Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10851–10890 · переход к 10856.
стр. 10851
هل الحياة وإن كانت مثقفةً … سوى نفاقٍ وتدليس وإدهان
إن الحياة لسرٌّ ظلّ مختفياً … والروح أكبرُ من عقلي وعرفاني
هل كان في الأولين السابقين لنا … حقاً عبادةُ أصنامٍ وأوثان
الكذب بالحور والغلمان ذو هِبةٍ … والصدق يقصيك عن حور وغلمان
نزلت في ليلة مقرورةٍ بها … فالصدق عبّس لي والكذب حياني
الكذبُ كان بما فيه الرغادة لي … في العيش يأمرني والصدق ينهاني
إذا صدقتُ فان الناس تمقتني … وإن كذبت فان الناس تهواني
يصحّح الكذبُ ما للصدق من الخطأ … والكذب والصدق في الإنسان صنوان
وأعذب الشعر ما قد كان أكذبه … قد قال هذا قديماً كل إنسان
وطالب المثل الأعلى وإن عجزت … منه اليراع على هذا هو الباني
للنابغين شياطينٌ تساعدهم … وما شياطينهم أشباه شيطاني
إبليس أنجبَ شيطاني وأدّبه … وبالأكاذيب أوصاه وأوصاني
جميع ما فيّ أمسى تحت سلطته … إلاّ ضميري وأخلاقي وإيماني
إما مفارقةُ الشيطان لي فكما … يفارق الروحُ عند الموت جثماني
ولا يفارقني إلاّ غداة يرمي … سيري إلى العالم الباقي من الفاني
الشعرُ أنِشدُه كالشعر يقرضه … على لساني فأنّا فيه سيان
يبكي ويضحك شعري حين أرسله … إلى الجماهير من أنسٍ وجنّان
لقد جرى الشعر شوطاً في تطوّره … وظل يُبدل ألواناً بألوان
لم يكبر الشعرُ معتزاً بقوته … حتى تربيتُه طفلاً بأحضاني
ولست أرضى بسلطانٍ على أدبي … إن لم يكن ذلك السلطان سلطان
وربّ شعرٍ جميل بعد قائله … يشدو به الناس من قاص ومن دان
الشعر باللفظ والمعنى يفوق كما … يطير في الجوّ الجناحان
وأفتنُ الشعر ما قد هز سامعَهُ … بما به بثّ من وجد وأشجان
وسوف يبقى جديداً في رسالته … إلى الجماعات ما كَرّ الجديدان
بغداد
стр. 10852
جميل صدقي الزهاوي
стр. 10853
أختي
للأستاذ أحمد رامي
رزئ الشاعر الوجداني الرقيق الأستاذ رامي في أخته منذ
أسابيع فبكاها بهذه العبرات المنظومة:
أنا للحزن وما يبعث … في خيالي من تهاويل الشجن
كلما صرت بنفسي خالياً … يتبدّى من غيابات الزمن
يغرض الماضي فيسقيني الذي … ذقت فيه من أفانين المحن
يشتكي ذو الوجد ما يعتاده … ويغنى فيه مسلوب الوسن
هي أختي درجت في كنفي … ثم أمست وهي للروح سكن
عُلْتُها طفلاً على بُعد أبي … وهو نائي الدار عني والوطن
ثم دلّلت صباها فنمت … كالنبات الغضّ في ظلً الفنن
شربت طبعي وحاكت خلقي … ثم كانت هي سرّي المؤتمن
إن شكوت الدهر مما نالني … سكن القلب إليها واطمأنّ
هي أختي صبّرت نفسي على … فقد أهلي كلما ضمّ كفن
لو تذاكرنا أبي أو اخوتي … ساجلتني دمع عيني ما هَتَن
قلت ترعاني وترعى ولدي … وتربيه على قصد السِّنَن
وتواسي علّتي في وحدتي … وتناجيني إذا الليل سكن
فطواها الموت عني بغتة … في الشباب الغضّ والوجه الحسن
تركت لي مَلَكاً في صورة … من جنين واضح النور فتن
وعيون تسحر اللبّ بما … أرسلته من ذكاء وفطن
وفم حلو اللمى مبتسم … فرّ عن دّرٍ توارى واستكن
فيه منها ما يعزينَي عن … بعدها إما هفا قلبي وحنّ
وابن أختي قطعة من كبدي … أفتديه العمر روحاً وبدن
أحمد رامي
стр. 10854
صمت الشك
علم أم ضعف
للأستاذ عبد الرحمن شكري
ألا لا أُبيح العيش مدحاً ولا ذما … سكتُّ فلا عذراً نطقت ولا لوما
ولا يستقيم القول إلا لمُنْتَش … من العيش والآمال لا من صحا غما
مللت أساطير الحياة فان أُفِقْ … فمن لي بحلم قد حلمت به قِدْما
حلمت بحسن العيش والصدق والنهي … أمانُّي لا صُمًّاً تبدت ولا بُكْماَ
وإنْ لم يكن عيش الفتى حلم حالم … فما عذر قولي إن حسبت الدُّنى حلما
فان شئت كان الشك ضعفاً وخيبة … وإن شئت كان الشك منطقه علما
وإن كان أصل الوحش والناس واحداً … فَلِمْ فقدوا ظلفاً وقد كسبوا لؤما
وكيف أرى في مقبل الدهر للورى … علاء ومحيىً يجمع الخلق والفهما
إذا كان صدق الناس كذباً وفضلهم … رياء وود منهم الغدر والسما
صحوت كصحو اَلمْيت من نوم عيشه … أترجعني للعيش ألعقه رغما
كما يلعق الآسي العلي دواَءه … وإن مج منه علقما قد نبا طعما
وهل ثقة بالعيش والناس تشتري … لأّنثرها نثراً وأنظمها نظما
وإن كان مدح المرء للعيش خشية … من اليأس كان المدح من وجل دما
يسوغ بيان السخط إن كان من هوى ال - حياة وإن أغرى بك الأمل الجما
وإلاّ فإن الصمت أولى بقائل … إذا قال قولاً جدد اليأس والهما
على تافه لا ينقع الدهر غلة … ولم يك بين الناسْ ربحاً ولا غُنْما
رأيت زوالَ الكائناتِ فلا أسًى … إذا لم أُخلَّدْ لي مقالاً ولا نظما
سيحدث بعد القول قول يُذيلُه … وإن زال أقوام تجد بعدهم قوما
وما الخلد إلا غرة وطماعة … وأنبلِ كذْب يخدع اللهب والفهما
يكون الفتى في اليأس دهراً وفي المنى … (كأرجوحة بين الشقاوة والنعمى)
وقد حل بي دهر إذا ما مدحته … أظل كحاسي المر يفتعل البسما
وإنْ لم يُنِلك القول إلا مذلة … فمن بر نفسي أن ترى تركه حزما
стр. 10855
فمن شاء فلينطق ومن شاء فليكن … صموتاً فحسبي أن أرى الحمق والحلما
مللت نضال الناس في غير طائل … وإن كان شراً يصقل الذهن والفهما
وكم شبهوا فهما بسهم ومورد … ويا طالما أشوى الصوابَ وكم أظما
فيا ليت هذا العيش يبدو كصورة … لعينيَّ أو خطأ على الطرس أو رسما
كما تهدأ الهيجاءُ في رسم راسم … تراها فلا قتلا تراها ولا كَلْما
ترى حسن إحسان وتجويد صانع … وقدرة فنان وجهداً له تما
عبد الرحمن شكري
стр. 10856
القصص
صور من هوميروس
٢٠ - حروب طروادة
بريام الحزين. . .
للأستاذ دريني خشبة
تفرق القوم إلا أخيل. . .
لقد أوهنه الحزن، وشف قلبه الأسى؛ وكأن قتله هكتور لم يشف ما في نفسه من شجو، ولم يخفف عنه ما يلقه من عذاب البعد عن أعز أصدقائه. . . الفقيد بتروكلوس!
وخرج لبعض شأنه فرأى جثة عدوه في طريقه، تثير في نفسه الكوامن الشواجن، فينقض عليها كالمجنون، ويشبعها ركلا بقدمه، وكلوماً بخنجره، ويربط القدمين في عربته، ثم يلهب جياده بسوط نقمته، فتعدو كالريح حول قبر بتروكلوس، جارة وراءها جثمان هكتور، تقلبه في الأديم المندى، وتلته في التراب الهامد. . .
ويكون أبوللو مطلاً من سحابة سارية، فينتابه من الهم على صديقه ما يثير في قلبه الحنان المقدس، ويلقى درعه الذهبي على القتيل المهين، فتقيه الدرع من الصخر والحصى. . .
أما فينوس! فإنها ترف هي الأخرى فوق الجثة، وما تنفك تصب عليها من خمر الأولمب ما تنضح به من دمائها. . . وطلائها. . .
وتطلع الآلهة من ذروة جبل إيدا، فترثي لما يحل بالميت المسكين من هوان، ويلحظ أبوللو ما ينقدح من عيني سيد الأولمب من شر، فيجد فرصته، وينهض خطيباً مصقعاً كيماً يثير زيوس على أخيل. . . عسى أن يحل عليه غضبه. . . بعد إذ حماه طويلاً. . .
وينجح أبوللو في إثارة رحمة الآلهة، وتأليبهم على زعيم الميرميدون، وجعلهم إلباً عليه واحداً؛ لولا أن نهضت حيرا مغضبة، فانطلقت تدفع عن أخيل، وتذكر سادة الأولمب بهذا المهرجان الفخم الذي أقامه بليوس، أخوهم ونجيهم، هناك. . . هناك، في أعماق المحيط احتفاء بقدومهم للمشاركة في عرسه، وبنائه على ذيتيس المسكينة. . . التي يعلم الجميع أنها ثكلى. . . وإن لم تفقد بعد أخيل!!
стр. 10857
وتذكرهم حيرا بالموثق الحرام الذي قطعوه على أنفسهم أن يباركوا نسل بليوس، وأن يدفعوا عنه الضر. . . حتى تنفذ مشية ربات الأقدار.
ويحار زيوس بين سخط الآلهة، ودفاع حيرا. . . ثم يبدو له أنه ينفذ رسوله الأمين (إيريس) إلى ذيتيس الحالمة في أعماق البحر، فتوقظها، وتلقي إليها برسالة السماء. . .
(. . . أن هلمي من فورك هذا إلى سيد الأولمب. . . فانه يأمرك ان تسعى إليه في مهمة تعرفينها فيما بعد. . .)
وتنتفض الأعماق بالأوسيانيد والنربيد وسائر عرائس البحر وعذارى الماء. . . يسعين خبباً في إثر ذيتيس. . . حتى تكون في أفق جبل إيدا. . . فينثنين. . . تاركات مولاتهن في ثوبها الحريري الأسود، وزنارها القاتم الحزين، تسعى وحدها حتى تكون فوق الثبج، ومن ثمة تعرج في الأديم الأزرق حتى تلج أبواب السماء. . .
وألفت حشد الآلهة ما يزال يتحاور، وما يزال أبوللو يحاج حيرا وحيرا تقرعه، حتى نظر زيوس فرأى ذيتس تتهادى في طليانها الأسود، ووجها المشرق المترع بالمفاتن يزيده الحزن روعة، ويضفي عليه الأسى جلالاً. . . فتبسم سيد الأولمب، واهتز فوق العرش، ثم قال: (مرحبا ذيتيس! فيم هذا الأسى يا فتاة! آه. . . مسكينة. . .! ولكن أصغى إلي: لقد دعوتك إلى الأولمب لتذهبي برسالتي إلى أخيل العزيز، فتوصيه بجثة هكتور؛ لقد أثار بما ينزله بها من هوان غضب الآلهة جميعا. . . بل قد أثار غضبي أنا أيضاً. . . أنا. . . حاميه ومنقذه ومرشده في كل مثار نقع. . . اذهبي إليه فأمريه أن يقلع عن هذه المثلة، فانه لا شيء يحنق الآلهة مثلها. . . وليسلم القتيل لأهله، فهذا خير له، وليقبل القَوَدَ العظيم الذي يقدمه إليه بريام الملك الشيخ الحزين. . . الذي حطمه الرزء، وعظمت عليه البلية، وصدعت قلبه المصائب. . . أما نحن. . . فسننفذ إيريس إلى طروادة تأمر الملك بإعداد القود والتجهز للقاء أخيل في معسكره. . . وسنرسل ولدنا هرمز إلى بريام يحدو ركبه إلى معسكر أخيل، ويعمى أبصار الميرميدون حتى لا يثوروا به، وحتى يكون أمام زعيمهم وجها لوجه. . .
(ذيتيس! حسب أخيل ما حل بابن بريام. . .)
وهمت ذيتيس فانطلقت إلى ولدها، حيث ألفته يتناول وجبة الصباح، فأبلغت إليه الرسالة
стр. 10858
الأولمبية وعيناها تفيضان بالدمع، وقلبها يخفق ويضطرب، ونفسها تذوب على شبابه الغض حسرات. . .
وهش أخيل لأمه، وتقبل رسالة الإله الأكبر قبولاً حسناً، فنهضت ذيتيس وعادت أدراجها، بعد إذ طبعت على جبين ولدها قبلة خاطفة، كانت. . . وا أسفاه. . . آخر وداع منها له في الحياة. . .
وانطلقت إبريس إلى بريام الملك، فوجدته ما يفتأ يبكي هكتور، ومن حوله أبناؤه التسعة، خضراً كأفراخ القطا، نضرا كأكمام الزهر، والرجل مع ذاك يقلب فيهم عينين تفيضان حسرة، ووجهاً يتشح باليأس والهم. . . وإلى جانبه جلست هكيوبا المرزّأة تئن وتتفجع، وترسل من أعماقها زفرات الهم والأسى. . .
وبلغته إيريس رسالة ربه، وعادت أدراجها إلى الأولمب؛ وما كاد الملك يخبر زوجه بما أوحى إليه من ربه، حتى اضطربت هكيوبا وأعولت، وطفقت تضرب صدرها لتهدم بيديها الوانيتين لما اعتزم زوجها من تنفيذ ما أشارت به السماء، والذهاب إلى أخيل يرجوه أن يهب له جثمان هكتور، خشية أن يأسره زعيم الميرميدون ويستبقيه عنده رهينة حتى يسلم الطرواديون. . .!
ولكن الرجل كان مؤمناً حتى لا يتسرب إلى قلبه الشك بما رسمت له الآلهة، أو يساوره ريب في أي مما تشير به أربابه؛ فزجر الملكة، ونهض إلى خزائنه العامرة بالتحف فتخير أثنى عشر قرطقا من أغلى ما نسجت مصر، ومثلها من المعاطف المصنوعة من القاقم والسنجاب، وعدداً كبيراً من الوسائد الرائعة والطنافس ذات التصاوير؛ ثم أمر بعشر؟؟؟ فأحضرت من بيت المال، وبدستين كبيرين من الذهب، ذوى قوائم من الفضة، وأيد من الجوهر؛ وبأربعة قدور مهداة من ملوك الشرق، أحدها يزن بما يملأ خزائن بن بليوس ذهباً. . . وبكأس من الإبريز الخالص بها من النقوش والصنعة ما يعجز عن مثله عباقرة الجن. . .
أمر بريام بكل أولئك فوضعت في صناديق كانت هي الأخرى تحفاً من صناعات مصر والشام والهند. . . تهيم فوقها تصاوير فارس. . .
وصاح بأبنائه التسعة فهرعوا من كل مكان. . باريس المشئوم وهيلانوس واجاثون؛
стр. 10859
وبامون وأنتيفون وبوليت؛ ثم ديفوبوس وهيوثوس وديوس. . . كلاب الأزقة كما كان يدعوهم أبوهم. . . (ليت المنية التي تخطفت هكتور تلقفتكم وخلت سبيل هكتور. . . أوليتها أصابت ألف ألف من أمثالكم وعميت عن ليكاون وبوليدور. . .؟)
وأمرهم فرتبوا الهدايا ورفعوها فوق ظهور البغال. . . وما ثقل منها وضعوه في عربة كبيرة يجرها بهيمان؛ وتقدمت هكيوبا فصبت على يدي زوجها خمراً يطهر بها، وأخذ هو في صلاة طويلة لزيوس. . . أن يحميه ويوقيه. . . ويرشده في طريقه إلى أخيل؛ ويرسل إليه الرسول الذي وعد، يقوده إلى فسطاط زعيم الميرميدون!!
ولم يكد ينهض من صلاته، ويختم توسلاته؛ حتى رف فوقه طائر ظل يضرب الهواء بخافيتيه، ويهوّم ويدوم، ويرنق في سماء الهيكل تارة، ثم يستقر عند المذبح أخرى، حتى أيقن الملك وملؤه أنه الرسول المنتظر، والقائد المنشود فخفقت قلوبهم، وفرحوا واستبشروا.
وتقدم إيديوس الحكيم فألجم البغال، وأسرج الخيل، وشد البهائم إلى عربة الملك، وأقبل بريام فركب، وأصدر أمره إلى حكيم طروادة وفيلسوفها فسار بين يدي الركب، يحدوه ويباركه ويضمن له رعاية السماء.
أما الطائر الميمون فقد انتفض انتفاضة هائلة، وراح يحلق فوق طروادة،. . . ثم غاب عن الأبصار. . . إلى أين. . .؟ إلى حيث لا يدري أحد!!
وتهادى الركب. وانطلق إيديوس يحدوه، حتى كان عند مقبرة إليوس الأكبر، وحتى كانت طروادة الخالدة وراءهم، حالمة في غبشة المساء ساهمة مستسلمة، كالفكرة الشاردة في دماغ الشاعر الغرير.
وغابت الشمس في مياه الهلسبنت، واختلط البنفسج الشاحب بسواد الليل، ونقت ضفادع الأبالسة في فضاء البرية، فملأت القلوب وحشة، وأرسلت في المفاصل رعدة، فلم يكن بد من أن ينيخ القوم حتى يأذن القضاء بالرحيل.
وفيما كان إيديوس يسقي الدواب من الغدير النائم في كِلَّة الغسق، إذا شاب يافع يقبل نحوه ويسأل عن الملك. . . ويكون بين يديه بعد لحظات. . .
ويسأله الملك عن شأنه فيحدث أنه جندي آبق من جنود أخيل، وأنه ينصح الملك ألا يجازف بنفسه وبما يحمل من اللُّهى والعطايا في هذه الرحلة المهلكة، التي قد تنتهي بما لا
стр. 10860
يدور للملك في خلد، أو يقع له بحسبان؛ ولكن الملك يبدي تصميمه ويلح في سؤال الشاب عن هكتور. . . (أما يزال مسجى بين يدي أخيل يشفى بمرآه حرده، أم هو قد أسلمه للسباع وجوارح الطير تنوشه وتغتذي به؟. . .) ويطمئنه الشاب اللعاب الداهية ثم يرثى له فيعده أن يكون قائده إلى فسطاط أخيل. . . (لأن أحداً من الناس لا يستطيع أن يخترق صفوف الميرميدون الدواهي ما لم يكن مخاطرا بنفسه، أو ملقيا بيديه إلى التهلكة. . .) ويستسلم الملك الشيخ، ويلقي في يدي الجندي الشاب بزمامه، ويأذن له فيمتطي الجواد الأمامي الذي يتقدم سائر الدواب. . . وتبدأ الرحلة إلى مرابض الميرميدون. . .
ويتحدث الشاب إلى الملك، ويتحدث الملك إلى الشاب. . . حتى إذا كانا قيد خطوات من معسكر أخيل، مد الشاب ذراعيه المفتولين، ولفهما حول جذع الملك، ثم رقاه رقية قصيرة، وإذا سأله الملك عما يبتغي بها أنبأه. . . (كي لا تمتد إليك عين ولا يلمحك أحد، ولا يحس بمسرانا أي من أولئك الميرميدون. . .) فيسكن جأش بريام الشيخ، ويطمئن قلبه، وتتضاعف ثقته في الجندي الشاب. . .
ويكون فسطاط أخيل تلقاءهما!
فينهض الشاب من جانب الملك، ثم ينتفض انتفاضة تكشف عن حقيقة، ويقول ضاحكاً: (أيها الملك أنت الآن في جوار أخيل، وعليك أن تلقاه في غير هيبة ولا وجل، فادخل غير مستأذن، ولتكن رابط الجأش ساكن الروع، واركع بين يديه ثم ازرف أغلى دموعك حتى تلين ما قسا من قلبه، وتحجر من مشاعره، واذكر له حاجتك فانه راد عليك جثمان هكتور. . . وثق أن السماء قد قضت بذلك، ولا مرد لقضائها. . . أما أنا. . . فلا تنتظر أن أسعى بك إلى زعيم الميرميدون. . . وليس سراً أن أذكر لك أنني. . . هرمز. . . أرسلني أبي إليك لأجيء بك إلى هذا المكان. . . انهض. . . انهض. . . ماذا أخافك مني؟. . . أجل. . . أنا ربك. . . ولكن لتقصر صلاتك هذه، فالفرصة تكاد تفلت. . . تشجع يا بريام. . . قف. . . آمرك)
وينهض الملك من غشيته التي كادت تذهب به حين ذكر له الشاب أنه هو هرمز. . . هرمز نفسه الذي ذكره له إيريس أنه سيقوده إلى فسطاط أخيل. . .
وينظر بريام فيرى إلى. . . الجندي الشاب. . . يرف في الهواء المندى، ثم يرتفع
стр. 10861
ويرتفع، حتى يكون في السماء التي تتفتح له أبوابها!؟. . .
ويصلح الملك من شأنه، ثم يتقدم بخطى وئيدة إلى فسطاط أخيل، ويدخله. . . ويرى زعيم الميرميدون في الصدر، وبين يديه وزيراه العظيمان أوتوميدون وألكيموس، ثم قادة الجند منتثرين ههنا وههنا. . . يهمسون ولا يكادون يبينون. . .
وكان السماط ما يزال أمام الزعيم، وزقاق الخمر ما تزال تقبل الكؤوس المغرمة، والشواء العظيم يملأ الخياشيم بقتاره. . . فلم يبال بريام. . . بل تقدم وتقدم. . . حتى كان أمام أخيل. . . فركع ذاهلاً عن نفسه، ولف ذراعيه حول ساقي الزعيم، وراح يوسعهما لثماً وتقبيلاً، ويمطرهما بأحر العبرات!. . .
وشده أخيل!. . .
بيد أنه كان يعلم من أمر هذه المفاجأة كل شيء، فلم يزد أن قال: (بريام!؟)
- (أجل يا بني أنا بريام!!. . .)
وبهت القادة مما رأوا، وأذهلهم ما سمعوا!. . .
أهذا حقا هو بريام ملك طروادة يبكي بين يدي أخيل وينتحب؟. . . إذن. . . فيم هذه الحرب؟. . . وختام ذاك الصراع؟. . . وإلام تذهب هذه المهج؟. . .
- (أجل يا بني. . . أنا هو. . . أنا الرجل المرزأ المحزون الذي قتلت أبناءه، وهرقت دماءهم لأنهم يحاربون من أجل وطنهم، ويذودون عن بلادهم. . . سعيت إليك. . . إليك يا أخيل العظيم، لأمطر هذه اليد التي ذبحتهم بدموعي، ولأوسعها لثماً وتقبيلاً؟!
أتمنى يا بني أن تعود قريباً إلى أبويك سالماً، فيهش أبوك للقائك، وتبش أمك لعناقك، ويفرح ذووك بك، لأنك عدت إليهم بالنصر والفخر. . . أستغفر الآلهة، بل عدت إليهم سالماً من نكبات الحرب وكوارثها. . . فهل أكون قاسياً أن أرجوك. . . حين تعود إلى ديارك وتلقى فيها أحباءك. . . أن تذكر أن أبوين آخرين قد خلفتهما وراءك يشقيان ويبكيان، ويلبسان السواد أبد الدهر، لأن أبناءهما لم يعودوا من ساحة الحرب كما عدت أنت، بل هم قد سقطوا فوق أديمها، مضرجين بدمائهم، شاكين إلى أربابهم ما حل فيها بهم، تاركين آباءً شيوخا فانين، وأمهات ضعيفات معولات، وقلوباً تتفجر أسى عليهم، وعيونا تختلط دموعها بدمائها من أجلهم، وأرامل يلطمن الخدود ويشققن الجيوب، ويتامى لا حول
стр. 10862
لهم ولا قوة على الزمان الغادر، والحظ العاثر، والصبر الجميل. . .؟. . .
هل أكون قاسياً يا بني إذا رجوتك أن تذكر ذلك أو بعض ذلك، حين تعود إلى ديارك وتلقى أبويك الفرحين بك؟. . .
أخيل! لم أسع إليك يا بني إلا بأمر الآلهة، ووحي سيد الأولمب. . . أرجوك في هكتور. . .!. . .
وأحر قلباه يا هكتور. . .! وا أسفاه عليك يا ولدي!. . .
صدرت إليك يا أخيل عن أمر السماء أرجوك في هكتور أن تسلمه إلى حتى نؤدي له فرائض الآلهة، وطقوس الموت، وما أحسبك إلا ملبياً ندائي الحزين، حتى تتيح للآلاف المؤلفة من جنوده وذويه وزوجه وابنه أن يبكوا جميعا عليه، وأن يشيعوه إلى الدار الآخرة بما رضيت أن تؤديه لبعض أصحابك، حتى تقر روحه، ويؤذن لها فتلج إلى هيدز. . .
أخيل. . . لب ندائي أيها الزعيم الباسل. . . لب نداء هذا الشيخ الضعيف،. . . وارحم فيه هذا الذي حمله إليك. . . وأسعده بتقبل هذه الهدية التي أمرت بها السماء. . . وإن تكن يا أشجع المحاربين في غَنَاء عنها، ولا حاجة بك إليها. . .)
وأحس أخيل كأنما تخاطبه السماء كلها بلسان هذا الشيخ المتهدم، وكأنما الآلهة جميعا تنطلق من فمه لتكون بياناً ورحمة في قلبه، فأنهضه من بين يديه، وأجلسه إلى جانبه فوق أريكته ثم أخذا معاً في بكاء حار طويل.
وتقبل أخيل هدايا الملك، وأشار إلى اوتوميدون وزميله فأخذاها إلى الأسطول، ثم أمر الخادمات فغسلن هكتور بالماء الساخن المعطر بدهن الورد، ولففنه في مدارج بأكملها من كتان مصر، وتقدم هو فوضعه على وسادة الموت، وأشار إلى جنوده فرفعوه إلى إرانه، ثم أخذ يهون على بريام ويواسيه، ودعاه إلى تناول العشاء معه، فلبى الشيخ وهو يعول ويبكي. . . بكاء يفتت الأكباد ويذيب نياط القلوب. . .
وكان الليل قد انتصف أكاد، وكان بريام الملك قد لبث الليالي الطوال يتفجع على ولده، ولا يذوق جفنه طعم الكرى فأحس بعد العشاء بإعياء وجهد، وميل شديد إلى النوم، فصفت له ولرجاله وسائد فاخرة، عليها طنافس وملاءات من الهند، واستأذن أخيل واستلقى على متكئه. . . وقبل أن يسلم عينه للكرى، سأله أخيل أن تكون هدنة بين الجيشين المتحاربين
стр. 10863
حتى تؤدي كل الطقوس اللازمة لتحريق هكتور؛ واتفقا على أن تكون هذه الهدنة لمدة أحد عشر يوماً.
وفي الهزيع الأخير من الليل، أقبل هرمز الكريم فأيقظ بريام الملك، ونبهه إلى الخطر الذي يحيق به إذا أشرقت الشمس وأقبل أجاممنون وسائر القادة الهيلانيين ورأوا كبير أعدائهم، وصاحب إليوم، في معسكر أخيل. . . هنالك يحجزونه لديهم رهينة حتى تسلم مدينته. . . (فهلم أيها الملك وانج بنفسك، وسأقودك إلى طروادة بحيث لا يشعر بك أحد، ولا يحس الميرميدون لركبك رِكزاً. . .)
ويسير الركب في هدأة الفجر، ويحدو هرمز القافلة حتى تكون لدى البوابة الاسكائية الكبرى، فيسلم على الملك ويبارك الميت. . . ويعرج في السماء. . .
وتكون كاسندرا، ابنة بريام الكبرى، أول من يلمح الركب مقبلاً، فتبشر الأهالي المحزونين، ويرتفع اللغط، وتشتد الضوضاء، ويتكبكب المواطنون حول العربة تحمل الأران حتى ليتعذر السير، ويبطئ السعي، فيصيح الملك بالملأ، فتنفرج الطريق، ويعم الصمت، ولا يحس إلا وجيب القلوب وخفقانها.
وتقبل أندروماك فتذرى دموعها، وتندب حظها، وتبكي زوجها، وتمزق قلوب الطرواديين بما يبدو عليها من أسى وحزن ووجد وكمد. . .
وأم هكتور!. . . ويا لمصاب الأمهات في فلذات أكبادهن، وأعز الأبناء عليهن!!. . .
وهيلين!! والعجيب أن تبكي هيلين هي الأخرى!! هيلين الآبقة. . . هيلين الأثيمة. . .!!
ويأمر الملك فينتشر الجند يجمعون الوقود من كل فج، حتى تكون كومة عالية؛ ويوضع الجثمان المبكي فوقها، وتصب الخمر تحية لآله الموت وتكرمة، وتشتعل النار فتكون ضراماً. . .
أنشد يا هوميروس!
يا شاعر الأحقاب الخالية!
يا صدى الزمان القديم!
أيها القيثارة المرنة في أنامل الأيام!
أرسل من الأزل أنشودتك تملأ الأسماع في الأبد!
стр. 10864
واعصف مع الريح. . .
واهتف مع البلابل. . .
وتقبل تحيات المعجبين. . .
(تمت الإلياذة)
(بقية الحروب في العدد القادم)
دريني خشبة
стр. 10865
البريد الأدبي
ترجمة لكير هاردي
منذ أكثر من قرنين يتناوب الحكم في بريطانيا العظمى حزبان عظيمان هما المحافظين وحزب الأحرار؛ ولكل من الحزبين في ميدان الكفاح السياسي مواقف وتقاليد عريقة؛ ولكن حزباً ثالثاً ظهر فجأة في ميدان السياسة الإنكليزية هو حزب العمال؛ وكان ظهوره إيذاناً بوقوع الثورة الاجتماعية التي لبثت أسبابها تجتمع طوال القرن التاسع عشر؛ وظهر حزب العمال ونما بسرعة مدهشة، ولم يمض على قيامه نحو ثلاثين عاماً حتى استطاع أن ينتزع مقاليد الحكم من الحزبين القديمين الكبيرين (سنة ١٩٤٢)، ثم تولاها مرة أخرى في سنة ١٩٢٩
وقد كان كير هاردي من أقطاب مؤسسي هذا الحزب الجديد ومن أعظم الزعماء الذين أمدوه بأسباب الحياة والقوة؛ وحياة هذا الزعيم المجاهد هي موضوع مؤلف جديد صدر أخيراً بالإنكليزية بقلم هاملتون فايف، وهي مثل رائع من صور الكفاح الخالد بين الطبقات. كان كير هاردي عاملاً منذ نعومة أظفاره، وقد نشأ في بيت فقر وبؤس، وذاق مرارة الكفاح الشاق منذ طفولته، ولم يتلق تعليماً ولا ثقافة، ولكنه تعلم القراءة في منزله، وصقل ذهنه بالدرس المتواضع، ودرس الحياة بصورة عملية، وظهر في مجتمع العمال منذ حداثته، واشتهر بكفاحه في سبيل قضية العمال. وفي سنة ١٨٩٢ أسس كير هاردي مع نفر من صحبه الحزب الذي قدر له أن يتبوأ بعد قليل مركزاً خطيراً في السياسة البريطانية وهو حزب العمال المستقل؛ وكان هو أول رئيس لهذا الحزب؛ وفي نفس العام دخل البرلمان نائباً عن إحدى المناطق الصناعية، وكان دخوله في هذا المجلس العريق في مظاهرة اشتهر ذكرها في هذا العصر؛ ولبث كيري هاردي يسهر على مصاير حزبه وعلى مصاير قضية العمال، ويبث روح الكفاح والقوة في الحزب الجديد، تارة بقلمه وتارة بخطبه، حتى أصبح حزب العمال قوة يخشى بأسها. وفي سنة ١٩٠٦ كان لحزب العمال في مجلس النواب زهاء ثلاثين مقعداً؛ وبدأ الكفاح الحقيقي بينه وبين الأحرار والمحافظين، وبدأت الحكومات البريطانية المتعاقبة تحسب حسابه، وتنزل عند مض رغباته، وما زال سائرا في طريق الكفاح الاجتماعي حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم من القوة والنفوذ.
стр. 10866
على أن الكفاح السياسي لبس أغرب صفحة في حياة كير هاردي، ولعل أغرب ما في هذه الحياة هو ما تميزت به حياة هذا المجاهد من بسالة ومقدرة على مغالبة الشقاء والفاقة، وما بذله من عزم وجلد. هنا تبدو حياة كير هاردي بديعة مؤثرة؛ ولعل أحدا من الناس لم يصف في هذه الحياة المؤثرة بقدر ما وصفها كير هاردي نفسه، فقد كتب كثيرا في متاعب هذه الحياة وشقائها. ومما يذكر أنه في صباه تأخر ذات يوم بعض الوقت عن عمله، فطرده صاحب العمل، وكان أبوه عاطلا وأخوه يعاني الحمى، ولم يكن لأسرته عائل غيره. وقد وصف لنا كير هاردي فيما بعد هذا المنظر المحزن فيما يأتي:
(لبثت مدى حين أتجول في الشوارع تحت وابل المطر المنهمل، خجلاً من أن أعود إلى بيت لا طعام فيه ولا وقود؛ وأسائل نفسي دهشا أليس أفضل شيء أن ألقي بنفسي في نهر (كلايد) وأنتهي من حياة كهذه ليس فيها ما يرغب؛ وأخيرا ذهبت إلى الدكان، وقابلت صاحبه وأوضحت له سبب تأخري، ولكني لم أظفر منه بطائل. ولم يدفع لي أجري؛ وإني لأرتجف الآن ويتفطر قلبي كلما ذكرت الحادث؛ ومازلت أرتد إليه وأرتد على أجنحة الخيال، وتصور أنه في نفس الليلة كان ثمة آلاف من التعساء يعانون مثل هذا العذاب؛ وهي فكرة لا يطيق الإنسان احتمالها).
ويصف لنا مستر هامستون فايف حياة كير هاردي المؤثرة في جميع أطوارها؛ وإنها لقصة مؤثرة مبكية من الكفاح في هذه الحياة الشاقة؛ ثم هي في نفس الوقت صورة رائعة من البسالة وقوة النفس، والصبر على المكاره، وعظمة البؤس التي تحمل على الاحترام والإكبار.
وكان كير هاردي صحفياً وكاتباً، وقد كتب كثيرا عن الاشتراكية وتحرير الطبقات العاملة، وتوفى في سنة ١٩١٥ دون الستين من عمره، بعد أن نفث في حزب العمال كثيراً من روحه القوى الوثاب.
وثائق هامة عن حياة زعيم مسلم
من أنباء موسكو أن بعض الباحثين في محفوظات الدولة قد عثروا أخيراً على طائفة من الوثائق والرسائل الهامة التي تلقى أقوى الضياء على سياسة القياصرة نحو مسلمي القوقاز في أواخر القرن الماضي، وعلى حياة شاميل الزعيم القوقازي المسلم الشهير، وعلى
стр. 10867
علاقات مسلمي القوقاز بإخوانهم في تركيا وبلاد العرب وفارس. ويرجع الفضل في اكتشاف هذه الوثائق إلى جهود المعهد الشرقي الروسي؛ وقد كتبت كلها في عصر شاميل واليه بالعربية؛ ومعظمها رسائل أصلية وجدت في بعض محفوظات تقليس وجروزني، وعددها خمس عشرة وثيقة؛ وينتظر أن تنشر بنصها الأصلي خلال انعقاد المؤتمر القادم للمباحث الشرقية.
وقد وجدت إلى جانب هذه الوثائق طائفة من المخطوطات والكتب الأدبية ترجع أيضا إلى عصر شاميل؛ ومنها مؤلف تاريخي وضعه الزعيم شاميل نفسه بالاشتراك مع صديقه وزميله محمد طاهر؛ وهو الآن في المعهد الشرقي قيد البحث والإعداد للنشر. واكتشاف هذه الوثائق والمؤلفات يعدل كثيراً من الوقائع والآراء التي جرت حتى اليوم في شأن علائق القوقاز المسلمة بحكومة القياصرة، وكفاحها ضد مظالمهم، والتي استقيت معظمها من أقوال ووثائق رسمية مغرضة، ويلقي في نفس الوقت ضياء كبيرا على حياة شاميل زعيم القوقاز المجاهد وعلى حسن بلائه في مقاومة سياسة القياصرة، وفي بث روح الوطنية والعزة القومية والدينية في بني وطنه ودينه.
حول كتاب (الإسلام الصحيح)
ألف هذا الكتاب الأستاذ إسعاف النشاشبي منذ أشهر، وكتب عنه في (الرسالة) الأستاذ محمد كرد علي منذ أشهر؛ ثم درجت عليه الأيام دون أن تتاح لنا الفرصة لقراءته؛ ومنذ أسابيع أخذت مجلة (العروبة) تنشر منه فقرات تتصل بالشيعة أخطأ التوفيق فيها المؤلف، فثار على الكتاب والكاتب النقد العنيف من النبطية والنجف، وعاتب بعض فضلاء الشيعة (الرسالة) على قبولها تقريظ هذا الكتاب. والرسالة التي تدعو إلى اتحاد الأمة العربية وائتلاف الملة الإسلامية تبرأ إلى الله من سوء النية فيما نشرت؛ إنما هو رأي أستاذ كبير في كتاب قرأه ولم تقرأه؛ وكل مقال تنشره بإمضاء كاتبه إنما تكون تبعته عليه لا عليها.
ضريح ابن الأثير في الموصل
يشغل ضريح العلامة ابن الأثير بقعة صغيرة من الأرض خارج الموصل على شارع الحزامية المؤدي إلى المستشفى الملكي؛ وقد راع بعض الأفاضل حاله السيئة ففكر في
стр. 10868
تشييد ضريح غيره يليق بشهرة صاحبه ومكانته في التاريخ العربي؛ وهو عمل جليل نرجو أن تساهم فيه إدارة الأوقاف وإدارة الآثار في العراق؛ فان من حق الذين أولونا الفضل في الحياة، أن نوليهم الإجلال في الموت.
الدكتور الرافعي
عاد من أوربا منذ قريب، الدكتور محمد الرافعي، نجل صديقنا الأديب الكبير الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، بعد أن أتم دراسة الطب بجامعة ليون، وكان مبعوثاً إليها على نفقة جلالة الملك، تقديراً لنبوغه وكفايته.
وقد كان الدكتور الرافعي في دراسته، وفي رسالته لنيل الدكتوراه، وفي درجاته العلمية التي حصل عليها، مفخرة مصرية ودعاية ناطقة للشباب المصري في أوروبا.
وحسبه أن يعلن رئيس جامعة ليون في اجتماع لجنة القضاة المحكمين لمناقشة رسالة الدكتور الرافعي: أن هذه الرسالة تعتبر أماً لجميع الرسائل والكتب والمؤلفات التي وضعت في بابها من سنة ١٩١٠ إلى الآن، وأنها جاءت بالحل الأخير لمناقشات كادت لا تنتهي. وكان الدكتور الرافعي قد اكتشف مرضاً مما يصيب الأطفال لم يتنبه إليه أحد، ووضع له اسماً خاصاً به.
وقد منحته الجامعة درجة (جيد جداً)، مع (درجة تقدير القضاة)، و (مبادلة الرسالة لجميع الجامعات الأجنبية). وهي درجات رفيعة حقيقة منا بأن نتقدم إليه وإلى والده الكريم بالتهنئة فخورين معجبين.
بعض آراء الزملاء في الرسالة
لا تزال تنثال على (الرسالة) تهنئات الأصدقاء من مصر وسائر الأقطار العربية على دخولها في عامها الرابع؛ وهي تشكر لهم هذا العطف الجميل، وترجو أن تظل من توفيق الله على الحال التي يرتضيها الحق والجمال والخير؛ ثم تثبت هنا بعض آراء الزملاء الفضلاء فيها تسجيلا للوفاء منهم وللشكر منها:
قالت الجهاد الغراء في عددها الصادر في ٨ يناير سنة ١٩٣٦:
دخلت زميلتنا (الرسالة) الغراء في عامها الرابع، فحق لصاحبها الأديب الضليع الأستاذ
стр. 10869
أحمد حسن الزيات أن يغتبط بما أصاب في رسالته من نجاح، وما كتب لجهوده الصادقة من توفيق ونحن إذ نقول التوفيق لا نشير فقط إلى ما لقيت (الرسالة) من ذيوع في مصر وفي سائر الأقطار العربية، وإنما نشير إلى السبيل التي سلكها الأستاذ الزيات بمجلته، حتى بلغ بها هذا النجاح الذي يغتبط به كل ذي غيرة على الأدب العربي، فهو لم يسلك إلى النجاح واجتذاب الجمهور تلك السبيل الممهدة الرخيصة وهي النزول إلى مستوى العامة واقتناص الربح منهم بأرخص المغريات، ولكنه تطلع في عزم وإيمان وهمة لا تحد نحو غاية أسمى، وتصدى لمهمة أنبل وأكرم، فراح يرفع الجمهور إلى المستوى الذي يحبب إليه الأدب الصافي القويم.
وقد سلخت (الرسالة) ثلاثة أعوام لم تنثن فيها عن تحقيق هذه الغاية، بل لقيت من النجاح ما حفزها إلى المثابرة والمضي فيما سلكت من سواء السبيل.
فللصديق القدير تهنئتنا الخالصة ولمجلته اطراد التوفيق والنجاح
وقالت (البلاغ) الغراء في عدد ٨ يناير سنة ١٩٣٦:
أتمت مجلة الرسالة لصاحبها ومحررها الأديب الكبير الأستاذ أحمد حسن الزيات سنتها الثالثة، ودخلت بالعدد الأخير منها في عامها الرابع من عمرها الطويل المبارك إن شاء الله. والرسالة تؤدي مهمة ثقافية سامية، وتصل ما بين الأقطار العربية، وتسمو بالأدب عن التجارة، وتحرص على الرفعة والجد، وهي تمثل في الأدب المذهب السديد الذي يزاوج بين القديم والجديد، فلا يهمل القديم من كنوز الآداب ولا سيما العربية لقدمها، ولا يفتتن بالحديث لطرافته؛ ومن هنا كانت (الرسالة) كاسمها (رسالة) حقيقية إلى أمم العرب قاطبة، ولهذا فازت بحقها في كل قطر من الأقطار العربية من التقدير والإكبار. فنهنئها بعامها الجديد، ونشكر لزميلنا وصديقنا جهده الصادق المخلص في خدمة العربية والأدب الرصين.
وقالت روز اليوسف اليومية في عددها الصادر في ٧ يناير سنة ١٩٣٦:
دخلت زميلتنا (الرسالة) الغراء في عامها الرابع مزودة بما قدمت لقرائها بل الأدب العربية من خدمات سيرويها التاريخ فخورا بها. وسترى فيها الأجيال القادمة مرآة صادقة للمثل الأعلى في ثقافة هذا الجيل وأدبه.
وإذا كانت (الرسالة) باعتراف قادة الفكر رسول العلم والأدب إلى العقول، فهي باعتراف
стр. 10870
قرائها الذين أقبلوا عليها طوال هذه السنين رسول الروح المهذبة والعقلية المؤدبة والعاطفة الملهمة، تحمل إلى رواد الأدب والعلم والشعر كل رائع وكل بديع.
وإذا كان واجبا علينا أن نهنئ حضرة الزميل الكبير الأستاذ أحمد حسن الزيات بدخول الرسالة في عامها الرابع فأوجب من هذا أن نهنئ القراء بما سيقرءونه في العام الجديد بين صفحات الرسالة في عامها الجديد.
فهنيئا لزميلنا الكبير رسالته النبيلة، وهنيئا لقرائه ما سيقرءون
وقالت المقطم في عدد ٨ يناير سنة ١٩٣٦:
دخلت مجلة الرسالة الغراء في عامها الرابع بعددها الأخير وقد حفلت مجموعات سنواتها الثلاث بطائفة طيبة من الأدب العربي الصافي المورد، فكانت مسرحا لأقلام فحول أدباء هذا العصر من المحافظين على متانة الأدب العربي القديم، والناهلين من أدب الغرب الحديث، من أدباء مصر وسورية والعراق وغيرها، فنهنئ حضرة الزميل الفاضل الأستاذ احمد حسن الزيات صاحب الرسالة الغراء ونتمنى لرسالته ذيوعاً وانتشاراً حتى يشمل نفعها أكبر عدد من أدباء العرب الذين قدروها قدرها وعرفوا لها منزلتها.
وقالت الأهرام في عدد ٨ يناير سنة ١٩٣٦:
دخلت مجلة (الرسالة) الغراء في عامها الرابع وهي المجلة الأسبوعية للآداب والعلوم والفنون لصاحبها ومديرها ورئيس تحريرها الأديب المعروف الأستاذ أحمد حسن الزيات. وقد برز العدد الجديد في صدر هذا العام بحلة قشيبة تدل على ازدياد العناية بها. وهو يضم مقالات طريفة وقصائد متينة السبك لبلغاء الكتاب وفطاحل الشعراء في موضوعات متنوعة لا تخرج عن الخطة التي نهجتها منذ إنشائها وتنطبق على الحاجة التي تشعر بها الأمة في موقفها الحاضر: فنهنئها ونتمنى لها اطراد التقدم.
стр. 10871
النقد
رد على نقد
٢ - كتاب تاريخ الإسلام السياسي
للدكتور حسن إبراهيم حسن
مؤلف الكتاب
ص٣٩٨ - يزعم حضرة الناقد أننا قد اتبعنا رأى نيكلسون في أمر انتصار معاوية، وفي أن المسلمين اعتبروه انتصاراً للأرستقراطية الوثنية التي ناصبت الإسلام العداء.
وهذا الزعم غير صحيح، فإننا بنينا هذا الرأي على مقدمات صحيحة رواها ثقاة المؤرخين عن جمهرة المسلمين في القرن الأول الهجري. وهذا علي بن أبي طالب يقول في معاوية مخاطباً أصحابه: (انظروا إلى من يقول كذب الله ورسوله. إنما تقاتلون ابن رأس الأحزاب وابن آكلة الأكباد من قتلى أحد. وإنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء ممن أسلم كرها وكان للرسول حربا وكان عن الدين منحرفاً). ربما تقول إن كلام علي لا ينهض حجة في رأي جمهور المسلمين حيال معاوية وشيعته، وإن التنافس في الحكم يدعو إلى أكثر من ذلك، فإن هذا القول في معاوية لم ينفرد به عليّ، فهؤلاء كبار الصحابة والتابعين يرددون هذا القول بل أشد منه. وهذا قيس بن سعد يقول للنعمان بن بشير (انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقاً أعرابياً أو يمانياً مستدرجاً. وانظر أين المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك ولستما والله بدريين ولا عقبيين ولا لكما سابقة في الإسلام ولا آية في القرآن)، وقول ابن عباس: هذه الحرب بدأها عليّ بالحق وانتهى فيها إلى الغدر؛ وبدأها معاوية بالبغي، وانتهى فيها إلى السرف)، وهذا أبو حمزة الخارجي يقول في خطبته: (معاوية لَعِين الرسول وابن لعينه، وجلف من الأعراب، وبقية من الأحزاب، مؤتلف طليق، فسفك الدم الحرام، واتخذ عباد الله خولاً، ومال الله دولاً، وبغي دينه عوجاً ودغلاً. . . الخ).
لم نذكر هذه الأقوال معتقدين بصحتها كلها في معاوية، إذ رأينا الشخصي أنه مسلم عظيم خدم الإسلام خدمات جليلة، ولكنا اضطررنا إلى ذكرها لنبرهن على أن من استندوا إلى
стр. 10872
رأي نيكلسون وجدوا في هذه الأقوال بعض المبررات لما ذهبوا إليه
وليت الناقد راجع تلك الأقوال التي تفيض بها المصادر التاريخية ليعرف أننا نعني بقولنا جمهور المسلمين، فيريح نفسه ويريحنا أيضا من هذا التعليق الطويل.
ص٣٤٠ - كان خيراً للناقد ألا يرجع إلى هذه الصفحة بعد أن تركها عمدا أو سهوا - لا أدري - ويظهر أن شغفه بالتنقيب وتحميل اللفظ فوق ما يستحق، واستخراج ما توهمه مؤاخذة، هو الذي حمله على عكس الدورة ومعاودة المراجعة لهذه الصفحة بعد أن تركها في أول مرة. ولينظر القارئ إلى ما قال عنها بعد أن أرجع البصر كرتين: إنه لم يرضه إلا أن يرمينا بالخطأ لأننا وقعنا في أمر جسيم حيث تابعنا المصادر العربية التي تعين موقعة (ذات السواري) بزمانها ومكانها، ويريد أن يقسرنا على متابعة المصادر اليونانية في أن تاريخ الموقعة كان سنة ٣٤هـ لا سنة ٣١ كما تثبته المصادر العربية، وأن مكان الموقعة كان قريبا من ساحل آسيا الصغرى الجنوبي لا قريباً من الإسكندرية.
ولحين اطلاعنا على السبب في ولع الناقد بتفضيل المصدر اليوناني على العربي، نقول له إن رأيك هذا فيه تحكم وترجيح بلا مرجح؛ على أن حضرته لم يذكر لنا ولو مصدراً واحداً من هذه المصادر اليونانية لنقف منها على مبلغ صحة اعتماده وأسباب ترجيحه، اللهم إلا كتاب العصور الوسطى لكمبردج، وهو عبارة عن سلسلة مقالات بالإنجليزية، كما أن حكمه علينا بأننا نتابع السير وليام ميور الذي يأخذ عن جبون هو من قبيل الرجم بالغيب، وأن قوله: (كلا هذين المؤرخين أصبح قديما ولا يصح التعويل عليه بصفة مطلقة) يحتاج إلى فك رموزه وأحاجيه. . .
ص٤٥٠ - يظهر أن الناقد سريع النسيان. فبينا هو يأخذنا بلاذع اللوم والتعنيف إذا روينا آراء جمهور المسلمين في الأمويين، نجده هنا لا يعجبه أن دافعنا بحق عن أحد خلفائهم بأنه لم يرد أن يحط من شأن الكعبة، وأن رميها بالمجانيق أحدث فيها من غير قصد ما أحدث، وأن الحجاج لما نصب المجانيق على الكعبة جعل هذه الزيادة التي زادها ابن الزبير في الكعبة هدفاً، إذ كان الأمويون يعتبرونها بدعاً في الدين). وما أسرع هذا الناقد في سحب ثقته من هؤلاء المساكين، فيقول عنهم: (وبنو أمية كانوا إذا تعارضت المصلحة السياسة مع أي اعتبار آخر رجحوا جانب المصلحة السياسة كائناً ما كان ذلك الاعتبار الآخر.
стр. 10873
وتاريخهم يشهد بذلك!!) ثم ما أدري وجه الضحك من قولنا إن الحجاج جعل الزيادة التي زادها ابن الزبير في الكعبة هدفا لمجانيقه، وإنه كان من الممكن الانتظار حتى تضع الحرب أوزارها ثم تنقض الكعبة وتبني على أسسها القديمة. فالواقع يقرر ما قلنا والتقرير غير الرد، والتفسير غير النقد، وأما هذه الزيادة فقد كانت متميزة عن سائر بنية الكعبة يمكن نقضها دون هدم الكعبة، بدليل أن الحجاج بعد أن قتل ابن الزبير عمد إلى تلك الزيادة فأزالها وأعاد الكعبة إلى ما كانت عليه زمن الرسول، وليس من الصعب على العرب، وهم مشهورون بتسديد الرماية، أن يجعلوا الزيادة هدفهم بدون أن يلحقوا بسواها ضررا؛ وقد فصلنا الكلام في ذلك مقالنا الأول. أما قول الناقد إن الهدف الحقيقي للمجانيق هو ابن الزبير نفسه ولما جعل الكعبة حائلا بينه وبين المجانيق ضربت الكعبة، فقول لم يأت الناقد فيه بجديد عن قولنا ولا يتنافى مع ما قررناه.
ص٤٧١ - يقول علماء الأصول والتشريع إن الحكم على المجموع لا على الجميع. فإذا حكمنا على الخوارج بأنهم اشتطوا بالحكم على مخالفيهم حتى ساووا بينهم وبين الكفار عبدة الأوثان، فلا يضرنا أن تشذ فرقة كالاباضية عن هذا الحكم، ولا يخفى أن هذه الفرقة لم تشترك مع الخوارج بظفر ولا يناب فيما ألحقوا بالأمة الإسلامية، فليست مقصودة في كلامنا لأنها غير معتبر من الخوارج ذوي البأس الشديد.
ويصدق هذا أيضاً على ما نقلناه عن (السيد أمير علي) على نظام الإمارة على البلدان في العصر الأموي، وبعد أن كان يفرض على ولاة الأقاليم الإقامة في حواضر ولاياتهم أصبحت الولاية في عهد الأمويين تسند إلى بعض أفراد البيت المالك وإلى كبار رجال البلاط، فكانوا يبقون في دمشق ويعينون من قبلهم رجلاً يقومون بحكم الولايات نيابةً (عنهم). وإذا رجع القارئ إلى كلامنا يلحظ أننا نقرر ذلك نظراً لما حدث أثناء حكم هذه الدولة، وأننا لم نجعل تطرق النقص منسحباً على العصر الأموي كله بدليل قولنا إن هناك نقصاً قد تطرق إلى النظام الإداري في عهد بني أمية، وجر إلى أسوأ العواقب فيما بعد، إذ لا يخفى أن التطرق أمر عارض لم يكن موجوداً ثم وجد، فكيف يحمل على التعميم والاستفاضة؟.
ص٥٧٦ - من المحسنات البديعية أن يذكر الإنسان شيئاً أجنبياً عن موضوعه لمناسبة
стр. 10874
وفائدة. فإذا كنا تكلمنا عن نظام العدول في معرض الكلام على نظام القضاء في عصر الخلفاء الراشدين والأمويين، وقلنا إن سنة التقدم والارتقاء دعت إلى اتخاذ الشهود المحلفين حين فشت شهادة الزور، فقضى النظام الجديد بتعيين شهود عدول عرفوا بحسن السمعة والفقه فصاروا من هيئة المحكمة يعمل برأيهم القاضي فيما له علاقة بالمتقاضين، إذا ذكرنا هذا فليس معناه أننا نجهل تاريخ هذا النظام ونجهل أنه كان في الدولة العباسة لا الأموية. والمنصف يرى أن مثل هذا الاستطراد له شواهد كثيرة من كتاب الله وكلام رسوله وكلام العرب. وقد لاحظ العلماء فيه أنه يكسب الكلام رونقاً وجدة ويذهب بالسآمة التي يشعر بها القارئ أحياناً من موضوع استطال الكلام فيه.
يخيل إلينا أن الناقد أحس بتهافت ملحوظته هذه فعمد إلى ستر الموقف وتدعيم المأخذ بكلام أرسله إرسالا وكال فيه التهم جزافا، فأبرم حكما مقضياً بأن كلامنا لا يجلو هذا النظام على حقيقته وفيه تخليط كثير!! ويا للعجب! هو لم يقبل منا أن نستطرد بذكر نظام العدول موجزين ويريدنا أن نفصل الكلام عنه. ولا بأس أن تترك الكلام عن موضوع الكتاب بالمرة لنفسح له في الميدان ليصول ويجول ويكون لنقده حينئذ بعض القوة!
ص٦٢٧ - كنا نتفكه بحكاية ذلك التركي الذي كان مغرماً بأن يأمر فيجد مأموراً، وينهي فيجد منهياً، ولما كانت مؤهلاته لم تسعفه بإشباع رغبته اقتعد غارب الطريق ووضع أمامه بعض أباريق مملوءة بالماء، حتى إذا ما أجهد أحد المارين العطش وأراد تناول إحداها ليشرب نهره ذلك التركي قائلا: دع هذا واشرب من ذاك! فإذا ذهب حضرة الناقد في غالب كلامه يلومنا بأننا نقلنا كذا عن فلان، وكان أولى بنا أن ننقله عن سواه، فانه - ولا شك - يذكرنا بهذه الحكاية المضحكة. ولقد رأينا حضرة الناقد يسلك هذا الطريق معنا في أمر موقعة ذات السواري ونفقات المسجد الأموي.
وبعد، فمن شيم العلماء وكرام النقاد ألا يلجئوا إلى التمويه والإيهام عما ينقدون ويمحصون، وإنما عملهم هو قرن الدعوة بالدليل، ووضع الصحيح إزاء العليل، وبذلك يخدم العلم، وتشكر الحقيقة مجليها. أما إذا لجأ الناقد إلى التعميم، وعبارات التفخيم، واعتذر عن الإدلاء بالحجج والبينات بقصر الوقت وبكثرة السيئات، فليس معنى هذا في نظر الناس إلا الرغبة في الهدم، وعدم القدرة على البناء.
стр. 10875
(يتبع)
حسن إبراهيم حسن
стр. 10876
الكتب
المقتطف والمتنبي
المقتطف شيخ مجلاتنا؛ كلهن أولاده وأحفاده. وهو كالجد الأكبر، زمن يجتمع، وتاريخ يتراكم، وانفراد لا يلحق، وعلم يزيد على العلم بأنه في الذات التي تفرض إجلالها فرضا، وتجب لها الحرمة وجوباً، ويتضاعف منها الاستحقاق فيتضاعف لها الحق.
وهل الجد إلا أبوة فيها أبوة أخرى، وهل هو إلا عرش حي درجاته الجيل تحت الجيل، وهل هو إلا امتداد مسافاته العصر فوق العصر؟
والمقتطف يكبر ولا يهرم، ويتقدم في الزمن تقدم المخترعات ماضيةً بالنواميس إلى النواميس، مقيدةً بالمبدء إلى الغاية. فلقد أنشئ هذا المقتطف وما في المجلات العربية ما يغني عنه، ثم أسفت الدنيا حوله بأخلاقها وطباعها، وتحولت مجلات كثيرة إلى مثل الراقصات والمغنيات والممثلات. . . وبقي هو على وفائه لمبدئه العلمي والسمو فيه والسمو به، كأنما أخذ عليه في العلم والأدب ميثاق كميثاق النبيين في الدين والفضيلة؛ فبين يديه الواجب لا الغرض، وهمه الإبداع بقوى العقل لا الاحتيال بها، وهديه الحقيقة الثابتة في الدنيا لا الأحلام المتقلبة بهذه الدنيا، وطريقه في كل ذلك طريق الفيلسوف من هدوء نفسه لا من أحوال الدهر، فهو ماض على اليقين، نافذ إلى الثقة، متنقل في منزلة منزلة من يقينه إلى ثقته، ومن ثقته إلى يقينه.
وقد بدأ المقتطف مجلده الثامن والثمانين بعدد ضخم أفرده للمتنبي. ولئن كانت الأندية والمجلات قد احتفلت بهذا الشاعر العظيم، فما أحسب إلا أن روح الشاعر العظيم قد احتفلت بهذا العدد من المقتطف.
ولست أغلو إذا قلت إن هذه الروح المتكبرة قد أظهرت كبرياءها مرة أخرى، فاعتزلت المشهورين من الكتاب والأدباء ولزمت صديقنا المتواضع الأستاذ محمود شاكر مدة كتابته هذا البحث النفيس الذي أخرجه المقتطف في زهاء ستين ومائة صفحة تدله في تفكيره، وتوحي إليه في استنباطه، وتنبهه في شعوره، وتبصره أشياء كانت خافية وكان الصدق فيها، ليرد بها على أشياء كانت معروفة وكان فيها الكذب، ثم تعينه بكل ذلك على أن يكتب الحياة التي جاءت من تلك النفس ذاتها، لا الحياة التي جاءت من نفوس أعدائها وحسادها.
стр. 10877
ولقد كان أول ما خطر لي بعد أن مضيت في قراءة هذا العدد - أن المؤلف جاء بما يصح القول فيه إنه كتب تاريخ المتنبي ولم ينقله؛ ثم لم أكد أمعن في القراءة حتى خيل إليّ أنه قد وضع لشعر المتنبي بعد تفسير الشرّاح المتقدمين والمتأخرين تفسيراً جديداً من المتنبي نفسه؛ وما الكلمة الجديدة في تاريخ هذا الشاعر الغامض إلا الكلمة التي نشرها المقتطف اليوم
إن هذا المتنبي لا يفرغ ولا ينتهي، فان الإعجاب بشعره لا ينتهي ولا يفرغ. وقد كان نفسا عظيمة خلقها الله كما أراد، وخلق لها مادتها العظيمة على غير ما أرادت. فكأنما جعلها بذلك زمنا يمتد في الزمن.
وكان الرجل مطوياً على سر ألقى الغموض فيه من أول تاريخه، وهو سر نفسه، وسر شعره، وسر قوته؛ وبهذا السر كان المتنبي كالملك المغضوب الذي يرى التاج والسيف ينتظران رأسه جميعاً، فهو يتقي السيف بالحذر والتلفف والغموض، ويطلب التاج بالكتمان والحيلة والأمل.
ومن هذا السر بدأ كاتب المقتطف فجاء بحثه يتحدَّر في نسق عجيب متسلسلا بالتاريخ كأنه ولادة ونمو وشباب، وعرض بين ذلك شعر أبي الطيب عرضاً خيل إلي أن هذا الشعر قد قيل مرة أخرى من فم شاعره على حوادث نفسه وأحوالها. وبذلك انكشف السر الذي كان مادة التهويل في ذلك الشعر الفخم إذ كانت في واعية الرجل دولة أضخم دولة عجز عن خلقها وإيجادها فخلقها شعرا أضخم شعر، وجاءت مبالغته كأنها أكاذيب آماله البعيدة متحققة في صورة من صور الإمكان اللغوي.
ومن أعجب ما كشفه من أسرار المتنبي سر حبه، فقال: إنه كان يحب خولة أخت الأمير سيف الدولة، وكتب في ذلك خمس عشرة صفحة كبيرة، وكأنها لم ترضه فقال إنه كان يؤمل أن يكتب هذا الفصل في خمسين وجهاً من المقتطف. وهذا الباب من غرائب هذا البحث، فليس من أحد في الدنيا المكتوبة (أي التاريخ) يعلم هذا السر أو يظنه. والأدلة التي جاء بها المؤلف تقف الباحث المدقق بين الإثبات والنفي؛ ومتى لم يستطع المرء نفيا ولا إثباتا في خبر جديد يكشفه الباحث ولم يهتد إليه غيره، فهذا حسبك إعجاباً يذكر، وهذا حسبه فوزا يعد ولعمري لو كنت أنا في مكان المتنبي من سيف الدولة لقلت إن المؤلف قد
стр. 10878
صدق. . . فهناك موضع لابد أن يبحث فيه القلب الشاعر الذي وضعت في الدنيا حكمتها، وطوت فيه القوة سرها، وبث فيه الجمال وحيه، وأصغر هذه الثلاث أكبر من الملوك والممالك، ولكن الحبيبة أكبر منها كلها. . . . . . .
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10879
العدد ١٣٣ - بتاريخ: ٢٠ - ٠١ - ١٩٣٦
стр. 10880
مجمع اللغة العربية الملكي
يفتتح دورته الثالثة
في الضحى الأكبر من يوم الخميس الماضي افتتح مجمع اللغة العربية الملكي دورته الثالثة في حفل متواضع من رجال العلم والأدب؛ فألقى الأستاذ الرئيس خطبة مجمعة، أجمل فيها ما عالج المجمع من المسائل اللغوية في دورته الثانية، وأشار إلى وفوده عن المجمع العربي إلى عيد المجمع الفرنسي، وإلقائه أول الناس خطاب التهنئة (باسم أحدث المجامع نشأة في أقدم بلاد العالم حضارة)؛ ونوه بهدية الأستاذ فيشر إلى المجمع وهي جزازات جمع فيها جمهرة الموثوق بصحته من متداول الكلمات في القرن الأخير للجاهلية، والقرون الثلاثة الأولى في الإسلام، واستهلك في جمعها وترتيبها نيفاً وأربعين عاماً؛ ثم ألم إمامة يسيرة ببعض ما وجه من نقد إلى خطة المجمع.
وقام من بعده الأستاذ حسين والي فألقى محاضرة سابغة سائغة أدلى فيها بحجيج المجمع في القرارات السبعة التي أصدرها في عامه الثاني. ثم نهض على أثره الأستاذ محمد كرد علي بك فدافع عن حداثة المجمع وأشاد بفضل جلالة المليك. وجاء دور الأستاذ جب فعقب على بعض ما قال الخطباء بكلمة بارعة أداها عن ظهر قلبه. ثم ختم الأستاذ الجارم هذا الحفل الوقور بقصيدة من حر الكلام سلسل فيها أطوار العرب وأدوار اللغة، وأهاب (بعصبة الخير) أن ينشطوا لتجديد الفصحى:
فالدهر يسرع والأيام معجلة … ونحن لم ندر غير الوخد والخبب
كانت حفلة افتتاح هذه الدورة نفثة من روح المجمع، شاع فيها سره، وسطع في فورتها ريحه، فكان اهتمامها برضى القاموس أبلغ من اهتمامها بذوق السامع؛ وكأني رأيت يومئذ في بعض العيون بوادر الدمع رأفة بأولئك السيدات اللائى تظاهرن بالإصغاء إلى حقائق اللغة ودقائق الصرف وهن من الضجر على حال لا تسر! وهذه الحال نفسها ملحوظة بين المجمع والمجتمع في وضع الكلمات للشؤون العامة، فإن من الأعضاء من يسرف في بعث الحوشي الممات، أو الغريب المتنافر، ليحل من لغة الجمهور محل الدخيل الذي لا يثقل في الآذان ولا يعسر على اللسان ولا ينبو على أوزان اللغة، فيضع الجماز للترام، والنهبوع لليخت، والعنقاش للبائع الجوال، والكشَّاءة للكماشة، والضريم للبنزين، والطربال للعمارة!
стр. 10881
وليس من شك في أن هذه الكلمات المرغوب عنها وأمثالها مما يحاول المجمع طرده من الاستعمال أدق في الدلالة، وأقوى على الحياة وأسهل على الطبع، من تلك الألفاظ الجافية التي نقضها الدهر عن وجه البيان العربي لأسباب طبيعية منذ عمره الأول. . . ما للترام واليخت والفلم والبنزين والكنبة ما دامت سائغة في المنطق جارية على سنن الفصيح واردة على أسلوب المعرب؟ إن الشاكوش أدل من الخصين، والريال أجمل من الرقين، والفسيخ أدنى من القريب، والبشكير أولى من النشير، والمندالة أخف من الميطدة. لقد أفتتن الظرفاء طول العام في الإضحاك مما أشبه الأرزيز والجماز حتى استراب الناس في ذوق المجمع.
والواقع أن الصفة الغالبة على أكثر الأعضاء هي الضلاعة القاموسية المحافظة، فهم يريدون أن يتجاهلون الاصطلاح والعرف، ويتناسوا الكتاب والعامة، ويفرضوا على الأذواق الفنانة كلمات لا تقطر من جمودها على قلم، وعلى الطبقات العاملة لغات لا ينطبق مدلولها على عمل.
أن اللغة العربية لابست مرافق العصر الحديث قبل أن ينشأ المجمع بقرن ونيف، فاستحدثت الضرورة في مدى هذا الزمن ألفاظاً بالاشتقاق والتعريب والترجمة، ربطت اللغة بأسباب المدنية، ووصلت الأدب بمعاني الحياة. ووظيفة المجامع أن تقر ما وجد وتنشئ ما لم يوجد؛ والاستعمال الذي لا يقف ولا ينتهي، يتمم القاموس الذي انتهى ووقف. أما إطلاق العربي المهجور على المعرب المشهور مخافة أن تطغى العجمة (ويصبح الفصيح بين لغتنا أقل من القلة، بحيث لا يصح لنا وقتئذ أن نزعم أننا نتحدث بلسان العرب) كما قال الأستاذ الرئيس، فلا يستقيم في منطق اللغات، ولا يجري في نظام الطبيعة؛ لأن عربية القاموس لا تكاد تجاوز منتصف القرن الثاني، وما اقتبسته اللغة بعد ذلك من حضارة الفرس ومدنية الروم أوشك أن يؤلف قاموساً آخر، ومع ذلك لم تستعجم الفصحى ولم ينهم بيان العرب! ويخيل إلى أن الأستاذ جب كان يرد على معالي الرئيس حين قال في خطبته (ويل للغة مصادرها معجماتها دون الشعور الحي للناطقين بها! وويل كذلك للغةٍ ينطق الناطقون بها ويكتب الكاتبون فيها طوع أهوائهم ويضربون بمعجماتها عرض الحائط!).
إن ما أخذناه وأخذه الناس على ما وضع أعضاء المجمع من الألفاظ إنما ينحصر في شؤون
стр. 10882
الحياة العامة؛ أما ما وضعوه أو أقروه لعلوم الأحياء والطب فلا وجه فيه لآخذ، ولا سبيل عليه لمنكر، لأنه يتعلق بالعلم ويتصل بالتعليم ويجري بين الخاصة، ومن السهل أن تراض عليه الألسنة في المدارس، وتؤخذ به الأقلام في المعاجم، وتجمع إليه الناس في الكتب. . . كذلك كانت قراراته الأربعة التي تعلقت بالتوسع في طرق القياس صادرة عن رأي حصيف ودرس ناضج. وسيكون لها كما رجا الرئيس أثرها البعيد في التيسير على أهل العلم ومن يعالجون الصناعة ويزاولون الترجمة إن في إقرار المجمع عرض ما يضعه من الكلم على الجمهور قبولاً سابقاً للنقد النزيه والقول الأسد؛ وأن فيما كتب الكاتبون عن خطة المجمع وزانة يجب أن يروى فيها طويلاً قبل أن يمضي على نيته؛ وإن فيما تبيناه من مضامين الخطب في الاحتفال دليلاً على استصغار المجمع لما عمل واستعظامه لما سيعمل! والشعور بالنقص مبدأ الكمال، والنفور من العجز سبيل القدرة، والركون إلى الأمل الحافز دليل الفوز! أيد الله المجاهدين الصادقين بروح من عنده، وسدد خطى العاملين المخلصين في الطريق القاصد.
أحمد حسن الزيات
стр. 10883
سلطة الآباء
للأستاذ أحمد أمين
رحم الله زماناً كان الأب في بيته الآمر الناهي، والحاكم المطلق، والملك غير المتوج؛ ينادي فيتسابق من في البيت إلى ندائه، ويشير فإشارته أمر، وطاعته غنم؛ تحدثه الزوجة في خفر وحياء، ويحدثه الابن في إكبار وإجلال؛ من سوء الأدب أن يرفع إليه بصره، أو يرد عليه قوله، أو يراجعه في رأي، أو يجادله في أمر. أما البنت، فإذا حدثها لف الحياء رأسها، وغض الخجل طرفها؛ قليلة الكلام، متحفظة الضحك، خافضة الصوت؛ تتوهم أنها أخطأت في التافه من الأمر فيندي جبينها، ويصبغ الخجل وجهها، وتنكس بصرها؛ وإذا جاء حديث الزوج والزواج فإلى أمها الحديث لا إلى أبيها، وبالتلويح والتلميح لا بالتصريح؛ والأمر إلى الأب فيما يقبل وفيما يرفض، وفيما يحدث وما لا يحدث.
في جملة الأمران أن البيت ينقسم إلى قسمين: حاكم وهو الأب، ومحكوم عليه وهو سائر الأسرة؛ منه الأمر ومنهم الطاعة، له السيادة ولهم الخضوع، يرسم الخطط وهم ينفذون، يجلب الرزق ويتولى الإنفاق وهم يسيرون على ما رسم؛ وويل لمن تبرم أو عارض! فأن أحس الابن حاجة ملحة إلى مال، أو شعر بضرورة ملجئة إلى أكثر مما أخذ، لم يجرؤ أن يجابه بالطلب؛ إنما يحاور ويداور، ويلمح ويرمز؛ فان أعياه الأمر وسط الأم لعلها تستطيع أن تعبر تعبيراً أوضح وأصرح، وقل أن تنجح.
وبجانب سلطة الأب الدنيوية كانت سلطته الدينية. فهو يوقظهم قبل الشمس ليصلوا الصبح أداء لا قضاء، ويسائلهم في أكثر الأوقات عن صلاتهم كيف صلوا، وعن وضوئهم كيف توضئوا؛ يعلم الجاهل ويؤم المتعلم، ويجمعهم حوله من آن لآن يصلي بهم، ويذكرهم ويعظهم، ويقص عليهم قصص الأنبياء، وحكايات الأولياء والصلحاء - وان أنس لا أنس جمال المواسم الدينية - كيوم نصف شعبان، إذ تشعر في البيت من الصباح بحركة غير عادية: هذا ينظف، وهذه تعد الأكل الحافل ويتهيأ الجميع قبل الغروب استعداداً لصلاة المغرب، قد لبس النساء البياض، وتقنعن بالشاش الأبيض، وإذا رب البيت يؤم جميع من في البيت، ثم يخرج دعاء نصف شعبان من جيبه ويتلوه عليهم، يقول جمله فيرددونها، ويبتهل معهم إلى الله أن يسعده ويسعدهم، ويصلحه ويصلحهم، ويبارك له في ماله وفي
стр. 10884
نفسه وفي ذريته، ثم يأخذون حظهم لبطونهم، كما أخذوا حظهم لأرواحهم، وشملتهم السعادة وعمهم اللطف والهناءة.
لقد ودعنا ذاك الزمان بخيره وشره وحلوه ومره، واستقبلنا زماناً صار فيه الأبناء آباء، وأرادوا أن تكون لهم السلطة كآبائهم فأبى عليهم الزمان.
قالت الزوجة لزوجها: الناس أحرار، وأنا إنسان وأنت إنسان، فإن اعتززت أنت بالكسب اعتززت أنا بالإنفاق، وان اعتززت بالرجولة اعتززت بالأنوثة، وان اعتززت بأي شئ فأنا اعتز بمثله وبخير منه؛ فأنا وأنت شريكان، لا سيد وأمة، ولا مالك ومملوك؛ لي كل الحقوق التي لك، وقد يكون على بعض الواجبات التي عليك، فان سفرتَ سفرتُ، وإن غشيت دور الملاهي غشيتها؛ عليك أن تحصل المال وعلي الإنفاق ولك السلطان التام في اختصار طرق التحصيل، ولي الخيار التام في وجوه التبديد أنت للبيت والبيت لي. إن كان لك أم فقد شبعت سلطة في الماضي أيام كانت زوجة، فلا حق لها أن تنعم بسلطانها وسلطان غيرها، فليس لها الحق إلا أن تأكل، كما ليس لك في حبها؛ فالحب كله للزوجة، إنما لك أن ترحمها؛ والدين لا شأن لك فيه بتاتاً فهو علاقة بين العبد وربه، وكل إنسان حر أن يحدد هذه العلاقة كما يوحي إليه قلبه؛ فأن شئت أنت أن تتدين فتدين، على شرط ألا تقلب نظام البيت، وتقلق راحتي وراحة الخدم، بإعداد ماء ساخن في الشتاء وما إلى ذلك. ورأى الزوج أن الأحكام قاسيه، والشروط فادحة، وهام يبحث عن المتمدنات عمن يرضى به زوجاً على الشروط القديمة فأعياه البحث.
وأخيراً نزل على حكم القضاء، وأسلم نفسه لسلطان الزمان وقدم الطاعة للزوجة، بعد أن كانت هي تقدم الطاعة له؛ ولا يزال في دار الآثار في المحاكم الشرعية قضايا اسمها قضايا الطاعة، يحكم فيها للأزواج على الزوجات؛ حفظ شكلها، وبطل روحها؛ ولو كانت المحاكم محاكم عصرية لحكمت بالطاعة على الزوج لزوجته، وحكمت بالنفقة على الزوجة لزوجها.
وتم الزواج، وفرحت الزوجة بالظفر فغالت في المطالب، وابتدعت كل يوم مطلباً جديداً، وأرادت أن تنتقم لأمهاتها من آبائه في شخصه، فطالما أطَعْن، وطالما خضعن! فليطع هو دائماً وليخضع دائماً، جزاء وفاقاً على ما جنى أبوه وأجداده قالت أن رقصتَ رقصتُ، فذلك حقك وحقي؛ قال نعم. قالت بل أن لم ترقص رقصت لأنك أن أضعت حقك لم أضع حقي؛
стр. 10885
وأن خاللتَ خاللتُ، فالجزاء من جنس العمل، بل أن لم تخالل ربما خاللت، لأن حياة الزوجية البحت قد يعتريها الركود والسأم والملل. فصرخ ولف الغضب وجهه، وحاول أن ينكل بها فتراجعت، وسحبت مطلبها الأخير ورأت الحكمة أن تتريث بعض الشيء حتى يبلغ ريقه من أثر الصدمة الأولى، ويستعد للصدمة الثانية، فان لم يسعفها الزمان أوصت بناتها بشروطها الجديدة.
قالت وسيكون من أول ما أوصي به ابنتي أن تتخذ قياس خطيبها، ثم يكون من أول جهازها أن تفصل له برذعة ولجاماً على قدره، فتضع البرذعة عليه وتركبه إذا شاءت، وتشكمه باللجام إذا حاول أن يتحرك يميناً أو شمالاً على غير رغبتها.
وشاء الله أن يرزقا بنين وبنات.
وقد رأوا أن الأم لا تجل الأب فلم يجلوه، ولم تعره كبير التفات فلم يعيروه؛ ورأوها تبذر في مال الأب فبذروا، ورأوها حرة التصرف فتحرروا، ورأوها تخرج من البيت من غير أذن الأب فخرجوا خروجها، وتعود متى شاءت ففعلوا فعلها، ورأوها لا تتدين فلم يتدينوا، ورأوها تطالب الأب ألا يفتح رسائلها فطالبوا، ورأوها تتكلم في المسائل الدقيقة أمام أبنائها وبناتها في صراحة فتفتحت شهواتهم، وتحركت رغباتهم، وغذتها تخيلاتهم.
وقال الأبناء لأبيهم: أنّا مخلوقون لزمان غير زمانك فاخضع لحكم الزمان؛ وقد نشأت في زمن حرية في الآراء، وحرية في الأعمال، وحرية في التصرف، لا كما نشأت في جو من الطاعة والقيد والأسر والتقاليد، فمحال أن يسع ثيابك الضيق أبداننا، وتقاليدك العتيقة البالية نفوسنا، فان حاولت ذلك فإنما تحول إدخال الثور في قارورة، أو لف القصر الكبير بمنديل صغير! قال نعم. قالوا وأنت الذي سمح لنا بادئ ذي بدء أن نغشى دور السينما والتمثيل، وأن نسمع الأغاني البلدية، ونشاهد المراقص الأوربية، فإذا أقررت المقدمة فلا تهرب من النتيجة. وأنت الذي عودنا ألا نضع للبيت (ميزانية) فأنت تعطي (ماهيتك) لأمنا تنفق من غير حساب، فإن انتهت في نصف الشهر طلبت منك أن تقترض فاقترضت، وأن تشتري ما لا حاجة لنا به فاشتريت، وأن تقدم الكمال على الضروري فأطعت؛ فليس لك أن تطالبنا بالاقتصاد في الجدول الصغير، والنهر الكبير ليس له ضابط. وخرق أن تحاول أن تضع ميزانية لمصلحة، وميزانية الدولة مبعثرة! قال نعم. قالوا وقد أضعت سيادتك على أمنا فلم
стр. 10886
تفرض سيادتك علينا؟ ورضيت بالخضوع لها فلم تأباه علينا، وهي أم الحاضر وأنت أبو الماضي ونحن رجال المستقبل؟ قال نعم. قالوا وأنت نشأت في زمن خضوع تام: خضعت لأبيك في المهد صبياً، وخضعت للفقيه في المكتب، والمدرس في المدرسة؛ فإذا قلت برأسك هكذا، قال الأستاذ بعصاه هكذا، فنكست رأسك، وغضضت بصرك، وأسعفتك عينك بالبكاء، ولم يسعفك لسانك بالقول، فلما صرت (موظفاً) وقفت من رئيسك موقفك من أبيك وأستاذك، تنفذ دائماً وتطيع دائماً - ولم يجر على ذهنك يوماً تفكير في استقلال، ولا على لسانك نداء بحرية؛ أما نحن فحريتنا في بيتنا: حررتنا على أساتذتنا، فحملناك كرهاً على تملقنا؛ ونادينا بالحرية فتبعتمونا في شئ من الرياء، تظهرون الطاعة لرؤسائكم وتبطنون الرضا عن حركاتنا، وتريدون أن تجمعوا بين الحرص على ماهيتكم والحرص على وطنيتكم المكبوتة. قال نعم. قالوا: فلما قدناك وقدنا رجالنا في السياسة فلنقدكم جميعاً في كل شئ: في البيت وفي المال وفي العلم وفي رسم الخطط: ولنقلب الوضع فنكون قادة وتكونوا جنوداً وإلا لم نرض عنكم جنوداً ولا قادة.
وقالت البنات لأبيهن:
يا أبانا الذي ليس في السماء! رقصت أمنا فرقصنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربت سراً فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهراً، ورأينا في روايات السينما والتمثيل حباً فأحببنا، ورأينا عريا على الشواطئ فتعرينا، وتزوجت أمنا بإذن أبيها فلنتزوج نحن بإذننا. قال نعم. قلن وقد أوصتنا أمنا أن نركب الزوج، ولكننا أمام مشكلة يشغلنا حلها فأنّا نرى شبان اليوم كاخوتنا متمردين لا يخضعون خضوعك ولا يستسلمون استسلامك، فإرادتهم قوية كإرادتنا، وهم يحبون السلطة حبنا؛ فهم أحرار ونحن أحرار، وهم مستبدون ونحن مستبدات، فكيف نتفق؟ هل يمكن أن يبقى البيت بعدة استبدادات؟ ولكن لا بأس يا أبانا! هل البيت ضرورة من ضرورات الحياة؟ أو ليس نظام الأسرة نظام عتيقاً. من آثار القرون الوسطى؟ قال نعم. قلن على كل حال فيصح أن يجرب جيل النساء الجديد مع جيل الرجال الجديد، فان وقع ما خشينا عشنا أحراراً وعاشوا أحراراً، وطالبنا بتسهيل الطلاق وبهدم المحاكم الشرعية على رؤوس أصحابها، وتعاقدنا تعاقداً مدنياً. قال الأب: وماذا تفعلن بما ترزقن من أبناء وبنات؟ قلن لك الله لا أبانا! إنك لا تزال تفكر بعقل جدنا وجدتنا! لقد كنت
стр. 10887
أنت وأبوك وجدك تحملون أنفسكم عناء كبيراً في التفكير في الأولاد، وتضحون بأنفسكم وأموالكم في سبيلهم، وتعيشون لهم لا لكم. أما عقليتنا نحن أهل الجيل الحاضر فأن نعيش لأنفسنا لا لغيرنا. لقد ضحك عليكم الدين والأخلاق ففهمتم أن الواجب كل شيء، وكشفنا اللعبة ففهمنا أن اللذة كل شئ، فنحن نمنع النسل، فإذا جاء قسراً فليعش كما يشاء القدر؛ ولنقدم حظنا على حظه، وسعادتنا على سعادته، ولا نفكر فيه طويلاً، ولا يتدخل في شؤوننا كثيراً ولا قليلاً قال الأب: وأمر المال كيف يدبر؟ كيف تعشن أنتن وأولادكن إذا كان طلاق وكان فراق؟ قلن هذا ظل آخر ظريف من ظلال تفكيرك، دع هذا يا أبانا والبركة أخيراً فيك.
أما بعد فقد خلا الأب يوماً إلى نفسه، وأجال النظر في يومه وأمسه، فبكى على أطلال سلطته المنهارة، وعزته الزائلة، ورأى أنهم خدعوه بنظرياتهم الحديثة، وتعاليمهم الجديدة - قال: لقد قالوا إن زمان الاستبداد قد فات ومات، فلا استبداد في الحكومة، ولا استبداد في المدرسة، فيجب ألا يكون استبداد في البيت؛ إنما هناك ديمقراطية في كل شيء، فيجب أن يكون البيت برلماناً صغيراً يسمع فيه الأب رأي ابنه ورأي أبنته ورأي زوجه، وتؤخذ الأصوات بالأغلبية في العمل وفي المال وفي كل شيء؛ وقالوا تنازل عن سلطاتك طوعاً، وإلا تنازلت عنها كرهاً، وقالوا أن هذا أسعد للبيت، وأبعث للراحة والطمأنينة، وقالوا أن هذا يخفف العبء عنك، فنحن نقسم البيت إلى مناطق نفوذ، فمنطقة نفوذ للمرأة، وأخرى للرجل، وثالثة للأولاد، وكلهم يتعاونون في الرأي ويتبادلون المشورة. سمعت وأطعت فماذا رأيت؟ كل إنسان في البيت له منطقة نفوذ إلا إياي، ولم أرى البيت برلماناً، بل رأيته حماماً بلا ماء، وسوقاً بلا نظام، إن حصلت على مال أرادته المرأة فستاناً، وأرادته البنت بيانو، وأراده الابن سيارة؛ ولا تسأل عما يحدث بعد ذلك من نزاع وخصام. وإن أردنا راحة في الصيف أردت رأس البر لأستريح، وأرادت الأم والبنت الإسكندرية قريبا من ستانلي باي، وأراد الابن أوربا؛ وإن، وأن، ' إلىما لا يحصى، ولا يمكن أن يستقصي؛ وأخيراً يتفقون على كل شئ إلا على رأي. فوالله لو استقبلت من أمر ما استدبرت ما تزوجت، فان كان ولابد ففلاحة صعيدية، لم تسمع يوما بمدينة، ولم تركب يوما قطاراً إلى القاهرة والإسكندرية، لها يد صناع في عمل الأقراص) ورأس صناع في حمل (البلاص)
стр. 10888
أيتها الزوجة! وأيها الأبناء والبنات! ارحموا عزيز قوماً ذل.
أحمد أمين
стр. 10889
٣ - المشكلة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
أما البقية من هذه الآراء التي تلقيتها فكل أصحابها متوافقون على مثل الرأي الواحد من وجوب إمساك الزوجة والإقبال عليها، وإرسال (تلك) والانصراف عنها، وأن يكون للرجل في ذلك عزم لا يتقلقل ومضاء لا ينثني، وأن يصبر للنفرة حتى يستأنس منها فأنها ستتحول، ويجعل الأناة بازاء الضجر فإنها تصلحه، والمروءة بازاء الكره فإنها تحمله، وليترك الأيام تعمل عملها فانه الآن يعترض هذا العمل ويعطله، وإن الأيام إذا عملت فستغير وتبدل، ولا يستقل القليل تكون الأيام معه ولا يستكثر الكثير تكون الأيام عليه.
والعديد الأكبر ممن كتبوا إلى يحفظون على صاحب المشكلة ذلك البيان الذي وضعناه على لسانه في المقال الأول ويحاسبونه به ويقيمون منه الحجة عليه، ويقولون له أنت اعترفت، وأنت أنكرت، وأنت رددت على نفسك، وأنت نصبت الميزان فكيف لا تقبل الوزن به؟ وقد غفلوا عن أن المقال من كلامنا نحن وأن ذلك أسلوب من القول أدرناه ونحلناه ذلك الشاب ليكون فيه الاعتراض وجوابه، والخطأ والرد عليه، ولنظهر به الرجل كالأبله في حيرته ومشكلته تنفير الغيرة عن مثل موقفه ثم لنحرك به العلل الباطنة في نفسه هو فنصرفه عن الهوى شيئاً فشيئاً إلى الرأي شيئاً فشيئاً، حتى إذا قرأ قصة نفسه قرأها بتعبير من قلبه وتعبير آخر من العقل، وتلمح ما خفي عليه فيما ظهر له، واهتدى من التقييد إلى سبيل الإطلاق، وعرف كيف يخلص بين الواجب والحب اللذين اختلطا عليه وامتزجا له امتزاج الماء والخمر. وبذلك الأسلوب جاءت المشكلة معقدة منحلة في لسان صاحبها، وبقى أن يدفع صاحبها بكلام آخر إلى موضع الرأي.
وكثير من الكتاب لم يزيدوا على أن نبهوا الرجل إلى حق زوجته ثم يدعون الله أن يرزقه عقلاً. . . وقد أصاب هؤلاء أحسن التوفيق فينا ألهموا من هذه الدعوة، فإنما جاءت المشكلة من أن الرجل قد فقد التمييز وجن بجنونين: أحدهما في الداخل من عقله والثاني في الخارج منه، فأصبح لا يبالي الإثم والبغض عند زوجته إذا هو أصاب الحظوة والسرور عند الأخرى؛ فتعدى طوره مع المرأتين جميعاً، وظلم الزوجة بأن استلب حقها فيه، وظلم الأخرى بأن زادها ذلك الحق فجعلها كالسارقة والمعتدية
стр. 10890
وقد تمنى أحد القراء من فلسطين أن يرزقه الله مثل هذه الزوجة المكروهة كراهة حب، ويضعه موضع صاحب المشكلة ليثبت أنه رجل يحكم الكره ويصرفه على ما يشاء ولا يرضى أن يحكمه الحب وأن كان هو الحب. وهذا رأي حصيف جيد فإن العاشق الذي يتلعَّب الحب به ويصده عن زوجته لا يكون رجلا صحيح الرجولة، بل هو أسخف الأمثلة في الأزواج، بل هو مجرم أخلاقي ينصب لزوجته من نفسه مثال العاهر الفاسق ليدفعها إلى الدعارة والفسق من حيث يدري أو لا يدري؛ بل هو غبي إذ لا يعرف أن انفراد زوجته وتراجعها إلى نفسها الحزينة ينشئ في نفسها الحنين إلى رجل آخر؛ بل هو مغفل إذ لا يدرك أن شريعة السن بالسن والعين بالعين، هي بنفسها عند المرأة شريعة الرجل بالرجل. . . . .
والمرأة التي تجد من زوجها الكراهية لا تعرفها أنها الكراهة إلا أول أول؛ ثم تنظر فإذا الكراهة هي احتقارها وإهانتها في أخص خصائصها النسوية، ثم تنظر فإذا هي إثارة كبريائها وتحديها، ثم تنظر فإذا هي دفع غريزتها أن تعمل على إثبات أنها جديرة بالحب، وأنها قادرة على النقمة والمجازاة، ثم تنظر فإذا برهان كل ذلك لا يجيء من عقل ولا منطق ولا فضيلة، وإنما يأتي من رجل. . . . رجل يحقق لها هي أن زوجها مغفل وأنها جديرة بالحب.
وكأن هذا المعنى هو الذي أشارت إليه الأديبة ف. ز. وإن كانت لم تبسطه؛ فقد قالت: وإن صاحب هذه المشكلة غبي، ولا يكون إلا رجلاً مريض النفس مريض الخلق، وما رأيت مثله رجلا أبعد من الرجل. . . ومثل هذا هو في نفسه مشكلة فكيف تُحل مشكلته؟ إنه من ناحية زوجته مغفل لا وصف له عندها إلا هذا؛ ومن جهة حبيبته خائن والخيانة أول أوصافه عندها.
وهذا الزوج يسمم الآن أخلاق زوجته ويفسد طباعها، وينشئ لها قصة في أولها غباوته وإثمه، وسيتركها تتم الرواية فلا يعلم إلا الله ما يكون آخرها. وبمثل هذا الرجل أصبح المتعلمات يعتقدون أن أكثر الشبان إن لم يكونوا جميعاً هم كاذبون في ادعاء الحب، فليس منهم إلا الغواية؛ أو هم محبون يكذب الأمل بهم على النساء، فليس منهم إلا الخيبة.
قالت: وخير ما تفعله صاحبة المشكلة أن تصنع ما صنعته أخرى لها مثل قصتها، فهذه
следующие страницы →