Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10746–10785 · переход к 10751.
стр. 10746
في ليلة العيد. . .
للأستاذ علي الطنطاوي
يا أيها الغافلون. . . إن هذا العيد ليس لنا.
إن أعيادنا مخبوءة في ثنايا الماضي الفخم، ومطاوي المستقبل المنتظر.
(علي)
مشيت ليلة العيد في حاجٍ للعيال، فتأخرت في السوق، فركبت (الترام رقم١) لأروح إلى الدار، فكان مجلسي فيه قبالة شيخ ساهم رازم، عظيم اللحية، كأن رأسه ولحيته ثغامة بيضاء، زريْ الهيئة، رثْ الثياب. . . فأشرت إليه بالتحية وابتسمت له، فلا والله ما طرف ولا تحرك ولا ألقي إليْ بالاً، فجعلت أعجب منه، وأحاول أن أذكر من هو، وأين رأيت هذا الوجه، فلا أدري أين لقيته ولا أعرف من هو. ولا أستطيع أن أميز هذه الصورة من بين المئات من الصور التي اختلطت في نفسي وانطمست وضلّت عن أصحابها، ولكني كنت على مثل اليقين بأن لي بهذه الصورة عهداً. . . فلما بلغنا الدرويشية رأيت الشيخ يتحسس عصاه وبصره عالق بي، فأدركت أنه أعمى وأنه ينظر بعين قائمة، وعلمت سرْ امتناعه عن ردْ السلام. فرثيت له وأشفقت عليه، فلما سقط على العصا أعتمد عليها، فقام يتلمس الطريق، فهاجني الفضول وأثارتني الشفقة فقمت أتبعه، فإذا هو ينزل من الترام فيميل عن الجادْة، ويتجنب هذه البنى الجديدة ويتغلغل في تيك الخرائب، يضرب فيها على غير هدى، وأنا أتبعه مغتماً متألماً، أكره هذه الظلمة الداجية، وهذه الخرائب الموحشة، وأزمع العودة فلا تطيب نفسي بفراق هذا الشيخ وتركه يتخبط وحيداً في هذه المجاهل، فتعوذت بالله (من شرْ غاسقٍ إذا وَقب) ودنوت منه فحْييته وسألته:
- أتريد مساعدة يا عمْ؟
- قال: جزاك الله خيراً يا بني. . . فمن أنت؟
- قلت: عابر سبيل رآك فأحبْ مساعدتك
قال: أحسن الله إليك. . . قل لي: أين نحن؟
- قلت: في خرائب الدرويشية
قال: أعرف ذلك. . . هل وازينا القلعة؟
стр. 10747
- قلت: نعم
قال: هل ترى قوسين كبيرين قائمين وسط هذه الأطلال؟
- قلت: نعم. . هذه دار آل هـ. . .
- قال: أتعرفها؟ (وبكى)
قلت: نعم أعرفها. فمالك تبكي يا عمْ؟
قال: تلك والله داري يا بني
فلما قالها صعقت وذكرت أين لقيت هذا الرجل، وعرفت من هو. ولكن ما بال هذه الشيبة، ما هذه العصا، ما هذه الثياب؟ ما الذي أناخ عليه فهدّ شبابه؟ أيْ سهم من سهام الدهر أصمى بصره؟ حرت وحزنت ولكني تجاهلت وقلت:
- دارك أنت يا عمْ؟
- قال: إي والله يا بني. . . ألم تسمع بها؟ لقد كانت من أجمل دور دمشق. لقد كان من تحت هاتين القوسين قاعة من أفخم القاعات، يؤمها السيْاح من أوربا وأمريكا ليروها ويعجبوا بما فيها. لقد كان فيها بركة مصنوعة من ألف وثلثمائة قطعة صغيرة من الأحجار الملونة. . . لقد دفعوا لي في سقفها الخشبي ثمانية آلاف دينار. . . ولكن ما فائدة الكلام؟ لقد خسرت ما هو أعزْ عليْ منها: زوجتي وأولادي. . .
(وأنطلق يبكي بكاء موجعاً)
لقد كان ذلك ليلة العيد، في مثل هذه الليلة. . . وكنا قد ذقنا في رمضان الأمرْين من الخوف والرعب، وكنا كأننا في ساحة حرب: بينما نحن جالسون آمنون، إذا بالرصاص يصفر، وإذا هي المعركة: يهجم عشرون من الثوار، فيطردون جيشاً فيلجئونه إلى القلعة ويضطرونه إلى الاعتصام بجُدُرها، ويؤوبون وقد غنموا ما شاءوا من مجد ومال وعتاد، فيخرج أولئك، فيتبخترون بالساحة (يطلبون الحرب وحدهم والنزال)، وتنطلق أفواه المدافع تلقي خطب البطولة على النساء والأطفال:
أسد عليّ وفي الحروب نعامة … فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جناحي طائر
آه يا بني. لا تلمني إذا بكيت وأذهب البكاء بصري، فقد سحقت المصيبة قلبي. . . كان
стр. 10748
ذلك ليلة العيد، وكانت الدار تضحك سروراً، وترقص بهجة؛ وكان الأطفال ينتظرون مدافع العيد، ليفرحوا ويمرحوا، ويأخذوا عيديّاتهم. . . فلما انطلقت هتف الأطفال، وصاح النساء، وأبتسم الرجال، ولكن. . .
آه من لكن. . . لقد هدْت (لكن) كياني؛ لقد طمست بصري؛ لقد جعلتني قبراً يمشي، ولكن هذا السرور لم يدم؛ ولم تكن إلا لحظة حتى استحال الهُتاف بكاء، والصياح ولولة، والابتسام حيرة وجزعاً. لم تكن مدافع العيد، بل كانت مدافع الموت نزلت على أجمل دار في دمشق، وأهنأ أسرة فيها، فجعلت هذه الأسرة موزْعة بين الموت والشقاء، وهذه الدار مقسْمة بين النار والدماء، ثم انجلت العاصفة، فإذا هذه الدنيا الناعمة العريضة تلْ من التراب. . .
لقد حزنا وجزعنا، ولم ندر ماذا نصنع، فحملت الأم طفلها الرضيع، وأمسكت بطفلها الآخر، وكادت تنجو لولا أن عاطفة الأمومة قد عادت بها لتنقذ سائر أولادها، فسدت النار سبيلها فابتغت سبيلاً غيره، فأستقبلها اللهب، فماتت هي وأولادها، يلفّهم كفن من لسان النار الأحمر. . .
أما أنا وولدي الشاب ﵀ على شبابه. . . أه! - أما نحن فما زلنا نجيء ونذهب، نحاول أن ننقذ هذا ونخلص هذه، حتى حملنا الجميع وكدنا ننجو، بل لقد نجوت أنا، وتلفت لأراه فحال بيننا اللهب، ورأيته يشير إلىْ بسلام المودع ثم يسقط صريعاً. . .
لم ينج إلا أنا وولدي الصغير، وليته لم ينجُ، ولكن ما ذنبه هو؟ إنه بريء، إنه نشأ على الفضيلة والعفاف، وربي على الاستقامة والشرف، فكان أكمل التلاميذ خلقاً وأجملهم خلقاً، وأقومهم سيرة، وأكثرهم اجتهادا؛ لم يعرف قط إلا طريق المدرسة، حتى إذا وقعت الواقعة لم يع على نفسه إلا وهو يدور في الأسواق ليلاً بإزار النوم، فاستحيا وجزع وعاد إلى الدار. . . فلم يجد داراً، وجد بقعة من جهنم وقودها الناس والحجارة، فأرتد هائماً على وجهه، وكان ذلك آخر عهدي به.
لقد نسى من بعد هذه الفترة من حياته، نسى أباه المفجوع وأمه الشهيد، وأخاه القتيل، وأهله الصرعى، وأستقر في نفسه أنه مخلوق نبت من الأرض، بين سوق علي باشا، والسوق العتيق، وشارع النصر، وميدان المرجة، ثم قادوه بعد إلى معابد الرذيلة، إلى مذابح
стр. 10749
الأخلاق، إلى هذه المزابل القذرة، إلى العباسية وأولمبيا وتاجادا فقتلوه. . . آه يا بني إنهم لا يقتلون بالقنابل والرصاص والسيوف والخناجر إلا قليلاً، ولكنهم يقتلون دائماً، يقتلون الأمم بالحانات والقينات (الأرتستات) والأزياء والمدارس والقوانين. . .
وأدرك الشيخ العجزُ فهو إلى الأرض وهو يبكي ويشهق، وأن نفسه تكاد تخرج في شهقة من شهقاته.
كانت الأنوار تشع من العباسية، وأولمبيا، وتاجادا، والأمبير، وراديو، وروسكي، وهذه الملاعب الخشبية التي أقاموها على أطلال الدرويشية والسنجقدار احتفالاً بالعيد؛ وكانت أصوات الموسيقى، ورنات الضحك، وصيحات الفرح تشق سكون هذا الليل. . .
وكان الشيخ يجود بنفسه على أنقاض دمشق لا يدري به أحد
أما الشعب الثاكل فكان يرقص على رفات الشهداء، أما الشعب فقد كان يفرح بالعيد. . . . . . . . .
علي الطنطاوي
стр. 10750
أيها الشبان!
لبول بورجيه
بمناسبة وفاته في ٢٥ ديسمبر سنة ١٩٣٥
ترجمة الأستاذ عبد الحليم الجندي
إليكم هذا الكتاب يا شباب الوطن، الذين تتراوح أعماركم بين الثامنة عشرة والخامسة والعشرين، والذين تبحثون في مؤلفاتنا عن جواب عن المسائل الآخذة عليكم مذاهب التفكير، أما الجواب فيعتمد قليلاً على حياتكم المعنوية حياة فرنسا ذاتها، فلسوف تسيطرون في العشرين سنة المقبلة على مصائر هذه الأمة العجوز. . . . . . . . . أمنا جميعاً
ماذا حصلتم من مؤلفاتنا؟ هذا سؤال يخاف الكتاب النزيهون من تبعاته. . . . .
في كتاب (التلميذ) بحث لهذه التبعات، وفيه دليل على أن الصديق الذي يطالعك وأنت تطالعه إنما يملؤه إيمان عميق بسلطان الأدب، ودليل آخر على أنه يفكر فيك أيام درجت تتعلم الهجاء، أيام كنا نحن كاسفي البال نوقع ألحان قريضنا الناشئ على رنين المدافع الفاغرة أفواهها على باريس، أيام كان كبارنا في صفوف المعركة، وكنا نحن الصغار في صفوف الجامعة، ترزح ضمائرنا تحت عبء فادح هو إحياء فرنسا.
كنا نناجيك يا شباب اليوم بما ناجاك به بانفيل: (أقبلوا أيها الفيلق المبارك، يا شباب الأيام التي لم تنفرط من عقد الزمان بعد، أقبلوا كالفجر الطالع، واملأوا آفاق الورى بالنور. . . .) كنا نتمنى أن يشرق فجركم وضاء يغمر الورى إشراقاً، فلقد كان فجرنا يختنق ببخار الدم الذي يسمم الأفق، وكنا نعرف أن علينا أن نعيد لكم فرنسا سيرتها الأولى؛ ولئن كنا صغاراً فلقد كنا نعلم أن أفضل ما علمنا أساتذتنا هو (أن الظفر أو الخذلان في الخارج إنما هما مظهر المنعة أو الانحلال الداخلي) كنا نعلم أن نهضة ألمانيا في فاتحة القرن لم تكن إلا عملاً من أعمال (النفس)، وكنا نعلم أن النفس الفرنسية هي التي انكسرت في حرب السبعين، وأن الأزمة الفرنسية إنما هي أزمة نفسية عبر عنها ديماس حينما قال: (. . . حذار. . . حذار. . . إنها برهة عجلى ما أسرع أن تفوت. . . تلك البرهة التي يمكن أن يكون فيها الفتى حساساً كله عواطف، أو متشككاً أو ساخراً أو مهذاراً. أما الله، وأما
стр. 10751
الطبيعة، أما العمل والزواج والحب والبنون، فأولئك أمامك دائماً. . . أولئك يجب أن يحيوا أو أن تموت. .)
بلى: هذا الجيل الذي أنا منه والذي زخرت نفسه بالآمال الجسام، كم جاهد لمجد فرنسا!. إن نفسي لتذوب حسرات كلما تذكرت أن رجال السلطة قد تخلوا عنا في غضون هذا الجهاد العاصف، وأن الطبقة الوسطى هي التي غذت فرنسا في العشرين عاماً الماضية بالقادة والساسة والفنانين العباقرة حتى ليتساءل المرء: (ما أقدر هذا الفلك الفرنسي السيار! ما أكبر حيوية هذه الأمة الفرنسية! إن خُطاها لاتني حيث كانت تهلك أية أمة أخرى!) هذه الطبقة الوسطى التي شهدت بعض الزعماء يضحون بالعزيز عليها من العقائد بأسم الحرية، ودجاجلة سياسيين يلعبون على الاقتراع العام فيسمو التدجيل بكفاياتهم المتواضعة إلى أسمى الدرجات. . كم تحملت لتبعث فرنسا في العوالم من جديد. .! ولئن خطر الجند الفرنسيون ذهاباً وجيئة، أو أضمرت الحكومات لنا الاحترام، أو تقدم التعليم العالي، أو كانت الآداب الفرنسية ما برحت تحمل لفرنسا لواء العبقرية والمجد، فلهذه الطبقة الوسطى تلكم اليد العليا. .
كيف تحابك فرنسا وتنهض؟ هذه مسألة الساعة.
إنك لا تتذكر صورة أولئك الخيالة البروسيين وهم يتبخترون على أرض فرنسا، يهزون أعطافهم كبرياء، ويصعرون خدودهم صلفاً؛ أما نحن فكم غصصنا بهذه الرؤى. . وما كنا نحسب أن الصلح يمحوها من الأحلام، أو أنه سيسوي أسباب الخصام والسلام إنني أعلم أنك على استعداد لتهب في سبيل الوطن روحك، لكن ليس هذا الفخر، ولا يكفي أن تعلم كيف تموت، بل يجب أن تعلم كيف تحيا. . .
هل لك مثل أعلى من أمثالنا العليا؟ أفيك أيمان أقوى مما تنطوي عليه أضالعنا؟ هل لك آمال دونها آمالنا؟. . .
أن كان الجواب نعم، فشكراً.
وأن كان الجواب لا. . .
إن كان الجواب لا. . .
إن كان الجواب لا: فإن من شباب هذا الجيل طرازين كلاهما ثري وكلاهما مشئوم.
стр. 10752
أما الأول فهو ذلك المرح المستهتر بالأشياء، الذي همه وكِبر مناه في الدنيا أن يستمتع، وعلى الأصح أن يصل وأن ينجح، فإذا كان سياسياً أو رجل أعمال أو أديباً أو محامياً أو فناناً أو ضابطاً فإنما (. . ذاته) هي الأمل المشتهى، وهي المبدأ والمنتهى؛ يندفع في تطبيق قانون تنازع البقاء على أساليب عيشه وكفاحه اندفاعا بربرياً؛ هولا يهوى من الحياة إلا النجاح، ولا من النجاح إلا المال؛ ولقد يقرأ ما أكتب كما يقرأ كل شيء ليكون فقط (. . مع الدنيا. .)؛ ولقد يرميني بأني أهزأ بالجمهور وما أنا إلا صورة منه؛ طراز إباحي في كل شيء؛ ليس المثل العالي لديه إلا فكاهة! فإذا مارس الديمقراطية مثلاً فليتبوأ مقعده في مجلس النواب. . . أو ليس ذلك الشيطان الرجيم؟. .
هذا الذي لم يقطع من مراحل الحياة خمساً وعشرين مرحلة وليست نفسه إلا (عداداً) لحساب الملذات.
ثم أرأيت إلى ذلك الأخر الأخلق بالزراية والمقت، هذا طراز قد اجتمعت له أرستقراطية الأعصاب والصلف، أبيقوري مهذب على نقيض الأول؛ فذلك أبيقوري متوحش، وهذا الأرستقراطي إباحيّ لبق؛ طافت كل الأفكار برأسه، فلا تحدثه عن التجديف أو عن المادية، فإن للمادة عنده معنى غير ذي حدود. . . هو أنفذ بصيرة من أن يجهل أن كل دين دانت له الدنيا في إبانة. . . هو لا يدين إلا (لذاته). . ليس الخير ولا الشر، ولا الجمال ولا القبح أموراً ذات بال تعنيه، وإنما نفسه (أداة) متعلمة يلتذ بتجريدها وتعطيل مزاياها كأنها موضوع تجارب، لا يفقه في الحق ولا في الباطل ولا في الإنسانية ولا في البهيمية، بل كما قال (بارس) تناهت به شهواته إلى عبادة ذاته أو لذّاته. . . . .
لا تكونوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء أيها الفتيان. . . .
لا إلى الواقعيين المفرطين في عالم الحس، ولا إلى المتفيهقين المستهترين في عالم المعقول؛ ولا يركبنكم شيطان الغرور فيذلنكم للكبرياء والشعوذة، بل عليكم أن تجعلوا شعاركم: (إنما يحكم على الشجرة بما تؤتي من ثمار).
إن ثمة حقيقة لا مراء فيها لأنها بين الضلوع، تبصرونها وتحسون بها: تلك هي النفس. وإن من الفكَر التي تسيطر على أذهانكم لأفكاراً تضعف من قوى الإرادة والمحبة، فأعلموا أنها أفكار زيوف مهما طلاها السحر بالألوان. وزيدوا (المحبة والإرادة) نماء فليس سواهما
стр. 10753
إلا عار دائم وعذاب مقيم.
وأعلموا أن العلم الصحيح اليوم يعرف أن حدود (العالم المجهول) تتاخم حدوده - وكما قال لتريه: هذا بحر غامض تلاطم شواطئنا لجاته، تشهده نواظرنا وآلهة، لا زورق يسبح بنا فيه ولا شراع. . . . فقولوا للأولى زعموا أن عنده الظلمات والهاوية: (إنكم لا تعرفونه)
وما دامت في جنوبكم هذه النفس فتعهدوها
إن فرنسا تريد من كل فرنسي أن يفكر فيها.
باريس في ٥ يونيو سنة ١٨٨٩
стр. 10754
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
كوخ رابع غزاة المكروب
يكتشف مكروب الكلوليرا في مصر
- ٧ -
وفي الرابع والعشرين من مارس عام ١٨٨٢ اجتمعت الجمعية الفسلجية في برلين في حجرة صغيرة حقيرة بحجمها، كبيرة عظيمة بمن اجتمعوا فيها من أعلام رجال العلم في ألمانيا. فكان في الحاضرين بول أرليس وكان فيهم علاّمتنا الجهبذ الكبير الأستاذ الشهير رودلف فرشو الذي ذكرنا قِدْما ما كان من استهانته لكوخ المأفون ودعواه المزعومة في بشلات الأدواء. وكان في الحاضرين كل مقاتل للأمراض له أسم يذكر في ألمانيا.
ولما أكتمل الجمع، قام فيهم رجل صغير، جَعدُ الأسارير، على عينيه نظارتان، وفي يديه أوراق أخذ يقلبها في خَبلة ظاهرة وهي لا تفتأ ترتعد بين أنامله وأخذ يتكلم فأضطرب صوته اضطراباً خفيفاً. هذا كوخ قام يخبر الجماعة في تواضع رفيع كيف تأتى له أن يكشف عن مكروب هذا الداء الذي يحظى بنصيب الأسد من الأدواء فيفوز برجل من كل سبعة يموتون. وأخبرهم دون أن يُجلجل بصوته، فِعلَ مصاقع الخطباء، أن أطباء العالم يستطيعون اليوم التعرّف إلى بَشلِة السل ودرس عاداتها وخصائصها. وأخذ كوخ في الحديث عن هذه البشّلة، أصغرِ أعداء الإنسان وأكبرها به فتكاً، فعرّفهم بمكامنها ومراصدها وبمظاهر ضعفها ومظاهر قوتها، وأراهم طرائق لو أنهم سلكوها فلعلهم ماحون هذا المكروب القتال من على ظهر البسيطة.
وجلس كوخ، وأنتظر النِّقاش والحِجَاج والمعارضة التي لا بد منها عندما يختم باحث عرض بحث ثوريّ كالذي نحن بصدده. ولكن لم يقف رجل على قدم، ولم تنفرج بكلمة واحدة شفتان. وأخيراً اتجهت الأنظار إلى فرشو، سلطان دولة العلم الألمانية، ومهبط وحي
стр. 10755
الآلهة، والرجل الرّعاد الذي كان يعبس للنظرية الجديدة تهم بالظهور في تفسير الأدواء فيقضي عليها قبل ولادتها.
اتجهت الأنظار إلى هذا الداهية، فأنتصب قائماً، ووضع قبعته على رأسه، وغادر المكان - فلم يكن عنده ما يقول!
لو أن لوفن هوك كشف هذا الكشف الخطير في قرنه السابع عشر، أي قبل أيام كوخ بمائتي عام، لأستغرق انتشار خبر ذلك في أوربا أشهراً عديدة طويلة؛ أما في عام ١٨٨٢، فلم ينفضّ اجتماع الجمعية الفسلجية حتى شاع خبر هذا الكشف في الناس، وحمله البرق في نفس الليلة إلى أقاصي اليابان شرقاً إلى أقاصي أمريكا غرباً. وأصبح الصباح فكنت تراه في جرائد الأمم كالقنبلة انفجرت على صفحاتها الأولى. وهاجت الدنيا وماجت لاكتشاف كوخ، وجاءه الأطباء زرافاتٍ في السُّفُن وعلى القُطُر تسأله تعليمهم كيف يُطبخ الفالوذج اللحم، وكيف تُضرب المحاقن مليئةً بالجراثيم في أجسام الخنازير وهي تعتلج وتضطرب.
كشف بستور ما أكتشف، فأثار فرنسا من جرائه إلى التشاحن والتطاحن. أما كوخ فكشف عن مكروبة السل الخطيرة فهزّ بها الدنيا هزّاً. وكلما أجتمع حوله المعجبون صرفهم بتلويحة من يده وهو يقول: (ليس لكشفي كل هذا الخطر الذي تزعمون). وتهرّب منهم، وتهرّب من تلاميذه يتفرغ ما استطاع لأبحاثه الجديدة. وكان مثل لوفن هوك يكره التدريس، ولكنه غُصب عليه فكان يأتيه كاظماً كرهه، إلا تمتمةً وراء شفتيه، فدرّس ليابانيين يتكلمون الألمانية سقيما، وكلامهم بها أيسر عليهم من فهمهم إياها. ودرّس لبرتغاليين كانوا قوماً يستحيل عليهم صيد المكروب ولو تعلموه على كوخ مائة عام. وخاصم بستورَ خصومة كبرى سنأتي عليها في الباب القادم. وقام بين الفينة والفينة بتعليم عونه القديم جَفْكيِ كيف يتصيد مكروب التيفود. وأضطُر اضطراراً إلى حضور استقبالات.
وتقبّل الشارات، فإذا فرغ من هذه عاد إلى عونه الآخر لُفلار وكان من ذوي الشوارب الكبيرة الرائعة فأعانه فيما هو فيه، وكان قد أخذ في سبيل اقتناص ذلك المكروب الذي يَقْطُر سمّاً في حلوق الأطفال الرضّع فيميتهم اختناقاً، وأعني به مكروب الدفتريا.
أكتشف كوخ طريقته لتكثير المكروب على سطوح الأطعمة الجامدة، وهي طريقة مُغرقة
стр. 10756
في البساطة، إلا أنها على بساطتها فتحت له أبواباً شتى إلى كشوف شتى. ووصفها جَفْكيِ بعدئذ بزمن فقال إنها كانت كالشجرة المباركة، كُثر طرحها، وثقلت به فروعها، فما كان على كوخ إلا أن يهز بجذعٍ فتساقط في حجره بكل جَنيٍ من ثمرها.
لقد قرأت جميع ما كتب كوخ فلم أجد في شيء منها قرينة تدل على أنه عد نفسه يوماً كشافاً كبيراً ومبتكراً ذا بال. وهو لم يستشعر يوماً - كما أستشعر بستور - أنه كان بحق قائداً عظيماً في حربه التي أثارها على المكروب، وقد كانت من أشد الحروب التي أثيرت عليه، ومن أجمل الوقائع التي دبرّها الإنسان لصد غارات الطبيعة ودفع قساواتها. كان هذا الرجل القصير القليل الملتحي لا يطلب إلى الشهرة سبيلاً، ولا يمثل من أجلها في الناس تمثيلاً. ولكنه مع هذا رفع على مسرح الكون ستاراً عن درامة أخذت فصولها تتكشف عن معارك حامية أثارها اللاحقون من العلماء على رسل الموت مترسمين فيها خُطى هذا السبّاق الأول، مخاطرين بأرواحهم إلى حد النزق، وبأرواح سواهم إلى حد الأجرام، كل هذا ليثبتوا أن المكروبات أسباب الأدواء.
ولنضرب مثلاً لهؤلاء رجلاً يدعى الدكتور فِيلَيسِنْ خرج من معمل كوخ، فوجد مكروباً مستديراً كالكرة، وقد تشبث بعضه ببعض فأصبح كحبات السّبحة، فأخذ هذا المكروب من جلد أنتزعه تقويراً من مرضى بداء الحمرة، ثم رّباه، وبناء على نظرية حمقاء تقول إن إصابة من داء الحمرة قد تذهب بداء السّرطان، أطلق صاحبنا البلايين من هذه المكروبات في مرضى مسروطين قلّ الرجاء فيهم، وبعد أيام قلائل التهبت جلود هذه الحيوانات التجريبيّة من بني الإنسان بداء الحمرة وكاد يقضي عليهم قضاء مبرماً، وفاز صاحبنا الأرعن ببرهانه: إن هذه الحبّات السُّبحية سبب داء الحمرة.
ولنضرب مثلاً آخر تلميذاً من تلاميذ كوخ، وبطلاً من الأبطال الذين ذهب بأسمائهم الزمان، وعفى على ذكراهم النسيان، ذلك الدكتور جاريه بمدينة بازل فهذا الرجل سمع بستور يدّعى أن نوعاً آخر خاصاً من المكروب هو سبب الدمامل التي تصيب الإنسان، فما كان منه إلا أن قام إلى أنابيب اختبار ملأى بهذا المكروب فدعك بها ذراعه، فكان جزاءَه خُراجٌ كبير وعشرون دُمّلاً؛ وكان من الجائز أن يذهب ضحية جسارته، ولكنه أحتمل أوجاعه بسن ضاحكة، ووَصف ما لَقَي بأنها تجربة (غير لطيفة)، وصاح اغتباطاً بفوزه
стр. 10757
قال: أنا الآن أعلم أن هذه الحبوب العنقودية هي سبب الدمامل والخراجات.
وجاء عام ١٨٨٢ وقارب الختام، وانتهى بانتهائه الخصام الشديد الذي قام بين بستور وكوخ؛ وهو خصام على شدته لم يخل مما يضحك. أما بستور فأنفض يتفرغ بكل حوله إلى غياث الشياه والأبقار الفرنسية مما أصابها. وأما كوخ فأنفض يتشمم كالكلب في آثار مكروب جديد، هو في ذاته سهل القتل سريع الفناء، إلا أنه مع هذا شر المكروبات افتراساً للناس؛ ذلك مكروب الكوليرا. ففي عام ١٨٨٣ جاءت الكوليرا من آسيا تطرق باب أوربا. فرّت من مخابئها في الهند وتسلَّلَت في خفاء عَبْرَ البحار، وجازت الصحراء والرمال إلى مصر، ثم انبثت بعدواها المخيفة في الإسكندرية، وبقيت أوربا تنظر إليها من وراء البحر الأبيض وَجلِة مرتاعة. خيّمت هذه الوافدة الُمنكَرَة على ميناء مصر الحيّة فخفّ نبض الحياة فيها، وعم السكون شوارعها اكتئاباً لفواجع النهار الحاضرة، وارتقاباً لفواجع الليل التي هي لا بد آتية؛ ولم يكن يدري الناس من أمر هذه الوافدة شيئاً، إلا أنها وباء يسترق طريقه خُفيةَ إلى جسم الرجل السليم في الصباح، فإذا أتى العصر التوى تشنجاً وانطوى ألماً، فإذا خيّم الليل تباعد إلى الأبد ما بينه وبين الآلام.
وتنافس كوخ وبستور في كشف مكروب هذه الوافدة التي طلعت نُذُرها حمراء في الأفق البعيد. وما التنافس بين كوخ وبستورإلا تنافس بين ألمانيا وفرنسا. فقام كوخ وصاحبه جَفْكِي عن برلين قاصدين إلى مصر، وحملا معهما مكرسكوبات وحيوانات؛ وكان بستور في شُغْل شاغل يبحث مكروب الكلَب، فأوفد عنه أميل رُو والصموتَ السَّكوت تويّيه وكان أصغر بُحّاث المكروب في أوربا. وعمل كوخ وصاحبه الليل والنهار، فنسيا النوم والطعام، وقاما في حجرات موحشة يقطّعون جثث الموتى من المصريين. وقاما في معمل شديد الحر شديد الرطوبة حتى كاد جوه يتقطر ماء، كما تقطرت أنفاهما عرقاً على مكرسكوباتهما - قاما يحقنان قردة وكلاباً وقططاً ودجاجاً وفئراناً بالمواد الوبيئة التي استخلصاها من جثث الإسكندريين الذين ماتوا من الوافدة قريباً. ولكن بينما الفريقان الألماني والفرنسي يستميتان في طلب هذا المكروب الجديد، إذا بالوافدة تتزايل لغير ما سبب ظاهر، كما كانت جاءت لغير علة معروفة. ولم يكن منهم من تمكن من معرفة شيء عن المكروب المنظور، فنظروا إلى الموت المتراجع نظرة الآسف على فرصة أمكنت ثم
стр. 10758
أفلتت.
وهّم كوخ وجَفْكِي بالرجوع إلى برلين، وبينما هما يتأهبان للرحيل جاءهم رسول ينتفض ارتعاداً، فقال لهم: إن الدكتور تويّيه الباحث الفرنسي مات، ومات بالكوليرا.
كره بستور كوخ كرهاً شديداً، وأخلص له بالكره بقدر ما يكره الفرنسي الصميم؛ وكره كوخ بستور كرهاً شديداً، وأخلص له الكره بقدر ما يكره الألماني الصميم. ومع كل فما علم الألمانيان بالخبر خفَّا إلى رُو يقدمان عزاءهما ويبذلان عونهما. وصحب كوخُ رفات توّييه إلى مقره الأخير، وقد حملوه في صندوق بسيط عار من الزخرف. ولدى قبره وضع كوخ على تابوته الإكليل وقال (إنها غاية في البساطة، إلا أنها من الغار. العرف يجري بأن الغار هدية الأبطال). مات هذا الشاب الجسور، أماتته تلك المكروبات الضعيفة التي جاء يتقفاها أقتناصاً، فأقتنصته في الطِّراد من حيث لا يدري.
وانتهت جنازة هذه الضحية الأولى، فعاد كوخ إلى برلين ومعه صناديق بها عينّات كان صبغها بصبغات قوية فتراءت فيها مكروبة على صورة الواو. فكتب تقريره إلى وزير الدولة، وقال فيه: (لقد وجدت جرثومة واحدة في كل حالات الكوليرا التي بحثتها. . . . ولكني لم أثبت أنها سبب هذا الداء، فابعث بي إلى الهند حيث توجد الكوليرا دائماً. . . . ففي الذي وجدته ما يكفي لتبرير إرسالي إليها).
وغادر كوخ برلين قاصداً كلكتّا تصحبه ذكرى (توّييه) وذكرى فاجعته التي كانت. وصحبه خمسون فأراً قام عليها وصياً راعياً. وزاد دوار البحر في عنته. فكثيراً ما تصورت ما خاله ركاب السفينة من أمره، لعلهم ظنوه مبشراً حمله تحمسه على ما هو فيه؛ أو لعلهم حسبوه أستاذاً همه التنقيب عن تراث الهند القديم ووجد كوخ تلك المكروبة الواوية في كل جثة في جثة من الجثث الأربعين التي فحصها. ووجدها كذلك في مَعي المرضى عند أول إصابتهم بالكوليرا. ولم يجد أثراً لها في مئات الهنود الأصحاء الذين أمتحنهم. ولم يجدها في أي حيوان سليم، من الفأر الصغير إلى الفيل العظيم.
وسرعان ما تعلّم كوخ تربية هذه البشلات الواوية نقيةً على فالوذج حساء لحم الأبقار، وما استطاع القبض عليها في أنابيب اختباره حتى درس عادات هذه المخلوقات النباتية الصغيرة الشريرة فعرف أنها تموت سريعاً إذا هي جففت ولو تجفيفاً طفيفاً، وعرف كيف
стр. 10759
تتسلل إلى الرجال الأصحاء من ثياب الموتى وأفرشتهم بعد أن تتلوّث بأقذارهم؛ واستخرج هذه الواوات عينها من صهاريج الماء الآسن التي أجتمع الهندوس حولها في أكواخ حقيرة، بل زرائب بائسة، تخرج منها توجعات المرضى يستعْدون على الموت وليس من يُعدى ولا من يعين.
وركب كوخ البحر عائداً إلى بلده، فأستقبله الألمان استقبالهم قائداً عاد منتصراً، وأجتمع له العلماء الأطباء فقال فيهم: (إن الكوليرا لا تنشأ من ذات نفسها، فلا بد للمكلور من ابتلاع بَشِلَّتها الواوية، وهذه البشلة لا يمكن أن تنشأ إلا من بشلة مثلها، وهي لا تنشأ من شيء آخر غير هذه البشلة، وهي لا تنشأ من العدم، وهي لا تنمو وتتكاثر إلا في أمعاء الإنسان، وإلا في الماء إذا زاد قذره كماء الهند).
ألا حمدا ًلكوخ ولأبحاث كوخ وشجاعته، فهي التي أمنت أوربا وأمريكا من غارات هذه الوافدة الشرقية، ولم يبق لتأمين العالم منها إلا تمدين الهند ونشر الأنظمة الصحّية فيها.
- ٨ -
من يد الإمبراطور نفسه تسلم كوخ وسام التاج بنجمته؛ ومع هذا ظلت قبعته الريفية مطمئنة على رأسه الأكيس؛ وكلما أعجب به المعجبون وأثنى عليه المادحون قال: (أنا إنما أفرغت كل وسعي، فأن كنت نجحت فوق نجاح غيري، فما هذا إلا لأني وقعت اتفاقاً من مجاهل العلوم الطبية على أصقاع بكرٍ بها التِبْر كثير مركوم. فليس لي في الذي وجدت فضل كبير)
كان البحّاث الذين اعتقدوا أن المكروبات أسباب الأدواء وأعداء الإنسان رجالاً شجعاناً، ولكن هذه الشجاعة لم تفت خصومهم من الأطباء الأقدمين وعلماء الصحة المحافظين الذين هزءوا بالأحاديث الجديدة عن المكروبات المزعومة وظنوها ضلالة وخرفاً، ومن هؤلاء الخوارج الأستاذ الشيخ بيتنكوفر أستاذ ميونيخ وزعيم الشكاكين الذين لم تقنعهم تجارب كوخ على بساطتها ووضوحها. فلما عاد كوخ من الهند ومعه هذه المكروبات الواوية التي آمن بأنها أسباب الكوليرا، كتب له بيتنكوفر ما معناه: (أرسل إلي شيئاً من جراثيم الكوليرا المزعومة، وأنا أثبت لك أن لا ضرر فيها)
وبعث كوخ إليه بأنبوبة تعج بهذه الجراثيم القتالة، فما كان من صاحبنا إلا أن رفعها إلى
стр. 10760
فمه وأبتلعها ابتلاعاً. فأرتاع كل صياد يؤمن بالمكروب، فقد كان في هذه الأنبوبة بلايين من هذه الواوات تكفي لعدوى جيش؛ ولكن الأستاذ تمطى بعد ما شربها استخفافاً وصاح يتحدّى من خلَل لحيته الكثة: (والآن فلنصبر وننظر هل تجيئني الكوليرا كما يزعمون)، وانتظروا ولكن الكوليرا لم تأت لهذا الأستاذ المجنون، ولآي سبب تخلفت؟ لم يعلم أحد عندئذ ولا يعلم أحد إلى الآن من سر هذا شيئاً.
بلغ النزق الجسور بيتنكوفر أن قام بتجربة جاز أن يكون بها قضاؤه، وبلغ كذلك به اليقين بعدها أن زعم أنها قضت له قيما بينه وبين خصومه. فصاح فيهم: (ليس للمكروب شأن في الكوليرا، إنما الشأن لاستعداد الشخص المصاب)، والاستعداد كلمة مبهمة لا مفهوم لمعناها.
فصاح كوخ يجيبه: (لا كوليرا إلا بالبشلات الواوية).
فرد عليه بيتنكوفر: ((ولكني بلعت الملايين من بشلاتك القاتلة في زعمك ولم يصبني حتى وجعٌ في بطني).
كان في هذا الحوار، وأسفاه، ما يكون بكل حوار علميّ شديد: كلا الطرفين مصيب بعض الإصابة، وكلاهما مخطئ بعض الخطأ. فقد توالت الأربعون عاماً التي جاءت من بعد كوخ بحوادث كلها تؤيده في قوله إن الناس لا تأتيهم الكوليرا إلا إذا هم بلعو بشلته الواوية؛ وكل السنين التي توالت علمتنا أن تجربة بيتنكوفر ما هي إلا مثل غامض من كثير أَبَت حُجُب المجهول أن تكشف لنا عن تفسيره، حتى في هذا العصر الحاضر الذي نحن فيه عجز بحاث المكروب عن رفع طرف واحد من تلك الحجب الكثيفة، فالمكروبات الفاتكة تملأ الكون، وتنسّل إلى كل مكان، وهي مع ذلك لا تقتل منا إلا بعضنا؛ أما بعضنا الآخر فإنه يقاوم مقاومة تحير عقولنا اليوم كما حيرت عقول الجيل الصاخب في العقد الخامس من القرن الماضي، حين الرجال لا يبالون بالموت في سبيل إثبات ما يدعون أنه الحق؛ فما كان بيتنكوفر هازلاً فيما صنع. وكيف يهزل من مشى إلى الموت حتى صار منه على مدى شبر واحد. وقد بلع غيره من البحّاث على غير عمد مِثل الذي بلع من مكروب الكوليرا وماتوا على أثر ذلك شر ميتة.
وما قاربت أيام كوخ العظيمة تمامها حتى أخذ بستور وأعماله الكبرى تتراءى مرة أخرى ضخمة هائلة، فتلفت الناس والدنيا وتَزُجّ بكوخ وبغيره من البحاث إلى الوراء في رقعة
стр. 10761
الحوادث الخطيرة. فلندع الآن كوخ، ولنتركه إلى مواطنيه الطماحين ينصبون له غير عامدين شركا، بل داهية عظمى ومأساة كبرى طمست قليلاً من وهج هذا الاسم الكبير، أسم الرجل الذي أقتنص من أعداء الإنسان والحيوان مكروب الحمرة ومكروب الكوليرا ومكروب السل. وقبل أن أعود إلى بستور فأكشف عن الصفحة الأخيرة الناصعة من سفر حياته الخالد، دعوني أرفع قبعتي وأنحني احتراماً لكوخ - هذا الرجل الذي أثبت يقيناً أن المكروب ألدّ أعدائنا؛ هذا الرجل الذي نظّم بحث المكروب فجعل منه علماء؛ هذا الربّان الذي قاد السفائن في عصر من بطولة وأبطال عفّي الآن عليه النسيان بعض العفاء.
(انتهى كوخ)
أحمد زكي
стр. 10762
من روائع الشعر الأندلسي
رثاء الأندلس
لشاعر أندلسي مجهول
. . . . قصيدة بليغة من الأدب الأندلسي الرائع تصف أحسن وصف المأساة الأندلسية لم نعثر على قائلها، وقد طبعها لأول مرة على ما يظهر الأستاذ الدكتور صوالح محمد بالجزائر سنة ١٩١٤ مع ترجمة فرنسية وبعض تعليقات بالفرنسية ذكر فيها أن هذه القصيدة من جملة قصائد بعث إلى السلطان بايزيد العثماني بقصد الاستغاثة، وأشار إلى أن صحيفة الزهرة التونسية نشرت نتفاً منها منذ سنوات وطلبت من الأدباء أن يعلنوا عن صاحبها إذا عرفوه، ولكن لم يجب الصحيفة أحد: فبقي صاحبها مجهولاً؛ وقد عْرضتها على المؤرخ المغربي الكبير السيد محمد بن علي الدكالي السلوي فذكر لي أن صاحبها كما يفهم من القصيدة من مدينة المرية، ولعله أبو جعفر بن خاتمة، وقد تكون مذكورة في كتاب له يسمى مزية المرية الموجود منه نسخة خطية بمكتبة الأسكوريال.
ولقد أحببت أن أرسل إليكم نصها لكي تنشروه في مجلتكم الحافلة إذا راقكم لعل بين المشتغلين بالأدب الأندلسي من له معرفة بقائلها فيعلنه.
سلا - مراكش
عبد الرحمن حجي
أحقاً خبا من جَوِّ رندَة نورها … وقد كسفت بعد الشموس بدورها
وقد أظلمت أرجاؤها وتزلزلت … منازهها ذات العلا وقصورها
أحقاً خليلي أنَّ رندة أقفرت … وأُزعج عنها أهلُها وعشيرها
وهُدَّت مبانيها وثلت عروشها … ودارت على قطب التفرق دورها
وكانت عقاباً لا يُنال مطارُها … ومعقل عز زاحم النسر صوُرُها
هوت رندة الغراء ثم حصونها … وأنظارها شنعاء (كذا) عز نظيرها
وقد كن عقدا زين القطر نظمها … فقد فتح الآن البلاد نثيرها
وفرق شمل المؤمنين لهيبها … وقطع من أرحامهم زمهريرها
стр. 10763
تسلمها حزبُ الصليب وقادَها … وكانت شروداً لا يقاد نَفورُها
وقد ذهبت أديانها ونفوسها … وقد دثرت تحت السباء دثورها
فباد بها الإسلام حتى تقطعت … مناسبها وأستأصل الحق زورها
وأصبحت الصلبان قد عبدت بها … تماثيلها دون الآله وصورها
لقرع النواقيس اعتلى بمنارها … كرائه أصوات يروع صريرها
فيا ساكني تلك الديار كريمة … سقى عهدكم مزن يصوب نميرها
أحقاً أخلائي القضاء أبادكم … ودارت عليكم بالصروف دهورها
فقتل وأسر لا يفادي وفرقة … لدى عرصات الحشر يأتي سفيرها
لعمر الهدى ما بالحشا لفراقكم … سوى حُرَق سُحم تلظى سعيرها
ولوعة ثكل ليس يذهب روعها … ولا تنقضي أشجانها وزفيرها
ونفس على هذا المصاب حزينة … يذوب كما ذاب الرصاص صبورها
وقلب صديع ماج فيه بلاؤه … سويداؤه سوداء جمٌّ ثبورها
سأبكي وما يجدي على الفائت البكى … بعبرة حزن ليس يرقا عبورها
شآبيب دمع بالدماء مشوبة … يساجل قطر الغاديات درورها
عويلاً يوافي المشرقين بريحه … وثكلاً بأقمار قد أطفئ نورها
فوا حسرتاكم من مساجد حولت … وكانت إلى البيت الحرام شطورها
ووا أسفاكم من صوامع أوحشت … وقد كان معتاد الأذان يزورها
فمحرابها يشكو لمنبرها الجوى … وآياتها تشكو الفراق وسورها
وكم من لسان كان فيها مرتِّل … وحفل بختم الذكر تمضي شهورها
وكم من فتى ثبت الجنان مهذب … يود المنايا وهو كان يديرها
يصول على الأبطال صولة ضيغم … فيرهبه شبل الشرى وهصورها
له في سبيل الله خير نقيبة … تزان لها عِين الجنان وحورها
له في جناب الكفر أجدى نكاية … وشعواء غارات يثاب مغيرها
يُراع لها دين الصليب وحزبه … ويخزى بها غنُصالها ورُمِيرُها
وكم أنفس كانت لديه أسيرة … فأضحى لعمر الله وهو أسيرها
стр. 10764
تحكم فيه الشرك وهو موحد … كما قد قضى جبارها ونذيرها
وكم طفلة حسناء فيها مصونة … إذا سفرت يسبي العقول سفورها
تميل كغصن البان مالت به الصبا … وقد زانها ديِباجها وحريرها
فأضحت بأيدي الكافرين رهينة … وقد هتكت بالرغم منها ستورها
وقد لطمت وَاَحرَّ قلبي خدودها … وقد أسبلت وأدمع عيني شعورها
وإن تستغث بالله والدين لا تغث … وإن تستجر ذا رحمة لا يجيرها
وقد حيل ما بين الشفيق وبينها … وأسلمها آباؤها وعشيرها
وكم من عجوز يحرم الماء ظمؤها … على الذل يطوي لبثها ومسيرها
وشيخ على الإسلام شابت شيوبه … يمزق من بعد الوقار قتيرها
وكم فيهمُ من مهجة ذات ضجة … تود لو انظمت عليها قبورها
لها رَوعة من وقعة البين دائم … أساها وعين لا يكف هديرها
وكم من صغير حيز من حجر أمه … فأكبادها حراء لفحُ هجيرها
وكم من صغير بدل الدهر دينه … وهل يتبع الشيطان إلا صغيرها
وكم من شقيّ يسرت هذه له … سبيلاً إلى العسرى يحيف كفورها
كروب وأحزان يلين لها الصفا … عواقبه محذورة وشرورها
فيا فرحة القلب الذي عاش بعدها … ويا لعمى عين رآها بصيرها
ويا غربة الإسلام بين خلالها … ويا عشرة أنَّى يقال عثورها
ويا ليت أمي لم تلدني وليتني … بليت ولم يلفح فؤادي حرورها
وما خير عيش يعذب الموت دونه … ويغبط قل الأهل فيه كثيرها
فيا ليت شعري بعد ما صح موتها … أيرجي على رغم العداة نشورها
ويا ملة الإسلام هل لك عودة … لأرجائها يشفي الصدور صدورها
وهل تسمع الآذان صوت الأذان في … معالمها تعلو بذاك عقيرها
ويا لعزاء المؤمنين لفاقة … على الرغم أغنى من لديها فقيرها
لأندلسَ ارتجت لها وتضعضعت … وحق لديها محوها ود ثورها
منازلها مصدورة وبطاحها … مدائنها موتورة وثغورها
стр. 10765
تهائمها مفجوعة ونجودها … وأحجارها مصدوعة وصخورها
وقد لبست ثوب الحداد ومزقت … ملابس حسن كان يزهو حبورها
فاحياؤها تبدي الأسى وجمادها … يكاد لفرط الحزن يبدو ضميرها
فلو أن ذا ألف من البين هالك … لذابت رواسيها وغاضت بحورها
على فرقة الدين الذي جاءها به … بشير الأنام المصطفى ونذيرها
فمالقة الحسناء ثكلى أسيفة … قد استفرغت ذبحاً وقتلاً حجورها
وجزت نواصيها وشلت يمينها … وبدل بالويل المبين سرورها
وقد كانت الغربيّة الجُننَ التي … تقيها فأضحى جنةَ الحرب سورها
وبلّش قطت رجلها بيمينها … ومن سريان الداء بان قطورها
وضَحّت على تلك الثنيات حجرها … فأقفر مغناها وطاشت حجورها
وبالله إن جِئتَ المنكب فأعتبر … فقد خف ناديها وجفّ نضيرها
وسكّرُها قد بدل اليوم علقماً … لها رجة نار الهيام تثيرها
وعرجْ على الإقليم فأبك ربوعها … بسحب يضاهي المعصرات خريرها
وودع بها وفد النعيم فأنها … لها أدمع فين الدموع يميرها
ألا ولتقف ركب الأسى بمعالم … قد أرتج باديها وضج حضورها
بدار العلى حيث الصفات كأنها … من الخلد والمأوى غدت تستطيرها
محل قرار الملك غرناطة التي … هي الحضرة العليا زهتها زهورها
فما في العراقين العتيقين مثلها … ولا في بلاد الله طراً نظيرها
تُرَى الأسى أعلامها وهي خشع … ومنبرها مستعبر وسريرها
ومأمومها ساهي الحجى وإمامها … وزائرها في مأتم ومزورها
لها حال نفس قد أصيب فؤادها … وبتت لها اليمنى وحم تبورها
فأنفسها في الصعق دون إفاقة … كنفس كليم الله إذ دك طورها
وقد ذعرت تلك البنيّات حولها … فهن بواكي الأعين الرمد مُورها
وقد رجفت وادي الأشى فبقاعها … سكارى وما استاكت بخمر ثغورها
لقد أظلمت حتى لفرط حدادها … سواء بها نجل العيون وعورها
стр. 10766
وبسطة ذات البسط ما شعرت بما … دهاها وأنى يستقيم شعورها
على عظم بلواها وطول وبالها … وما كابدت من ذا المصاب نحورها
وما أنس لا أنس المرية إنها … قتيلة أو جال أزيل عذارها
فلو أحرق الثكل المصابين أصبحت … تأجج من حر الو جيف بحورها
فيا أصدقائي ودعوها كريمة … أو استدعوها مَن إليه أمورها
منازل آبائي الكرام ومنشئي … وأول أوطان غذانيَ خِيرها
وأقروا عليها من سلامي تحية … تجددها آصالها وبكورها
أماناتها ضاعت فضاعت رقابها … لقد عميت عين تبدد نورها
أضعنا حقوقَ الرب حتى أضاعنا … وقضت عرى الإسلام إلا يسيرها
وملتنا لم نعرف الدهر عرفها … من النكر فأنظر كيف كان نكيرها
بما قد كسبنا نالنا ما أنالنا … كذا السيرة السوأى لدى من يسيرها
بشقوتنا الخذلانُ صاحب جمعَنا … ويؤنا بأحوال ذميم حضورها
بعصياننا استولى علينا عدونا … وعاثت بنا أسد العدا ونمورها
نعم سلبوا أوطاننا ونفوسنا … وأموالنا فيئا أبيحت وفورها
علوها بلا مهر وما غمزت لهم … قناة ولا غارات عليهم ذكورها
وقد عوت الإفرنج من كل شاهق … علينا فوفَّت للصليب نذورها
وقد كثرت ذؤبانها وكلابها … وقد كسرت عقبانها ونسورها
وجاءت إلى استئصال شأفة ديننا … جيوش كموج البحر هبت دَبورها
علامات أخذٍ مالنا قِبَلٌ بها … جنايات أخذ قد جناها مثيرها
فلا تمتحي إلا بمحو أصولها … ولا تنجلي حتى تخط أصورها
معاشر أهل الدين هبوا لصعقة … وصاعقة وأرى الجسوم ظهورها
أصابت منار الدين فأنهد ركنه … وزعزع من أكنافه مستطيرها
أدارت علي غريبة الدهر أكؤساً … فظاعا بسكر الدهر تقضي خمورها
ودبت أفاعيها إلى كل مؤمن … وعضّ بأكباد التقاة عَقُورها
أنادي لها عجم الرجال وعربها … نداء سراة القفر إذ ضل عيرها
стр. 10767
وأستنفر الأدنى فالأدنى فريضة … على زمر الإسلام جلت أجورها
على كل محتاج لفضل دفاعها … فليس يؤدي الفرض إلا نفيرها
ألا وارجعوا يا آل دين محمد … إلى الله يغفر ما أجترحتم غفورها
أنيبوا وتوبوا واصبروا وتصدقوا … وردوا ظُلامات يبيد نقيرها
ومن كل ما يردي النفوس تطهروا … فليس يزكي النفس إلا طهورها
لا واستعدوا للجهاد عزائماً … يلوح على ليل الوغى مستنيرها
بأسد على جُرد من الخيل سبق … يدعُّ الأعادي سبقها وزئيرها
بأنفس صدق موقنات بأنها … إلى الله من تحت السيوف مصيرها
تروم إلى دار السلام عرائساً … على الله في ذاك النعيم مهورها
وضرب كأن الهام تحت ظلالها … حثالة نور الورد ذرَّ ذرورها
وطعن يرى الخطِّىَّ في مهج العدا … كأقلام ذات الخط خطت سطورها
يمين هدى إن تتقوا الله تنصروا … وتَحْظَوا بآمال يشوق غريرها
فلا يَخذل الرب المهيمن أمة … تدين بدين الحق وهو نصيرها
وأن أنتمُ لم تفعلوا فترقبوا … بوادر سخط ليس يرجى فتورها
وأيام ذل واهتضام وفرقة … يطاول آناء الزمان قصيرها
وأهدوا لدين الشرك كل خريدة … خبتها على طول الليالي خدورها
وكل نفيس من نفوس كريمة … وأعلاق أموال خطير خطيرها
وحق العظيم الشأن لا عيش بعدها … بلايا يمر الطيبات مرورها
فنرفع شَكْوَاهَا لعالم سرها … فليس لها في الخبر إلا خبيرها
نمد أكف الذل في باب عزه … بأفئدة خوف الفراق يطيرها
فأن لم يُقِل رب العباد عثارَنَا … فهذا العدو الضخم حتماً يبيرها
آله الورى ندعوك يا خير مرتجىً … لكالحة هز الصليبَ سرورها
وشقت جيوب المؤمنين وأسخنت … عيونهمُ والكفر ظل قريرها
وليس لها يا كاشف الكرب ملجأ … إذا لم يكن منك التلافي ظهيرها
أغث دعواتِ المستغيثين أنهم … ببابك موقوفو الحشاشات بورها
стр. 10768
وليس لهم إلا الرسول وسيلة … شفيع الورى يوم التنادي بشيرها
أمام الهدى بحر الندى قامع العدا … وأول رسل الله فضلاً أخيرها
محمد المختار من آل هاشم … سراج السموات العلى ومنيرها
دعوناك أملناك جئناك خشعاً … بأنفس استولى عليها قصورها
نجاه العظيم الجاه أدرك ذماءنا … برحمي يُحلّيِ المؤمنين شذورها
وعفو وتأييد ونصر مؤزر … وعِزة سلطان يروق طريرها
ولطف وتسديد وجبر لما مضى … يدال به من كل عادٍ كسيرها
وأرسل على هذا العدو رزيّة … يروح ويغدو بالبوار مبيرها
يشتت شمل الكفر تشتيت نقمة … وينظم شمل المؤمنين حصيرها
وصلّ على خير البريةِ أحمدٍ … وأكرم من قد أنجبته ظهورها
وأصحاب الشهب الهداة وآله … صلاة مع الآناء يزكو عبيرها
стр. 10769
٢ - سكان أعالي النيل
بقلم رشوان أحمد صادق
كذلك تستعمل الماشية في القرابين، ليكون هناك اتصال بين النويري والآلهة وأرواح أجداده، فمثلاً في أوقات الشدائد مثل المرض والموت والتشليخ (تشريط الوجه) والزواج يجب أن يحوز النويري رضاء الأرواح الطيبة، وذلك بأن يُستحضر عجل أو كبش، ثم يوضع على ظهره مسحوق من الرماد، ثم يقول له صاحبه ما يريده من الأرواح، ثم يطلق إلى حال سبيله لكي يخبر الأرواح بما يريده سيده.
والنويري يرى دائماً أنه لا بد أن توجد علاقة بينه وبين الأرواح، وذلك يكون بإهدائها بقرة، وهذه البقرة تترك في المنزل ولا يحل له ذبحها أو استعمالها لأي غرض من الأغراض ما دام قد وهبها للأرواح. فإذا ماتت فأن أحد أولادها يحل محلها كحلقة اتصال بين النويري والأرواح. والقطيع من الماشية تتعهده مجموعة من الأفراد تجتمع لهذا الغرض، إذ لا يمكن أن يتعهده فرد واحد. ومن ذلك يتبين إلى حد بلغت علاقة النوير بالماشية خصوصاً إذا ما علمنا أن أي فرد من هذه المجموعة لا يمكن أن ينفصل عنها، لأن طعامه اليومي وزواجه ونجاته من شر الانتقام متوقف على بقائه داخلها. وهكذا يظل النويري طول يومه يرعى ماشيته ولا حديث له سواها، ولذا قلما ينادي رجل من النوير باسمه، بل يعرف باسم أحد (عجوله أو ثيرانه)، فمثلاً بدل أن ينادي رجل باسمه ينادي بهذه العبارة: (أيها الثور أو العجل الأسود الأبيض ذو القرنين).
والنوير ينقسمون إلى عدة قبائل كل منها مستقل سياسياً، ولكل منها مقاطعة تتمتع بكل مواردها الاقتصادية، وكل واحد منهم يعرف حدود مقاطعته، وإذا حدث أن أحد أفراد قبيلة أستغل موارد مقاطعة أخرى غير مقاطعته فأن ذلك يعتبر اعتداء يثير الحرب على الأثر، فإذا قامت الحرب فأنها لا تقف إلا إذا تساوى عدد القتلى في الطرفين.
والأستاذ الدكتور أيفانز بريتشاد يشرح النظام الحربي كما يأتي:
تنقسم القبيلة إلى قسمين أ، ب، وكل قسم من هذين ينقسم إلى قسمين، فـ أتنقسم إلى جـ، د، ب تنقسم إلى هـ، و. وهذه الأقسام الصغيرة تنقسم إلى أصغر منها وهكذا.
فإذا نشبت الحرب بين ل، ن لا يتدخل أحد، وإذا نشبت بين ل، م تدخل ن في صف ل،
стр. 10770
وإذا نشبت بين ل وأي فرع من فروع ن فإن جميع الأجزاء التي تتفرع من جـ، د تشترك مع ل في الحرب.
وإذا كان هناك حرب بين هذه القبيلة وقبيلة أخرى فأن جميع فروع هذه القبيلة المكونة أ، ب تنظم ضد القبيلة الأخرى وعلى العموم فما دامت الحرب بين أجزاء القبيلة فأن القبيلة تتحد ضد أي عدو خارجي.
والنوير عبارة عن عدة قبائل تربطها الحفلات العامة والظروف الحربية والدينية والقصص القديمة، هذا علاوة على الروابط الجنسية كرابطة الدم مثلاً. والعادة المتبعة أن الرجل لا بد أن يتزوج من قبيلة غير قبيلته.
ومن أهم المظاهر الاجتماعية بين النوير مسألة التشليخ (تشريط الجبهة) فكل ولد يبلغ من العمر أربع عشرة سنة لا بد أن تعمل له ستة شروط (أو خطوط) على جبهته من الأذن إلى الأذن الأخرى، وبذلك يعتبر أنه أصبح رجلاً، فتتغير حياته الأجتماعية، ويصبح عليه بعض الواجبات نحو المجتمع الذي يعيش فيه. ومن أمثلة هذا التغير أنه لا يقوم بتربية الماشية، وعليه ألا يحلبها إذ يقال إن البقرة إذا حلبها شخص مشلخ فأنها تموت، وعملية التشليخ هذه أدت إلى ظهور الحلقات الاجتماعية المختلفة، فمثلاً كل الصبية الذين يشلخون في سنة واحدة يكونون حلقة واحدة وعليهم واجبات نحو بعضهم وأخرى نحو الرجال المحترمين في مجتمع النوير. وهذه العملية تعمل كل أربع سنوات؛ فمثلاً إذا أقيمت عملية التشليخ سنة ١٩٣٠ فأن عملية التشليخ الثانية تكون سنة ١٩٣٤، وبذلك يمكن تقسيم النوير من الوجهة الاجتماعية إلى قسمين: (١) الرجال المشلخون (٢) الأولاد غير المشلخين. والنوير ليس عندهم رجال شرطة أم محاكم أو نظم حكومية، وإنما يعتمدون على بعض الرجال الروحانيين أو رجال الدين، وأهم هؤلاء (اللوبارد)، ويقوم بحل الخصومات وإرغام الخصم على قبول التعويضات، ومع ذلك فسلطته غير عملية، فليس لديه من وسائل العقاب إلا أن يلعن الشخص غير المطيع لأوامره. وهذا قلما يحدث لأن النويري يخاف سلطة هذا الرجل. كذلك يوجد عدد كبير من الرؤساء المختلفين مثل رئيس الماشية ورئيس الأسماك وغيرهما.
الشلك
стр. 10771
وهم المجموعة الثانية من الزنوج النيليين ويشبهون النوير في الأحوال الاجتماعية والاقتصادية، ولكنهم يمتازون بنظام حكومتهم، فهم يكونون وحدة متينة برآسة ملك مطلق التصرف من حيث السلطة الروحانية والزمنية.
ولدراسة مركز هذا الملك من الوجهة الروحانية يحسن أن نرجع إلى القصة التي يذكرونها عن منشئهم، فهم يذكرون أن (نيا كنج) أخذ أتباعه وسار من موطنه الأصلي شمالاً إلى منطقة شرق بحر الغزال، وأستمر في الفتح والغزو حتى كون أمة وأسرة مالكة. (ويعتبر هذا الرجل بطل الشلك وربما كان ذلك في أوائل القرن السابع عشر) وإنه لم يمت بل تلاشى في الرياح. وبذلك أصبح موضع احترامهم منذ اختفائه. ويعتقدون أن روحه تنتقل إلى كل ملك يحكمهم، وهذا هو السبب في المركز الروحاني لملك الشلك. ولذلك فهم يعتقدون بأن الملك مسئول عن سعادة شعبه؛ ولا بد لكي يكون ذلك ممكناً أن تنتقل روح نيكا كنج إلى ملك قوي صحيح الجسم؛ ونتج عن ذلك الاعتقاد أن الملك إذا أظهر ضعفاً بأي شكل كان لا بد من أن يذبحوه لأنهم كانوا يظنون أن ضعف الملك الجسماني يضعف روح نيكا كانج وبذلك تمرض الماشية ويقل نتاجها ويموت كثير من المرضى ويضعف نتاج الأرض وربما يخيب المحصول.
وتدخل روح نيا كنج جسم الملك أثناء حفلة التتويج. وحسب تقاليد الشلك القديمة كان أي فرد من العائلة المالكة يتمكن من قتل الملك كان يحل محله ولذلك أصبح من المفروض أن الملك ينام نهاراً ويستيقظ ليلاً كيما ينجو من الفتك به على انفراد. ومن المتبع أن الملك لا يطلب المعونة أثناء الاعتداء عليه كذلك القاتل. فكلا الاثنين يرى أنها مسألة كفاح ومن الشرف أن يفوز أحدهما على الآخر. هذه هي الطريقة القديمة لقتل الملك وتنصيب غيره وحديثاً تغيرت تلك العملية إلى حد ما فيقوم بقتل الملك جماعة يسمون (أورورو) وينتخبون من بعض العائلات التي يقال إنها من سلالة الملك الثالث للشلك. ومنذ قرون كانت تعلق جثة الملك على سور كوخ حتى يفنى.
وتعقب قتل الملك عادة فترة يكون العرش فيها خالياً لمدة أشهر وفي هذه المدة يحضرون تمثالاً للبطل نيا كنج من مكان مقدس بجهة أكروا يحملونه إلى فاشودة حيث مقر الملك. ويحضرون معهم أيضاً مقعداً ذا أربعة أرجل يزعمون أنه من بقايا أمتعة نيا كنج وتجري
стр. 10772
عملية التتويج وأبدع ما فيها أن يوضع التمثال على الكرسي قليلاً ثم يرفع ويجلس الملك الجديد مكان التمثال توا.
والغرض من هذه المسألة هو نقل روح نيا كنج إلى جسم الملك الجديد. وملك الشلك يعتبر مسئولاً عن حفلة نزول المطر إذ يطلب من الملك نيا كنج الذي يعيش في الفلك أن ينزل المطر. وهذه الحفلة تقام في فاشودة وفي نفس الوقت يقوم بهذه الحفلة ممثلوه في أجزاء مملكته المختلفة.
الدنكا
ويشبهون كلا من النوير والشلك في كثير من الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية وهم المجموعة الثالثة من الزنوج النيليين. ويحاكون الشلك في مسألة الرئيس الذي يقوم بحفلة المطر فهو ملك مقدس أيضاً. غير أنهم يخالفون الشلك في مسألة قتل هذا الرئيس، فهم لا يقتلونه بل يتركونه حتى يصبح هرماً ويطلب القتل، إذ يرى أنه أصبح غير كفء لقيادة قومه وإرشادهم. وعملية القتل تنفذ كما يأتي: ينام هذا الرجل على لوح من الخشب على شكل (نقالة) ويوضع في قبر أعد له حيث يبقى نحو أربع وعشرين ساعة يتلو في خلالها ملخصاً لأعماله وينصح للجمع المحتشد حول القبر حتى إذا ما خارت قواه وأصبح غير قادر على متابعة الكلام طلب من أتباعه إغلاق القبر فيختنق ويموت. وهو يفضل هذا النوع من الموت على الموت الطبيعي لأنه يرى أنه إذا ترك حتى يموت موتاً طبيعياً فأن أبنه لا يمكنه أن يخلفه وعند ذلك تصبح القبيلة في حاجة إلى رئيس روحاني يقوم بعملية جلب المطر.
(يتبع)
رشوان أحمد صادق
стр. 10773
الشك لا يهدي
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
- ١ -
رأيتُ الهدى في الشكّ والشك لا يهدي … كأنيَ بالظلماء قد كنتُ أستهدي
فطوراً أقول الروح كالجسم هالك … وطوراً أقول الهُلكُ عنه على بعد
فيالك من شك يبرّح بي ولا … يبارحني حتى أُسّدَ في لحدي
وإنيَ لا أدري أرشديَ كان في … ضلاليَ هذا أم ضلاليَ في رشدي
أأفقد جسمي وحده عند ميتتي … أم الروح مثل الجسم يشمله فقدي
أروحٌ وجسمٌ أم هو الجسم وحده … يحرّكني فيما يضلّل أو يهدي
أعذّب حوبائي بما أنا فاكرٌ … كأنيَ من أعداء حوبائيَ اللُدّ
- ٢ -
إذا كان روحي مثل جسمي يَهلك … فأني لأبكي في مصابي وأضحك
ولو خيروني بين تركي لواحد … فأني لجسمي دون روحيَ أترك
يحرّك روحي الجسمَ وهو يحلّه … فمن ذا لهذا الروح فيَّ يحرّك
وقبل وجودي أين كان مكانه … فهذا هو الشيء الذي لستُ أدرك
وقد يستطيع الروحُ حلاً لمشكلي … ولكن مجالُ الروح في الجسم يضنك
وأطلب من عقلي الهدى في ضلالتي … ومن أين يعطي العقلُ ما ليس يملك
دع الموتَ يأتي فتكه بهما معاً … كما كان هذا الموت بالناس يفتك
- ٣ -
عهدتك يا روحي إلى الحق تجنح … فهل بجواب إن سألتك تسمح
تقول سأبقى بعد موتك خالداً … أأنت تريد الجدَّ أم أنت تمزح
فإن كان جداً ما تقول فما الذي … ستصنع بعدي يومَ مني تبرح
تجيب وقد يُغرى جوابك قائلاً … سألحق أرواحَ الذين تطوحوا
وإن الفضاء الرحبَ ما زال طافحاً … بأرواح موتى في السموات تسبح
стр. 10774
فقلت له في سبيلك راشداً … ولا تنس جسماً ليس بعدك يصلح
فيا روح قبّلني وصافح مُودِّعاً … فأنيَ لا أدري متى لك ألمح
- ٤ -
نهارٌ لسيل النور فيه دفوق … وليلٌ كأن النجم فيه خروق
ألوفٌ من الأكوان تقصو كأنها … تريد أتساعاً بالفضاء يليق
وعند أفتكاري في الوجود كأنني … أخوض خِضماً والخِضمُّ عميق
طريقي لإدراك الشؤون معّبدٌ … ومالي لإدراك الوجود طريق
فيا نفس سيري في الفضاء طليقةً … فلا شيء فيه للنفوس يعوق
لأنتِ شعاع طار من مستقرّه … وكلُ شعاع بالبقاء خليق
تحيق المنايا بالجسوم كثيفة … وأما بأرواحٍ فليس تحيق
- ٥ -
يقولون إن النفس حقٌ وجودُها … فلا ينبغي إنكارها وجحودها
وبعد الردى تطوى السماء خفيفةً … وإن بعدت في اللاتناهي حدودها
وما الجسم إلا دولة مستقلة … لها حكُمها في أهلها وجنودها
وما أهلها إلا خلايا صغيرة … وما النفس ذات الحول إلا عميدها
وما هي إلاّ ومضةُ من شعاعة … فإن خلدت ما كان بدعاً خلودها
فقلتُ لهم هذا جميلٌ وعله … خيالاتُ عقلٍ شاردٍ لا أريدها
ولم يكن الإنسان إلا أبن غابةٍ … على فُجأةٍ قد أنجبته قرودها
- ٦ -
سيطفئ يأسي في المشيب حياتي … وأذهب من نور إلى ظلمات
ويحملني صحبي إلى القبر إنني … به بعد حين لست غيرَ رفات
تقَطَّعُ اوصالي وتبلى جوانحي … وليس بوسعي أَن أبث ّشكاتي
وأجْملْ بأيام الصبِّا فهي لم تكن … على الفم من دهري سوى بسمات
ولكن أيام الصبا قد تصرّمت … ولم تبق ذكراها سوى الحسرات
стр. 10775
وفارقت أيامَ الشباب حميدةً … وإن كَثرت في عهده عثراتي
قضيت شبابي مُطمئناً وبعده … أتى الشيب منهوكاً من الشبهات
- ٧ -
من الموت مهما مضّ لستُ بخائف … ولكن وراء الموت ماذا مصادفي
خضعتُ لعقلي في حياتيَ كلها … وما كنت يوماً خاضعاً لعواطفي
وكنت إلى لمس الحقائق نازعاً … أنزه سمعي من سماع السفاسف
تعذّبتُ عمراً من مخالفة الورى … فيا ليتني قد كنت غيرَ مخالف
عجبت لجذعي كيف ظلّ مقاوماً … فقد كان معروضاً لضرب العواطف
لقد قذفتني بالمسبات ثلّةٌ … ولم أتجنّب شرَّ تلك القذائف
وكم شنّ ذو جهل على العلم غارة … وكم كان ذبّي صادقاً في مواقفي
- ٨ -
تجمّع يرميني خميس عرمرم … أأنكص كالمغلوب أم أتقدم
ولكنني اخترتُ التقدّمَ إنه … لمن كان يستبقي الحياةَ لأسلم
وللعلم أنصارُ وللجهل مثلُها … ولكن أنصار الجهالة أعظم
لقد حاربوني بالمسبّة والخنا … وحاربتُهم بالعلم والعلُم مخذم
إذا كان ليلي قد تجهّم وجهُه … فأن صباحي بعده يتبسّم
يقصّ عليك الشيخُ منهم خرافةً … فتحسب أن الشيخ في النوم يحلم
تصرّم عهدُ الجهل في الغرب كله … ولكنه في الشرق لا يتصرّم
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 10776
الحق هو القوة
للأستاذ إبراهيم إبراهيم علي
ذهب السكوت فلا سكوت … (شعبٌ ينام ولا يموت)
إن كنتً من ذهب فإن … ك من نسيج العنكبوت
الصمت يطلب عن خناً … لا عن صلاةٍ أو قنوت
والصمت يحسن في التفا … خر بالخزائن والبيوت
والصمت يُحمد في التكا … ثر بالكراسي والدسوت
وعن الأكاذيب المشا … عة في جهارٍ أو خفوت
والصمت أجمل في المقا … بر وهي واعظةٌ صموت
أما عن الحق المضا … ع فليس يحتمل السكوت
لم تكتمون الحق عن … أوقاته حتى تفوت؟
لم تحبسون الحق في … أعماقكم كيما يموت؟
الحق حر مطلقٌ … مهما تعثر في القيودْ
الحق صوت صائحٌ … في صرخةٍ أو في همود
الحق ضوء نافذٌ … مهما تكاثفت البرود
مهما تعددت السد … ود عليه فأخترق السدود
الحق ينطق (فتنةً) … في اللحظ حيناً والخدود
في الشمس تشرق من أعا … ليها على هذا الوجود
في البدر. في زهر الكوا … كب. في الرشاقة والقدود
في البحر مضطرباً وفي … أمواجه بعد الركود
في الغصن كلل بالزهو … ر وبالبنفسج والورد
في الروض أيقضه الندى … في الصدر زانته النهود
الحق ينطق (قوةً) … والحق أقوى، لا مراءْ
في البحر يضرب موجُه … حتى ليرتعب الفضاء
في الرعد. في السيل المح … طم. في العواصف والبلاء
стр. 10777
في النار تفتك بالحدي … د، كأنه النسج الخِواء
في ثورة البركان في … غضب الزلازل وهي ماء
في سطوة الأيام تق … هر بالمقادر والقضاء
فإذا الملوك أذلّةُ … وإذا الممالك: لا وقاء
الحق ينصر نفسه … إن خلّفته الأنبياء
وهو المظَّفر دائماً … في الأرض (حقاً) والسماء
إن تنصروه فقد نصر … تم أنفساً لكمو هباء
أو تخذلوه فقد خذل … تْمِ هذه الروح الغباء
ولقد يصول الحق بالضّعْـ … فَى فيردي الأقوياء
ولقد يثير الحق شاةً … تملأ الدنيا مضاء
فإذا الذئاب وهم حيا … رى هاربون، ولا نجاء
الحق حقٌ فأنطقوا … أو فأسكتوا فيها: سواء!!
قليوب
إبراهيم إبراهيم علي
стр. 10778
القصص
صور من هوميروس
١٩ - حُروب طَرْوَادَة
بعد مصرع هكتور. . .
للأستاذ دريني خشبة
أنتصر أخيل!
وعاد بجثة هكتور ليجد أمه ما تزال تسقي بتروكلوس خمراً! وما تزال تدفع عن القتيل المسجى فوق سرير الموت أسراب الذباب! وما تزال تذرف الدموع الغوالي!
ويهرول زعيم الميرميدون، ويهرول معه جنوده حول جثة صديقه ثلاثاً، ثم يقف فوق الرأس المتشح بجلال الفناء. ويقول: (السلام عليك يا بتروكلوس فلقد ثأرت لك! السلام عليك فأنت خيرٌ حياةً من كثيرين ممن ينعمون بالحياة، وإن تكن تسبح في لا نهاية هيدز!
هاك غريمك هكتور سأتركه جزر السباع وكواسر الطير، وسأضحي لك باثني عشر من خير شباب اليوم. . . . أذبحهم عند قدميك بيدي!
(إبكوا بتروكلوس يا رفاق!. . . .)
فيبكي الميرميدون على بطل أبطالهم، ويعولون حتى تخفق السماء بأناتهم، وتضطرب الأرض بزفراتهم، ويمتلئ الهواء من حولهم أسى وشجوناً!
ويقبل الهيلانيون من كل فج يهنئون ويعزون: يهنئون بقتل هكتور، ويعزون، ويا حرّ ما عزوا، في بتروكلوس!
ويمتلئ بهم شاطئ الهلسبنت؛ ويأمر أخيل رجاله فيؤتى بالشاء والظباء، وبكل عجلٍ جسدٍ وخنزير سمين؛ وتؤجج النيران، ويسطع الشواء حتى ينضج، وتكون وليمة يقبل عليها القوم أيما إقبال. . . إلا أخيل. . . المنعكف وحده يذرف الدموع على بتروكلوس. . .
وأمر أجاممنون بماء ساخن يغسل به أخيل ما عليه من نضخ الدم وغبار المعركة، ولكن أخيل يأبى إلا أن يظل النضخ ويبقي الغبار حتى يتم تحريق بتروكلوس، وحتى تنتهي المراسيم الدينية التي تقتضيها السماء. . . ويفرضها بلوتو على موتاه!
стр. 10779
وتفرّق الهيلانيون بعد أكل شهي وري، ونهض الميرميدون إلى خيامهم يخلعون عددهم ويستجمون من عناء اليوم الحافل، ولبث أخيل وحده على الشاطئ الشاحب يرقب أواذيه الصاخبة، ويرى إلى أعراف الموج تنتطح هنا وهناك، وترتد وترتد حتى تغيب في لا نهاية الماء!
ثم غفا إغفاءةً فتمدد على العشب، وأسلم جفنيه لنوم عميق ورأى ظلاً حزيناً يُطيف به ولا يكاد يبين، فتقلّب ذات اليمين وذات الشمال مما تأخذه الرؤيا به، ولكن الشبح ما يفتأ يُهوّم ويهوم، ويقترب ويقترب، حتى يكون عند رأسه، وحتى يقر النائم فما تبدو منه حركة، ويسكن فما يتردد فيه نَفَس، ويَحْسِر الزائر لثامه، فإذا هو. . بتروكلوس!!
لقد أقبل روحه الكبير يتحدث إلى مولاه، فيقول:
(أخيل! أهكذا تنام ملء عينيك وتدع صديقك يهيم في مملكة الظلمات دون أن يؤذن له بعبور ستيكس الفائض بالحميم، ليقر في عدوته الأخرى مع المؤمنين! إنني يا صديقي سأبقى طريداً شريداً مادمت متوانياً عن تأدية الطقوس التي يتطلبها بلوتو وتفرضها السماء!
ماذا تبتغي بعد أن ثأرت لي يا أخيل! ألا يشجيك أن أظل معذباً في هذا التيه الذي لا نهاية له، كاسف البال مسبوه اللب، لأنك تأبى أن تؤدي لي فرائض الآخرة!
أتحسب أنا ملتقيان في دنياك كرة ثانية يا أخيل، فأنت تنتظر هذا اللقاء؟ لا، لا، يا صديقي؛ نحن لا نلتقي إلا هنا! في هذه الدار الجميلة الهادئة التي لا صخب فيها ولا ضجيج. . . .
سنلتقي هنا. . . . وسنلتقي سريعاً. . . . ولن أزعجك إذا أخبرتك بما علمته هنا!. . . . إنك ملاق حتفك تحت أسوار طروادة. . . لا تنزعج يا أخيل، فأنت بطل، والأبطال أمثالك لا يرهبون الموت، والبطل الذي لا يجرع الكأس طافحة في حومة الوغى يموت موتةً لا تشرفه. . . فأطمئن! إنما ذكرت لك ذلك لأن لي رجيةً عندك أتمنى لو أديتها لي. . . ذلك أن توصي أن تدفن رفاتك في نفس الرمس الذي يضم رفاتي، لنظل آخر الدهر متقاربين، كما كنا أول الدهر متقاربين، ولنقضي أحقاب الموت في مربعٍ معاً، كما قضينا شرخ الشباب في ملعبٍ معاً. . .
إيه يا ذكريات الماضي السعيد!
أبداً لن أنسى يوم حملني مولاي الأمين أمفيداماس من نجاد أوبوس إلى بلاط بليوس، حيث
стр. 10780
نشأت وترعرعت في نفس الكنف الذي ترعرعت فيه يا أخيل. . . . وأبداً لن أنسى هذا الحنان الذي كانت تغمرني به ذيتيس، أمك الرؤوم، حتى أشتد ساعدانا، وسار الركبان باسمينا في كل ناد. . .
هلم يا أخيل. . . أنهض يا زعيم الميرميدون. . . وأذكر ما قلته لك. . .)
ويذرف أخيل عبرة غالية، ويجيب بتروكلوس فيقول:
(بتروكلوس! إلىّ يا أعز الناس عليّ! سأفعل كل ما تريد، ولكن. . . أقترب. . . قليلاً. . . لنسرّ من أحزاننا يا أخي! هب لي أن أعانقك فأنا مشوق إليك!)
وهب من نومه مذعوراً مادَّاً ذراعيه لعناق بتروكلوس، ثم ضمهما فجأة. . . . . ولكن!
وا أسفاه!. . . لقد ضم أخيل إليه الهواء. . .! لأن الشبح العزيز قد ولى بعيداً عنه. . . هناك. . . هناك. . . في ظلمات السُّفْل. . . في ديجور الدار الآخرة. . . في مملكة بلوتو الجبار. . . . حيث الأرواح والأشباح. . . . وحيث العذاب والنعيم. . .!!
وصرخ الزعيم المفئود صرخة زلزلت عماد المعسكر، وأجتمع لها القادة مشدوهين مروّعين، وروعهم أكثر هذا الحديث الطويل عن الرؤيا المشجية، فأنفذ أجاممنون الملك عصبة قوية إلى غابات الصنوبر والشاهبلوط القريبة، فجمعت أحمالاً ثقالاً من جذوع الأيك وحطام الدوح اليابس، وأقبلت فكومت ما جمعت كومةً واحدة عالية؛ ثم أمر أخيل جنوده فاصطفوا حول الكومة بعُددهم وخيولهم وعرباتهم، وأقبل فوج منهم يحمل جثمان بتروكلوس، موارًي في شَعرٍ كثير أنتزعه الفرسان من رؤوسهم حزناً على قائدهم بالأمس؛ وكان أخيل يتعثر خلف القتيل وقد حطمه الحزن ورأزته المصيبة في أعز أصدقائه، وغشيه من الهم ما لو كان بعضه بوَضحِ الضحى لأحالة ليلاً من الوجد مظلماً. . . ونزع شعر رأسه هو الآخر فغطى به وجه صاحبه، ومد ذراعيه المرتجفتين فرفع الجثمان الطاهر، يعاونه نفر من الميرميدون، ووضعوه فوق الكومة التي تسامت وسمقت حتى غدا ارتفاعها مائة قدم أو تزيد. وأمر أخيل فذبحت ألوف من العجول والخنازير والنّعم، ونزعت عنها شحومها جميعاً، فوضعها بيده على الكومة من حول بتروكلوس، ثم أشار إلى حَمَلةِ الزِّقاق فطفقوا يصبون الزيت والعسل المصفى ليزيد في ضرام الوقود.
وأرتفع ضجيج بعيد وضوضاء، فتلفت القوم، وإذا فريق من الميرميدون يسوقون الشبان
стр. 10781
الطراواديين الاثني عشر، الذين أسرهم أخيل في ملحمة الأمس، وقد كبلوا في الأصفاد ورهقتهم قترة مظلمة من الروع والحزن؛ فلما شارفوا، تقدم أخيل المغضب الحنق، فأستل خنجره، وشرع يمسح بأعناقهم ويبقر بطونهم، ويروي سنانه من قلوبهم. . . . . والبشرية البائسة تتلفت يمنة ويسرة. . . . وتتعذب. . . . وتبكي!!
وأمر الزعيم فصفت الضحايا الاثنتي عشرة من حول الكومة أما هكتور! فقد حدجه أخيل بنظرة ساحرة، وأقسم ألا يحرق جثمانه فينفذ روحه إلى هيدز، بل يتركه ثمة حتى تنوشه الطير، وتأكله كلاب البرية، وتلقي عظامه في اليم، غير كريمة ولا مرجوّة!
بيد أن منظراً عجباً خلب الباب القوم، وأذهلهم عن أنفسهم. . . . ذلك أنهم رأو إلى شبح جميل أبيض، يصب دهن الورد فيجعل منه حَنُوطاً مباركاً لجثمان هكتور، ورأوا كذلك إلى ضبابة ذات أفياء وظلال باردة تقف من فوقه فتذود عنه أشعة الشمس المحرقة حتى لا ينتن أو يتعفن. . .!
ماذا؟؟! آه! إنها فينوس الوفية التي تصب دهن الورد فوق هكتور، وإنه أبوللو المحزون الذي ينشر الضبابة من فوقه تحميه من الشمس وتذود عنه حرارتها!!
وصلى أخيل صلاة قصيرة، ونذر لآلهة الريح، إذا هي أقبلت تروح على النيران حتى تذكو، أن يذبح لها ويقرب لها القرابين! وما كاد يفرغ من صلاته، حتى تقلب البحر وأضطرب، ومار اليم وأصطخب، وثارت العاصفة الهوجاء في بطن الدأماء وأقبل زفيروس واخوته آلهة الريح فحاصروا الكومة، وما هي إلا لمحات حتى كانت ضراما في ضرام، ولظّى يتأجج في لظى وسكنت اللهب، وخفت أوار النار، وتقدم أخيل وَحَملة الزِّقاق فصبوا على الجمر خمرا حتى خبأ.
وتقدم نفر فرفعوا رفات بتروكلوس وهم يبكون، وأقدم أخيل فوضعها بيديه في إران من الذهب، وأشار إلى بعض أصحابه فحفروا في الأرض حفرة كبيرة عميقة، فأسرع هو فوضع الاران فيها، بين أنين الجند، وبكاء القادة، وزلزلة الأرض والسماء. . .!!
وهيل التراب على الميت، وعمل الكل في ذلك حتى كانت كومة عالية من الردم، ستظل آخر الدهر رمز البطولة الخالدة، وتحية الدار الآخرة لهذه الدنيا المشحونة بالأشجان!!
وكان من دأب الهيلانيين إذا مات أحد أبطالهم أن يُحرّقوه كما حرّقوا بتروكلوس، ثم تتلو
стр. 10782
ذلك حفلة ألعاب يشترك فيها أبطالهم، ويساهم فيها الجندي الصغير إلى جانب القائد العظيم، وقد يفوز عليه فينال الجائزة من دونه، وكانوا يعدون هذه الحفلة تتمة للجناز لا يكمل إلا بها؛ فلما انتهوا من إقامة الشعائر الدينية للشهيد الكبير نهض أخيل فأعلن القوم ببدء حفلة الألعاب، ثم دعا للمشاركة في سباق العربات الحربية، وعدّد الجوائز فذكر أن للفائز الأول غانية من أبرع غانيات طراودة جمالاً، وأوفرهن حسناً، وأنبغهن في القيام بشؤون المنزل، ثم آنية عظيمة من الذهب الخالص، غالية الثمن، عالية القيمة، لا تقدر بمال لما بذل في زخرفتها ونقشها من فن، وما أضفي عليها من عبقرية. وأن للفائز الثاني مُهرةً صافناً تسبق الريح وتلحق البرق؛ وللثالث كوباً من الفضة الناصعة، عظيم القدر، غالي الثمن. وللرابع بدرتين من الذهب الأبريز. وللخامس إبريقاً فضياً للخمر، وكأسين للشراب. . . .
وأشترك في هذا السباق لهاذم أبطال الإغريق، وصناديدهم الصيد؛ وكان أول من نزل إلى الحلبة يوميلوس الملك أبن أدميتوس العظيم، وتلاه ديوميد الحلاحل أبن تيديوس؛ ثم منالايوس سليل السماء، وفرع الآلهة بن أتريوس الكبير؛ وكان رابعهم أنتيلوخوس المشهور بن نسطور الحكيم، الذي أخذ أعين القوم بقامته السامقة، وعودة اللدن، وقوامه الأهيف السمهري الممشوق، والذي تقدم إليه أبوه فقبّله في حر الجبين، وزوده بنصائحه الغوالي؛ وكان خامسهم مريونيس الهائل، صاحب الذكر البعيد والشأو الرفيع في كل مثار نقع وفي كل ميدان.
وكان على الفارس العظيم فونيكس أن يلاحظ السباق، فكان في مركزه هذا حكماً عدلاً وقاضياً ماهراً. . . .
وأعطى أخيل الإشارة. . . فانطلقت الجياد تزلزل الأرض، وتثير عجاجة قاتمة من ثرى الميدان، وتضرب الصخر بحوافرها فينقدح الشرر، ويميد جانب الجبل، وتتصل أبصار القوم بالريح الذي يتعثر في أدبار الخيل، ويتحسس كل منهم قلبه، متمنياً قصب السبق لصاحبه الذي هو من شيعته. . . ثم. . . تتدخل الآلهة في هذا اللهو البريء فتغير دفة المقادير، وتتحمس مينرفا للبطل العظيم ديوميد، حينما ينزع أبوللو السوط من يده ويلقي به إلى الأرض، فتعيده إليه؛ وتلحظ أن أبوللو يصنع هذا ليظفر يوميلوس ويفوز بالسبق، فتذهب من فورها إلى أبن أدميتوس وتنزع إحدى عجلتي عربته، فيهوى البطل ويوشك
стр. 10783
رأسه أن يتحطم على الجلاميد المتراكمة على جانبي الطريق. . .
وتعدو الخيل. . .
وتخفق قلوب القوم. . . ثم ينظرون فيرون إلى ديوميد قد أنهى الشوط، ونزل من عربته فصافح فونيكس، وأستحق بذلك الجائزة الأولى.
وتلاه أنتيلوخوس، ثم منالايوس الملك، ثم مريونيس، وكان أبطأهم.
وسكن القوم قليلاً، وإذا هم يبصرون يوميلوس المقدم يسوق جياده، وخلفها عربته التي حطمتها مينرفا، فيثير مرآه قهقهة عالية وصخباً؛ لا يقطعهما إلا أخيل بصيحة داوية تعيد إلى الملأ وقارهم، ويقضي ليوميلوس بالجائزة الرابعة (لأنه لولا الحظ العاثر كان صاحب الجائزة الأولى!!)
واشرأبت الأعناق حين أعلن أخيل عن دورة الملاكمة وشارك فيها من الأبطال إبيوس بن بنوبيوس؛ فتى مفتول السواعد مكتنز العضل، رحب الصدر، له قبضتان كأنهما حراشف جذور بارزة من جذع شجرةٍ، ألقت بها الريح في يوم عاصف، ونهض إلى جانبه شاب قوي بادي البأس، لم يلبث القوم أن عرفوا فيه يوريالوس بن مسيتوس، الذي طالما شارك في أولمبيات الملك أوديبوس وكان أبداً فتاها وفارس حلبتها.
وأعطيت الإشارة فأنقض الأسد على الأسد، وأرتطم الجبل بالجبل، ولبث البطلان يكيل أحدهما للآخر لكمات كانت تقشعر لها أبدان الآلهة، وتنتفض من هولها أفئدة الرجال، ثم لاحت فرصة للبطل إبيوس كال فيها لخصمه لكمة في ذقنه ألقته فوق أديم الأرض بين هتاف الجند وضجيج القادة، وبذا أستحق إبيوس الجائزة الأولى، وهي بغل أشهب مسرج، في شدقيه لجام من الحديد، يتصل به عنان من الفضة. أما يوريالوس فقد أفاق من اللكمة القاسية لينال كأسين جميلتين أُعدتا للفائز الثاني. . .!
وأرهفت الأسماع حين نهض أخيل يعلن دورة المصارعة التي لم يجرأ أحد أن يتقدم أليها حتى أوشك زعيم الميرميدون أن يلغيها لو لم ينهض أوليسيز ويتبعه أجاكس متثاقلين!!
وأهطعت الرقاب ذاهلة نحو الزعيمين الهولتين، وشخصت الأبصار ترى إلى الجبل يأخذ بتلاليب الجبل، والبحر ذي العباب يصاول البحر ذا العباب، والشهاب الراصد يندق على الشهاب الراصد؛ لا هذا ينال فرصة من ذاك، ولا ذاك يرى ثغرة منها إلى هذا، والقلوب
стр. 10784
أثناء ذلك تخفق وتخفق، والقشعريرة الباردة تشيع في أصلاب هؤلاء وهؤلاء، كل يتمنى أن يفوز رجله. . . . . . حتى ثارت عجاجة حول البطلين انجلت عنهما صريعين فوق الأرض، لم ينل أحدهما من الآخر!! فكان القضاء العادل من السماء!
وحاولا أن يعودا إلى صراعهما الأول، فحال بينهما أخيل. . . لأن الدورة كانت لا تنتهي إذن. . . فكان بحسبهما أن ينالا جائزتين متساويتين!!
وبدأ سباق العدّائين، واشترك فيه أوليسيز وأجاكس أيضاً، ثم أنتيلوخوس الذي استطاع أن يفوز بالجائزة الأولى، لما كان يبدو على منافسيه من نصب، من جراء صراعهما السابق.
وتبع ذلك سباق المبارزة، وشارك فيه أجاكس أيضاً ثم ديوميد العظيم، الذي استطاع بعد لأي أن يجرح خصمه في عنقه، فينبثق الدم من الجرح، فينال الحزام الفضي بذلك!
ثم كان حمل الأثقال وهو سباق محبوب من الإغريق كثيراً، وقد شارك فيه بوليبوتيس وإبيوس وليونتيوس. . . ثم. . . أجاكس. . .! وفاز أولهم بالجائزة الأولى. . .
وتلا ذلك سباق الرماية، وأشترك فيه البطلان تيوسير ومريونيس، وفاز الأخير بأسنى الجائزتين للبراعة الفائقة التي أبداها في إصابة الغرض (وكان حمامة تنطلق وتنطلق. . . حتى تكون خلف السحب. . .!!)
وكان السباق. . . وها سباق إصابة الغرض بقذف الرمح، وقد تقدم إليه قائد الحملة العظيم. . . أجاممنون الملك. . . ثم. . . مريونيس الشجاع وأحد أتباع الملك إيدومنيوس. . . . . . وقد هال أخيل أن ينافس أحد قائد الحملة، فتقدم إليه معترفاً بتفوقه على الجميع في كل شيء، وقدم له الجائزة الأولى. . . ثم قدم الرمح لمريونيس. . . وكانت مجاملة طيبة من أخيل تقبلها الجميع بثغور باسمة
(لها بقية)
دريني خشبة
стр. 10785
الَبريدُ الأدَبيّ
وفاة بول بورجيه
نعت إلينا الأنباء الأخيرة قطباً من أقطاب الأدب الفرنسي وكاتباً من أعظم كتاب العصر، هو بول بورجيه؛ توفي في الخامس والعشرين من ديسمبر في الثالثة والثمانين من عمره، بعد أن قضى حياة حافلة، وبلغ الذروة في عالم الشعر والأدب والنقد. كان بول بورجيه عميد الأدب الفرنسي المعاصر بعد أناتول فرانس، وكان يتبوأ مكانة في الطليعة منذ خمسين عاماً؛ ولم يعرف الأدب الفرنسي المعاصر، كاتباً قصصياً - إذا استثنينا أناتول فرانس - في قوة بورجيه وعمق تفكيره وتحليله، أو في بًعد آفاقه ووفرة إنتاجه. وكان مولد بورجيه في سنة ١٨٥٢ بمدينة أميان من أب روسي وأم إنجليزية؛ فنشأ نشأة حسنة وتلقى دراسة عالية وثقافة متينة؛ وبدأ ينظم الشعر منذ حداثته، ثم أشتغل بالصحافة؛ وفي سنة ١٨٨٤ أخرج أولى رواياته القوية ' فظهرت فيها براعة الكاتب والقاص، وتجلت فيها مقدرته الفذة على تفهم العواطف البشرية وتحليلها، وهي مقدرة ترجع إلى ذلك المزيج في السلالة الذي كان له أكبر الأثر في تكوين عقلية الكاتب. ثم كتب بورجيه روايتين أخريين هما: , والأخيرة من أعظم رواياته وأقواها، بيد أن بورجيه يبلغ ذروة القوة والطرافة في قصته الشهيرة: (التلميذ) وهي في رأي النقدة أعظم قصصه وأقواها، وأكثرها تمثيلاً لمواهبه وخلاله وفنه؛ ولم يلبث بورجيه أن تبوأ مكانته بين أقطاب الكتاب في هذا العصر: بين زولا، وفرانس، وكوبيه، ودوديه، ورشبان وغيرهم؛ ثم لم يلبث أن أحتل مكانة بين الخالدين في الأكاديمية الفرنسية (سنة ١٨٩٤).
ولبورجيه تراث حافل من كتب الشعر والقصص والنقد والسياحة نذكر منها:
, - , - , ومن القصص - ' و , وله ديوان شعر كبير، وقطع مسرحية عديدة، وله كتب في الوصف والنقد والسياحة.
وبورجيه كاتب خصب متعدد النواحي والآفاق؛ بيد أنه على العموم كاتب أرستقراطي يكتب للخاصة قبل كل شيء، ويصور مجتمع الخاصة، وما يتصل بحياته من بذخ وأناقة، وما يتخللها من نواحي الجمال والرشاقة والفن؛ وما يغشاها من عوامل الفساد والوهن، وهو من هذه الناحية نقيض قرينه ومعاصره فرانسوا كوبيه كاتب البؤس والطبقات البائسة.
следующие страницы →