← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

إن ألمانيا تتسلح الآن بكل ما لديها من قوة، وأنها ستضع قوتها يوماً ما في حيز العمل، غير أنها قد أخذت درساً كبيراً في الحرب العالمية، وهو أنها لا تستطيع قط محاربة العالم، وأن أي حرب تكون فيها فرنسا وبريطانية في صف واحد خطرة عليها. لهذا يبذل ساسة ألمانيا جهدهم في تفريق وحدة دول جنيف وإضعاف سياسة الأمن المشترك من جهة، وفي التقرب من بريطانيا وإبعادها عن فرنسا من جهة ثانية، وهم إن تمكنوا من ذلك اتسع المجال لعملهم وتنفيذ مناهجهم. ومن الغريب أن نرى أن سياسة لافال الحالية، تعمل بصورة غير مباشرة على تطبيق المنهاج الألماني! وفي تطبيقه زوال مركز فرنسا الدولي، وهو رفيع، وإضعاف سلطانها. وإننا نعتقد أنه لا أضمن لسلامة فرنسا واستمرار عظمة نفوذها الدولي من تقوية جنيف وتثبيت سياسة الأمن المشترك؛ وبتثبيت هذه السياسة وبالمحافظة على الصداقة البريطانية يزول عن فرنسا كل خطر جرماني. ومن هنا نرى أن لافال قد أخطأ كثيراً في تضحية هذه القوى الجسيمة في سبيل المحافظة على موسوليني وكيانه، وأن مشروعه كان غلطة فادحة تجر على فرنسا ضرراً جسيماً لو نفذ، ناهيك بالأضرار الجسيمة الأخرى التي تنال السلم العام وحقوق الدول الصغرى. (لندن) يوسف هيكل دكتور في الحقوق من (حكومة فرنسا)

стр. 10922

٣ - سكان أعالي النيل بقلم رشوان احمد صادق المجموعة الحامية النيلية البادي يسكن جنوبي منطقة الدنكا أي (في أعالي بحر الجبل) عدة قبائل تتكلم اللهجة البادية نسبة إلى شعب البادي، وبهم بعض الشبه من شعب الدنكا، ولابد أنه حصل اختلاط في المنطقة التي يسهل أن يحتك فيها الدنكا بالقبائل البادية خصوصاً في المجموعة المسماة الشير، ومع ذلك فهم ليسوا زنوجاً نيليين، وهم وإن كانوا ثقافة ولغة وجنساً يتبعون النصف حاميين في شرق أفريقيا لتغلب العنصر الحامي في تكوينهم إلا أنهم يعتبرون ضمن مجموعة قائمة بنفسها وهي، (المجموعة الحامية النيلية). ويمكن تمييز نوعين من الجماعات التي تتكلم اللهجة البادية: جماعة شرقي بحر الجبل، وجماعة غربة. والمجموعة الشرقية تنقسم إلى عدة قبائل، ويظهر أنهم كانوا يتبعون النظام الطوطمي لوجود بقاياه في بعض القبائل، إذ يعتقدون بانتقال روح الميت إلى حيوان مخصوص عندهم. والرجل الذي يقوم بعملية استنزال المطر هو رئيس القبيلة، ومركزه يختلف عن مركز الرئيسالروحاني عند الزنوج النيليين، فإذا أخفق في استنزال المطر فانه يذبح في الحال، ويدور البحث عن غيره ليحل محله. كذلك يوجد عدة رؤساء يطلق على كل منهم اسم (صاحب الأرض أو الأب)، وهو اسم يعطى لكل من جهز قطعة أرض وزرعها، وكذلك يمنح هذا الاسم لخلفة؛ وينحصر عمل هذا الرئيس في القيام ببعض التعاويذ والسحر عند بذر الحبوب وأثناء نمو النبات وقبل عملية الصيد؛ ولهذا الرئيس مقام محترم بين البادي إذ بدونه يفشل الصيد والزرع. وحفلة استنزال المطر تعتبر من المظاهر الممتازة بين البادي؛ وتجري هذه الحفلة على النحو الآتي: يحضر الرئيس قطعاً من حجر الكوارتز بعضها ابيض اللون والبعض الآخر أخضره، ثم يضعها في إناء، وبعد غسلها يضعها على صخر كبير يسمى صخر المطر

стр. 10923

وهو بقايا آلة قديمة لطحن الحبوب , ثم يلطخ الحجر بزيت السمسم، ثم يذبح عنز أسود بجوار هذا الحجر، ويأكل الرئيس ومساعدوه وبعض الشيوخ من لحمه، ثم تؤخذ بقايا الغذاء الذي في معدة العنز وتوضع أيضاً على هذا الحجر، ثم يأتي المطر بعد ذلك. وكثيراً ما تجري هذه الحفلة بجوار مقبرة شيخ مطر قديم أو بعض الأماكن المقدسة التي تنتمي إليه. اللوتوكو ولهجة اللوتوكو تتكلمها القبائل الآتية: (١) اللوتوكو (٢) الكويَا (٣) اللنجو. ويلاحظ في هذه القبائل الثلاث أن الرأس طويل، أما القامة فقامة اللوتوكو أطول منها في القبائل الأخرى بمقدار بوصتين. وهم ينقسمون إلى قبائل طوطمية، وأهم مظهر للطوطمية عندهم هو أن كل فرد بعد موته تنتقل روحه إلى الحيوان الذي تقدسه القبيلة؛ فهناك قبيلة تقدس التمساح، وأخرى تقدس القرد، وثالثة تقدس الفيل، ورابعة تقدس النمل الأبيض، وخامسة تقدس الثعبان وهلم جرا؛ وأقوى هذه القبائل هي التي تقدس التمساح، ومنها ينتخب الرؤساء الذين يقومون بحفلة استنزال المطر، ويستعملون في هذه الحفلات حجر المطر السابق ذكره كذلك يستعملون بعض الحراب المقدسة كمساعد، والمياه التي توضع فيها هذه الحراب تحضر من بركة مقدسة يعيش فيها التماسيح التي تنتقل إليها أرواح أجدادهم رؤساء المطر. ومن عاداتهم إخراج عظام الميت بعد دفنه بثلاثة أشهر، وأحياناً من ثلاثة إلى ستة عند اللوتوكو، ويعتقدون أن في ذلك سعادتهم ورفعتهم. كذلك عند موت الميت يسرعون إلى دفنه، ثم بعد ذلك يقيمون له تذكاراً ينوب عن الميت حيث يقيمون له المراسم الجنائزية المختلفة.

стр. 10924

المجموعة الزنجية الأزندي رؤوسهم متوسطة، وقاماتهم أقصر من قامة الزنوج النيليين، ولونهم أفتح من لونهم، إذ يختلف ما بين لون (الشكلاته)، ولون بشرة سكان البحر الأبيض المتوسط. وبعض العلماء يعلل ذلك باختلاطهم مع البربر والحامي، وربما كان هذا الاختلاط مع جماعة الفولاني. ويمكن اعتبار الأزندي من زنوج غرب افريقا، إذ تظهر عليهم جميع المميزات التي تميز زنوج غرب أفريقيا من غيرهم. ومن الصعب التفرقة بين رجل من الأزندي وآخر من سكان أفريقيا الاستوائية الفرنسية أو نيجريا. كما أن لغة الأزندي خالية من الأثر الحامي، على حين أنه توجد بها آثار من لغة البانتو، وهذا ينعدم وجوده في لغة الزنوج النيليين السابق الكلام عليهم. والأزندي من جهة الثقافة يتبعون غرب أفريقيا بعكس الزنوج النيليين الذين يتبعون في ثقافتهم شرق أفريقيا. وهذا يتضح تماماً من نظام بناء كوخ الأزندي ومساكنهم وآلاتهم الحربية والموسيقية مثلا. والأزندي عبارة عن عدة قبائل ولهم حكومة مركزية عليا وهم ينقسمون إلى ولايات مستقلة عن بعضها، وهي في حرب دائمة مع جيرانها، ولكنها جميعها تخضع لملك واحد من أسرة أرستقراطية مالكة ينتخب دائماً منها الملوك، وهذه العائلة المالكة تسمى (الافنجارا) ومنها ينتخب أيضاً رؤساء الإدارة والحكومة الذين يساعدون الملك، والملك هو الذي ينتخبهم ويوزع عليهم العمل. والملك وهؤلاء الرؤساء لا يشتركون في الحروب ويتلخص النظام الإداري فيما يأتي: ١ - الملك وهو الرئيس العام ويحكم في العاصمة وهو المرجع الأعلى ويحرم عليه أن يدخل الحرب بنفسه. ٢ - مقاطعات أو مديريات يديرها أبناء الملك أو أخوته أو غيرهم من العائلة المالكة، وكل من هؤلاء مطلق السلطة إلا أنهم مسئولون أمام الملك مباشرة عن حفظ الأمن والعدل كما إن عليهم واجبات نحو الملك؛ مثلا إذا أراد الملك عملا لبناء منازله أو جنداً للحرب فعلى هؤلاء المديرين أن يقوموا بجميع العدد اللازم حسب طلب الملك، وهؤلاء المديرون لا يدخلون الحرب.

стр. 10925

٣ - تنقسم كل من هذه المديريات إلى عدة أحياء أو مناطق على كل منها نائب أو وكيل، وهذا النائب يباشر الأمور المختصة بالعدل بواسطة عقد مجلس يكون هو عضوا فيه يساعده الرجال المعترف بكفاءتهم في حيه أو منطقته. فإذا ظهر نزاع بين فردين وجب أن تعرض المسألة على نائب الحي أولا، فأن كان موضوع النزاع بسيطاً حله النائب، ولكن إذا كانت المسألة معقدة مهمة فان النائب يحولها مباشرة إلى المدير الذي يحكم المديرية، وهو طبعا أحد أفراد العائلة المالكة؛ ولا يمكن عمل استئناف من المدير إلى الملك، لأن المدير مستقل بشؤون مديريته. فإذا أراد الملك أن يعلن حرباً أو يقوم بعمل اقتصادي مهم فانه يرسل في الحال إلى المديرين يخبرهم بالعدد اللازم، وعند ذلك يقوم كل مدير بعقد مجلس برياسته يدعو إليه جميع النواب الذين يحكمون الأحياء التي تنقسم إليها مديريته، ويشاورهم في العدد الذي يمكن أن يقدمه كل منهم؛ وهؤلاء النواب يقومون بعد ذلك بجمع العدد اللازم من كل منهم بواسطة قرع الطبول. وبذلك يمكن إرسال العدد المطلوب من العمال والجنود إلى الملك. والملك نفسه يدير مقاطعة في وسط بلاده وهي بمثابة العاصمة وضواحيها، ولكنه يستعين بالمديرين في المسائل القومية المهمة. (بقية في العدد القادم) رشوان أحمد صادق

стр. 10926

بمناسبة أربعين الزعيم الخالد يوم هنانو للأستاذ أمجد الطرابلسي صُعق الناسُ حَسرةً فأهابوا … مَنْ صَريعُ الِحمى فقيل الشِّهابّ ضربوا في الدُّجى البهيمِ سُكارى … أين منهمْ هُداهُمُ والصواب وَسَروا خُشَعَ النواظر يَغشا … هُم من الليلِ والدموعِ حجاب يتناجوْن بالِّلحاظِ من الهو … لِ؛ أصدقٌ ما قدَرووْا أم كذاب شرِقوا بالدموع إذ هَتف النَّا … عي مُهيباً، ومادتِ الألباب هَتفاتٌ فوق المآذِن تعلو … فيضجُّ الباكونَ والندّاب ورنيُن الناقوس من كلِّ فج … تَتَفَرَّى له القلوبُ الصِّلاب زفراتٌ هي الكبوُد تَلظَّى … ودموعٌ هي النُّفوسُ تُذاب هاهُنا لِلُّبى عويلٌ مُرِنُّ … وهنا ثَمَّ للِشِّبالِ انْتحِاب من يواسيهُم وكلُّ طعينٌ! … من يُعزيهمُ وكلٌّ مصاب! لا تُلمْهُمْ! خلا العرينُ، فمن يد … فعُ عنهمُ إذا اسُتبيح الغاب زُلزلت دارةُ الوليد ومادت … تحت عِبْءِ المُصابِ فيها الهِضاب فَعليها من الهُزالِ شُفوفٌ … وعليها من الشُّحوبِ نقِاب لبَسَتْ في نهارِها اللَّيلَ وجداً … وتوارى السُّمَّارُ والأصحاب وتباكت حمائِمُ النَّيْربَ السا … جي وَأوْدى غِرِّيدُهُ المِطرب ليت شعري أذاك (مروانُ) أوْدى … فَأهَلَّ الورى وَسَحَّ السحاب أم تدعى عرشُ (الوليدِ) غَداةً … فتداعت منابرٌ وَقبِاب يا لَسُورِيَّة الشَّهيدَةِ كم ذا … تتهاوى أبناؤُّها الأنجاب يهْبطُ الكوكبُ اُلمحَجَّلُ منهم … أو يُقَدُّ المهَّندُ القِرْضاب فإِلى صدرها تَضُمُّ الضحايا … وعلى صدرِها يُهال التراب مَلأوا قلبها نُدوباً وشَجْواً … ليس يخبو وقودُه الَّلهّاب أبداً للدموع فيها انسْكابٌ … أبداً للدِماء فيها انصْبابِ

стр. 10927

رَوِيَتْ منْ دماءِ أَبنائِها الغُرِّ … م وفاضت رِباعُها والرَّحاب أمس في الغَوطةِ الرَّؤوم تهاوَت … شُهبٌ كلها منُىً وَشباب وعلى ميسلونَ سالت دِماءٌ … علَّمتْنا أنى يكونُ الغِلاب شهداءٌ أعزةٌ عَدَدَ الزهْـ … رِ أيحُصْى زَهْرَ الشاّم كتِاب! يا هنانو أَثَرْتها ذِكريَاتٍ … َضَمَدتها السِّنونَ والأحقاب فلياِليَّ بعدَ منعْاك سُهدٌ … وشرابي قذىً وَشَهْدِيَ صاب كنتُ في قريتي الوديَعةِ سهوا … نَ فلا غُصةٌ ولا أَوْصاب تستبيني مِن الرُّعاةِ لحون … وأغانٍ عُلويَّةٌ، ورَباب وَمِنَ الطَّيرِ في الرُّبى نغماتٌ … هن لِلُّبِّ مِزْهَرٌ وشراب أدْفِنُ الهمَّ في ظِلالِ التمَنِّي … والأعاليلُ مورِقاتٌ رِطابُ وأَُغَنيَ مع الطفولةِ لحناً … ذِكَرُ كله وشهد مذاب وحواَلَيَّ صِبيةٌ كالعصف … ير مِراحٌ، أهِلَّةٌ، أتراْب يتبارَوْنَ عابثين فما يد … رون ما الهمُّ، ما الأسى، ما العذاب كدِتْ أسلو لَذْعَ الحنين وأنسى … بينهم ما يهيجُهُ الاغتراب فأتاني الناعي يجُمَجْمُ في القْو … لِ فما إنْ يبينُ منه الخطاب قالَ: مات الزَّعيمُ، قلْتُ: هوى الصَّر … حُ رُكاماً وَقُوِّضَ المحراب يا الهي أكلما سُدَّ باب … من شَقاءِ الشام حُطِّم باب! يا فقيدَ الآمالِ قُم فتأملْ … كيف تبكي آمالنُا والرِّغاب رَزَحَ الموْطنُ الجريحُ وناءت … أُمَّهٌ لم يذلَّهَا الإرهاب كنتَ في السَاح والندِىِّ زعيماً … ما دَعَوْتَ الشبالَ إلا أجابوا ومشوا خْلفَ ضغيمِ الغابِ صفاً … ليس يخشى الردى وليس يَهاب كلهم باسمون خلفَكَ للمو … تِ، سِراعٌ إلى الطِّعانِ طِراب كنتَ حِصْناً فدكَّ ذيْالك الحِص … نُ وَحِرْزاً فَقُدِّتِ الأطناب وشهِاباً يفترُّ في أفُقِ المج … د بهِيِاً لا يعتريه غياب شَعَّ دهراً فأُرشِد ابن الدياجي … وأُنيَرت مسالكٌ وَشِعاب

стр. 10928

ثم غشّاهُ من سكون المنايا … سُحُب مكْفِهَرَّة وَضبابُ وطن سار خلف نعشِك يبكي … يا لهُ اللهُ صارخاً لا يجاب كان يرنو إليكَ كالطِّفل إما … عَضَّهُ من أراقم الظلْم ناب موِكب كالخِضمِّ سارَ خَشوعاً … جَلَّ ذا موْكبِاً وَجَلَّ الرِّكاب مَن رأى محشراً يموجُ زِحاماً … وَعُباباً يبكي عليه عُباب! ولواءً قد كنَت تفديهِ إمّا … رَوّع الغَابَ عاصِفٌ صَخّاب ضمَّك اليومَ لوعةً وحناناً … أنت منه الشَّباةُ وْهوَ الِقراب من لهُ اليومَ إن أناخ عليه … مُستبيح أو راعه غَصاب! إيه (شهباءُ) أيُّ سِفرِ جِهادٍ … غالهُ فيكِ ريَّاب وخَفوق يغْلي مُنىً وإباءً … وفتىً لا تغُّره الألقاب كان تاجاً في مفرقيكِ وَدِرْعاً … لكِ تنبو عنه القنا والحراب وأباً بالبنينَ براً شفيقاً … كلهم في فنائه أحباب هزهُم للعُلى فكانوا صفوفاً … وْهَو ليث بين الصفوف مهاب لهفَ نفسي أن غاض فيك نمير … كان بالنُّور والهُدى ينساب تنتوي ساحَهُ الحيارى وتهفو … حول شطًّيْهِ عُطًّشٌ وسِغاب جسد هدَّه الكِفاحُ فأبلا … هُ وقلب على المدَى وثّاب كلما هاجه الإسارُ تنزَّى … فتنَزِّى فيه الصبى والشباب إن مشى للأمامِ هان عصيب … وتوارت عن الطريق صعاب حمل السيف طاوياَ في الصحارى … عادةٌ الليث عِزة وضراب يرشُف الموت بالرماحِ ولا ير … ضيه هَضم لحقَّه واغتصاب ذاب في حَوْمةِ النَضال شهيداً … ذاكُمُ المجدُ ساطعاً لا السراب إنما المجدُ ثورة وجهاد … لا كلام مُنَمَّق وخطاب يا جيوش الشبابِ، يا أُسُدَ الغا … بِ، ويا أيها الشبالُ الغضابِ قد مضى القائدُ العظيمُ إلى الخُلْ … دِ وقد عاجلَ الرئيس التباب فارقأوا هذه الدُموع الجواري … ليسَ في الدمعِ للفقيد مآب

стр. 10929

ولسكبوا خلفهُ الدماء الغوالي … إنما الدمع هِّينٌ مْخِصاب وصليل السيوف أجملُ لحنٍ … لبِكُاء الشهيدِ لا التِّنْحاب لا تخوروا فإنَّ معركة النَّص … ر بدا فجُرها الضُحوك العُجاب! أمجد الطرابلسي

стр. 10930

سحر الطبيعة للأستاذ عبد الرحمن شكري كؤوس من النور هذي الزهو … ر أم هي أخْيلة الشاعر وليست ِبحُلم ولكنها … أجل من الُحلُم الباهر وما خلَّفت لفنون الخيا … ل فتنة حسن لدي الخابر وما الحياة ونبع الخلو … د في مائها لسلسل المائر وعشب قشيب وظل ظليل … أدنيا أرى أم مُنَى الساحر ومما يزيد رواء الزهور … أذى العيش والقدر الجائر لقد خفت أن تنطوي مثلما … يزول الخيال عن الناظر فأسلمت نفسي لسحر الخيال … لأخلد في حسنها الزاهر وغبت عن الحِسِّ حِس الوجود … كأنيَ روح لدى العابر كأني نقلت إلى عالم … سينشأ في دهر أو غابر كأني نقلت إلى جنة … نأت عن سطا القدر الدائر ومما يزيد رواء الزهور … أذى العيش والقدر الجائر عبد الرحمن شكري

стр. 10931

قبلة الحب بقلم فريد عين شوكه هاتها هاتِها فإِنيَ ظمآ … نُ إلى وِردْك العفيف الطهور هاتِها قبُلةً تهُدهدُ أحشا … ئي، وتشفي من الجنون شعوري عطشت مهجتي إليك وضاقت … جَنبَاتي بما بها من سعير فارْوِ ما جفَّ من حشاي وَرفِّهُ … عن فؤادي وخاطري وضميري ويك يا قلبُ! ما لخفقك يشتد … وما للحشا يلجُّ وثوباً؟ إنها خمرة الهوى فارتشفها … لهباً في الضلوع حتى تذوبا ضلِّةً للفؤادِ! رفَّ على النا … ر ولم يخش جمرها المشبوبا كلما ذاق حَرَّها عاد لهفا … ن إليها حتى استحال لهيبا يا لها قبلةً أحرَّ من الجم … ر على قلبَي اللهيف المعذَّب رشفة كالندى النديِّ استحالت … شعلة في الدماء أيان تذهب هيه يا ثغره الحبيب أنلني … منك ما يشعل الضلوع ويلهب قبلة الحب لفحةٌ من جحيمٍ … هي أشهى من النعيم وأعذب فريد عين شوكه

стр. 10932

فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية ٢٦ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا الناحية السلبية من مذهب نيتشه الإنسان للأستاذ خليل هنداوي لكل فلسفة أجل موقوت، تظهر فيه حجتها على الناس. وكل فيلسوف يضم شتات فلسفته ويحبسها ضمن نظام منطقي كأنها عمل عقلي محض، ألا إن هذا باطل، فأن الحياة الواعية في كل إنسان لها جذور تمتص من الحياة غير الواعية فيه؛ وإن حبه لمعرفة الحقيقة يعود إلى غريزة فيه قوية خفية. عد إلى المذهب الفلسفي العددي المجرد من كل شخصية ومن كل هوى تجد شيئاً ينزل منزلة الإيمان فيه؛ وما نظريات الفيلسوف في الحقيقة إلا بنات مذكراته واعترافاته. إن هذا الفيلسوف ليس في الحقيقة - كما يخيل إلينا - مفكراً خالصاً، ولكنه محام خبيث يذب عن اعتقاداته الوهمية ولا سيما الأدبية منها. يجرب أن يجعل من اعتقاداته حقائق ثابتة ودساتير نافذة. على أن هذه الاعتقادات التي تنطوي عليها المذاهب الفلسفية التي تريد أن توجه الحياة في سبيلها، إنما هي اعتقادات مستمدة من المثل الذي يبشر بالزهد والمسكنة. . . وهكذا لم يكن الكاهن والفيلسوف بخصمين كما يبدو ظاهر الأمر - وإنما هما صاحبان وان كانا لا يدريان. هذا هو (كانت) أبو الفلسفة الألمانية لا يرى فيه نيتشه إلا كاهناً مسيحياً تطور في بعض حالاته. وخلاصة فلسفته أنها تضع (شعبتين) من شعبها خارج القوة العقلية؛ في الأولى تلهج بعالم حقيقي مباين لهذا العالم المبني على الظواهر والحوادث، وفي الثانية تؤمن بالشريعة الأدبية الخلقية أنها مقدرة تقديراً. وإذا جرد المحقق هاتين الشعبتين وجد أنهما وليدتا نظريات الشريعة المسيحية ذاتها. إذ ما هو الإيمان بعالم حقيقي غير هذا العالم؟ أليست هذه الفلسفة تنطوي على الفكرة التي يبشر بها علم اللاهوت، فالإله هو العلة الأولى للوجود الذي تتلقفه الحواس، وحياة الإنسان الحقيقية هي الحياة في الله، وهكذا أخذ النظريون فكرة القول بإله صالح، بإله للمتألمين، ودققوها وسموا بها وبدلوا لونها حتى

стр. 10933

أحالوها عنكبوتاً ضخماً ينسج الوجود من خيوطه. فكان منه (المثل الأعلى) والعقل الخالص، والواحد المطلق، والشيء القائم بذاته؛ على أن هذا الشيء القائم بذاته، وهذا العالم الحقيقي إن هما - إذا تجردا - إلا العدم الخالص. إن إله المسيحيين - كما يراه نيتشه - هو إله كل ما يتألم، وكل ما يجنح إلى الموت؛ وهو بدلا من أن يبشر كالآلهة الوثنية بما يفيض على الحياة من بهجة ونعيم، ويبث الإرادة القوية التي تقول للحياة: (بلى)، ولكن ما تحمله (بلى)؛ نراه يحمل الناظر إلى كل منحط خسيس في فؤاد الإنسان، يكره الحياة الحقيقية ولا يحمل لها إلا مقتاً؛ ويجعل رجاءه في حياة وهمية ثانية. إن عالم النظريين يماثل في حقيقته هذا العالم المسيحي. أنه كلمة فارغة من كل حقيقة؛ إن الإله هو علامة (سلب الحياة)، وإله الفلاسفة هو العدم الخالص. وتلك الإرادة التي تمثل هذا الإله إن هي إلا الجنوح إلى الفناء. وإن أبرز هؤلاء الفلاسفة الذين يعتقدون بأنهم مارقون من كل دين وكل إيمان هم في الحقيقة رجال إيمان لا يتزعزع. إن هؤلاء العلماء والفلاسفة اللابسين أثواباً مختلفة إنما لباسهم لباس واحد يلفهم ويضم بينهم، هو لباس الزهد. لنحلل معتقدهم: أن إرادة إدراك الحقيقة مهما كان ثمنها - تتهيأ في طريقين مختلفين: تقول (لا أريد أن أخدع!) أو تقول (لا أريد أن أخدع نفسي ولا أخدع أحد) أما القول الأول فهو بعيد عن الحقيقة، لأن الإنسان ليقدر على أن يسمو إلى الحقيقة بفطنة منه أو خشية إذا كان يثق في نفع هذه الحقيقة السامي إليها. ولكن الحقيقة هي أنه إذا كانت هنالك حقيقة بدأت تنجلي شيئاً فشيئاً للعقول المستنيرة فهي أن الوهم ذو فائدة للوجود وضروري له كالحقيقة. وفي اعتقاد نيشته أن الوهم والكذب هما من الجواهر اللازمة للحياة. إن مسألتنا التي نبتغي حلها ليست بجملة اعتراضات، ولا فوز في المنطق، وإنما مسألتنا هذه: (ما هو الأجدى نفعاً لحفظ الحياة وصيانة النوع ووقاية الحيوان؟) وأنّا لنستطيع أن نقول بدون تردد: أن الأفكار والأحكام الأكثر بعدا عن الحقيقة هي عندنا من الأشياء التي لا منصرف عنها: ولو أن البشرية استغنت عنها لما استطاعت الحياة، إذا كان الجحود جحوداً بالحياة نفسها وإعداماً لها. ولكن لو فرضنا أن الكذب أكثر يمناً والحقيقة أكثر شؤماً، فأن رجل العلم لا يجنح - إذ ذاك

стр. 10934

- إلى الحقيقة طمعاً في فائدة أو رهبة من شئ، وإنما يجنح إليها ويتواقع عليها لأنه نشأ على ألا يخدع نفسه ولا غيره مهما كلفه ذلك. تراه يضحي بسعادته وبالبشرية في سبيل الحقيقة، هذه الحقيقة المقدسة التي راح يسميها المسيحي إلهاً. ومما لا ريب فيه أن ناشد الحقيقة يضع إيمانه في وجود غير هذا الوجود، وحياة غير هذه الحياة. فماذا تراه يضع في وجودنا هذا بعد انصرافه عنه؟ هل يجد غير الجحود به؟ ولكن رويداً! أريد أن أقول: إن اعتقادنا العلمي مبني على اعتقادنا النظري. وإننا نحن مفكري اليوم، الجاحدين الناكرين نستمد النار التي تحرضنا وتثيرنا من المجمرة التي أضرمتها نار العقائد كثيراً، ومن ذلك الإيمان المسيحي الذي شابه الإيمان الأفلاطوني القائل بأن الله هو الحقيقة وأن الحقيقة هي ألهيته. إن رسول الجيل الحاضر لم يجرؤ على أن يشك في القيم الحالية الموروثة، لم يجرؤ على القول: ما هي قيمة الحقيقة وما هي قيمة ذلك الأمر المطلق للفضيلة التي تأمرنا بسلوك طريق الحقيقة؟ إنه وقف مكتوف اليدين إزاء مسألة الحقيقة والفضيلة. إنه لم يقل لماذا وجب على الإنسان أن يعرف كنه هذه الطبيعة التي نحسها اليوم كقوة عمياء، غير عاقلة لا تعبأ بالخير ولا بالشر، فيها قوة الخصب والتوليد؛ تنجب دائماً مخلوقات جديدة لتضحي بها لغايات لا معنى لها، ولا عاطفة في صدرها. . . . وإذا كانت هذه حالتها فلماذا كتب الإنسان على نفسه التضحية بها في سبيل مثل هذه الألوهية؟ يرى نيتشه أن الرغبة في الحقيقة مثلها مثل الصبغة العصرية لصرامة التنسك والزهد التي دفعت الإنسان إلى أن يضحي - في سبيل إلهه - بكل ما تملك يداه، فكان الإنسان يقرب له الضحايا البشرية، يضحي بأول غلام يأتيه، حتى إذا جاء العهد المسيحي أصبح الزاهد يضحي للإله بكل غرائزه وميوله الطبيعية. والآن ماذا يملك عليه ليضحي به؟ ألم ينته دور التضحية له بكل عزيز؟ أليس الأجدر الآن تضحية الإله نفسه؟ وعبادة الحجر والمبهم والثقل والحظ والعدم إمعاناً في مجافاته؟ وهكذا تجد رسول المعرفة الذي لم يهو في مهواة الشك، المؤمن بالحقيقة، الجريء على خلق مثل أعلى، الشديد إيمانه بالعقل السامي والفضيلة، تجده إذا نزعت رداءه - زاهداً ينكر الوجود، ومتشائماً يفر من الحياة، لأنه يأبى أن يستسلم إلى الوهم، إلى الكذب اللازم للحياة، انه

стр. 10935

عدمي كالمسيحي بعمل على أن يقذف بالإنسانية في هاوية العدم. (يتبع) خليل هنداوي

стр. 10936

القصص صور من هوميروس ٢١ - حروب طروادة ١ - مصرع أخيل ٢ - انتحار بوليكسينا ٣ - سهام هرقل ٤ - مقتل باريس ٥ - نهاية إيونوليه للأستاذ دريني خشبة انتهت الهدنة، واندلعت نيران الحرب كرة ثانية، والتحم الجمعان تؤجج العداوة بينهما ثارات وثارات؛ ولم يجد الطرواديين أن تنضم إليهم مليكة الأمازون تحارب بفصائلها في صفوفهم وتشد بجموعها أزرهم، فان أخيل هو هو لم ينقص ولم يزد. . . بل هو يزيد كل يوم ظمأ إلى دماء قاتلي صديقه وأحب الناس إليه. . . بتروكلوس الشهيد. . . لقد انقض أخيل على مليكة الأمازون التي انقضت بدورها على جحافل الهيلانيين فأوقعت الروع في نفوسهم، وقذفت الرعب في قلوبهم. . . فلم يزل بها يصاولها ويطاولها حتى نهز منها نهزة أنفذ بها رمحه في صدرها، وعفر جبينها الملتهب بثرى المعمعمة، وجردها من سلاحها إذ هي جثة هامدة، وانكفأ أتباعها وبهن من الحزن على صاحبة الأمر فيهن. . . ما صرفهن عن طروادة والطرواديين. وإن أخيل ليصول في الميدان ويجول، وإنه ليرتفع بصره عفواً، وعن غير قصد، إلى البرج الشاهق من أبراج إليوم، فوق البوابة الاسكائية، إذا به يلمح قمراً مطلاً من شرفة البرج يرنو بعيني ظبي، ويهطع بجيد رئم، ويشرق بخدين ناضجين من خدود ربات الخدور، يرسلان على الساحة كلها سناءً ورواءً. . . .

стр. 10937

من هي؟. . . من هذه العذراء البارعة التي تشرف هكذا على الساحة الحمراء فتطفئ جذوات الغل المتقدة بين أضلاع أخيل، وتضع حداً لهذه الثورة التي ظلت إلى تلك اللمحة تعصف بنفسه الغضبى، وتحز في قلبه المحزون؟. . . أوه. . .!! إنها الأميرة الفتانة بوليكسينا، صغرى بنات الملك الشيخ. . . بريام البائس الباكي الحزين. . . لقد أرسلتها العناية لتشرف على الساحة الصاخبة، ولينظر إلى هذا البطل الخرافي الجبار الذي لم يعد بيت في طروادة كلها إلا وفيه لسان يلهج بذكره، ويتحدث عن شجاعته، ويخوض في جبروته. . . ثم لم يعد بيت في طروادة كذلك، إلا وفيه عين مؤرقه تبكي على عزيزها الذي قتله هذا البطل، أو الذي سيقتله، أو الذي يخشى منه عليه أن يقتله. . . كأنه أصبح سفير هيدز إلى اليوم، أو وزير بلوتو العظيم!! وأبصر أخيل بها. . . ويالها من نظرة أنبتت في قلبه دوحة من الحب وارفة، ذات ظلال وذات أفياء. . . . وظل الرمح يهتز في يده. . . ولا يصيب أحداً. . . وظل هو يسارق قمر البرج المطل نظرة فنظرة، وظل مشدوهاً مسبوهاً. . . لا يعرف لم شبت هذه الحرب، ولم يقتتل هذان الجمعان؟!. . . وانثنى من الميدان ينظر في هذا الغرام الجديد. . . ولم يجد بداً من العمل لإحلال السلم محل تلك الحرب التي طالت وتتابعت عليها السنون، من غير أن يظفر الهيلانيون بالطرواديين، أو الطرواديين بالهيلانيين، ومن غير أن يفكر أحد في هذه المجزرة الشائنة التي تفتدي كل يوم بقطوف الشباب من زهرات الأمتين على السواء. فيا له من حب مهد السلم، لولا قساوة في القلوب زادتها الثارات عنفواناً، ولولا شرف أمة بأسرها تعبث به امرأة، ولولا الأحن التي ذهبت بأبناء الملوك الصيد! واستطاع أخيل أن ينفذ رسله إلى بريام يستعتبه، ثم استطاع الرسل أن يخاطبوا الملك في بوليكسينا على أن تكون أحب أزواج أخيل وآثرهن إلى قلبه، فوعدهم الملك، بعد إذ لحظ من افتتان ابنته هي الأخرى بزعيم الميرميدون، أن تتم مراسيم الزواج حين تضع الحرب

стр. 10938

أوزارها، وحين تنكشف هذه الغمة القاسية عن طروادة. . . بيد أن الهوى المبرح قد ألح على قلب أخيل، والصبابة العاتية قد جمعت أفانين من السهاد في عينيه، وطيف بوليكسينا يراوحه ويغاديه، ويملأ عليه أخيلته، ويتهادى أمامه في كل نظرة ينفرج عنها هدبه، أو غمضة يتناعس بها جفناه! فلم يطق إلى صبر من سبيل! وأنفذ رسله كرة أخرى فاتفقوا مع الملك على إجراء مراسم الخطبة، عسى أن تفل من غرب هذه الحرب القاسية، أو تبزغ منها تباشير السلام المنشود! وأعلنت هدنة ليوم أو بعض يوم؛ وأقيم المهرجان الفخم في صميم الحومة الرائعة، وتقدم أخيل فصافح الملك، وأعلنت الخطبة، وانثنى الزعيم العظيم وقلبه يطفر من الفرح، أن أصبحت له بوليكسينا. . . وما كاد البطل ينقلب إلى جنده، حتى كانت فينوس توسوس إلى باريس أن ينتهز الفرصة العزيزة النادرة، ويريش سهماً من سهامه المسمومة إلى أخيل التي لم تغمرها مياه ستيكس فيصميه. . . فيرديه!! ووتر باريس قوسه، وأرسل السهم المسموم إلى عقب أخيل فنفذ فيه، وأنفذ فيه قضاء ربات القضاء. . . اللائي فرغن الساعة فقط من غزل خيط حياته، وقطعته أتروبوس الهائلة بمقصها الجبار الفظيع. وهكذا أنهى باريس الخائن تلك الحياة الحافلة بغدرة سافلة من غدراته التي توشك أن تنتهي! واستطير الميرميدون! وانقض أوليسيز كالعاصفة ينافح عن جثمان صاحبه، واستطاع أن يستنفذ القتيل العزيز من أيدي أعدائه الجبناء؛ وكان أجاكس العظيم يعاونه في دفع الجموع الحاشدة التي تكاثرت حول الجثة تطمع في عدة فلكان. . . وانصرف الجيش الحزين يذرف دموعه على أخيل!! واجتمعوا حول الجثة المضمخة بالطيب وحنط المسك يحرقونها! ووقفت ذيتيس تلقى على ابنها نظرة الوداع. . . وتذرف عليه عبرة الوداع!! وكانت ثيابها السود تبكي معها. . . وكانت السماء كلها تذرف شئونها على أخيل. . . وعرائس البحر ساهمات على شواطئ الهلسبنت الفائض بالدم!

стр. 10939

وبليوس المحزون يضطرب في الأعماق فيجعلها ضراما: والأولمب كله، ما عدا عصابة فينوس يعزى بعضه بعضاً!! وليس أولئك جميعاً شيئاً إلى ما حدث من بعد، قبيل أن تخمد النيران فوق أخيل. . . فقد ضج المكان الصامت بصيحات مفاجئة، نبهت ما سكن من هول هذا المحشر الرهيب. . . ونفت القوم، فإذا أجاكس العظيم قد أصابه طائف من المس، وإذا به يرغى ويزبد، ويعول وينشج، ثم يقذف من فمه صبياً من الدم، يتلوه شوب من العلق، وينبطح على الأرض ثم يثب على قدميه، ويروح ويغدو دون أن يلوا على شئ. . . ثم يستل جرازه ويركزه فوق الأرض، ويتكئ بصدره على سنانه، فينفذ السنان من ظهر أجاكس، ضحيه جديدة لهذه الحرب التي لا تشبع، وخيط حياة حافلة يمر وشيكاً بين الشفرتين من مقص أتروبوس!. . . ويحك أجاكس! وللآلهة ما وفيت لأخيل يا بطل الأبطال! وذهل القوم لانتحار أجاكس ولم يفيقوا من ذهولهم إلا ليروا إلى مأساة ضعضعت ما أبقى عليه الحزن من ألبابهم، وأطاشت ما بقى من حلومهم، وتركتهم سكارى وما هم سكارى هذه بوليكسينا!! إنها تقبل من طروادة كأنما بها مس. . . وهي تطوي الساحة المزدحمة بالأشلاء. . . المضرجة بالدماء، بقدمين عاريتن، لا يقيمها حذاء. . . وأن الدم ليتفجر منهما. . . وهي تصرخ. . . وتلطم خديها الشاحبين، بكفيها الواهيتين وهي تجفل كالظبية المراعة، وتدور حول نفسها. . . ثم تقف لحظة. . . وتنطلق. . . . وهي تفعل هذا حتى تكون أمام البركان الخافت، المشتمل على رفات أخيل. . . وإنها لتقف تلقاءه جامدة كأنها دمية. . . . ذاهلة كأنها تمثال. . . . يا للهول!! لقد انطلقت الفتاة فخاضت النيران. . . ودست رأسها في جمرات الغضى تبحث عن حبيبها المرجو. . . . . . عن أخيل. . . . . .!! أخيل الجبار. . . قاتل ليكاون وبوليدور. . . وهكتور!! ويجزع الهيلانيون مما ألم بهم من مقتل أخيل، وانتحار أجاكس حزناً عليه، فينصرفون عن

стр. 10940

الحرب إلى استيحاء آلهتهم؛ وينفرد كالخاس يرسل نظرة في النجوم، ويناجي سكان السماء، ثم يقبل على القادة وقد فرغت قلوبهم من الصبر، وتبلبلت أفكارهم من طول الانتظار. . . فيقول: (سهام هرقل!! لا بد من سهام هرقل!! لن يفتح عليكم طروادة إلا سهام هرقل. . .!!) سهام هرقل؟؟ وما سهام هرقل هذه؟؟) آه! لعلها هذه السهام التي غمسها هرقل في دم هيدرا فتسممت به، وادخرت من الموت ما يكفي لإبادة الطرواديين جميعاً. . . ولكن أين هي هذه السهام اليوم! وأنى للهيلانيين أن يهتدوا إليها؟! جلس القادة يفكرون. . . وذهب العرافون يقلبون صحف الغيب. . . وطفق مشايخ الجند يفتشون في زوايا أدمغتهم. . . ثم ادّكر أوليسيز، بعد لأي، أن هذه السهام المنشودة قد تركت مع الجندي القديم فيلوكتتيس الذي غادره الجيش فوق جزيرة لمنوس، في طريقه إلى طروادة. . . فجر الحملة. . . منذ عشر سنوات! ولقد كان فيلوكتتيس قد أصيب بجرح كبير في قدمه جعل أصحاب الحملة له من المحال، لما كان يلقى أوانئذ من الآلام المبرحة، وما كان يملأ به آذان الجند من الصراخ والأنين. . . فأضطر أوليسس إلى تركه في جزيرة لمنوس، حيث أوى الجندي المسكين إلى كهف منعزل عكف فيه على جرحه يعالجه. . . دون جدوى! واتفق القادة على أن يذهب أوليسس مصطحباً معه بيروس ابن أخيل؛ (أونيوبتلموس كما كانوا يسمونه أحياناً) إلى جزيرة لمنوس ليريا هل الجندي الجريح ما زال يحيا هنالك، وقد بحثا عنه في أنحاء الجزيرة حتى عثرا به يئن في كهفه ويتوجع، ويشكو إلى غير سميع، فعرضا عليه أن يصحبهما إلى طروادة فأبى وجعله يشتد في الأباء تذكره هذا اليوم الأغبر الذي آثروا فيه تركه فوق تلك الجزيرة القاحلة لا أنيس ولا سمير، ولا لسان يرفه عنه وحشة الألم ووحشة المنفى الذي لا يدله فيه؛ وكبر عليه أن ينطلق مع هذا الجيش الذي جحده وغمطه حق الجهاد في سبيل الوطن، والذود عن شرف هيلاس واسمها المقدس. . .

стр. 10941

وتركه أوليسس ليبروس يأخذه بالحيلة والرفق. . . ولكن بيروس ما يستطيع قط أن يقنع فيلوكتتيس. . . فيكاد يدعه برما متسخطا. . لولا أن يظهر طيف هرقل فجأة مرفرفاً في العلو ثم يأمر فيلوكتتيس، بعد تهويمة هنا وتهويمة هناك، أن ينصاع لما يأمره أوليسس به. ولا يسع الجندي الكريم إلا أن ينطلق مع أوليسس. . . فيركب الجميع في السفينة إلى طروادة، ويلقاهم العسكر المشتاق بالبشر، ويهرع إليهم بالإيناس! أليس في سهام هذا القادم الأعرج. . . النصر كل النصر؟! ونفخ في صور الحرب، واشتجرت الأسنة، واستحر القتال، وتبوأ فيلوكتتيس مقعداً للرماية لا يبصره فيه أحد؛ في حين يبصر هو منه كل ما في الميدان! وراش سهامه! وتتطايرت المنايا عن قوسه المرنان! وسعت إلى الطرواديين مصارعهم تهدهدها سهام هرقل، وتمهد لها يمين فيلوكتتيس! ومرق سهم منها إلى باريس!. . . وكان يشرف على المعركة من أسوار إليوم!. . . فوقع يتشحط في دمه، ويغص بريقه، ويصرح من الألم الذي يسري في عروقه مع الدم. . . والسم!! واجتمع حول باريس أبوه وذووه وعشيرته. . . وهيلين!. . . وطفق الجميع يبكون في باريس إخوته، والذكريات السود التي أقبلت من كل صوب ترف فوقه وترنق على جبينه. . . وأخذ الألم من باريس مأخذه. . . وراح المسكين يصرخ ويتلوى. . . غير آبه لما تغرقه به هيلين من قبلات دنسة، ودموع مسمومة، كانت الويل كل الويل على طروادة والطرواديين وذكر، وهو يتجرع غصص العذاب أن حبيبته الأولى وزهرة صباه، ووردة حبه القديم، أيونونيه، كانت قد ذكرت له أنها تعرف من خواص الأعشاب المختلفة ما يشفي أقله أشد أوجاع الجروح وأنكاها وصبأً. . . فأشار إلى بعض أهله، وطلب إليه أن يذهب إلى سيف البحر عله يجد إيونونيه. . . فإذا لقيها فليخبرها بما انتهى إليه (حبيبها!) باريس، والآلام التي تعذبه وتشقيه، من جراء جرح هذا السهم المسموم. . . . . . بيد أن إيونونيه التعاسة. . . إيونونيه المعذبة. . . إيونونيه التي أخلصت لباريس الحب حتى عبدته. . . ذكرت ما كان من هجر هذا الحبيب وقلاه؛ وذكرت دموعها التي ذرفتها مرة تحت قدميه ضارعه

стр. 10942

متوسلة. . . وتلك القساوة التي كافأها هو بها لما أن خدعته فينوس. . . وأوقعته في أحبولة هيلين. . . . . . فرفضت أبية شماء أن تذهب إليه. . .؛ والآلهة وحدها تعلم مقدار ما كانت تكنه له برغم هذا الرفض من الحب النقي. . . والصبابة الحزينة. . . والهوى المتأجج المشبوب!! وقضى باريس!!. . . وأعدت النيران الضخمة لتحرقه، فما هو إلا أن أشعلت من حوله حتى شوهدت إيونونيه المتبولة تخرج من لجة الهلسبنت وتعدو، كأن قد أصابها مس، حتى تكون تلقاء النار. . . فتقف باهتةً. . . وتتنهد طويلاً. . . وتقذف بجسمها الجميل المرمري الممشوق في اللهب. . وتصرخ صرخة مشجية. . . و. . . وتنتهي قصة حبها الباكي. . . وتخط بيدها آخر سطر في كتاب باريس. . . (البقية في العدد المقبل) درني خشبة

стр. 10943

البريد الأدبي الأدب قبل هوميروس يقدرون أن هوميروس عميد الشعر اليوناني وصاحب الإلياذة الشهيرة قد عاش قبل المسيح بنحو ألف عام؛ والمعروف أن هيرودوت (أو هرشيوش) أبا التاريخ قد عاش في القرن الخامس قبل الميلاد؛ ولكن انتهى إلينا نص كامل من الإلياذة، وانتهى إلينا نص كامل لتاريخ هيرودوت مع أن الأثرين الخالدين وضعا في عصور لم تعرف الكتب، فكيف كانت حال الأدب والتاريخ، وكيف كانت تتناقل الآثار الأدبية في هاتيك العصور؟ كانت الرواية السماعية ولا ريب هي أنجع الوسائل لتوارث التفكير والأدب، وأن كانت الآثار والنقوش والكتابات البردية أيضاً من وسائل تدوينها، وهذا ما تناوله العلامة الإنكليزي الأستاذ طومسون في كتاب ظهر حديثاً عنوانه (فن الرواية) وكلمه (لوجوس) رومية معناها (ما يقال) والأستاذ طومسون حجة الأدب اليوناني القديم، وهو يتناول في بحثه العلمي القيم فن الرواية في عصور ما قبل التاريخ وكيف كان هذا الفن يشمل التاريخ والشعر والقصص، وكيف أنها جميعاً تكاد تمتزج بعضها ببعض ويعني الأستاذ طومسون بوجه خاص لتحليل رواية هيرودوت وما فيها من الحقائق التاريخية الخالدة؛ ثم يعني ببحث الأساطير اليونانية الكبرى وأصولها ومراميها، وأصل الإلياذة، والأوذيسة؛ وتأثير الرواية في تطور العقلية الشعبية خلال هذه العصور، كل ذلك بأسلوب علمي محقق، ممتع في وقت معاً وما يتناوله الأستاذ طومسون في كتابه هو نفس الحالة التي كان عليها الأدب العربي قبل الإسلام، فالشعر الجاهلي الذي ورثه الأدب الإسلامي، ووقائع العرب وايامها، وما يتخلل ذلك كله من القصص والأساطير، والمنثور والمنظوم، إنما انتقل خلال العصور بالرواية والسماع؛ وقد كانت الرواية في الجزيرة العربية بلا ريب أقوى وأنفذ، وكان أثرها بلا ريب أقوى في تكوين الأدب الجاهلي؛ وتقدم إلينا كتب الأدب الكبرى مثل الأغاني، والعقد الفريد صوراً بديعة مما كان عليه أدب الرواية في عصور قد ترجع إلى ما قبل الإسلام عدة قرون. من كنوز البردي المصرية يذكر القراء تلك الضجة التي قامت منذ أشهر حول تسرب الآثار المصرية القديمة خارج

стр. 10944

القطر ومنها مجموعات ثمينة من أوراق البردي التي ترجع إلى العصر الروماني؛ وقد ظهرت فداحة الخسارة الأثرية والعلمية التي أصيبت بها مصر من جراء تسرب آثارها على هذا النحو في حادثين: الأول ظهور مجموعة ثمينة من أوراق البردي المصرية في برلين، وهي بإقرار الخبراء أثمن مجموعة من نوعها لأنها تحتوي على نصوص عدة كتب كاملة من كتب ماني الفيلسوف الفارسي وصاحب المذهب المشهور؛ والثاني ظهور بعض قطع وشذور من أقدم إنجيل معروف، وقد كتب باليونانية على ورق البردي الذي تسرب من مصر أيضاً. وقد اقتنت مكتبات رايلاندس الإنكليزية الشهيرة بمنشستر طائفة من هذه الأوراق الثمينة منذ أعوام، وبدأت بنشرها، فأصدرت مجلداً يحتوي على نصوص طائفة من أوراق البردي المصرية منذ العصر اليوناني؛ وأصدرت أخيراً مجلداً جديداً يحتوي على نصوص طائفة من أوراق البردي المصرية منذ العصر الروماني؛ وأهمية هذا الجزء الأخير هي أنه يحتوي على مقتطفات من الإنجيل الرابع (إنجيل يوحنا) هي أقدم نصوص من نوعها؛ وهي باللغة اليونانية، ولكنها كتبت بمصر في عصر يقدره العلماء والخبراء بالنصف الأول من القرن الثاني للميلاد؛ وقد كان المظنون حتى اليوم أن إنجيل يوحنا يرجع إلى عصر متأخر نوعاً، يقدر بأواخر القرن الثاني؛ ولكن ظهور هذه القطع من إنجيله، وما اقترنت به من شواهد في الكتابة والحبر والهجاء تدل على أنها كتبت بمصر في عصر الإمبراطور هادريان، مما يحمل العلماء على تغير نظريتهم، والرجوع بإنجيل يوحنا إلى أوائل قرن الثاني أعنى إلى نحو سنة ١٢٠ م أما مجموعة برلين من أوراق البردي المصرية التي تحتوي على كتب ماني الفيلسوف فيجري بحثها اليوم بمعرفة العلماء الأخصائيين تمهيداً لنشرها والتعريف عنها وهكذا يتسرب تراثنا الأثري والعلمي على هذا النحو، ونحن شهود نرمق هذه الاختلاسات المتوالية باسم العلم والبحث. مذكرات صحافي شهير هنري نفنتون من أشهر الصحافيين الإنكليز الذين جابوا أنحاء العالم وشهدوا عظائم الحوادث في مختلف الأقطار والمناسبات، وقد عرف خلال حياته الطويلة الحافلة مختلف الشخصيات في ميادين الحرب والسياسة والأعمال؛ واتصل بالعظماء والأقوياء وزعماء

стр. 10945

الثورات، وتجار الرقيق وبالشعراء والأدباء، والقتلة واللصوص؛ وشهد بنفسه كثيراً من الحوادث والانقلابات التي وقعت في أنحاء العالم منذ أواخر القرن الماضي؛ ففي سنة ١٨٩٧ شهد الثورة اليونانية في كريت ضد الترك، ودرس الفظائع التركية في البلقان كما درس تجارة الرقيق في أفريقية وشهد في سنة ١٩٠٥ مؤتمر الشباب الروسي لإلغاء عقوبة الإعدام، ورأى فلول الجيش الروسي المنهزم أمام اليابان؛ وعرف تولوستوي وتحدث إليه في منزله الريفي فذكر له إن ما يراه ليس ثورة وليس انقلابا، ولكنه يرى خاتمة عهد مضى؛ وشهد في سنة ١٩٠٧ جهود آني بيزانت ودعايتها في الهند؛ وتجول في ميادين الحرب أثناء الحرب الكبرى، وشهد وقائع الدردنيل، وانسحاب الإنكليز من غاليبولي؛ ثم شهد بعد ذلك الثورة الإرلندية الوطنية، ومؤتمرات الصلح، وشهد احتلال الجنود السود لمناطق الرور في ألمانيا سنة ١٩٢٣، وتجول في بيت المقدس وبغداد، وكتب عن دراساته ومشاهداته مقالات ومذكرات لا نهاية لها. وقد اخرج مستر نفنتون أخيراً كتاباً ضخماً ضمنه كل هذه المشاهدات والدراسات بعنوان (نار الحياة)؛ وكتبه بأسلوب قوي شائق يمتزج فيه صدق المؤرخ وخيال القصصي، ويمتاز الكتاب بما يطبعه من روح إنساني قوي؛ ذلك إن مستر نفنتون رجل يضطرم فؤاده إنسانية ورحمة، ويجيش ذهنه بأشرف المثل فهو يطري الثورات الوطنية أنى وقعت، ويحمل على سياسة العنف والغصب أياً كانت، وينوه بالحقوق حيثما استحقت، ويندد بكل ما فيه قسوة أو تحامل، وينصر المثل السليمة والإنسانية أياً كان مصدرها، ويعتبر كتابه سجلاً بديعاً لحوادث نصف القرن الماضي. الإذاعة المدرسية كان يوم الاثنين الماضي بدء الإذاعة المدرسية التي شرعتها وزارة المعارف في عهد سعادة وزيرها الحالي - لفائدة تلاميذ المدارس. والمشروع جليل يستحق الاحتفال والثناء والشكر لوزير المعارف وكانت أولى المحاضرات بعد كلمة سعادة وزير المعارف في مفتتح الإذاعة، كلمة الأستاذ مهدي علام في: (عتاب بين الأدب العربي والإنجليزي!) ماذا يوحي هذا العنوان؟ أما عندنا، فكنا ننتظر أن نسمع حواراً بديعاً طريفاً بين العربية وأختها، وما اكثر ما يقتضي العتاب بين اللغتين! ولكنا. . . ولكنا لم نسمع إلا قطعتين من نماذج العتاب

стр. 10946

في الأدبين، نشرهما المحاضر من محفوظاته، ثم ربط بينهما بهذا العنوان. . .! قد يكون اختياره حسناً، ولكن لغة الكتابة غير لغة الإذاعة، وهذا مشروع جديد في وسائل التربية، فما كان أحوجه إلى الجديد من أقلام أهل التربية. . .! ثم جاء دور المدارس الابتدائية، فأرهفنا السمع على شوق وأمل. . . وكانت تلاوة شعرية في (عمرية حافظ)، وعمرية حافظ لون من الشعر التاريخي، حبيبة إلى نفوسنا، يسرنا ويرضينا كل الرضى أن يفهمها ويعيها أولادنا؛ ولكن هل كانت الإذاعة المدرسية من أجل ذاك؟ فماذا يعمل مدرس المحفوظات. . .! وهنا أيضاً كما هناك، كان أدب ولغة، وخطابة وشعر؛ ولكن للكتاب لا للمذياع. . .! واسألوا التلاميذ بعد ذلك ماذا سمعوا مما كانوا يترقبون أن يسمعوا؟ إن مئات من المدرسين في الوزارة يحسنون التحدث إلى التلاميذ بأحسن مما سمعوا يوم الاثنين؛ لا لأنهم خير من الذين أذاعوا، أو أفهم لروح الطفل؛ ولكن لأنهم قد يكونون أقدر على خلع شخصياتهم حين يتحدثون إلى الطفل. ما نريد من هذه الإذاعة أن نجتلي علم فلان وفلان فما نشك في ذاك، وإنما نريد أن نعرف كيف يتجاهل العلماء حين يريدون الحديث مع هؤلاء العقول الصغيرة الفارغة، حتى يعيش الأطفال في دنياهم على حقيقتها. إن في الأدب القديم وفي الأدب الجديد كثيراً مما يروق التلاميذ صغاراً وكباراً أن يسمعوه، أكثر مما يروقهم أن يقرءوه، وما نرى التلاميذ يؤثرون أن يسمعوا شيئاً أكثر مما يؤثرون القصص. وفي ثنايا القصص يقال كل شئ؛ وهذا رأي لا نحسبه غريباً عن المكتب الفني في وزارة المعارف، وإن كان غريباً عن هذه الإذاعة المدرسية. وللمعلمين أيضاً إذاعة كما للتلاميذ، وكانت الإذاعة لهم (في الخاتمة) محاضرة قيمة في شؤون التربية والتعليم، ألقاها الأستاذ أمين مرسي قنديل. وليس في المحاضرة مما ينقد إلا شيئاً واحداً، هو أن أستاذاً في التربية يحاضر المعلمين عامة في القطر ثم لا يصحح نطق الجمل ولا إعراب الكلام. يا معلمينا الأجلاء. افهموا تلاميذكم قبل أن تحاولوا تفهيمهم. . .! معلم

стр. 10947

أشعة الإخفاء من أنباء بودابست أن كيميائياً مجرياً فتي يدعى ستيفان بربيل أذاع أنه قد اكتشف نوعاً جديداً من الأشعة يخفي الأشياء إذا سلطها عليها، وأنه اخترع في نفس الوقت مادة تحول دون اختفاء الأشياء إذا سلطت عليها هذه الأشعة؛ وإنها إذا سلطت أخيراً على باب أو جدار أمكن رؤية ما وراءه. وقد أثارت هذه الدعوى في المجر دهشة واهتماماً عظيمين، ولكن المخترع الشاب لم يجد كالعادة ما يطمح إليه من التشجيع الجدي؛ ولذلك يمم شطر لندن ليقوم هنالك بعرض اختراعه، وقد صرح إلى الصحف الإنكليزية بأن الأشعة التي اخترعها إذا سلطت على سيارة اختفت في الحال عن الأنظار؛ وأنها إذا سلطت على غرفة تضم عدة أشخاص، فأن أولئك الأشخاص يتوارون عن العيان ولا يبدو منهم سوى أشباح كالظل؛ وهنالك أشياء عجيبة أخرى يحققها هذا الاختراع المدهش، فمثلا يمكن استعمال هذه الأشعة في المسرح وفي السينما، فتأتي بنتائج عجيبة في تسهيل المناظر وتغييرها ومع أن ماهية هذا الاختراع لم تثبت بصفة قاطعة، فإنه يذكرنا بأي حال بما نقرأه في كتب القصص القديمة من طلاسم كانت تستعمل للاختفاء عن الأنظار، وليس بعيداً بعد الذي نشاهده اليوم من أعاجيب العلم أن يتحقق اختراع الفتى المجري وغيره من الأمور التي كانت تبدو فيما مضى مستحيلة، فإذا هي اليوم موضع المحاولة والبحث الجدي. زينة المرأة الحديثة هل يسير الجمال النسوي بما تختاره المرأة اليوم لنفسها من صنوف الزينة والتجميل إلى الكمال؟ أم أن المرأة أسرفت في الالتجاء إلى الصناعة حتى أصابت من جمالها الطبيعي؟ يقول الأستاذ أولان دي لو رئيس قسم الفنون الجميلة بأكاديمية بروكسل في محاضرة له عن (أحوال الجمال في عصرنا) إن المرأة الحديثة تؤذي نفسها وجمالها ومن حيث لا تريد، وإنها تبدو اليوم شاحبة سقيمة، وأن الأصباغ والمساحيق المختلفة تجعل من وجهها (قناعاً من الورق المقوى). أما تجميل الأظافر واحمرارها فمما يجعل المرأة الأنيقة تبدو كأنها وصيفة أو طاهية عاطلة. بيد أنه يلاحظ من جهة أخرى أن الحكم المطلق على وسائل التجميل والزينة فيه تحامل

стр. 10948

على المرأة، فمما لا ريب فيه أن المرأة في حاجة إلى التجميل، فقد نستطيع مثلا بالقلم الأسود أن نصحح عيباً في الحاجب، وليست وسائل التجميل كلها مغرقة أو مضحكة، والمرأة الفنانة ذات الذوق الحسن تستطيع أن تسبغ على وجهها من حسن الصنعة جمالا لم تمنحه إياها الطبيعة، وفي وسعها أن تعتدل في استعمال الدهان أو التلوين؛ أما الحكم فيجب أن ينصب على التجميل المفرق وعلى الإسراف في وسائله؛ والزينة هي بلا ريب ضرورة للمرأة الحسناء لا تستطيع عنها غنى، كما أنها لا تستطيع دون إضرار بجمالها وذاتها أن تهمل في زينة ثوبها أو شعرها أو قبعتها؛ ولو أن النساء الأنيقات عملن بنصح الأستاذ أولان وتركن ما يلجأن إليه من وسائل الزينة لفقدن كثيراً من أناقتهن وجمالهن.

стр. 10949

النقد رد على نقد ٣ - كتاب تاريخ الإسلام السياسي للدكتور حسن إبراهيم حسن مؤلف الكتاب لاحظ القارئ في مقالينا السابقين مبلغ تلك المآخذ التي أوردها الناقد من الصواب وأنها لا تغني من قيمة كتابنا شيئاً. فأي تجنٍ وأي ظلم إذا ذهب هذا الأستاذ، بعد أن شغل قراء (الرسالة) بمقالين طويلين يزهو مقسماً بعمره - وليس بهين - إن هذه الأغلاط التي كشفها يذهب بعضها بمحاسن أي كتاب يرد فيه، فكيف بها كلها؟ نترك حضرة الناقد يزهو في غير عجب، ويتعلق بلا سبب؛ ونهمس في أذنه بأن إيراد تلك العبارة التي قدم بها كلمته الثالثة تذكرنا بالحكمة العربية (كاد المريب أن يقول خذوني). ثم نكِر على بعض تلك العيوب التي لحظها على طريقتنا في الأخذ من المصادر التاريخية لنتبين إن حظه فيها ليس بأحسن من حظه فيما سماه (مآخذ تاريخية وجغرافية)، وإذا كان يقول إن سوء حظه أبى عليه أن يقدم الثناء للمؤلف، فهناك من اطلعوا على كتابنا - وهم كثيرون - قد شاء حسن حظنا أن ننال تقديرهم ونغمر بفضلهم وتشجعهم. ولا أدل على هذا مما نشر في الصحف والمجلات في مصر والشام والعراق وغيرها، ومن أن الطبعة الأولى من الكتاب كادت أن تنفذ؛ ولا يعدم الحق مؤيداً وظهيراً. يتهمنا حضرة الناقد بأننا حملنا متن الكتاب من الشروح والحواشي حملاً ثقيلاً، وكلفنا نفسنا شططاً وقراءنا مشقة وعنتاً، حيث أننا راعينا الأمانة في النقل، فنسبنا كل قول لقائله، وأسندنا كل رأي إلى مرجعه. ويرى حضرته أننا لم نقصد بذلك إلا ابتغاء السمعة، وأن نلقي في روع القارئ أننا في التاريخ واسعوا الاطلاع طويلو الباع ما كتبه الأوائل والأواخر! لندع هذا الكلام الذي ينم عن الغرض من نقده، ونناقشه بكل هدوء في هذه العيوب التي حال تبينه وبين كلمة ثناء يكيلها لنا جزافاً.

стр. 10950

كل من اطلع على كتابنا يدرك لأول وهلة أننا أردنا أن يكون مرجعاً علمياً تاريخياً لمن يريدون التوسع في التاريخ الإسلامي وليس من المعقول أن كتابا سيقع في ستة مجلدات لا ينقص أحدها عن ستمائة صفحة قد قصد في وضعه أن يكون في متناول الطلاب الذين لم يتموا الدراسة الثانوية - فإذا أكثرنا من ذكر المصادر، وإحالة من يريد التوسع عليها، فليس الغرض أننا نبغي السمعة عند الناس كما يتهمنا الناقد - سامحه الله - وإنما هو انتهاج الطريقة الحديثة، مراعاة للأمانة، وكشفاً للطريق لمن يريد زيادة التحصيل، وتبرؤاً من قول قد لا يتفق ورأينا الشخصي. أما الزعم بأن كتابنا من الكتب المدرسية التي جرى العرف بأن يقتصر فيها من ذكر المراجع في صلب الفصول على الضروري فزعم لا يتفق ووضع الكتاب وطريقة البحث فيه، ويدرك ذلك من عنده أدنى تأمل؛ وإذا كان حضرة الناقد كلف نفسه بعض المشقة لوجد أننا عمدنا إلى الطريقة الثانية المختصرة في كتابنا (تاريخ العصور الوسطى في الشرق والغرب) للسنة الثانية الثانوية. وليت شعري كيف يحكم حضرة الناقد بأن كثرة المراجع التي اعتمدنا عليها صورية لا حقيقة، وكيف يدعي بأن حرصنا على التكثر والتزيد قد حملنا في كثير من الأحيان على أن ندلل على ما لا يحتاج إلى دليل، وأن نعدد المراجع ولو كانت في مرد أمرها ترجع إلى مصدر واحد؟ أليس أحق بالغرابة والإشفاق أن يتخذ من إحالتنا القارئ لخطبة أبي بكر على أربعة كتب قديمة اختلفت رواياتها بعض الاختلاف، سبباً في أننا ندلل فيما لا يحتاج إلى دليل؟ أننا لا نشك في أن البحث التاريخي الحديث يوافقنا، بل يطلب أن نعدد المراجع ما استطعنا، ولو لم تخلف الروايات من تقديم أو تأخير، ما، أو إبدال لفظ بلفظ. فما بالك وتلك المصادر الأربعة قد ذكرت في كل منها الخطبة مختلفة عن زميلاتها بعض الاختلاف؟ على أننا لم ندر ما هو الضرر الذي يلحق بالكتاب ويصيبه في نظر الناقد من ذكر المصادر، أربعة أو أكثر أو أقل، حتى عن خطبة قيمة يعرفها طلاب المدارس وينكرها بعض الأساتذة. ولقد طوح القلم بحضرة الناقد، ودفعه الحرص على إلصاق العيوب إلى التهجم على كتاب يعتبر أصح الكتب بعد كتاب الله بإجماع المسلمين، ذلك هو صحيح الأمام أبي عبد الله

стр. 10951

البخاري. وإننا بدورنا نبادر ونطلب من الناقد أن يستغفر من ذنبه، فان إمام المحدثين البخاري هو الذي روى ذلك الحديث الذي جرى بين أبي سفيان وبين هرقل قيصر الروم في الشام (راجع باب بدء الوحي في البخاري)؛ كما أن هذا الحديث، وقد أجمع على صحته المحدثون، لم يحمل في ثناياه أدلة ضعفه وانتحاله - كما يقول الناقد - وأنه ذو خطر عظيم؛ فأنه يوضح بأجلى بيان كيف كان المشركون وعظماء قريش ينظرون إلى الرسول قبل إسلامه، وكيف كانوا يعرفون صدقه وأمانته كما يعرفون آبائهم وأبنائهم. وكيف لا يقدم هذا الحديث الصحيح في فهم سيرة الرسول ولا يؤخر؟ وقد كان أيضاً سبباً مباشراً فيما عرضه هرقل على بطارقته من الإسلام لولا أن حاصوا حيصة حُمر الوحش إلى الأبواب (راجع هذا الباب في البخاري) أما أننا لم نقصد إلى مناقشة هذه النصوص التي وردت في شرح البخاري ومقارنة رواياتها المختلفة بعضها عن بعض، وأننا لم نبين ما اتفقت فيه وما اختلفت من حيث اللفظ والمعنى الخ، فان هذا ليس بذي خطر؛ فضلاً عن أنه يخرج بنا عن المقام. ومالا يترك كله ولعل من الغرابة أن يجعل الناقد من أسباب الخطر على مقدرتنا في نقد المراجع وتقويمها أننا وافقنا على نسبة كتاب (فتوح الشام) للواقدي، وأننا استعنا به في الفصل الذي عقدناه لفتح العرب الشام، ثم أنبرينا لمناقشته ومجادلته، وأننا كذلك اعتمدنا في عدة مواضع على كتاب (الإمامة والسياسة) المنسوب لابن قتيبة. ويقول الناقد إن الكتاب ليس للواقدي، وان كل شئ في الكتاب الثاني يدل على أنه ليس لابن قتيبة، وإنما هو لكاتب أندلسي. أما إن نسبة هذين الكتابين لهذين المؤرخين أو غيرهما فلا يقدم ولا يؤخر في الموضوع، - على كل حال - يوضحان الحياة العامة السياسية في العصور التي تناولناها في كتابنا. وقد تضافرت المصادر الأخرى على صحة القدر الغالب مما ورد فيهما. على أن مجرد إنكار نسبة الكتابين للواقدي وابن قتيبة لا يكفي، بل يدعو إلى الابتسام، اللهم إلا إذا اعتمد المنكر على غير (غالب الظن)، و (الاعتماد على بعض ما كتبه الإفرنج)، مما لا يعتد به المنطق التاريخي ولا يدعمه دليل مبين. وإذا كان الظن في كل المسائل لا يعني من الحق شيئاً، ففي المسائل التاريخية خصوصاً يكون أبعد من الحق منالا وأدنى للباطل مجالا. (يتبع)

стр. 10952

حسن إبراهيم حسن

стр. 10953

الكتب ١ - الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير: لابن الساعي ٢ - الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة: لابن الفوطي للأستاذ محمد بك كرد علي - ١ - كتبت في مجلة المقتبس (م ٣ص ٩٣ - ١٣٢٦ - ١٩٠٨) مبحثا لفت فيه أنظار المشتغلين بالتاريخ إلى جزء من (الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير) لابن الساعي البغدادي (٦٧٤) كان عثر عليه العلامة احمد تيمور باشا في دشت وضمه إلى خزانته ﵀. واليوم نشر الأستاذ مصطفى جواد بمعونة الأب انستاس ماري الكرملي هذا الجزء بعينه وهو التاسع من كتاب طويل. وللمؤلف اكثر من ثلاثين تأليفاً منها ما يدخل في بضعة مجلدات، وأكثرها في التاريخ والتراجم، ساعده على الاستكثار من التأليف كونه كان خازن كتب المدرسة المستنصرية ببغداد، إلى ما خص به من الدؤوب وثقوب الذهن ووفرة العلم. ولابن الساعي وهو على بن أنجب كتاب صغير طبع في المطبعة الأميرية بمصر ١٣٠٩ وهو مختصر أخبار الخلفاء، يبدأ بظهور الدولة العباسية وينتهي بانقضائها. وفي هذا الجزء التاسع من الجامع المختصر حوادث سنة ٥٩٥ إلى ٦٠٦ هـ يذكر فيها مجملة تم يترحم لمن ماتوا في تلك السنة من الأعلام، وفيه كثير من الفوائد التاريخية. ومعلوم عند الباحثين أن هذا العصر أحط عصور بني العباس، ولا ندري كيف يثبت ناشر الكتاب أن (العصر الذي تناول حوادثه هذا التاريخ من أزهر عصور بني العباس وأعظمها قوة ونظاماً)، وعصر الناصر على غلو المؤرخين من الشيعة فيه - لأنه تشيع - كان في الواقع عصر تراجع سلطان العباسيين، فاكتفوا ممن سلبوهم حكم بلادهم بالسكة والخطبة، وما كان يخطر ببالهم أن يتكرموا به على الخليفة من إتاوة، والخلفاء يكيلون لكل متغلب ما

стр. 10954

شاء الله من الألقاب ويطلقون على أحد العلماء (ص٢٣٤): (الأجل السيد الأوحد العالم ضياء الدين شمس الإسلام رضى الدولة عز الشريعة علم الهدى رئيس الفريقين تاج العلماء. . .) ويكتبون عن أنفسهم: (المواقف الشريفة المقدسة النبوية الأمامية الطاهرة الزكية المعظمة المكرمة الممجدة الناصرة لدين الله تعالى. . .). وفي الكتاب تراجم بعض المشاهير في تلك الحقبة وعهود وتقاليد صدرت عن خليفة الوقت بأقلام المنشئين في ديوانه. وقد وقعت للناشر هفوات لغوية وتحريف بعض آيات الكتاب العزيز منها (ص ١٩٦) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الظالمون). وغلط (ص٨٧) بأن حرف الآية هكذا (الذين كفروا بعضهم أولياء بعض) وصحة الآية الكريمة (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) إلى غير ذلك. - ٢ - طبع الجامع المختصر في بغداد وقبله طبع فيها كتاب الحوادث الجامعة لابن الفوطي (بالفاء) البغدادي المتوفى سنة ٧٢٣ بدأه بحوادث سنة ٦٢٦ وانتهى بأخبار سنة ٧٠٠. وللمؤلف يد طولى في التاريخ ووقوف تام على سياسة عصره، وأورد في تاريخه الممتع من الحوادث ما كملت به سلسلة التاريخ في العراق على عهد الانحطاط العباسي. ومن أهم فصول الكتاب وصف المؤلف فاجعة هولاكو التتري سنة ٦٥٦ وقضاءه على الخليفة المستعصم وعلى جميع آل العباس مع ذراريهم وحرمهم وتخريبه بغداد ووضعه السيف في أهلها. وقد قدر القتلى منهم بأكثر من ثمانمائة ألف في بغداد فقط (عدا من ألقي من الأطفال في الوحول، أو من هلك في القنى والآبار وسراديب الموتى جوعا وخوفاً) (واحرق معظم البلد وجامع الخليفة وما يجاوره واستولى الخراب على البلد) وصف ذلك وصفاً ممتعاً لا إفراط فيه ولا تفريط وقد ساعد المؤلف على هذا التوسع والتبسط في الحوادث التي عرض لها أنه كان كأستاذه ابن الساعي أيضاً خازن كتب المدرسة المستنصرية. وذكر في حوادث سنة ٦٣١ ترجمة محمد بن يحيى بن فضلان، وفتح المدرسة المستنصرية، وأبن فضلان هذا كان من العلماء درس في النظامية والمستنصرية (وولى النظر بديوان الجوالي - أي جزية أهل الذمة. حكى عنه انه كتب للخليفة الناصر لدين الله لما كان يتولى ديوان الجوالي رقعة طويلة يقول فيها إن أجرة سكنى أهل الذمة في دار السلام والارتفاق بمرافقها لا يتقدر

стр. 10955

في الشرع بمقدار معين، في طرف الزيادة، ويتقدر في طرف النقصان بدينار؛ وطلب إلى الخليفة أن يتضاعف على كل شخص منهم ما يؤخذ منه. وقال انهم ضروب وأقسام، منهم من هو في خدمة الديوان وله المعيشة السنية غير بركة يده الممتدة إلى أموال السلطان والرعية من الرشا والبراطيل؛ ولعل الواحد منهم ينفق في يومه القدر المأخوذ منه في السنة؛ هذا مع ما لهم من الحرية الزائدة والجاه القاطع والترقي على رقاب خواص المسلمين. . . ثم ليس لهم في بلد من الحرمة والجاه والمكانة ما لهم في مدينة السلام، فلو تضاعف المأخوذ منهم مهما تضاعف كان لهم الربح الكثير؛ ومنهم الأطباء أصحاب المكاسب الجزيلة بترددهم إلى منازل الأعيان وأرباب الأموال ودخولهم على المتوجهين في الدولة؛ والناس يتحملون فيما يعطون الطبيب زائداً على القدر المستحق، وهو أمر من قبل المروءات، فلا ينفكون عن الخلع السنية والدنانير الكثيرة، والطرف في الموسم والفصول، مع ما يخطئون في المعالجات ويفسدون الأمزجة والأبدان، ويخرج الصبي منهم ولم يقرأ غير عشر مسائل حنين، وخمس قوائم من تذكرة الكحالين، وقد تقمص ولبس العمامة الكبيرة، وجلس في مقاعد الأسواق والشوارع على دكة حتى يعرف، وبيديه المكحلة والملحدان، يؤذي هذا في بدنه، ويجرب على ذا في عينه؛ فيفتك من أول النهار إلى منزله ومكحلته مملوءة قراضة، فإذا عرف بقعوده على الدكة وصار له الزبون قام يدور، ويدخل الدور. ثم ذكر أصناف الحرف التي كان يحترفها أهل الذمة في ذاك العهد ويغشون فيها. وهذه الرقعة أو التقرير على ما يلمح فيه من التعصب يحمل حقائق من وصف المجتمع البغدادي في القرن السابع. وهذا التاريخ مجموعة حوادث وأفكار مهمة جداً. وقد قدم له العلامة رضا الشبيبي من علماء العراق مقدمة ذكر فوائده؛ ونظر فيه وعلق عليه الأستاذ مصطفى جواد. محمد كرد علي

стр. 10956

العدد ١٣٤ - بتاريخ: ٢٧ - ٠١ - ١٩٣٦

стр. 10957

ملك وشاعر حل أصدق المواعيد في يومين متعاقبين بالملك جورج الخامس، وبالشاعر رديارد كبلنج، فأرفضّ لخطبهما الصبر الإنجليزي الذي يتماسك بطبعه على مض النوازل، وتجاوبت بأصداء الأسى الوقور أقطار المُلك البريطاني الشامل، وشعر القلب الإمبراطوري برجفة صماء لموت الملك، وأحس اللسان الاستعماري بعقدة بكماء لموت الشاعر؛ ذلك أن صاحب الجلالة كان يمثل شعبه في نبله وديمقراطيته، وصاحب العبقرية كان يمثله في طموحه ووطنيته؛ فأولهما كان رمز السمو الخلقي في طبع السياسة، وثانيهما كان لحن الغرور القومي في معنى الأدب! كان الملك جورج معنى جديداً من معاني الملكية الجديدة؛ وفق بين غطرفة الملك وتواضع الديمقراطية، وألف بين قيود الحكم ونوازع الحرية، وصالح بين حفاظ التقاليد وطبيعة التطور، ولاءم بين إرادة العاهل وسلطة الدستور، وواءم بين سياسة الدولة ورغبة الأمة، واستبدل بالسلطة الزمنية التي أماتها فيه الزمان، وورثها عنه البرلمان، سلطة روحية أحلته من شعبه محل القداسة، ورفعته في أفقه مكان العلم، وجعلته في حكمه سلام الحزبية إذا احتدمت، وقرار السياسة إذا اضطربت، وصلة الإمبراطورية إذا تقاطعت، ومواساة المرضى من برح الألم، وتعزية البؤس من مس الحاجة؛ ثم تكرم عن أثرة الملوك وتميز السادة، فكان في الحرب يأكل ما يأكل الناس، وفي الأزمة ينفق ما ينفق الأوساط، وفي المحنة يكابد ما يكابد الشعب، وفي الرخاء يكاد الإحسان العام لا يترك في يديه من مخصصاته النصف مليون إلا قرابة الألفين كانت ملكية الملك جورج كما رأيت لفظاً معناه الحب والخير والواجب؛ ومن هنا وجدت الأحزاب على اختلافها مضامينها فيه؛ فهي تثور فيما بينها وتسكن إليه، وتختلف في رأيها وتتفق عليه، وتفترق في طرقها وتلتقي عنده، حتى قال زعيم من زعماء الأحرار هو مستر اسكويث: (إن العرش لَتَهَاوى حولنا، لأن بعضها قائم على أساس من الظلم، وبعضها مرفوع على غثاء من التقاليد، ولكن عرش هذه البلاد محمول على مشيئة الشعب البريطاني، فهو مستقر لا يتزعزع، راسخ لا يميد)، وحتى قال زعيم من زعماء العمال هو مستر استافورد: (إن الملكية الدستورية ستظل طويلاً في هذه الأمة خير أداة لاختيار رأس الدولة)

стр. 10958

من أجل ذلك الخلق الأقوم كان حزن الإنكليز على مليكهم خالصاً من الرياء الرسمي، صادراً عن الشعور الصادق بالحب لرجل غلّب الأبوة على المُلك، واستغنى بالطيبة عن البراعة، وسد بكمال الخلق نقص القدرة وكان الشاعر كبلنج مفتوناً بعظمة الإمبراطورية؛ صاغ من نسبها النضار شعره، وألف من لجبها المتناسق أغاريده؛ ثم شدا بالمجد الطوّاف على أثباج الماء، وهتف بالنصر الرفاف على وجوه الأرض، وجعل من شعره الجواب نشيداً قومياً تردده الآفاق البريطانية كما تردد نشيد الملك! ولد كبلنج في بلاد قال فيها: (إنها أعجب بلاد خضعت للمخلوق وفتحت للخالق): ولد في الهند ببمباي كما يولد الهنود، ولكنه وعى فوجد نفسه سيداً، ووجد الهندي الذي ولد معه عبداً، يعيش على كده وهو ناعم بين وِسكبِه وحسانه، ويرقى على ظهره إذا همّ بركوب حصانه! الخلقة هي الخلقة، والبيئة هي البيئة، والطبقة هي الطبقة، ولكن كبلنج رأى بشرته ودمه من لون العلم الخفاق، ورأى بشرة الهندي ودمه من لون الأرض المستغلة، فأدرك علة الامتياز وسر التفوق: عرف أن البريطاني بحكم الجنس قد يدعى ذكياً وهو فدْم، وكيّساً وهو أخرق، وكافياً وهو عاجز، وسابقاً وهو متخلف، فاستهام بهذه القوة التي تشع مع الشمس في كل أفق، وتنتشر مع الحياة في كل قطر، وتنبسط على حواشي البر والبحر أمناً وحماية، فحبس على إعلان مفاخرها لسانه، ووقف على تسويغ عدوانها عقله؛ فموه حجج الاستعمار بالشعر، وألهب سعار العصبية بالحماسة، وشوه جمال الوطنية بالأثرة، وجعل الأدب وهو شعاع الروح دليلاً لبغي القومي ولؤمه، ومهد لأساطيل الطغيان، استبعاد الإنسان للإنسان، بحجة (أن الشرق شرق والغرب غرب فلا يلتقيان) إلا على شر، ولا يفترقان إلا على ثأر! من أجل ذلك الإخلاص الملهم كان مرض كبلنج تحت الرعاية الملكية، وكانت جنازة كبلنج جنازة (شبه رسمية)! إن في مثل سياسة الملك جورج لأماناً من طغيان الرءوس وثوران النفوس، وقيام الدعوات الباطلة، وشيوع المذاهب الجريئة، وانقلاب الحكم في الدولة، واضطراب السلم في الأمة، واغبرار العيش في أوجه العامة. إن في مثل أدب الشاعر كبلنج لروحاً مزهوة تعتلج

стр. 10959

بالشعور الوطني، وتختلج بالغرور القومي، وتدفع بالهمم الوانية إلى اللحاق، وتنزع بالنفوس الضارعة عن المذلة، وتكشف للقلوب المنخوبة عن معاني الرجولة! إن في كل حادث ذكرى؛ وإن في كل حديث بلاغا! احمد حسن الزيات

стр. 10960

٤ - المشكلة تتمة للأستاذ مصطفى صادق الرافعي صاحب هذه المشكلة رجل أعور العقل. . . . يرى عقله من ناحية واحدة، فقد غاب عنه نصف الوجود في مشكلته؛ ولو أن عقله أبصر من الناحيتين لما رأى المشكلة خالصةً في إشكالها، ولوجد في ناحيتها الأخرى حظاً لنفسه قد أصابه، ومذهباً في السلامة لم يخطئه؛ وكان في هذه الناحية عذاب الجنون لو عذبه الله به، وكان يصبح أشقى الخلق لو رماه الله في الجهة التي أنقذه منها، فتهيأت له المشكلة على وجهها الثاني ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن زوجتك هذه المسكينة المظلومة التي بنيت بها، كانت هي التي أُكرهت على الرضا بك، وحُملت على ذلك من أبيها، ثم كنت أنت لها عاشقاً، وبها صبّاً، وفيها متدلهاً؛ ثم كانت هي تحب رجلاً غيرك، وتصبو إليه، وتفتتن به، وقد احترقت عشقاً له؛ فإذا جلَوَها عليك رأتك البغيض المقيت، ورأتك الدميم الكريه، وفزعت منك فزعها من اللص والقاتل؛ وتمد لها يدك فتتحاماها تحاميها المجذوم أو الأبرص، وتكلمها فتُحَمّ برداً من ثقل كلامك، وتفتح لها ذراعيك فتحسبهما حبلين من مشنقتين، وتتحبب إليها فإذا أنت أسمج خلق الله عندها، إذ تحاول في نذالة أن تحل منها محل حبيبهاً وتقبل عليها بوجهك فتراه من تقذّرها إياك واشمئزازها منك وجه الذبابة مكبّراً بفظاعة وشناعة في قدر صورة وجه الرجل ليتجاوز حد القبح إلى حد الغثاثة، إلى حد انقلاب النفس من رؤيته، إلى حد القيء إذا دنا وجهك من وجهها. . . .؟! ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن مشكلتك هذه جاءت من أن بينك وبين زوجتك الرجل الثاني لا المرأة الثانية؟ ألست الآن في رحمة من الله بك، وفي نعمة كفّت عنك مصيبة، وفي موقف بين الرحمة والنعمة يقتضيك أن ترقب في حكمك على هذه الزوجة المسكينة حكم الله عليك؟ تقول: الحب والخيال والفن، وتذهب في مذاهبها؛ غير أن (المشكلة) قد دلت على أنك بعيد من فهم هذه الحقائق، ولو أنت فهمتها لما كانت لك مشكلة ولا حسبت نفسك منحوس الحظ محروماً، ولا جهلت أن في داخل العين من كل ذي فن عيناً خاصة بالأحلام كيلا تعمى
следующие страницы →