فليلتفت أنس إلى قومه فيقول: - اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء! ويلتفت إلى المشركين فيقول: - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء! ثم يحمل مقتحماً صفاً من المشركين المضرجة سيوفهم ونصالهم بدماء أصحابه فلا يزال مقتحماً في حملته وقد أعجز المشركين رده وأحزن قومه فقده. وإن المِعركة لتنتهي وقد بذل فيها الفريقان من فلذات الأكباد والأولاد لها طعاماً، وهيهات أن تشبع! فيقوم أبو سفيان يقول: - أفي القوم محمد؟ فلا يجيبه أحد. أفي القوم أبن أبي قحافة؟ فلا يجيبه أحد. أفي القوم أبن

стр. 10740

الخطاب؟ فلا يجيبه أحد فيقول: - أما هؤلاء فقد قتلوا فلا يملك عمر نفسه فقال: - كذبتَ والله يا عدو الله - إن الذين عددت لأحياء كلهم! إنهم لأحياء، وإن الحياة هي التي أنطقت عمر بالرغم من نهى الرسول، وهل يخنق للحياة صوت؟ إن هؤلاء أحياء، والذين استشهدوا منهم أحياء! فيجيب أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال! إنكم ستجدون في القوم مُثلة لم آمر بها ولم تسؤني: أُعلُ هبل، أعلُ هبل! فيجيبه أصحاب الرسول: - الله أعلى وأَجل! فيقول: إن لنا العزى ولا عزى لكم فيجيبونه: الله مولانا ولا مولى لكم تنتهي هذه المحاورة ويؤوب أبو سفيان إلى قومه وقد شفوا قلوبهم وغسلوا عار يوم بدر، وهب المسلمون إلى تلمس قتلاهم واستنقاذ جرحاهم وقد راعهم أن يمثل المشركون بالشهداء منهم وهم لو أرادوا تمثيلاً بهم لمثلوا. ولبث النبي في مكانه يعالج أصحابُه نزيفاً منه كاد يودي به، وهو يرتقب جثة عمه حمزة وقد أشجاه ما أشجاه، فجاءت الجثة بغير كبد والوجه معبوث بملامحه. فناب الصمت عن البيان، وحجبت هذه الداهية غيرها من دواهي أحد؛ فجمع المسلمون جثث قتلاهم يدفنونها متراكمة في موضع المعركة وقد أساهم في مصابهم ما أصاب الرسول في عمه. فكان ينظر إلى الذين يغيبهم التراب إلى الأبد نظرة صامتة، وعينه لا تتمثل إلا مصرع حمزة. لم يعد أنس جريحاً ولم يبن قتيلاً في المعركة، وقد ذهبت أخته تتحرى عنه بين القتلى فيمن تحرى، حتى وقعت على قتيل خفيت تقاسيم وجهه، وذهب جلده قدداً، في بدنه بضع وثمانون من ضربة بسيف وطعنه برمح ورمية بسهم. أهذا هو أنس صريعاً؟ لكن وجهه

стр. 10741

لايفصح، وبدنه لا يبين عنه. لكن هذه بنانُه قد أبقى عليها المشركون ولم يمسوها بسوء. مثلوا بجسده ما شاءوا أن يمثلوا بعد أن ملأهم ضربه غيظاً وقتاله حقداً، وذهلوا عن بنانه. - رحمك الله يا أنس لقد بررت بعهدك الذي عاهدت، وأدركت الأجر الذي طلبت. أليس فضل الثابتين في أحد كفضل أصحاب بدر؟ قضى أنس ولم يذكر مصرعه القوم، لأن مصارع أذهلت عن مصارع. والرسول لم تندمل كلومه، ولم يبرح مصرع حمزة قلبه. لم يقتل حمزة وحده ولم يقتل أنس وحده، بل قتل معهما (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) وهؤلاء هم الذين قتلوا في سبيل ما عاهدوا الله عليه. خمدت وقعة أحد، وكان الرسول كلما مر بأحد أستشعر خشية، والتفت إلى أصحابه كأنما يلتمس في هذا الجبل شيئاً قدسياً يهبط على نفسه. التفت يقول لهم: - (إن أحداً يحبنا ونحبه!) وكيف لا يحبونه وقد أطافت به أرواح الأعزاء وثوت فيه أجساد الشهداء وكيف لا يهتز الرسول لأحد وفيه قد أدّوا ثمن العقيدة والصدق والإخلاص من دمائهم وقلوبهم. أما إن لكل أمة (أحداً) تذكره وتعتز بذكره لأنه رمز ضحاياها الغالية التي عملت لها. وهذه الأمة المشتتة تحت كل كوكب، المعتزة بأيمانها وعقيدتها تقيم في كل زاوية (أحداً جديداً) تقدم له كل يوم ضحايا عزيزة من دمائها وقلوبها! حتى غدت مواطنها: (كل موطن أحد) وشهداؤها: (كل شهيد أنس). خليل هنداوي

стр. 10742

نظرية النسبية الخصوصية المقال الثاني وحدة قوانين الطبيعة والبعد الرابع في النسبية للدكتور إسماعيل أحمد أدهم عضوا أكاديمية العلوم الروسية عناصر البحث (١) الحد الرابع للمادة في النسبية (٢) ثبات النور ووحدة قوانين الطبيعة (٣) النظام الغاليلي وقوانين التحويل اللورانتزية - ١ - تصور سطحاً في حيز منه نقطة مثل (ن)، وأنك تريد تحديد مكانها، فلا شك أنك ستقيس بعدها عن الحافة اليمنى للسطح أو اليسرى، ثم بعدها عن حافة السطح الأمامي أو الخلفي، وبواسطة خطين تحدد مركز النقطة على السطح، أما إذا كانت النقطة المرغوب تحديدها في حجم فلا بد من خطوط ثلاثة تنتهي عندها لنحدد مكانها بالضبط. لنتصور مكعباً ضلعه ١٠ امتار، ولنفرض به نقطة مادية مثل (ن) في المكان (م)، ولنشرع في تحديد مكان هذه النقطة المادية، فلا بد من أن نقيس الخط العمودي الساقط على هذه النقطة من السطح السفلي للمكعب، ولنفرض أنه كان مترين، فهذا الخيط بمفرده لا يصح أن يكون محدداً لمكان النقطة إذ في الإمكان تحريك هذه النقطة حركة أفقية ويبقى الخط الممتد من السطح السفلي للمكعب حتى النقطة (ن) مترين بدون أن يلحقها أي تغيير؛ فلا بد من حدْ ثان بخط يمتد من السطح الأيمن أو الأيسر إلى النقطة (ن). فلنفرض أنه كان ستة أمتار، فلنا أن نتساءل: هل في الإمكان الاكتفاء بهذين الخطين لتحديد موضع النقطة؟ إن من السهل تحريك النقطة المذكورة في خط مواز للسطح الأيمن أو الأيسر بحالة لا يختل معها طول الخطين. فلا بد من حد ثالث، هو بعد النقطة عن السطح المعامد للجدار

стр. 10743

الأيمن والأيسر، ولنفرض أننا ألفيناه ثلاثة أمتار؛ فعليه يمكن تحديد أية نقطة في حجم بثلاثة أبعاد تتعامد على بعضها في النقطة المرغوب تحديد مكانها، وهذا النظام يعرف بنظام المتعامدات الديكارتية. إن المشاهد الذي يقوم بعملية القياس سيلجأ إلى قواعد فيثاغورس في الهندسة ليحدد أبعاد الخطوط الثلاثة المحددة من مكان النقطة. وقاعدة فيثاغورس التي ترجع إليها هذه المسألة نظريتان: الأولى: أن مربع الوتر في المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع مربع الساقين. الثانية: أن مربع الوتر في مكعب يساوي حاصل جمع مربع خطوط الطول والعرض والعمق. فتكون المسافة من المشاهد إلى النقطة (ن): ٢٢ + ٢٣ + ٢٦ - ٢ - لنفرض أنّ النقطة المادية (ن) تحرْكت من وضعها الأول في (م) إلى وضع آخر، وليكن (م١) بمعدل سرعة متر واحد في الدقيقة الواحدة؛ ثم لنفرض أنها بلغت وضعها الجديد بعد دقيقتين من تحركها، فالمسافة (م - م١) يستغرق قطعها زمناً. وهذا بلا شك يثبت أن الزمان يتداخل في المكان ويندمج به ليكوْنا البعد الرابع للمادة. هذه قضية البعد الرابع في النسبية الخصوصية في أبسط صورها، ولكنها ليست كل شيء كما سنرى. - ٣ - لا يمكن فصل الزمان عن المكان ولا المكان عن الزمان، لأنك لا تتصور حادثة إلا وتتصور أوان حدوثها، ولا تتمثل في ذهنك حركة إلا ويتطرق إلى وعيك الزمن الذي أستغرقه الجسم في الحركة. إنه لا يمكن تصور شيء في الوجود لا يشغل مكاناً ولا يحدث في زمن. فالبعد الرابع في النسبّية ليس إلا إدماج الحركة في المسافة، إذ تُعبر عن المسافة بحاصل ضرب معدل

стр. 10744

السرعة في وحدة زمانية بوحدة زمانية أخرى. هذه العملية نظرية لأننا لم نعمل حساب الزمن الذي تستغرقه شعاعة النوع في التحرك لقطع المسافة من مكان وقوع الحادثة إلى المشاهد؛ ذلك لأن المسافات على سطح كرتنا الأرضية قصيرة، ولا يحس فرق زمني إذا ما انسابت في فضائها موجات النور. أما في المسافات السحيقة بين الأجرام فالأمر يحتاج إلى حساب الزمن الذي تستغرقه شعاعة النور في الوصول إلينا، لأن هذا الزمن يتضخم حتى يبلغ ملايين السنين في المسافات السحيقة. فمن المعلوم أن شعاعة النور تستغرق نحو ٩ دقائق للوصول إلى أرضنا من الشمس، كما أن شعاعة تصدر من السدم اللولبية تحتاج إلى مليون عام لتصل إلينا، وقد تحتاج أحيانا إلى مائة مليون عام؛ فهذا النجم يبعد عنا بنحو ١٢٤. ٢٦٤. ٨٠١. ٦٢٥. ٠٠٠ ميل. فاحسب كم عاماً تحتاج له شعاعة الضوء لقطعه مع أنه قريب إلى أرضنا بالنسبة للسدم والمجرَّات. لا شك أننا لا نجد الشمس إذا نظرنا إليها إلا كما كانت قبل دقائق؛ فلو فرضنا أن الشمس انكسفت فجأة فأنها تنير لنا نحو تسع دقائق بعد كسوفها تكون خلالها الشعاعة الأخيرة التي صدرت من الشمس قد وصلت إلينا. فكأن المسافة قد تمددت بالنسبة لنا وأندمج الزمان في المكان. - ٤ - إن قانون ثبات سرعة النور الذي هو نتيجة لتجربة (ميكلصون - مورلي) يقضي بأن قوانين الطبيعة الشاملة للحادثات ثابتة. لأن هذه القوانين قائمة على انتشار النور بسرعة ثابتة في كل الاتجاهات. وما دامت سرعة النور ثابتة والنور يحدد من حدوث الحوادث فقوانين هذه الحوادث ثابتة. هذا المبدأ الذي أستخلصه ألبرت أينشتين في تيه من المعادلات الرياضية الفائقة طبقه العالم مينقوفسكي على حادثات الكون والظاهرات الضوئية والإلكترومغناطيسية. وقد كان هذا المبدأ في صورة أخرى ذائعاً في علم الطبيعة الكلاسيكي إذ كانت تفرض أن الحوادث تحدث في العالم بالنسبة للأثير دون أن تتأثر بحالات الأكوان التي تحدث خلالها من حركة أو سكون. هذا المبدأ المطلق كان موضوعاً جوهرياً في علم الطبيعة الكلاسيكي. غير أن هنري بوانكاريه العالم الرياضي الفرنسي الشهير عدل عن

стр. 10745

هذا المبدأ وقرر أنه من المحال الاستناد إلى التجارب التي تجري داخل عالم متحرك في استخراج حركته المطلقة استناداً على تجربة (ميكلصون - مورلي) كما سبق. لقد عمل ألبرت أينشتين على أن يلائم بين سنة ثبات النور في سرعتها ومبدأ ثبات قوانين الحادثات، فقرر أن الضوء يتصف بسرعة ثابتة في انتشاره في جميع الجهات أياً كان الكون الذي ينتشر خلاله. ولتوضيح هذا القانون نفرض عالماً متحركاً مثل (ع) وعالماً آخر مثل (ع١)، ولنفرض أن سرعة الضوء في العالم الأول (ص) وفي الثانية (ص١)، ولنفرض أن السرعة (ص) أكبر من السرعة (ص١)، فستكون سرعة النور في العالم الأول أكبر منها في العالم الثاني. فتكون السرعة النسبية إذن غير ثابتة في كل الأتجاهات، إذ تتأثر بحركات العوالم المنسوبة إليها والتي تنتشر خلالها. ولما كانت تجربة (ميكلصون - مورلي) قد أثبتت أن السرعة (ص) هي عين السرعة (ص١) فاستناداً إلى قانون لورانتز في التقلص ونتيجته في استحالة استخراج الحركة المطلقة وثبات سرعة الضوء نقرر ثبات قوانين الحادثات ووحدتها. وهنا قد يتبادر إلى ذهننا سؤال: هل في إمكاننا أن نؤلف بين سنة ثبات سرعة الضوء ومبدأ النسبية؟ مبدأ النسبية الكلاسيكية يقرر أن الحادثات الكونية التي تحدث في كون متحرك لا تتبع حركة الكون الذي تحدث فيه، فكأنها تحدث في عالم ساكن غير متحرك. فهل في الإمكان التوفيق بين هذا المبدأ النيوتوني وسنة ثبات انتشار الضوء في الفضاء؟ إن الإجابة على هذا السؤال ترجع بنا إلى مسألة التواقت التي توحي إلينا أن الزمان ليس بفكرة آنية كما تقرر علوم الطبيعة الكلاسيكية، وأن مفهوم السرعة مشتق منه، بل إن سرعة النور وثبات هذه السرعة يجب أن يعدا من المبادئ الأولية ومنها يشتق مفهوم الزمان. فكأننا براصد الحادثات مقيد بآلاته يقرر حسبما تتراءى له الحادثات، والزمان بالنسبة للمكان وليس هو بالشيء الوهمي الذي تصوره لورانتز بل له حقيقة موضوعية طبيعية. إسماعيل أحمد أدهم

стр. 10746

في ليلة العيد. . . للأستاذ علي الطنطاوي يا أيها الغافلون. . . إن هذا العيد ليس لنا. إن أعيادنا مخبوءة في ثنايا الماضي الفخم، ومطاوي المستقبل المنتظر. (علي) مشيت ليلة العيد في حاجٍ للعيال، فتأخرت في السوق، فركبت (الترام رقم١) لأروح إلى الدار، فكان مجلسي فيه قبالة شيخ ساهم رازم، عظيم اللحية، كأن رأسه ولحيته ثغامة بيضاء، زريْ الهيئة، رثْ الثياب. . . فأشرت إليه بالتحية وابتسمت له، فلا والله ما طرف ولا تحرك ولا ألقي إليْ بالاً، فجعلت أعجب منه، وأحاول أن أذكر من هو، وأين رأيت هذا الوجه، فلا أدري أين لقيته ولا أعرف من هو. ولا أستطيع أن أميز هذه الصورة من بين المئات من الصور التي اختلطت في نفسي وانطمست وضلّت عن أصحابها، ولكني كنت على مثل اليقين بأن لي بهذه الصورة عهداً. . . فلما بلغنا الدرويشية رأيت الشيخ يتحسس عصاه وبصره عالق بي، فأدركت أنه أعمى وأنه ينظر بعين قائمة، وعلمت سرْ امتناعه عن ردْ السلام. فرثيت له وأشفقت عليه، فلما سقط على العصا أعتمد عليها، فقام يتلمس الطريق، فهاجني الفضول وأثارتني الشفقة فقمت أتبعه، فإذا هو ينزل من الترام فيميل عن الجادْة، ويتجنب هذه البنى الجديدة ويتغلغل في تيك الخرائب، يضرب فيها على غير هدى، وأنا أتبعه مغتماً متألماً، أكره هذه الظلمة الداجية، وهذه الخرائب الموحشة، وأزمع العودة فلا تطيب نفسي بفراق هذا الشيخ وتركه يتخبط وحيداً في هذه المجاهل، فتعوذت بالله (من شرْ غاسقٍ إذا وَقب) ودنوت منه فحْييته وسألته: - أتريد مساعدة يا عمْ؟ - قال: جزاك الله خيراً يا بني. . . فمن أنت؟ - قلت: عابر سبيل رآك فأحبْ مساعدتك قال: أحسن الله إليك. . . قل لي: أين نحن؟ - قلت: في خرائب الدرويشية قال: أعرف ذلك. . . هل وازينا القلعة؟

стр. 10747

- قلت: نعم قال: هل ترى قوسين كبيرين قائمين وسط هذه الأطلال؟ - قلت: نعم. . هذه دار آل هـ. . . - قال: أتعرفها؟ (وبكى) قلت: نعم أعرفها. فمالك تبكي يا عمْ؟ قال: تلك والله داري يا بني فلما قالها صعقت وذكرت أين لقيت هذا الرجل، وعرفت من هو. ولكن ما بال هذه الشيبة، ما هذه العصا، ما هذه الثياب؟ ما الذي أناخ عليه فهدّ شبابه؟ أيْ سهم من سهام الدهر أصمى بصره؟ حرت وحزنت ولكني تجاهلت وقلت: - دارك أنت يا عمْ؟ - قال: إي والله يا بني. . . ألم تسمع بها؟ لقد كانت من أجمل دور دمشق. لقد كان من تحت هاتين القوسين قاعة من أفخم القاعات، يؤمها السيْاح من أوربا وأمريكا ليروها ويعجبوا بما فيها. لقد كان فيها بركة مصنوعة من ألف وثلثمائة قطعة صغيرة من الأحجار الملونة. . . لقد دفعوا لي في سقفها الخشبي ثمانية آلاف دينار. . . ولكن ما فائدة الكلام؟ لقد خسرت ما هو أعزْ عليْ منها: زوجتي وأولادي. . . (وأنطلق يبكي بكاء موجعاً) لقد كان ذلك ليلة العيد، في مثل هذه الليلة. . . وكنا قد ذقنا في رمضان الأمرْين من الخوف والرعب، وكنا كأننا في ساحة حرب: بينما نحن جالسون آمنون، إذا بالرصاص يصفر، وإذا هي المعركة: يهجم عشرون من الثوار، فيطردون جيشاً فيلجئونه إلى القلعة ويضطرونه إلى الاعتصام بجُدُرها، ويؤوبون وقد غنموا ما شاءوا من مجد ومال وعتاد، فيخرج أولئك، فيتبخترون بالساحة (يطلبون الحرب وحدهم والنزال)، وتنطلق أفواه المدافع تلقي خطب البطولة على النساء والأطفال: أسد عليّ وفي الحروب نعامة … فتخاء تنفر من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جناحي طائر آه يا بني. لا تلمني إذا بكيت وأذهب البكاء بصري، فقد سحقت المصيبة قلبي. . . كان

стр. 10748

ذلك ليلة العيد، وكانت الدار تضحك سروراً، وترقص بهجة؛ وكان الأطفال ينتظرون مدافع العيد، ليفرحوا ويمرحوا، ويأخذوا عيديّاتهم. . . فلما انطلقت هتف الأطفال، وصاح النساء، وأبتسم الرجال، ولكن. . . آه من لكن. . . لقد هدْت (لكن) كياني؛ لقد طمست بصري؛ لقد جعلتني قبراً يمشي، ولكن هذا السرور لم يدم؛ ولم تكن إلا لحظة حتى استحال الهُتاف بكاء، والصياح ولولة، والابتسام حيرة وجزعاً. لم تكن مدافع العيد، بل كانت مدافع الموت نزلت على أجمل دار في دمشق، وأهنأ أسرة فيها، فجعلت هذه الأسرة موزْعة بين الموت والشقاء، وهذه الدار مقسْمة بين النار والدماء، ثم انجلت العاصفة، فإذا هذه الدنيا الناعمة العريضة تلْ من التراب. . . لقد حزنا وجزعنا، ولم ندر ماذا نصنع، فحملت الأم طفلها الرضيع، وأمسكت بطفلها الآخر، وكادت تنجو لولا أن عاطفة الأمومة قد عادت بها لتنقذ سائر أولادها، فسدت النار سبيلها فابتغت سبيلاً غيره، فأستقبلها اللهب، فماتت هي وأولادها، يلفّهم كفن من لسان النار الأحمر. . . أما أنا وولدي الشاب ﵀ على شبابه. . . أه! - أما نحن فما زلنا نجيء ونذهب، نحاول أن ننقذ هذا ونخلص هذه، حتى حملنا الجميع وكدنا ننجو، بل لقد نجوت أنا، وتلفت لأراه فحال بيننا اللهب، ورأيته يشير إلىْ بسلام المودع ثم يسقط صريعاً. . . لم ينج إلا أنا وولدي الصغير، وليته لم ينجُ، ولكن ما ذنبه هو؟ إنه بريء، إنه نشأ على الفضيلة والعفاف، وربي على الاستقامة والشرف، فكان أكمل التلاميذ خلقاً وأجملهم خلقاً، وأقومهم سيرة، وأكثرهم اجتهادا؛ لم يعرف قط إلا طريق المدرسة، حتى إذا وقعت الواقعة لم يع على نفسه إلا وهو يدور في الأسواق ليلاً بإزار النوم، فاستحيا وجزع وعاد إلى الدار. . . فلم يجد داراً، وجد بقعة من جهنم وقودها الناس والحجارة، فأرتد هائماً على وجهه، وكان ذلك آخر عهدي به. لقد نسى من بعد هذه الفترة من حياته، نسى أباه المفجوع وأمه الشهيد، وأخاه القتيل، وأهله الصرعى، وأستقر في نفسه أنه مخلوق نبت من الأرض، بين سوق علي باشا، والسوق العتيق، وشارع النصر، وميدان المرجة، ثم قادوه بعد إلى معابد الرذيلة، إلى مذابح

стр. 10749

الأخلاق، إلى هذه المزابل القذرة، إلى العباسية وأولمبيا وتاجادا فقتلوه. . . آه يا بني إنهم لا يقتلون بالقنابل والرصاص والسيوف والخناجر إلا قليلاً، ولكنهم يقتلون دائماً، يقتلون الأمم بالحانات والقينات (الأرتستات) والأزياء والمدارس والقوانين. . . وأدرك الشيخ العجزُ فهو إلى الأرض وهو يبكي ويشهق، وأن نفسه تكاد تخرج في شهقة من شهقاته. كانت الأنوار تشع من العباسية، وأولمبيا، وتاجادا، والأمبير، وراديو، وروسكي، وهذه الملاعب الخشبية التي أقاموها على أطلال الدرويشية والسنجقدار احتفالاً بالعيد؛ وكانت أصوات الموسيقى، ورنات الضحك، وصيحات الفرح تشق سكون هذا الليل. . . وكان الشيخ يجود بنفسه على أنقاض دمشق لا يدري به أحد أما الشعب الثاكل فكان يرقص على رفات الشهداء، أما الشعب فقد كان يفرح بالعيد. . . . . . . . . علي الطنطاوي

стр. 10750

أيها الشبان! لبول بورجيه بمناسبة وفاته في ٢٥ ديسمبر سنة ١٩٣٥ ترجمة الأستاذ عبد الحليم الجندي إليكم هذا الكتاب يا شباب الوطن، الذين تتراوح أعماركم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، والذين تبحثون في مؤلفاتنا عن جواب عن المسائل الآخذة عليكم مذاهب التفكير، أما الجواب فيعتمد قليلاً على حياتكم المعنوية حياة فرنسا ذاتها، فلسوف تسيطرون في العشرين سنة المقبلة على مصائر هذه الأمة العجوز. . . . . . . . . أمنا جميعاً ماذا حصلتم من مؤلفاتنا؟ هذا سؤال يخاف الكتاب النزيهون من تبعاته. . . . . في كتاب (التلميذ) بحث لهذه التبعات، وفيه دليل على أن الصديق الذي يطالعك وأنت تطالعه إنما يملؤه إيمان عميق بسلطان الأدب، ودليل آخر على أنه يفكر فيك أيام درجت تتعلم الهجاء، أيام كنا نحن كاسفي البال نوقع ألحان قريضنا الناشئ على رنين المدافع الفاغرة أفواهها على باريس، أيام كان كبارنا في صفوف المعركة، وكنا نحن الصغار في صفوف الجامعة، ترزح ضمائرنا تحت عبء فادح هو إحياء فرنسا. كنا نناجيك يا شباب اليوم بما ناجاك به بانفيل: (أقبلوا أيها الفيلق المبارك، يا شباب الأيام التي لم تنفرط من عقد الزمان بعد، أقبلوا كالفجر الطالع، واملأوا آفاق الورى بالنور. . . .) كنا نتمنى أن يشرق فجركم وضاء يغمر الورى إشراقاً، فلقد كان فجرنا يختنق ببخار الدم الذي يسمم الأفق، وكنا نعرف أن علينا أن نعيد لكم فرنسا سيرتها الأولى؛ ولئن كنا صغاراً فلقد كنا نعلم أن أفضل ما علمنا أساتذتنا هو (أن الظفر أو الخذلان في الخارج إنما هما مظهر المنعة أو الانحلال الداخلي) كنا نعلم أن نهضة ألمانيا في فاتحة القرن لم تكن إلا عملاً من أعمال (النفس)، وكنا نعلم أن النفس الفرنسية هي التي انكسرت في حرب السبعين، وأن الأزمة الفرنسية إنما هي أزمة نفسية عبر عنها ديماس حينما قال: (. . . حذار. . . حذار. . . إنها برهة عجلى ما أسرع أن تفوت. . . تلك البرهة التي يمكن أن يكون فيها الفتى حساساً كله عواطف، أو متشككاً أو ساخراً أو مهذاراً. أما الله، وأما
следующие страницы →