← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

الطراواديين الاثني عشر، الذين أسرهم أخيل في ملحمة الأمس، وقد كبلوا في الأصفاد ورهقتهم قترة مظلمة من الروع والحزن؛ فلما شارفوا، تقدم أخيل المغضب الحنق، فأستل خنجره، وشرع يمسح بأعناقهم ويبقر بطونهم، ويروي سنانه من قلوبهم. . . . . والبشرية البائسة تتلفت يمنة ويسرة. . . . وتتعذب. . . . وتبكي!! وأمر الزعيم فصفت الضحايا الاثنتي عشرة من حول الكومة أما هكتور! فقد حدجه أخيل بنظرة ساحرة، وأقسم ألا يحرق جثمانه فينفذ روحه إلى هيدز، بل يتركه ثمة حتى تنوشه الطير، وتأكله كلاب البرية، وتلقي عظامه في اليم، غير كريمة ولا مرجوّة! بيد أن منظراً عجباً خلب الباب القوم، وأذهلهم عن أنفسهم. . . . ذلك أنهم رأو إلى شبح جميل أبيض، يصب دهن الورد فيجعل منه حَنُوطاً مباركاً لجثمان هكتور، ورأوا كذلك إلى ضبابة ذات أفياء وظلال باردة تقف من فوقه فتذود عنه أشعة الشمس المحرقة حتى لا ينتن أو يتعفن. . .! ماذا؟؟! آه! إنها فينوس الوفية التي تصب دهن الورد فوق هكتور، وإنه أبوللو المحزون الذي ينشر الضبابة من فوقه تحميه من الشمس وتذود عنه حرارتها!! وصلى أخيل صلاة قصيرة، ونذر لآلهة الريح، إذا هي أقبلت تروح على النيران حتى تذكو، أن يذبح لها ويقرب لها القرابين! وما كاد يفرغ من صلاته، حتى تقلب البحر وأضطرب، ومار اليم وأصطخب، وثارت العاصفة الهوجاء في بطن الدأماء وأقبل زفيروس واخوته آلهة الريح فحاصروا الكومة، وما هي إلا لمحات حتى كانت ضراما في ضرام، ولظّى يتأجج في لظى وسكنت اللهب، وخفت أوار النار، وتقدم أخيل وَحَملة الزِّقاق فصبوا على الجمر خمرا حتى خبأ. وتقدم نفر فرفعوا رفات بتروكلوس وهم يبكون، وأقدم أخيل فوضعها بيديه في إران من الذهب، وأشار إلى بعض أصحابه فحفروا في الأرض حفرة كبيرة عميقة، فأسرع هو فوضع الاران فيها، بين أنين الجند، وبكاء القادة، وزلزلة الأرض والسماء. . .!! وهيل التراب على الميت، وعمل الكل في ذلك حتى كانت كومة عالية من الردم، ستظل آخر الدهر رمز البطولة الخالدة، وتحية الدار الآخرة لهذه الدنيا المشحونة بالأشجان!! وكان من دأب الهيلانيين إذا مات أحد أبطالهم أن يُحرّقوه كما حرّقوا بتروكلوس، ثم تتلو

стр. 10782

ذلك حفلة ألعاب يشترك فيها أبطالهم، ويساهم فيها الجندي الصغير إلى جانب القائد العظيم، وقد يفوز عليه فينال الجائزة من دونه، وكانوا يعدون هذه الحفلة تتمة للجناز لا يكمل إلا بها؛ فلما انتهوا من إقامة الشعائر الدينية للشهيد الكبير نهض أخيل فأعلن القوم ببدء حفلة الألعاب، ثم دعا للمشاركة في سباق العربات الحربية، وعدّد الجوائز فذكر أن للفائز الأول غانية من أبرع غانيات طراودة جمالاً، وأوفرهن حسناً، وأنبغهن في القيام بشؤون المنزل، ثم آنية عظيمة من الذهب الخالص، غالية الثمن، عالية القيمة، لا تقدر بمال لما بذل في زخرفتها ونقشها من فن، وما أضفي عليها من عبقرية. وأن للفائز الثاني مُهرةً صافناً تسبق الريح وتلحق البرق؛ وللثالث كوباً من الفضة الناصعة، عظيم القدر، غالي الثمن. وللرابع بدرتين من الذهب الأبريز. وللخامس إبريقاً فضياً للخمر، وكأسين للشراب. . . . وأشترك في هذا السباق لهاذم أبطال الإغريق، وصناديدهم الصيد؛ وكان أول من نزل إلى الحلبة يوميلوس الملك أبن أدميتوس العظيم، وتلاه ديوميد الحلاحل أبن تيديوس؛ ثم منالايوس سليل السماء، وفرع الآلهة بن أتريوس الكبير؛ وكان رابعهم أنتيلوخوس المشهور بن نسطور الحكيم، الذي أخذ أعين القوم بقامته السامقة، وعودة اللدن، وقوامه الأهيف السمهري الممشوق، والذي تقدم إليه أبوه فقبّله في حر الجبين، وزوده بنصائحه الغوالي؛ وكان خامسهم مريونيس الهائل، صاحب الذكر البعيد والشأو الرفيع في كل مثار نقع وفي كل ميدان. وكان على الفارس العظيم فونيكس أن يلاحظ السباق، فكان في مركزه هذا حكماً عدلاً وقاضياً ماهراً. . . . وأعطى أخيل الإشارة. . . فانطلقت الجياد تزلزل الأرض، وتثير عجاجة قاتمة من ثرى الميدان، وتضرب الصخر بحوافرها فينقدح الشرر، ويميد جانب الجبل، وتتصل أبصار القوم بالريح الذي يتعثر في أدبار الخيل، ويتحسس كل منهم قلبه، متمنياً قصب السبق لصاحبه الذي هو من شيعته. . . ثم. . . تتدخل الآلهة في هذا اللهو البريء فتغير دفة المقادير، وتتحمس مينرفا للبطل العظيم ديوميد، حينما ينزع أبوللو السوط من يده ويلقي به إلى الأرض، فتعيده إليه؛ وتلحظ أن أبوللو يصنع هذا ليظفر يوميلوس ويفوز بالسبق، فتذهب من فورها إلى أبن أدميتوس وتنزع إحدى عجلتي عربته، فيهوى البطل ويوشك

стр. 10783

رأسه أن يتحطم على الجلاميد المتراكمة على جانبي الطريق. . . وتعدو الخيل. . . وتخفق قلوب القوم. . . ثم ينظرون فيرون إلى ديوميد قد أنهى الشوط، ونزل من عربته فصافح فونيكس، وأستحق بذلك الجائزة الأولى. وتلاه أنتيلوخوس، ثم منالايوس الملك، ثم مريونيس، وكان أبطأهم. وسكن القوم قليلاً، وإذا هم يبصرون يوميلوس المقدم يسوق جياده، وخلفها عربته التي حطمتها مينرفا، فيثير مرآه قهقهة عالية وصخباً؛ لا يقطعهما إلا أخيل بصيحة داوية تعيد إلى الملأ وقارهم، ويقضي ليوميلوس بالجائزة الرابعة (لأنه لولا الحظ العاثر كان صاحب الجائزة الأولى!!) واشرأبت الأعناق حين أعلن أخيل عن دورة الملاكمة وشارك فيها من الأبطال إبيوس بن بنوبيوس؛ فتى مفتول السواعد مكتنز العضل، رحب الصدر، له قبضتان كأنهما حراشف جذور بارزة من جذع شجرةٍ، ألقت بها الريح في يوم عاصف، ونهض إلى جانبه شاب قوي بادي البأس، لم يلبث القوم أن عرفوا فيه يوريالوس بن مسيتوس، الذي طالما شارك في أولمبيات الملك أوديبوس وكان أبداً فتاها وفارس حلبتها. وأعطيت الإشارة فأنقض الأسد على الأسد، وأرتطم الجبل بالجبل، ولبث البطلان يكيل أحدهما للآخر لكمات كانت تقشعر لها أبدان الآلهة، وتنتفض من هولها أفئدة الرجال، ثم لاحت فرصة للبطل إبيوس كال فيها لخصمه لكمة في ذقنه ألقته فوق أديم الأرض بين هتاف الجند وضجيج القادة، وبذا أستحق إبيوس الجائزة الأولى، وهي بغل أشهب مسرج، في شدقيه لجام من الحديد، يتصل به عنان من الفضة. أما يوريالوس فقد أفاق من اللكمة القاسية لينال كأسين جميلتين أُعدتا للفائز الثاني. . .! وأرهفت الأسماع حين نهض أخيل يعلن دورة المصارعة التي لم يجرأ أحد أن يتقدم أليها حتى أوشك زعيم الميرميدون أن يلغيها لو لم ينهض أوليسيز ويتبعه أجاكس متثاقلين!! وأهطعت الرقاب ذاهلة نحو الزعيمين الهولتين، وشخصت الأبصار ترى إلى الجبل يأخذ بتلاليب الجبل، والبحر ذي العباب يصاول البحر ذا العباب، والشهاب الراصد يندق على الشهاب الراصد؛ لا هذا ينال فرصة من ذاك، ولا ذاك يرى ثغرة منها إلى هذا، والقلوب

стр. 10784

أثناء ذلك تخفق وتخفق، والقشعريرة الباردة تشيع في أصلاب هؤلاء وهؤلاء، كل يتمنى أن يفوز رجله. . . . . . حتى ثارت عجاجة حول البطلين انجلت عنهما صريعين فوق الأرض، لم ينل أحدهما من الآخر!! فكان القضاء العادل من السماء! وحاولا أن يعودا إلى صراعهما الأول، فحال بينهما أخيل. . . لأن الدورة كانت لا تنتهي إذن. . . فكان بحسبهما أن ينالا جائزتين متساويتين!! وبدأ سباق العدّائين، واشترك فيه أوليسيز وأجاكس أيضاً، ثم أنتيلوخوس الذي استطاع أن يفوز بالجائزة الأولى، لما كان يبدو على منافسيه من نصب، من جراء صراعهما السابق. وتبع ذلك سباق المبارزة، وشارك فيه أجاكس أيضاً ثم ديوميد العظيم، الذي استطاع بعد لأي أن يجرح خصمه في عنقه، فينبثق الدم من الجرح، فينال الحزام الفضي بذلك! ثم كان حمل الأثقال وهو سباق محبوب من الإغريق كثيراً، وقد شارك فيه بوليبوتيس وإبيوس وليونتيوس. . . ثم. . . أجاكس. . .! وفاز أولهم بالجائزة الأولى. . . وتلا ذلك سباق الرماية، وأشترك فيه البطلان تيوسير ومريونيس، وفاز الأخير بأسنى الجائزتين للبراعة الفائقة التي أبداها في إصابة الغرض (وكان حمامة تنطلق وتنطلق. . . حتى تكون خلف السحب. . .!!) وكان السباق. . . وها سباق إصابة الغرض بقذف الرمح، وقد تقدم إليه قائد الحملة العظيم. . . أجاممنون الملك. . . ثم. . . مريونيس الشجاع وأحد أتباع الملك إيدومنيوس. . . . . . وقد هال أخيل أن ينافس أحد قائد الحملة، فتقدم إليه معترفاً بتفوقه على الجميع في كل شيء، وقدم له الجائزة الأولى. . . ثم قدم الرمح لمريونيس. . . وكانت مجاملة طيبة من أخيل تقبلها الجميع بثغور باسمة (لها بقية) دريني خشبة

стр. 10785

الَبريدُ الأدَبيّ وفاة بول بورجيه نعت إلينا الأنباء الأخيرة قطباً من أقطاب الأدب الفرنسي وكاتباً من أعظم كتاب العصر، هو بول بورجيه؛ توفي في الخامس والعشرين من ديسمبر في الثالثة والثمانين من عمره، بعد أن قضى حياة حافلة، وبلغ الذروة في عالم الشعر والأدب والنقد. كان بول بورجيه عميد الأدب الفرنسي المعاصر بعد أناتول فرانس، وكان يتبوأ مكانة في الطليعة منذ خمسين عاماً؛ ولم يعرف الأدب الفرنسي المعاصر، كاتباً قصصياً - إذا استثنينا أناتول فرانس - في قوة بورجيه وعمق تفكيره وتحليله، أو في بًعد آفاقه ووفرة إنتاجه. وكان مولد بورجيه في سنة ١٨٥٢ بمدينة أميان من أب روسي وأم إنجليزية؛ فنشأ نشأة حسنة وتلقى دراسة عالية وثقافة متينة؛ وبدأ ينظم الشعر منذ حداثته، ثم أشتغل بالصحافة؛ وفي سنة ١٨٨٤ أخرج أولى رواياته القوية ' فظهرت فيها براعة الكاتب والقاص، وتجلت فيها مقدرته الفذة على تفهم العواطف البشرية وتحليلها، وهي مقدرة ترجع إلى ذلك المزيج في السلالة الذي كان له أكبر الأثر في تكوين عقلية الكاتب. ثم كتب بورجيه روايتين أخريين هما: , والأخيرة من أعظم رواياته وأقواها، بيد أن بورجيه يبلغ ذروة القوة والطرافة في قصته الشهيرة: (التلميذ) وهي في رأي النقدة أعظم قصصه وأقواها، وأكثرها تمثيلاً لمواهبه وخلاله وفنه؛ ولم يلبث بورجيه أن تبوأ مكانته بين أقطاب الكتاب في هذا العصر: بين زولا، وفرانس، وكوبيه، ودوديه، ورشبان وغيرهم؛ ثم لم يلبث أن أحتل مكانة بين الخالدين في الأكاديمية الفرنسية (سنة ١٨٩٤). ولبورجيه تراث حافل من كتب الشعر والقصص والنقد والسياحة نذكر منها: , - , - , ومن القصص - ' و , وله ديوان شعر كبير، وقطع مسرحية عديدة، وله كتب في الوصف والنقد والسياحة. وبورجيه كاتب خصب متعدد النواحي والآفاق؛ بيد أنه على العموم كاتب أرستقراطي يكتب للخاصة قبل كل شيء، ويصور مجتمع الخاصة، وما يتصل بحياته من بذخ وأناقة، وما يتخللها من نواحي الجمال والرشاقة والفن؛ وما يغشاها من عوامل الفساد والوهن، وهو من هذه الناحية نقيض قرينه ومعاصره فرانسوا كوبيه كاتب البؤس والطبقات البائسة.

стр. 10786

وأعظم ما تبدو مقدرة بورجيه ومواهبه في المواقف النفسية وفي تحليل القلب البشري ونزعاته، وفي تصوير مختلف العواطف الإنسانية، فهو عندئذ لا يجاري، بل هو أستاذ هذه المدرسة الفذ، وهي مدرسة نلمس فيها الأدب الروسي. ويكتب بورجيه بلغة قوية، وقد تبدو أحياناً عسيرة الفهم، ولكنه يحمل قارئه بقوته، ويأخذ لبه بسحر عرضه، وروعة بيانه وفنه؛ ومع أنه يميل إلى المفاجآت العنيفة في قصصه، فإنه مع ذلك يجنح إلى الحقيقة ويجانب الإغراق؛ وأكثر ما يميل بورجيه إلى التشاؤم، وقلما يميل إلى الجانب المرح مَن الحياة والصور؛ ويطبع الجد أسلوبه وتفكيره دائما؛ بيد أنه يجنح أحياناً إلى السخرية اللاذعة؛ وهو فوق ذلك فيلسوف عميق الفكرة دقيق الملاحظة بعيد الغور والمغزى، وناقد قوي الجدل والحجة، وفنان من الطراز الأول يعشق الفن ويرعاه؛ وكان حتى آخر أيامه مديراً لمتحف شانتي. ويتبوأ بورجيه كرسيه بين الخالدين في الأكاديمية الفرنسية منذ أثنين وأربعين عاماً؛ وكان إلى ما قبيل وفاته يوالي الكتابة في كثير من الصحف والمجلات الكبرى، ويكتب منذ أعوام في جريدة (الفيجارو) كلمات في السياسة والاجتماع تلفت النظر بقوتها وطرافتها، وبوفاته ينهار ركن عظيم في صرح الأدب الفرنسي المعاصر. (ع) الأستاذ أحمد أمين يحاضر في بيت المقدس نظمت جمعية الشبان المسيحيين في فلسطين سلسلة محاضرات في (المدينة العربية)، واختارت لها جماعة من صفوة العلماء، منهم الأستاذ أحمد أمين، والأستاذ جيب، والأستاذ مايرهوف. وسيلقي الأستاذ أحمد أمين محاضرته في (الإسلام كعامل في المدينة) ببيت المقدس في يوم الأربعاء ٢٢ يناير سنة ١٩٣٦. حول الاحتفال بذكرى المتنبي لامنا الأديب السيد فاضل سعيد عقل في شيء من الإسراف على أننا أغفلنا حفلة لبنان حين أشرنا إلى بعض تلك الحفلات في مقالنا عن المتنبي، وعزا ذلك إلى أن المصريين

стр. 10787

يتعمدون أن يَسْفهوا حق لبنان! ولو تذكر الأديب ساعة كان يكتب أن الحفلة الرائعة التي أقيمت في (سان باولو) إنما أقامها لبنان، وأن الحفلة العتيدة التي ستقام في دمشق إنما تقيمها سورية، وأن الإسكندرية أقامت حفلة كحفلة بيروت لم نشر إليها؛ لو تذكر ذلك كله ساعة كان يكتب رسالة لما سمح له ضميره أن يصطنع هذه العصبية الإقليمية المفرقة في عصر يدعونا فيه الجهاد المشترك إلى أن نمحو كل الفروق العارضة أمام الجوار والقرابة والجنس. جواب عن سؤال سألنا (قارئ) من قراء الرسالة عن الحكمة في كتابة اسمها وتأريخ يومها ورقم عددها بالفرنسية، وخشي أن يكون في الأمر تقليد أو حذلقة. والواقع أن ذلك احتياط بريدي اقتضاه انتشار (الرسالة) في البلاد الأجنبية، وعمل اقتصادي استدعته علاقة مكتب الإعلان في المجلة بالشركات التجارية الأوربية، وإذا لم تفعل الصحف الغربية ذلك فلأنها لغاتها مقروءة في كل بلد. مؤتمر الجراحة الدولي العاشر في منتصف الساعة الثانية عشر من يوم الثلاثاء الماضي أفتتح مؤتمر الجراحة الدولي العاشر في قاعة المحاضرات بالجامعة المصرية بحضور سمو النائب عن جلالة الملك ووزراء الدولة وأساتذة الجامعة وأعيان الحكومة ورجال الصحافة وطلاب العلم، فكان يوماً مشهوداً من أيام الإنسانية المفكرة العاملة، أزال الفروق بين الناس، ومحا الحدود بين البلاد وجمع بين الأمم المتباعدة المختلفة على فكرة نبيلة هي تسخير الجهود العلمية المشتركة لتخفيف آلام الإنسان. أفتتحه صاحب السعادة وزير المعارف بخطاب عربي جاء فيه (إن العِلم المصري الذي توالت عليه آلاف السنين ليشعر بشرف وسرور حق، إذ يرى في هذا الاجتماع ثقات الممثلين للجراحة العامة في العالم أجمع، والأعضاء المبرزين لأشهر المعاهد الطبية والعلمية، يستعرضون في هذا الاجتماع الحافل كل ما أمكن تحقيقه في جميع أنحاء العالم من التقدم في فروع الجراحة، ويتجهون نحو ترقية فن من أعز الفنون الإنسانية في جو من

стр. 10788

السباق النبيل المثمر). ثم ألقى بعده الدكتور علي إبراهيم باشا عميد كلية الطب خطاباً بالإنجليزية عرض فيه جهود مصر القديمة والحديثة في فنون الطب. ثم قفاه الدكتور فرهوجن رئيس اللجنة الدولية فخطب بالفرنسية شاكراً لنائب جلالة الملك ولجنة تنظيم المؤتمر هاتفاً بآثار مصر في عالم الجراحة. ثم قام من بعده الدكتور كرفان فأثني وشكر ثم قال: (لقد رحبت أغلبية أعضاء اللجنة الدولية بدعوة مصر منذ ثلاث سنوات، فهل ذلك لأن مصر والإسكندرية خاصة، كانتا منذ ألفين من السنين واسطة العقد في العالم الطبي، أو لأن ورق البردي يعد أقدم الوثائق لشفاء المرضى؟ قد يكون هذا، ولكن ثمة أمراً آخر، هو أن مصر ظلت منذ أكثر من ألفي سنة بلد الأسرار الذي تتجه إليه أذهان الإنسانية؛ ولأنها من ناحية أخرى وطن الفن الذي يجمع بين القوة والعظمة والدقة. ثم قال: إن تأريخ الإنسانية يفتح هنا، كأنه كتاب نستطيع تقليب صفحاته واحدة واحدة، وهو إذ نقرأه، يبعث فينا شعور التواضع، وينزل عملنا المنزلة الصحيحة. ولقد وجدنا جماعات برغم السحب التي تظلل سماء العالم بأسره، ونحن على يقين أن عملنا - بفضل النظام الذي وضعه زملاؤنا في كلية الطب، وعميدها خاصة - سيتم على أحسن صورة.) ثم خطب بعده الدكتور ماير سكرتير الجمعية الجراحية الدولية خطبة بالفرنسية جاء فيها: (وبهذه المناسبة أشيد بالجهود العلمية والمادية التي بذلت لجعل هذا المؤتمر يتمشى مع مبادئ جمعيتنا وهي العمل على أتساع العلوم الجراحية، ولا أريد أن أتكلم عن الشخصيات. غير أني لا أستطيع أن أمنع نفسي عن التكلم عن الأعمال التي قام بها علي إبراهيم باشا والدكتور نجيب مقار وغيرهما من الجراحين الأجانب. فقد أوضح كل منهم تجاربه الشخصية بصور مختلفة؛ وكانت كلها بمثابة أبحاث في المسائل التي اختلفت فيها آراء الجراحين، وأعتبر أن هذه الأعمال إنما هي آثار خالدة خلود الأهرام). وختم الاحتفال الدكتور شوماكر رئيس المؤتمر بخطبة إضافية في أغراض المؤتمر

стр. 10789

والتنويه بذكر مصر والجامعة. ولا يزال أساطين الجراحة وأساتذة الطب يوالون أبحاثهم العلمية فجعلوا من القاهرة كما قال أحدهم ميداناً للمناقشة في أحدث ما بلغه الطب من الآراء، وأعوص ما عرفه العلم من مشكلات الجراحة. ومما تناقش فيه الأعضاء (جراحة عصب القطن السمبتاوي)، وجراحة (القولون) عدا السرطان، والأحوال الجراحية للبلهارسيا، وقد ألقى الدكتور محمد خليل عبد الخالق بك تمهيداً لذلك محاضرة عن (تأريخ حياة البلهارسيا) عرض صورها على شريط سينمائي. جوائز أدبية مصرية بارك الله في بنك مصر، وفي قادة بنك مصر، وفي مشروعات بنك مصر؛ فإنها أسطع درة في جبين هذا الوطن الذي يسمو دائماً إلى الطليعة. ولقد شاء بنك مصر بعد أن وضع الأسس الثابتة لنهضة مصر المالية، ونهضتها الصناعية، أن ينزل إلى ميدان الفن والأدب، فأنشأ شركة مصرية للتمثيل والسينما؛ ورأى أن يقرن الفن بالأدب، وأن يغذي الشرائط المصورة بموضوعات وقصص مصرية محضة، فأذاع أنه يخصص لكتاب القصص المصريين جوائز تبلغ قيمتها ألف جنيه منها أربعمائة لجائزة ممتازة، وأربعمائة لأربع جوائز من الدرجة الأولى، ومائتان لخمس جوائز من الدرجة الثانية، وأنه يترك لهم الحرية في اختيار نوع القصة. وتقول شركتنا المصرية في بيانها: (فهذا باب جديد يفتح أمام المجدين من الكتاب لينالوا نصراً عزيزاً يرفع هاماتهم وهامة بلادهم). وفي الحق أنه باب جديد يفتح لكتابنا، بل هو فتح جديد في ميدان الرعاية الأدبية التي ليس لها في بلادنا أثر، والتي تخلت عنها جميع الهيئات الرسمية وغير الرسمية، ونحن نقص في هذا الباب دائماً أنباء الجوائز الأدبية العديدة التي تخصص في جميع البلاد المتمدنة لتشجيع الحركة الأدبية، وتشجيع الكتاب الناشئين بوجه خاص؛ ولكنا لم نجد من قبل ما نذكره عن أية جائزة أدبية مصرية ذات شأن. فالآن يتقدم بنك مصر على يد شركته للتمثيل والسينما لسد هذا الفراغ؛ وهو يتقدم بثقة وكرامة شأنه في كل مشروعاته، فيقدم إلى كتابنا جوائز من الطراز الأول؛ وإذا كان لنا ما نتمناه في هذا الميدان فهو أن يعمل البنك على التوسع في تشجيع الحركة الأدبية ورعايتها من طريق نشر المؤلفات العلمية والأدبية النافعة. وللبنك

стр. 10790

مطبعة كبيرة مجهزة بأحدث الأدوات والآلات الفنية، ففي وسعه أن يجعل منها في نفس الوقت داراً كبرى للنشر وإحياء الآداب العربية، وهو بذلك يسدي إلى الحركة الأدبية وإلى الثقافة العربية خدمة جليلة. تأبين فقيد التعليم المغفور له محمد أمين لطفي قرر مجلس إدارة جمعية خريجي المعلمين العليا بجلسته المنعقدة بتأريخ أول يناير سنة ١٩٣٦ إقامة حفلة تأبين لفقيد التعليم المغفور له الأستاذ محمد أمين لطفي عضو الجمعية، وقد تألفت لجنة من أعضاء المجلس لتنظيم الحفلة. وسيعلن عن موعدها ومكانها قريباً. وترجو اللجنة كل من يريد المساهمة في التأبين أن يتصل بها بنادي خريجي المعلمين العليا رقم ١ شارع فؤاد الأول بالقاهرة.

стр. 10791

النقد رد على نقد كتاب تأريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم حسن مؤلف الكتاب الآن وقد انتهى ناقد هذا الكتاب من الكلام عما سماه مآخذ تاريخية، فيحق لي - إنصافاً للحق وتمحيصاً للتأريخ - أن أرد عليه بإيجاز حتى يكون القراء على علم بالحقيقة. ولا يفوتني - قبل أن أرد على بعض هذه المآخذ - أن أشير إلى أن فكرة جالت في خاطري: هي إهمال الرد، اتكالاً على أن المطلع على الكتاب يتولى بنفسه تفنيد هذه المزاعم، لولا أن كثيراً من زملائي ألحّ عليّ أن أرد باسمي واضحاً لأضع الحق في نصابه. يقول حضرة الناقد: (إنه عمد إلى نشر ما تيسر له نشره من الاستدراك خدمة لمادة ناشئة في معاهدنا العلمية واستحثاثاً للمؤلف على تدارك أمره في مادة هو متخصص فيها، وضناً بما لمصر من حسن السمعة العلمية في الأقطار الشرقية أن يتطرق إليه ضعف أو وهن). وقبل أن أستدرك على هذا الاستدراك وأبين أن ما سماه الناقد مآخذ تاريخية وجغرافية، قد بالغ في بعضها كل المبالغة، وجاَنب الأنصاف في غالبها؛ ألفت نظر حضرته إلى أنه كان يستطيع أن يجنّب نقده بعض عبارات نابية يستغني عنها الموضوع الذي هو بصدده. وما أدري ما شأن تلك المآخذ بنحو هذه الألفاظ: (الألقاب الضخمة، الآثار العلمية المؤلفة والمترجمة، إن المؤلف شغل بنقل شرح التبريزي على القصيدة عن تفهمها وتبيين من قيلت فيه، الأغلاط والتورط، الخلط القبيح.) ولعل الأستاذ المستدرك غاب عنه أن مآخذه التاريخية والجغرافية على فرض صحتها - وسيرى القارئ مبلغ صحتها - لا تقدح في كتاب أربى على ستمائة وخمسين من الصفحات، ولا تدعو إلى كل هذا الإشفاق على حسن سمعة مصر في الأقطار الشرقية أن يتطرق إليه ضعف أو وهن، وغاب عنه أيضاً أن إيراد مثل هذه الألفاظ الشديدة التي لا تتعلق بموضوعه ألبته تعكس الغرض من النقد الذي اشترطوا له أن يقوم على ركن ركين من النزاهة الكافية والخبرة التامة، حتى لا يجد فيه

стр. 10792

الحاطبون أو ذوو المآرب مجالاً لبث كيدهم أو شفاء لحك حزازاتهم. وشتان بين تجريح عنيف وبين نقد سائغ يراد به الإصلاح، قد أسس على الصدق والحق وتقدم به الناقد في هدوء وسلامة ذوق، فما جرح من عاطفة ولا مس من كرامة، ولا كان رغبة في تشهير أو إلصاق عيب. ومن هنا قالوا إن النقد صعب مرتقاه. ذلك لأن الناقد حكم أو شبيه به، ولا يتسنى له ذلك إلا بالقدرة على ضبط النفس وتجنب مواضع الزلل. ص٣٤ - أخذ الناقد على الكتاب إطلاق كلمة (أقيال) على ملوك العرب وساداتهم، مع أن هذا اللقب - على رأيه - خاص بملوك اليمن أو مَن دونهم من أمراء المخاليف اليمنية. وألحق أن هذا التخصيص لا محل له. جاء في القاموس أنه يطلق على الملك، أو هو دون الملك الأعلى. ص٣٦ - أخذ الناقد على الكتاب في قوله: (وكان للعرب نظام ثابت للزواج؛ فكان جمهورهم يقترن بالزوجة بعد رضاء أهلها، كما كان كثير منهم يستشيرون البنات في أمر زواجهن. . . الخ)، أنه لم يقصر هذه الحال على الحجاز بل عممها في شبه الجزيرة. وإذا لاحظ القارئ أن الحجاز هو قلب بلاد العرب، تحج إليه من قديم الأزمان للعبادة والتجارة والمباراة في الشعر، وأقامت فيه الأسواق لذلك، ومنه تصدر التقاليد والعادات اجتماعية وخلقية، وعلى قالبه يضع القاطنون في أنحاء الجزيرة العربية ويعتصمون بخواطره، وأن الحجاز هو موطن الحركة الدينية والسياسية اللتين يؤرخ لهما المؤرخون، إذا لاحظ القارئ هذا، أدرك لأول وهلة أن الناقد لم ينصف في مأخذه ولم يوفق فيما أستدل به من حديث عائشة في هذا المقام. ص٤٥ - يقول الناقد إن الفرس لم يزهدوا في بلاد اليمن و (أنهم كانوا حراصاً عليه ليحدوا من نفوذ خصومهم الروم والأحباش في تلك البلاد). ولو أنه أطلع على ما ذكره الطبري الذي أخذ عنه براون في كتابه (تأريخ الفرس الأدبي) , , , ١٧٨) وهو - كما لا يخفى - حجة دامغة في تأريخ الفرس، لعلم أن كانوا حقيقة زاهدين في غزو بلاد اليمن. ولا أدل على ذلك من رد كسرى على سيف بن ذي يَزَن الحميري عندما طلب منه مساعدته لاسترداد بلاده من الأحباش إذ يقول له: (بعدت أرضك عن أرضنا، وهي أرض قليلة الخير. إنما بها الشاة والبعير وذلك مما لا حاجة لنا به).

стр. 10793

ولعل من العجب أن يقيم حضرة الناقد عاصفة حول اختلاف المؤرخين في وصف (وهرز) قائد الحملة الفارسية على اليمن، وهل حاجباه هما اللذان سقطا من الكبرأوأن جفنيه انطبقا أحدهما على الآخر من الكبر!! فالمسألة - كما يرى القارئ - مسألة شكلية خلافية بين المؤرخين، ومؤداها - على كل حال - أنه بلغ من الكبر عتياً، فلا تستحق كل هذا الجهد. ص٦١ - ٦٢ - يأخذ الناقد علينا أننا استعملنا لفظاً أجنبياً لنظام عربي، وأن التنظير بين بلاد العرب وبين شبه جزيرة قرشقة يبدو غريباً ونابياً. والمنصف يقدر لنا رغبتنا في عدم إيقاع القارئ في لبس، خصوصاً إذا لم يكن قد قرأ شيئاً عن هذا النظام الذي كان سائداً في جزيرة قرشقة منذ مئات السنين؛ وقد سلكنا هذا المسلك عينه في كتابنا (الفاطميون في مصر وأعمالهم السياسية والدينية بوجه خاص) (ص٢٣) الذي قامت وزارة المعارف بطبع ترجمته العربية على نفقتها سنة ١٩٣٢. ص٦٨ - هوّل الأستاذ الناقد تهويلاً عظيماً فيما جاء بسياق كلامنا عن قريش (أنهم اتخذوا جزءاً من الأرض أولوه احترامهم وبنوا به بيتاً حراماً لا يحل فيه القتال وأخذوا على عاتقهم حمايته) مستنداً في مأخذه على أن إبراهيم الخليل هو باني الكعبة، وأن قريش كانت تحتمي بالبيت الحرام. ويقيننا أن حضرة الناقد، إذا رجع إلى كتب التأريخ والسير والحديث، عثر على ما يناقض استناده - ولو إلى حد كبير. فكما أنه لا يشك مسلم في أن إبراهيم هو أول من بنى الكعبة بنص الكتاب الكريم، كذلك لا يشك مؤرخ في أن الكعبة قد هدمت بعد هذا مرات بفعل السيول أو النار، وأنها بنيت في حياة النبي ﷺ حين كانت سنة خمسة وثلاثين، وأنه هو الذي وضع بيده الكريمة الحجر الأسود وفض بذلك النزاع بين المتزاحمين؛ ولا يشك محدث أن الرسول قال لعائشة: (لولا أن قومك حديثو عهد بالكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم)، وأن عبد الله بن الزبير هدمها أبان خلافته وبناها على أساس قواعد إبراهيم، مستنداً إلى الحديث السابق، فأتى الحجاج بعد هذا وأعادها إلى ما كانت عليه في عهد الرسول. أما مسألة الاحتماء بالبيت الحرام أو حمايته، فليبس فيها فارق كبير إذا اعتبرنا الاحتماء للأفراد والحماية للجماعات. وقد حصل في قصة أبرهة الحبشي ما يؤيد ذلك، على أننا قد

стр. 10794

ذكرنا في كتابنا هذا (ص٦٦، ٦٨، ٩٢، ٩٣، ٤٥٠) ما يثبت ذلك كله. ص٨٧ لا أدري وجهة النصح من حضرة الناقد لنا في أن نبرأ من الذهاب إلى أن معنى التحنف التوبة والاعتراف. فليس بخاف أن التوبة هي ميل من حال إلى حال. ومعنى (حنيفاً) مائلاً عن الباطل إلى الدين الحق. راجع تفسير البيضاوي وغيره. الحق أن هذا النصح لا يبعد عنه في الغرابة إلا دعوى أن الرسول ﷺ تأثر تأثراً بريئاً بالجمال حين تزوج صفية بنت حُي!! وليسمح لنا الأستاذ الناقد أن نستعير عبارته (لست أدري ما الذي أبقاه بعد هذا القول لجهلة المبشرين ومتعسفي المستشرقين). نعم! أيها الأستاذ. إن الرسول - كما قلنا في كتابنا - كان مضطلعاً بمهمة عظيمة تسمو عن الجمال وعن خلجات الفكر، ولعلك تراجع كتب التأريخ الإسلامي لترى أن السبب الوحيد في هذا الزواج هو تأليف قلوب قومها وإسلامهم، ولتكون سبباً في عتقهم ليشتد بهم أزر المسلمين. فهذه هي عائشة أم المؤمنين تقول: (لم أر امرأة أكثر بركةً ومنةً على قومها من صفية. أسلم بزواجها قومها وأعتقوا؛ فقد أطلق الصحابة أسراهم من قومها وقالوا إنهم أصهار الرسول). ثم كيف تستبعد أن يطمع الرسول في إسلام اليهود مع ما جرى منهم، وهو الذي أنزل عليه القرآن محذراً من القنوط لأنه علامة الكفر، وحاثاً على التواصي بالحق والتواصي بالصبر؟ لعل الناقد أولى بأن يبرأ من هذا القول الجريء وإلقاء تبعته على سبْق القلم. ص١٣١ - أخطأ الناقد في تفهم قولنا إن الإسلام أحل الوحدة الدينية محل الوحدة القومية، وذكر أننا أوردنا عبارة (الدعوة الدينية) مع أنها (الوحدة الدينية!!)، وقد ضم حضرته هذا الخطأ الذي وقع فيه إلى المآخذ التاريخية التي عابها على الكتاب، وأما عن قوله: (إن المراد بالوحدة القومية والجنس هو القبيلة) فهو كلام غير مفهوم بدليل قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقوله ﵊ (لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى). فالمقصود هنا الموازنة بين أمة وأمة لا بين قبيلة وأمة، ولعل الناقد يريد بذلك أن يقيس مع الفارق على رأيهم. ص٢١١ - ثم ما ندري عدم اللياقة في التعبير عن نابليون بالفتى التلياني، مع أن المعنى

стр. 10795

اللغوي والإطلاق العربي يجيزان ذلك بتوسع. إن نابليون كان فتى، لأنه رجل عظيم أتى بصنوف من العبقرية والمواهب في الحرب والسياسة، وكان العرب يطلقون لفظ الفتى على من أمتاز بموهبة تبعث الإعجاب والثناء، ولقد قالوا قديماً: (لا فتى إلا عليّ)، ونابليون كان فتى بالمعنى اللغوي لأنه حين بزغ نجمه لّما يكتمل العقد الثالث من عمرهُ؛ ثم كان تليانياً (بياء النسبة) من جزيرة قرشقة. لعل لهذه الغيرة النابليونية سبباً تكشفه لنا الأيام. ص٢٤٠ - ٢٤١ - يرمينا الناقد بالتقصير في تفهم قصيدة (تأبط شراً) ويأخذ علينا نقل شرحها عن التبريزي، وأننا ذكرنا في التعليق عليها لفظ عمه بدل خاله، وقد فات الناقد أننا ذكرنا لفظ خاله مرة قبل ذلك، ثم ذكرنا لفظ عمه سهواً وعن غير قصد: أما نقلنا شرح التبريزي، فمع إشارتنا إلى المصدر الأصلي - وهو ما يعبر عنه المؤرخون بالأمانة في النقل - فأننا لم ننقل هذا الشرح على القصيدة برمته، وإنما نقلناه بتصرف ومع مراجعة القاموس وكتب اللغة. فما ندري أن الخطأ غير المقصود في ذكر لفظ العم بدل الخال في قصيدة يكون معناهُ أننا لم نتفهم معنى القصيدة برمتها. وهكذا يكون الأنصاف وإلا فلا!! كم أعجبني قول الأستاذ الكبير والمؤرخ المشهور بآثاره العلمية محمد بك كرد علي في تحقيقاته على كتاب: (ذكر المعلق على الكتاب أنه وقعت في طبعته هذه بعض أغلاط مع كل ما عانى في تصحيحه جاء بعضها سهواً منه، وبعضها من خطأ النظر، وبعضها من الأغلاط المطبعية التي لا يتنزه عنه كتاب. ونحن نقيم من كلامه هذا عذراً لكل من أحيا كتاباً للقدامى وليس من الأنصاف أن يحمل على كل من أرتكب خطأ من هذا القبيل بعد بذل الجهد). ص٣٣٠ - على الرغم مما ورد في كتب التأريخ بأن عثمان كان يصوم الدهر وأنه قتل صائماً، فأن الناقد يحاول بجرة قلم أن يرفض هذا القول لسبب واحد: هو أن العقل يرفضه!! كأن حوادث التأريخ أصبحت تجري وراء عقل بعض الناس؛ فما رفضه يجب أن يمحى من كتب التأريخ ولو بلغ حد التواتر أو قام عليه ألف دليل ودليل. ألسنا في حل من إن نقول الذي جعل العقل يرفض هذا القول هو أننا نريد أن نثقل كفة السيئات والمآخذ.

стр. 10796

ص٣٦٥ - ينفي الناقد ما ذكرناه من أن عثمان أنتخب بمقتضى قانون الشورى الذي سنه عمر. ولم يكف حضرته في ذلك أن عمر سن نظاماً شورياً مناسباً جداً لعصره بتعيينه ستةُ يختار من بينهم خليفة، وجعل أبنه عبد الله أحد من يختارون على ألا ينتخب. فهل كان يريد الناقد لتحقيق هذه التسمية أن يعتبر عمر دفاتر الانتخاب ويرجع إلى دستور سنة ١٩٢٣؟ ألا إن هذا المبدأ الذي سنه عمر كان حجر الزاوية في قانون الشورى إن لم يكن هو القانون بأكمله. ولو أخذ المسلمون به لما بزغت قرون الفتن، ولما زلزلوا زلزالاً شديداً صدعّ بنيانهم وأسرع في انحلالهم. (يتبع) حسن إبراهيم حسن

стр. 10797

الكتب كتاب الأوراق للصولي للأستاذ محمد بك كرد علي كان أبو بكر محمد بن يحيى الصولي من الأدباء الظرفاء والندماء العلماء. نادم الراضي بالله وكان أولاً مؤدباً له. ونادم المكتفي ثم المقتدر. وكان من ألعب أهل زمانه بالشطرنج مات مستتراً بالبصرة في سنة ٣٣٥هـ على أصح الروايات، لأنه روى خبراً في علي بن أبي طالب فطلبته الخاصة والعامة لتقتله. وله كتب كثيرة في الأخبار وتراجم الرجال، ولا سيما الخلفاء والأمراء والشعراء. والغالب عليه (أخبار الناس، وله رواية واسعة، ومحفوظات كثيرة. وكان حسن الاعتقاد جميل الطريقة. مقبول القول) وتآليفه: كتاب الأوراق هذا الذي قال فيه المسعودي (إن الصولي في كتاب الأوراق ذكر غرائب لم تقع إلى غيره، وأشياء تفرد بها، لأنه شاهدها بنفسه. وكان محظوظاً من العلم، مجدوداً من المعرفة مرزوقاً من التصنيف، وحسن التأليف) والأوراق هو الذي أحياه بالطبع جزئين لطيفين أحد المستعربين من الإنجليز السير هودث دن. وكان طبع له كتاب (أدب الكتاب) أحد أدباء بغداد الشيخ محمد بهجة الأثري. بدئ الجزء الأول من الأوراق أو القسم الذي عثر عليه الناشر بترجمة أبان اللاحقي وأخباره مع الرشيد ومع جماعة من الشعراء وأجزاء من نظمه كتاب كليلة ودمنة وبدأ بقوله: هذا كتاب كذب ومحنة … وهو الذي يدعى كليلة ودمنة فيه دلالات وفيه رشد … وهو كتاب وضعته الهند فوصفوا آداب كل عالم … حكاية عن ألسن البهائم فالحكماء يعرفون فضله … والسخفاء يشتهون هزله. . . وفيه ترجمة ثلاثة شعراء وأدباء ظهروا من بيت اللاحقي، وترجمة أشجع السلمي ومختار شعره في المديح وغزله ومراثيه، وأشعار أشجع نحو ربع هذا الجزء. وترجم الصولي

стр. 10798

لأحمد أخي أشجع كما ذكر أخبار أحمد بن يوسف الكاتب وأسرته ولا سيما أخوه القاسم، لأن الأخوين اقتسما نثر الكلام ونظمه فتقدم أحمد بن يوسف في النثر وأخوه القاسم في النظم. وبنو أحمد بن يوسف من أصل قبطي مصري، أسر جدهم فنشأوا في العراق وما زالوا يعلون وتنبه أقدارهم حتى وزر أحمد يوسف للمأمون. وللقاسم في الشيب والزهد من قصيدة: ودع شبابك قد علاك مشيب … وكذاك كل معمر سيشيب جازت سنوك الأربعين فأزعجت … منك الشباب تجارب وخطوب ودعاك داع للرشاد أجبته … وبما يراك الغيّ ليس يجيب فأبك الشباب وما خلا من عهده … أيام أنت إلى الحسان طروب يسبين لبك بالدلال وتستبي … ألبابهن فسالب وسليب طوراً يسامحن الهوى ويطعنه … ويصبن قلبك بالجوى وتصيب خلطن معصية بحسن إجابة … فلهن عندك أنعم وذنوب. . . ولهذا الشاعر قصائد جميلة قالها في أغراض شتى مثل قصيدة يشكو فيها البق والبراغيث والبرغش، وأخرى في رثاء هرة، وثالثة في الشكوى من النمل والفأر، ورابعة في رثاء الشاه مرخ (الشاهمرد)، وخامسة في رثاء القمري إلى غير ذلك (راجع ما كتبناه في درس هذا الجزء السادس في المجلد من مجلة المجمع العلمي العربي). وفي الجزء الثاني من الكتاب أخبار الراضي والمتقي وتأريخ الدولة العباسية من سنة ٣٢٢ إلى سنة ٣٣٣ وفيه تجلت نفسية الصولي، وكان في الجزء الأول ينقل أخبار غيره فيجيد النقل ويحسن الاختيار؛ أما في هذا الجزء فتكلم فيه عن نفسه، وذكر أحاديثه مع الراضي وقصائد فيه، ومبالغة في محامده وعطاياه له، فظهر الإسفاف عليه بالحافة في الاستجداء من الخليفة وشكوى الزمان من الحرمان، وقول فلان منحني وفلان حرمني، مما لا يتناسب مع جلالة قدر من يدعي أن أهله كانوا من نسل ملوك جرجان، وهو يعاشر الخلفاء والأمراء، وهذا القسم مهم في تأريخ الخليفتين الراضي والمتقي، يتجلى فيه انحطاط الملك العباسي، وما كان يحاك حول الخلفاء من دسائس، وكيف تنزع السلطة من الخوالف شيئاً فشيئاً.

стр. 10799

والغالب أن بعض المؤرخين اعتمدوا على نصوص الصولي في أكثر المسائل التي ذكرها واقتبسوا عباراته بحروفها، وشعر الصولي الذي شغل به صفحات طويلة من هذا الجزء معجون بالمصانعة، وعلى جانب من التكلف حاول أن يأتي بقصائد ذات قواف مستغربة، فأبهم وعمي، وحاد عن قانون السلاسة. ومما ذكره من شعر تلميذه الخليفة الراضي يفتخر: لو أن ذا حسب نال السماء به … نلت السماء بلا كد ولا تعب منا النبي رسول الله ليس له … شبه يقاس به في العجم والعرب فأن صدقتم فأعلى الخلق نحن وإن … ملتم عن الصدق أعنقتم إلى الكذب وله من قصيدة: إني أمروءٌ تصفو موارد رأفتي … وتحْرُب سطواتي العدو المحرّبا إذا عدت الأبيات أبصرت بيتنا … كأن الثريا بالبنيّ مطنباً رويدك إن النار تظهر تارة … ويكمن في الأحجار منها تغيبا وذكر له صفحات من شعره في الفخر والغزل والتشبيب وما أخلى الصولي الخليفة المتقي من تهكم وتعريض، ولعله قال ما رأى في هذا، وأغمض عن أمور رآها في سلفه الراضي، لأنه لم يكن له القبول الذي يحاوله في أيام المتقي، (ذكره ص٢٤٩) صورة أمر عن المتقي لما غادر بغداد إلى بعض أرجاء العراق وهو خائف من الناس قال: وكتب الخليفة إلى صاحب الشرقية أحمد أبن جعفر الزطي بكتاب يأمره أن ينادي بما فيه فنادى (أمر أمير المؤمنين أطال الله بقاءه بالنداء ببراءة الذمة ممن فتح من العمال والمتصرفين شيئاً من الدواوين، أو نظر في الأعمال، أو طالب بخراج، أو تصرف في عمل من الأعمال السلطانية بعد شخوص أمير المؤمنين، فقد أحل بنفسه العقوبة الموجعة وهجم (داره) وإباحة ماله، فقد أحب أمير المؤمنين ترفيه رعيته والاحتياط لهم، وترك إعناتهم، فليحذر المخالفون لذلك، وليلحق بأمير المؤمنين سائر عماله وأوليائه، ولا يتأخرون عن معسكره، وليلغ سامع هذا النداء الغائب عنه) أي أن الخليفة عطل كل شيء في بغداد لئلا يشغب العامة مدة غيابه عنها. وذكر المؤلف قصة تأديب الراضي وأخيه هارون وكيف أرسلت القهرمانة ريدان إلى المؤدب تقول (ص٢٦) (إن هذه المحاسن من هذا الرجل عند السيدة ومن يخدمها مساوئ، فقل له عني يا هذا ما نريد أن يكون أولادنا أدباء ولا علماء، وهذا

стр. 10800

أبوهم (المقتدر) قد رأينا كل ما نحب فيه، وليس بعالم فأعمل على ذلك) قال المؤدب فأتيت نصراً الحاجب فأخبرته بذلك فبكى وقال: كيف نفلح مع قوم هذه نياتهم. قلنا ولما اكتفى العباسيون بالجهل لأولادهم تداعت دولتهم شأن كل دولة جاهلة في القديم. وعهد المقتدر وتسلط النساء في القصر العباسي من أغرب أيام بني العباس. ومن هذه الأمور صُورَ صالحة في كتاب الأوراق وصفحات ينبغي لها أن تقرأ بتدبير. محمد كرد علي

стр. 10801

العدد ١٣٢ - بتاريخ: ١٣ - ٠١ - ١٩٣٦

стр. 10802

من أحاديث النيروز كنا ليلة النيروز المسيحي نسمر في دار صديق؛. . ولهذا الصديق زوجة من لوزان، دقيقة الفهم، رقيقة الشمائل، لطيفة التكوين؛ أغرمت بمصر وأخلاق أهلها اغراماً شديداً، فهي تحاول أن تتكلم الغربية، وتؤثر أن تعيش على الأوضاع المصرية، وتتابع بالنظر العطوف نهضتنا المجاهدة، وتدافع بالحجة القارعة ما تفتريه علينا الألسن الأوربية الجاحدة، وتحب كلما حضرت مجلسها أن تناقلني الأحاديث في مصر والعرب والإسلام والشرق، وهي في كل ذلك واسعة الاطلاع من طول ما تسافر ومن كثرة ما تقرأ. كان زوجها وفريق من المدعوين يلعبون الورق على المائدة المغرية، وكان فريق آخر يستمع إلى (الراديو) وهو يذيع الأناشيد الكنسية المهللة، وأنا وهي على كرسيين متقابلين أمام المدفأة، نتجاذب على عادتنا أطراف الحديث المشقق، ونتصفح على طريقتنا أوجه الرأي المختلف، فأجد في حديثها الشهي الممتع ما يجده ذلك الذي يلعب، وذاك الذي يشرب، وهذا الذي يسمع! تناهزت النفوس الحبيبة لذة الصفو في الساعات المودعة، وتجاوبت في البيع القريبة أصوات النواقيس المرنة، وتلاقت الحياة والموت في قلب الليلة المخضرمة، وتهتكت سدول المهد المحجب عن العام الوليد؛ فقالت لي ساعتئذ والرفاق يتبادلون المودة بالعيون، ويتناقلون التهنئة بالشفاه: انظر كيف يولد العام المسيحي في بقاع الأرض!! إنه يولد كما يولد الأمل المعسول في النفوس المرحة الغضة، فالكنائس تعج بالصلوات المستبشرة، والمنازل تفيض بالمسرات المتجددة، والعالم الغربية كله لا يذكر في هذه اللحظة عاماً دفن مع الأمس، ذوت فيه نواضر المنى، وذهب معه بعض العمر، وإنما يذكرون عاماً يولد مع اليوم، فتستأنف نشاطها فيه، وتستمد رجاءها منه، وتستقبل حدثان الغد بالثغر الباسم والعزم الصارم والنظر الرغيب. . وما أدري - وقد نشأت في ربوع الغرب وطوفت في بعض أنحاء الشرق - لماذا كان المسلمون وحدهم اليوم رماد الموقد المضطرم: يتحرك بهم الفلك وهم ساكنون، وتتفجر عليهم الأحداث وهم غافلون، ويلقون في مراغة الذل وهم راضون، وتؤكل بهم أرزاق الأرض وهم قانعون، ويجادل عنهم خصومهم وهم ساكتون؟ أيرجع ذلك إلى العقيدة أم إلى الطبيعة؟

стр. 10803

فأجبتها والخجل يكسر من طرفي ويعقد من لساني: ربما كان مرجعه إلى الاثنتين معا! وكانت تنظر إلى لهب النار يرقص واريا بين وقود المدفأة، فحولت في دهشة وسرعة وجهها إلي وثبتت نظرها في، وقالت: كيف؟! ألم تكن عقيدتهم اليوم هي العقيدة التي ألفت من شتات البدو دولة، وبعثت من جوف الصحاري حضارة، ونفخت في قلوب الصعاليك من روح الله فطمحوا إلى ملك كسرى وهم جياع، وسموا إلى عرش قيصر وهم عراة، وصمدوا إلى حكم العالم وهم سذج؟ ألم تكن طبيعتهم اليوم هي الطبيعة التي تكرمت عن الدون، وتجافت عن الهون، وتسامت إلى القدر الخطير، وتمردت على الطغيان المستبد، وجعلتهم يضعون أنفسهم في كفة، والعالم كله في كفة، فسموا - كما علمت منك - من عداهم بالعجم، كما سمى الرومان من عداهم بالبربر؟ فقلت لها: كلا وا أسفاه! ليست العقيدة هي العقيدة، ولا الطبيعة هي الطبيعة! كانت عقيدتهم كما قلت سامية تبعث الطموح، صافية تكسب الخلوص، بسيطة تنتج الرفاق، جامعة توجب الوحدة؛ توفق بين الدين والدنيا من غير كلفة، وتصل بين الله والإنسان من غير واسطة، فاختلط بها في القرون الأخيرة شعوذة الهنود وأساطير اليهود وصوفية الفرس ولاهوتية اليونان، فأصيبت بالخدر الذاهل والتواضع الجبان، والزهد الكسول، والاتكال المخلف، والجدل العقيم، والاختلاف المفرق؛ ثم تبخر من هذا الخليط المشوه إكسير الحياة فلم يبق إلا الرواسب الغريبة، وتصعد منه عبير الروح فلم يبق إلا الأوراق الجفيفة؛ فالدين اليوم شعائر من غير شعور، وتقليد من غير فهم، واعتقاد من غير تطبيق، وشعوذة من غير حقيقة، وأحكام من غير حكم. وكانت طبيعتهم كما قلت أبية تأنف الضراعة، طماحة تكره القناعة، وثابة تحاول التفوق، طلاعة تحب المغامرة؛ فامتزجت بها من بعد الفتوح دماء الأجناس المملوكة، وأدواء الأمم المنهوكة، وأوباء الأقاليم القصية؛ ثم قرت فيها صبابة الأحقاب، وانتهت إليها نفاية الأعقاب، وناءت بها أعباء التقاليد. فالعقلية الإسلامية اليوم مشوبة غير صريحة، معقدة غير واضحة؛ وهي من عبث الأحداث متنافرة لا تلتئم، متخاذلة لا تقاوم. إنما العقيدة الخالصة والطبيعة السليمة لا تزالان في بوادي الحجاز وهضبات نجد؛ ولكن

стр. 10804

العالم غير العالم، والوسيلة غير الوسيلة، والغاية غير الغاية! فإذا لم نجل عن عقيدتنا هذا الصدأ العارض، وننف عن ثقافتنا هذا الهراء الغث، ونجُدّ من خلفنا ذيل التقاليد الفاسدة، ظل سيرنا يا سيدتي بطيئاً لا يلحق، وجهدنا باطلاً لا يفيد. وكانت فورة اللعب والطرب قد قرت في نفوس القوم، فخلت المائدة، وسكت الراديو، وفتر الحديث، وتهيأ السامرون للخروج، فلم تستطع السيدة أن تعقب على هذا الكلام. احمد حسن الزيات

стр. 10805

في الحب والمرأة للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني أنا - كما لا يعرف القارئ وإن كان لا شك لبيباً - أكره أن أُحِب أو أن أحَب. ولهذا النفور من الحب أسباب شتى، منها أنه لا يدلي في الأمر، ولا سلطان لي عليه، والمرء يصاب بالحب كما يصاب بالزكام - بكرهه وعلى الرغم منه - ولو خير لاختار السلامة وآثر النجاة، ومن ذا الذي يطيب له أن يتوعك؟ والحب حين يغمر النفس يذهلها عن لذته وحلاوته، ويشغلها بالوجيب والقلق والخوف والرغبة والغيرة، ولهذا كان أمتع ما فيه ذكراه - أي بعد تفتر الحرارة وتسكن النفس ويزول الاضطراب والقلق - أو تنتفي دواعيهما بفتور الرغبة - وقد يكون البحر الجائش العباب رائعاً ولكن ركوبه لا يحلو، واعتسافه لا يؤمن، والنفس مثله. وقد يسمو بها اضطرام الحب فيها إلى الجلال، ولكن الإحاطة بما تضطرب به والغوص عليه لا يتسنيان إلا بعد الهدوء؛ وقد يلهم المرء شيئاً وهو هائج، ولكن النظرة المباركة هي التي تدور بها العين في أنحاء النفس بعد أن تعود إليها سكينتها وصفوها ويتيسر الوصول إلى أغوارها والنفاذ إلى زواياها والتغلغل في سراديبها. ومن الأسباب المزهدة أني رجل عادل منصف، أو دع الإنصاف وقل إن الله خلق لي في وجهي عينين، فما خيرهما إذا أنا لم أنظر بهما؟؟ والمرأة مستبدة، ومن استبدادها أنها تغضب وتثور وتسود عيشك إذا نظرت إلى سواها. وعبث أن تحاول أن تفهمها أن الإغضاء عن كل هذا الجمال الذي في الناس، قلة عقل، وقصر نظر - بل عمى -؛ وماذا تصنع العينان إذا لم تبصرا؟ وأي عمل آخر لهما هناك؟ وكون المرأة التي يبتلى الإنسان بحبها جميلة ليس معناه أن النساء غيرها دميمات؛ وحبك إياها لا ينبغي أن يتقاضاك مقت النساء الأخريات وتنقصهن؛ والإعجاب بهن لا يعد ثلباً لحبيبتك، وفي وسعها هي أيضا - إذا شاءت وكان هذا مما تستطيع - أن تعجب مثلك بهن. والرجل الذي يفقده الحب القدرة على الإعجاب بالجمال في صوره المختلفة يكون فاسد الذوق، ولو عقلت المرأة لكان هذا كافيا لتشكيكها في رأيه فيها. ويزهدني في الحب أيضا أن مناظر العشاق مضحكة، وأحوالهم سخيفة، ومبالغاتهم شديدة، ودعواهم عريضة، وعمى قلوبهم وأبصارهم تام عن كل ما يحيط بهم. وأي عاشق لم يقطع

стр. 10806

ألف وعد بالوفاء المستحيل؟ بل أي محب لم ينس طربوشه مرة، أو لم يلبس طربوشين واحداً فوق الآخر (ومع ذلك تراه لذهوله يدور باحثا عن طربوشه لظنه أن رأسه عار!) أو لم يبد للناس في الطريق أو الترام ملتاث العقل مخبولاً، يضحك ويقطب بلا سبب ظاهر، ويشير بأصابعه أو يلوح بيده، أو يكلم نفسه؟ والأرق؟ لا أدري لماذا لا ينام العشاق ملء جفونهم كما ينام عباد الله الآخرون؟ ولكن الذي أدريه أن النوم المريح قلما يؤاتيهم أو يسعفهم بسكينته، وتالله إن العاشق لمسكين! لا نوم الليلة يا صاحبي لأنك حين ذهبت إلى بيت حبيبتك رأيتها مطلة من النافذة وناظرة إلى جهة غير التي تعرف أنك آت منها! فهل كانت يا ترى تنتظر سواك؟ وعليك أن تذرع أرض الغرفة مائة ألف مرة هذه الليلة وتقطع خمسمائة فرسخ - جيئة وذهوبا - لأنك وأنت معها جعلت ذراعك حولها وهممت بضمها وتقبيلها فجنحت إلى الدلال ونفرت من العناق، وكانت تبتسم، ولكنها قالت (من فضلك!) من فضلك؟، وهل بيننا (من فضلك!). هذا كلام يقال للأغراب، وتكلف في التعبير لا يكون بين المحبين! ويظل طول الليل يدب على رؤوس النيام تحته. وفي ليلة يسير على وجهه في الشوارع كالمتشردين، ويحدث نفسه بالانتحار، ويجتاز جسر إسماعيل، وعينه إلى الماء الذي يتدافع بين قواعده، وقد يسأم التدخين فيلقي بعلبة السجاير في الماء ويغرقها فيه بدلا منه وفداء له، وبعد خمس دقائق يشتري غيرها. ولا يزال يتمشى حتى يرتاب في أمره الشرطة، ويرى منهم ما يرد إليه بعض ما عزت من عقله، فيرجع إلى البيت مضعضعاً مهدوداً. . . إلى آخره، إلى آخره. ثم إن الحب إذعان، ومن أحب امرأة فقد أسلم أمره - إلى حد ما - لأهواء لا ضابط لها، ولا كابح، ولا تمييز فيها بين الممكن والمتعذر، أو اللائق وغير اللائق؛ وقد يطير الحب عقل الرجل - بل هو يفعل ذلك على التحقيق - ولكنه لا يستطيع أن يغير أسلوب تفكيره ولا أن يجعله كأسلوب المرأة في تفكيرها. وعسير أن يظل الحب قادراً على إخفاء الفوارق بين أسلوبي الرجل والمرأة في التفكير. وهب وقدته تبقى زمناً طويلاً - وهو ما أشك فيه ولا أومن به - فان توالي اصطدام العقليتين خليق أن ينبه إلى هذه الفوارق وأن يزعج الرجل ويحيره، وقد يفضي به إلى السآمة. والمرأة التي ترى نفسها محبوبة تتوهم أن الرجل أباحها ظهره فهي تركبه وتركضه كيف

стр. 10807

شاءت وإلى حيث ينزو برأسها أن تذهب، ولا تبالي ما يصيبه من الإرهاق والجهد والإعياء والملل، ولا يخطر لها أن كده على هذا النحو ولجاجتها في ذلك خليقان أن يخمدا وقدت الحب. والدلال، ماذا نقول فيه؟ إنه مصيبة كبيرة وبلاء عظيم، ولكن المرأة تحسبه وقود الحب، فلا سبيل إلى شيء إلا بعذاب غليظ من هذا الدلال الثقيل، إذ كانت المرأة تسيء الظن بقيمة الاستجابة السريعة، ولا تؤمن إلا بقول القائل - قاتله الله كائناً من كان، فقد نسيت من هو -: (وَحَبُّ شيء إلى الإنسان ما منعا). قلت مرة لامرأة وقعت بينها وبين حبيبها نبوة من جراء دلالها وإبائها عليه قبلة اشتهاها: (يا ستي أنت تحبينه، وهو يحبك - أليس كذلك؟). فألقت إلي نظرة خبيثة، فهززت رأسي وقلت: (نعم أو لا؟ أيهما؟ قولي بلسانك) فقالت: (لكأني في مدرسة!) قلت: (ومن الذي غشك وأوهمك أنك استغنيت عنها؟؟ إنك لم تشبي عن الطوق إلى الآن، ومازلت إلى هذه الساعة بنتاً صغيرة جاهلة، أجدر بك أن تخرجي إلى الشارع، فتلعبي فيه بالحبل. . .). فلم يسؤها مني هذا الطعن لأنها كانت تعرف عطفي عليها، وحبي لخيرها، فأعدت عليها السؤال، فقالت: (نعم) فقلت: (أشهد ألا إله إلا الله! وقد اشتهى منك قبلة، فهل كنت تأنسين من نفسك استعداد للإجابة ورغبة فيها؟) فضحكت وقالت: (هذا أشبه بالتحقيق. . . شيء جميل والله!) قلت: (هو تحقيق. . . فأجيبي) فصاحت: (ولماذا لم يقبلني؟ ماذا منعه؟) فصحت بدوري: (إيه؟ ماذا تقولين؟) قالت: (أقول إن روحي كانت على شفتي. . . وكنت أتلهف على قبلته، ولكنه لم يفعل وذهب يتكلم. . . سخيف!) قلت: (ليس هو وحده السخيف) فرفعت وجهها إلي، وزوت ما بين عينيها، فقلت: (أنا أيضا مثله. . . فقد كنت أحسبه

стр. 10808

مؤدباً، وأعده مهذباً، فإذا به مغفل!). فضحكت. . . وهكذا المرأة أبداً. . . ومن هذا الذي يجرؤ أن يزعم أنه يعرفها معرفتها؟ يفعل الرجل الشيء يطلب به رضاها، فإذا هي ساخطة ضجرة؛ ويتقي الشيء يخشى أن يغضبها بفعله، فإذا هي تلومه وتؤنبه وتعد ذلك من ذنوبه؛ وتختصر الطريق وتمشي إلى غايتك مباشرة، فتراها تؤثر اللف والمحاورة، فتروح تدور فتجدها قد تغير مزاجها، واختلفت رغبتها وانقلبت تؤمن بأن الخط المستقيم أقرب ما بين نقطتين؛ وتهدي إليها تحفة تتعب في انتقائها، وتغرم في سبيلها نصف دخلك، فتقول: (هل استشرتني قبل أن تشتريها؟)؛ وتستشيرها في مرة أخرى فتقول: (لو فاجأتني بالهدية لكان ذلك أحلى وأوقع) فأنت معها أبدا على كف عفريت سكران. وعقول الرجل في رؤوسهم، أما عقل المرأة فقد يكون في حذائها - ولكنه على التحقيق - ليس في رأسها. وضائع، ضائع، من يجادلها بمنطق الرجال، أو يكلمها كلام العقل، فما عرفت ذلك يجدي معها. ولو أن رجلاً أثنى على عقل امرأة بكتاب في ثلاثين جزءا لما بلغ من نفسها ما هو خليق أن يبلغ بكلمة ثناء مفردة على جمالها - ولو كذباً - أو نظرة إعجاب واحدة إلى حذائها وإن كان أضخم من الباخرة نورماندي، أو مسحة بكفة - في حنو، ولو متكلفا - على شعرها وإن كان كضوء القمر. ولست أذم المرأة، وكيف أجرؤ، وهي زينة الحياة وسر سحرها؟ ولكني أقول إنها مخلوق آخر، غير الرجل، وهو قول ليس فيه جديد، ولا شك أن الرجل يبدو للمرأة - كما تبدو هي له - مستغرب الأطوار شاذاً في أسلوب تفكيره، وطريقة تناوله للأمور. إبراهيم عبد القادر المازني

стр. 10809

٢ - المشكلة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي لما فرغت من مقالات (المجنون) وأرسلت الأخيرة منها، قلت في نفسي هذا الآخر هو الأخر من المجنون وجنونه، ومن الفكر في تخليطه ونوادره؛ غير أنه عاد إلى أخلاطا وأضغاثا فكأني رأيته في النوم يقول لي: اكتب مقالا في السياسة. قلت: مالي وللسياسة، وأنا (موظف) في الحكومة، وقد أخذت الحكومة ميثاق الموظفين لما عرفوا من نقد أو غميزة ليكتمنَّه ولا يبيِّنونه. فقال: هذه ليست مشكلة، وليس هذا يصلح عذرا، والمخرج سهل والتدبير يسير والحل ممكن. قلت: فما هو؟ قال: اكتب ما شئت في سياسة الحكومة، ثم اجعل توقيعك في آخر المقال هكذا: (مصطفى صادق الرافعي؛ غير موظف بالحكومة). . . فهذه طريقة من طرق المجانين في حل المشاكل المعقدة، لا يكون الحل إلا عقدة جديدة يتم بها اليأس ويتعذر الامكان، وهي بعينها طريقة ذلك الطائر الأبله الذي يرى الصائد فيغمض عينه ويلوى عنقه ويخبأ رأسه في جناحه ظنا عند نفسه أنه إذا لم ير الصائد لم يره الصائد، وإذا توهم أنه اختفى تحقق أنه اختفى؛ وما عمله ذاك إلا كقوله للصياد: إني غير موجود هنا. . . على قياس (غير موظف). وقد كنت استفتيت القراء في (المشكلة) وكيف يتقي صاحبها على نفسه وكيف تصنع صاحبتها؛ فتلقيت كتباً كثيرة أهدت إلى عقولاً مختلفة؛ وكان من عجائب المقادير أن أول كتاب ألقي إلى منها - كتاب (نابغة) كنابغة القرن العشرين، بعث به من القاهرة، وسمي نفسه في (المصلح المنتظر)؛ وهذه عبارته بحرفها ورسمها كما كتبت وكما تقرأ؛ فان نشر هذا النص كما هو، يكون أيضا نصاً على ذلك العقل كيف هو. . . قال: (إن هذا الكون تعبت فيه آراء المصلحين، وكتب الأنبياء زهاء قرون عديدة، ودائما نرى الطبيعة تنتصر. ولقد نرى الحيوان يعلم كيف يعيش بجوار أليفه، والطير كيف يركن إلى عش حبيبته، إلا الإنسان. ولقد تفنن المشرعون في أسماء العادات والتقاليد والحمية والشرف والعرض، وإن جميع هذه الأشياء تزول أمام سلطان المادة فما بالكم بسلطان الروح؟

стр. 10810

ورأيي لهذا الشاب ألا يطيع أباه ولو ذهب إلى ما يسموه الجحيم (كذا) إذا كان بعد أن يعيش الحياة الواحدة التي يحياها ويتمتع بالحب الواحد المقدر له، ما دام قلبه اصطفاها وروحه تهواها؛ ولو تركته بعد سنين قليلة لأي داع من دواع الانفصال. (كذا) وهذا ليس مجرد رأي مجرب، وإنما هو رأي أكبر عقل أنجبته الطبيعة حتى الآن، وسينتصر على جميع من يقفون أمامه، والدليل أن هذا المقال سيشار إليه في مجلة (الرسالة)، وهذا الرأي سيعمل به، وصاحب هذا الرأي سيخلد في الدنيا، وسيضع الأسس والقوانين التي تصلح لبني الإنسان مع سمو الروح بعد أن أفسدت أخلاقه عبادة المال. إن الإنسان يحيا حياة واحدة فليجعلها بأحسن ما تكون، وليمتع روحه بما تمتع به جميع المخلوقات سواه. وإلى الملتقى في ميدان الجهاد) (المصلح المنتظر) انتهى وهذا الكتاب يحل (المشكلة) على طريقة غير (موظف). . . فليعتقد العاشق أنه غير متزوج فإذا هو غير متزوج، وإذا هو يتقلب فيما شاء؛ وتسأل الكاتب ثم ماذا؟ فيقول لك: ثم الجحيم. . . وإنما أوردنا الكتاب بطوله وعرضه لأننا قرأناه على وجهين، فقد نبهتنا عبارة (أكبر عقل أنجبته الطبيعة حتى الآن) إلى أن في الكلام إشارة من قوة خفية في الغيب، فقرأناه على وحي هذه الإشارة وهديها فإذا ترجمة لغة الغيب فيه: (ويحك يا صاحب المشكلة، إذا أردت أن تكون مجنونا أو كافرا بالله وبالآخرة فهذا هو الرأي. كن حيوانا تنتصر فيه الطبيعة والسلام. تلك إحدى عجائب المقادير في أول كتاب ألقي إلي؛ أما العجيبة الثانية فان آخر كتاب تلقيته كان من صاحبة المشكلة نفسها. وهو كتاب آية في الظرف وجمال التعبير وإشراق النفس في أسرارها يَمُور موْر الضباب الرقيق من ورائه الأشعة، فهو يحجب جمالاً ليظهر منه جمالاً آخر؛ وكأنه يعرض بذلك رأيا للنظر ورأيا للتصور، ويأتي بكلام يقرأ بالعين قراءة وبالفكر قراءة غيرها. ولفظها سهل سهل، قريب قريب، حتى كأن وجهها هو يحدثك لا لفظها، ومادة معانيها من قلبها لا من فكرها، وهو قلب سليم مقفل على خواطره وأحزانه

стр. 10811

مسترسل إلى الإيمان بما كتب عليه استرساله إلى الإيمان بما كتب له، فما به غرور ولا كبرياء ولا حقد ولا غضب ولا يكثره ما هو فيه. ومن نكد الدنيا أن مثل هذا القلب لا يخلق بفضائله إلا ليعاقب على فضائله؛ فغلظة الناس عقاب لرقته، وغدرهم نكاية لوفائه، وتهورهم رد على أناته، وحمقهم تكدير لسكونه، وكذبهم تكذيب للصدق فيه. وما أرى هذا القلب مأخوذاً بحب ذلك الشاب ولا مستهماً به لذاته، وإنما هو يتعلق صوراً عقلية جميلة كان من عجائب الاتفاق أن عرضت له في هذا الشاب أول ما عرضت على مقدار ما؛ وسيكون من عجائب الاتفاق أيضاً أن يزول هذا الحب زوال الواحد إذا وجدت العشرة، وزوال العشرة إذا وجدت المائة، وزوال المائة إذا وجد الألف. وبعد هذا كله فصاحبة المشكلة في كتابها كأنما تكتب في نقد الحكومة على طريقة جعل التوقيع: (فلان غير موظف بالحكومة). . . وهي فيما كتبت كالنهر الذي ينحدر بين شاطئيه مدعياً أنه هارب من الشاطئين مع أنه بينهما يجري. تحب صاحبها وتلقاه؛ ثم هي عند نفسها غير جانية عليه ولا على زوجته. . . فليت شعري عنها ما عسى أن تكون الجناية بعد زواج الرجل غير هذا الحب وهذا اللقاء؟ ونحن معها كأرسطاطاليس مع صديقه الظالم حين قال له: هبنا نقدر على محاباتك في ألا نقول إنك ظالم؛ هل تقدر أنت على ألا تعلم أنك ظالم؟ ورأيها في (المشكلة) أن ليس من أحد يستطيع حلها إلا صاحبها، ثم هو لا يستطيع ذلك إلا بطريقة من طريقتين: فإما أن تكون ضحية أبيها وأبيه (تعني زوجته) ضحيته هو أيضاً ويستهدف لما يناله من أهله وأهلها فيكون البلاء عن يمينه وشماله ويكابد من نفسه ومنهم ما إن أقله ليذهب براحته وينغص عليه الحب والعيش، (قالت): وإما أن يضحي بقلبه وعقله وبي. . . وهذا كلام كأنها تقول فيه: إن أحداً لا يستطيع حل هذه المشكلة إلا صاحبها، وأن صاحبها غير مستطيع حلها إلا بجناية يذهب فيها نعيمه، أو بجنون يذهب فيه عقله. فان حلها ذلك فهو أحد اثنين: إما أحمق أو مجنون ما منهما بد. . . ولسان الغيب ناطق في كلامها بأن أحسن حل للمشكلة أن تبقى بلا حل، فان بعض الشر أهون من بعض.

стр. 10812

والعجيبة الثالثة أن (نابغة القرن العشرين) جاء زائراً بعد أن قرأ مقالات (المجنون) فرأى بين يدي هذه الكتب التي تلقيتها وأنا أعرضها وأنظر فيها لأتخير منها، فسأل فخبرته الخبر؛ فقال: إن صاحب هذه المشكلة مجنون لو امتحنوه في الجغرافية وقالوا له ما هي أشهر صناعة في باريس لأجابهم: أشهر ما تعرف به باريس أنها تصنع (البودرة) لوجه حبيبتي. . . قلت: فكيف يرتد هذا المجنون عاقلاً؟ وما علاجه عندك قال: وجه في طلب أ. ش ليجيء، فلما جاء قال له اكتب: جلس (نابغة القرن العشرين) مجلسه للإفتاء في حل المشكلة فأفتى مرتجلاً: إن منطق الأشياء وعقلية الأشياء صريحان في أن مشكلة الحب التي يعسر حلها ويتعذر مجاز العقل فيها، ليست هي مشكلة هذا العاشق أكرهوه على الزواج بامرأة يحملها القلب أولا يحملها، وإنما تلك هي مشكلة إمبراطور الحبشة يريدون إرغامه أن يتزوج إيطاليا، ويذهبون يزفونها إليه بالدبابات والرشاشات والغازات السامة. ولو لم يكن رأس هذا العاشق المجنون فارغاً من العقل الذي يعمل عمل العقل، إذن لكانت مجاري عقله مطرودة في رأسه فانحلت مشكلته بأسباب تأتي من ذات نفسها أو ذات نفسه، غير إن في رأسه عقل بطنه لا عقل الرأس، كذلك الشره البخيل الذي طبخ قدراً وقعد هو وامرأته يأكلان. فقال ما أطيب هذه القدر لولا الزحام. . . قالت امرأته: أي زحام ههنا؟ إنما أنا وأنت. قال: كنت أحب أن أكون أنا والقدر فقط. . . فعقل النهم في رأس هذا كعقل الشهوة في رأس ذلك؛ كلاهما فاسد التقدير لا يعمل أعمال العقول السليمة؛ ويريد أحدهما أن تبطل الزوجة من أجل رطل من اللحم، ويريد الآخر مثل ذلك في رطل من الحب. . . وإذا فسد العقل هذا الفساد ابتلى صاحبه بالمشاكل الصبيانية المضحكة لا تكون في شيء كبير، ولا يكون منها شيء كبير؛ وهي عند صاحبها لو وزنت كانت قناطير من التعقيد؛ ولو كيلت بلغت أرادب من الحيرة؛ ولو قيست امتدت إلى فراسخ من الغموض. هاتان المرأتان: (الحبيبة والزوجة)، إما أن تكونا جميعاً امرأتين فالمعنى واحد فلا مشكلة؛ وإما ألا تكونا امرأتين فالمعنى كذلك واحد فلا مشكلة؛ وإما أن تكون إحداهما امرأة

стр. 10813

والأخرى قردة أو هِرْدة وههنا المشكلة. (حاشية: الهردة من أوضاع نابغة القرن العشرين في اللغة ومعناها الأنثى ليست من إناث الأناسي ولا البهائم. . .) فان زعم العاشق أن زوجته قردة فهو كاذب، وإن زعم أنها الهردة فهو أكذب. والمشكلة هنا مشكلة كل المجانين، ففي مخه موضع أفرط عليه الشعور فأفسده، وأوقع بفساده الخطأ في الرأي، وابتلاه من هذا الخطأ بالعمى عن الحقيقة، وجعل زوجته المسكينة هي معرض هذا العمى وهذا الخطأ وهذا الفساد؛ ولا عيب فيها، لأنها من زوجها كالحقيقة التي يتخبط فيها المجنون مدة جنونه فتكون مجلي هذيانه ومعرض حماقاته، وهي الحقيقة غير أنه هو المجنون. فان كانت هذه الحقيقة مسألةً حسابية استمر المجنون مدة جنونه يقول للناس: خمسون وخمسون ثلاثة عشر، ولا يصدق أبدا أنها مائة كاملة؛ وإن كانت مسألةً علمية قضى المجنون أيامه يشعل التراب ليجعله باروداً ينفجر ويتفرقع، ولا يدخل في عقله أبداً أن هذا تراب منطفئ بالطبيعة؛ وإن كانت مسألةً قلبية استمر المجنون يزعم أن زوجته قردة أو هردة ولا يشعر أبداً أنها امرأة. فان صح هذا الرجل مجنون فعلاجه أن يربط في المارستان ثم يجيء أهله كل يوم بزوجته فيسألونه: أهذه امرأة أم قردة أم هردة؟ ثم لا يزالون ولا يزال حتى يراها امرأة ويعرفها امرأته فيقال له حينئذ: إن كنت رجلاً فتخلق بأخلاق الرجال. أما إن كان الرجل عاقلاً مميزاً صحيح التفكير ولكنه مريض مرض الحب، فلا يرى (النابغة) أشفى لدائه ولا أنجع فيه من أن يستطب بهذه الأشفية واحدا بعد واحد حتى يذهب سقامه بواحد منها أو بها كلها: الدواء الأول: أن يجمع فكره قبل نومه فيحصره في زوجته ثم لا يزال يقول زوجتي، زوجتي، حتى ينام. فان لم يذهب ما به في أيام قليلة فالدواء الثاني. الدواء الثاني: أن يتجرع شربة من زيت الخروع كل أسبوع. . . ويتوهم كل مرة أنه يتجرعها من يد حبيبته، فان لم يشفه هذا فالدواء الثالث. الدواء الثالث: أن يذهب فيبيت ليلة في المقابر، ثم ينظر نظره في أي المرأتين يريد أن يلقى الله بها وبرضاها عنه وبثوابه فيها؛ وأيتهما هي موضع ذلك عند الله تعالى، فان لم

стр. 10814

يبصر رشده بعد هذا فالدواء الرابع. الدواء الرابع: أن يخرج في (مظاهرة). . . فإذا فقئت له عين أو كسرت له يد أو رجل ثم لم تحل حبيبته المشكلة بنفسها. . . فالدواء الخامس. الدواء الخامس: أن يصنع صنيع المبتلى بالحشيش والكوكايين، فيذهب فيسلم نفسه إلى السجن ليأخذوا على يده فينسى هذا الترف العقلي، ثم ليعرف من أعمال السجن جد الحياة وهزلها، فإن لم ينزع عن جهله بعد ذلك فالدواء السادس. الدواء السادس: أنه كلما تحرك دمه وشاعت فيه حرارة الحب، لا يذهب إلى من يحبها ولا يتوخى ناحيتها، بل يذهب من فوره إلى حجَّام يحجمه. . . ليطفئ عنه الدم بإخراج الدم؛ وهذه هي الطريقة التي يصلح بها مجانين العشاق، ولو تبدلوا بها من الانتحار لعاشوا هم وانتحر الحب. قال (نابغة القرن العشرين): فان بطلت هذه الأشفية الستة وبقى الرجل جموحاً لا يرد عن هواه فلم يبق إلا الدواء السابع. الدواء السابع: أن يضرب صاحبه المشكلة خمسين قناة يصك بها واقعة منه حيث تقع من رأسه وصدره وظهره وأطرافه، حتى يتهشم عظمه، وينقصف صلبه، وينشدخ رأسه ويتفرى جلده؛ ثم تطلى جراحه وكسوره بالأطلية والمراهم وتوضع له الأضمدة والعصائب، ويترك حتى يبرأ على ذلك أعرج متخلعاً مبعثر الخلق مكسور الأعلى والأسفل، فان في ذلك شفاءه التام من داء الحب إن شاء الله. قلنا: فان لم يشفه ذلك ولم يصرف عنه غائلة الحب؟ قال: إن لم يشفه ذلك فالدواء الثامن. الدواء الثامن: أن يعاد علاجه بالدواء السابع. . . . . . (لها بقية) مصطفى صادق الرافعي

стр. 10815

سفارة أندلسية إلى ملك النورمانيين في القرن الثالث الهجري للأستاذ محمد عبد الله عنان لبث عرب الأندلس منذ الفتح زهاء قرنين في مأمن من الغزوات الخارجية، لا تزعجهم سوى الحروب والمعارك الداخلية، ولم تشعر الأندلس المسلمة بخطر الغزو الخارجي في تلك الفترة إلا من ناحية واحدة، هي ناحية مملكة الفرنج التي بلغت ذروة القوة والبأس في عصر عاهلها كارل الأكبر (شارلمان)، والتي استطاعت من قبل أن تستخلص من يد العرب رباط الثغر وكل أملاكهم في لانجدوك وما وراء جبال البرنيه، وأن تغزو إسبانيا المسلمة من الشمال أكثر من مرة؛ ولكن هذا الخطر الداهم لم يلبث أن خبا عقب انحلال المملكة الفرنجية وتوطد الدولة الأموية في الأندلس. بيد أن الأندلس لم تلبث أن عرفت خطراً آخر لم تكن لتفطن إليه أو تتحوط لرده؛ ذلك هو خطر الغزوات البحرية النورمانية؛ وقد ظهر هذا الخطر فجأة حينما ظهرت سفن النورمانيين في مياه الأندلس لأول مرة في سنة ٢٣٠هـ (٨٤٣م) في عصر أمير الأندلس عبد الرحمن بن الحكم، وعاثت في ثغور الأندلس، ووصلت إلى أشبيلية، واقتحم الغزاة بسائطها بالنار والسيف؛ ولم يك لعرب الأندلس يومئذ معرفة بتلك الأمة البحرية التي جاءت من أقاصي الشمال غازية في أقاصي الجنوب، فعرفوها وآنسوا خطرها ومنعتها؛ وعرفوها عندئذ باسم (المجوس)؛ ذلك لأن النورمانيين كانوا يومئذ أمة وثنية تعبد النار والكواكب والعناصر، ثم عرفوها فيما بعد باسم (المجوس الأردمانيين)، أعني النورمانيين؛ وكانت الأندلس حتى ذلك الحين تعني بأسباب الدفاع الداخلية والبرية، ولا تعني كثيراً بأمر الأسطول أو التحصينات البحرية، فلما شهدت جرأة أولئك الغزاة المجهولين، وشدة عيثهم بشواطئها وثغورها، عنيت بأمر الأسطول والثغور، ولم يأت عصر عبد الرحمن الناصر حتى كان للأندلس أسطول فخم يسيطر على تلك المياه، ويحمي ثغور الأندلس من كل غزو واعتداء. وقد ترددت حملات النورمانيين على شواطئ الأندلس مراراً، في عصر عبد الرحمن بن الحكم، كما قدمنا، ثم في عصر ولده محمد (٢٤٥هـ - ٨٥٩م)، ثم بعد ذلك بنحو قرن في

стр. 10816

عصر الحكم المستنصر (٣٥٥هـ - ٩٦٦٠م)، ثم في عهد الطوائف (٤٥٧هـ - ١٠٦٥م)، وكانت في كل مرة تبث الذعر والروع والخراب أينما حلت، بيد أنها كانت ترد على أعقابها بعد معارك برية وبحرية طاحنة؛ وكانت تقنع دائماً بما تحصل من الغنائم والسبي، ولا تمكن من البقاء أو الاستقرار وسير هذه الغزوات البحرية مشهورة في الروايات الإسلامية والنصرانية، وليس من موضوعنا أن نعي بتفاصيلها، وإنما نعني هنا بحادث دبلوماسي شهير، كان من بعض آثار هذه الغزوات، وهو من الحوادث الدبلوماسية الفريدة في علائق الشرق والغرب والإسلام والنصرانية. قام النورمانيون بغزوتهم البحرية الأولى لشواطئ الأندلس في سنة ٢٣٠هـ (٨٤٣م) في عهد عبد الرحمن بن الحكم، وعاثوا في بسائط أشبونه وأشبيلية ولبلة؛ ولم يستطع الأندلسيون رد أولئك الغزاة الشقر إلا بعد جهود جهيدة ومعارك طاحنة، وبعد أن رأوا من جرأتهم وشجاعتهم وشدة فتكهم ما يؤذن بانتمائهم لأمة قوية عظيمة؛ عندئذ رأى أمير الأندلس عبد الرحمن ابن الحكم أن يسبر غور هذه الأمة المجهولة، وأن يسعى إلى مهادنتها وعقد أواصر الصداقة معها، في نفس الوقت الذي يعنى فيه بتقوية الأسطول وتحصين الثغور، فانتهز فرصة مقدم الرسل النورمانيين إلى قرطبة لعقد الصلح بعد هزيمة الغزاة وجلائهم عن الثغور الأندلسية، وقرر أن يوفد معهم إلى ملك النورمانيين سفارة يؤكد بها المودة والصداقة. واختار أمير الأندلس لسفارته رجلاً جعلته صفاته الخاصة خير من يستطيع الاضطلاع بتلك المهمة هو يحيى بن الحكم المعروف بالغزال؛ وكان الغزال شاعراً رقيقاً من أهل جيان، وكان يومئذ من أكابر رجال الدول والبلاط، يصطفيه عبد الرحمن ويؤثره برعايته وتقديره لما كان يتمتع به من خلال وكفايات خاصة في الإدارة والسياسة. وكان عبد الرحمن قد اختاره قبل ذلك ببضعة أعوام ليكون سفيره لدى قيصر قسطنطينية الإمبراطور نيوفيلوس؛ وكان الإمبراطور قد بعث إليه سفارة وهدية فخمة ليخطب وده ومحالفته ويرغبه في ملك أجداده في المشرق حقداً منه على المأمون والمعتصم؛ فرحب عبد الرحمن برسل الإمبراطور، وبعث إليه يحيى الغزال بهدية فخمة (٢٢٥هـ - ٨٣٦م) فأدى الغزال سفارته ببراعة، واستطاع أن يخلب الباب الإمبراطور وبطانته بذلاقته وحسن بيانه ورقة

стр. 10817

شمائله؛ واستمر عبد الرحمن بعد ذلك يسند إليه مختلف المهام الدقيقة فيؤديها بكياسة وبراعة؛ وكان الغزال في الواقع رجلاً خلاباً وسيم الطلعة - ومن ثم سمى بالغزال - يتمتع بصفات السياسي البارع وخلاله ومؤثراته، ويستخدمها دائماً بفطنة ونجاح وقد انتهت إلينا عن هذه السفارة الفريدة رواية إسلامية ضافية لكاتب أندلسي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي وهو أبو الخطاب بن دحية البلنسي في كتاب له يسمى (المطرب في أشعار أهل المغرب)؛ وفيه يسرد تفاصيل رحلة الغزال إلى بلاد النورمانيين، ويورد لنا طرفاً من خلاله وشيئاً من نظمه، بيد أن هذه الرواية الضافية تعني بالناحية الشخصية والأدبية أكثر مما تعني بالتحقيق التاريخي، ومن ثم فان كثيراً من الغموض يحيق بالمكان وبالظروف التي وقعت فيها هذه السفارة ويترك المجال واسعاً لمختلف الفروض. تقول الرواية إن يحيى الغزال ومساعده يحيى بن حبيب خرجا من مياه الأندلس الجنوبية في سفينة أندلسية خاصة أعدت لهما، وسارت بهما إلى جانب سفينة الرسل النورمانيين؛ واتجهت السفينتان نحو الغرب حتى خرجتا إلى المحيط؛ وشهد السفير المسلم من عصف الرياح وروعة الموج أهوالاً؛ وقد ترك لنا الغزال في وصفها شعراً يقول فيه: قال لي يحيى وصرنا … بين موج كالجبال وتولتنا رياح … من دبور وشمال شقت القلعين وانبت … ت عرى تلك الحبال وتمطى مل المو … ت إلينا عن حيال فرأينا الموت رأى العي … ن حالا بعد حال ولكن الركب وصل سالماً إلى (بلاد المجوس) بعد رحلة شاقة مروعة؛ وسار الغزال وزميله إلى مستقر ملك النورمانيين. أما عن مستقر مملكة النورمانيين (المجوس) فتقول لنا الرواية ما يأتي: (وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط فيها مياه مطردة، وجنات، وبينها وبين البر ثلث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم؛ وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة منها صغار وكبار أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية).

стр. 10818

وهنا موضع الغموض والحدس. إذ ما هو ذلك القطر الذي تعنيه الرواية الإسلامية، والذي كان مستقرا لملك النورمانيين وقت مقدم الغزال؟ لقد كان للفيكنج أو النورمانيين يومئذ ملك في الشمال، في دانماركه، وكان سلطانهم منذ أوائل القرن الثامن يشمل دانماركه وقسماً من اسكندناوه، وألمانيا الشمالية حتى فريزيا؛ ويلوح لنا من تأمل الوصف الذي تقدمه لنا الرواية الإسلامية عن رحلة الغزال في بحار خطرة مروعة، وعن طبيعية القطر الجزرية، إن هذا القطر هو الدانماركه، فهو شبه جزيرة يحيط بها عدد كبير من الجزائر؛ ومن هذه الجزائر كانت تخرج حملات النورمانيين الغازية إلى البحار الغربية والجنوبية. وكان يجلس على عرش النورمانيين في ذلك الوقت (نحو سنة ٨٤٤ أو ٨٤٥ م) ملك يسمى (هوريك)، وكان النورمانيون يومئذ أحداثاً في النصرانية، حسبما تقول الرواية الإسلامية، لأنهم بدءوا باعتناقها قبل ذلك بنحو عشرين عاما فقط. بيد أن هناك احتمالاً آخر يمكن الأخذ به، وهو أن القطر الذي زاره السفير الإسلامي ليؤدي رسالته إلى زعيم الفيكنج ربما كان جزيرة ارلندة التي تنطبق طبيعتها وموقعها على أوصاف الرواية الإسلامية، وكان الفيكنج قد فتحوها قبل ذلك بأعوام (٨٤٠م) واستقروا في شمالها، واتخذوا زعيمهم (تورجيس) أو (ترجستر) قاعدة لملكه. وعلى أي حال فقد لقي السفير المسلم من ملك النورمانيين كل ترحاب وعطف، وأفرد لأقامته وزملائه منزلا حسناً؛ وتصف لنا الرواية بعد ذلك كيف استقبل الملك الغزال، وكيف أعجب بجرأته وذلاقته ولباقته، وكيف قدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، فوقعت لديه أحسن موقع. ولقي الغزال مثل هذا الإعجاب والعطف في البلاط النورماني كله. ثم تقدم لنا الرواية تفاصيل شائقة عن صلات الغزال بملكة النورمانيين (نود) مواقفه منها، وقد رآها الغزال لأول مرة فراعه حسنها، وصرح أمامها بأنه لم ير في حياته مثل هذا الحسن الشعري الفائق مع كثرة ما شاهد من النساء الحسان في مختلف القصور؛ وكان الغزال يومئذ قد جاوز الخمسين من عمره ولكنه كان لا يزال جذاباً وسيم الطلعة؛ فأعجبت الأميرة بروائه وظرفه وحسن بيانه، وكثيراً ما كانت تستدعيه للتمتع بحديثه الساحر؛ وكان الغزال من جانبه يهرع إلى مجلسها ويكثر من زيارتها حتى حذره أصحابه من ذلك، ولكنه لم يعبأ بذلك لما يلقاه منها من التشجيع

стр. 10819

والعطف؛ وتقص الرواية علينا بعض مواقفه ومداعباته مع تلك الأميرة الحسناء؛ ومن ذلك قوله ذات يوم في مجلسها يتغنى بحسنها: كلفت يا قلبي هوى متعباً … غالبت فيه الضيغم الأغلبا أنى تعلقت مجوسية … تأبى لشمس الحسن أن تغربا أقصى بلاد الله في حيث لا … يلقى إليه ذاهب مذهبا يا نود يا رود الشباب التي … تطلع من أزرارها الكوكبا وقوله ذات يوم وقد أمرته الأميرة بأن يخضب شعره الأشيب ففعل، واستحسنت خضابه: بكرت تحسن لي سواد خضابي … فكأن ذاك أعادني لشبابي ما الشيب عندي والخضاب لواصف … إلا كشمس جللت بضباب تخفى قليلاً ثم يقشعها الصبا … فيسير ما سترت به لذهاب لا تنكري وضح المشيب فإنما هو زهرة الإفهام والألباب فلدي ما تهوين، ما شأن الصبى … وطلاقة الأخلاق والآداب وعاد الغزال إلى الأندلس بعد رحلة دامت عشرين شهراً ومعه كتاب من ملك النورمانيين إلى عبد الرحمن بن الحكم؛ وكان عوده عن طريق شنت ياقوب ثغر جليقية. وقد أدى الغزال سفارته خير الأداء بلا ريب، ولكن ماذا كان موضوع هذه السفارة وغايتها الحقيقية؟ هذا ما لم تفصح عنه الرواية، وإن كنا نعتقد أنها كانت سفارة مودة وصداقة فقط. وعاش الغزال بعد ذلك أعواماً طويلة، وتوفى بعد الخمسين ومائتين في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد أربى على الثمانين؛ وكان مدى نصف قرن يتبوأ الزعامة في ميدان الشعر والأدب والحكمة، ويتبوأ في بلاط قرطبة أسمى مقام من النفوذ والثقة والتقدير. محمد عبد الله عنان

стр. 10820

تاريخ الأدب النسوي في فرنسا للأستاذ محمد بك كرد علي بينما نرى تركيا تقرر مساواة المرأة بالرجل، وتعترف لها بحقوقها السياسية في المجتمع، غير ناظرة إلى ماضيها وحاضرها، ولا لاستعدادها المطبوع والمكسوب، ولا إلى قلة عدد المتعلمات من بنات جنسها في بلادها، يخيل إليها أن تجعل منهن أو أن ترتجل منهن عالمات مفكرات ناخبات منتخبات - بينا نرى هذا في الشرق وتركيا تضع تشريعاً جديداً تجري أحكامه في أمة تغرق كثرتها الغامرة في بحر لجي من الجهالة والأمية، نرى رجال الغرب على كثرة ما بلغته المرأة عندهم من درجات النشوء والرقي، يحاذرون أن تساوى الرجل عندهم في كل الحالات، ناظرين في ذلك إلى عدة اعتبارات نفسية وجسمية وعلمية وأدبية وتاريخية جرأة مستغربة من الترك في محاولة أمر لم تتم أسبابه، ولا بعضها، وتأن لا غرابة فيه من الغربيين ممن بنوا مدنيتهم على العقل، وساروا بسنة التطور الطبيعي في كل مظاهرهم، فأحدثوا هذه الحضارة القائمة على أساس راسخ من العمل والنظر، ولو نسج الغرب خيوط مدنيته بالخيال، تمليها العواطف، ولا يدعمها العقل المولد، ولا التجارب المسددة، لما شهدنا هذه المدينة تتفوق على غيرها، وتكسف شمس المدنيات القديمة التي كان من أعظم ما منيت به عصور جهالات كانت سود لياليها، ونظريات خيالية، فقد فيها التسلسل، ومات منها الإبداع. حقا إن أهل البصيرة لا يفهمون سيراً لهذه المغامرة في جمهورية الترك، إلا إذا غالطوا حسهم. أليس من أعاجيب الدهر أن ينام الأتراك قروناً عن الأخذ بمذاهب الحضارة، ويهبوا اليوم دفعة واحدة يحاولون أن ينفذوا قوانين الجمهورية السويسرية في سكان آسيا الصغرى. ولا يختلف اثنان أن السويسريين أصحاب هذا القانون وصلوا إليه في عدة قرون، فاستووا أرقى شعب في الأرض، أو أول شعب يجيء في الصف الأول بين الأمم المتفوقة، والترك بلا جدال مهما غرت ظواهرهم، متأخرون في معظم مظاهرهم في سلم المدنية، على ما عرفناهم وعرفهم غيرنا من الباحثين من أهل الشرق والغرب. وأعجب من هذا كله أن تحرم المرأة السويسرية الراقية من حق الانتخاب وترزقه المرأة
следующие страницы →