← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

الأطفال الصغار. وبعد الغداء جلسنا إلى الدليل نستمع لحكاياته الطريفة عن حياته فقال وقد مال في جلسته واسند ظهره إلى حجر كبير، وعقد يديه على رأسه: من خمس وعشرين سنة كنت شابا شقيا أجوب الصحراء شرقا وغربا شمالا وجنوبا لا أستقر على حال، وفي مرة نزلت السويس وقت موسم الحج فتحككت بشيخ مغربي يحمل خرجين كبيرين ينوء بثقليهما فظن أني أسديه المعونة فمد يده إلى رأسي ودعا لي بالهداية ودعاني أن أرافقه إلى الحجاز، وقد كان فأديت الفريضة واستقبلت الكعبة، وبصوت عميق خلته يخرج من كل جسمي دعوت الله ان يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، فاستجاب الله دعائي، وعدت من الحج صالحا طاهر القلب شديد الإيمان، والتحقت بالأزهر فمكثت فيه خمسة عشر عاما إلى ان قطعت عني الجراية في عهد الشيخ محمد عبده، فتحولت إلى التجارة وشغلت بعرض الدنيا ولكني وقد ناهزت الخمسين لا زلت شديد الحنين إلى الجبل فأخرج إليه كلما سنحت الفرصة فأقضي فيه أياما قريبا من الله بعيدا عن المدينة وكدرها ثم أعود وقد تطهرت نفسي وهدأ عقلي واستراح جسمي. ثم انه على غير انتظار امسك عن الكلام وترقرقت دمعة في عينه وتحول ببصره عنا وأطرق برأسه ثم أطبق عينيه ونام. كان البرد في تلك الليلة شديدا فآوينا إلى مضاجعنا مبكرين وأشعلنا نارا كبيرة لنصطلي، وفي أول الليل اكفهر الجو وعصف الريح وأبرقت السماء وأرعدت وانهمر مطر غزير ثم اخذت الصواعق تنقض من حولنا، والبرق يومض بلمعان يضيء الفضاء كأنه نور النهار، والماء يتدفق إلى الوادي بدويِّ شديد، ثم فاض الوادي بسيل عنيف جارف، فكان مشهدا رائعا. وبعد ساعة انقشعت السحب وصفا أديم السماء واشرق الوادي بنور القمر فسرى عنا ما ساورنا من قلق واضطراب، ثم نمنا نوم الهناء والعافية. وقبل الفجر استيقظت على صوت حركة غير عادية بمعسكرنا فوجدت الجماعة يتقلدون سلاحهم وعلامات الاهتمام بادية على وجوههم وأبصرت الدليل ينزل إلى وهدة متوسطة ويقف وراء صخرة كبيرة ويتجه ببصره نحو البئر ثم يتبعه عبد الله بك ويهمس في أذنه بكلمات ويحتمي هو الآخر وراء حجر كبير ثم تتفرق باقي الجماعة على الصخور المجاورة ويتخذونها متاريس يكمنون وراءها وينصبون بنادقهم على حوافيها. دهشت لهذا الاستعداد وانتقلت إلى حيث كان خالي رابضاً واستوضحته في صوت خافت جلية الأمر فأشار إلى

стр. 1122

الدليل وقال، انه رأى شبحين ومعهما بعير هبطا إلى الوادي بالقرب من البئر وبعد أن عقلا الدابة أخذا ينسلان نحو مربط الجمال ملتزمين السفح، فقلت هل تراهما؟ قال ان البئر بعيد والضوء ضعيف والرؤية متعذرة. وبعد قليل صاح الدليل (ها! أكمنوا لا تطلقوا النار) ثم انه أطلق عيارا في الهواء وعندها برز رجلان إلى عرض الوادي واندفعا نحو الجمال فصاح الدليل (جماعة أطلقوا النار في الهواء) فدوى في سكون الليل صوت البنادق كأنه زمجرة المدافع فذعر الرجلان لهذه المباغتة ووقفا مكتوفي اليدين علامة التسليم، فانتقل إليهما سويلم الجمال وقادهما إلى حيث كان الدليل فقالا أنا قادمان من المرج قاصدين وادي الحقول على البحر الأحمر في أمر مستعجل، وفي المساء كنا نجتاز اليحموم الأزرق فشاهدنا ناركم فعرجنا عليكم لنستدفئ وما قصدنا بكم سوءا ولكنها مداعبة على عادة البدو. وبعد أخذ ورد من الدليل على قولهما سألهما عن البعير فقالا انهما وجداه ضالا فساقاه أمامهما حتى لا يقع غنيمة في يد (أولاد علي) اسم قبيلة، وبعد ان نفحناهما بطعام وكبريت انصرفا بسلام وقد تنفس الصبح ولاح. قضينا اليوم الرابع في الصيد كذلك فوق سفوح جبل القطامية على ثلاث ساعات شرقي بئر جندلي وعند الظهر التقينا بوادي الغز بجبل أبو شامة حيث كانت تنتظرنا الجمال وبتنا فيه تلك الليلة وفي صباح اليوم الخامس غادرنا أبا شامة راجعين عن طريق البعيرات فوق مشارف وادي دجلة وبعد سير حثيث دام عشر ساعات من غير انقطاع وصلنا القاهرة عند العشاء ونحن على احسن حال وفي أجود صحة. (الرسالة) لاحظ القارئ ولا ريب ان عبد الله بك واخوته يمثلون جيلا من الناس أولع بالصفة الباقية من صفات الفتوة وهي الصيد. والصيد رياضة بدنية نفسية تربي في النفوس أخلاق الرجولة كالنخوة والمغامرة والقوة وقد كانت ولا تزال ديدن الملوك والأمراء والقادة فعسى ان يكون لهذا الجيل بقية في مصر. وان يكون لهذه البقية أثر صالح في توجيه الناشئة لمثل هذه الرياضة.

стр. 1123

الكتب أهل الكهف للدكتور علي مصطفى مشرفة عزيزي الأستاذ توفيق الحكيم لطالما تاقت نفسي إلى رؤية أدب عربي أجد فيه الغذاء الروحي واللذة الفكرية اللذين الفتهما فيما اطلع عليه عادة من الأدب. ومع إيماني باليوم الذي يرتفع فيه أدبنا إلى المستوى العالمي كنت اشعر بان هذا اليوم سيجيء بحكم طبيعة الأشياء متأخرا، فربما رآه أهل جيلي، وربما حبت به الظروف أبناء جيل قادم. فلما قرأت (أهل الكهف)، الذي تكرمت عليّ بنسخة منه، علمت علم اليقين ان اليوم الذي كنت أترقبه قد طلع وملأت شمسه الآفاق. تعلم أنني لست من الأدباء ولا من (المستأدبين)، وإنما نظرتي إلى الأدب، كنظرتي إلى غيره من نواحي الفن الإنساني: نظرة الرجل المثقف العادي يطلب الجمال والإلهام الصادق حيث يجدهما، كما يتطلب مستوى خاصا من التفكير المطلق المخلص فيه لوجه الحق حيث وجد. وفي رأيي ان (أهل الكهف) قد ارتفع من كل هذه النواحي إلى أسمى ما قرأته وان كانت لي ملاحظة على كتابك فربما كانت شيئا من التحديد في دائرة ما تناولته فيه من الموضوعات، فما كان أشوقني إلى رؤية بعض المسائل الاجتماعية مثلا تعالج بنفس القلم الذي صور لنا إيمان المسيحيين الأولين وقابل لنا بين الحقيقة والتاريخ! ولكن لعل ذلك شراهة مني، فالوليمة ولا شك فاخرة وان كانت تشحذ شهية أمثالي. لا تنتظر مني نقدا فنيا لروايتك التمثيلية فأشخاص الرواية كلهم أحياء يتحركون ويلمسون (ربما كان الملك أقل الشخصيات وضوحا ولعلك تريده عديم الشخصية) والمواقف على أشد ما تكون من التشويق والتأثير. وإلى حد ما، أستطيع أن أرى، ستكون روايتك ناجحة على المسرح إذا استطعت ان تجد لها ممثلين يفهمون أدوارهم فيها، وأظنها تكون ناجحة بدون ذلك. لم يبق عليَّ بعد هذا الا ان أشكرك على التحية التي انطوى عليها إرسالك نسخة من كتابك إليَّ، وأن أرجو ما انتظره لك من التوفيق والسلام. النجوم في مسالكها

стр. 1124

تأليف الأستاذ جيمس جينز وترجمة الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني كتاب جليل الموضوع لطيف الحجم أنيق الطبع كان محله من المكتبة العربية خاليا. وضعه السير جيمس جينز احد أساطين علم الفلك في العصر الحديث بأسلوبه المشرق وبيانه الرائع وعرضه الحقائق العلمية العويصة في معرض سهل المأخذ قريب التناول، وذلك ما انفرد به بين العلماء، وتميزت به كتبه بين الكتب. بسط المؤلف في هذا الكتاب (خلاصة ما انتهى إليه العلم الحديث في الكون ونظامه واصله ونشوئه، وتركيب أجسامه وذراته، وتولدها وانحلالها، وبحث مدى الكون من حيث هو محدود أو غير محدود ومتمدد أو منقبض، وعرج على الطاقة والإشعاع والنسبية، ثم بحث الحياة في عالمنا والعوالم الاخرى في الكون) واستوعب تفصيل هذه المباحث الطريفة في ثمانية فصول وأربعة ذيول. قرأها الدكتور أحمد عبد السلام الكرداني ناظر مدرسة القبة الثانوية (وهو في هذا الموضوع ثقة) فاعجب بمادته وطريقته فترجمه ترجمة أمينة رصينة. ولم يقف جهد الأستاذ المترجم عند أمانة النقل. وإنما تجاوزها إلى مسألتين خطيرتين هما تمصير الكتاب، وتحقيق المصطلحات، فمصَّر الكتاب بأن وضع للقارئ المصري مصورا للنجوم يبين ما يرى منها في القاهرة على الدوام او في بعض الأيام، كما وضع المؤلف مصوره مراعيا فيه موقع إنجلترا وحال القارئ فيها. وحقق المصطلحات بالرجوع إلى مظانها العربية ككتاب عجائب المخلوقات للقزويني ومحاضرات السنيور نللينو المستشرق الإيطالي، ثم جعل للكتاب لحقا يشتمل على فهرس أبجدي شامل لمواده، وقائمة بأسماء النجوم والسيارات باللغتين العربية والإنجليزية، وقائمة ثانية بالحروف العربية المقابلة للحروف اليونانية والرومانية، ثم قائمة ثالثة بالمصطلحات وما يقابلها بالإنجليزية، وأثر الجهد والعناية بادٍ في ترجمة الكتاب وتحقيقه وصوره وطبعه. وحسبه مزية أن يكون السير جيمس مؤلفه، والدكتور الكرداني مترجمه، ولجنة التأليف والترجمة ناشرته، ومطبعة دار الكتب المصرية طابعته. أ. ح

стр. 1125

رحلة إلى بلاد المجد المفقود بقلم وريشة مصطفى فروخ - مطبعة الكشاف ببيروت كتاب أنيق الشكل جيد الطبع، لا تكاد تتناوله حتى تدرك أن صاحبه من رجال الفن، فهو بقلمه وبريشته، على غلافه صورة لناحية من جامع قرطبة وقد كتب عنوانه من الخارج ومن الداخل بخطين مختلفين طريفين، وتناثرت فوق صحائفه طائفة من الصور التقطت بعضها عدسة التصوير، ونقشت بقيتها ريشة المؤلف الفاضل فجاء في مجموعها جامعة بين الجمال والفائدة، ولذلك فالكتاب من هذه الناحية طريف خفيف الظل. وتقرأ في أوله كلمة تحت عنوان (الأندلس) فتلمس فيها إعجاب الكاتب بتلك البلاد وتشوقه إليها، بل هيامه بها قبل زيارتها، تلمس ذلك في مثل قوله (أجل شغفت بها طفلا وشابا وسأحتفظ بهواها مدى الحياة) وكأنك لشدة حماسته تسمع صوته ولست تقرأ عبارته، ولذلك فالكتاب من هذه الناحية قوي الروح عميق الأثر. ولقد أحسن الكاتب صنعا بأن مهد لكتابه بكلمة في أهمية الفن، ثم بلمحة في الفن العربي عامة، والأندلس خاصة، ثم بعجالة في تاريخ الأندلس. قضى المؤلف أربعة أيام في مجريط، ثم اتخذ سبيله إلى طليطلة ويسميها المنيعة، فمتع نفسه بجمال آثارها ثم عاد إلى مجريط فاتخذ القطار من محطة مديوديا إلى قرطبة دار العلم كما نعتها، فزار جامعها ووصفه وصفا مسهبا واتى له بطائفة من الصور البديعة ثم سار إلى أشبيلية، وهي عنده مدينة الطرب وهناك زار قصر الزهراء ووصفه وصفا دقيقا، ومن إشبيلية سار إلى أختها غرناطة مقر الحمراء فوصفها في حماس قوي وإعجاب شديد. ومما أحمده للمؤلف تلمسه الروح العربية في تلك البلاد، مما يشهد بدقة ملاحظته، ففي مجريط أحس تلك الروح في كرم أهلها، ووفرة الطعام على موائدهم، وفي طليطلة رآها في نوافذها وأبوابها الدمشقية وفيما يعرضه الباعة في الطرقات من أقمشة زاهية الألوان، من أساور وأقراط و (بقج) مقصبة وأسلحة وحلي. . . الخ وفي قرطبة وإشبيليةوغرناطة تجلت له تلك الروح في عادات الناس وفي شكل المنازل ذوات الردهات الفسيحة والأبواب والنوافذ العربية , وفيما رآه من أمثال بائعي (البوظة) والليمونادة، وهم يضربون صحونهم ويصيحون في لحن عربي على نحو ما يشاهد في شوارع دمشق. ولئن قدرت قيمة الكتب بما تتركه من أثر في نفوس قارئيها فإني أشهد أن هذا الكتاب من

стр. 1126

أجمل الكتب في بابه ومن أعظمها فائدة، وكما أن تلك الآثار المخزونة الجميلة التي وصفها تعد دمعة أرسلها التاريخ على ما فات من مجد العرب فان هذا الكتاب يعتبر بدوره دمعة كريمة على ذلك المجد وعلى تلك الآثار. بيد أني على الرغم من إعجابي أصارح المؤلف بان أسلوبه مع الأسف لا يتمشى مع روح الكتاب ولا يتناسب مع ما يحتويه من فن وادب، ولولا حماسة الكاتب، ودقة وصفه وتدقق معانيه لفقد الكتاب بذلك الأسلوب كثيرا من قوته، هذا عدا ما فيه من هفوات تاريخية لا أحبها له، كقول المؤلف: إن معاوية بن هشام ابن عبد الملك المسمى بالداخل أتى من الشرق هارباً عام ٧٥٩م والواقع أن الذي جاء هاربا من الشرق هو ابنه عبد الرحمن الداخل، وكان ذلك عام ٧٥٦م. وقوله إن العرب طردوا من الأندلس في القرن الرابع عشر، والصحيح انهم لم يطردوا إلا في أواخر القرن الخامس عشر عام ١٤٩٢م. ولكن ذلك لن ينقص من جوهر الكتاب إلا كما ينقص من جمال الحسناء شذوذ بسيط في نظام ملبسها والمؤلف كفيل بأن يزيل هذا النقص حتى يكون الكتاب من جميع جهاته جديرا بفنه وعلمه وأدبه؟ م. الخفيف ١

стр. 1127

العدد ١٤ - بتاريخ: ٠١ - ٠٨ - ١٩٣٣

стр. 1128

شروح وحواشي ذكرى حافظ: عجبت لهذا البؤس العنيف الملح كيف لازم حافظاً في عمره الأول ثم أبى ذكراه أن يفارق في عمره الثاني!! قطع هذا البؤس مع الشاعر مراحل عمره الفاني جميعا فترك حياته المضطربة من غير منارة ولا مرفأ وداره الموحشة من غير ولد ولا زوج، واسمه النابه من غير جاه ولا مجد، وقلبه الشاعر من غير عزاء ولا أمل، ثم فرق بينهما الموت فانقلب حردان يعبث بما خلف الشاعر في الدنيا وفي الناس من أثر وذكرى، فتنكر الحكومة حافظا لأن من أسماء البؤس السياسة، وتهمل الخاصة حافظا لأن من أسماء البؤس النكران، ويغفل الشعب حافظا لأن من أسماء البؤس النسيان، وتثور الحفيظة من هذا الجحود بأصدقاء حافظ فيعتزمون إقامة حفل وتأليف كتاب وتشييد ضريح، ولكن البؤس المغيظ يطوف على أولئك الأصدقاء في دورهم، فيقول لأغنيائهم: امسكوا عن البذل، ولأدبائهم: امسكوا عن الكتابة، فحسب كل امرئ ما تباكره به الصروف كل يوم من هموم ومغارم! ويذكر الشباب الذين طالما هدهد الشاعر عواطفهم بأغانيه، وخلد مواقفهم بقوافيه، أن يوم الذكرى يقع في الحادي والعشرين من شهر يوليو. فيريدون أن يكفروا اليوم عن تقصير الأمس، فيقرر (اتحاد الجامعة المصرية) إقامة حفلة تأبينية، ثم يعلن عن مكانها وزمانها في الصحف، ويتقدم إلى الأدباء والوجهاء بالدعوة، ويعد الأستاذ (البشري) كلمته فيمن أعد، ثم يقبل من ظاهر القاهرة إلى نادي الاتحاد فلا يجد غير البواب يتحدث إلى نفر من زملائه، عن تعويض الحكومة للنوبيين وموعد أدائه! فيعجب الأستاذ ويغضب، ويستمر عجبه وغضبه يومين حتى يقرأ في بعض الصحف أن اتحاد الجامعة قد رأى تأجيل الحفلة إلى الأسبوع الأول من نوفمبر لتكون حفلة جامعية يشترك فيها أساتذة الجامعة وأقطاب الأدب. . . وأعجب من عجب الأستاذ ألاّ يخطر هذا السبب الخفيف ببال الاتحاد، إلا بعد إعلان الحفلة وتحديد الميعاد!! بؤسا لك يا بؤس حافظ!! لقد أسرفت في العبث حتى اتهم الوفاء، وتظنن البعداء وتردد على السنة الناس قول صاحبك: فما أنت يا مصر دار الأديب … وما أنتِ بالبلد الطيب

стр. 1129

على أن حافظا وقد فرض على أدب العصر سلطانه، وأجرى على لسان الدهر بيانه، وكتب في ثبت الخالدين أسمه لا يضره بعد ذلك نكران المنكر، ولا ينفعه عرفان العارف! جاد الله بالرحمة ثراه، كلما تجددت في النفوس ذكراه، وجزى بالخير (أبولو) فقد كان عددها الخاص بالذكرى أخلص تحية صعدت إلى هذه النفس الكريمة، من هذه الدنيا اللئيمة! تعليق على تعليق: روى صاحب التعليقات في (البلاغ) أن أديبا مصريا علل شيوع الألفاظ (الجنسية) في أدب الدولة العباسية، بأن العربي لكثرة ما خالط الإبل والخيل والحمير فقد طبيعة الحياء، فأصبح يقول ما يشاء ويفعل ما يشاء! ولو صح هذا التعليل المضحك لكان الأدب الأموي أمعن في المجون والأدب الجاهلي أدخل في الإباحية لصلتهما الوثيقة بحياة البداوة، وهما على النقيض من ذلك أعف الآداب العالمية، وأكثرها استعمالا للأساليب الرمزية. ثم كان من رأي الأستاذ المعلق أن السبب في ذلك إنما يلتمس في طغيان الحضارة لأن الكتاب الإنجليز مثلا لا يتحرجون اليوم أن يذكروا ما كان يتحرج منه بشار وأبو نؤاس بالأمس. والواقع أن فحش المجون في الأدب العربي لم ينبت في أصله ولم يأته من أهله، فإن شعراء المجون لم يكونوا بديا من العرب، وإنما كانوا من الموالي الذين أساءوا خلق الأمراء بالعدوى. وأفسدوا أدب الشعراء بالقدوة، وأكثر الأشعار المجونية إنما كان ينشد في المجالس الخاصة، ويروى على الألسنة الخاصة ويدون في الكتب الخاصة. فلو كان أولئك الأدباء يكتبون للنشر ويؤلفون للجمهور كما نفعل اليوم لطووا في نفوسهم أكثر ما نشروا. ولا تجد اليوم أديبا من الأدباء، إلا وله مثل هذه الأشياء، ولكنه يقصره على خاصته فلا يعلنها في الناس ولا يدونها في الكتب. كوبري الخديوي إسماعيل: كذلك كتبت الحكومة بخط الثلث الجميل على مدخل الجسر الجديد بقصر النيل، فهيأت للعابر المفكر موضوعا للتفكير يقطع به طول الجسر في راحة ولذة: بماذا نعلل بقايا الألفاظ التركية في دواوين الحكومة المصرية، ولم يعد لأمتنا بالتركِ صلة

стр. 1130

ولا للغتنا بالدخيل حاجة؟ منذ سنوات تخلص الترك من العرب وقد كانوا خاضعين لسلطانهم الأدبي فرأوا من الغضاضة على استقلالهم أن يظل لسانهم خاضعا للساننا، وأدبهم تابعا لأدبنا، فأخذوا يحررون التركية من الألفاظ العربية (وهي معظمها) ويستبدلون بها ألفاظا تركية خالصة أو إفرنجية مشوبة ثم ترجموا القرآن وتركوا الأذان. وأعجموا الصلاة، وفرضوا التركية فرضا على الأجانب في المدارس والمصارف والأسواق. ومنذ سنوات تخلص العراقيون من الترك (وقد كانوا خاضعين لسلطانهم السياسي) فكان أول ما عملوه أن طهروا العربية من شوائب التركية في الدواوين والقوانين والمدارس والجيش. واستبدلوا بهذه الألفاظ الدخيلة على أصالتها وكثرتها ألفاظا عربية صريحة. ومنذ قرن ونيف تخلصت مصر من الترك ولكنك ما تزال تسمع في البيوت تيزا وأبلة وأبيه وإنشته، وفي المدارس قلفة وطابور ويمكخانة وبحيث جزيرة، وفي الدواوين ألفاظا وأساليب ليس إلى حصرها من سبيل وأما في الجيش فأسماء رتبة وفرقه وعتاده ومصطلحاته وإيعازا ته كلها تركية فبماذا نعلل هذا؟ تعليل ذلك فيما أظن أن الأمة المصرية من أشد الأمم الشرقية إحتفاظا بالقديم، وتسليما بالواقع، ورضا بالحاضر مع ما قد يكون في ذلك كله من شر فليس من طبعها ذلك القلق السامي الذي يدفع النفوس إلى التجدد ويحفز الأمم إلى التقدم ويربأ بالإنسان أن يقنع من حياته بالنصيب الأخس، وتقدم الأمم على هذه الحال في سبيل الكمال عسيرا أو بطيء. رفقا بالقوارير يا أبا السامي! نشرنا في عددنا الأخير رأيا للآنسة عفيفة في (أوراق الورد) للأستاذ الرافعي، ورأت الرسالة مؤاتاة الفرصة ليمتع الأستاذ قراءها بفصل من فصوله الرائعة فتركت له الكلمة وتفضل الأستاذ فكتب. ولكنه حين وضع يده على الدواة ليتناول القلم الذي كتب به (أوراق الورد) أخطأ فتناول القلم الذي كتب به (على السفود). لحظنا هذا السهو حين قرأنا هذه الكلمة فطويناها معتقدين إن الكاتب الكبير سيتبعها كلمة أخرى تكون منها مكان (بدل الغلط)، تشاركها في الإعراب وتنفرد دونها بالصواب. أحمد حسن الزيات

стр. 1131

لغو الصيف للدكتور طه حسين سمعت طرقا خفيفا فرفعت رأسها وصوتها آذنة بالدخول، ومدت عينها إلى الباب فلما فتح لم يرعها إلا صديقها الأديب يسعى إليها مشرق الوجه باسم الثغر مبسوط اليد مرتبكا مع ذلك شديد الحياء. قالت وقد غشي وجهها احمرار رقيق زاده جمالا وحبا إلى النفوس، مصدره الدهش لهذا المقدم غير المنتظر، أو مصدره زيه المهمل وثوبها الذي لبسته لنفسها لا للناس ولم تكن تقدر إن الطارق أحد غير الخادم التي تعودت ان تطرق عليها الباب في رفق إذا كانت الساعة الخامسة من كل يوم لتحمل إليها الشاي، فلما رأت صديقها ارتاعت لمرآه، وقالت في دهش وخجل واضطراب: (أنت من أين أقبلت؟ انجمت من الأرض أم هبطت من السماء؟) قال ولم يكن اقل منها ارتباكا واضطرابا: نعم أنا أقبلت من حيث تريدين ولكن لي إليك حاجة يا آنسة أعرضها عليكِ قبل التحية، وأتمنى لو تجيبينني إليها قبل السؤال والجواب، فسيكون السؤال طويلا دقيقا، وسيكون الجواب ملتويا مرتبكاً، ولكن حاجتي يسيرة فاسمعيها مني واقضيها لي، ثم لنأخذ بعد ذلك فيما تحبين، قالت وقد أخذت تثوب إلى نفسها وإلى ثوبها: من أين أقبلت؟ وكيف أراك في نيس وقد تركتك في القاهرة على انك ستقضي فيها الصيف؟ قال ثقي يا آنسة إني قد سمعت سؤالك ووعيته ووعيت ما يحيط به من عجب وإنكار أني سأجيب وسأحاول أن أزيل هذا العجب وأمحو هذا الإنكار ولكن حاجتي اسمعيها واقضيها قبل كل شئ. قالت لا قبل أن نجلس، ثم عادت إلى كرسيها وقد حولته شيئا عن المائدة وأشارت إليه أن اتخذ هذا الكرسي وأخذت تجمع صحفاً كانت منثورة على المائدة، ثم قالت مبتسمة: وما عسى أن تكون هذه الحاجة التي تقدمها بين يدي تحيتك، وقد بعد العهد بينك وبيني والتقينا من وراء البحر، فقد تركتك منذ أسبوعين، قال بل منذ عشرة أيام إن لم أخطئ الإحصاء، فقد زرتك قبيل السفر. . . فقطعت عليه الحديث قائلة نعم، قد ذكرت فهات حاجتك فإني لم أتعود أن انتظر تحيتك وعبثك كل هذا الوقت الطويل؛ قال حاجتي يسيرة وهي إلا تلومني ربة الدار، فقد مكرت بها واحتلت عليها، وما زلت أخدعها عنك وعني حتى تركتني أطرق الباب وأدخل عليك في غير استئذان سابق. فأغرقت في الضحك حتى استلقت إلى كرسيها وهي تقول: إنها لحاجة عسيرة، لست أدري

стр. 1132

كيف أقدر على إرضائها وقد أذنت لك فيما كنت تريد وطرقت الباب وفاجأتني بغير إذن سابق مني بذلك، وفيم كان كل هذا المكر، وفيم كان كل هذا الاحتيال؟ ومتى استباح أمثالك أن يفاجئوا أمثالي على هذا النحو، وفي مثل هذا الوقت من النهار؟ هنالك اشتد ارتباكه حتى بلغ الاضطراب أو كاد يبلغه، فلم يكن يقدر أنها ستلقاه هذا اللقاء ولا إنها ستنكر هذه المفاجأة، ولعله كان يظن بل كان يوقن أن سرورها بلقائه سيكون أشد من حاجتها إلى الاستطلاع، وسيكون أشد من إنكارها بهذه المفاجأة فلما رأى منها هذا الإلحاح في السؤال والتشدد في النكير فقد ما كان يملك من الأسباب، واختلط عليه الأمر فلم يدرِ ماذا يصنع ولم يعرف كيف يقول. ولو انه كان على شئ من البصر بصاحبته والعلم بدخيلة نفسها لرأى انه لم يكن مخطئاً حين قدر أنها ستبتهج بلقائه ولكنه كان شديد الذكاء قوي الفطنة واسع الحيلة ما بعد عن النساء وعن صاحبته هذه خاصة، فإذا لقي واحدة منهن أو لقي صاحبته هذه فهو رجل ساذج أول الأمر، لا حظ له من ذكاء ولا من فطنة، ولا قدرة له على ثبات أو فهم، حتى إذا اتصل الحديث وتنوع استرد ملكاته قليلا حتى يعود كدأبه في الحياة العادية، ذكي القلب قوي الفطنة متصرفا في ألوان الحديث. فلما رأت ارتباكه واختلاط الأمر عليه واضطراب لسانه في فمه دون أن يبلغ الإفصاح عما كان يريد، رقت له وأخرجته من حيرته بإجابته إلى ما كان يريد وإعلانها إليه إنها لن تلوم صاحبة الدار ولن تظهر لها سخطا ولا إنكارا. ثم قالت: والآن حدثني من أين أقبلت وكيف أراك هنا اليوم، وقد تركتك في القاهرة منذ عشرة أيام؟ أنجمت من الأرض أم نزلت من السماء؟ قال إن عشرة أيام تكفي لقطع الأمد من القاهرة إلى الإسكندرية ولعبور البحر إلى مرسيليا (وطولون) ولبلوغ مدينة نيس حيث تقيمين قبل أن تستأنفي السفر إلى تلك المدينة الصغيرة الجامعية من مدن فرنسا الوسطى لتسمعي دروس الصيف. قالت فأني لا اشك أن عشرة أيام تكفي لهذا كله ولا اكثر من هذا كله ولكن تركتك في القاهرة غضبان أسفا لأنك ستقضي الصيف حيث لم تكن تعودت أن تقضيه، ولعلك تذكر انك كنت تحسدني وتسرف في الحسد على هذه الرحلة الجامعية التي كنت أزمعتها ولعلك تذكر انك ما زلت تصور لي حزنك ويأسك حتى رحمتك وأشفقت عليك، فكيف استطعت أن تفارق القاهرة وترحل عن مصر تظفر بزيارة باريس؟ فأنت

стр. 1133

ذاهب إلى باريس من غير شك، قال نعم أنا ذاهب إلى باريس، وماذا تكون فرنسا بدون باريس وبدون الحي اللاتيني ومونبارناس ومونمارتر؟ وقد زعموا أن الحركة الأدبية والفنية قد أخذت تنتقل الآن من مونبارناس إلى. . . قالت حسبك قد علمت هذا كله وعرفت رأيك فيه وسنعود إليه ولكن كيف تركت القاهرة؟ وكيف أتيت إلى باريس؟ قال وأي شئ أيسر من ذلك يا آنسة؟ إنما يستغرب هذا من رجل كانت تمسكه الأزمة في مصر ويعجز أجر السفينة أو نفقات الإقامة في فرنسا، فهذا الرجل إذا أتيح له السفر بعد امتناعه عليه يمكن أن يسأل أنّى لك هذا في مثل هذه الأيام الشداد. فأما إذا كان الذي يحول بين الرجل وبين السفر إرادة وزير من الوزراء أو عناد رئيس من الرؤساء فما أيسر أن يريد الوزير وقد كان لا يريد، وما أسهل أن يلين الرئيس وقد كان متأبيا عنيدا، وهذه قصتي فما زلت برئيسي حتى رق لي وما زلت بوزيري حتى عطف عليّْ. قالت صنع الله للرئيس وللوزير معا فلولا ظرف أحدهما وعطف الآخر لما أتيح لك أن ترى باريس. قال بل لما أتيح لي أن أسعد بلقائك في نيس وأن اسعد باصطحابك ساعة أو ساعات على ساحل البحر، هذا الساحل الجميل الهادئ القوي معا حيث نستطيع أن نرى البحر والجبل وقد دنا كلاهما من صاحبه في مودة وألفة وحيث نستطيع أن نرى الطبيعة الحرة القوية والحضارة البديعة المترفة وهذه القصور الشاهقة تشرف على البحر وتشرف عليها الجبال، وحيث نستطيع أن ننشد قصيدة بودلير هذه القصيدة الرائعة التي كنت تغنينها في القاهرة أجمل غناء، أتذكرين؟ لقد عشت دهرا طويلا تحت أروقة واسعة تضيفها شمس البحر، قالت نعم كل هذا أذكره، وكل هذا افهمه وكل هذا لا تفسير له إلا انك قد رجعت إلى صوابك واسترددت قواك موفورا واستأنفت ما ذهب من العبث والمزاح. فقد آمنت انك سعيد بلقائي وقد آمنت انك ستسعد وسأسعد معك بقضاء ساعة أو ساعات على هذا الساحل الجميل. وقد آمنت بأن رئيسك خليق بالشكر لأنه رق لك بعد أن قسا عليك وان وزيرك حري بالثناء عليك لأنه لطف بك بعد أن كان شديدا عنيفا ولكني لن أتحدث إليك الآن ولن اسمع منك الحديث عن الجبل والبحر ولا عن الصخور والقصور، فقد يتاح لنا الحديث عن هذا كله بعد حين. إنما أحب أن أسمع منك أنباء مصر، قال أنهما لخليقان بالشكر والثناء حقا

стр. 1134

ولا سيما حين تعلمين. . . قالت لا أريد أن أعلم شيئا. قال وهو يضحك ضحكا ملئه المكر والإلحاح: بل يجب أن تعلمي لتضاعفي الشكر وتجزلي الثناء فإني لم أرحل للسياحة ولا للراحة ولا لرؤية باريس وإنما رحلت. . . قالت لأمر من أمور الدولة فستدرس شأنا من شؤون التعليم أو فنا من فنون النظام أو لونا من ألوان الإدارة أو شيئا من هذه الأشياء التي يرحل الموظفون لدرسها في أوروبا أثناء الصيف، فيسرحون ويمرحون ويلهون ويلعبون ويكتبون في آخر الصيف تقريرا يرفعونه إلى الرئيس أو إلى الوزير، فيتلقى الوزير أو الرئيس هذا التقرير ويتلقى صاحبه كلمة شكر وثناء وقد فهم الرئيس عن صاحب التقرير وفهم صاحب التقرير عن الرئيس ما يريد كل منهما أن يفهم عن صاحبه، وأؤكد لك أني أضاعف شكري لصاحبيك وثنائي عليهما؛ ولكن أرحني من حديثهما كما أرحتني من حديث البحر والجبل والساحل وعد بي إلى مصر. قال ما أشد شوقك إلى مصر وتلهفك إلى الحديث عنها! ألم تشبعي من مصر وقد أقمت فيها سنة كاملة منذ رحلتك الأخيرة؟ أمشتاقة أنت إلى مصر ولما يمض على فراقك إلا عشرة أيام؟ قالت فإني لا أريد ان تحاسبني على ما أجد أو لا أجد من الشوق إلى مصر وعلى ما أحس أو لا أحس من الضيق بمصر، وإنما أريد أن تحدثني عنها كيف تركتها؟ وكيف تركت أهلها؟ ثم مست هذا الزر الكهربائي الذي لا تخلو منه غرفة من غرف الفنادق فما أسرع ما أقبلت الخادمة فهمت أن تطلب إليها الشاي ولكنه اعترض دون ذلك وقال: ماذا تريدين أجننا حتى نتناول الشاي في غرفة مغلقة والجو صحو والماء صفو والشمس توشك أن تنحدر إلى مغربها فترسل على الجبل والبحر. . قالت حسبك فإني أستطيع أن أتم ما تريد أن تقول. قال وإذن فهلم نتناول الشاي حيث نستطيع أن نستمتع بهذا الجمال الذي لا نجده في مصر، وكان حازما ملحا، فلم تجد بدا من أن تسمع له وتستجيب لدعائه، فصرفت الخادم ونهضت فغابت عنه قليلا في غرفة مجاورة متصلة بالغرفة التي كان فيها. ثم عادت إليه وقد اتخذت زيها المنظم المنسق الذي عرفه في القاهرة، فلما رآها اطمأن إلى هذا الزي الذي كان يألفه، ولعله أسف على ذلك الزي المهمل الذي كان أعجبه والذي كان قد أخذيطمئن إليه. وما هي إلا لحظات حتى كانا يسعيان معا في هذه الطريق الجميلة على ساحل البحر تلك التي يسمونها في نيس طريق الإنجليز.

стр. 1135

وكان طرفه حائرا بين البحر وهذه الفنادق الضخمة المشيدة، وهؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يذهبون ويجيئون في هذه الطريق وقد اتخذوا للرياضة والشاي زينتهما. لكنها لم تتح له الاستمتاع بهذه الحيرة، فما أسرع ما ردته إلى مصر وحديثها، وعادت تسأله عن المصريين كيف تركهم. قال ولم يخف شيئا من الضجر الباسم العابث تركتهم من خمسة أيام كما تركتهم أنت منذ عشرة أيام، وكما سيتركهم كل مسافر ويلقاهم كل عائد، وكما يترك كل رجل من الناس أي جيل من الأجيال، تركتهم قوما كراما يكرمون آبائهم وأمهاتهم، ويؤثرون أبنائهم وبناتهم، ويشفقون من الآلام، ويسرعون الى اللذات، ويكثرون القول، ويقصدون في العمل، ويفرون من الدور، ويستقرون في الأندية، ويطيلون الحوار في الأدب والسياسة، ويقرءون الصحف ويعبثون بكتابها. . . قالت ياله من سيل جامح لا يقف ولا يهدأ ولا يتئد، ولا يتخير ما يحمل، ما عن هذا أسألك، وما طلبت إليك أن تصور لي المصريين كما تراهم أنت بهذا الرأي المظلم القاتم، الذي لا يعجب بشيء ولا يرضى عن شيء، بل ينكر كل شيء، إنما سألتك. . . قال ياله من جدول هادئ متئد، عذب ظريف، لا يحمل غثاء ولا جنادل، وإنما هو صافي الصفحة نقي الأديم، كله رضى وكله ابتهاج، وكله أمل، إنما تسألينني عن الأدباء أليس هذا ما كنت تريدين، قالت هو هذا، ومتى رأيتني أتحدث إليك عن غير الأدباء؟ قال فقد تركت الأدباء في شغل شاغل وهم مقيم، يقولون فيطيلون، ويعملون فلا يبلون، وكأنهم هذا القطار الذي يهم بالحركة فيكثر فيه الضجيج والعجيج والقعقعة والاضطراب، وهو ثابت في مكانه لا يريم، لأن الله لم يأذن له بالحركة بعد، أو لأن أداة من أيسر أدواته لم يتح لها أن تشترك في العمل مع أخواتها، قالت وما ذاك؟ قال انهم يذكرون حافظاً، فقد دار العام على وفاته، ولم يصنع له أحد شيئا. فهم يلومون أنفسهم وهم يلومون غيرهم، وهم يلومون مصر كلها، يلومون الشعب لأنه قصر غير عامد، ويلومون الحكومة لأنها تعمدت التقصير، حتى إذا أسرفوا في اللوم وأعياهم الإسراف عزوا أنفسهم وعزوا الشعب الذي قصر عن غير عمد، والحكومة التي قصرت عن عمد بأن حافظا كان أديبا حقا، فلا غرابة في أن تدركه حرفة الأدب. وقد كان حافظ ﵀ حسن الحظ، ميسرا له في الأمر بالقياس الى زميله في حرفة الأدب منذ اكثر من ألف سنة. فأنت تذكرين أنها قد أدركت ابن المعتز فانتزعته من الخلافة، ولما يقم فيها يوما

стр. 1136

ولم يكفها أن تنتزعه من الخلافة، فانتزعته من الحياة على شر الأحوال واشدها نكرا، ما حافظ فقد كان بائسا في حياته لم يعرف النعيم، والبؤس أيسر من الخلع، والبؤس الدائم أيسر من البؤس الطارئ، بعد طول النعمة وحسن الحال، وقد مات حافظ على فراشه، والموت الهادئ أيسر من الموت العنيف، وحافظ بائس بعد موته لم يجتمع له الناس، ولم تمتلئله الأوبرا، ولم تلق فيه الخطب المدبجة. ولا القصائد المنمقة. وقبر حافظ مجهول أو كالمجهول ولكن هذا البؤس كله ليس شيئا بالقياس الى بؤس آخر أشد وأمض، وهو هذا الثناء المتكلف، وهذا الإكبار المصنوع، وهذه الخطب والقصائد التي لا يراد بها وجه الله، ولا وجه من قيلت فيه، وإنما يراد بها وجه الذين يصرفون السياسة ويسيرون أمور الناس كما يحبون، والى حيث يحبون، فقد كان حافظ ومازال بائسا، وكان حافظ ومازال شقيا، ولكن شقاء حافظ سعادة، وبؤس حافظ نعيم، وما كان أحق شوقي ﵀ واجدره، بأن يشارك حافظا في هذا البؤس المجيد، فقد كان شوقي كما كان حافظ مجداً لمصر وللشرق وللأدب العربي؛ ولكن السياسة استأثرت بشوقي فازدردته ازدرادا. وعجزت عن أن تستأثر بحافظ، وأي غرابة في هذا؟ لقد كان شوقي ﵀ هينا لينا رفيقا رقيقا، وكانت في حافظ صلابة الشعب وغلظته، وخشونة الشعب وشدته. قالت وهي محزونة: ولكن بؤس حافظ مهما يكن مجيدا بالقياس إليه فهو عار على مصر، ومن حق مصر لنفسها أن تكشف هذا العار، وكانا قد بلغا ناديا من هذه الأندية التي يكون فيها الرقصمع المساء والتي يؤخذ فيها الشاي، فاتخذا مكانا منزويا فيه دون أن يتفقا على ذلك، إنما هي رغبتهما في اتصال الحديث، وزهدهما في هذا المتاع الذي يتهالك عليه الناس، ولم ينقطع حديثهما وقتا طويلا إنما هي لحظة طلبا فيها الى الخادم ما كانا يريدان، ثم اتصل بينهما الحديث، ولكنه لم يمس أمير الشعراء ولا شاعر النيل. قال ومع ذلك فلم تسأليني عن مصر والمصريين وأنت ترين مصر وأدباءهافي فرنسا كأحسن ما تحبين أن تريهم؟ قالت في فرنسا؟ وأين ذاك؟ قال ماذا تصنعين إذن منذ تركت السفينة؟ ألا تقرئين؟ قالت لا. قال بل تكتبين، وقد كان ينبغي أن أفهم هذا، ولعلى قد فهمته حين رأيت تلك الصحف المنثورة على المائدة، والتي أسرعت الى جمعها وإخفائها حين رأيتني مقبلا عليك كأنك خفت أن أمد إليها يدا، أو أن أختلس إليها نظرة، قالت لا تقل هذا ولا تسرف في

стр. 1137

التجني، فما كنت أستطيع أن أمضى في الكتابة وقد أقبلت، وما كان ينبغي لي أن أدع المائدة مختلطة كما كانت، قال فإذا سألتك أن اقرأ بعض هذه الصحف التي كانت منثورة فهل تأذنين؟ قالت هذا شيء آخر دعنا من هذه الصحف المنثورة فستقرأها يوما ما، ولكن حدثني أين وكيف أستطيع أن أرى مصر والمصريين في فرنسا؟ قال تستطيعين أن ترى مصر والمصريين في فرنسا الآن، وفى هذا المكان، وعلى هذا النحو، ثم أخرج لها صحيفة النوفيل ليترير ونشرها، وقال انظري، فنظرت فدهشت فسكتت، ثم قالت هذا غريب! صفحة أدبية عن مصر لا يكاد يكتب فيها مصري! قال ولو ترجم ما فيها للمصريين لرأوا أنفسهم كما يرونها في المرآة الصافية الناصعة، أليس قد صور لهم كاتب أمير شعرائهم العظيم تصويرالا يصفه من قريب ولا من بعيد؟ أليس قد زعم هذا الكاتب إن قد كان لأمير الشعراء خصوم كلهم بغيض؟ أليس قد أذاع هذا الكاتب بين الفرنسيين والأوربيين الذين يقرءون هذه الصحيفة صورة عن شاعر مصر وعن أنصاره وخصومه لا تلائم رأي مصر ولا حاجتها، وإنما تلائم رأى السياسة القائمة،؟ قالت سأقرأ هذا الفصل، ولكن انظر قال وما تريدين أن أنظر؟ أتظنين أني لم اقرأ هذه الصفحة قبل الآن؟ ماذا تنكرين؟ فصل لصديقنا الأستاذ أنطون الجميل عن المجمع اللغوي الملكي، أي غرابة في هذا؟ قالت وهى تضحك ضحكا حزينا، الغرابة أن يعلن عن هذا المجمع في فرنسا ولما يوجد في مصر بعد، قال لم يوجد الآن فسيوجد بعد عام! قالت فقد كنت أحب من صديقنا، بل كنت أحب لصديقنا أن ينتظر حتى يوجد هذا المجمع بالفعل قبل أن يكتب عنه فيطيل، فقد أرى أن فصله غير قصير، وما عسى أن يكتب بعد أن يوجد المجمع؟ قال ليس على صديقنا بأس من أن يكتب عن مجمع إن لم يوجد بالفعل فهو موجود بالقوة، ولا سيما إذا طلبت إليه الكتابة وأثقل عليه في الطلب، وليس إسراعه الى الكتابة في شيء هو الى الوهم اقرب منه الى الخيال فضلا عن الحقيقة الواقعة هو الذي أنكره عليه أو ألومه فيه، إنما أنكر عليه فهمه للمجامع اللغوية وتصويره لتاريخها عند العرب، أترين الى أسواق الجاهليين؟ لقد كانت مجامع لغوية عند الأستاذ انطون الجميل، ثم أترينالى مدارس اللغة والنحو والأدب في البصرة والكوفة وبغداد وفى حلب ودمشق والقاهرة وقرطبة؟ لم تكن من المجامع اللغوية في شيء عند الأستاذ انطون الجميل. هذا كثير ألا ترين ذلك؟ قالت وأكثر منه أن يستجيب صديقنا لدعوة

стр. 1138

السياسة، وان يرضى صديقنا لنفسه أن يضع الأدب من السياسة هذا الموضع، وقد كنت أرى أنه يجب إخضاع السياسة للأدب، لأكتبن إليه، قال لا تفعلي، فليس هو الآن في القاهرة، أنه يطوف في لبنان فانتظري حتى تعودي ويعود، ثم خذي معه في هذا الحديث، ولكن اقرأي هذا الفصل وفكري فيه، فهو فصل من فصول الصحف السيارة في مصر لا أكثر ولا أقل. ولكن حدثيني أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟ قالت وأنت حدثني كيفوقعت الى نيس وأنت تقصد الى مدينة النور؟ قال وهل يكون النور إلا حيث أنت يا آنسة؟ قالت مغيضة: هل تعلم انك تثقل علي أحياناً بهذا العبث السخيف؟ قال ما أردت هذا ولا فكرت فيه، وما أرى أني ألام إن كنت ثقيلا، فلعل الثقل أن يكون بعض طبيعتي؟ فخذيني كما أنا، قالت فان لم يعجبني منك هذا، قال فاحتمليه على أي حال فلعل عندي ما يهون عليك احتماله، أتريدين أن تطيلي الإقامة في نيس؟ قالت سأقيم أياما، وأنت؟ قال سأقيم فيها ما أقمت إن لم يثقل عليك ذلك، وسنرتحل معا حتى إذا كنا في بعض الطريق تخلفت أنت في مدينتك الجامعية الصغيرةفاصطليت فيها حر الصيف ونار العلم والأدب، ومضيت أنا الى باريس، ومن يدرى، لعل نار الأدب والعلم أن تستهويني فأتخلف وقتا طويلا أو قصيرا، وهل أنا فراشة تستهويها النار، ولا تكره أن تحترق بها؟ قالت في شيء من التفكير: أنت مقيم في نيس ما أقمت، مرتحل عن نيس إذا ارتحلت عنها، متخلف حين أتخلف، مصطل للنار التي أريد أن اصطليها. قال هذه خطة مرسومة، وكيف تريدين يا آنسة أن تغيري ما رسم القضاء؟

стр. 1139

التجديد في الأدب للأستاذ أحمد أمين (٤) الشعر من قديم حاول الأدباء والنقاد أن يضعوا تعريفا للشعر فاختلفت تعاريفهم لاختلاف أنظارهم، ولأن كلمة الشعر استعملت في معاني مختلفة، فكان كل أديب يعرفه حسب نظره، وحسب المعنى الذي يرمي إليه، وكان سواء في ذلك أدباء العرب والإفرنج. ذلك أن الشعر (على العموم) يتكون من عنصرين أساسين وهما الوزن والقافية أولاً، وإثارة المشاعر ثانيا، فإذا فقد الكلام عنصرا من هذه العنصرين لم يصح أن يسمى شعرا، غير أن بعض العلماء طغى عليه النظر إلى عنصر الوزن فعرفه تعريفا أفقده روحه، فقالوا أن (الشعر هو الكلام الموزون المقفى) ومثله قول بعض الفرنج (أي كلام موزون يسمى شعرا سواء أكان جيدا أم رديئا) وعلى هذا التعريف فألفية ابن مالك شعر، وقواعد الحساب المنظومة شعر، والمتون الفقهية المنظومة شعر، كما أن بعض العلماء طغى عليه النظر إلى روح الشعر ومعناه فعرفوه تعريفا أفقده موسيقاه، كالذي قال بعضهم (الشعر فيضان من شعور قوي نبع من عواطف تجمعت في هدوء) ومثله قول رسكن: (الشعر إبراز العواطف النبيلة من طريق الخيال) وهو تعريف يصح أن يكون للأدب كله نثره وشعره بل للفن جميعه من أدب ونحت وتصوير وموسيقى. وابن خلدون نقد التعريف بأنه الكلام الموزون المقفى وقال انه اصبح تعريفا عند العروضيين لا يصح عند البلاغيين ثم اختار أن يعرفه (بأنه الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله الجاري على أساليب مخصوصة. وعيب هذا التعريف انه ممل وانه لم يلتفت إلى مزية الشعر وروحه وهو إثارة المشاعر واستقلال كل جزء منه في غرضه ومقصده ليس من العناصر الأساسية التي يصح أن تدخل في التعريف. فلو قلنا إن الشعر هو الكلام الموزون المقفى المنبعث عن عاطفة والمثير لعاطفة كان تعريفا أقرب إلى الصواب.

стр. 1140

فإذا وجدت نوعا من الأدب يجمع الوزن والاتصال بالمشاعر فسمه شعرا وإلا فلا. والشعر يثير المشاعر بما فيه من خصائص (فأولاً) بأوزانه وقوافيه ولذلك كان المعنى الواحد إذا قيل مرة شعراً ومرة نثرا كان في الشعر أقوى أثرا (وثانيا) بلغته فللشعر لغة غير لغة النثر ولسنا نعني بلغة الشعر الكلمات الغريبة أو أنواع البديع أو نحو ذلك فقد يكون الشعر في منتهى الرقي وكلماته في منتهى السهولة وهو كذلك خلو من كل أنواع البديع إنما الذي نعينه أن للشاعر ملكة لا يمكن أن نوضحها تمام الوضوح، بها يستطيع أن يتخير من ألفاظ اللغة ما يرى أنها ابعث للمشاعر. وهو كذلك يضعها في قوالب يتخيرها من القوالب العديدة والتراكيب اللغوية المختلفة، وهذا هو ما يجعل الشاعر شاعرا فقد يكون عندنا شعور فياض كالشعور الذي عند الشاعر أو أغزر منه ولكن ليس لنا هذه القدرة على الإفصاح واختيار الألفاظ والقوالب والتراكيب ومن ثم كان من المستحيل ترجمة الشعر إلى شعر لأن الترجمة لا ترينا ما للشاعر من قدرة فنية على اختيار الألفاظ والأساليب، والذي نترجمه هو المعنى الذي حواه الشعر وما فيه من تصوير وخيال. ويعد المترجم أمينا إذا هو استطاع أن ينقل هذا، أما طريقة الأداء فلا يمكن ترجمتها. نعم إن بعض الشعراء قد يقرأ القطعة من الشعر ويكون له قدرة فنية فيصوغ هو شعراً مستمدا من وحي ما قرأ وقد يجري مع الأول في واد واحد وتكون له عذوبة ما للأول ولكن ليس هذا ترجمة على الإطلاق. كذلك يثير الشاعر الشعور بما عنده من لطف النظر أو الإلهام أو اللقانة أو ما شئت فسمه، فللشاعر روح غامض طبع عليه لا يكتسب بتعلم، به ينظر إلى الأشياء نظرا خاصا وبه يبعث الشعور عند السامع. ولعل هذا هو الذي جعل شعراء العرب يعتقدون أن لكل شاعر شيطانا ينفث فيه الشعر. ولأمر ما خلط العرب فسموا النبي شاعراً أحيانا وكاهناً أحيانا (وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذَكَّرون) وللشاعر نظر باطن للحياة يغوص فيها ويستخرج معانيها ويعرضها في شعره، ولأن الشعر هو معنى الحياة كان شعر كل عصر مرآة له. وقديما قالوا: (الشعر ديوان العرب) والحق انه ديوان الأمم تسجل فيه حياتها وأفكارها ومشاعرها. فالشاعر يعطينا صورة روحية حية أكثر مما يعطينا إياها التاريخ. والشعراء عادة في مقدمة قومهم شعوراً وشعرهم إيذان بالفلسفة وإرهاص لها، فهم

стр. 1141

يلهمون الشيء إلهاما غامضا ثم يتضح ما أُلهموا به على مر الأزمان وتأتي الفلسفة بعد فتشرح وتحلل وتدلل. أما الوزن في الشعر فهو موسيقاه وله قيمة كبرى في الشعر حتى عُد أهم فارق بينه وبين النثر، والشعر يحلو بالموسيقى الجيدة ويضعف شأنه إذا ساءت موسيقاه. وارتباط الشعر بالموسيقى أشد من ارتباط الفنون الأخرى كالنقش والتصوير حتى كان الرومان يقولون: (إن الشعراء ليسوا إلا مغنين يترنمون بشعرهم ويغنون به لأنفسهم ولمن شاء أن يردده بعدهم). ومن أنواع الشبه بين الموسيقى والشعر ما لاحظه بعضهم من أن كلا منهما يتنوع أنواعا متماثلة. فالصوت يختلف عن الصوت من نواح أربعة: (١) من ناحية الطول والقصر (٢) والغلظة والرقة (٣) والارتفاع والانخفاض (٤) ومن ناحية مصدر الصوت كعود أو قانون. وهذه النواحي الأربعة يمكن أن نراعيها في الشعر، فمن النوع الاول اختلاف التفاعيل طولا وقصراً فالرجز أقصر في التفاعيل من الطويل وهكذا. ولهذا الاختلاف تأثير كبير في الأذن الموسيقية. كذلك نرى في الشعر ما يتناسب مع الشدة والضعف والغلظة والرقة. فالشعر قد يناسبه (أحياناً) حروف وكلمات ضخمة قوية وقد يناسبه حروف وكلمات لينة رخوة كالذي قالوا في قوله: ألا أيها النوام ويحكموا هبّوا … أسائلكم هل يقتل الرجل الحب؟ فالشطر الاول قوي شديد والثاني رخو ناعم وفي الشعر ما يناسبه الهدوء والدقة كشعر الغزل، ومنه ما يناسبه الشدة والبطش، ويناسبه إنشاده في قوة وجلبة كشعر الحماسة. ونلاحظ في الموسيقى إن النغمة الواحدة إذا وقعت على الكمنجة ثم وقعت بعينها على البيانة كانت النغمتان مختلفتين تأثيرا، وهذا يقابله في الشعر القافية فالقصيدة على قافية قد يكون لها أثر لا يكون إذا قيلت على قافية أخرى وهكذا. والشعر أقل تقدما وأبطأ خطى من النثر سواء في ذلك اللغة العربية وغيرها من اللغات،

стр. 1142

وسبب ذلك على ما يظهر أن الشعر لغة العواطف والنثر لغة العقل، والمشاعر والعواطف قليلة التغير بطيئة الرقي، وما حدث فيها من تغير فأكثره تغير في الشكل لا في الموضوع، أما العقل فراق أبدا وثاب في الرقيّْ ومظهر ذلك الرقي العلمي الذي نحسه من سنة إلى أخرى. ولأن الشعر تعبير شخصي وأعني بذلك أن الشاعر يعرض علينا في شعره مشاعره ونظراته إلى الحياة وإحساسه بها أما الناثر فعالمي إنساني يعرض الشيء كما هو لا كما يرى. تحس في الشعر دائما بالشاعر يحدثك عن نفسه وتحس في النثر بعقل يخاطب عقلك، وان شعرت بالناثر فمن وراء حجاب ومن أجل هذا خضع النثر للمنطق ولم يخضع له الشعر، ترى في الشعر غالبا مبالغة لا يرضاها المنطق وتناقضا لا يقره المنطق وتحكما في الحكم لا يؤيده المنطق، وتخبطا وهراء يغتفرهما العقل في الشعر ولا يغتفرهما في النثر. وهذه الظاهرة وهي سير النثر إلى الأمام في سرعة وقفز وسير الشعر في بطء وتمهل هي التي جعلتنا نتذوق الشعر العربي في العصر العباسي وما بعده أكثر مما نتذوق النثر في ذلك العصر، لأن الصلة بين نثرنا والنثر القديم صلة ضعيفة قد خالفناها كل المخالفة ولم يبق منها إلا أساس التركيب الذي تقتضيه طبيعة اللغة، بل أن مسافة الخلف بين نثرنا والنثر من عشرين سنة بعيدة كل البعد، وعلى العكس من ذلك الشعر فالفرق بين الشعر القديم والحديث قليل تافه، ومع هذا فالشعر يجب أن يخضع لسنة النشوء والارتقاء ويجب أن يتقدم ويجاري الزمان كما حدث في الشعر الغربي. يجب أن يتقدم الشعر في كل من عنصريه عنصر الوزن وعنصر المعنى، ففي الوزن نرى إن العرب في الجاهلية صبت شعرها في ستة عشر بحرا وكان خضوعها لهذه البحور لا لأنها حصرت كل ما يمكن أن يكون ولكن ابتكروا أولاً بحرا أو بحرين ثم جاء الخلف فزادوا هذه البحور شيئا فشيئا لا يهديهم في الابتكار إلا الأذن الموسيقية: وهم لا عيب عليهم في ذلك ولكن العيب عيب من أتى بعدهم فقد سوّا هذه البحور ولم يشاءوا أن يخرجوا عنها قيد شعرة وقد تحكم العلماء والأدباء في أذواق الناس فأبوا عليهم أن يقولوا في غيرها أو أن يشذوا ولو قليلا عنها. وهو تقديس في غير محله لأن أوزان الشعر كما قلنا هي موسيقاه، وكما تطورت الموسيقى في العصور واخترعت نغمات وولد من القديم نغمات جديدة، وكانت موسيقى العصر العباسي غير موسيقى العصر الأموي، وهما غير موسيقى الجاهلية، كان واجبا أن

стр. 1143

يغير الشعراء موسيقى الشعر ولا يقفوا عند الحد الذي رسمه الجاهليون، وعجيب أن نسمح في عصرنا للموسيقى الشرقية أن تطعم بالموسيقى الغربية ونهيئ آلاتنا للتوقيع عليها بهذه النغمات الجديدة، ونهيئ آذاننا لسماعها ثم لا نفعل ذلك في الشعر! نعم أخذ بعض الناس يتحللون من قيود البحور والقوافي الجاهلية كما فعل الأندلسيون بالموشحات وما إليها، ولكن وقف من بعدهم على اختراعهم ولم يسيروا على سننهم في التقدم. يجب أن يتحرر نوابغ الشعراء من هذه القيود ويشعروا بما يحسون ويوقعوا على النغمة التي يرتضون وليس الحكم بيننا وبينهم هو البحور الستة عشر ولكن الحكم هو الأذن الموسيقية، والأذن الموسيقية وحدها. وكما نرجع في كل فن إلى الخبيرين نستفتيهم ونحتكم إليهم فكذلك في هذا الضرب يجب أن نحتكم إلى من رقت أذنهم الموسيقية وأذواقهم الفنية وليس في هذا ضير على ثروتنا القديمة في الشعر فإنا باختراعنا بحورا وأوزاناً نزيد في ثروتنا إلى ثروتهم، كما نزيد في موسيقانا إلى موسيقاهم، وفي علمنا إلى علمهم. أما من حيث الموضوع ومعاني الشعر فمجال القول فيه أوسع، وتقصير الشعراء فيه أبين ولئن كانت تعد الشعر ديونها تسجل فيه نزعاتها وآمالها وحياتها فأنا أخشى أن يكون الشعر العربي سجلا ناقصاً لم يدون فيه إلا وقائع قليلة من نزعات كثيرة، وصفحات ضئيلة من حياة حافلة مركبه معقدة. لقد دون الشعر كثيرا من وقائع المديح والرثاء والغزل والخمريات وما إليها وهذا حسن، وهو ضرب من الشعر لابد منه، ولكن ليس هذا كل مشاعرنا ولا أكثرها لقد مررت في هذا العام على تلاميذ مدارس ثانوية خارجين من لعب الكرة فسمعت بعضهم يصيح (يا محني ديل العصفورة، ومدرستنا هي المنصورة) فجرت من عيني دمعة على ما نحن فيه من ضعة وانحطاط وقلت أين الشعراء يضعون الأناشيد تجاري نفسية الطلبة، وترقي من مشاعرهم وتزيد في روحهم حماسة وقوة وتميز الطبقة المتعلمة من طبقة العامة وأمثالهم؟ وأتى كشّافة العراق ينشدون الأناشيد المختلفة في المناسبات المختلفة، فلم يجد كشافة مصر ما يجيبونهم به ويساجلونهم فيه إلا هراء من الكلام وسخفا من الغناء، ثم أين الشعراء يضعون أغاني للشعب وأغاني للمتعلمين تناسب حياتهم وموقفهم الاجتماعي؟ نعم تنبه بعض الشعراء لهذا ووضعوا أغاني أرقى ممن وضع من قبلهم ولكن أكثرها بكاءً وحنين وذوبان وهي من الأدب الذي سميته أدباً مائعاً، والذي لا يصح لأمة

стр. 1144

ناهضة أن تقتصر عليه، بل أين شعراء الشرق الذين تغنوا بما حوته طبيعة بلادهم من جمال إبداع فرقوا ذوق شعوبهم وأشعروهم بجمال الطبيعة، وغذوا عواطفهم وعودوهم تقدير الجمال والهيام به؟ لقد قصر شعراء العرب قديما وحديثا في هذا الباب فلا نعثر منه في الأدب العربي إلا على قليل، وهذا القليل لا يكفينا الآن ولا يسد رغباتنا لأن شعر الطبيعة قد رقِّيَ عند الأمم وأصبح مؤسس على شيئين لابد منهما وهما علم بالطبيعة ومعرفة بقوانينها، وحب للطبيعة وهيام بها ثم صياغة ذلك كله في قول ساحر جذاب. وهذا الضرب من الشعر قطع فيه المحدثون من الغربيين شوطا بعيدا وسبقوا فيه من قبلهم بمراحل طويلة (وبعد هذا كله) أين الشعر الاجتماعي العربي الذي يساير نزعات أمم الشرق ومطامعها وآمالها في الحياة؟ إن أمم الشرق تنزع إلى الحرية وتأمل أن تتبوَّأْ في العلم الإنساني المكان اللائق بها، وتنشد ضروبا من الإصلاح الاجتماعي ترى الحاجة ماسة إليه وكلها مجال فسيح للشعر يلهب حماستها ويقوي إيمانها ويهديها سبل الحياة. فأين الشعراء الذين وقفوا هذه المواقف وقادوها قيادة صالحة؟ إن عواطف الأمم الشرقية ساغبة تنتظر من يغذيها ولا تجده. الحق أن أدباء النثر قد أدوا رسالتهم خيراً مما أداها أدباء الشعر، وفي كل من الفريقين تقصير؟

стр. 1145

صور من التاريخ الإسلامي عمر بن عبد العزيز ٦٢ - ١٠١ هـ للأستاذ عبد الحميد العبادي ٣ ود الحكماء من قديم لو أن ملوك الأرض كانوا فلاسفة أو لو أن الفلاسفة كانوا ملوكاً؛ أذن لاقترنت السياسة بالأخلاق على أساس ثابت مطرد. وتعاونتا جميعا على النهوض بالمجتمع الإنساني، ولاستحال علمنا المضطرب جنة راضية ونعيما مقيما. وكثيرا ما كتب الحكماء في نظم عامة ابتدعتها أخيلتهم وزعموها توفر على الناس في هذه الدنيا اللذة والسعادة، وتنفي عنهم الألم والشقاوة: فعل ذلك أفلاطون في (الجمهورية) والفارابي في (أهل المدينة الفاضلة) وتوماس مور في (اوطوبيا) كما فعله كثير غير هؤلاء ممن ترسم آثار أفلاطون ونسج على منواله. هذا الحلم الجميل تحقق أو كاد في التاريخ مرة واحدة على ما نعلم، وذلك على عهد الخليفة العربي المسلم عمر بن عبد العزيز، فهو رجل ألقت إليه المقادير بزمام أعظم دولة في الأرض في زمنه، ومع ذلك استطاع أن يقدع شهوته حتى كاد يميتها، وأن يروض نفسه حتى ردها إلى الرضا بالقليل الأقل. ثم تجرد لإصلاح رعيته من طريق العدل والرفق والرحمة فأذاقهم لذة الأمن واليسر والرضا. وفوق هذا وذاك قد ترامت همته إلى ما وراء قومه وبلاده، فطمع أن يجمع شعوب الأرض طراً في نظام واحد يقوم على مبادئ الاخوّة والعدالة والمساواة. وقد وفق ابن عبد العزيز في هذا المطمع البعيد توفيقاً حدَّ من مقداره يا للأسف، أن عجلت إليه المنية وهو لا يزال في ميعة العمر وعنفوان الحياة. قد اجتمع في تكوين هذه الشخصية العجيبة عاملا الوراثة والبيئة معاً، فأبوه عبد العزيز قد ولي مصر عشرين سنة دلَّت على ثقافته العالية واضطلاعه بأعباء الحكم، وبصره بتآلف القلوب، وجده مروان بن الحكم هو ذلك السياسي الجريء العارف بنفسية الأفراد والجماعات، والخبير بانتهاز الفرص عند إمكانها. وأما نسبه لأمه، فأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكفى بانتسابه إلى تلك الشخصية العظيمة تعريفا بسبب من أسباب

стр. 1146

ورعه وجراءته في الحق على نفسه وغيره. وليس أثر البيئة في تكوين بن عبد العزيز بأقل من أثر الوراثة فقد ولد بالمدينة عام ٦٢هـ وشب بها على أصح الروايات. فلما ولى أبوه مصر عام ٦٥ هـ حمل إليه، ولبث بمصر زمنا ما، نعم فيه بصحبة أبيه ومشاهدة آثار الحضارة المصرية والبيزنطية، وهنا رمحته دابة فشج شجته التي عرف من أجلها بأشج بني أمية، فلما بلغ سن التأديب بعث به أبوه إلى المدينة ليتأدب بها وينشأ نشأة إسلامية مدنية، وكانت المدينة إذ ذاك بيئة مركبة غير بسيطة، يعرف فيها من يحللها الروح الديني الصحيح ماثلا في نفر من بقايا الصحابة وكبار التابعين، أمثال أنس بن مالك وعبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كما يعرف فيها الجانب الأرفه من الحياة ممثلا في مثل عبد الله بن جعفر أول نصير لصناعة الغناء العربي، وطائفة من المغنين والقيان يتقدمهما معبد ومالك بن أبي السمح المغنيان المدنيان الشهيران. ثم أن المدينة كانت إذ ذاك من الناحية السياسية موطنا للمعارضة التي تستند إلى الكتاب والسنة في مقاومة الحكومة الأموية. في هذه البيئة تخرج أبن عبد العزيز، فروى الحديث عن حملته ورواته، ولقف صناعة الغناء وأعانه على المساهمة فيها صوت ندي عذب. كما أشرب روح الحكومة الإسلامية القديمة التي كانت تختلف عن الحكومة الأموية اختلافا كبيراً. إلى ذلك كله كان أبن عبد العزيز فتى مليح الخلقة ناعماً مترفاً كعادة فتيان بني أمية. يروى أنه أبطأ يوماً عن الصلاة فسأله مؤدبه صالح بن كيسان عن سبب إبطائه فقال (كانت مرجلتي تسكن شعري) فكتب مؤدبه بذلك إلى أبيه، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق شعره. في عام ٨٥ هـ توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، وكان أبنه عمر قد تم تأدبه بالمدينة، فأجتذبه الخليفة عبد الملك بنمروان إلى الشام وزوجه من أبنته فاطمة، ثم ولاه (خناصرة) وهي بليدة من أعمال حلب واغلة في البادية. فلبث والياً عليها سنتين كانتا من أنعم سني حياته وحياة زوجه. وقد أعجبته خناصرة حتى أنه عندما استخلف اتخذها منزلاً على عادة ملوك بني أمية في إيثارهم سكنى البادية على الحاضرة. وفي عام ٨٧هـ اختاره الخليفة الوليد بن عبد الملك لولاية المدينة بدلا من هشام بن إسماعيل المخزومي الذي أساء السيرة في أهلها، ولا شك أن الوليد إنما اختار عمر للمدينة لما يعلم من المشاكلة القوية بينه وبين

стр. 1147

هذه الولاية، ثم أنه بعد قليل ضم إليه مكة والطائف فاصبح عمر بذلك أميرا على الحجاز كله. كانت حكومة عمر ابن عبد العزيز بالحجاز (٨٧ - ٩٣) حكومة شورية أبوية يمازجها من ناحيته الشخصية مقدار غير قليل من الحرص على الترف والتنعم. فلأول قدومه المدينة اصطفى عشرة من العلماء اتخذهم نصحاء ومستشارين يصدر في الأمور عن رأيهم، ثم عكف على إصلاح شؤون الحجاز فهدم المسجد النبوي وأعاد بناءه على نحو أوسع وأروع، وأصلح الطرق، وأكثر من الآبار وتيسر بذلك الماء في ذلك القطر الظميء، كما أنه عمل بالمدينة فوارة يستقي منها أهلها، وقد اعجب الخليفة بتلك المنشآت عندما زار المدينة سنة ٩١هـ وأمر للفوارة بقوام يقومون عليها، وأن يسقى أهل المسجد منها، ففعل عمر ذلك. ومن مظاهر بساطة عمر في إمارته بالحجاز انه جلس مرة في المسجد يرتِّل القرآن بصوته العذب فتأذّى بذلك سعيد أبن المسيب على غير علم منه بصاحب الصوت، فلم ير عمر بأساً بان ينتحي ناحية أخرى من المسجد. وبلغه أن قاضيه على المدينة استخفه الطرب عندما سمع جاريته تغني حتى أخرجه من وقاره، فعزله عمر، ولكن القاضي المعزول تحدى الأمير لسماع الجارية، فسمعها عمر وكاد هو أيضا يستخف فعذر القاضي وردَّه إلى عمله. وعندما قدم الفرزدق الشاعر المدينة وكانت السنة ممحلة وخاف أهل المدينة لسانه رفعوا أمرهم إلى عمر فأخرجه من المدينة ونهاه أن يعرض لأحد من أهلها بمدح أو بهجو. أما من حيث حياة عمر الشخصية في تلك الفترة فكان مترفا مسرفا في الترف، يرخي شعره ويسبل أزراره ويلبس الثوب تبلغ قيمته مئات الدنانير، ويكثر من الطيب حتى لتقصف ريحه إذا مشى مشيته (العمرية) وهي مشية كان يتبختر فيها ويختال، ولملاحتها كانت الجواري تأخذها عنه. حادث واحد نغَّص على أبن عبد العزيز إمارته على الحجاز: ذلك مصرع خبيب بن عبد الله بن الزبير فقد نقم الخليفة الوليد من خبيب أشياء بلغته عنه وكتب إلى عمر أن يضربه فضربه عمر ضرباً كان فيه هلاكه. وقد جزع عمر لذلك جزعا شديداً، ويقولون انه لبس المسوح سبعين يوما حدادا على خبيب، ثم أقلع عن ذلك. فلما استخلف دفع ديَّة خبيب إلى أوليائه، ومع ذلك كان يرى أن الله لابد مؤاخذه لذلك الذنب، فكان إذا بشره أحدهم بالجنة

стр. 1148

قال: (وكيف بخبيب!). وغدا الحجاز ينعم بأمن وعافية مما ابتليت به الأمصار الأخرى ولا سيما العراق من الفتن والقلاقل، ولذلك أخذت فلول ثوار العراق والخوارج تفد على الحجاز فراراً من وجه الحجاج وسيفه المسلول، فكان بن عبد العزيز يجيرهم ويحميهم. ثم لم يكتف بذلك فكتب إلى الخليفة يندد بعسف الحجاج وبطشه. فاضطغنها الحجاج عليه وكتب إلى الخليفة يشكو من أن أمير المدينة يجير (مراق) العراق وان ذلك موهن له. وقد نظر الخليفة في الأمر ملياً، ثم رأى أن يشدُّ أزر الحجاج في هذه الخصومة، فالعراق أخطر من الحجاز والحجاج أولى بالمصانعة من عمر بن عبد العزيز، فصرف عمر عن الحجاز بأميرين أحدهما للمدينة والآخر لمكة. فكان أول ما صنعاه أن أخرجا من الحجاز إلى الحجاج كل عراقي في الجوامع والأغلال، وتوعدا كل حجازي أنزل عراقيا أو آجره داراً. خرج ابن عبد العزيز من الحجاز إلى الشام مغاضبا للخليفة الوليد، وقد ساءه أن عزل عن إمارة المدينة حتى قال لمولاه مزاحم وهو ببعض الطريق: (أخشى أن أكون ممن تنفيه المدينة) إشارة إلى الحديث الوارد في أن المدينة تنفي خبثها. فلما حصل بالشام شغل نفسه بالغزو فراراً من وجه الوليد والتماس الأجر والسلوى. فلما توفي الوليد عام ٩٦ هـ وولي سليمان بن عبد الملك لزمه عمر، وكان أثيراً عنده يستشيره سليمان وينزل على رأيه في كثير من الأمور، على إن عمر نفعه أن عزل عن الإمارة على النحو المتقدم فقد دفعه ذلك في السنوات الست التي قضاها بالشام قبل أن يستخلف (٩٣ - ٩٩) إلى النظر في حال الدولة العربية في أواخر القرن الأول الهجري. نظر فإذا الدولة الإسلامية قد أبعدت في التخلي عن الصفة الدينية التي كانت لها قديما وأسرفت في الاصطباغ بالصبغة الزمنية المتطرفة، أليست حكومة عبد الملك والوليد والحجاج ويزيد بن المهلب حكومة تجبر وطغيان؟ أليست حكومة سليمان حكومة الشهوة العطشى والجسد المنهوم؟ لقد أصبح السلطان يعتمد في شد أركانه وتقوية دعائمه على القوة الغشوم والسيف المرهف. أما العدل وأما الرفق وأما الرحمة فلم يعد لكل ذلك عنده محل ولا حساب. ونظر فإذا أموال الدولة قد عراها الخلل والاضطراب من كل نواحيها. فنحو ثلث أموال الدولة قد استحال ملكا خاصا لبني أمية وأكثر الضرائب يجبى من غير وجوهه،

стр. 1149

ويصرف في غير مصارفه الشرعية. فكثير من الأراضي الخراجية التي لا يصح تملكها قد استحالت أرضاً عشرية يتملكها أفراد من المسلمين يؤدون عنها الزكاة التي مقدارها أقل من مقدار الزكاة. وكثير من الموالى أو مسلمي الأعاجم لا يزالون مع إسلامهم يؤخذون بالجزية لغير ما سبب سوى أن العمال لحظوا في إسلامهم معنى الفرار من الجزية فأبوا أن يعفوهم منها. هذا فوق أن هؤلاء الموالي لم يكونوا والعرب سواء في الحقوق، فكانوا يغزون إلى جانب العرب دون أن يكون لهم عطاء. ثم إن عدم إنفاق الزكاة في مصارفها الشرعية قد ادى إلى كثرة الفقراء والمساكين والمرضى والزمنى ممن جعل لهم الشرع حقا في الصدقات العامة ثم نظر فرأى بأس الأمة الإسلامية بينها شديد، قد توزعت الفرق المتباغضة والأحزاب المتناحرة، فمن شيعة يطوون الصدور على الإحن لما نالهم به بنو أمية من أذى ومساءة، ومن خوارج يتحينون الفرص لهدم النظام القائم وإحلال نظامهم محله، ومن موال قد ساءهم إلا يسوى بينهم وبين العرب في الحقوق العامة، ومن مضرية ويمينية وربعية كل يحاول أن يكون له النفوذ السياسي من طريق الولاية على الأقاليم والتأثير في السلطان نفسه. هذا في الداخل أما في الخارج فرأى عمر إن الجهاد الذي شرع على عهد النبي (ص) لمنع العدوان على النفس والعقيدة والذي كان على عهد الشيخين ضرورة اقتصادية ملحة قد استحال في زمن الأمويين أداة للتوسع في السلطان وجر المغنم الوافر والسبي الرائع حتى قال الشاعر: ألا ذهب الغزو المقرب للغنى … ومات الندى والجود بعد المهلب نظر عمر في كل ذلك فرده إلى سبب جوهري واحد هو انحراف الجماعة الإسلامية عن الأساس الذي قامت عليه، أساس الدين. والدين عند عمر هو الدين المتصل بالحياة العامة يمدها ويغذيها بقوته المعنوية والممسك لشؤون الجماعة أن تضطرب وتصبح فوضى، هو الدين الذي أثره في الحاكم شعور قوي بالمسؤولية وعمل صادق على إسعاد العباد والترفيه عنهم والذي أثره في المحكومين اقتضاء للعدل إذا حرموه وأنفة من الضيم والذل إذا ما أريدوا عليهما، الدين عند عمر بن عبد العزيز: هو الحق والإنسانية عبر عنهما بلفظ واحد. وبينا عمر يرسل الفكر في أنحاء الحياة الإسلامية العامة متعرفا عللها إذا به في الوقت نفسه قد أخذ يخضع لتطور نفساني عنيف. لقد أخذ حرصه على الترف والتنعم يضعف

стр. 1150

رويدا رويدا وميله إلى الزهد والتنسك يقوى شيئا فشيئا وأصبحت نظرته إلى الحياة نظرة إلى متاع قليل زائل لا يعدل شيئا بجانب طمأنينة النفس وراحة الضمير كما أصبح دائم التفكير في الموت وفيما بعد الموت، فالموت آت لا ريب فيه؛ والموت برزخ مؤد إما إلى جنة وأما إلى نار والمنتهى على كل حال رهين بما يكون عليه المرء في العدوة الدنيا من ذلك البرزخ الرهيب. ما سر هذا التطور العجيب الذي جعل من ابن عبد العزيز الناعم المترف ناسكاً زاهداً متصوفاً؟ نتبين ذلك السر في نفسية ابن عبد العزيز من جهة؛ وفي مقدار تأثره بالحياة الإسلامية العامة لذلك العهد من جهة أخرى. لقد كان في عمر نزوع طبعي إلى الزهد فهو كما رأينا من سلالة عمر بن الخطاب؛ وكان في طفولته يحاول التشبه بخاله الزاهد عبد الله بن عمر ولما تورط في أمر خبيب لبس المسوح سبعين يوما يأسا من غضارة ولذاذة الحياة فلما نصح بالإقلاع عن ذلك أقلع. ثم أن الحياة الإسلامية قد ألمت بها في أواخر القرن الاول نزعة زهد جاءت كرد فعل للمادية التي طغت عليها إذ ذاك. هذه النزعة التي تحولت بعد ذلك إلى الحركة الصوفية المشهورة نتبينها في طبقة العباد والنساك التي يتكلم عنها صاحب العقد الفريد طويلا. وقد خضع عمر لتأثير هذه الطبقة وهو في المدينة فكان من أشد الناس تأثيرا فيه عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة. فلما صار بالشام خضع لتأثير رجلين يعتبران بحق من أقطاب عصرهما علما وزهدا وورعا. هذان هما الحسن البصري ورجاء بن حيوة الكندي. أما الحسن فقد اتصل به عمر من طريق المراسلة ولعله قد أخذ عنه كراهية القول بالقدر الذي ينسب إلى الحسن خطأ. وأما رجاء فقد كان مستشار سليمان بن عبد الملك وكان لذلك أقرب إلى عمر وأقوى به اتصالا. وبعد فلئن كان النظر في الأحوال العامة قد انتج لعمر ضرورة الرجوع إلى الدين في إصلاح غيره؛ فقد انتج له مزاجه الخاص وتأثره بالزهاد من أهل عصره ضرورة الزهد من اجل إصلاح النفس وتهذيبها. الدين والزهد، هاتان هما الخلتان اللتان كانتا تعمران فؤاد عمر وقلبه عندما أخذ صلحاء الشام يرشحونه للخلافة.

стр. 1151

الثقافة المصرية وكيف تستفيد من ثقافة الجاحظ الأدبية والعلمية والسيكولوجية للأستاذ مصطفى عبد اللطيف المحامي دعونا في مقال نشر بالسياسة الأسبوعية إلى الرجوع إلى الثقافة العربية بدوية كانت أم حضرية وأهبنا بالمثقفين ثقافة عالية أن يصرفوا جهودهم إلى بعث تلك الثقافة وتغذية ثقافتنا المصرية بمادة مفيدة صالحة وذكرنا في ذلك المقال أسماء بعض زعماء الثقافة العربية. ومن بينهم أبو عثمان بن بحر الجاحظ أحد أعلام العصر العباسي ومن أكبر زعماء الفكر الإسلامي. وها نحن نعود أولاء إلى هذه الدعوة وتأييد تلك الفكرة بذكر شيء من ثقافة الجاحظ الواسعة، تلك الثقافة التي يباهي بها العرب ويعجب لوفرتها الجيل الحاضر لأنها ثقافة تزيد في الوفرة على ثقافة جوت الألماني وديدرو الفرنسي ودستوفسكي الروسي وغيرهم من ذوي الثقافات الواسعة الرفيعة. والحق أني بعد أن تصفحت جمهرة من مؤلفات الجاحظ وما كتب عنها لم أجد وصفا أصدق عليها من أنها كالبحر اللجب الزاخر تحوي الجوهر كما تحوي الصدف، فأنت إذا تناولت تلك المؤلفات ألفيت بحوثا شائقة في الأدب وملاحظات قيمة في العلم ومعلومات رائعة في سيكولوجية الإنسان والحيوان وأفكارا كالأمواج متزاحمة متلاحمة تشرق عليها أنوار الثقافات الفارسية واليونانية والهندية. هي ثقافة ثرة متعددة النواحي يتطلب تصويرها كتبا مفردة ولكني سأحاول أن أتناول في اختصار ثلاث شعب منها، وهي ثقافة الجاحظ: الأدبية، والعلمية، والسيكولوجية. واكتفي برسم خطوط لتلك الثقافات تاركا إخراج صورة كاملة لها لمن هم أقدر مني عليها. وغايتي من المقال كما سبق إظهار روائع الثقافة العربية وبيان صلاحيتها لتغذية ثقافتنا المصرية، إذ فيها خير مادة لنا وخير ثقافة. ثقافة الجاحظ الأدبية ونحن إذا قلبنا البصر فيما صدر عن الجاحظ من المؤلفات الأدبية الكثيرة أدركنا قطعا نفع

стр. 1152

تلك المؤلفات لثقافتنا وصلاحيتها لتغذية إلهاماتنا. ويحتاج بحث هذه المؤلفات إلى كتاب مفصل. ولكني سأقصر بحثي على وصف رسالة الجاحظ الموسومة (بالتربيع والتدوير) وهذه الرسالة أعتقد أنها تكفي لرسم صورة تامة عن أدب الجاحظ وأسلوبه الرصين المونق ومعانيه البليغة وميله إلى خلط الجد بالهزل في كتاباته. وهذه الرسالة مدبجة في احمد بن عبد الوهاب من معاصري الجاحظ ومن ذوي النفوذ والمقربين لدى الخلفاء، وهي تمثل في أوضح بيان جمال الرصف والقدرة على ملكية العبارة. ومن المستحسن أن أصف هذه الرسالة وآتي بفقر منها: ابتدأ الجاحظ الرسالة بالقدح في احمد والزراية بعقله، وطرح عليه مائة سؤال منها الخفيف ومنها الثقيل ومنها الجدي ومنها المضحك حتى إذا ما آذاه وجرحه جرحا يكاد يقطر دما وأدرك فداحة ما صنع أسرع إلى قلمه فمسحه من الدم ودهنه بالمرهم ليأسو الجرح ويداوي ما بضع سنان القلم، فاخذ يقدم وجه العذر ويدير اليراع بالمغفرة ويزكي صفات احمد ويطنب في مدحه ويسرف. فها هو ذا يسم أحمد في مفتتح الرسالة بالادعاء وينعته بالجهل يقول: (كان احمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول وكان جعد الأطراف قصير الأصابع وهو يدعي البساطة والرشاقة، وكان كبير السن متقادم الميلاد وهو يدعي انه معتدل الشباب حديث الميلاد. وكان ادعاؤه لأصناف العلم قدر جهله بها، وتكلفه للإبانة عنها على قدر غباوته فيها. . . وكان قليل السماع غمرا. . . يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها ويحسد العلماء من غير أن يتعلق فيهم بسبب). واستطرد يقول بعد كلام طويل فصيح: (فلما طال اصطبارنا حتى بلغ المجهود منا وكدنا نعتاد مذهبه ونألف سبيله، رأيت أن أكشف قناعه وأبدى صفحته للحاضر والبادئ وسكان كل ثغر وكل مصر بان أسأله عن مائة مسألة أهزأ به فيها وأعرف الناس مقدار جهله). وأخذ يلقي عليه الاسئلة في خلال الرسالة ومنها قوله: (خبرني ما تقول في الفراسة؟ وما تقول في أسرار الكف؟ وما تقول في النظر في الأكتاف! وخبرني متى تستغني الحية عن الغذاء! ومتى ينتفع الضب بالنسيم! وخبرني ما السحر وما الطلسم وما الدنهش! وما قولهم في اللبان الذكر!؟). وبعد أن سقاه سخراً وأشبعه تهكما وجعله ضحكة الضاحكين وهزأة الساخرين انبرى يشدو بذكره ويتغنى بمدحه مما يجعلنا نعجب من الجاحظ ومن تناقضه الظاهر ومن انقطاع

стр. 1153

الملابسة المنطقية بين هجو الفارط المفرط ومدحه اللاحق المفرط. استمع إليه يقول في مدح أحمد: (وهل على ظهر الأرض جميل حسيب أو عالم أديب إلا وظلك أكبر من شخصه وظنك أكثر من علمه، واسمك أفضل من مغناه، وحلمك أثبت من نجواه، وصمتك أفضل من فحواه!). . . ثم تأخذه الأنفة وتغطيه العزة فيتسامى على أحمد بالمعرفة ويتفاضل بالحكمة. يقول: ـ فأنت والله يا أخي تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم والأخبار أني أشد منك عقلا، واظهر منك حزما والطف كيدا وأكثر علما وأوزن حلما وأخف روحا وأكرم عينا. . . وأنت رجل تشدو من العلم وتنفق من الأخبار، وتموه نفسك وتعز من قدَّرك وتتهيأ بالثياب وتتنبل بالمراكب). . . وأخيرا يحس الجاحظ شدة ما ساقه من الذنب إليه فيعمد إلى تلطيفه ببيانه الساحر الجذاب فيقول: (فان أنت عاقبتني فقد رغبت عن النبل والبهاء، وعن السؤدد والسناء، وصرت كمن يشفي غيظا أو يداوي حقداً أو يظهر القدرة أو يحب أن يذكر بالصولة. ويشفع هذا بكلام يتنفس الملق والدهان يقول: (وأني لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله؟ وهل عندك إلا ما في طبعك؟ وكيف لك بخلاف عادتك؟). وأكتفي بهذا الاقتباس الطويل الذي تعمدت أطالته لإثارة القارئ لتلاوة هذه الرسالة برمتها ليتذوق جمالها الفني وحلاوة عباراتها وعذوبة مائها، وهذه الرسالة عندي لا تمثل الجمال الفني للعبارة بل أنها تمثل جمال المعنى وبلاغته. وللجاحظ رسائل أخر شائقة متقدمة في الفصاحة متناهية في الرصانة والسلاسة والجزالة وهي آية قائمة على تفوق الرجل في أدب المقال وإحسانه فيه أقصى إحسان. والمجال يطول بذكر شيء عن هذه الرسائل ونسرد أسماء بعضها ليدرك القارئ كيف تنبه الجاحظ منذ قرون لمعالجة موضوعات تهز العواطف والمشاعر والانفعالات. فرسالة البخلاء تحوي قصصا غريبة عن بخلاء عصره وعاداتهم، ورسالة الحاسد والمحسود تهجن الحاسد وتذم انفعال الحسد. ورسالة (العشق والنساء) تصف عاطفة العشق وكيف يخنع لها الجبابرة وكيف خنع لها الحجاج الطاغية. وكتابه (المحاسن والأضداد) تناول فيه ذكر محاسن كثيرة من العواطف الفردية مثل عواطف الصدق والعفو والمودة والوفاء والشجاعة والسخاء وحب الوطن؛ ومدح فيه انفعال الغيرة وذمه في صفحات معدودة. وهذا الكتاب لا تظهر فيه شخصية الجاحظ الخلاقة لأن

стр. 1154

مادته منقولة عن الأعراب. وعلى العموم فمؤلفات الجاحظ الأدبية بجملتها تفتق اللسان وتقوي العارضة وتمدنا بثروة واسعة من التعابير الجميلة وتعطر أفئدتنا وتنعش صدورنا بمعانيها اللطيفة الفريدة. يقول المسعودي في هذا الصدد: (كتب الجاحظ تجلو صدأ الأذهان وتكشف واضح البرهان) ويقول ابن العميد: (كتب الجاحظ تعلِّم العقل أولاً والأدب ثانيا. . .) ثقافة الجاحظ العلمية ويعني ابن العميد بهذا القول أن يقول أن كتب الجاحظ تعلم العلم أكثر من أنها تعلم الأدب، والواقع أن كتب الجاحظ الأدبية لا العلمية تتضمن ملاحظات بارعة وإشارات دقيقة ومعلومات قيمة يمكن أن تبنى عليها بحوث علمية رائعة. حدثني أحد المهتمين بالثقافة العربية أنه قرأ رسالة التفاح للجاحظ في مكتبة بألمانيا فوجد بها ملاحظات وتجاريب للجاحظ مدهشة منها أن الجاحظ كان يكتب بمادة كيمياوية بعض الأسماء على التفاحة قبل نضجها. فتظهر الأسماء على التفاحة بعد النضج، وكأنها خلقت على هذه الصورة وكأن الأسماء نقشت على التفاحة نقشا طبيعيا. وذكر أن الجاحظ أبان في هذه الرسالة كيف تتلون التفاحة في الطبيعة: فالقمر يخلع عليها اللون الأصفر والشمس تهبها اللون الأحمر. وهذه الحقائق لا أعلم مبلغ صدقها. ولكني أثبتها بقصد الإثارة للبحث عن هذه الرسالة ونشرها. ولا شك في أن رسائل الأدب لا تخلو من معلومات مفيدة للعلم فما بالنا بالرسائل والكتب العلمية مثل كتب: النبات، والمعادن، والكيمياء، والطب وغيرها التي لم نطلع عليها وا أسفاه إلى الآن، والتي أفاد منها الغربيون واستقوا آراءهم. فقد جاء في دائرة المعارف الإسلامية أن كازويني وداميري اعتمدا في بحوثهما العلمية على كتاب الحيوان والنبات للجاحظ، ونحن وان كنا قد عثرنا في مطالعاتنا على طائفة من حقائقه العلمية فان هذه الحقائق تعتبر نقطة من محيط. وشعاع من شمس قد يهدف ذكرها في هذا الموضع إلى سوء التقدير وغباوة الحكم، ولهذا فإني اكتفي هنا بتوضيح مذهبه في البحث وطبعه العلمي وحبه للتحقيق والتدقيق. فها هو ذا يقدم لأحد كتبه في الحيوان بالتعوذ بالله من أن يدعوه شغفه بإتمام كتب الحيوان إلى أن يصل الصدق بالكذب أو يدخل الباطل في تضاعيف الحق. أو يتكثر بقول الزور أو يتلمس تقوية ضعفه باللفظ للحسن وستر قبحه

стр. 1155

بالتأليف المونق. وهذه الأقوال لا تصدر إلا من رجل وهب ضميرا علميا يزعه عن الأوهام وينزهه عن ذكر المغالط ويدعوه إلى التثبت من العلة وتنقية الثقة من الريبة، وتطهير الحجة من الشبهة. وأنا لنراه في كتبه ومؤلفاته يستند كثيرا إلى التجربة ويعتمد على الملاحظة، فإذا ما أعوزته التجربة ولم تتيسر له الملاحظة رجع إلى ثقة من الثقات للمذاكرة فإذا لم يجد الثقة الذي يعتمد عليه ويتذاكر إليه ربأ به ضميره عن نقل المعارف نقلا مهما كان مصدرها. فها هو ذا في كتب الحيوان تناول ذكر كثير من الحيوان والطير والحشرات ورجع إلى ما كتب أرسطو في الحيوان، وأخذ عنه بعض ما حققه بنفسه أو قامت التجربة على صدقه. ورفض أن يثبت في كتبه معلومات غريبة عنه، فنراه مثلا لم يكتب شيئا عن (السمك) مع أن ارسطو أفاض وأشبع القول في هذا الموضوع. ولكن الجاحظ أبى أن ينقل عن ارسطو شيئاً في هذا البحث؛ وعلة ذلك انه لم تتوفر له الملاحظة عن السمك وعن طباعه وأحواله وأنه سأل البحريين عن بعض الحقائق الواردة في كتب ارسطو فلم يصل منهم على قول محقق؛ لهذا ترك هذا الباب كلية ولم يكتب فيه حرفا. وأنا لنتمنى أن نجد مثقفا مصريا أو شرقيا يخصص نفسه؛ وينفق عمره في التنقيب عن كتب الجاحظ العلمية في مظان وجودها ومحال مكامنها. وينقلها إلينا ليخدم بذلك الثقافة المصرية. لأن البحوث التي لدينا عن الجاحظ كلها موجزة مجملة؛ وكلها تركت الناحية العلمية جانبا. فالسندوبي قصر بحثه الواسع على (أدب الجاحظ) وترك علمه. واستقى مادته من جمهرة صالحة من الكتب الأدبية، والأستاذ خليل بك مردم كتب بحثا مجملا مفيدا عن الجاحظ وثقافته. والأستاذ أحمد أمين كتب فصلا بديعا موجزا عن الجاحظ ومس الناحية العلمية مساً خفيفا. وليس من شك في أننا في حاجة إلى من يدرس الجاحظ درسا واسعا من جميع نواحيه. واليوم الذي نجد هذا الرجل هو اليوم الذي نقع فيه على ثقافة ممتعة، ونواح طريفة للتفكير العربي. ثقافة الجاحظ السيكولوجية ومن النواحي الطريفة لثقافة الجاحظ الناحية النفسية أو السيكولوجية. وهذه الناحية ماثلة بجلاء في طائفة من كتبه. وهي أشد ما تكون جلاء في كتب الحيوان السبعة. فقد تناول في

стр. 1156

هذه الكتب نفسيات الحيوان والطير والحشرات وتحدث عن أخلاقها وطباعها وعاداتها وضمنها معلومات عجابا وملاحظات دقاقا تشهد بسعة ثقافة الجاحظ وبأنه أنفق عمرا طويلا في معاشرة الطير ومؤالفة الحيوان ومراقبة الحشرات، وانه هام من أجل ذلك في الغياض وتوغل في بطون الأودية وركب البحار وسكن الصحاري ونبض قلبه مع النبات واهتز لسحر الطبيعة: ففي كلامه عن الحيوان تحدث عن نبالة الكلب وذكر انه يتخير أنبل موضع في المجلس، وتحدث عن القط وذكر انه لئيم خؤون وشره شديد الشراهة. وفي الوقت نفسه يؤثر أولاده بالأكل على نفسه! وتكلم عن الديك وإيثاره الدجاج على نفسه في سن الشباب؛ فإذا هرم صار أنانيا لا يعرف إلا نفسه. وتكلم عن الفيل وجرأة قلبه وقوة عزمه بينما هو يفزع من القط فزعاً شديدا! وتكلم عن اليربوع وسعة حيلتها وانها علمت الفرس والروم الاحتيال واتخاذ المطامير على تدبير بيوتها. وأفاض في ذكر عداوة الحيوان بعضه لبعض، فالأسد عدو للكلب يشتهي لحمه والذئب يشتهي لحم الثعلب والثعلب يصيد القنفذ وهكذا. وفي الفصول التي عقدها عن الطير أفاض في ذكر الحمام والعصافير. فذكر أن العصافير لا تقيم في الدار إذا خرج أهلها منها وأنها شديدة العطف والبر بأولادها وتحتمل الأخطار في سبيل الذود عنها. وتحدث عن الحمام فذكر حبه للناس وأنس الناس به وأنه لا يهجر الدار إذا هجرها أهلوها وأنه لا يغير. . . وفي الفصول التي عقدها عن الحشرات تكلم عن النحل وكمال غريزته وعن خلق الخلية وما فيها من غرائب الحكم وعجائب التدبير وكيف يتضافر النحل في عمل الخلية. فمنه ما يقوم بجمع المادة من الشجر والزهر. ومنه ما يبني البيت ومنه ما يقوم لعمل الشمع. وتكلم عن العنكبوت وبداعة نسجه. وطريقته الحكيمة في صنع مصيدة من خيوطه لإيقاع الذباب وصيده. وتكلم عن عداوة القنفذ للحية والحية للعصافير والعصافير للجراد والجراد لفراخ الزنابير والزنابير للنحل والنحل للذباب والذباب للبعوض، وغير هذا من أجناس هذه المعلومات وأشباهها مما وعته صفحات كتب الحيوان. وقد ذكرنا وشلا منها، ولا ريب أن المشتغلين بعلم النفس يجدون في هذه الكتب معلومات قيمة مفيدة. وبالأخص المهتمون بعلم النفس التجريبي الحديث الذي تدور بحوثه على درس الحيوان والحشرات. فجدير بنا أن نهتم بهذه الكتب التي سبقنا الغربيون إلى تعرف خطرها وقدرها

стр. 1157

ونباهتها. الخلاصة ونخلص مما تقدم إلى أن الجاحظ كان رجلا مثقفا بكل معنى الكلمة، ولأقصى درجة من درجات الثقافة العالية، فقد وعى أدبه ثروة وجمالا وملاحة، وحوى علمه براعة الملاحظة وصدق التجربة، وتغلغلت نفسه في أعماق نفوس البشر ونفوس الحيوان. وسلك مذهب الحرية في الدين فأحب جمال الدين وشعر العقيدة. ولم يتحرج من اعتناق مذهب المعتزلة برغم مخالفته للرأي السائد. وقصارى القول أن الجاحظ أديب العلماء وعالم الأدباء غير مدافع؛ وفيلسوف عملي لا مذهبي وعالم يكثر الملاحظة والتفكير. وملاحظاته أغزر من تفكيره. فجدير بنا بعد هذا أن نتذوق ثقافته فنذوق روح الحياة وننشق عطر البحث ونستمتع بجمال الأسلوب ولذة المعرفة. ميت غمر. مصطفى عبد اللطيف المحامي

стр. 1158

من الشعر المرسل ذو الفأس للآنسة سهير القلماوي. ليسانسيه في الآداب جان فرانسوا ميلين رسام فرنسي عاش في النصف الاول من القرن التاسع عشر. وقضى أخريات حياته في الريف على مقربة من غابة فونتينبلو حيث رسم لوحاته الريفية المشهورة. أشهر هذه اللوحات لوحة (الانجلوس) وهي تمثل فلاحة وفلاحاً سمعا صوت جرس الكنيسة فهما يصليان خاشعين. ومن أشهر لوحاته (ذو الفأس)، وهي تصور فلاحاً متكئاً على فأسه وقد بلغ به التعب والبؤس أقصى درجات الألم. تلك الدرجة التي يشعر فيها الإنسان أنه فقد حواسه. جاء بعد الرسام ميلين الشاعر الأمريكي أدوين مركهام فنظم قصيدة أوحاها إليه هذا الفلاح المتكئ على فأسه. ولقد أذاعت هذه القصيدة صيت الشاعر حتى أصبح يعرف باسم مؤلف ذي الفأس. وهذه قصيدة أوحتها إلي قصيدة الشاعر مركهام والرسام ميلين. ولقد راعيت فيها خاصتين من خواص الشعر العربي: وهما الوزن وتمام المعنى في البيت الواحد وأهملت الخاصة الثالثة وهي القافية. واشعر تماما إن إهمال القافية لا يحس به ما دام المعنى كاملا في البيت الواحد فهل يشعر القارئ بمثل ما اشعر؟ ذو الفأس متكئاً على الفأس في انكسار … منحني الظهر من الهموم ينظر في الأرض بلا انتهاء … فليس إلا نحوها المصير قد أوهنت عظامه السنين … وغضنت جبينه العصور وقسوة المسعى وراء العيش … قد أفقدته جزءه الإنساني من أطفأ الشعلة من حياته؟ … من رده وثوره سواء؟ لا يعرف اليأس ولا الرجاء … لا يعرف الآمال والأحلاما ما المجد عنده وما الجمال؟ … ما الجاه؟ ما السمو؟ ما الخلود؟

стр. 1159

ما أبعد الهوة بين هذا … وبين حلم العالم المنشود! إذاك من قد أبدع الرحمن؟ … إذاك من قد كوّن العظيم؟ إذاك من قد خصه الجبار … بالعقل والعرفان والسلطان؟ يا سادة العبيد والأراضي … هذا الذي قد صنعت أيديكم! هذا الذي قدمتم لقاء ال … غفران والرحمة من باريكم! يا سادة العبيد والأراضي … كيف لقاء الرب يوم الدين؟ يوم مثوله أمام الله … بعد سكون الساع والسنين!

стр. 1160

في الأدب المصري القديم فنون الشعر الفرعوني (القصائد، القافية، الأوزان، البديع، الجناس) للأستاذ حسن صبحي. مؤلف قصص البردى يحفظ التاريخ للمصريين القدماء سبق الابتكار في كل ناحية من نواحي المدنية. فنراه يسجل لهم أولوية الصناعة كما ينعتهم بالزراع الاول، ثم يقص علينا من أنباء بعثاتهم التجارية إلى النوبة والى الشام والى العراق ما مكن لذوي المطامع منهم أن يستبسلوا في الإغارة على هذه البلاد بين حين وحين، وهم إذ ينتصرون يملكون الأرض ومن عليها فينشرون من أسباب المدنية بين أهل هذه البلاد ما بقي أثره إلى اليوم فيها سواء كان في أساليب الزراعة أو في طرائق الصناعة أو طرق التجارة، أو كان في اللغة والنحت والتصوير أو الموسيقى والرقص والشعر مما بقي أثره لهذا الوقت الحاضر في روح كل فن أو مهنة أو صناعة تمت للعصر القديم في أي من هذه الأقطار بصلة. وكما كان المصريون في كل فن الأول فقد كانوا أيضا الشعراء الاول في هذا العالم، رأوا وأحبوا ما يحيط بهم من جمال الطبيعة الهادئة ومناظرها المتكررة الساكنة، فنظموا الشعر وقصدوه في وصف النيل ومجراه وفي مطلع الشمس ومغربها وفي فضية القمر وشحوبه، وفي خضرة الحقل ووحشة القفار. ثم عاشوا بين أسباب المدنية التي أقاموها فوجد الحب والبغض والحسد والشكر وقامت الحروب وأقيمت الصلوات، وأحسوا كل هذه الصور في الحياة فقالوا الغزل والحمد وهجوا واستعدوا وأشادوا واستنهضوا، وكان لابد لقول هذه الصور المختلفة من الحياة من قوالب تصاغ فيها، فخلقت القوالب وكانت القصائد والقوافي والأوزان والسجع، وتطور افتنانهم ورقى فدخلته التباديل ولعب فيه الجناس اللفظي. أليست هذه كلها أحدث فنون الشعر المصري؟ القصائد المصرية مذ خلق المصريون القدماء لأنفسهم الكتابة الهيروغليفية وهم يكتبون الشعر في صورة غير صورة النثر. يكتبونه مقطوعات مشطرة ثلاثية أو رباعية الشطرات، متقاربة الطول
следующие страницы →