← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.

стр. 10816

عصر الحكم المستنصر (٣٥٥هـ - ٩٦٦٠م)، ثم في عهد الطوائف (٤٥٧هـ - ١٠٦٥م)، وكانت في كل مرة تبث الذعر والروع والخراب أينما حلت، بيد أنها كانت ترد على أعقابها بعد معارك برية وبحرية طاحنة؛ وكانت تقنع دائماً بما تحصل من الغنائم والسبي، ولا تمكن من البقاء أو الاستقرار وسير هذه الغزوات البحرية مشهورة في الروايات الإسلامية والنصرانية، وليس من موضوعنا أن نعي بتفاصيلها، وإنما نعني هنا بحادث دبلوماسي شهير، كان من بعض آثار هذه الغزوات، وهو من الحوادث الدبلوماسية الفريدة في علائق الشرق والغرب والإسلام والنصرانية. قام النورمانيون بغزوتهم البحرية الأولى لشواطئ الأندلس في سنة ٢٣٠هـ (٨٤٣م) في عهد عبد الرحمن بن الحكم، وعاثوا في بسائط أشبونه وأشبيلية ولبلة؛ ولم يستطع الأندلسيون رد أولئك الغزاة الشقر إلا بعد جهود جهيدة ومعارك طاحنة، وبعد أن رأوا من جرأتهم وشجاعتهم وشدة فتكهم ما يؤذن بانتمائهم لأمة قوية عظيمة؛ عندئذ رأى أمير الأندلس عبد الرحمن ابن الحكم أن يسبر غور هذه الأمة المجهولة، وأن يسعى إلى مهادنتها وعقد أواصر الصداقة معها، في نفس الوقت الذي يعنى فيه بتقوية الأسطول وتحصين الثغور، فانتهز فرصة مقدم الرسل النورمانيين إلى قرطبة لعقد الصلح بعد هزيمة الغزاة وجلائهم عن الثغور الأندلسية، وقرر أن يوفد معهم إلى ملك النورمانيين سفارة يؤكد بها المودة والصداقة. واختار أمير الأندلس لسفارته رجلاً جعلته صفاته الخاصة خير من يستطيع الاضطلاع بتلك المهمة هو يحيى بن الحكم المعروف بالغزال؛ وكان الغزال شاعراً رقيقاً من أهل جيان، وكان يومئذ من أكابر رجال الدول والبلاط، يصطفيه عبد الرحمن ويؤثره برعايته وتقديره لما كان يتمتع به من خلال وكفايات خاصة في الإدارة والسياسة. وكان عبد الرحمن قد اختاره قبل ذلك ببضعة أعوام ليكون سفيره لدى قيصر قسطنطينية الإمبراطور نيوفيلوس؛ وكان الإمبراطور قد بعث إليه سفارة وهدية فخمة ليخطب وده ومحالفته ويرغبه في ملك أجداده في المشرق حقداً منه على المأمون والمعتصم؛ فرحب عبد الرحمن برسل الإمبراطور، وبعث إليه يحيى الغزال بهدية فخمة (٢٢٥هـ - ٨٣٦م) فأدى الغزال سفارته ببراعة، واستطاع أن يخلب الباب الإمبراطور وبطانته بذلاقته وحسن بيانه ورقة

стр. 10817

شمائله؛ واستمر عبد الرحمن بعد ذلك يسند إليه مختلف المهام الدقيقة فيؤديها بكياسة وبراعة؛ وكان الغزال في الواقع رجلاً خلاباً وسيم الطلعة - ومن ثم سمى بالغزال - يتمتع بصفات السياسي البارع وخلاله ومؤثراته، ويستخدمها دائماً بفطنة ونجاح وقد انتهت إلينا عن هذه السفارة الفريدة رواية إسلامية ضافية لكاتب أندلسي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي وهو أبو الخطاب بن دحية البلنسي في كتاب له يسمى (المطرب في أشعار أهل المغرب)؛ وفيه يسرد تفاصيل رحلة الغزال إلى بلاد النورمانيين، ويورد لنا طرفاً من خلاله وشيئاً من نظمه، بيد أن هذه الرواية الضافية تعني بالناحية الشخصية والأدبية أكثر مما تعني بالتحقيق التاريخي، ومن ثم فان كثيراً من الغموض يحيق بالمكان وبالظروف التي وقعت فيها هذه السفارة ويترك المجال واسعاً لمختلف الفروض. تقول الرواية إن يحيى الغزال ومساعده يحيى بن حبيب خرجا من مياه الأندلس الجنوبية في سفينة أندلسية خاصة أعدت لهما، وسارت بهما إلى جانب سفينة الرسل النورمانيين؛ واتجهت السفينتان نحو الغرب حتى خرجتا إلى المحيط؛ وشهد السفير المسلم من عصف الرياح وروعة الموج أهوالاً؛ وقد ترك لنا الغزال في وصفها شعراً يقول فيه: قال لي يحيى وصرنا … بين موج كالجبال وتولتنا رياح … من دبور وشمال شقت القلعين وانبت … ت عرى تلك الحبال وتمطى مل المو … ت إلينا عن حيال فرأينا الموت رأى العي … ن حالا بعد حال ولكن الركب وصل سالماً إلى (بلاد المجوس) بعد رحلة شاقة مروعة؛ وسار الغزال وزميله إلى مستقر ملك النورمانيين. أما عن مستقر مملكة النورمانيين (المجوس) فتقول لنا الرواية ما يأتي: (وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط فيها مياه مطردة، وجنات، وبينها وبين البر ثلث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم؛ وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة منها صغار وكبار أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية).

стр. 10818

وهنا موضع الغموض والحدس. إذ ما هو ذلك القطر الذي تعنيه الرواية الإسلامية، والذي كان مستقرا لملك النورمانيين وقت مقدم الغزال؟ لقد كان للفيكنج أو النورمانيين يومئذ ملك في الشمال، في دانماركه، وكان سلطانهم منذ أوائل القرن الثامن يشمل دانماركه وقسماً من اسكندناوه، وألمانيا الشمالية حتى فريزيا؛ ويلوح لنا من تأمل الوصف الذي تقدمه لنا الرواية الإسلامية عن رحلة الغزال في بحار خطرة مروعة، وعن طبيعية القطر الجزرية، إن هذا القطر هو الدانماركه، فهو شبه جزيرة يحيط بها عدد كبير من الجزائر؛ ومن هذه الجزائر كانت تخرج حملات النورمانيين الغازية إلى البحار الغربية والجنوبية. وكان يجلس على عرش النورمانيين في ذلك الوقت (نحو سنة ٨٤٤ أو ٨٤٥ م) ملك يسمى (هوريك)، وكان النورمانيون يومئذ أحداثاً في النصرانية، حسبما تقول الرواية الإسلامية، لأنهم بدءوا باعتناقها قبل ذلك بنحو عشرين عاما فقط. بيد أن هناك احتمالاً آخر يمكن الأخذ به، وهو أن القطر الذي زاره السفير الإسلامي ليؤدي رسالته إلى زعيم الفيكنج ربما كان جزيرة ارلندة التي تنطبق طبيعتها وموقعها على أوصاف الرواية الإسلامية، وكان الفيكنج قد فتحوها قبل ذلك بأعوام (٨٤٠م) واستقروا في شمالها، واتخذوا زعيمهم (تورجيس) أو (ترجستر) قاعدة لملكه. وعلى أي حال فقد لقي السفير المسلم من ملك النورمانيين كل ترحاب وعطف، وأفرد لأقامته وزملائه منزلا حسناً؛ وتصف لنا الرواية بعد ذلك كيف استقبل الملك الغزال، وكيف أعجب بجرأته وذلاقته ولباقته، وكيف قدم إليه الغزال كتاب الأمير عبد الرحمن وهديته من الثياب والآنية، فوقعت لديه أحسن موقع. ولقي الغزال مثل هذا الإعجاب والعطف في البلاط النورماني كله. ثم تقدم لنا الرواية تفاصيل شائقة عن صلات الغزال بملكة النورمانيين (نود) مواقفه منها، وقد رآها الغزال لأول مرة فراعه حسنها، وصرح أمامها بأنه لم ير في حياته مثل هذا الحسن الشعري الفائق مع كثرة ما شاهد من النساء الحسان في مختلف القصور؛ وكان الغزال يومئذ قد جاوز الخمسين من عمره ولكنه كان لا يزال جذاباً وسيم الطلعة؛ فأعجبت الأميرة بروائه وظرفه وحسن بيانه، وكثيراً ما كانت تستدعيه للتمتع بحديثه الساحر؛ وكان الغزال من جانبه يهرع إلى مجلسها ويكثر من زيارتها حتى حذره أصحابه من ذلك، ولكنه لم يعبأ بذلك لما يلقاه منها من التشجيع

стр. 10819

والعطف؛ وتقص الرواية علينا بعض مواقفه ومداعباته مع تلك الأميرة الحسناء؛ ومن ذلك قوله ذات يوم في مجلسها يتغنى بحسنها: كلفت يا قلبي هوى متعباً … غالبت فيه الضيغم الأغلبا أنى تعلقت مجوسية … تأبى لشمس الحسن أن تغربا أقصى بلاد الله في حيث لا … يلقى إليه ذاهب مذهبا يا نود يا رود الشباب التي … تطلع من أزرارها الكوكبا وقوله ذات يوم وقد أمرته الأميرة بأن يخضب شعره الأشيب ففعل، واستحسنت خضابه: بكرت تحسن لي سواد خضابي … فكأن ذاك أعادني لشبابي ما الشيب عندي والخضاب لواصف … إلا كشمس جللت بضباب تخفى قليلاً ثم يقشعها الصبا … فيسير ما سترت به لذهاب لا تنكري وضح المشيب فإنما هو زهرة الإفهام والألباب فلدي ما تهوين، ما شأن الصبى … وطلاقة الأخلاق والآداب وعاد الغزال إلى الأندلس بعد رحلة دامت عشرين شهراً ومعه كتاب من ملك النورمانيين إلى عبد الرحمن بن الحكم؛ وكان عوده عن طريق شنت ياقوب ثغر جليقية. وقد أدى الغزال سفارته خير الأداء بلا ريب، ولكن ماذا كان موضوع هذه السفارة وغايتها الحقيقية؟ هذا ما لم تفصح عنه الرواية، وإن كنا نعتقد أنها كانت سفارة مودة وصداقة فقط. وعاش الغزال بعد ذلك أعواماً طويلة، وتوفى بعد الخمسين ومائتين في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وقد أربى على الثمانين؛ وكان مدى نصف قرن يتبوأ الزعامة في ميدان الشعر والأدب والحكمة، ويتبوأ في بلاط قرطبة أسمى مقام من النفوذ والثقة والتقدير. محمد عبد الله عنان

стр. 10820

تاريخ الأدب النسوي في فرنسا للأستاذ محمد بك كرد علي بينما نرى تركيا تقرر مساواة المرأة بالرجل، وتعترف لها بحقوقها السياسية في المجتمع، غير ناظرة إلى ماضيها وحاضرها، ولا لاستعدادها المطبوع والمكسوب، ولا إلى قلة عدد المتعلمات من بنات جنسها في بلادها، يخيل إليها أن تجعل منهن أو أن ترتجل منهن عالمات مفكرات ناخبات منتخبات - بينا نرى هذا في الشرق وتركيا تضع تشريعاً جديداً تجري أحكامه في أمة تغرق كثرتها الغامرة في بحر لجي من الجهالة والأمية، نرى رجال الغرب على كثرة ما بلغته المرأة عندهم من درجات النشوء والرقي، يحاذرون أن تساوى الرجل عندهم في كل الحالات، ناظرين في ذلك إلى عدة اعتبارات نفسية وجسمية وعلمية وأدبية وتاريخية جرأة مستغربة من الترك في محاولة أمر لم تتم أسبابه، ولا بعضها، وتأن لا غرابة فيه من الغربيين ممن بنوا مدنيتهم على العقل، وساروا بسنة التطور الطبيعي في كل مظاهرهم، فأحدثوا هذه الحضارة القائمة على أساس راسخ من العمل والنظر، ولو نسج الغرب خيوط مدنيته بالخيال، تمليها العواطف، ولا يدعمها العقل المولد، ولا التجارب المسددة، لما شهدنا هذه المدينة تتفوق على غيرها، وتكسف شمس المدنيات القديمة التي كان من أعظم ما منيت به عصور جهالات كانت سود لياليها، ونظريات خيالية، فقد فيها التسلسل، ومات منها الإبداع. حقا إن أهل البصيرة لا يفهمون سيراً لهذه المغامرة في جمهورية الترك، إلا إذا غالطوا حسهم. أليس من أعاجيب الدهر أن ينام الأتراك قروناً عن الأخذ بمذاهب الحضارة، ويهبوا اليوم دفعة واحدة يحاولون أن ينفذوا قوانين الجمهورية السويسرية في سكان آسيا الصغرى. ولا يختلف اثنان أن السويسريين أصحاب هذا القانون وصلوا إليه في عدة قرون، فاستووا أرقى شعب في الأرض، أو أول شعب يجيء في الصف الأول بين الأمم المتفوقة، والترك بلا جدال مهما غرت ظواهرهم، متأخرون في معظم مظاهرهم في سلم المدنية، على ما عرفناهم وعرفهم غيرنا من الباحثين من أهل الشرق والغرب. وأعجب من هذا كله أن تحرم المرأة السويسرية الراقية من حق الانتخاب وترزقه المرأة

стр. 10821

التركية. أمامي الآن (تاريخ الأدب النسوي في فرنسا) لجان لارتكان، قرأته مرتين فما بلغت حظ النفس في تلاوته، لما ضم من الفوائد الأثيرة، وليت العاملين والعاملات لإنهاض الشرق القريب يتدبرون بعض ما فيه. وطبقات البشر تكاد تكون واحدة إذا تساوى أهلها في شروط العيش والبيئة والثقافة. وإن ما يحاوله المقدمون علينا في سلم الحضارة والنشوء الإنساني حري بالمتأخرين عنهم في معظم مقومات الحياة أن يحتذوا مثاله، ويتأدبوا بأدبه، ويأخذوا من مضامينه عبرة وعظة. والمدنية مذ كانت ينقل فيها المتأخر أهخرأخر بتيسبيستبمنيستب بيسنبمتيسمنبتيسبمنيستبنسيتأخر عن المتقدم، ولا ضير في ذلك ولا غضاضة. قلت يوماً لأحد علماء الترك المنورين: أما بلغك أن دمشق ستنار بعد قليل بالكهرباء، وتسير فيها الحوافل الكهربائية؟ فضحك وأجاب: إن حالكم بهذه الزينة الجديدة تقام بأيدي الغرباء، أشبه بإمبراطور كوريا لبس على رأسه تاجاً من ذهب، ولا سراويلات له تستر عورته. وكان الأولى يا صاح أن تكون للبلدة طرق معبدة، وترزق حظاً من التنظيم قبل الكهرباء. وأنا أقرر الآن أنه كان الأولى قبل أن تمنح المرأة الشرقية حق التشريع في مجالس النواب أن تتعلم وتتربى، حتى إذا استوفت حظها على النحو الذي وصلت إليه المرأة الغربية، ومتى تعلمت القروية كالبلدية كل ما يلزمها في صراع الحياة تتمتع بالحقوق السياسية كالمرأة الإنجليزية. جملة معترضة ساقت إليها المناسبة. والآن نرجع إلى تحليل الكتاب الجديد فنقول: عالج المؤلف هذا الموضوع أعواماً طويلة في الصحف والمجلات وفي إسناد له ورسائل، وكتابه هذا زبدة تجاربه وعصارة علمه وعمله. بدأه بفصل في تاريخ المرأة في القديم. فقال إن الرجل بينما كان في العصور الخوالي صياداً محارباً عرافاً يسير في العالم على هواه، ويطفر طفراته في سبيل المعرفة كانت المرأة قابعة في دارها، خاضعة خانعة لا يتسع نظرها لأكثر من أعمال بيتها، وتلقين بنيها التربية الأولى. وكان النساء في يونان القديمة لا معرفة لهن بغير غزل الصوف يتعمدن القناعة لا يسألن أزواجهن غير هذا. ولذلك قال أفلاطون: إن القرد قرد مهما كان، والمرأة مهما كان عملها تظل امرأة أي غبية مجنونة. يريد الهزؤ بها، وقد بقى هذا الهزؤ بالنساء قروناً في الأرض حتى كانت النصرانية، ورأى

стр. 10822

رجال الكنيسة أن يحولوا دون زواج القائمين بأمر الدين فيها، فصوروا المرأة بصورة بشعة تزهيداً منهم فيها، حتى لتساءل أحدهم أن كان للنساء نفس. وجاء القرن الثاني عشر، والنساء مأخوذات بعوامل كثيرة في نهضتهن، وليس لهن من الحرية ما يتسع لكثير من أسبابها، ولئن أخذ كثير من الأساودة أو الفرسان وخدام الملوك يرون من الشرف رعاية السيدات، ومعاملتهن بقواعد اللياقة والظرف، فان كثيرين من المحافظين في الغاليين (المغول) كانوا يبالغون في وصف النساء بما لا يليق، ويحرمونهن كل حرية. أما النساء فكن يصبرن على هذه المعاملة ويحاولن الخروج من حالتهن السيئة، وبقين بين عوامل الحرمة وعوامل الاحتقار مدداً متطاولة، ولا يعْدمنْ مع هذا أناساً من طبقات مختلفة يحمونهن وبفضلهم يتصدرن ويظهرن، وأما القاعدة العامة فالتشديد عليهن والمبالغة في الاحتفاظ بالتقاليد الموروثة. وقل فيهن من كن يستطعن أن يكتبن كتابة بسيطة، أو ينظمن ولو نظماً سخيفاً. وأصبحت إيطاليا في القرن السادس عشر مصدر الآداب والفنون الأدبية؛ وسرى الفرنسيس على مثال الطليان، بأن جعلوا المرأة موضع إعجابهم، فأخذ بعض الكاتبين في فرنسا يضعون رسائل وكتباً في تاريخ المرأة، وكان أكثر ما وضع بإيعاز الملكات، فكان هذا القرن قرن رفعة المرأة، جسر فيه كستكليون في إيطاليا أن يقول. لولا النساء لتعذر كل شيء، ولولاهن لما كانت الشجاعة العسكرية ولا الفنون ولا الشعر ولا الموسيقى ولا الفلسفة بل ولا الدين، وما عرفنا المولى في الحقيقة إلا بهديهن. وبدأ النساء يستعملن قرائحهن، فنشأ بينهن بعض القصصيات وواصفات الحكايات والشاعرات، وقل فيهن من كان لها قريحة يعتد لها. ولم يكن الماهرات منهن أكثر من هواة ينتفن وينتشن من الآداب. وأنشأت مدينة ليون لقربها من إيطاليا، وكانت تدعى (فلورنسة فرنسا) تتذوق الآداب والفنون، وظهرت فيها المطبعة قبل أن تؤسس في باريز، وجعل فرنسوا الأول من مدينة ليون مضم جيوشه خلال حرب إيطاليا فنشأت فيها حركة فكرية ندر وقوع مثلها في مدن الولايات، فكانت منازلها مواطن الظرف واللطف والنساء يصطنعن فيها كل ما يعجب به الرجال. ومنهن من كانت تجيب على ما يوجه إليها من كلمات المديح بأبيات من الشعر، وتجرأ على نقد ذوق الباريزيات، فأصبحن بذلك ملكات

стр. 10823

الذوق والأناقة والجمال، وفتح كثير من نبيلاتهن قاعاتهن لإنشاء قصائد كان ناظموها يجوزون لأنفسهم تمجيد جسم الحبيبة والتغزل بكل ما فيه، فلقي الأشراف من الأزواج عنتاً من هذا التمجيد، ولطالما احمرت الوجوه بما يقال، وكان يومئذ للحياء سلطان على النفوس. ففي القرن السادس عشر إذا أحرز النساء مقاماً محموداً في المجتمع بفضل الشعراء والنبلاء، وبقى عليهن أن يطالبن بحقهن في التعليم وحقهن في النبوغ. واشتد الجدال فيما إذا كان للمرأة الحق في التعليم لتكون عالمة. ومن النبلاء من قضى للأميرات والنبيلات بتلقف مبادئ العلم ليستطعن إدارة أرضهن ويحكمن رجالهن، ويدرن شؤونهن، واقتصر الأمر على هذه الطبقة فقط. وبذلك أرجعوا البنات الطامحات من سائر الطبقات إلى عمل المغازل، ونشأ من ذلك حوار طويل دعوه خصام الألف باء، والنساء مع هذا لم يداخلهن اليأس. ولم يقعدهن عن المضي في سبيلهن عائق. وما طلع القرن التاسع عشر حتى دخل النساء في طور العمل بالمطالبة بحقوقهن في التربية، ولم يكن لنساء الشعب معرفة بشيء: أما العقائل فكن يجلبن لبناتهن معلمين أو يبعثن بهن إلى الأديار، وكانت بعض الراهبات تعلم الناس منذ القرن السادس عشر مسائل بسيطة لا يستطيع بها المتعلمات تصحيح الاملاء، ولا حذق شيء من صرف اللغة ونحوها. وقام في ذهن بعضهم إن الواجب إدخال تعديل على هذه الحالة. وقال العالم مالبرانش، بعد أن درس دماغ الرجل ودماغ المرأة: إن الواجب تعليم النساء تعليماً صحيحاً. وارتأت مدام دي سيفينيه، فيما كتبت به إلى ابنتها من الرسائل أن تلقن أولادها قليلاً من العلم تلقيناً حسناً، وأن يلقن الفتيات الأدب خاصة. وقل أن جسرت امرأة في القرن الذي نشأت فيه مدام دي سيفنيه ومدام دي لافاييت أن توقع كتابتها أو تأليفها، مخافة أن تستهدف للسخرية. وما كان حول لويز الرابع عشر الملك العظيم سوى كاتبات يصرفن أوقات فراغهن في الكتابة، وما اقتدرت واحدة أن تكتب رواية تمثيلية؛ وكان تأليف هذه الروايات وقفاً على الرجال. وعانى النساء فن الرسائل والشعر في قلة. ودعي هذا القرن قرن المجتمعات والمحادثات. ومن هذا القرن خلف الكاتبات رسائل تجلت فيها مواهبهن في الكتابة. ذلك لأن الرسائل غير محدودة الحدود ولا تربكها القواعد، ولا تستلزم أكثر من ذهن وقاد، وتفكر ذاتي، وإرادة في الإعجاب، وحاجة يأمن معها المراسل صاحبه، وهي صفات تفرد بها النساء. وما برز في هذا الباب أكثر من مدام

стр. 10824

دي سيفنيه، ولا كتب لامرأة أن دانتها في هذا الباب. كانت تعشق المجد؛ ولا نعلم لو رأت من زوجها عطفاً - وكان زير نساء فسيقاً - هل كانت تبرز هذا التبريز؟ ومع هذا كانت تهوى من ترى ذات اليمين وذات الشمال، على مثال أعظم كبريات السيدات في عصرها. وهكذا يقال فيمن أحرز شهرة مثلها، وإن كن أقل منها مكانة. كانت دي سيفنيه أما عاشقة مولهة، وكاتبة متفردة بهذرها، وهذرها عبارة عن شعور قوي فيها تحاول بثه ولا تحتاج في ذلك إلى تأمل كثير. ورسائلها ملأى بالجذل والسرور والتنويع والبديهة، وهي مرآة عصر القرن العظيم. والنساء في هذا الجنس من الكتابة يبرزن ويتفوقن. أما مدام لافاييت فالناس على أنه كان لها مؤازرون من الرجال يصقلون ما تنسخ قريحتها، أو يضعون لها الخطط التي تسير عليها. وأصبح من المألوف أن يكتب الرجال ما ينشر من الآثار باسم النساء؛ وكان موليير وبوالو يهزأن بالنساء الكاتبات المؤلفات، ولطالما سلقاهن بألسنة حداد. وكان جمهور النساء في ذاك العصر على غاية الجهل، ما خلا بعض العلية والطبقات المختارة؛ ويختلف عدد الأميات بين سبعين وأربعة وتسعين في المائة بحسب الأقاليم، ومنهن من لا يحسن توقيع أسمائهن؛ وأخذ بعضهن يحضرون بعض دروس الرجال ويتعلمن شيئاً من الرياضيات، وظل أناس من أرباب المكانة ينعون على النساء ذكاءهن ويمنعونهن من كل ثقافة. ورأى جمهور من الكاتبين أنه لا يليق الهزؤ بالنساء إلى هذا الحد، وأنشئوا يعتبرونهن ويودون من الناس إجلالهن، يقدمون النساء على الرجال في الموائد والحفلات؛ وإذا أحرز النساء هذا المقام الاجتماعي في القرن الثامن عشر: فذلك بفضل ظهورهن في الأندية الخاصة؛ وكان البلاط الملكي في مقدمة هذا المجالس، وكانت كل امرأة تحررت في الولايات أو العاصمة من بعض القيود تقيم لها ردهة استقبال، يكون فيها دار ندوة للسياسة ومثابة للأدب. وكثرت هذه الأندية حتى حار الكتاب في أيها يختارون. ومنها قاعات بعض نساء أعضاء المجامع العلمية. وعلى هذا أصبح النساء يقدن بأيديهن المملكتين ويحكمن المجتمع، يملين عليه قواعد الحشمة، ويأخذن بزمام الآداب، ويحكن الأحابيل لا ليجعلن من يحمونهن من الرجال في جملة أعضاء المجمع العلمي، حيث كانت لهن الكلمة المسموعة، بل ليسمح لهن بنشر آراء شديدة اللهجة. ولم يكتفين بهذا، بل كن يطمحن إلى المجد الأدبي فينشرن في الصحف والمجلات، ويقرأن

стр. 10825

ما يكتبن على من يختلف إلى مجالسهن. وغدا الولوع بالآداب من إمارات الظرف في النساء. وكثر عديد النساء اللائى تعلقن من الأدب بسبب، وبلغ عددهن ثلاثمائة مؤلفة في الولايات والعاصمة، وما فيهن واحدة تسهل المقابلة بينها وبين العقيلتين: سفينيه ولافاييت. وصح بهذا أن يقال إن القرن الثامن عشر أمسى في تاريخ فرنسا قرن نهضة المرأة. وما سبق لهن في العصور الخالية أن يتملق لهن الناس ويستمع لكلامهن ويتمتعن بحرياتهن. كل هذا وجوزيف دي مستر يقول في كتاب له إلى إحدى بناته: إن فولتير ادعى أن النساء قادرات على أن يعملن كل ما يعمله الرجال، وما هذا إلا للتقرب من قلوب بعض الغواني الجميلات، ولم يأت النساء بأثر يذكر في ضروب الآداب، فالنساء لم يؤلفن (الإلياذة) ولا (الانياد) ولا (القدس المنقذة) ولا (فيدر) ولا (أتالي) ولا (وودكون) ولا (الميزانتروب) ولا (تارتوف) ولا (زهرة دي ميديسيس) ولا (أبولون دي بلفيدر) ولا (البرسة) ولا (كتاب الأصول) ولا (خطاب التاريخ العام) ولا (تليماك)، ولم يخترعن الجبر ولا المجاهر ولا المناظر، ولا مضخة النار ولا صناعة الجوارب الخ، وما قامت امرأة عالمة جديرة أن تعد بين العلماء. فالمرأة ليست في حال تستطيع أن تفوق فيها الرجال إلا بأنوثتها، وليست سوى قردة إذا أرادت مساواة الرجل. محمد كرد علي (البقية في العدد القادم)

стр. 10826

للتاريخ السياسي عشرة أيام بئيسة مشروع لافال - هور والرأي العالم دواعي هذه الخطة الوخيمة العواقب للدكتور يوسف هيكل شهد العالم خلال الثلث الثاني من شهر ديسمبر الماضي اضطراباً شديداً في السياسة الدولية، وقلقاً عظيماً في الدوائر السياسية، نجما عن الانقلاب الفجائي في سياسة بريطانيا الخارجية بموافقة وزير خارجيتها السير صمويل هور على سياسة مسيو لافال، رئيس الوزارة الفرنسية ووزير الخارجية، وتوقيعه المشروع الذي وضعه لافال لحل المشكلة الحبشية عن طريق سلمية. ويُعرف هذا المشروع بمشروع الصلح، أو خطة السلام، أو اقتراح لافال - هور، أو اتفاق باريس. فحوى مشروع الصلح في يوم الثلاثاء الموافق ١٠ ديسمبر أبرق السير هور بمشروع الصلح إلى سفيري بريطانيا في روما وفي أديس أبابا طالبا منهما أن يذهبا مع زميليهما الفرنسيين ليطلعا السنيور موسوليني والإمبراطور على ما تم الاتفاق عليه بين حكومة جلالته والحكومة الفرنسية. وفحوى البرقية أن الحكومتين اتفقتا على أن يطلبا من الإمبراطور قبول التغيرات التالية في الحدود الإيطالية الحبشية. ١ - التيكري - إعطاء إيطاليا التيكري الشرقية، وحدودها جنوباً نهر (خيطا)، وغربا خط يمتد من الشمال إلى الجنوب ماراً بين اكسوم (في الجانب الحبشي)، وعدوه (في الجانب الإيطالي). ٢ - إعطاء إيطاليا مقاطعة (أجادن) وجعل الحدود خطا مبتدئا من نقطة (ثلا) في الحدود الحبشية والإيطالية والصومال البريطانية، وممتدا شمالاً شرقياً قاطعاً (كوراهي) في الشرق، و (وارانادب) في الغرب، وملاقياً حدود الصومال البريطانية حيث يقطعها خط

стр. 10827

الطول ٤٥. ٣ - إعطاء إيطاليا امتيازاً اقتصادياً خاصاً في جنوب الحبشة يضع موارد هذه الإقليم في قبضة إيطاليا ويسمح للإيطاليين بالإقامة فيه. وتكون الأراضي غير المملوكة ملكاً للشركات الإيطالية، على أن تبقى السيادة في هذا الإقليم للإمبراطور. وحدود هذا الإقليم هي: الحدود الجديدة بين الحبشة والصومال الإيطالي شرقاً، وخط العرض ٨ شمالا، وخط الطول ٣٥ غرباً، والحدود بين الحبشة وكينا جنوباً. ٤ - إعطاء الحبشة مرفأ (أساب) وممراً إليه على طول حدود الصومال الفرنسي. وفي ذلك التاريخ أرسل وزير خارجية بريطانيا برقية إلى السفير الإنكليزي في أديس أبابا طالباً منه فيه أن يبذل كل نفوذ في إقناع الإمبراطور على قبول (المشروع) وألا يرفضه دون أن يتأمله جليا (!). تطور الحوادث السياسية على المسارح الثلاثة ذلك فحوى مشروع هور - لافال. وحين وقف الرأي العام الدولي عليه انثالت الاحتجاجات عليه إلى عصبة الأمم من جهات الدنيا الأربع، وأخذت الحوادث تتطور، واشتدت الأزمات السياسية، وعلى الأخص في باريس وجنيف ولندن. على مسرح باريس غادر السير هور لندن إلى باريس يوم السبت الموافق ٧ ديسمبر. وفي منتصف الساعة الثامنة عشرة وصل (كي دورسي) ومعه المستر (كلرك) لمقابلة مسيو لافال. وفي الساعة التاسعة عشر والدقيقة ٤٥ خرج من عنده. وعندها أنبأ لافال الصحافة أن الحكومتين على اتفاق، تعملان معاً للوصول إلى خطة تحل بموجبها المشكلة الحبشية عن طريق سلمية. وقد تقابل الوزيران في اليوم التالي، ووصلا بعد المناقشة إلى اتفاق وقعاه عن حكومتيهما. وفي صباح الاثنين الموافق ٩ ديسمبر تلقى مستر بلدوين رئيس الوزارة الإنكليزية كتاباً من السير هور، طالباً فيه موافقة الحكومة على اتفاق باريس، وقد رأى بلدوين أن من الواجب عليه تأييد زميله الغائب، فوافقت الحكومة على مشروع هور - لافال. وبهذه الموافقة تحملت حكومة بلدوين المسؤولية، وابتدأت إذ ذاك عشرة الأيام البئيسة. . .

стр. 10828

في الأيام التالية نشرت الصحف الباريسية مضمون الاتفاق بصورة غير رسمية، فانقسم الرأي العام الفرنسي إلى فريقين: فريق يعضد الحكومة ويدافع عن (المشروع) واجداً فيه خير حل للمعضلة الحبشية، وكثرة هذا الفريق من أحزاب اليمين والوسط؛ وفريق آخر ينقم على اقتراح لافال - هور، ويرى فيه الضربة القاضية لعصبة الأمم؛ وللبقية الباقية من الثقة في سياسة (السلام المشترك). والناقمون هم أحزاب اليسار من اشتراكيين وكومنيست. وأخذ كل فريق يدعم رأيه ببراهينه وحججه، ويدحض أقوال الآخرين على صفحات جرائده؛ ومما لا شك فيه أن حجج المدافعين عن سياسة لافال الخارجية كانت واهنة لا تقوم على أساس قانوني. أما نظريات الناقمين على (اتفاق باريس) فكانت مبنية على دعائم قانونية وسياسية متينة؛ وبخاصة ما كتبه الزعيم الاشتراكي مسيو بلوم في جريدته (الببولير) أما موقف الحزب الراديكالي الاشتراكي فكان حرجاً لاسيما موقف زعيمه (هريو) والحزب الراديكالي أقوى حزب في مجلس النواب وهو مشترك في حكومة لافال، ورئيسه (هريو) وزير دون وزارة، وقد فقد هذا الحزب شهرته في البلاد بعد فضيحة ستافسكي وتخليه عن مسيو دومرج. والحزب يعلم أنه لا يستطيع في ظروف مجلس النواب الحالية أن يؤلف وزارة ذات أكثرية. ورئيسه هريو لا يود أن يكون على رأس وزارة والانتخابات العامة على الأبواب. . . لهذه الأسباب يتحاشى مسيو هريو حدوث أزمة وزارية في البلاد. ويجد نفسه مضطرا إلى معاضدة مسيو لافال، على رغم مخالفته لسياسته الخارجية. وقد أفضى إلى حزبه بذلك قبل اجتماع مجلس النواب لمناقشة سياسة لافال الخارجية. فانقسم الحزب أي فريقين؛ فريق معه، وفريق يرى من الضروري تغيير سياسة لافال وإسقاطه بعدم الموافقة على مشروعه لحل المشكلة الحبشية. وكان من بين هؤلاء مسيو (كت) وفي صباح الثلاثاء الموافق ١٧ ديسمبر كان اجتماع مجلس النواب. وكان اجتماعاً صاخباً مضطرباً شديد الجدل. وكان أهم المتكلمين في تلك الجلسة ثلاثة: لافال وكت وبلوم. نهض لافال وألقى خطابه في جأش رابط متزن؛ ودافع عن سياسته الخارجية ولاسيما (مشروع الصلح). وأقوى حججه أن سياسة العقوبات ليست الطريق الوحيدة لحل المشكلة

стр. 10829

الحبشية، وأن حصر إيطاليا اقتصادياً وعلى الأخص منع البترول عنها مما يقود أوربا إلى حرب لا تعرف نتائجها، وأن روح مبادئ عصبة الأمم توجب حل كل خلاف عن طريق سلمي إن أمكن، وأن الخطة التي وضعها لإيقاف الحرب في الحبشة تتمشى مع مبادئ عصبة الأمم (!). . . ومسيو كت يرى غير ما يراه مسيو لافال: يرى في اتفاق باريس هدم مبادئ العصبة، إذ هي تقدم إلى المعتدي مكافأة على تعديه ومخالفته واجباته الدولية. ومسيو لافال بعمله هذا يقدم سابقة إلى عصبة الأمم لتحل بموجبها التعدي الذي سيحصل على شرقي أوربا الوسطى. وبذلك يكون لافال قد ساعد الهر هتلر وجرأه على أن يحذو حذو موسوليني!. وقد هاجم مسيو كت لافال وقال إن عمله هذا ليس إلا تقسيماً للحبشة وجعلها فريسة للمعتدي، وهذا العمل مخجل لفرنسا. . . وقد لاحظ لافال أن الجو مكفهر وأن النقاش إن دام ربما أدى إلى سحب الثقة منه؛ فطلب تأجيل النقاش على سياسته الخارجية إلى يوم الجمعة الموافق ٢٧ منه. ولافال ماهر في أصول المرافعات البرلمانية؛ يعرف كيف يتخلص من المآزق الحرجة، فإنه بطلبه هذا قد حول المناقشة من مهاجمة سياسته إلى البحث فيما إذا كان من الصواب تأجيل المناقشة كما يطلب أو المضي فيها؛ وكان على رأس القائلين بوجوب المضي في المناقشة مسيو بلوم الزعيم الاشتراكي. وبرغم فصاحته وقوة حجته وافق المجلس على تأخير المناقشة بأكثرية ٥٢ صوتاً. ومما تجدر ملاحظته أن الكثرة التي كانت في جانب الحكومة هبطت إلى ما يقرب من مائة نائب بانضمام كثير من الراديكاليين إلى فريق المعارضة. ومجمل القول أن مسيو هريو الزعيم الراديكالي لم يشترك في المناقشة، ولم يبد حركة ما تدل على أنه يؤيد فريقا على آخر. . . وفي اليوم التالي ذهب لافال إلى جنيف. . . على مسرح جنيف في يوم الأربعاء الموافق ١٨ ديسمبر كان اجتماع مجلس عصبة الأمم: فقام مستر أيدن ولم يدافع عن مشروع لافال - هور - بل قال إن الحكومتين وضعتا هذا المشروع وللمجلس أن يرفضه أو يقبله؛ والحكومة البريطانية ليست مرتبطة به. . .

стр. 10830

ثم نهض مسيو لافال وقال إن عمله هو وزميله السير هور كان بموجب السلطة التي أعطيت للحكومتين لايجاد حل سلمي للمعضلة الحبشية. . . وللمجلس أن يقول الكلمة الأخيرة في الاقتراح. . . وقبل فض الاجتماع العام قام سكرتير المجلس وألقى تصريح حكومة الحبشة وهو مؤلف من (٥٠٠٠) كلمة ومبني على نقط قانونية ترمي إلى أن اقتراح باريس مخالف كل المخالفة لمبدأ العصبة وقد قابل الأعضاء المشروع بمعارضة شديدة. . . وجاء في المناقشة أن السلطة التي خولت إلى بريطانيا وفرنسا لإيجاد حل سلمي قد انتهت، وكل عمل من هذا القبيل يعود إلى مجلس العصبة أو إلى هيأتها العامة - وكان هذا رداً على ادعاء لافال - وفي اليوم التالي قرر المجلس بأسلوب - دبلوماسي دولي - رفض المشروع. على مسرح لندن أخذت الصحف الإنكليزية تنقل أخبار اتفاق باريس ومحتوياته عن الجرائد الفرنسية، وأخذت الجرائد التي كانت تناصر الحكومة وعلى رأسها التيمس تعارضها وتظهر سخطها على المشروع، وأخذت جرائد المعارضة تهاجم الحكومة مهاجمة عنيفة وتصفها بأوصاف قاسية منها الجبن وخيانة الشعب وعصبة الأمم والحبشة. . . وفي اجتماع مجلس النواب الذي عقد في العاشر من ديسمبر دافع مستر بلدوين عن خطة باريس وقال: لو كانت أستطيع أن أميط اللثام عن المشاكل التي تعترضنا، لما كان هناك رجل من أي هيئة ومن أي حزب يعارضنا. . . ومع ذلك اخذ يزداد عدد الثائرين من حزب الحكومة، مظهرين سخطهم على سياسة الحكومة الجديدة؛ وأخذ آخرون يبدون قلقهم من موقف الحكومة الشاذ. فحدث من جراء ذك انشقاق عظيم في حزب الحكومة. وانقسم أعضاء الوزارة إلى قسمين: قسم مع بلدوين وقسم غير راض عن (اتفاق باريس) ومن بينهن مستر إيدن الوزير لدى عصبة الأمم إذ ذاك، وقد صرح بذلك في جنيف في الثالث عشر من ديسمبر. ومن الرجالات البارزين الذين عارضوا المشروع في حزب الحكومة السير أوستن شمبريلن: فقد اجتمعت لجنة الشؤون الخارجية التي يرأسها هو في ١٧ منه لدرس (اتفاق

стр. 10831

باريس) وإبداء رأيها فيه. وصرح السير أوستن أنه غير راض عن (الاتفاق) ولا يقبله مهما كان تشبث الحكومة به. . . فتبعه أعضاء اللجنة. . . وكان ذلك صدمة عنيفة لمستر بلدوين. أما الصحافة فقد أخذ يشتد نقدها للحكومة، طالبة منها بلهجة عنيفة التخلي عن (المشروع) والعودة إلى السياسة السابقة، سياسة جنيف والسلام المشترك: أمام ثورة الرأي العام العالمي على اقتراح هور - لافال، وأمام رفض الإمبراطور (المشروع) وتردد موسوليني في قبوله؛ وأمام هجمات الحزب المعارض العنيفة وأمام انقسام حزبه عليه؛ أمام امتعاض الرأي الإنكليزي من تخليه عن العصبة وسياسة السلام المشترك، وأمام ثبات العصبة ورفضها (الاقتراح)؛ أمام كل هذه الصعوبات رأى مستر بلدوين أنه لا يستطيع أن يسير خطوة إلى الأمام بسياسته الجديدة؛ فقرر أن يكون على رأس القائلين بعدم قبول الاقتراح!. فدعا السير صمويل هور من سويسرا. وجمع أعضاء وزارته في ١٨ ديسمبر وقرر التخلي عن هور ورفض اتفاق (باريس). وفي هذا التاريخ قدم السير هور استقالته فقبلها مستر بلدوين وفي يوم الجمعة الموافق ١٩ ديسمبر كان موعد اجتماع مجلس اللوردات ومجلس النواب لمناقشة اقتراح هور - لافال، وكان الجميع متفقين على التخلي عن (اتفاق باريس). كان اجتماع مجلس النواب غير عادي: فقد حضره البرنس أوف ويلز وحضره السفراء. . . وبعد إلقاء الأسئلة والإجابة عليها قام السير صمويل هور مبيناً الأسباب التي قادته إلى توقيع الاقتراح، ومما قاله إنه كان أمام عينيه هدفان: (اتقاء حرب أوروبية والحيلولة دون نشوب حرب منفردة بين إيطاليا وبريطانيا). (إن منع البترول عن إيطاليا ربما يؤدي إلى هزيمة إيطاليا وخسرانها الحرب الحبشية، وعندما تجد نفسها في هذا الوضع الذليل تقوم بمهاجمتنا، وعندئذ تنشب الحرب بينها وبيننا دون أن ينهض لمساعدتنا أحد، إذ لم تقدم دولة ما إلى الآن باخرة واحدة ولا جندي واحد في سبيل الأمن المشترك؛ والرأي الفرنسي ضد الحرب ولا يريد أن يتورط في مشاكل جديدة. . . (لهذا اضطررت وأنا في باريس إلى أخذ قرار عاجل لأن مسألة البترول لا يمكن تأجيلها إلى تاريخ آخر.

стр. 10832

ثم أخذ يدافع عن مواد الاتفاق بحجج واهية. . . أما مستر أتلي رئيس حزب العمال فقد طلب رفض (اتفاق باريس)، وأثبت أن مسؤولية الحكومة لا تزول باستقالة السير هور. ثم أخذ يسائل الحكومة: ما فائدة الابتداء في العقوبات إذا كان أمرها سيهمل عند مجابهة أي خطر؟!. لماذا صرح في شهر أكتوبر بأن العمل المشترك مفيد وفي شهر ديسمبر أنه غير مفيد؟! إذا كان يوجد الآن خطر عظيم فخير من الوقوف بجانب المتعدي أن يقال بأن العصبة قد فشلت. . . ثم ألقى مستر بلدوين كلمة طويلة شديدة، صرح فيها بأن اتفاق باريس قد قضى عليه تماماً، وطلب من حزب الحكومة معاضدته، وأعلن بأن الحكومة عائدة إلى العمل المشترك ضمن مبادئ جنيف. . . وقال اللورد هارتنكتن إن (عشرة الأيام البئيسة) قد انتهت. وقد ختم النقاش في كلا المجلسين بقبول وجهة النظر القائلة بأن الحكومة قد ارتكبت غلطة فادحة في توقيعها (مشروع الصلح). وأنها بعملها هذا تقضي على النية الخالصة والأمل القوي في نظام السلام المشترك. وقد جاء خطاب السير نفيل شمبرلين الذي ألقاه في برمنجهام مساء ٢٠ ديسمبر مؤيداً لتصريح الحكومة، ومما قاله: (. . . هذه الاقتراحات قد ماتت إلى غير بعث؛ وإنني أعتقد الآن بأن كل سعي للوصل إلى حل سلمي فاشل). (فيجب أن نعود إلى سياسة العقوبات. . .) وإن تعيين مستر إيدن وزيراً للخارجية لدليل ساطع على أن الحكومة عائدة إلى السياسة التي تحدث عنها السير شمبرلين على أن الحكومة البريطانية لا تود العمل منفردة، ولذلك أخذت تفاوض أعضاء عصبة الأمم الذين على البحر الأبيض المتوسط، ولقد أجاب حتى الآن كل من تركيا واليونان ويوجوسلافيا بأنهم على استعداد لمساعدة بريطانيا وللعمل على مبدأ عصبة الأمم. . . (البقية في العدد القادم) يوسف هيكل

стр. 10833

دكتور في الحقوق من (حكومة فرنسا)

стр. 10834

في ميدان الاجتهاد للأستاذ عبد المتعال الصعيدي أستاذ الأدب العربي بكلية اللغة العربية بالأزهر كيف منع الاجتهاد ينشد المسلمون الإصلاح في هذا العصر، وتنشده جامعتهم الأزهرية الكبرى في مصر، ويعالجون في سبيل ذلك طرقاً ملتوية يمشون فيها إلى أن تنتهي بهم إلى أسوأ مما كانوا فيه، فتعلو كلمة الجامدين بالرجوع إلى قديمهم الممقوت، ويوافقهم على ذلك بعض من يتظاهر بحب الإصلاح إذا أقبل عهده، ويخفى في قلبه كرهه وبغضه. ولو أنعم هؤلاء الناس النظر لرأوا الذنب في لذلك يرجع إلى تلك الطرق الملتوية، لا إلى الإصلاح المنشود الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبدة، وغيرهما من كبار المصلحين في هذا العصر. وهذا الإصلاح المنشود يتلخص في كلمتين: فتح باب الاجتهاد في علومنا عامة والعلوم الدينية منها خاصة، وتأليف كتب جديدة في هذه العلوم تسري فيها روح الاجتهاد بدل تلك الكتب الميتة الجامدة؛ أما ما عدا ذلك من أمور الإصلاح فمن الأمور الكمالية ألقى ضرنا الاهتمام بها أكثر من هذه الأمور الأساسية. ولست بسبيل الكلام في هذا الإصلاح فقد قطعت شوطاً من حياتي في الجهاد فيه، حتى آل الأمر بنا إلى تلك الطرق الملتوية، ووجدت في ذلك غرائب وعجائب صرفتني عن العناية بذلك الأمر إلى أمور أخرى في العلم والأدب؛ وقد حاورت فيها أناسا آخرين وحاوروني، فوجدت علماء الأدب أكرم الناس أخلاقا، وأسلمهم طوايا، وأطهرهم أقلاما، ووجدت الخير فيهم مرجوا، والشر منهم مأمونا؛ ولست أدري وقد تركتهم إلى هذا الموضوع الديني الخطير أأجد أقلاما مثل أقلامهم، ونفوسا سمحة مثل نفوسهم، أم أجد النفوس لا تزال على عهدي بها، وإن تظاهرت بحب الإصلاح والانتصار له؟ وقد أكون مخطئا في ظني، وأرجو من الله أن أكون مخطئا فيه، وأن نكون قد بدلنا نفوساً أخرى تبحث مثل هذه الأمور المهمة في هدوء، وتعرف الصواب للمصيب فلا تحسده عليه أو تتعامى عنه، وتحسن الظن

стр. 10835

بمن يطلب الصواب فيخطئه طريقه، فتأخذه بالتي هي أحسن، حتى يعرف خطأه واضحا فيرجع عنه، ويشكر للذي دله عليه. وهكذا كان حال سلفنا الصالح رضوان الله عليهم. كان باب الاجتهاد بينهم مفتوحاً على مصراعيه لا يحمل أحد منهم بسببه ضغينة على أخيه، ولا يحاول قهره على موافقته في رأي خالفه فيه، إلى أن نبتت فتنة الخوارج المعروفة، ولعبت السياسة بعقول الناس فيها، فكانوا أول من سن في الإسلام أخذ المخالف في الرأي بوسائل القهر؛ ثم تتابعت الحوادث وأتى عصر بني العباس فرأوا من الأئمة المجتهدين في عصرهم انكماشاً عن سلطانهم فأخذوا ذلك عليهم، وجعلوا يصطنعون الوسائل لإيذائهم، فآذوا في ذلك أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة الجماعة، وصاروا ينصرون عليهم خصومهم من المعتزلة، واستباحوا في ذلك ما استباحوا من الحجر على حرية الرأي، وتعذيب المخالف لهم فيه بالسجن والضرب والقتل، وبلغ ذلك شدته في مسألة خلق القرآن المعروفة. وكان التعليم من أول الإسلام يتخذ المساجد دوراً له، فتتولاه الرعية بعيدة عن الحكومة، كما تتولاه الأمم الآن في الشعوب الراقية في أوربا وأمريكا. وينشأ التعليم في كنفها حراً لا يتأثر بهوى حاكم، وينشأ رجاله أحراراً لا تلين قناتهم لظالم وقد أخذ حكام المسلمين في آخر الدولة العباسية يدخلون في أمور التعليم ليكون لهم نفوذ عليه، وسلطان على رجاله، فأنشئوا له المدارس الخاصة به، وحبسوا عليها من الأوقاف الكثيرة ما رغب العلماء والمتعلمين فيها، وجعلهم يتنافسون على أبواب الملوك والحكام من أجلها، فضاعت كرامة العلم والعلماء، وخضع أهله لمن بيدهم أمر تلك المدارس والأوقاف. ومن أقدم ما بني في الإسلام من المدارس المدرسة البيهقية المنسوبة إلى البيهقي المتوفى سنة ٤٥٠هـ، والمدرسة السعيدية بنيسابور بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود حين كان والياً بها، والمدرسة النظامية التي بناها الوزير نظام الملك وزير السلطان ألب أرسلان وابنه ملكشاه ببغداد سنة ٤٥٩هـ واحتفل بافتتاحها يوم السبت عاشر ذي القعدة من هذه السنة، وجمع الناس على طبقاتهم ليحضروا دروس الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، فجاء الشيخ ليحضر فلقيه صبي في الطريق، فقال يا شيخ كيف تدرس في مكان

стр. 10836

مغصوب؟ فرجع الشيخ واختفى. فلما يئسوا منه ذكر الدرس بها أبو نصر الصباغ. ولما ملك السلطان صلاح الدين بن أيوب مصر لم يكن بها شيء من المدارس، فبنى بها المدرسة الناصرية لتعليم المذهب الشافعي سنة ٥٦٦هـ ثم بنى المدرسة الصلاحية بالقرافة الصغرى سنة ٥٧٢هـ مجاورة للإمام الشافعي ﵁، وجعل لناظرها أربعين ديناراً في كل شهر؛ ورتب له في كل يوم ستين رطلاً من الخبر، وراويتين من ماء النيل؛ ثم بنى أخرى مجاورة للمشهد الحسيني، وجعل دار عباس الوزير العبيدي مدرسة للحنفية. وكان من دواعي إنشاء هذه المدارس تأييد المذاهب التي كان السلاطين يشتدون في نصرتها، كما فعل صلاح الدين حين استولى على مصر، فقد حارب فيها مذهب الشيعة الفاطميين الذين حكموا مصر قبله، وكانت دروس هذا المذهب تلقى في الأزهر وغيره من مساجدهم، فأبطل هذه الدروس، وأحيا مذهبي الشافعي ومالك وبنى لهما كثيراً من المدارس. وفي هذه المدارس أقفل باب الاجتهاد؛ وقبرت المذاهب الفقهية عدا هذه المذاهب الأربعة الباقية؛ وقد كانت هناك مذاهب كثيرة لأهل السنة والجماعة بقى بعضها إلى القرنين السابع والثامن الهجريين؛ ومن هذه المذاهب مذهب البصري والثوري ولم يطل العمل بهما لقلة اتباعهما؛ ومنها مذهب الأوزاعي، وقد بطل العمل به بعد القرن الثاني للهجرة؛ ومنها مذهب أبي ثور، وقد بطل العمل به بعد القرن الثالث؛ ومنها مذهب ابن جرير الطبري، وقد بطل العمل به بعد القرن الرابع؛ ومنها مذهب الظاهري، وقد طالت مدته وزاحم المذاهب الأربعة حتى جعله المقدسي في أحسن التقاسيم رابع المذاهب في زمنه (القرن الرابع) بدل الحنبلي، وذكر الحنبلية في أصحاب الحديث، وعده ابن فرحون في الديباج الخامس من المذاهب المعمول بها في زمنه (القرن الثامن)؛ ثم درس بعد ذلك ولم يبق لأهل السنة والجماعة إلا المذاهب الأربعة. وذكر ابن خلدون أن الظاهري درس بدروس أئمته، وإنكار الجمهور على منتحله، ولم يبق إلا في الكتب، وربما يعكف متكلفو انتحاله عليها لأخذ فقههم منها؛ فلا يحلون بطائل، ويصيرون إلى إنكار الجمهور عليهم. وهكذا أخذت المذاهب الأربعة تتغلب مع الزمن على غيرها من هذه المذاهب حتى تم لها التغلب عليها في القرن السابع الهجري. وأخذ فقهاء هذه المدارس تبعاً لهوى أصحابها من الأمراء يتعصبون لها، ويفتون بوجوب اتباعها. قال المقريزي في خططه: (فلما كانت

стр. 10837

سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة، وهم شافعي وحنفي ومالكي وحنبلي، فاستمر ذلك من سنة ٦٦٥هـ حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، وعقيدة الأشعري، وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام، وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه؛ ولم يول قاض، ولا قبلت شهادة أحد، ولا قدم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب. وأفتى فقهاء هذه الأمصار بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم) وإذا لم يكف هذا الإجمال في بيان ما أتت به يد السياسة من وسائل القهر والإغراء في إحياء بعض هذه المذاهب وإماتة بعضها، ومحاربة الاجتهاد إلى حد القضاء عليه في تلك المدارس، فأنّا نسوق مثلاً من ذلك في المدرسة المستنصرية التي أمر بانشائها، المستنصر بالله العباسي، وشرع في ذلك سنة ٦٢٥هـ وقد تكامل بناؤها سنة ٦٣١هـ وأنفق عليها أموالاً كثيرة، واحتفل بافتتاحها في تلك السنة احتفالاً عظيماً حضره بنفسه، وحضره نائب الوزارة وسائر الولاة والحجاب والقضاة والمدرسون والفقهاء ومشايخ الربط والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء وجماعة من أعيان التجار الغرباء، واختير لكل مذهب من المدارس وغيرها اثنان وستون نفساً، ورتب لها مدرسان ونائبا تدريس؛ وكان المدرسان محي الدين محمد بن يحي بن فضلان الشافعي، ورشيد الدين عمر بن محمد الفرغاني الحنفي؛ وكان نائباهما جمال الدين عبد الرحمن بن يوسف بن الجوزي الحنبلي، وأبا الحسن علياً المغربي؛ وجعل لها معيدون لكل مذهب أربعة، وقسمت إلى أرباع، فجعل ربع القبلة الأيمن للشافعية، وجعل ربع القبلة الأيسر للحنفية، وجعل الربع الذي على يمين الداخل للحنابلة، وجعل الربع الذي على يساره للمالكية. وقد شرط المستنصر في وقفه عليها أن يكون عدة فقهائها ثمانية وأربعين ومائتي فقيه، من كل طائفة اثنان وستون، بالمشاهرة الوافرة، والجراية الدارة، واللحم الراتب، إلى غير ذلك من وسائل الإغراء التي لم تتح لغير هذه المذاهب. وقد كان قبر الاجتهاد في هذه المدرسة، وحجر النظر فيها على العلماء بهذا الشكل. في سنة ٦٤٥هـ أحضر مدرسوها إلى دار الوزير، فتقدم إليهم ألا يذكروا شيئا من

стр. 10838

تصانيفهم، وألا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها، بل يذكروا كلام المشايخ تأدباً معهم، وتبركاً بهم. فأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي مدرس الحنابلة بالسمع والطاعة. وقال سراج الدين عبد الله الشرمساحي مدرس المالكية: (ليس لأصحابنا تعليقة، فأما النقط من مسائل الاختلاف فمما أرتبه). وقال شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية، وأقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني مدرس الحنفية: (إن المشايخ كانوا رجالاً ونحن رجال) فكانا أفضل القوم إجابة. ثم أوصل الوزير أمر ذلك إلى المعتصم بالله، وكان قد ولى أمر الدولة بعد أبيه المستنصر، فتقدم إليهم أن يلزموا بذكر كلام المشايخ واحترامهم فأجابوه بالسمع والطاعة. وذهب إباء مدرس الشافعية والحنفية في الهواء. ولو أنهما استمرا على إبائهما لكان جزاؤهما القتل أو نحوه. ونستطيع بعد هذا أن نحكم بأن منع الاجتهاد لم يتم إلا في عصور الظلم، وبأن قصر الناس على هذه المذاهب الأربعة حصل بوسائل غير مقبولة من القهر والإغراء. وفي يقيننا أنه لو أتيح لغير هذه المذاهب ما أتيح لها من تلك الأوقاف والرواتب لكان حظها من البقاء مثل حظها، ولبقيت معروفة مقبولة ممن يجهلها اليوم أو ينكرها. وقد حوّلت هذه الوسائل لإلزام الناس بهذه المذاهب قبل هذه العصور فلم يرض بهذا المسلمون حتى أصحاب هذه المذاهب. روى أبو نعيم في الحلية عن مالك بن أنس أنه قال: شاورني هارون الرشيد في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس على ما فيه؛ فقلت لا تفعل، فان أصحاب رسول الله ﷺ اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان، وكل مصيب. فقال وفقك الله تعالى يا أبا عبد الله. وروى ابن سعد في الطبقات عن مالك بن أنس قال: لما حج المنصور قال لي قد عزمت على أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها فتنسخ، ثم أبعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدوا إلى غيره، فقلت يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ودانوا به، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم. فنحن إذن في حل من أمر هذه المذاهب التي فرضت علينا فرضاً، وفي حل من ذلك الحظر على الاجتهاد في أحكام ديننا، لأنه أتى بطريق القهر، ولم يتم برضا المسلمين

стр. 10839

وتشاورهم، وإنما أمر المسلمين كما حكم الله تعالى شورى بينهم. عبد المتعال الصعيدي

стр. 10840

٨ - معركة عدوى للأستاذ الفريق طه باشا الهاشمي رئيس أركان حرب الجيش العراقي تتمة وأراد الجنرال (باراتيري) أن ينسحب إلى (أديكايه) ليقصر خط المواصلات إلا أنه لم يجسر على ذلك خوفاً من تأنيب رومة فقرر القيام باستطلاع تعرضي في اتجاه نهر مارب شأن كل قائد متردد. وكان يرمي بذلك إلى وقف حركات الأحباش في اتجاه غوندت وأسمره، وبعد أن تأهبت الفصائل للحركة سحب أمره. ولا شك في أن هذه الأوامر المتناقضة مما أزال اطمئنان الفصائل وجعلها تخشى العاقبة. ومما زاد الموقف حروجة قلة الأرزاق. وكلف مدير الميرة والتموين الجنرال بتقليل مقدار الأرزاق اليومي للجنود لأن مواد التموين لا تكفي وأن القوافل أخذت تتأخر والكثير منها يقع في أيدي الثوار، فاضطرت القيادة إلى تقليل أرزاق الجندي اليومي، وكان الجندي الأهلي يأخذ قليلاً من الشعير، ويفضل الدراهم مقابل الأرزاق الباقية، إلا أن الأرزاق كانت مفقودة. وتناول الضباط الأرزاق كالجنود. وأخيرا أضاف القائد العام خطيئة إلى خطيآته السابقة فكانت نذير الخذلان. فانه عقد مجلساً حربياً واستشار القواد فيما يعمل، ومعنى ذلك أنه أراد أن يلقى تبعة الحركات عن عاتقه وكان هو المسؤول الوحيد عنها. والظاهر أن القائد العام كان يخشى حساب رومة بعد أن تلقى تلك البرقيات المرة منها، وكان قرار أعضاء أكثرية المجلس القيام بالهجوم وعدم الانسحاب لأن البقاء في ادجرات بسبب مجاعة الجيش، ولأن الأرزاق كانت على وشك النفاد برغم تقليل مقاديرها اليومية، لأن القوافل أمست لا تصل بانتظام. أما الانسحاب إلى الوراء فلم يكن من شك في أنه أحسن تدبير لتقصير خط المواصلات وتموين الجيش بصورة منتظمة، وبعد أن يتقوى بالنجدات المرسلة من إيطاليا وتكمل التدابير الإدارية وتنتظم سوق التموين والذخيرة يتقدم للهجوم بخطوات ثابتة متينة، بيد أن القائد العام والقواد الآخرين لم يكن لديهم من حب التبعة (المسؤولية) ما يجعلهم يتخذون هذه الخطة.

стр. 10841

وفي الوقت الذي قرر المجلس الحربي فيه القيام بالهجوم وردت البرقية التالية من رومة إلى القائد العام: (رتب الجيش بحيث يقوم الهجوم ويقاوم هجوم العدو) ومعنى ذلك أن الحكومة الطليانية لم توافق على الانسحاب وأنها تريد المقاتلة مهما كانت النتيجة. نشوب المعركة يظهر لنا مما تقدم أن أحد الفريقين المتحاربين شعب متوحش ملتف حول ملكه ومتعطش للقتال، ويعرف بلاده، ومستعد للاستفادة من جميع ظاهراتها للضربة القاضية على عدوه، وعلى رأسه ملك يعرف كيف يستفيد من رجاله، فاستطاع بدهائه وحنكته أن يحصل على العدد الكافي من السلاح، ويجمع الأحباش حوله ويقودهم إلى ميادين القتال. أما الفريق الآخر فيجهل أحوال البلاد، وهو غير قادر على تحمل مناخها، وقد أساء قواده قيادته، فلم يضمنوا له ما يحتاج إليه من مواد التموين وأسباب الراحة التي تمكنه من القتال في هذه البلاد القاسية. وقد أدى التردد في التنفيذ إلى زوال اعتماد الجنود على ضباطهم والضباط على رؤسائهم. والواضح من هذا أن المعركة سوف تنشب في ظروف غير متعادلة، وقد لا يفيد التدريب المتقن والأسلحة الحديثة في التغلب على كثرة الأحباش المتشوقين إلى القتال. والغريب في أمر هذه الحركات أن القيادة العامة كانت لا تملك خريطة صالحة تساعدها على وضع الخطط العاجلة. ومن الضروري معرفة حالة الأرض لتسيير القوات عليها. فالخطيئة التي ارتكبت في الحركات السوقية سوف يزداد شمولها بالخطأ في التعبئة، وهذا النقص مما سبب تسيير الأرتال في ميدان المعركة بحيث لا يستطيع بعضها مساعدة بعض، وذلك مما جعل القيادة الحبشية تغتنم الفرصة وتنقض برجالها على الأرتال وتقضي عليها على التعاقب. عسكرت القوات الطليانية في ٢٩ فبراير سنة ١٨٩٦ في (صورية) وكانت القوات كما نعلم مؤلفة من أربعة ألوية بقيادة حاكم المستعمرة العام لجنرال (باراتيري)، وكان قواد الألوية الجنرال البرتونه والجنرال دابروميدا والجنرال أريموندي والجنرال اللانا. وكانت الأوامر الصادرة من معسكر (صورية) ترمي إلى تحريك القوات في الساعة التاسعة

стр. 10842

على ضوء القمر في اتجاه (عدوى). وكان يؤدي إلى عدوى طريقان، وهما طريق شمالي وطريق جنوبي، وكلاهما يمتد في منطقة وعرة فيمر الطريق الشمالي بمضيق (رابي أريان)، والطريق الجنوبي بمضيق (شدان موت) قبل وصولهما إلى عدوى، وبين الطريقين جبل (راجو) الوعر الذي لا يمكن تسلقه لشدة انحداره وللصخور المكدسة فيه. وتبلغ المسافة بين المضيقين أكثر من خمسة عشر كيلو متراً. فالتقدم على هذين المضيقين يجعل الأرتال الطليانية معرضة لهجمات القوة الحبشية المتمركزة حيث تتحرك على الخطوط الداخلية، وبلغ الجنرال (باراتيري) أوامره مقتنعا بأن الأرتال بعد اجتياز المضايق يجتمع بعضها ببعض وتتقدم نحو العدو. إلا أن هذا الاقتناع لم يصح، وقد يأمل هذا القائد النصر إذا جمع الرتلين في شرقي جبل (راجو) واستفاد بعد ذلك من كثرة المدافع. وبدلاً من تقسيم الألوية على الرتلين وتسيير لوائين في كل رتل لكي يكون لكل منها القوة الكافية لمقابلة العدو تقدمت الألوية على الترتيب التالي: لواء البرتونه في الجنوب نحو مضيق (شدان موت)، ولواء (دابورميدا) في الشمال مضيق (رابي أريان) أما لواء (أريموندي) ففي القلب، وبقى لواء اللانا في الاحتياط إلى الوراء، ولما وصل لواء (أريموندي) إلى سفح الجبل رأى أن له. فوجه الجنرال (باراتيري) إلى الشمال وراء لواء (البرتونه) أما لواء (اللانا) فسار في المؤخرة وراء (البرتونه). وهكذا تكدست ثلاثة ألوية على طريق واحد بينما بقى لواء في الجنوب. والحقيقة أن مضيق (رابي أريان) لم يكن فيه مجال لانفتاح لواء واحد، وكان اللواءان يتقدمان بصعوبة نحو المضيق، وذلك يجعل لواء (اللانا) يتأخر في الوراء بطبيعة الحال. وكان القسم الأكبر من لواء (البرتونه) من الأهليين، وتقدم اللواء ليلاً على ضوء القمر، وكان الجنود يسيرون بنشاط، بينما كان الأحباش يترقبون اقترابهم بفارغ الصبر، وكانت طلائعهم تنسحب أمام هذا اللواء دون أن تحرك ساكناً. وعلى ما يظهر كان النجاشي ينتظر مرور هذا اللواء من المضيق وابتعاده عن الرتل الشمالي لينقض عليه ملتفا حوله من كل جهة. واعتمد قائد اللواء على الخريطة غير الصحيحة فأراد أن يريح لواءه في رابية بعد اجتياز المضيق ظنا منه أن الرابية تسيطر

стр. 10843

على الأرض في شرقي المضيق. ولما وصل إلى الرابية باغت الأحباش لواءه من كل جانب وهاجموه بحرابهم وخناجرهم. وفي الساعة السابعة صباحاً سمع الجنرال (باراتيري) صوت النار من الجنوب فكلف لواء (دابورميدا) بنجدة (البرتونه) عندما يجتاز المضيق، بيد أن الأحباش كانوا قد احتلوا الوديان والروابي في جنوبي مضيق (رابي أريان) فاضطر (دابورميدا) إلى مقاتلتهم، إلا أنه بعد مدة قصيرة رأى نفسه أمام قوة فائقة من الأحباش أحاطت بجانبه فألجأته إلى الوقوف للدفاع. ولما علم (باراتيري) أن لواء (دابورميدا) أيضا اشترك في القتال وتأكد أنه لا يستطيع نجدة (البرتونة) أمر لواء (أريموندي) بألا يعقب لواء (دابورميدا) بل يتوجه رأساً إلى الجنوب لمساعدة (البرتونه). ولما اجتاز هذا اللواء المضيق وتوجه إلى الجنوب وصل المنهزمون من لواء البرتونه إلى رأس الرتل فعلم منها أن الأحباش قضوا على اللواء بالإحاطة به من كل جانب وأن قائده قتل في المعركة، فتقدم اللواء في الاتجاه الجنوبي الغربي، وكان لواء (اللانا) يسير وراءه، إلا أن وعورة الأرض وكثرة الوديان والأخاديد فيها عرقلت المسير. وكان الأحباش قد كمنوا لهذا اللواء مستفيدين من الوديان والأخاديد، فلما اقترب اللواء منهم باغتوه من كل جانب، ثم أعادوا الكرة على لواء (اللانا) فكانت مباغتة هائلة، وكان قتال وجها لوجه، فلم تستطع المدفعية مساعدة المشاة لاختلاط الحابل بالنابل. وكان بعض المدافع في المؤخرة فلم تستطع تلك المدافع أن تسلك الروابي لدخول الموضع. وكلما تقدمت قوات الاحتياطي لنجدة الخط الأول كان الأحباش يحيطون بها ويشتتون شملها. وعقب هذا القتال الشديد انسحاب، ولكن لا على الصور المعروفة بل كان أشبه بالهزيمة. فترك المشاة المدافع وولوا هاربين في طلب النجاة، فتكدسوا على الطرق وفي المضايق وفي الوديان فلم يسلم منهم إلا القليل. أما لواء (دابروميدا) فبقى وحده يقاتل الأحباش ويظهر أن القوة التي هاجمته لم تكن كبيرة فقاتل إلى المساء بعد أن فقد قائده وانسحب بصعوبة في اتجاه آخر. أما القائد العام فلما رأى النكبة التي حلت بجيشه أصدر أمر الانسحاب في الساعة الحادية عشرة وأسرع مع أركان

стр. 10844

حربه منسحبا إلى موقع (عدي كيه) البعيد عن ميدان القتال مسافة ٧٠ كيلومتراً فكان ذلك فراراً لا انسحاباً. وبلغت خسائر الجيش الطلياني في هذه المعركة ما يلي: جنرالان مقتولان وهما (دابورميدا) و (إريموندي) وأخذ الجنرال (البرتونه) أسيراً. زعيمان من سبعة زعماء مقتولان وزعيم في الأسر. خمسة عشر قائد فوج من (أربعة وعشرين) قتلى. والخلاصة أن مجموع الخسائر من قتيل وجريح وأسير بلغ ٢٨٤ ضابطاً و ١٥. ٤٠٠ جندي. أما الذين نجوا فكانوا ٢٦٢ ضابطاً و٤٣٦٩ جندياً منهم ٢٧٦ جريحاً. انتهى طه الهاشمي

стр. 10845

علماؤنا المجهولون عبد الرءوف المناوي ٩٥٢ - ١٠٣١هـ للأستاذ محمد إبراهيم العفيفي للسائر في شارع باب البحر بالقاهرة أن يعرج على حارة سيدي مدين ليرى بناء متهدماً درست معالمه إلا من جدران قائمة حول مقام وزاوية ومدرسة أهملتها جميعاً وزارة الأوقاف كأنها لا تدري أنه لفخر العلماء وإمام المحدثين ومن تصدى للإفتاء يوما ما، ومن أكب على الدرس والتأليف حتى قاربت تآليفه المائة: ذلك مقام سيدي عبد الرءوف المناوي. عصره: انتهى القرن العاشر الهجري والدولة العثمانية تبسط سلطانها على كثير من البلاد الشرقية، فكان لزاما أن تكون الطبقة الحاكمة في مصر عثمانية، وأن تكون اللغة المتداولة بين الأوساط الراقية تركية، يشجعها الحكام ويساعدون على انتشارها بشتى الأساليب؛ فلغة الدواوين ولغة المجالس ولغة التهاني والتناظر والمديح كلها تركية؛ أضف إلى ذلك ما يترتب عليه من ذيوع التأليف ودواوين الشعر بتلك اللغة؛ وأهملت اللغة العربية في شتى الأبحاث، وأقفرت تلك الحقبة من ذيوع لغة القرآن؛ فجفت أقلام المفسرين والمحدثين والمؤرخين والشعراء إلا من نفر قليل قبضهم الله للاحتفاظ بالبقية الباقية من مجدها الأثيل. مولده أنجبت القاهرة سنة ٩٥٢هـ فخر العلم والأدب: زين الدين محمد المدعو عبد الرءوف بن تاج الدين بن علي بن زين العابدين (أو العارفين) الحدادي المعروف بالمناوي. نشأته أكب على الدرس منذ حداثته، (وحفظ القرآن قبل بلوغه، ثم حفظ البهجة وغيرها من متون الشافعية، وألفية ابن مالك، وألفية الحديث للعراقي، وعرض ذلك على مشايخ عصره في

стр. 10846

حياة والده، ثم أقبل على الاشتغال فقرأ على والده العلوم العربية، وتفقه بالشمس الرملي، وأخذ التفسير والحديث والأدب على النور علي بن غانم المقدسي، وحضر دروس الأستاذ محمد البكري، والتفسير والتصوف، وأخذ الحديث عن النجم الغيطي والشيخ قاسم والشيخ حمدان الفقيه والشيخ الطبلاوي؛ لكن كان أكثر اختصاصه بالشمس الرملي وبه برع، وأخذ التصوف عن جمع، وتلقن الذكر من قطب زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي، ثم أخذ طريق الخلوتية عن الشيخ المناخلي أخي عبد الله، وأخلاه مرارا، ثم عن الشيخ محرم الرومي حين قدم مصر بقصد الحج، وطريق البيرامية عن الشيخ حسين الرومي المنتشوي، وطريق الشاذلية عن الشيخ منصور الغيطي، وطريق النقشبندية عن السيد الحسيب النسيب مسعود الطاشكندي، وغيرهم من مشايخ عصره، وتقلد النيابة الشافعية ببعض المجالس، فسلك فيها الطريقة الحميدة، وكان لا يتناول منها شيئاً). أكب على الدرس منذ حداثته؛ وكان يقتصر يومه وليلته على أكلة واحدة من الطعام زهداً في الدنيا واستجماماً للدرس والتحصيل، يميل إلى العزلة. ثم علق المنقول والمعقول، واستهوته العلوم العويصة كالفلسفة والتصوف حتى أصاب منها بغيته، ثم التفت إلى التاريخ فألف فيه المطولات لمن يريد الاستيعاب، ثم المختصرات لمنم يبغي الاطلاع، كما ضرب بسهم في السياسة والاجتماع. ثم واصل الدرس فتعمق في فقه اللغة وعالج الكتابة غير أنه كان يميل إلى السجع والمحسنات اللفظية مما كن يعجب به أهل زمانه؛ وتعرض للتاريخ الطبيعي حسبما مكنه الأوان، ثم كان محدث عصره فجلس إلى الناس يحدثهم ثم ولى التدريس بالمدرسة الصالحية فحسده أهل عصره؛ وكانوا لا يعرفون مزية علمه لانزوائه عنهم. ولما حضر الدرس فيها ورد عليه من كل مذهب فضلاؤه منتقدين عليه، وشرع في إقراء مختصر المزني، ونصب الجدل في المذاهب، وأتى في تقريره بما لم يسمع من غيره فأذعنوا لفضله، وصار أجلاء العلماء يبادرون لحضور مجلسه، وأخذ عنه منهم خلق كثير منهم الشيخ سليمان البابلي، والسيد إبراهيم الطاشكندي، والشيخ علي الأجهوري، والولي المعتقد الشيخ أحمد الكلبي، وولده الشيخ محمد؛ وغيرهم. تصدره للإفتاء

стр. 10847

أما ما قيل من انه تصدر الإفتاء فذلك يرجع إلى أنه ذكر في مقدمة زائفة لسيرة نسبت إليه: (قال شيخ الإسلام ومفتي الأنام الشيخ عبد الرءوف المناوي) ونحن نشك في ذلك، وربما كان ذلك يرجع إلى أن جده الشيخ شرف الدين يحيى تولى مشيخة الأزهر وأن له مجموعة فتاوى. وفاته ومع ذلك لم يخل من طاعن وحاسد حتى دس عليه السم فتوالى عليه بسبب ذلك نقص في أطرافه وبدنه من كثرة التداوي، ولما عجز صار ولده تاج الدين محمد يستملي منه التآليف ويسطرها. ولا ننسى أنه كثيراً ما اعتزل الناس وامتنع من مخالطتهم، وأنه كان إلى أواخر حياته بحراً فياضاً ومعيناً لا ينضب. وافاه قدره في صبيحة الخميس في الثالث والعشرين من شهر صفر سنة ١٠٣١هـ ودفن بجانب زاويته التي أنشأها بين زاويتي الشيخين احمد الزاهد ومدين الأشموني بعد أن ترك للأجيال ما يفخر به عصره. تآليفه ١ - كنوز الحقائق في حديث خير الخلائق: يشمل على ١٠٠٠٠٠ حديث استخرجها من ٤٤ كتابا ما بين مغاز ومسانيد وسير بينها الكتب الستة رامزاً للأسانيد. فرغ من تأليفه سنة ١٠٢٦هـ وطبع بمصر سنة ١٢٨٦هـ، سنة ١٣٠٥هـ. ٢ - الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية: يبدأ بمقدمة في التصوف رداً على آراء المعتزلة، ثم يتبعها بثمانية أبواب في سيرة الرسول ثم بالخلفاء الراشدين، وبلى ذلك تراجم الصوفية مفرداً طبقات كل قرن على حدة حسب سني وفياتهم، مرتبا إياهم أبجدياً؛ فكانت إحدى عشرة طبقة ينتهي الجزء الأول بانتهاء الطبقة السادسة والباقي في الجزء الثاني، فرغ من تأليفه سنة ١٠١١هـ في ٨٨٠ صفحة ولم يطبع. ٣ - الطبقات الصغرى أو إرغام أولياء الشيطان: جمع فيه تراجم صوفية العجم والروم والحجاز واليمن والشام ومصر، وصدره بمقدمة مرتبة على خمسة أبواب: في التنبيه على جلال كرم الأولياء، والرد على منكري كراماتهم بالأدلة النقلية والعقلية، وبيان منازلهم ومقاماتهم والحكمة في ظهور الكرامات على أيديهم، والترغيب في مجالستهم، والأخذ عنهم،

стр. 10848

وبيان طبقاتهم وأحوالهم ومكان أصحاب الوظائف منهم، وفي ذكر شيء من أصول علم التصوف المهمة التي لا يستغني عنها ثم، ذكر التراجم مرتبة أبجديا. مخطوط في ٢٧٦ صفحة ألفه بعد سابقه. ٤ - آداب الأكل والشرب: في آداب اللياقة يناسب أهل ذلك الزمن. مخطوط في ٨٠ صفحة. ٥ - شرح خطبة القاموس: في صفحات قلائل. ٦ - الدر المنضود في ذم البخل ومدح الجود: من الأدب الرائع رغم ما به من سجع. مخطوط في ١١٢ صفحة. ٧ - إتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل للمناوي مخطوط ضمن المكتبة التيمورية في مناقب السيدة فاطمة الزهراء في خمسة أبواب: الباب الأول: ولدت سنة ٤١ من مولد الرسول ﷺ . وقيل قبل الرسالة بخمس سنين. الباب الثاني: تزوجت علياً في (خلاف من الخامسة عشرة من عمرها إلى الحادية والعشرين) وعمره إحدى وعشرون سنة في رمضان سنة ٢هـ وبنى بها بعد العقد بنحو أربعة أشهر ولم يتزوج قبلها ولا عليها، وأولدها حسناً وحسيناً ومحسناً (مات صغيراً) وأم كلثوم الكبرى التي تزوجت عمر فعون بن جعفر فمحمد فعبد الله أخويه وأمهرها درعاً باعها بمبلغ ٤٨٠ درهماً وكان جهازها: سرير مشرط بالشريط، وإهاب كبش، ووسادة من أدم حشوها ليف، وقربة، ومنخل، ومنشفة، وقدح. الباب الثالث: الأحاديث الواردة فيها: ٥٢ حديثاً. الباب الرابع: مناقبها ومزاياها. الباب الخامس: عشرة أحاديث روتها ثم أشعار بين فاطمة وعلي ضعيفة التأليف. ٨ - غاية الإرشاد في معرفة أحكام الحيوان والنبات والجماد لم أره ولعله يشبه حياة الحيوان للدميري أو الحيوان للجاحظ أو عجائب المخلوقات للقزويني. ٩ - الجواهر المضيئة في الأحكام السلطانية: في آداب السلطان وعلم الاجتماع. ١٠ - سيرة عمر بن عبد العزيز.

стр. 10849

١١ - التوقيف على مهمات التعريف: مخطوط بالمكتبة الأهلية بباريس. وهو ذيل لكتاب التعريف للشريف الجرجاني ويشمل الاصطلاحات العلمية العربية في عهدهما أفاض فيه المناوي في ذكر المسميات الفنية التي تساعدنا الآن في تسمية أجزاء الآلات وغيرها مما له مساس بأغراض المجمع اللغوي الملكي. ١٢ - فيض القدير: طبع في مصر: وهو شرح كبير مستفيض لكتاب الجمع الصغير للحافظ جلال الدين السيوطي في علم الحديث. ١٣ - ٨٠ مؤلفات تامة ذكرها المحبي في خلاصة الأثر فليراجعها من أراد. ٨١ - ٩٣ مؤلفات لم تتم. ونحن نرجو من يعثر على مؤلفات لعبد الرءوف المناوي غير ما ذكرت أن يتفضل بذكر مكان وجودها خدمة للرجل وفضله. (الزقازيق) محمد إبراهيم العفيفي

стр. 10850

الكذب والصدق للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي الكذب أسعدني والصدق أشقاني … والكذب أضحكني والصدق أبكاني الكذب صيَّر أعدائي ذويِ مقةٍ … والصدق أبعد عني كل أخداني كم ورطة كاد فيها الصدق يوقعني … وبعد ذلك منها الكذب نجَّاني حرمتُ أكثر ما عيشي يطيب به … والصدق قد كان من أسباب حرماني ما كنتُ أرعى نجومَ الليل في سهري … بل كان فيه نجومُ الليل ترعاني لولا أكاذيبُ آمالٍ تخادعني … من كان يذهب أشجاني وأحزاني إن الأمانّي تسلى وهي كاذبة … وليس في الصدق من سلوى لأَسوان الصدق مستنقعٌ في مائه أَسَنٌ … فليس يملك إِرواءً لظمآن والكذب بحر خِضَمُّ لا قرار له … يحوي جواهر من درّ ومرجان الصدق يلقاك بالأشواك جارحةً … والكذب يبسم عن وردٍ وريحان وقد يفوز أخو صدق بمأربه … وقد يؤوب أخو كذب بخسران لكن هذا قليلٌ غير مطرّد … فليس يبني عليه رأيه الباني إن الحياة بدنيانا لقائمة … على الأكاذيب من زور وبهتان الصادق الحرّ ذو فقر ومسكنة … والكاذب الغِرَّ ذو مال وسلطان إذا كذبتَ فقد أصبحتَ ربَّ تقي … وإن صدقتَ فأنت الملحد الجاني ما كنت تلعنني لو كنت تفهمني … أو كان عندك وجدانٌ كوجداني وربَّ أحدوثةٍ في صدقها سببٌ … إلى إثارة أحقادٍ وأضغان ورب أكذوبةٍ أدّت بحكمتها … إلى زوال حزازات وعدوان الصدق في بثه نارٌ مؤججة … فليس يطفئها إلا الدمُ القاني كم دولةٍ أنشأتها ساسةٌ كذبوا … فأصبحت ذات أبراج وأركان ودولةٍ بعد كذْب صان بيضتَها … أضاعها الصدق، صدقُ العاهل الواني لا تنكروا ما به قد جئتُ أخبركم … إني إذا قلتُ فالتاريخُ برهاني هل السياسة إلاّ كذبُ باقعةٍ … على جماهير من بُلهٍ وعميان

стр. 10851

هل الحياة وإن كانت مثقفةً … سوى نفاقٍ وتدليس وإدهان إن الحياة لسرٌّ ظلّ مختفياً … والروح أكبرُ من عقلي وعرفاني هل كان في الأولين السابقين لنا … حقاً عبادةُ أصنامٍ وأوثان الكذب بالحور والغلمان ذو هِبةٍ … والصدق يقصيك عن حور وغلمان نزلت في ليلة مقرورةٍ بها … فالصدق عبّس لي والكذب حياني الكذبُ كان بما فيه الرغادة لي … في العيش يأمرني والصدق ينهاني إذا صدقتُ فان الناس تمقتني … وإن كذبت فان الناس تهواني يصحّح الكذبُ ما للصدق من الخطأ … والكذب والصدق في الإنسان صنوان وأعذب الشعر ما قد كان أكذبه … قد قال هذا قديماً كل إنسان وطالب المثل الأعلى وإن عجزت … منه اليراع على هذا هو الباني للنابغين شياطينٌ تساعدهم … وما شياطينهم أشباه شيطاني إبليس أنجبَ شيطاني وأدّبه … وبالأكاذيب أوصاه وأوصاني جميع ما فيّ أمسى تحت سلطته … إلاّ ضميري وأخلاقي وإيماني إما مفارقةُ الشيطان لي فكما … يفارق الروحُ عند الموت جثماني ولا يفارقني إلاّ غداة يرمي … سيري إلى العالم الباقي من الفاني الشعرُ أنِشدُه كالشعر يقرضه … على لساني فأنّا فيه سيان يبكي ويضحك شعري حين أرسله … إلى الجماهير من أنسٍ وجنّان لقد جرى الشعر شوطاً في تطوّره … وظل يُبدل ألواناً بألوان لم يكبر الشعرُ معتزاً بقوته … حتى تربيتُه طفلاً بأحضاني ولست أرضى بسلطانٍ على أدبي … إن لم يكن ذلك السلطان سلطان وربّ شعرٍ جميل بعد قائله … يشدو به الناس من قاص ومن دان الشعر باللفظ والمعنى يفوق كما … يطير في الجوّ الجناحان وأفتنُ الشعر ما قد هز سامعَهُ … بما به بثّ من وجد وأشجان وسوف يبقى جديداً في رسالته … إلى الجماعات ما كَرّ الجديدان بغداد

стр. 10852

جميل صدقي الزهاوي

стр. 10853

أختي للأستاذ أحمد رامي رزئ الشاعر الوجداني الرقيق الأستاذ رامي في أخته منذ أسابيع فبكاها بهذه العبرات المنظومة: أنا للحزن وما يبعث … في خيالي من تهاويل الشجن كلما صرت بنفسي خالياً … يتبدّى من غيابات الزمن يغرض الماضي فيسقيني الذي … ذقت فيه من أفانين المحن يشتكي ذو الوجد ما يعتاده … ويغنى فيه مسلوب الوسن هي أختي درجت في كنفي … ثم أمست وهي للروح سكن عُلْتُها طفلاً على بُعد أبي … وهو نائي الدار عني والوطن ثم دلّلت صباها فنمت … كالنبات الغضّ في ظلً الفنن شربت طبعي وحاكت خلقي … ثم كانت هي سرّي المؤتمن إن شكوت الدهر مما نالني … سكن القلب إليها واطمأنّ هي أختي صبّرت نفسي على … فقد أهلي كلما ضمّ كفن لو تذاكرنا أبي أو اخوتي … ساجلتني دمع عيني ما هَتَن قلت ترعاني وترعى ولدي … وتربيه على قصد السِّنَن وتواسي علّتي في وحدتي … وتناجيني إذا الليل سكن فطواها الموت عني بغتة … في الشباب الغضّ والوجه الحسن تركت لي مَلَكاً في صورة … من جنين واضح النور فتن وعيون تسحر اللبّ بما … أرسلته من ذكاء وفطن وفم حلو اللمى مبتسم … فرّ عن دّرٍ توارى واستكن فيه منها ما يعزينَي عن … بعدها إما هفا قلبي وحنّ وابن أختي قطعة من كبدي … أفتديه العمر روحاً وبدن أحمد رامي

стр. 10854

صمت الشك علم أم ضعف للأستاذ عبد الرحمن شكري ألا لا أُبيح العيش مدحاً ولا ذما … سكتُّ فلا عذراً نطقت ولا لوما ولا يستقيم القول إلا لمُنْتَش … من العيش والآمال لا من صحا غما مللت أساطير الحياة فان أُفِقْ … فمن لي بحلم قد حلمت به قِدْما حلمت بحسن العيش والصدق والنهي … أمانُّي لا صُمًّاً تبدت ولا بُكْماَ وإنْ لم يكن عيش الفتى حلم حالم … فما عذر قولي إن حسبت الدُّنى حلما فان شئت كان الشك ضعفاً وخيبة … وإن شئت كان الشك منطقه علما وإن كان أصل الوحش والناس واحداً … فَلِمْ فقدوا ظلفاً وقد كسبوا لؤما وكيف أرى في مقبل الدهر للورى … علاء ومحيىً يجمع الخلق والفهما إذا كان صدق الناس كذباً وفضلهم … رياء وود منهم الغدر والسما صحوت كصحو اَلمْيت من نوم عيشه … أترجعني للعيش ألعقه رغما كما يلعق الآسي العلي دواَءه … وإن مج منه علقما قد نبا طعما وهل ثقة بالعيش والناس تشتري … لأّنثرها نثراً وأنظمها نظما وإن كان مدح المرء للعيش خشية … من اليأس كان المدح من وجل دما يسوغ بيان السخط إن كان من هوى ال - حياة وإن أغرى بك الأمل الجما وإلاّ فإن الصمت أولى بقائل … إذا قال قولاً جدد اليأس والهما على تافه لا ينقع الدهر غلة … ولم يك بين الناسْ ربحاً ولا غُنْما رأيت زوالَ الكائناتِ فلا أسًى … إذا لم أُخلَّدْ لي مقالاً ولا نظما سيحدث بعد القول قول يُذيلُه … وإن زال أقوام تجد بعدهم قوما وما الخلد إلا غرة وطماعة … وأنبلِ كذْب يخدع اللهب والفهما يكون الفتى في اليأس دهراً وفي المنى … (كأرجوحة بين الشقاوة والنعمى) وقد حل بي دهر إذا ما مدحته … أظل كحاسي المر يفتعل البسما وإنْ لم يُنِلك القول إلا مذلة … فمن بر نفسي أن ترى تركه حزما

стр. 10855

فمن شاء فلينطق ومن شاء فليكن … صموتاً فحسبي أن أرى الحمق والحلما مللت نضال الناس في غير طائل … وإن كان شراً يصقل الذهن والفهما وكم شبهوا فهما بسهم ومورد … ويا طالما أشوى الصوابَ وكم أظما فيا ليت هذا العيش يبدو كصورة … لعينيَّ أو خطأ على الطرس أو رسما كما تهدأ الهيجاءُ في رسم راسم … تراها فلا قتلا تراها ولا كَلْما ترى حسن إحسان وتجويد صانع … وقدرة فنان وجهداً له تما عبد الرحمن شكري
следующие страницы →