Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10886–10925 · переход к 10891.
стр. 10886
تفرض سيادتك علينا؟ ورضيت بالخضوع لها فلم تأباه علينا، وهي أم الحاضر وأنت أبو الماضي ونحن رجال المستقبل؟ قال نعم. قالوا وأنت نشأت في زمن خضوع تام: خضعت لأبيك في المهد صبياً، وخضعت للفقيه في المكتب، والمدرس في المدرسة؛ فإذا قلت برأسك هكذا، قال الأستاذ بعصاه هكذا، فنكست رأسك، وغضضت بصرك، وأسعفتك عينك بالبكاء، ولم يسعفك لسانك بالقول، فلما صرت (موظفاً) وقفت من رئيسك موقفك من أبيك وأستاذك، تنفذ دائماً وتطيع دائماً - ولم يجر على ذهنك يوماً تفكير في استقلال، ولا على لسانك نداء بحرية؛ أما نحن فحريتنا في بيتنا: حررتنا على أساتذتنا، فحملناك كرهاً على تملقنا؛ ونادينا بالحرية فتبعتمونا في شئ من الرياء، تظهرون الطاعة لرؤسائكم وتبطنون الرضا عن حركاتنا، وتريدون أن تجمعوا بين الحرص على ماهيتكم والحرص على وطنيتكم المكبوتة. قال نعم. قالوا: فلما قدناك وقدنا رجالنا في السياسة فلنقدكم جميعاً في كل شئ: في البيت وفي المال وفي العلم وفي رسم الخطط: ولنقلب الوضع فنكون قادة وتكونوا جنوداً وإلا لم نرض عنكم جنوداً ولا قادة.
وقالت البنات لأبيهن:
يا أبانا الذي ليس في السماء! رقصت أمنا فرقصنا، وشربت أمنا فشربنا، وشربت سراً فلتسمح لنا بحكم تقدم الزمان أن نشرب جهراً، ورأينا في روايات السينما والتمثيل حباً فأحببنا، ورأينا عريا على الشواطئ فتعرينا، وتزوجت أمنا بإذن أبيها فلنتزوج نحن بإذننا. قال نعم. قلن وقد أوصتنا أمنا أن نركب الزوج، ولكننا أمام مشكلة يشغلنا حلها فأنّا نرى شبان اليوم كاخوتنا متمردين لا يخضعون خضوعك ولا يستسلمون استسلامك، فإرادتهم قوية كإرادتنا، وهم يحبون السلطة حبنا؛ فهم أحرار ونحن أحرار، وهم مستبدون ونحن مستبدات، فكيف نتفق؟ هل يمكن أن يبقى البيت بعدة استبدادات؟ ولكن لا بأس يا أبانا! هل البيت ضرورة من ضرورات الحياة؟ أو ليس نظام الأسرة نظام عتيقاً. من آثار القرون الوسطى؟ قال نعم. قلن على كل حال فيصح أن يجرب جيل النساء الجديد مع جيل الرجال الجديد، فان وقع ما خشينا عشنا أحراراً وعاشوا أحراراً، وطالبنا بتسهيل الطلاق وبهدم المحاكم الشرعية على رؤوس أصحابها، وتعاقدنا تعاقداً مدنياً. قال الأب: وماذا تفعلن بما ترزقن من أبناء وبنات؟ قلن لك الله لا أبانا! إنك لا تزال تفكر بعقل جدنا وجدتنا! لقد كنت
стр. 10887
أنت وأبوك وجدك تحملون أنفسكم عناء كبيراً في التفكير في الأولاد، وتضحون بأنفسكم وأموالكم في سبيلهم، وتعيشون لهم لا لكم. أما عقليتنا نحن أهل الجيل الحاضر فأن نعيش لأنفسنا لا لغيرنا. لقد ضحك عليكم الدين والأخلاق ففهمتم أن الواجب كل شيء، وكشفنا اللعبة ففهمنا أن اللذة كل شئ، فنحن نمنع النسل، فإذا جاء قسراً فليعش كما يشاء القدر؛ ولنقدم حظنا على حظه، وسعادتنا على سعادته، ولا نفكر فيه طويلاً، ولا يتدخل في شؤوننا كثيراً ولا قليلاً قال الأب: وأمر المال كيف يدبر؟ كيف تعشن أنتن وأولادكن إذا كان طلاق وكان فراق؟ قلن هذا ظل آخر ظريف من ظلال تفكيرك، دع هذا يا أبانا والبركة أخيراً فيك.
أما بعد فقد خلا الأب يوماً إلى نفسه، وأجال النظر في يومه وأمسه، فبكى على أطلال سلطته المنهارة، وعزته الزائلة، ورأى أنهم خدعوه بنظرياتهم الحديثة، وتعاليمهم الجديدة - قال: لقد قالوا إن زمان الاستبداد قد فات ومات، فلا استبداد في الحكومة، ولا استبداد في المدرسة، فيجب ألا يكون استبداد في البيت؛ إنما هناك ديمقراطية في كل شيء، فيجب أن يكون البيت برلماناً صغيراً يسمع فيه الأب رأي ابنه ورأي أبنته ورأي زوجه، وتؤخذ الأصوات بالأغلبية في العمل وفي المال وفي كل شيء؛ وقالوا تنازل عن سلطاتك طوعاً، وإلا تنازلت عنها كرهاً، وقالوا أن هذا أسعد للبيت، وأبعث للراحة والطمأنينة، وقالوا أن هذا يخفف العبء عنك، فنحن نقسم البيت إلى مناطق نفوذ، فمنطقة نفوذ للمرأة، وأخرى للرجل، وثالثة للأولاد، وكلهم يتعاونون في الرأي ويتبادلون المشورة. سمعت وأطعت فماذا رأيت؟ كل إنسان في البيت له منطقة نفوذ إلا إياي، ولم أرى البيت برلماناً، بل رأيته حماماً بلا ماء، وسوقاً بلا نظام، إن حصلت على مال أرادته المرأة فستاناً، وأرادته البنت بيانو، وأراده الابن سيارة؛ ولا تسأل عما يحدث بعد ذلك من نزاع وخصام. وإن أردنا راحة في الصيف أردت رأس البر لأستريح، وأرادت الأم والبنت الإسكندرية قريبا من ستانلي باي، وأراد الابن أوربا؛ وإن، وأن، ' إلىما لا يحصى، ولا يمكن أن يستقصي؛ وأخيراً يتفقون على كل شئ إلا على رأي. فوالله لو استقبلت من أمر ما استدبرت ما تزوجت، فان كان ولابد ففلاحة صعيدية، لم تسمع يوما بمدينة، ولم تركب يوما قطاراً إلى القاهرة والإسكندرية، لها يد صناع في عمل الأقراص) ورأس صناع في حمل (البلاص)
стр. 10888
أيتها الزوجة! وأيها الأبناء والبنات! ارحموا عزيز قوماً ذل.
أحمد أمين
стр. 10889
٣ - المشكلة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
أما البقية من هذه الآراء التي تلقيتها فكل أصحابها متوافقون على مثل الرأي الواحد من وجوب إمساك الزوجة والإقبال عليها، وإرسال (تلك) والانصراف عنها، وأن يكون للرجل في ذلك عزم لا يتقلقل ومضاء لا ينثني، وأن يصبر للنفرة حتى يستأنس منها فأنها ستتحول، ويجعل الأناة بازاء الضجر فإنها تصلحه، والمروءة بازاء الكره فإنها تحمله، وليترك الأيام تعمل عملها فانه الآن يعترض هذا العمل ويعطله، وإن الأيام إذا عملت فستغير وتبدل، ولا يستقل القليل تكون الأيام معه ولا يستكثر الكثير تكون الأيام عليه.
والعديد الأكبر ممن كتبوا إلى يحفظون على صاحب المشكلة ذلك البيان الذي وضعناه على لسانه في المقال الأول ويحاسبونه به ويقيمون منه الحجة عليه، ويقولون له أنت اعترفت، وأنت أنكرت، وأنت رددت على نفسك، وأنت نصبت الميزان فكيف لا تقبل الوزن به؟ وقد غفلوا عن أن المقال من كلامنا نحن وأن ذلك أسلوب من القول أدرناه ونحلناه ذلك الشاب ليكون فيه الاعتراض وجوابه، والخطأ والرد عليه، ولنظهر به الرجل كالأبله في حيرته ومشكلته تنفير الغيرة عن مثل موقفه ثم لنحرك به العلل الباطنة في نفسه هو فنصرفه عن الهوى شيئاً فشيئاً إلى الرأي شيئاً فشيئاً، حتى إذا قرأ قصة نفسه قرأها بتعبير من قلبه وتعبير آخر من العقل، وتلمح ما خفي عليه فيما ظهر له، واهتدى من التقييد إلى سبيل الإطلاق، وعرف كيف يخلص بين الواجب والحب اللذين اختلطا عليه وامتزجا له امتزاج الماء والخمر. وبذلك الأسلوب جاءت المشكلة معقدة منحلة في لسان صاحبها، وبقى أن يدفع صاحبها بكلام آخر إلى موضع الرأي.
وكثير من الكتاب لم يزيدوا على أن نبهوا الرجل إلى حق زوجته ثم يدعون الله أن يرزقه عقلاً. . . وقد أصاب هؤلاء أحسن التوفيق فينا ألهموا من هذه الدعوة، فإنما جاءت المشكلة من أن الرجل قد فقد التمييز وجن بجنونين: أحدهما في الداخل من عقله والثاني في الخارج منه، فأصبح لا يبالي الإثم والبغض عند زوجته إذا هو أصاب الحظوة والسرور عند الأخرى؛ فتعدى طوره مع المرأتين جميعاً، وظلم الزوجة بأن استلب حقها فيه، وظلم الأخرى بأن زادها ذلك الحق فجعلها كالسارقة والمعتدية
стр. 10890
وقد تمنى أحد القراء من فلسطين أن يرزقه الله مثل هذه الزوجة المكروهة كراهة حب، ويضعه موضع صاحب المشكلة ليثبت أنه رجل يحكم الكره ويصرفه على ما يشاء ولا يرضى أن يحكمه الحب وأن كان هو الحب. وهذا رأي حصيف جيد فإن العاشق الذي يتلعَّب الحب به ويصده عن زوجته لا يكون رجلا صحيح الرجولة، بل هو أسخف الأمثلة في الأزواج، بل هو مجرم أخلاقي ينصب لزوجته من نفسه مثال العاهر الفاسق ليدفعها إلى الدعارة والفسق من حيث يدري أو لا يدري؛ بل هو غبي إذ لا يعرف أن انفراد زوجته وتراجعها إلى نفسها الحزينة ينشئ في نفسها الحنين إلى رجل آخر؛ بل هو مغفل إذ لا يدرك أن شريعة السن بالسن والعين بالعين، هي بنفسها عند المرأة شريعة الرجل بالرجل. . . . .
والمرأة التي تجد من زوجها الكراهية لا تعرفها أنها الكراهة إلا أول أول؛ ثم تنظر فإذا الكراهة هي احتقارها وإهانتها في أخص خصائصها النسوية، ثم تنظر فإذا هي إثارة كبريائها وتحديها، ثم تنظر فإذا هي دفع غريزتها أن تعمل على إثبات أنها جديرة بالحب، وأنها قادرة على النقمة والمجازاة، ثم تنظر فإذا برهان كل ذلك لا يجيء من عقل ولا منطق ولا فضيلة، وإنما يأتي من رجل. . . . رجل يحقق لها هي أن زوجها مغفل وأنها جديرة بالحب.
وكأن هذا المعنى هو الذي أشارت إليه الأديبة ف. ز. وإن كانت لم تبسطه؛ فقد قالت: وإن صاحب هذه المشكلة غبي، ولا يكون إلا رجلاً مريض النفس مريض الخلق، وما رأيت مثله رجلا أبعد من الرجل. . . ومثل هذا هو في نفسه مشكلة فكيف تُحل مشكلته؟ إنه من ناحية زوجته مغفل لا وصف له عندها إلا هذا؛ ومن جهة حبيبته خائن والخيانة أول أوصافه عندها.
وهذا الزوج يسمم الآن أخلاق زوجته ويفسد طباعها، وينشئ لها قصة في أولها غباوته وإثمه، وسيتركها تتم الرواية فلا يعلم إلا الله ما يكون آخرها. وبمثل هذا الرجل أصبح المتعلمات يعتقدون أن أكثر الشبان إن لم يكونوا جميعاً هم كاذبون في ادعاء الحب، فليس منهم إلا الغواية؛ أو هم محبون يكذب الأمل بهم على النساء، فليس منهم إلا الخيبة.
قالت: وخير ما تفعله صاحبة المشكلة أن تصنع ما صنعته أخرى لها مثل قصتها، فهذه
стр. 10891
علمت بزواج صاحبها قذفت به من طريق آمالها إلى الطريق الذي جاء منه، وأنزلته من درجة أنه كل الناس إلى منزلة أنه ككل الناس، ونبهت حزمها وعزيمتها وكبرياءها فرأته بعد ذلك أهون على نفسها من أن يكون سبباً لشقاء أو حسرة أو هم، وابتعدت بفضائلها عن طريق الحب الذي تعرف أنه لا يستقيم إلا لزوجة وزوجها، فإذا مشت فيه امرأة إلى غير زواج، انحرف بها من هنا، واعوج لها من هنا، فلم ينته بها في الغاية إلا أن تعود إلى نفسها وعليها غباره، وما غبار هذا الطريق إلا سواد وجه المرأة. . . وقد جهد الرجل بصاحبته أن تتخذه صديقاً، فأبت أن تتقبل منه برهان خيبتها. . . وأظهرت له جفوة فيها احتقار، وأعلمته أن نكث العهد لا يخرج منه عهده، وأن الصداقة إذا بدأت من آخر الحب تغير أسمها وروحها ومعناها، فإما أن تكون حينئذ أسقط ما في الحب، أو أكذب ما في الصداقة
ثم قالت الأديبة: وهي كانت تحبه، بل كانت مستهامة به، غير أنها كانت أيضاً طاهرة القلب، لا تريد في الحبيب رجلاً هو رجل الحيلة عليها فتخدع به، ولا رجل العار فتسب به، وفي طهارة المرأة جزاء نفسها من قوة الثقة والاطمئنان وحسن التمكن؛ وهذا القلب الطاهر إذا فقد الحب لم يفقد الطمأنينة، كالتاجر الحاذق إن خسر الربح لم يفلس، لأن مهارته من بعض خصائصها القدرة على الاحتمال والصبر للمجاهدة.
قالت: فعلى صاحبة المشكلة التي عرفت كيف تحب وتجل أن تعرف الآن كيف تحتقر وتزدري.
وللأديبة ف. ع وأي جزل مسدد؛ قالت: إنها هي قد كانت يوما بالموضع الذي فيه صاحبة المشكلة، فلما وقعت الواقعة أنفت أن تكون لصة قلوب، وقالت في نفسها: إذا لم يقدر لي، فإن الله هو الذي أراد، وإني أستحي من الله أن أحاربه في هذه الزوجة المسكينة، ولئن كنت قادرة على الفوز إن انتصاري عليها عند حبيبي هو انتصارها على عند ربي، فلأخسر هذا الحب لأربح الله برأس مال عزيز خسرته من أجله، ولأبقى على أخلاق الرجل ليبقى رجلاً لامرأته فما يسرني أن أنال الدنيا كلها وأهدم بيتاً على قلب، ولا معنى لحب سيكون فيه اللؤم بل سيكون ألأم اللؤم.
قالت: وعلمت أن الله تعالى قد جعلني أنا السعادة والشقاء في هذا الوضع ليرى كيف
стр. 10892
أصنع، وأيقنت أن ليس بين هذين الضدين إلا حكمتي أو حمقي، وصح عندي أن احسن المداخلة في هذه المشكلة هو الحل الحقيقي للمشكلة.
قالت: فتغيرت لصاحبي تغيراً صناعياً، وكانت نيتي له هي أكبر أعواني عليه، فما لبث هذا الانقلاب أن صار طبيعياً بعد قليل. وكنت أستمد من قلب امرأته إذا اختانني الضعف أو نالني الجزع فأشعر أن لي قوة قلبين. وزدت على ذلك النصح لصاحبي نصحاً ميسراً قائماً على الإقناع وإثارة النخوة فيه وتبصيره بواجبات الرجل، وترفقت في التوصل إلى ضميره لأثبت له أن عزة الوفاء لا تكون بالخيانة، وبينت له أنه إذا طلق زوجته من أجلي فما يصنع أكثر من أن يقيم البرهان على أن يصلح لي زوجاً. ثم دللته برفق على أن خير ما يصنع وخير ما هو صانع لإرضائي أن يقلدني في الإيثار وكرم النفس ويحتذيني في الخير والفضيلة، وأن يعتقد أن دموع المظلومين هي في أعينهم دموع، ولكنها في يد الله صواعق يضرب بها الظالم قالت: وبهذا وبعد هذا انقلب حبه لي إكباراً وإعظاماً وسما فوق أن يكون حباً كالحب؛ وصار يجدني في ذات نفسه وفي ضميره كالتوبيخ له كلما أراد بامرأته سوءاً أو حاول أن يغض منها في نفسه. واعتاد أن يكرمها فأكرمها، وصلحت لها نيته فاتصل بينهما السبب، وكبرت هذه النية الطيبة فصارت وداً، وكبر هذا الود فعاد حباً، وقامت حياتهما على الأساس الذي وضعته أنا بيدي،
أنا بيدي. . . . . .
أما أنا. . . . . .؟
وكتب فاضل من حلوان: إن له صديقاً ابتلى بمثل هذه المشكلة فركب رأسه فما ردَّه شيء. عمد الزواج بحبيبته، وزُفَ إليها كأنه ملك يدخل إلى قصر خيالة وكأن أهله يعذلونه ويلومونه ويخلصون له النصح ويجتهدون في أمره جهدهم، إذ يرون بأعينهم ما لا يرى بعينه، فكأن النصح ينتهي إليه فيظنه غشاً وتلبيساً، وكان اللوم يبلغه فيراه ظلماً وتحاملاً؛ وكان قلبه يترجم له كل كلمة في حبيبته بمعنى منها هي لا من الحقائق، إذ غلبت على عقله فبها يعقل، وذهبت بقلبه فبها يحس، واستبدت بإرادته فلها ينقاد؛ وعادت خواطره وأفكاره تدور عليها كالحواشي على العبارة المغلقة في كتاب؛ واستقرت له فيها قوة من الحب أمرها إذا أرادت شيئاً أن تقول له كن. . .
стр. 10893
ثم مضت الليلة بعد الليلة وجاء اليوم بعد اليوم والموج يأخذ من الساحل الذرة بعد الذرة والساحل لا يشعر، إلى أن تصر مت أشهر قليلة فلم تلبث الطبيعة التي ألفت الرواية وجعلتها قبل الزواج رواية الملك والملكة، وقصة التاج والعرش، وحديث الدنيا وملك الدنيا - لم تلبث أن انتقلت عليّ فجأة فأدارت الرواية إلى فصل السخرية ومنظر التهكم، وكشفت عن غرضها الخفي وحلت العقدة.
قال: ففرغ قلب المرأة من الحب وظمئ إلى السكر والنشوة مرة أخرى من غير هذه الزجاجة الفارغة. . . وبرد قلب الرجل وكان الشيطان الذي يتسعّر فيه ناراً، شيطاناً خبيثاً فتحوا إلى لوح من الثلج له طول وعرض. . . .
وجدت الحياة وهزل الشيطان، فاستحمق الرجل نفسه أن يكون اختار هذه المرأة له زوجة، واستجهلت المرأة عقلها أن تكون قد رضيت هذا الرجل زوجاً، وأنكرها إنكارا أوله الملالة، وأنكرته إنكارا آخر أوله التبرم؛ وعاد كلاهما من صاحبه كإنسان يكلف إنساناً أن يخلق له الأمس الذي مضى. وضربت الحياة ضربةً أو ضربتين فإذا أبنية الخيال كلها هدم هدم، وإذا الطبيعة مؤلفه لرواية. . . . قد ختمت روايتها وقوضت المسرح، وإذا الأحلام مفسرة بالعكس، فالحب تأويله البغض، واللذة تفسيرها الألم، و (البودرة) معناها الجير. . . . وتغير كل ما بينهما إلا الشيطان الذي بينهما، فهو الذي زوج وهو بعينه الذي طلق. . . .
وكتب أديب من بغداد يقول: إنه كان في هذا الموضع القلق موضع صاحب المشكلة، وأن ذات قرباه التي سميت عليه كانت ملفقة له في حجب عدة لا في حجاب واحد، وقد وصفت له باللغة. . . . وفي اللغة ما أحسن وما أجمل وما أظرف، وكأنها ظبي يتلفت، وكأنها غصن يميل، وكأن سنة وجهها البدر!
قال: وشبهت له بكل أدوات التشبيه وجاءوا في أوصافها بمذاهب الاستعارة والمجاز، فأخذها قصيدة قبل أن يأخذها امرأة. وكان لم ير منها شيئاً وكانت لغة ذوي قرابته وقرابتها كلغة التجارة في ألسنة حذاق السماسرة، ما بهم ألا تنفيق السلعة ثم يخلون بين المشتري وحظه.
قال: فرسخ كلامهم في قلبي، فعقدت عليها، ثم أعرست بها ونظرت فإذا هي ليست في الكلمة الأولى ولا الأخيرة مما قالوا ولا فيما بينهما. . . . ثم تعرفت فإذا هي تكبرني
стр. 10894
بخمس عشرة سنة. . . . ورأيت اتضاع حالها عندي فأشفقت عليها وبت الليلة الأولى مقبلاً على نفسي أؤامرها وأناجيها وأنظر في أي موضع رأيي أنا، وتأملت القصة فإذا امرأة بين رحمة الله ورحمتي، فقلت إن أنا نزعت رحمتي عنها ليوشكن الله أن ينزع رحمته عني، وما بيني وبينه إلا أعمالي؛ وقلت يا نفسي: (إنها إن تكُ مِثقالَ حَبةً من خَردَلٍ فتكنْ في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله) وإنما أتقدم إلى عفو الله بآثام وذنوب وغلطات، فلأجعل هذه المرأة حسنتي عنده، وما عليّ من عمر سيمضي وتبقي منه هذه الحسنة خالدة مخلدة.
إنها كانت حاجة النفس إلى المتاع فانقلبت حاجة إلى الثواب، وكانت شهوة فرجعت حكمة، وكنت أريد أن أبلغ ما احب فسأبلغ ما يجب. ثم قلت: اللهم أن هذه امرأة تنتظرها ألسنة الناس إما بالخير إذا أمسكتها، وإما بالشر إذا طلقتها، وقد احتمت بي؛ اللهم سأكفيها كل هذا لوجهك الكريم.
قال: رأيتني أكون ألأم الناس لو أني كشفتها للناس وقالت انظروا. . . . فكأنما كنت أسأت إليها فأقبلت أترضاها، وجعلت أُماسحها وألاينها في القول وعدلت عن حظ نفسي إلى حظ نفسها، واستظهرت بقوله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)؛ واعتقدت الآية الكريمة أصح اعتقاد وأتمه، وقالت اللهم اجعلها من تفسيرها.
قال: فلم تمض أشهر حتى ظهر الحمل عليها، فألقى الله في نفسي من الفرح ما لا تعدله الدنيا بحذافيرها، وأحسست لها الحب الذي لا يقال فيه جميل ولا قبيح لأنه من ناحية النفس الجديدة التي في نفسها (الطفل). وجعلت أرى لها في قلبي كل يوم مداخل ومخارج دونها العشق في كل مداخله ومخارجه، وصار الجنين الذي في بطنها يتلألأ نوره عليها قبل أن يخرج إلى النور، وأصبحت الأيام معها ربحاً من الزمن فيه الأمل الحلو المنتظر
قال: وجاءها المخاض، وطرقت بغلام؛ وسمعت الأصوات ترتفع من حجرتها: ولد! ولد! فبشروا أباه. فوالله لكأن ساعة من ساعات الخلد وقعت في زمني أنا من دون الخلق جميعاً وجاءتني بكل نعيم الجنة. وما كان ملك العالم - لو ملكته - مستطيعاً أن يهبني ما وهبتني امرأتي من فرح تلك الساعة. إنه فرح إلهي أحسست بقلبي أن فيه سلام الله ورحمته وبركته. ومن يومئذ نطق لسان جمالها في صوت هذا الطفل. ثم جاء أخوه في العام الثاني،
стр. 10895
ثم جاء أخوهما في العام الثالث؛ وعرفت بركة الإحسان من اللطف الرباني في حوادث كثيرة وتنفست على أنفاس الجنة وفسرت الآية الكريمة نفسها بهؤلاء الأولاد، فكان تفسيرها الأفراح، والأفراح، والأفراح.
ويرى صديقنا الأستاذ محمد حسين جيره، أن صاحب المشكلة في مشكلة من رجولته لا من حبه؛ فلو أن له ألف روح لما استطاع أن يعاشر زوجته بواحدة منها إذ هي كلها أرواح صبيانية تبكي على قطعة من الحلوى ممثلة في الحبيبة. . . . ولو عرف هذا الرجل فلسفة الحب والكره لعرف أنه يصنع دموعه بإحساسه الطِّفلي في هذه المشكلة؛ ولو أدرك شيئاً لأدرك أن الفاصل بين الحب والكره منزوع من نفسه، إذ الفاصل في الرجل هو الحزم الذي يوضع بين ما يجب وما لا يجب.
إنه مادام بهذه النفس الصغيرة فكل حل لمشكلته هو مشكلة جديدة، ومثله بلاء على الزوجة والحبيبة معاً، وكلتاهما بلاء عليه، وهو بهذه وهذه كمحكوم عليه أن يشنق بامرأة لا بمشنقة. . . هذا عندي ليس بالرجل ولا بالطفل إلى أن يثبت أنه أحدهما فان كان طفلاً فمن السخرية به أن يكون متزوجاً، وإن كان رجلا فليحل هو المشكلة بنفسه؛ وحلها أيسر شيء: حلها تغيير حالته العقلية.
ونحن نعتذر للباقين من الأدباء والفضلاء الذين لم نذكر آراءهم، إذ كان الغرض من الاستفتاء أن نظفر بالأحوال التي تشبه هذه الحادثة لا بالآراء والمواعظ والنصائح. أما رأينا ففي البقية الآتية.
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
(حاشية): تمثل في نفسي وأنا أُبيض هذه المقالة أنها ستشير في نفس إحدى قارئاتها موضعا ذا شأن وخطر، وان هذه القارئة ستتردد في الكتابة إلي وألا فضاء بمعناها. وقوى ذلك في الخاطر حتى كأنه واقع فما هو ذلك الشأن يا ترى؟ إن سطراً صغيراً فيه شئ من حكمة الدنيا قد تكون فيه مقالات فلا يبخلن أحد على أحد.
الرافعي
стр. 10896
الشاعر الأندلسي المجهول
رثاء الأندلس وما يحتويه من العناصر واللمحات التاريخية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
نشرت (الرسالة) في الأسبوع الماضي قصيدة رائعة هي رثاء مؤثر للأندلس بقلم شاعر أندلسي مجهول؛ ومهد الأديب المغربي الذي بعث بنصها إلى الرسالة بكلمة ذكر فيها أن هذه القصيدة نشرت بنصها الكامل في الجزائر لأول مرة سنة ١٩١٤ وأن صحيفة الزهرة التونسية نشرت منذ أعوام بعض مقاطيعها وطلبت إلى الأدباء أن يدلوا على ناظمها إذا استطاع أحدهم إلى ذلك سبيلا، ولكن أحدا منهم لم يظفر بالجواب؛ وأنه عرضها على مؤرخ المغرب الكبير السيد الدكالي السلاوي، فذكر أن ناظمها ربما كان أبا جعفر بن خاتمة وهو من أدباء المرية كما يستدل من بعض أبياتها، وأنها ربما كانت من محتويات كتابه المسمى (مزية المرية) الذي توجد منه نسخة مخطوطة بمكتبة الأسكوريال؛ ويرجو الأديب المغربي في خاتمة كلمته أن يوفق أحد الأدباء المشتغلين بالأدب الأندلسي إلى معرفة ذلك الشاعر المجهول فيعلن اسمه
والحق أن القصيدة رائعة مبكية، وليس من ريب في أن ناظمها أديب كبير وشاعر بارع؛ ومن حق الأدب أن يُعرف هذا الشاعر المبدع وأن تحقق سيرته؛ بيد أننا نترك هذا البحث لمؤرخ الأدب الأندلسي في عصر السقوط؛ وفي رأينا أن أهمية القصيدة ليست في قيمتها الأدبية، بل أن أهميتها ترجع بوجه خاص إلى ما تضمنته من الإشارات واللمحات التاريخية لحوادث المأساة الأندلسية؛ وهي بهذا الاعتبار وثيقة تاريخية لها قيمتها؛ ولهذا رأينا أن نؤثرها بتحليل عناصرها الواقعية، وإيضاح ما فيها من الإشارات واللمحات التاريخية.
وأول ما يجب تحقيقه هو الفترة التي وضعت فيها القصيدة؛ وفي تعيين هذه الفترة تحقيق للعصر الذي عاش عيه الشاعر، وللظروف والملابسات التي أحاطت به؛ هذه الفترة على ما يبدو من كثير من مقطوعات القصيدة هي الفترة التي تلت سقوط غرناطة مباشرة؛ ونحن نعرف أن غرناطة سقطت في أيدي النصارى في صفر سنة ٨٩٧هـ (ديسمبر سنة ١٤٩١) ودخلتها جنود فرديناند الكاثوليكي في الثاني من ربيع الأول (٢ يناير سنة
стр. 10897
١٤٩٢)؛ وكانت قواعد الأندلس قد سقطت قبل ذلك كلها تباعاً في أيدي النصارى؛ فسقطت مالقة في شعبان سنة ٨٩٢ هـ (١٤٨٧م)، ووادي آش والمنكب والمرية في أواخر سنة٨٩٤ هـ (١٤٨٩م)، وبسطة في المحرم سنة ٨٩٥ (ديسمبر سنة ١٤٨٩)، وهي آخر قاعدة أندلسية سقطت قبل غرناطة؛ أما رندة التي يستهل الشاعر قصيدته بالإشارة إليها فقد سقطت في يد النصارى في سنة ١٤٨٥ (٨٩٠ هـ)؛ ويبدو من أقوال الشاعر المؤسية عن رندة أنه ربما شهد سقوطها، وأن هذا الحادث قد ترك في نفسه أثراً عميقاً يتردد بقوة في روعة استهلاله، وهو أبدع مقطوعة في القصيدة:
أحقاً خبا من جو رندة نورها … وقد كسفت بعد الشموس بدورها
وقد أظلمت أرجاؤها وتزلزلت … منازلها ذات العلا وقصورها
أحقاً خليلي أن رندة أقفرت … وأزعج عنها أهلها وعشيرها
وهدت مبانيها وثلت عروشها … ودارت على قطب التفرق دورها
بل يلوح لنا أن الشاعر ربما كان من أهل رندة وقت سقوطها، وأن إشارته فيما بعد إلى المرية بقوله:
منازل آبائي الكرام ومنشئ … وأول أوطان غذّانيَ خيرها
لا يذهب إلى أكثر من أن المرية كانت موطن أسرته ومسقط رأسه، وأنه قضى بها حداثته الأولى وربما كان ذلك حوالي سنة ٨٦٠ هـ وأنه وقت سقوط رندة كان رجلاً ناضجاً يقف على مجرى الحوادث العامة وقوفاً تاماً.
ولنرجع إلى الفترة التي وضعت فيها القصيدة، فنقول إنه من المحقق مبدئياً أنها كتبت بعد سقوط غرناطة؛ وليس هناك ما يدل على أنها كتبت لترسل إلى السلطان بايزيد الثاني العثماني كما يظن الأديب المغربي الذي تولى نشرها. ذلك أن رسائل الاستغاثة التي وجهها زعماء الأندلس إلى السلطان بايزيد الثاني، وإلى الأشرف قاتيباي ملك مصر، وجهت منذ بدء الصراع الأخير، أعني منذ حصار مالقة وقبل سقوطها في سنة ٨٩٣ هـ (١٤٨٧م)؛ ولكن الاستغاثة لم تغن شيئاً، وسقطت قواعد الأندلس تباعاً في يد النصارى على النحو الذي فصلنا ولما اشتد النصارى في معاملة المسلمين بعد سقوط غرناطة؛ وأرغموهم على التنصر، وعصفت بهم محاكم التحقيق (محاكم التفتيش)، كتب بعض كبرائهم إلى بايزيد
стр. 10898
الثاني في أواخر عهده يستغيث به، وذلك حوالي سنة ١٥٠٥م، أعني بعد سقوط غرناطة بنحو أربعة عشر عاماً، وقد استطال عهد بايزيد الثاني حتى وفاته في سنة ١٥١٢م؛ وقد نقل إلينا المقري هذه الرسالة في كتابه (أزهار الرياض) ونقل إلينا معها شعراً مؤثر يصف به صاحب الرسالة عسف محاكم التحقيق، ويبدو من أسلوب هذه الرسالة والشعر كيف انحدرت اللغة العربية وآدابها في الأندلس في تلك الفترة بسرعة مدهشة، وكيف استطاعت السياسة الأسبانية في مدى قصير أن تخمد جذوة الشعر والأدب.
أما القصيدة التي نحن بشأنها فيبدو أنها كتبت قبل ذلك بحين، والمرجح أنها كتبت في سنة ٩٠٤ أو ٩٠٥ هـ (سنة ١٥٠٠م). ولنا على ذلك أدلة عديدة، منها قوة القصيدة وروعتها مما يدل على أنها كتبت عقب الفاجعة بأعوام قلائل قبل أن يخف وقعها في النفوس، وقبل أن تحدث السياسة الأسبانية أثرها في قتل اللغة العربية؛ ومنها الترتيب التاريخي الذي اتبعه الشاعر، فهو يورد الحوادث تباعاً بترتيبها التاريخي، إذا استثنينا إشارته إلى غرناطة؛ وبيان ذلك أنه يبدأ بالإشارة إلى سقوط رندة، وقد كانت أول قاعدة سقطت في أيدي النصارى سنة ٨٩٠هـ (١٤٨٥م) كما قدمنا؛ ثم يتبعها بالإشارة إلى سقوط مالقة في قوله.
فمالقة الحسناء ثكلى أسيفة … قد استفرغت ذبحا وقتلا حجورها
وجزت نواصيها وشلت يمينها … وبدل بالويل المبين سرورها
وقد كانت الغريبة الجنن التي … تقيها فأضحى جنة الحرب سورها
وفي هذا البيت الأخير إشارة فطنة إلى موقع مالقة ومناعتها وكونها كانت حصن الأندلس من الغرب، فلما سقطت سقطت قواعدها في يد العدو تباعاً؛ ويشير الشاعر بعد ذلك إلى سقوط بلش مالقة في قوله.
وبلَّش قطت رجلها بيمينها … ومن سريان الداء بان قطورها
وضحت على تلك الثنيات جحرها … فأقفر مغناها وطاشت حجورها
وكان سقوط بلش وهي حصن مالقة من الشمال الشرقي في جمادى الأولى سنة ٨٩٢هـ (إبريل ١٤٨٧م) وعلى أثر سقوطها حاصر النصارى مالقة واستولوا عليها في شعبان من هذه السنة (أغسطس سنة ١٤٨٧).
стр. 10899
ولما استولى النصارى على مالقة أخذت ثغور الأندلس وقواعدها الباقية تسقط تباعا في يد النصارى فسقطت المرية والمنكب في أواخر (سنة ٨٩٤هـ - ١٤٨٩م)، وسقطت بسطة في المحرم سنة ٨٩٥هـ (ديسمبر ١٤٨٩م)؛ ثم استولى النصارى على وادي آش قاعدة مولاي عبد الله (الزغل) في صفر من تلك السنة (يناير ١٤٩٠م)؛ ويشير الشاعر إلى هذه الوقائع بعد ذلك في قوله:
وبالله إن جئت المنكب فاعتبر … فقد خف ناديها وجف نضيرها
وقد رجفت وادي الأشى فبقاعها … سكارى وما استاكت بخمر ثغورها
وبسطة ذات البسط ما شعرت بما … دهاها وأنى يستقيم شعورها
وما أنس لا أنس المرية إنها … قتيلة أوجال أزيل عذارها
ولم يبق بعد سقوط هذه القواعد في يد المسلمين سوى غرناطة، وقد سقطت في يد العدو في صفر سنة ٨٩٧هـ (ديسمبر سنة ١٤٩١م) وإلى ذلك يشير الشاعر خلال ما تقدم:
ألا ولتقف ركب الأسى بمعالم … قد ارتج باديها وضج حضورها
بدار العلى حيث الصفات كأنها … من الخلد والمأوى غدت تستطيرها
محل قرار الملك غرناطة التي … هي الحضرة العليا زهتها زهورها
ترى الأسى أعلامها وهي خشع … ومنبرها مستعبر وسريرها
ومأمومها ساهي الحجى وإمامها … وزائرها في مأتم ومزورها
فهذا الترتيب التاريخي خلال قصيدته من عميق تأثره بالحوادث التي يصفها، مما يدلي بحداثة عهده بالمأساة حسن وضع رثاءه المفجع؛ بيد أن هنالك أيضاً في قصيدته ما يكاد يعين هذا العهد في نظرنا وهو قوله:
وجاءت إلى استئصال شأفة ديننا … جيوش كموج البحر هبت دبورها
علامات أخذ ما لنا قبل بها … جنايات أخذ قد جناها مثيرها
فلا تمتحي إلا بمحو أصولها … ولا تنجلي حتى تخط أصورها
معاشر أه الدين هبوا لصعقة … وصاعقة وارى الجسوم ظهورها
أصابت منار الدين فانهد ركنه … وزعزع من أكنافه مستطيرها
فهذه الإشارات تنصرف في نظرنا إلى أول محاولة قام بها الأسبان لتنصير المسلمين،
стр. 10900
ونقض عهودهم التي قطعوها لهم عند تسليم غرناطة باحترام دينهم وشرائعهم، وتأمين أشخاصهم وأعراضهم وأموالهم وحرياتهم. وكان ذلك سنة ٩٠٤هـ (١٤٩٩م) حينما قرر مجلس الدولة أن يفرض التنصير على المسلمين، وذلك لأعوام قلائل فقط من سقوط غرناطة. بل يلوح لنا أن الشاعر يشير بقوله:
ألا واستعدوا للجهاد عزائما … يلوح على ليل الوغى مستنيرها
بأسد على جرد من الخيل سبق … يدعُّ الأعادي سبقها وزئيرها
بأنفس صدق موقنات بأنها … إلى الله من تحت السيوف مصيرها
إلى الثورة التي حاولت بعض المناطق الإسلامية أن تقوم بها مقاومة لقرار التنصير؛ ويلاحظ هنا أن الشاعر يقف عند هذه الواقعة في الإشارة إلى الحوادث التاريخية مما يدل على أنها آخر حادث أدركه وقت نظم مرثيته؛ فإذا صح الاستنتاج الذي سقناه على النحو المتقدم، فأنا نستطيع أن نقول إن الشاعر وضع مرثيته كما قدمنا حوالي سنة ٩٠٤ أو ٩٠٥ هـ (نحو سنة ١٥٠٠م).
وهذا ومما يلاحظ أيضاً أن الشاعر قد تأثر في مواطن كثيرة من قصيدته بالقصيدة الطائرة الصيت التي نظمها سلفه ومواطنه أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس، وأنه أستمد منه بعض الوحي والمعنى؛ فقوله مثلاً:
فوا حسرتا كم من مساجد حولت … وكانت إلى البيت الحرام شطورها
ووا أسفا كم من صومع أوحشت … وقد كان معتاد الأذان يزورها
فمحرابها يشكو لمنبرها أحوى … وآياتها تشكو الفراق وسورها
مستمد من قول أبي البقاء في مرثيته:
حيث المساجد قد صارت كنائس ما … فيهن إلا نواقيس وصلبان
حتى المحاريب تبكي وهي سجادة … حتى المنابر ترثي وهي عيدان
وقوله:
وكم طفلة حسناء فيها مصونة … إذا أسفرت يسبي العقول سفورها
تميل كغصن البان مالت به الصبا … وقد زانها ديباجها وحريرها
فأضحت بأيدي الكافرين رهينة … وقد هتكت بالرغم منها ستورها
стр. 10901
مستمد من قول أبي البقاء:
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت … كأنما هي ياقوت ومرجان
يقودها العلج للمكروه مكرهة … والعين باكية والقلب حيران
وهكذا في مواطن أخرى. بيد أن شاعرنا يفيض في نظمه وفي تصويره قوة وطرافة. وليس من ريب أن مرثيته المفجعة من أبلغ وأروع ما رثيت به دولة الإسلام في الأندلس.
محمد عبد الله عنان
стр. 10902
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور احمد زكي وكيل كلية العلوم
بستور والكلب المسعور
- ١ -
لن يدور بخلدك أيها القارئ أن بستور ترك اسمه للنسيان، وشهرته للنقصان، أثناء الزوابع التي أثارها كوخ في الدنيا وهو يثبت أن المكروب يقتل الناس. وكيف يجوز هذا على بستور وفي عوده ما نعلم من صلابة، وفي أنفه لتصيد المكروب ما في أنف الكلب، وفي نفسه ما في نفس الشاعر من الحس والخيال؛ وهو فوق ذلك رب الدعاية الذي يعرف كيف يأتي الجماهير فيشهدهم فيتركهم صرعى حيارى مما رأوا أو سمعوا؟
في أواخر العقد الثامن من القرن الماضي - وكان كوخ قد اكتشف بذور داء الجمرة فأدهش الأطباء وأفرغ وأبدع - قام بستور ينفي بهزة من كتفه، وكلمة من أنفه، وتلويحة من يده، ما تمخضت عنه تجارب الأطباء ألوف السنين. يا لها صفاقة من كيميائي! وحكاية ذلك أنه جاءت فترة من الزمان صارت فيها مستشفيات الولادة بباريس مخابئ للوباء، تدخلها الأمهات يملؤهن الأمل ويحدوهن الرجاء، ولكن القدر الصائد الخبيء فيها كان يختطف منهن أما من كل تسع عشرة، تذهب بها حمى النفاس تاركة ولدها يلقى الحياة بغير حب الوالدات. وماتت عشر نسوة متتابعات في مستشفى واحد فأسماه الناس (بيت الإجرام)، وارتاع النساء فلم يثقن بالأطباء حتى أغلاهم أجورا، ًوبلغت بهن الريبة فأخذن يقاطعن المستشفيات، وخشي كثيرات منهن مواجهة مخاطر الحمل فرغبن بحق عن النسل، والأطباء أنفسهم فزعوا وافتضحوا بمرأى رسل الموت قائمة هكذا على أبواب الحياة وهي تولد. وذات يوم اجتمعت أكاديمية الطب بباريس، وقام فيها طبيب شهير يخطب ويجلجل في أسباب حمى النفاس - وهو وا أسفاه يجهلها كل الجهل - وامتلأ خطابه الرنان بكثير من الكلمات الإغريقية الطويلة، وكثير من الألفاظ اللاتينية الفخمة، وبينا هو في إحدى جملهُ الطنانة قاطعه صوت كالرعد جاء من مقاعد البهو الأخيرة. قال صاحب الصوت: (إن الذي يقتل النساء بحمى النفاس ليس الذي تقول، ولا شيئاً يشبه الذي تقول. إن الذي
стр. 10903
يقتلهن أنتم أيها الأطباء، فأنتم الذين تحملون المكروبات القتالة من المرأة المريضة إلى الأخرى الصحيحة. . .!) وما كان صاحب الصوت إلا بستور، وكان قد قام عن مقعده، وكانت عيناه تتطاير شرراً.
قال الخطيب: (قد تكون على صواب، ولكن أكبر ظني أنك لن تجد هذا المكروب أبداً. . .) وأراد أن يعاود خطابته المقطوعة، ولكن بستور كان في هذه اللحظة قد اخترق الصفوف ومشى إلى المنبر يجر وراءه رجله، وقد كانت شُلت بعض الشلل. ولما بلغ السبورة أمسك بعنف قطعة من الطباشير وصاح في الخطيب وهو في ضيقه، وفي أعضاء المجمع وهم في دهشة مما جرى، قال: (أنت تقول إني لن أجد هذا المكروب. أيها الرجل، إني وجدته، وشكله هكذا!) ورسم بستور على السبورة سلسلة من دوائر صغيرة، فأنفض الاجتماع في اختلاط كالعِقد انقطع نظامه.
كان بستور قارب الستين من عمره، ولكن كان لا يزال به عنف الخامسة والعشرين وتهورها، وكان كيميائياً، واختص في تخمير سكر البنجر، وعلم الخمارين كيف يدفعون الفساد عن خمورهم، وترك هذا العمل فجأة وأخذ في تخليص دودة القز مما اعتراها، وقام في فرنسا بالدعاية إلى تحسين البيرة الفرنسية وفعلاً تحسنت عما كانت، وقضى تلك السنين الطويلة يشتد على نفسه في العمل فأنجز فيها ما يستنفد أعمار عشرة رجال، ولكنه ظل يحلم دائماً طوال هذه السنين بالمكروبات وبأمل إصطيادها، لأنه عَلم عِلم اليقين أنها سبب مصائب الإنسان ومنشأ أمرضه الخبيثة
ولكنه استيقظ يوماً فوجد كوخ سبقه إلى ما أمل فحل العقد التي رجا هو أن يحلها. وإذن تحتم عليه أن ينهض لكوخ هذا وأن يلحق به. وكأني به يتمتم لنفسه فيقول: (وعلى كل حال فالمكروبات من بعض الوجهات من متاعي وحقي، وأنا أول من أبان خطرها منذ عشرين عاماً لما كان كوخ طفلاً صغيراً. . . .)
على أن لحاق بستور بكوخ قامت دونه عقبات. منها أن بستور لم يجس نبضاً قط، ولم يقل قط لرجل مصفور أخرج لسانك. ولقد يشك في قدرته على تمييز الرئة من الكبد. ومن المؤكد أن يده لم تكن تعرف كيف تأخذ بالمشرط. أما تلك المستشفيات القاسيات فبعداً لها وسحقاً، فقد كانت روائحها تبعث الألم في قرارة معدته، وكانت أصوات مرضاها وأناتهم
стр. 10904
تخرج من حجراتها إلى دهاليزها القذرة فيألم لها صاحبنا فيهم بسد أذنيه ويفر منها هارباً. على أن بستور لم يلبث أن تخطى هذه العقبات وذلل هذه الصعوبات. فهذا كان دائماً دأب هذا الرجل الذي لا يغلب، إذا قامت في سبيله صخرة فلم يستطع أن يقفز من فوقها دار من حولها. فاتخذ لنفسه أعواناً ثلاثة من الأطباء فبدأ أولا بالطبيب جوبرت ثم بالطبيبين وشمبرلاند وكانوا أحداثاً صغاراً. في آرائهم أحراراً، بل بلاشفة ثائرين على الطب القديم وتعاليمه السخيفة. وجلسوا في المجمع الطبي يستمعون لمحاضرات بستور، وكانت مما يزهد عامة الأطباء فيه، ولكن هؤلاء الثلاثة كانوا ينصتون ويغتبطون معجبين ببستور عابدين مؤمنين بكل نبوءة يتنبأ بها من كل وباء فتاك يثيره كل خبيث دقيق يخفي على البصر من الأحياء. تفضل بستور ففتح لهذا الثالوث أبواب معمله، فعلموه عوضاً من هذا تركيب جسم الحيوانات وكيف تعمل وتحيا، وعرفوه المحقن فأبانوا له الفرق بين إبرته وكابسته، وأقنعوه بأن الحيوانات مثل الأرانب والخنازير الغينية لا تكاد تحس إبرة المحقن وهي تضرب في جلدها، وكان رجلا يسوؤه أن يرى الألم أو أن يفعله. وعقدوا الخناصر فيما بينهم على أن يكونوا لوليهم هذا عبيداً طائعين، وأن يكونوا لهذا العلم الجديد رسلاً مبشرين.
إن صيد المكروب ليس له سبيل واحدة يقال لها هذه، وهذه فحسب. وتلك حقيقة لا مراء فيها. ودليلنا عليها السبيلان اللتان اتخذهما كوخ وبستور لنفسيهما، فقد اختلفا اختلافاً بيناً على الرغم من اتفاق الغاية التي قصدا إليها. أما كوخ فكان يطبق المنطق في برود قاتل، حتى لكأنه كتاب هندسة في يد طالب - فقد بحث بِشلة السل بتجاريب غاية في التنظيم، وخال عنها كل الاعتراضات التي يخالها الشكاكون الناقدون، وذلك قبل أن يعلم هؤلاء بوجود شئ ينقد. وكان كوخ ينشط إلى ذكر خيباته كما ينشط إلى ذكر فوزاته، وبمقدار واحد لا يزيد في هذه على تلك أبداً. فقد كان له إحساس بالعدل غير إنسي. وكان ينظر إلى كشوفه نظرة الناقد المتغالي حتى لكأنها لغيره. أما بستور فقد كانت في قلبه شهوة على البحث متقدة، فكانت تخرج من رأسه النظريات الصائبة تتلوها أخواتها الخاطئة في تتابع سريع كأنها صوارخ النيران انطلقت في مهرجان، ولكن في قرية، فخرجت على غير عمد وفي غير نظام.
стр. 10905
بدأ بستور يبحث عن مكروبات الأمراض فثقب دملا في عنق أحد أعوانه وربّى مما أخرج منه جرثومة؛ وما أسرع ما أيقن أنها أصل الدمامل وسببها. وبغتة ترك ما هو قائم فيه من ذلك وهرع إلى مستشفى فوجد مكروبه المتسلسل في أجسام النسوة وهي تموت، فما أسرع ما قال إنه مكروب حمى النَفّاس! ومن المستشفى طار إلى الريف ليكتشف أن دود الأرض يحمل بشلة داء الجمرة من جثث الأبقار الوبيئة المدفونة في باطن الأرض ويخرج بها إلى ظهرها، ثم هو لا يثبت كشفه هذا إثباتاً كاملاً. كان بستور عبقرياً في العباقرة، غربياً يحس بحاجة دفاعة إلى القيام بعشرة الأمور في آن واحد، ولا يحتفل بمقدار الدقة التي ينجزها بها فهي قد تنقص وقد تزيد، كل هذا ليكشف عن تلك الذرة من الحقيقة التي تتراءى في أكثر أعماله
خبط بستور في كل أرض، وهب مع كل ريح، وليس بعسير عليك أن تدرك في كثرة خبطاته وتنوع هباته أنه كان يتلمس طريقاً تؤدي به إلى سبق كوخ والتفوق عليه. أثبت كوخ في وضوح جميل أن الجراثيم تحدث الأمراض؛ لا شك في هذا. ولكن ليس هذا كل شئ. ليس هذا الإثبات أهم شئ. فأهم منه اكتشاف طريقة تمنع هذه الجراثيم من قتل الناس؛ أهم منه حماية الإنسان من الموت. وفي سبيل هذا ظل بستور يخبط طويلاً على غير هدى. قال رو يصف تلك الفترة من حياة بستور بعد أن فاتت بزمان طويل: (أي تجربة سخيفة لم نبتكر! أي تجربة مستحيلة لم نتخيل! ثم يصبح الصباح فنضحك من أنفسنا من جرائها ملء أفواهنا طويلاً).
لا بد لفهم بستور من تفهم أخطائه وانهزاما ته بمثل ما نتفهم إصاباته وانتصاراته. لم يكن لبستور صبر كوخ ولم تكن له دقته، فلم يهتد إلى ما اهتدى إليه كوخ من تربية الميكروبات نقية. فذات يوم أغلى بستور بولا في قبابة وزرع فيها بشلات الجمرة ثم نظر إليه بعد ذلك فساءه وغلظه أن وجد به ميكروبات دخيلة جاءته من الهواء. وفي الصالح التالي نظر إليه أخرى فلم يجد به من مكروبات الجمرة شيئاً. لقد ذهبت بها جميعاً مكروبات الهواء! وعندئذ يقفز بستور قفزة بارعة إلى الفكرة الآتية: (حيث أن مكروبات الهواء المسالة استطاعت أن تخنق بشلات الجمرة التي في القبابة فلا شك أنها فاعلة ذلك في الأجسام. والظاهرة واضحة: مكروب يأكل مكروب). وما أسرع ما صاح بذلك في الناس! وما أسرع ما كلف
стр. 10906
عونيه رو وشمبرلاند بإجراء تجربة بديعة في الخيال مؤداها حقن مكروب الجمرة في خنازير غينية ثم اتباعها بحقن مكروبات هادئة مسالمة رجاء أن تطارد في الدم تلك المكروبات الثائرة اللعينة فتقتلها وتزدردها ازدراداً. وأعلن بستور في جِدّ عابس قال: (إن هذه التجربة قد يكون من ورائها انفتاح الأبواب لعلاج الأمراض وشفائها). وهذا آخر ما تسمع منه عن هذه التجربة التي أثارت كل هذا الأمل الهائل. فهكذا كان بستور يخفي إخفاقاته عن العلماء فيحرمهم من درسها، وقد يكون في درسهم إياها الإصلاح والنجاح.
غير أنه لم يمض قليل من الزمن حتى كلفته أكاديمية العلوم أمراً غريباً وبعثته إنابة عنها رسولاً، وفي أداء هذا الأمر وإيجاز هذه الرسالة عثر بستور غير عامد على حقيقة أنارت له السبيل فاهتدى على نورها إلى طريقة يؤنس بها شوارد المكروبات فتنقلب من بعد عدائها للإنسان أمناً عليه وسلاماً. نعم وقع على هذه الحقيقة فأخذ بناء عليها يخط الخطط ويحلم الأحلام، فيجد نفسه قد أثار المكروب الحي بعضه على بعض، وبث فيه الخصام فأباد نفسه بنفسه، فنجا الحيوان والإنسان من الموت، وكفى الله المؤمنين القتال. وقصة ذلك أنه شاع في ذلك الوقت أن بيطرياً اسمه لوفرييه اكتشف علاجاً لداء الجمرة، وذلك في جبال الجور بشرق فرنسا. وذاع أمر هذا العلاج واشتهر. وشهد أعيان الناحية بأن مئات الأبقار شفيت به وهي على باب الموت، وإذن آن أوان العلم أن يقر هذا العلاج الجديد.
- ٢ -
وبلغ بستور تلك الناحية من جبال الجورا، وصحبه أعوانه الشباب فوجدوا أن هذا العلاج المعجز يتلخص أولا في أن يقوم نفر من الفلاحين بدعك البقرة المريضة دعكا شديدا لتحتر ما استطاعت إلى الاحترار سبيلا، ثم يشرط جلد البهيمة المسكينة شرطا، ويصب زيت التربنتينة على هذه الشروط صباً، وبعد التمثيل بها هذا التمثيل الشنيع يغطى جسمها إلى رأسها بطبقة سميكة من مادة لا نذكرها تأدباً، وذلك بعد نقيعها في الخل الساخن، وتظل البقرة تصعق بالخوار شديداً من الألم ولا سامع ولا راحم. أما وقد تم كل هذا، وقد ودت البائسة المعذبة لو تموت، فيغطى جسمها أجمع بثوب شامل ليستبقي هذا المرهم الغريب عليها زمناً مقدوراً.
قال بستور للوفرييه: (إن البقر الذي تصيبه الجمرة لا يموت كله بل يشفى بعضه من ذات
стр. 10907
نفسه. وعندي تجربة لا أرى عدلا لها ترينا هل حقا علاجك هو سبب خلاص هذه الأبقار. فهيا بنا يا عزيزي نجرب)
وأحضر لهما أربع بقرات، وقام بستور في حضرة لوفرييه وبشهود وفد عليه سيما الجد من المزارعين، فطعن الأبقار في أكتافها أربع طعنات من محقنه بعد أن ملأه بزريعة من مكروبات الجمرة، فانساب في أجسامها مقدار يقتل الشاة الواحدة بالتحقيق ويقتل من الخنازير الغينية عشرات. وفي الغد عاد بستور ولوفرييه ووفد المزارعين فوجدوا الأبقار جميعاً قد علت أكتافها أورام حادة محمومة، وهي تتنفس شخيراً. فلم يعد شك في أنها في إبان مرضها.
قال بستور لصاحبه: (والآن يا دكتور، تقدم فاختر بنفسك بقرتين من هذه الأربع المريضة. ولنسمها أ، ب فخذها وعالجها على نحو ما تفعل. أما هاتان البقرتان الأخريان ج، د فدعهما بلا علاج) وقام لوفرييه على البقرتين البائستين يصب عليهما النقمة التي تدعى علاجاً. فكانت النتيجة ضربة قاضية على العلاج وعلى صاحبه الذي أحسن النية وقصد الخير - ذلك إن إحدى البقرتين اللتين عولجتا ماتت وسلمت الأخرى، وإحدى البقرتين اللتين لم تعالجا ماتت وسلمت الأخرى.
قال بستور لصاحبه: (حتى هذه التجربة كان في إمكانها أن تخدعنا، فلو أنك أعطيت دواءك للبقرتين ا، د بدلا من ا، ب وحدث الذي حدث، أذن لظننا أنك وقعت للجمرة على خير علاج) مات في التجربة بقرتان، وسلمت فيها بقرتان وشفيتا لكن بعد أن عانت من الداء الأمر. ففكر بستور فيما هو صانع بهما، قال: (أظن أنه لا بأس من حقنهما مرة أخرى بنسل من مكروب الجمرة أخبث من الأول. إن عندي في باريس نسلاً شديد الفتك لو أنه حقن في كركردن لسود ليلته وأفسد عليه نومته) وبعث بستور في طلبه من باريس فلما جاء حقن منه قطرات في كتف البقرتين، واصطبر ينتظر مرضهما فلم يمرضا، حتى الورم لم يحصل حيث ضرب بإبرة المحقن من كتفيهما. وبقيت البقرتان سليمتان هنيئتين ولم تحفلا بالذي كان!
فقفز بستور إلى إحدى استنتاجاته السريعة، قال: (أن البقرة التي تصاب بالجمرة ثم تشفى لا تأتيها الجمرة مرة أخرى ولو حقنت بما على ظهر البسيطة من مكروب هذا الداء - إنها
стр. 10908
إذن تصبح حصينة). وأخذت هذه الفكرة تدور بفكره ثم تدور، يلعب بها وتلعب به فلم تسمع أذنه ما ألقت زوجه عليه من سؤال، ولم تر عينه ما وقعت عليه الأشياء. (كيف أستطيع أن أعطي الحيوان شيئا قليلاً من مرض الجمرة، شيئاً يعطيه الداء ولا يقتله، ولكن يتركه من بعد ذلك حصيناً. . . . كيف السبيل إلى ذلك. . . . لا بد من سبيل. . . لا بد أني واجده)
ومضت أشهر وبستور على هذه الحال. وكان يقول لرو ولشمبر لاند (أي سر في الدنيا أشد خفاء من أن المرض الخبيث إذا زار مرة وارتحل، فلن يعود مرة أخرى) وبقى يردد بين شفتيه: (لا بد من الحصانة لا بد أن نحصن من المكروب. . . . لابد. . . . لابد.)
(يتبع)
احمد زكي
стр. 10909
نظرية النسبية الخصوصية
المقال الثاني وحدة قوانين الطبيعة والبعد الرابع في النسبية
للدكتور إسماعيل احمد أدهم
عضو أكاديمية العلوم الروسية
- ٥ -
إنه من غير الممكن التوفيق في نظام غاليلي (نسبة لغاليلو العالم الفلكي الإيطالي) بين سنة النسبية الكلاسيكية ومبدأ انتشار النور بسرعة ثابتة إلا برد مبدأي إطلاق الزمان والمكان والرجوع بهما إلى هيئات القياس، أعني إلى مبدأ نسبتيهما إلى الهيئة التي تقاسان بالنسبة لها. فإذا فرضنا نظاماً مادياً مثل (ع) ومن نقطة مثل (م) فيها لنفرض أن شعاعة ضوئية مثل (ص) صدرت، فستكون سرعة هذه الإشارة الضوئية واحدة في كل الاتجاهات. فإذا فرضنا أن هذه الإشارة الضوئية حددت في زمان مثل (ت) وكان مرموزاً لسرعة الضوء بالرمز (ن) فهذه الشعاعة ستتبع القانون الآتي:
ك٢ + ي٢ + ز٢ - ن٢ت٢=م
لننتقل إلى نهاية امتداد نظامها، وهنا الرموز ك، ي، ز، تمثل ثلاث حوادث حدثت في الكون (ع) فإذا فرضنا نظاماً مادياً أخر مثل (ع) متعامدة على النظام الأول وتتحرك حركة نسبية إزاءها فأن الدستور أو القانون الدال على الحادثات يتغير من الأول إلى آخر هو:
ك٢١ + ي٢١ + ز٢١ - ن٢ ت٢١=م
وفي هذا القانون يكون الرمز (ت١) لأوان الزمن الذي بدأ فيه انتشار الشعاعة الضوئية والمقادير
ك، ي، ز، ت، ك١، ي١، ز١، ت١
لما كانت ظواهر مستمدة من الإشارات الضوئية حدثت في الكون (ع) كان معنا المعادلة:
ك٢ + ي٢ + ز٢=ن٢ت٢=أ (ك٢١ + ي٢١ - ز٢١ - ن٢ت٢١=م
وهنا (أ) رمز لسنة التقلص، ولما كان خط الانتقال من النظام (ع) إلى (ع١) لا يؤثر في الحادثات لثبوت قوانين الطبيعة كانت القوانين الطبيعية في النظام (ع) هي القوانين التي
стр. 10910
بالنظام (ع١)؛ واستناداً إلى ما تقدم نقرر أن: أ=١ فيكون القانون الدال على حركة انتقال الشعاعة من (م) إلى نهاية امتداد حد النظام بالنسبية للنظام المادي (ع) هو نفسه القانون الدال على الانتقالية بالنسبة للنظام المادي (ع١) وينشأ بذلك معنا المعادلة الآتية:
ك٢ + ي٢ + ز٢ - ن٢ت٢=ك٢١ + ي٢١ - ز٢١ - ن٢ت٢١
لأن سرعة النور تنتشر بسرعة ثابتة في جميع الاتجاهات وإذا ما فرضنا أن في النظام (ع) المادي المحاور: م١ك١، م١ي١، م١ز١
موازية للمحاور م٢ك٢، م٢ي٢، م٢ز٢ في النظام (ع١) وفرضنا أن المحورين (م١ك١) و (م٢ك٢) موازيان لاستقامة السرعة النسبية (س) فبالنسبة لراصد مثل (ص) يرصد الحادثات ك، ي، ز في النظام (ع) والحادثات ك١، ي١، ز١ في النظام (ع١) أن حدثت في الزمان (ت٢) حوادث النظام (ع) فلتحقيق المساواة العليا يجب أن يتحقق أن:
ك٢=ق (ك١ - س ت١)
ي٢=ي١
ز٢=ز١
ت٢=ق (ت١ - س ك١ن٢)
ك١=ق (ك٢ + س ت٢)
ي١=ي٢
ن١=ز٢
ت١=ق (ت٢ + س ك٢ن٢)
حيث كان فيها ق رمزاً لقانون التقلص أعني أن
ق=أ=١ (١ - س٢ن٢)
هذه المقادير الرياضية شهيرة بقوانين التحويل اللورانتزي نسبة إلى كاشفها العلامة لورانتز الهولندي، وهذه المقادير ما دامت قد استخرجت مرة واحدة فيجب قبول مبادئ الميكانيكا التي أذاعها لورانتز كنتيجة مسلسلة من نظرية النسبية الخصوصية.
- ٦ -
стр. 10911
أوضحنا فيما سبق أن أفكار اينشتين في النسبية الخصوصية تقوم على أساسين:
الأول: انتشار الضوء بسرعة ثابتة في الأكوان المختلفة أعني أن الأمواج النورية ليست تتبع مصادرها من حيث الحركة والسرعة، فبمجرد انطلاق موجة نور من منبعها تستقل عن مصدرها وتنتشر خلال الفضاء وفي رحاب المكان بحركة منظمة ذات سرعة ثابتة
الثاني: الحوادث التي تقع داخل أكوان تتحرك بازاء بعضها تنظم من حدوثها قوانين طبيعية تكون في جميع أطوارها ثابتة لا تتغير.
والمبدأ الثاني نتيجة للأول. ومن هذين المبدأين يستنتج انشتين القاعدتين الآتيتين:
الأولى: أن سرعة النور لها مقدار ثابت لا يتغير
الثانية: ينظم من حدوث الحوادث التي تقع في أكوان تتحرك بازاء بعضها حين انتقالها من كون إلى آخر قوانين التحويل التي كشف عنها العلامة لورانتز.
وبذلك تحافظ معادلات المجال الالكترومغناطيسي على صبغتها التقديمية بينما قوانين غاليلو تغير من هذه الصيغة
إن قوانين لورانتز لا تتفق مع قوانين غاليلو، ذلك لأن الثانية تقوم على مبدأ إطلاق الزمان في الوقت الذي تقوم فيه قوانين لورانتز على مبدأ نسبية الزمان، ومن بين قوانين لورانتز وغاليلو تكونت تجربة (ميكلصون - مورلي)
كان من المنتظر أن تعطي تجربة (ميكلصون - مورلي) نتيجة إيجابية بالنسبية لمجاميع غاليليو التحويلية بينما كانت ترجح لها نتيجة سلبية بالنسبة لمجاميع لورانتز التحويلية من حيث كونها تتضمن مفهوم كل من الزمان والمكان نسبياً.
لقد تأيدت معادلات التحويل التي أذاعها العلامة لورانتز بنتيجة (ميكلصون - مورلي) السلبية وكانت نتيجة هذا التأييد أن رجعت بالميكانيكا الكلاسيكية إلى مبادئ الالكتروديناميكا.
وعلى وجه عام فقوانين المجال الالكترومغناطيسي صحيحة إلا أن قوانين ومبادئ الميكانيكا الكلاسيكية يمكن تطبيقها على السرعات العادية التي هي كسر ضئيل من سرعة الضوء. وفي السرعات الكبيرة يلزم الرجوع لقوانين المجال الالكترومغناطسي. وفي حالة تطبيق المبادئ الميكانيكية الكلاسيكية للسرعات البسيطة يجب أن توفق مع قوانين لورانتز
стр. 10912
التحويلية.
إن نظرية كلارك ماكسويل في الكهرب مغناطيسية تقوم على أساس ثبات سرعة الضوء، وعلى التأثير القربي في انتشاره، وبذا تتحقق دساتير وقوانين التحويل التي أذاعها لورانتز ويتقرر مبدأ نسبية الزمان وينتفي إمكان وجود أية علاقة تربط أثراً ذا سرعة لا متناهية كالضوء بالمؤثر، أعني منبع الضوء.
وخلاصة القول إن علم الحركات الذي كشف عنه اينشتين هو علم الحركات التجريبي، وهو يستند على دساتير لورانتز التحويلية وتومئ إلى وحدة قوانين علم الحركات.
(تم المقال الثاني)
إسماعيل أحمد أدهم
стр. 10913
تاريخ الأدب النسوي في فرنسا
للأستاذ محمد بك كرد علي
بقية ما نشر في العدد الماضي
وما ظهرت تباشير القرن التاسع عشر، حتى صحت العزائم على تعليم المرأة تعليماً رسمياً، ففي سنة ١٨٣٦ منحت حق التعليم الابتدائي العالي، وفي سنة ١٨٥٠ نشر قانون يقضي بإنشاء مدرسة في كل كورة يتجاوز سكانها ثمانمائة إنسان، وبعد سبع عشرة سنة عم هذا القانون الأقاليم بأسرها ولاسيما ما يجاوز سكانه الخمسمائة. وفي سنة ١٨٧٨ نشر أحد عظماء الكتاب كتاباً أسماه (الجوارب الزرقاء) أورد فيه عدة مقالات في المتأدبات والكاتبات، وقال أن هذا الجنس من النساء الكاتبات قد خرجن عن الأنوثة، وما هن إلا الرجال، بيد أنهن لم يبلغن مبلغهم، يريد بقوله صاحبات الجوارب الزرقاء النساء اللائي كن لكثرة ما صرفن من همتهن العقلية قد بلغت حالهن أن يذهدن في التجميل ويلبسن جوارب زرقاء مثل المعجبات بأنفسهن في إنجلترا.
واستطاعت المرأة بعد هذه الحقبة من الزمن أن تظهر بظهور مدام كوري تلقى دروساً في (كوليج دي فرانس)، وما بقيت قلعة للذكور إلا وتخطاها النساء، حتى ولا مدرسة المعلمين العليا ولا منابر الجامعات، ولم يبق أمامهن عائق يعوقهن عن التعلم، ونشر ما يستهوى قلوبهن، ويرضي نفوسهن، وأصبحن في حل من أن يتعلمن كما شاء لهن الهوى؛ وغدا منهن الأساتيذ والصحافيات ومديرات دور الطباعة، وأخذن ينافسن الرجال في جوائز الأدب والمجامع الأدبية العامة والخاصة، فتمت لهن كل أدوات الثقافة في بيوت العلم، ولكن القرائح تخلق خارج المدارس، وللنساء أن يتوسعن ما شئن، وليس في مقدورهن أن ينبعثن إلى الحد الذي يطمحن إليه، ولا يسرح النساء ويمرحن إلا في ظل الحرية، فإذا أخذن من عنان قرائحهن يفقدن أجنحتهن. ولذا بقين إلى أول القرن العشرين يمشين على أثر الرجال، ولم يتحررن التحرر المطلوب إلا في هذا القرن. حتى لقد قال ستندال إن قلة استعداد المرأة لبلوغ مراتب الكمال في تأليف النساء منبعث من كونهن ما جسرن ذات يوم أن يتحللن من قيودهن إلا نصف تحلل، ومتى حاولن الحرية المطلقة فكأنهن يخرجن بلا
стр. 10914
خمار، على أنهن بعد هذا القول خرجن بلا براقع، وأحياناً بدون دثار ولا شعار؛ والسعادة لم تحالف العاملات من هذا الطراز، فإنهن إذا أغلقن أبواب غرفهن وصرن إلى خلوة لا يسعهن العزاء بعلمهن العقلي، على حين يحاولن أن يجدن لأنفسهن عزاء، فيأتي الشيطان يعبث بأهوائهن، وقلَّ فيهن من تنسى الحب والغرام، فإذا اشتد إغواؤهن أصبح عسرهن إلى مياسرة، وتداعت كل قوة كن يعتصمن بها.
والواقع أن النساء بأسرهن عبيدات حواسهن وأعصابهن وقلوبهن، لا ينجع فيهن اعتراض إذا خالف قانون الطبيعة وأعني الحب. وكان الأديبات منهن إذا مجدن الحب بالمعنى الوجيز يجهلن حب الأمومة على ما تجلى ذلك في مكتوباتهن، ومع هذا تراهن يتكلفن فيما يكتبن ويتطلبن إلى حواسهن وقلوبهن أن تعطي اكثر مما لها، وما كتب لهن إلا أن يكن أدوات تحس وتهتز، وأن يجعلن من العالم مجموعة أحاسيس. وإذا فحصت الأدب النسوي المعاصر من حيث الإنشاء تسقط فيه على قرائح عظيمة وعلى نبوغ أيضاً، ولكن قل أن تقع فيه على شئ اسمه فن. ويقال إن النساء ما عدا اثنتين أو ثلاث منهن لا يحسن التفريق بين المواد التي تتطلبها الحياة، فمنهن من تجتهد اجتهاداً ينتجن به آثاراً طيبة، وكثيرات يرسلن أقلامهن على فيضها كما يشاء الهوى، لا يحفلن التنقيح ولا سلامة التراكيب. وفيهن من اتخذت الأدب للسياسة، ومنهن من عانين فلسفة الأخلاق، ومنهن من مارسن في التربية وظللن فيها متوسطات لم يأتين بإبداع، وفقد في أدبهن التجدد على حين رأينا الأدباء والكتاب بعد الحرب أحدثوا طرائق لهم جديدة خالفوا فيها طرائق الآداب قبل الحرب العامة.
لا جرم أنهن لم يكتب لهن التفوق على الرجال أن التدقيق يصعب عليهن، حتى أن القصصيات منهن لم يتوخين إلا وصف الحب في كل مظاهره، جعلنه موضوع قصصهن؛ وكذلك كان القصصيون، ولهؤلاء قدرة على معرفة المداخل والمخارج في أقاصيصهم، يتبعون العقل، ويحسنون تطبيق الأصول اللازمة، ولم يعهد لامرأة أن برزت، فكانت مؤلفة في الدرامة، وما جاء منهن مؤرخة. فالمرأة تحسن أن تضحك من مثيلاتها، ولكنها لا تحسن الإضحاك. أما الرجل فيحسن نقد نفسه، كما يحسن أن ينتقد غيره؛ والنساء يحاذرن كثيراً من المزاح الذي يأتي على الاعتبار والحرمة والحب. وهن مجموعة عواطف تحس
стр. 10915
بالحاجة كل الإحساس وتخشى أن تقع فيها، حتى لتضن بالابتسامة صادرة عن امرأة لا تنافسها، وكذلك حالها في التاريخ، فقد نشأ في النساء مدونات مذكرات بكثرة، وقصصيات، ومنهن اليوم أستاذات في التاريخ وأستاذات في استخراج المكتوبات والمخطوطات، يستطعن بما ثقفن من معارف أن يعملن عملاً علمياً وما كان منهن إلى اليوم مؤرخة من عيار (أوغستين تيري)، ولا (ميشليه)، لأن اللازم للتبريز في هذا الشأن معلومات كثيرة ليس في مكنة النساء احرازها، بل الواجب أن يكون لها مع ذلك فكر نقاد عار عن كل هوى للتمييز بين الحقائق والظنون، وعقل مجرب لإدراك ألوف من الروابط تجمع الحوادث بعضها إلى بعض، ورأي أكيد قادر خال من التفصيل في العواطف، وقدرة على النظر إلى عصر واحد نظرة واحدة؛ ولهذا لم ينشأ من النساء امرأة عظيمة واحدة في باب النقد الأدبي والفني، ولا كان منهن فيلسوفة تلفت النظر. ومن النساء من كانت لهن مقدرة على الاستفادة من دروس أساتيذهن، ليس فيهن واحدة ابتدعت مذهباً، وما قام منهن واحدة استطاعت أن تنتج مثل (خطاب في التاريخ) ولا (الأفكار لباسكال) فهن قاصرات في جميع الفروع التي تستلزم من المؤلف التجرد المطلق من نفسيته، وما لمعت أعمالهن إلا في موضوعات لا فن فيها؛ وقلائل منهن من كتب لهن التفوق في الإنشاء والكتابة، إلا من قادهن الرجال في عملهن، فان (مدام دي لافاييت) أشرف عليها (سكري) و (لاروشفو كولد)، و (مدام دي ستال) سارت بسير أصحابها العديدين، و (جورج ساند) قادها عشاقها، (ومدام كوليت) راقب أعمالها (فنيلي).
فإذا لم تتح مواهب النساء الطموح لهن إلى منزلة في الأدب المجرد، فقد شهدنا في آثارهن أحياناً أنها خالية من الصنعة، فصح أن يقال أن ليس لهن قدرة على التفكير الصحيح، والتوسع اللازم لوضع الفكر المجرد والإنشاء الفني؛ ولذلك تساءل (بول فاليري) عما إذا كانت المرأة ستظل إلى الأبد ظاهرة التوسط في معاناة الأعمال الفكرية، ناقصة في معاني الإبداع والحرية، وعما إذا كان هذا الضعف الملازم هو ثمرة استعبادها زمناً طويلاً. قال: وأنا أود أن يكون الأمر كذلك، ففي الحالة الأولى تكون قد عبثت بها الأقدار الفسيولوجية، وفي الحالة الثانية يحكم عليها بأن انحطاطها ناتج من أخلاقها. قال ولا يخفى ما تؤثره الأخلاق التي تخلق البشر بها والقوانين التي ساروا عليها قروناً في مجموعة التركيب
стр. 10916
البشري.
ولم يكتب للنساء درجة عالية حتى في فن الطهي، ورأينا كبار الطهاة من الرجال لا من النساء، وتراهن في باب الأزياء، والأزياء من أخص خصائصهن، ينثنين على أنفسهن ليتجملن، فهن في هذا الباب أيضاً مقودات بأيدي الرجل، بل إن النساء الملكات كما لاحظ (باربيه دورفيلي) قد فقدن البداهة والعمل الذاتي وما ساعد الملكة (اليزابيث) الإنجليزية إلا بورليخ، وإذا ذكرت (كاترين) الروسية ذكرت معها بطرس الأكبر.
وقد ظهر من أبحاث العلماء في جميع الأمم أن الطبيعتين الأنوثة والذكورة متخالفتان، لا في ظواهرهما بل في أعمق تراكيبهما؛ والأطباء يقولون إن كلا من الفتى والفتاة ينشأ نشأة طبيعية متخالفة، ويكثر الموت والضعف في الصبيان، ويتجلى الذكاء والإحساس والحكمة في الطفلة، قبل تجليه في الطفل؛ ولا تزال الفروق بينهما تتزايد من الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة؛ ويبدو في الصبيان الاستعداد لتعلم الحساب والعلوم المقررة كما يبدو للفتيات بفضل خصوبة إحساسهن، جمال إنشائهن ورقة نشوئهن بالقياس إلى خشونة كتابة الصبيان؛ وبعد اجتياز هذه السن الصعبة يرتقي الصبيان ارتقاء دائماً، أما الصبايا فيقعن فجأة مأخوذات بحالة جديدة، وهي حالة المرأة؛ وكثيرات فيهن من يتركن عندئذ كل عمل. وادعى بعضهم إن ذكاءهن يضمحل في ذاك الدور ليقوم مقامه حس ينصرف إلى الذل، والغزل، والموسيقى، والقراءة، وأعمال الإحسان؛ وكثيراً ما يكون أحسن التلميذات في سن الخامسة عشرة إلى السابعة عشرة ممن تأخر نموهن؛ وبينما يكون البلوغ في الصبي داعياً إلى توسع فكره، وحاملا له على معاناة المسائل الكبرى فوق الطبيعة، تنثني الفتاة على نفسها، وتمشي مع إحساسها، ثم تعاني مشاكل الحب والأمومة، خلافا لما ادعته (مدام دي ستال) من أن الأرواح ليس لها جنس معين.
وقد قرر العلماء إن تشريح الجنسين متخالف كل التخالف، فالقامة وثقل الجسم أقل في النساء منهما في الرجال؛ وقوة الأعصاب في الفتيات أقل مما هي في الرجال بنحو الثلث؛ وجماجم البنات أقل استعداداً للنمو وأدمغتهن أقل وزناً، حتى بالقياس إلى الوزن العادي. وقرر العلماء أن حاسة الشم والذوق في النساء أقل مما هي في الرجال؛ ولذلك قل أن استخدم أرباب المعامل النساء في الأعمال التي تتطلب التمييز بين الألوان والأذواق، مثل
стр. 10917
التفريق بين الخمور والشاي، ومراقبة الصوت وإصلاح (البيان). قالت (مدام دي رموزا): إن الحس أكثر ملازمة لنا معاشر النساء من الملاحظة. واستنتج من هذا أن ذاكرة النساء أقل اضطلاعاً بالمسائل من كل وجه من ذاكرة الرجل. واضطراب المرأة اعظم بكثير من اضطراب الرجل. وتزيد في بعض أدوار حياتهن اضطراباً حتى تكون مرضاً وحرضاً تبعث على الغضب، وتصبح مدة الحمل أحياناً في مثل جنون عارض. وهكذا انفرد الرجل بالذكاء والمرأة بالشعور؛ والرجل في كل حين يفكر ويقدر، والمرأة تشعر وتحس. فالشعور فيهن هو كل ما لهن من آيات النبوغ. قالوا إن المولى أبى أن يرزق النساء قرائح لتتجمع كل جذوتهن في القلب.
قال وقد يعترضني أناس كثيراً من الفتيات أحرزن المقام الأول في المسابقات العلمية والأدبية الصعبة، ولكن (خيركوف) بحث في فتيات الجامعات فانتهى به البحث إلى أن الطالبات قد أهبن بالحافظة والمعلومات الجدية التامة المدققة أكثر من الطلاب؛ فالطالبات ينقصهن الاستقلال والتعمق في الفكر. فهن آخذات غير موجدات. وقارن المؤلف بين ثلاثة من الكتاب: (بوسويه) و (فلوبير) و (بول فاليري)، وبين ثلاث كاتبات (مدام دي سيفينه) و (جورج ساند) و (مدام كوليت)، فثبت له أن في إنشاء الرجال منطقاً سليماً، وفكراً مستقيماً، كانت فيه متانة جملهم، ورنة أصواتهم الموسيقية وتساوق المجموع من أقوالهم، على خلاف كتابة أولئك الكاتبات العظيمات.
قال ولا سبيل إلى إنكار تأثيرات العرف من القرون في تربية المرأة. ولعل أوربا تشهد في مستقبل الأيام حالة تشبه ما نراه من مثلها في الولايات المتحدة اليوم، وهي أن الرجل يشتد في اقتناص المال عاملاً له كل ساعة، والمرأة مستغرقة أبداً في تثقيف نفسها، وعندئذ ينشأ من النساء الهواة المنورات، والكاتبات البارعات، والمغنيات الباهرات، يكن مناراً يهتدي به الرجل الساري في الحياة. أما الآن فالنساء ينقلن عن الرجل، والناقل بنقله معترف ضمناً بتفوق من ينقل عنه.
محمد كرد علي
стр. 10918
للتاريخ السياسي
عشرة أيام بئيسة مشروع
لافال - هور والرأي العام دواعي هذه الخطة الوخيمة العواقب
للدكتور يوسف هيكل
بقية ما نشر في العدد الماضي
موقف كل من الإمبراطور وموسوليني:
في ١٦ ديسمبر أبدت الحكومة في ديسي رأيها في اقتراح باريس، وهي تعتبر أن إعطاء إيطاليا المعتدية قسماً من الحبشة يكون مشجعاً لها أن تعمل على اكتساح الحبشة مرة ثالثة، وأن الاقتراح القائل بإعطاء إيطاليا امتيازاً اقتصادياً في جزء كبير من الحبشة لأشد ضرراً من الانتداب، وأن حكومة الإمبراطور موقنة بأن مجلس العصبة سوف يرفض الاقتراح عند اجتماعه في ١٨ من ديسمبر.
وبهذا التصريح أظهر الإمبراطور مهارة دبلوماسية لا تقل عن مهارة كبار السياسيين اليوم. إذ رفض (الاتفاق) بصورة غير مباشرة؛ ووضع عصبة الأمم أمام حقائق قانونية لا يمكن أن تحيد عنها دون أن تحيد عن مبدئها الأساسي.
وقد أجاب الإمبراطور أحد الصحفيين عند ما سأله رأيه في (الاتفاق) قائلاً: (إن جنودي لم تقهر بعد)!.
أما السنيور موسوليني فقد أخذ يماطل في الإجابة. لقد طلب من باريس ولندن إيضاحاً عن بعض النقط في (الاقتراح) وأجل الجواب إلى ما بعد انعقاد المجلس الفاشستي الكبير في ٢٠ ديسمبر.
وفي خلال ذلك أخذت الصحافة الإيطالية تعلن أن (الاقتراح) لا يسد حاجة إيطاليا!. . . .
اختط موسوليني هذه السياسة اعتقاداً منه بأنه يستطيع بذلك أن ينال زيادة على ما جاء في (الاقتراح). وقد فقد بذلك بعض أصدقائه في فرنسا، وأخذ كثير من الصحافيين الذين كانوا يمجدون اسمه ويدافعون عنه ينتقدون سياسته ويلقون عليه تبعة الأزمة الدبلوماسية الحالية.
ولما رأى موسوليني أن الرأي العام العالمي ضد الاقتراح وضد أي اعتراف له بحق
стр. 10919
الحبشة، عاد إلى سياسته الكلامية التهديدية، فألقى خطاباً في يوم الأربعاء الموافق ١٨ ديسمبر وصرح فيه بأن إيطاليا ستستمر في سياستها الحبشية إلى أن تخرج منها ظافرة.
ومما جاء في قرار المجلس الفاشستي الأكبر الذي انتهى انعقاده صباح السبت الموافق ٢١ ديسمبر: إن المجلس يثبت بأن عمل إيطاليا سيستمر، وأن القرار لقاطع للوصول إلى الهدف الذي اختطه الدوتشي.
ولما رأى موسوليني إن مجلس النواب في لندن قد رفض (الاقتراح) وأن جمعية الأمم لم تقبله، طلب من سفيريه في باريس ولندن إخبار الحكومتين بأن روما سوف لا ترسل جواباً على (اتفاق باريس) نظراً لموته.
الأسباب الحقيقية التي دعت مسيو لافال إلى وضع
(المشروع):
منذ أن وضع مسيو لافال يده على زمام سياسة فرنسا الخارجية بعد وفاة مسيو برتو في فاجعة مرسيليا وهو يتبع سياسة مسيو (دلكاسيه) المؤدية إلى حصر ألمانيا.
لهذا قام بتصفية الخلاف مع إيطاليا، وبعقد معاهدة مع الروسيا، وقد حاول أن يحتفظ بصداقة بريطانيا ولكن دون أن يثق بها كل الوثوق؛ ويمكن القول بأن هذه المحاولة كانت ظاهرية، إذ أن لافال يكن ضغينة في نفسه لحكومة لندن، وذلك من جراء عقدها المعاهدة البحرية مع برلين دون أخذ رأي باريس في ذلك.
ومن المؤكد أن لافال قد أكد لموسوليني بأنه سوف لا يقف ضد مناهجه في شرق أفريقيا، وأن السياسة التي اتبعها لافال في المسألة الحبشية تثبت لنا ذلك.
لقد حاول لافال قبل إعلان الحرب أن يتوصل إلى إقطاع موسوليني امتيازات كبيرة في الحبشة عن طريق سلمية ففشل في ذلك. ثم أخذ يحاول تخفيف شدة العقوبات الاقتصادية التي وضعتها العصبة على إيطاليا فأخفق سعيه. وأخيراً بذل جهده في تأجيل عقوبة البترول فوفق؛ ولما رأى أنه لا يستطيع تأجيلها مرة ثانية وان لجنة العصبة ستبحثها في الاجتماع الذي حدد لها وذلك في ١٢ ديسمبر، وضع (المشروع) وورط هور في توقيعه؛ وذلك بإظهاره له أن إيطاليا ستعتبر حظر البترول عملاً حربيا وتهاجم البواخر الإنكليزية.
стр. 10920
وإذ ذاك تتحول الحرب إلى حرب إيطالية إنكليزية فقط. إذ أن فرنسا لا تستطيع مساعدة بريطانيا فوراً كما انه لا توجد دولة من أعضاء العصبة مستعدة لذلك. أمام هذا التحذير وأمام الصعوبات التي تجابهها حكومة لندن في هذه الأيام من أحزاب عمال مناجم الفحم، ومن الصعوبة التي تجدها في المؤتمر البحري المنعقد في لندن؛ ومن اضطرابات مصر. . . . أمام هذه العقبات خشي هور الحرب مع إيطاليا فوقع (المشروع). وبذلك تمكن لافال من تأجيل مسألة الحصر البترولي بصورة غير مباشرة إن لم يكن قد قتلها.
ولكن لماذا يبذل لافال هذه الجهود الجبارة في مساعدة موسوليني؟.
إن سياسة وزارة خارجية فرنسا كانت منذ حرب السبعين تعمل على توطيد العلاقات مع كبرى الدول الأوربية بعقد معاهدات معها. . . لتكون في مأمن من الخطر الجرماني. ولما وضعت الحرب أوزارها وأنشئت عصبة الأمم، رأت وزارة الخارجية الفرنسية أن تستغل هذه المؤسسة وتستعيض بها وبسياسة السلام المشترك عن سياسة المعاهدات. وقد بذل مسيو بريان في سبيل ذلك جهوداً جبارة. . . .
غير أن لافال حاد عن سياسة فرنسا الجديدة وعاد إلى سياسة ما قبل الحرب: سياسة المعاهدات. . . وحصر ألمانيا وتكوين جبهة قوية ضدها، فتمكن من إيجاد تحالف بين فرنسا وإيطاليا من جهة، وبين فرنسا والروسيا من جهة ثانية. . . .
وهو في سبيل المحافظة على صداقة إيطاليا والعمل معها ضد ألمانيا قد ضحى بمبدأ عصبة الأمم وسياسة السلام المشترك - ضحى بذلك برغم تصريحاته العديدة بأنه لا يزال يعمل ضمن سياسة جنيف ومن اجل المحافظة على صداقة إيطاليا يبذل لافال جهده في تثبيت مركز موسوليني الدولي - إذ هو يعتقد أن زوال حكم موسوليني في روما أو زوال نفوذه ربما يغير مجرى السياسة الإيطالية، فلا تستفيد فرنسا من المعاهدة التي عقدتها مع موسوليني، هذا إذا لم تتقرب إيطاليا من ألمانيا وتكونا جبهة قوية. . . خطرة على فرنسا. وفي سبيل ذلك قد وتر علائقه مع بريطانيا، إذ من المحال الاحتفاظ بمحالفة موسوليني وصداقة بريطانيا معا في الظروف الحالية.
فهل أصاب لافال بسياسته هذه؟ وهل مكن مركز فرنسا الدولي وأبعد عنها كل خطر جرماني؟
стр. 10921
إن ألمانيا تتسلح الآن بكل ما لديها من قوة، وأنها ستضع قوتها يوماً ما في حيز العمل، غير أنها قد أخذت درساً كبيراً في الحرب العالمية، وهو أنها لا تستطيع قط محاربة العالم، وأن أي حرب تكون فيها فرنسا وبريطانية في صف واحد خطرة عليها. لهذا يبذل ساسة ألمانيا جهدهم في تفريق وحدة دول جنيف وإضعاف سياسة الأمن المشترك من جهة، وفي التقرب من بريطانيا وإبعادها عن فرنسا من جهة ثانية، وهم إن تمكنوا من ذلك اتسع المجال لعملهم وتنفيذ مناهجهم.
ومن الغريب أن نرى أن سياسة لافال الحالية، تعمل بصورة غير مباشرة على تطبيق المنهاج الألماني! وفي تطبيقه زوال مركز فرنسا الدولي، وهو رفيع، وإضعاف سلطانها.
وإننا نعتقد أنه لا أضمن لسلامة فرنسا واستمرار عظمة نفوذها الدولي من تقوية جنيف وتثبيت سياسة الأمن المشترك؛ وبتثبيت هذه السياسة وبالمحافظة على الصداقة البريطانية يزول عن فرنسا كل خطر جرماني.
ومن هنا نرى أن لافال قد أخطأ كثيراً في تضحية هذه القوى الجسيمة في سبيل المحافظة على موسوليني وكيانه، وأن مشروعه كان غلطة فادحة تجر على فرنسا ضرراً جسيماً لو نفذ، ناهيك بالأضرار الجسيمة الأخرى التي تنال السلم العام وحقوق الدول الصغرى.
(لندن)
يوسف هيكل
دكتور في الحقوق من (حكومة فرنسا)
стр. 10922
٣ - سكان أعالي النيل
بقلم رشوان احمد صادق
المجموعة الحامية النيلية
البادي
يسكن جنوبي منطقة الدنكا أي (في أعالي بحر الجبل) عدة قبائل تتكلم اللهجة البادية نسبة إلى شعب البادي، وبهم بعض الشبه من شعب الدنكا، ولابد أنه حصل اختلاط في المنطقة التي يسهل أن يحتك فيها الدنكا بالقبائل البادية خصوصاً في المجموعة المسماة الشير، ومع ذلك فهم ليسوا زنوجاً نيليين، وهم وإن كانوا ثقافة ولغة وجنساً يتبعون النصف حاميين في شرق أفريقيا لتغلب العنصر الحامي في تكوينهم إلا أنهم يعتبرون ضمن مجموعة قائمة بنفسها وهي، (المجموعة الحامية النيلية).
ويمكن تمييز نوعين من الجماعات التي تتكلم اللهجة البادية: جماعة شرقي بحر الجبل، وجماعة غربة. والمجموعة الشرقية تنقسم إلى عدة قبائل، ويظهر أنهم كانوا يتبعون النظام الطوطمي لوجود بقاياه في بعض القبائل، إذ يعتقدون بانتقال روح الميت إلى حيوان مخصوص عندهم.
والرجل الذي يقوم بعملية استنزال المطر هو رئيس القبيلة، ومركزه يختلف عن مركز الرئيسالروحاني عند الزنوج النيليين، فإذا أخفق في استنزال المطر فانه يذبح في الحال، ويدور البحث عن غيره ليحل محله. كذلك يوجد عدة رؤساء يطلق على كل منهم اسم (صاحب الأرض أو الأب)، وهو اسم يعطى لكل من جهز قطعة أرض وزرعها، وكذلك يمنح هذا الاسم لخلفة؛ وينحصر عمل هذا الرئيس في القيام ببعض التعاويذ والسحر عند بذر الحبوب وأثناء نمو النبات وقبل عملية الصيد؛ ولهذا الرئيس مقام محترم بين البادي إذ بدونه يفشل الصيد والزرع.
وحفلة استنزال المطر تعتبر من المظاهر الممتازة بين البادي؛ وتجري هذه الحفلة على النحو الآتي: يحضر الرئيس قطعاً من حجر الكوارتز بعضها ابيض اللون والبعض الآخر أخضره، ثم يضعها في إناء، وبعد غسلها يضعها على صخر كبير يسمى صخر المطر
стр. 10923
وهو بقايا آلة قديمة لطحن الحبوب , ثم يلطخ الحجر بزيت السمسم، ثم يذبح عنز أسود بجوار هذا الحجر، ويأكل الرئيس ومساعدوه وبعض الشيوخ من لحمه، ثم تؤخذ بقايا الغذاء الذي في معدة العنز وتوضع أيضاً على هذا الحجر، ثم يأتي المطر بعد ذلك. وكثيراً ما تجري هذه الحفلة بجوار مقبرة شيخ مطر قديم أو بعض الأماكن المقدسة التي تنتمي إليه.
اللوتوكو
ولهجة اللوتوكو تتكلمها القبائل الآتية: (١) اللوتوكو (٢) الكويَا (٣) اللنجو. ويلاحظ في هذه القبائل الثلاث أن الرأس طويل، أما القامة فقامة اللوتوكو أطول منها في القبائل الأخرى بمقدار بوصتين. وهم ينقسمون إلى قبائل طوطمية، وأهم مظهر للطوطمية عندهم هو أن كل فرد بعد موته تنتقل روحه إلى الحيوان الذي تقدسه القبيلة؛ فهناك قبيلة تقدس التمساح، وأخرى تقدس القرد، وثالثة تقدس الفيل، ورابعة تقدس النمل الأبيض، وخامسة تقدس الثعبان وهلم جرا؛ وأقوى هذه القبائل هي التي تقدس التمساح، ومنها ينتخب الرؤساء الذين يقومون بحفلة استنزال المطر، ويستعملون في هذه الحفلات حجر المطر السابق ذكره كذلك يستعملون بعض الحراب المقدسة كمساعد، والمياه التي توضع فيها هذه الحراب تحضر من بركة مقدسة يعيش فيها التماسيح التي تنتقل إليها أرواح أجدادهم رؤساء المطر.
ومن عاداتهم إخراج عظام الميت بعد دفنه بثلاثة أشهر، وأحياناً من ثلاثة إلى ستة عند اللوتوكو، ويعتقدون أن في ذلك سعادتهم ورفعتهم. كذلك عند موت الميت يسرعون إلى دفنه، ثم بعد ذلك يقيمون له تذكاراً ينوب عن الميت حيث يقيمون له المراسم الجنائزية المختلفة.
стр. 10924
المجموعة الزنجية
الأزندي
رؤوسهم متوسطة، وقاماتهم أقصر من قامة الزنوج النيليين، ولونهم أفتح من لونهم، إذ يختلف ما بين لون (الشكلاته)، ولون بشرة سكان البحر الأبيض المتوسط. وبعض العلماء يعلل ذلك باختلاطهم مع البربر والحامي، وربما كان هذا الاختلاط مع جماعة الفولاني. ويمكن اعتبار الأزندي من زنوج غرب افريقا، إذ تظهر عليهم جميع المميزات التي تميز زنوج غرب أفريقيا من غيرهم. ومن الصعب التفرقة بين رجل من الأزندي وآخر من سكان أفريقيا الاستوائية الفرنسية أو نيجريا. كما أن لغة الأزندي خالية من الأثر الحامي، على حين أنه توجد بها آثار من لغة البانتو، وهذا ينعدم وجوده في لغة الزنوج النيليين السابق الكلام عليهم. والأزندي من جهة الثقافة يتبعون غرب أفريقيا بعكس الزنوج النيليين الذين يتبعون في ثقافتهم شرق أفريقيا. وهذا يتضح تماماً من نظام بناء كوخ الأزندي ومساكنهم وآلاتهم الحربية والموسيقية مثلا.
والأزندي عبارة عن عدة قبائل ولهم حكومة مركزية عليا وهم ينقسمون إلى ولايات مستقلة عن بعضها، وهي في حرب دائمة مع جيرانها، ولكنها جميعها تخضع لملك واحد من أسرة أرستقراطية مالكة ينتخب دائماً منها الملوك، وهذه العائلة المالكة تسمى (الافنجارا) ومنها ينتخب أيضاً رؤساء الإدارة والحكومة الذين يساعدون الملك، والملك هو الذي ينتخبهم ويوزع عليهم العمل. والملك وهؤلاء الرؤساء لا يشتركون في الحروب
ويتلخص النظام الإداري فيما يأتي:
١ - الملك وهو الرئيس العام ويحكم في العاصمة وهو المرجع الأعلى ويحرم عليه أن يدخل الحرب بنفسه.
٢ - مقاطعات أو مديريات يديرها أبناء الملك أو أخوته أو غيرهم من العائلة المالكة، وكل من هؤلاء مطلق السلطة إلا أنهم مسئولون أمام الملك مباشرة عن حفظ الأمن والعدل كما إن عليهم واجبات نحو الملك؛ مثلا إذا أراد الملك عملا لبناء منازله أو جنداً للحرب فعلى هؤلاء المديرين أن يقوموا بجميع العدد اللازم حسب طلب الملك، وهؤلاء المديرون لا يدخلون الحرب.
стр. 10925
٣ - تنقسم كل من هذه المديريات إلى عدة أحياء أو مناطق على كل منها نائب أو وكيل، وهذا النائب يباشر الأمور المختصة بالعدل بواسطة عقد مجلس يكون هو عضوا فيه يساعده الرجال المعترف بكفاءتهم في حيه أو منطقته. فإذا ظهر نزاع بين فردين وجب أن تعرض المسألة على نائب الحي أولا، فأن كان موضوع النزاع بسيطاً حله النائب، ولكن إذا كانت المسألة معقدة مهمة فان النائب يحولها مباشرة إلى المدير الذي يحكم المديرية، وهو طبعا أحد أفراد العائلة المالكة؛ ولا يمكن عمل استئناف من المدير إلى الملك، لأن المدير مستقل بشؤون مديريته.
فإذا أراد الملك أن يعلن حرباً أو يقوم بعمل اقتصادي مهم فانه يرسل في الحال إلى المديرين يخبرهم بالعدد اللازم، وعند ذلك يقوم كل مدير بعقد مجلس برياسته يدعو إليه جميع النواب الذين يحكمون الأحياء التي تنقسم إليها مديريته، ويشاورهم في العدد الذي يمكن أن يقدمه كل منهم؛ وهؤلاء النواب يقومون بعد ذلك بجمع العدد اللازم من كل منهم بواسطة قرع الطبول. وبذلك يمكن إرسال العدد المطلوب من العمال والجنود إلى الملك. والملك نفسه يدير مقاطعة في وسط بلاده وهي بمثابة العاصمة وضواحيها، ولكنه يستعين بالمديرين في المسائل القومية المهمة.
(بقية في العدد القادم)
رشوان أحمد صادق
следующие страницы →