Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.
стр. 10956
العدد ١٣٤ - بتاريخ: ٢٧ - ٠١ - ١٩٣٦
стр. 10957
ملك وشاعر
حل أصدق المواعيد في يومين متعاقبين بالملك جورج الخامس، وبالشاعر رديارد كبلنج، فأرفضّ لخطبهما الصبر الإنجليزي الذي يتماسك بطبعه على مض النوازل، وتجاوبت بأصداء الأسى الوقور أقطار المُلك البريطاني الشامل، وشعر القلب الإمبراطوري برجفة صماء لموت الملك، وأحس اللسان الاستعماري بعقدة بكماء لموت الشاعر؛ ذلك أن صاحب الجلالة كان يمثل شعبه في نبله وديمقراطيته، وصاحب العبقرية كان يمثله في طموحه ووطنيته؛ فأولهما كان رمز السمو الخلقي في طبع السياسة، وثانيهما كان لحن الغرور القومي في معنى الأدب!
كان الملك جورج معنى جديداً من معاني الملكية الجديدة؛ وفق بين غطرفة الملك وتواضع الديمقراطية، وألف بين قيود الحكم ونوازع الحرية، وصالح بين حفاظ التقاليد وطبيعة التطور، ولاءم بين إرادة العاهل وسلطة الدستور، وواءم بين سياسة الدولة ورغبة الأمة، واستبدل بالسلطة الزمنية التي أماتها فيه الزمان، وورثها عنه البرلمان، سلطة روحية أحلته من شعبه محل القداسة، ورفعته في أفقه مكان العلم، وجعلته في حكمه سلام الحزبية إذا احتدمت، وقرار السياسة إذا اضطربت، وصلة الإمبراطورية إذا تقاطعت، ومواساة المرضى من برح الألم، وتعزية البؤس من مس الحاجة؛ ثم تكرم عن أثرة الملوك وتميز السادة، فكان في الحرب يأكل ما يأكل الناس، وفي الأزمة ينفق ما ينفق الأوساط، وفي المحنة يكابد ما يكابد الشعب، وفي الرخاء يكاد الإحسان العام لا يترك في يديه من مخصصاته النصف مليون إلا قرابة الألفين
كانت ملكية الملك جورج كما رأيت لفظاً معناه الحب والخير والواجب؛ ومن هنا وجدت الأحزاب على اختلافها مضامينها فيه؛ فهي تثور فيما بينها وتسكن إليه، وتختلف في رأيها وتتفق عليه، وتفترق في طرقها وتلتقي عنده، حتى قال زعيم من زعماء الأحرار هو مستر اسكويث: (إن العرش لَتَهَاوى حولنا، لأن بعضها قائم على أساس من الظلم، وبعضها مرفوع على غثاء من التقاليد، ولكن عرش هذه البلاد محمول على مشيئة الشعب البريطاني، فهو مستقر لا يتزعزع، راسخ لا يميد)، وحتى قال زعيم من زعماء العمال هو مستر استافورد: (إن الملكية الدستورية ستظل طويلاً في هذه الأمة خير أداة لاختيار رأس الدولة)
стр. 10958
من أجل ذلك الخلق الأقوم كان حزن الإنكليز على مليكهم خالصاً من الرياء الرسمي، صادراً عن الشعور الصادق بالحب لرجل غلّب الأبوة على المُلك، واستغنى بالطيبة عن البراعة، وسد بكمال الخلق نقص القدرة
وكان الشاعر كبلنج مفتوناً بعظمة الإمبراطورية؛ صاغ من نسبها النضار شعره، وألف من لجبها المتناسق أغاريده؛ ثم شدا بالمجد الطوّاف على أثباج الماء، وهتف بالنصر الرفاف على وجوه الأرض، وجعل من شعره الجواب نشيداً قومياً تردده الآفاق البريطانية كما تردد نشيد الملك!
ولد كبلنج في بلاد قال فيها: (إنها أعجب بلاد خضعت للمخلوق وفتحت للخالق): ولد في الهند ببمباي كما يولد الهنود، ولكنه وعى فوجد نفسه سيداً، ووجد الهندي الذي ولد معه عبداً، يعيش على كده وهو ناعم بين وِسكبِه وحسانه، ويرقى على ظهره إذا همّ بركوب حصانه! الخلقة هي الخلقة، والبيئة هي البيئة، والطبقة هي الطبقة، ولكن كبلنج رأى بشرته ودمه من لون العلم الخفاق، ورأى بشرة الهندي ودمه من لون الأرض المستغلة، فأدرك علة الامتياز وسر التفوق: عرف أن البريطاني بحكم الجنس قد يدعى ذكياً وهو فدْم، وكيّساً وهو أخرق، وكافياً وهو عاجز، وسابقاً وهو متخلف، فاستهام بهذه القوة التي تشع مع الشمس في كل أفق، وتنتشر مع الحياة في كل قطر، وتنبسط على حواشي البر والبحر أمناً وحماية، فحبس على إعلان مفاخرها لسانه، ووقف على تسويغ عدوانها عقله؛ فموه حجج الاستعمار بالشعر، وألهب سعار العصبية بالحماسة، وشوه جمال الوطنية بالأثرة، وجعل الأدب وهو شعاع الروح دليلاً لبغي القومي ولؤمه، ومهد لأساطيل الطغيان، استبعاد الإنسان للإنسان، بحجة (أن الشرق شرق والغرب غرب فلا يلتقيان) إلا على شر، ولا يفترقان إلا على ثأر!
من أجل ذلك الإخلاص الملهم كان مرض كبلنج تحت الرعاية الملكية، وكانت جنازة كبلنج جنازة (شبه رسمية)!
إن في مثل سياسة الملك جورج لأماناً من طغيان الرءوس وثوران النفوس، وقيام الدعوات الباطلة، وشيوع المذاهب الجريئة، وانقلاب الحكم في الدولة، واضطراب السلم في الأمة، واغبرار العيش في أوجه العامة. إن في مثل أدب الشاعر كبلنج لروحاً مزهوة تعتلج
стр. 10959
بالشعور الوطني، وتختلج بالغرور القومي، وتدفع بالهمم الوانية إلى اللحاق، وتنزع بالنفوس الضارعة عن المذلة، وتكشف للقلوب المنخوبة عن معاني الرجولة!
إن في كل حادث ذكرى؛ وإن في كل حديث بلاغا!
احمد حسن الزيات
стр. 10960
٤ - المشكلة
تتمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
صاحب هذه المشكلة رجل أعور العقل. . . . يرى عقله من ناحية واحدة، فقد غاب عنه نصف الوجود في مشكلته؛ ولو أن عقله أبصر من الناحيتين لما رأى المشكلة خالصةً في إشكالها، ولوجد في ناحيتها الأخرى حظاً لنفسه قد أصابه، ومذهباً في السلامة لم يخطئه؛ وكان في هذه الناحية عذاب الجنون لو عذبه الله به، وكان يصبح أشقى الخلق لو رماه الله في الجهة التي أنقذه منها، فتهيأت له المشكلة على وجهها الثاني
ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن زوجتك هذه المسكينة المظلومة التي بنيت بها، كانت هي التي أُكرهت على الرضا بك، وحُملت على ذلك من أبيها، ثم كنت أنت لها عاشقاً، وبها صبّاً، وفيها متدلهاً؛ ثم كانت هي تحب رجلاً غيرك، وتصبو إليه، وتفتتن به، وقد احترقت عشقاً له؛ فإذا جلَوَها عليك رأتك البغيض المقيت، ورأتك الدميم الكريه، وفزعت منك فزعها من اللص والقاتل؛ وتمد لها يدك فتتحاماها تحاميها المجذوم أو الأبرص، وتكلمها فتُحَمّ برداً من ثقل كلامك، وتفتح لها ذراعيك فتحسبهما حبلين من مشنقتين، وتتحبب إليها فإذا أنت أسمج خلق الله عندها، إذ تحاول في نذالة أن تحل منها محل حبيبهاً وتقبل عليها بوجهك فتراه من تقذّرها إياك واشمئزازها منك وجه الذبابة مكبّراً بفظاعة وشناعة في قدر صورة وجه الرجل ليتجاوز حد القبح إلى حد الغثاثة، إلى حد انقلاب النفس من رؤيته، إلى حد القيء إذا دنا وجهك من وجهها. . . .؟!
ماذا أنت قائل يا صاحب المشكلة لو أن مشكلتك هذه جاءت من أن بينك وبين زوجتك الرجل الثاني لا المرأة الثانية؟ ألست الآن في رحمة من الله بك، وفي نعمة كفّت عنك مصيبة، وفي موقف بين الرحمة والنعمة يقتضيك أن ترقب في حكمك على هذه الزوجة المسكينة حكم الله عليك؟
تقول: الحب والخيال والفن، وتذهب في مذاهبها؛ غير أن (المشكلة) قد دلت على أنك بعيد من فهم هذه الحقائق، ولو أنت فهمتها لما كانت لك مشكلة ولا حسبت نفسك منحوس الحظ محروماً، ولا جهلت أن في داخل العين من كل ذي فن عيناً خاصة بالأحلام كيلا تعمى
стр. 10961
عينه عن الحقائق
الحب لفظ وهمي موضوع على أضداد مختلفة: على بركان وروضة، وعلى سماء وأرض، وعلى بكاء وضحك، وعلى هموم كثيرة كلها هموم، وعلى أفراح قليلة ليست كلها أفراحاً؛ وهو خداع من النفس يضع كل ذكائه في المحبوب، ويجعل كل بلاهته في المحب، فلا يكون المحبوب عند محبه إلا شخصاً خيالياً ذا صفة واحدة هي الكمال المطلق، فكأنه فوق البشرية في وجود تام الجمال ولا عيب فيه، والناس من بعده موجودون في العيوب والمحاسن
وذلك وهم لا تقوم عليه الحياة ولا تصلح به، فإنما تقوم الحياة على الروح العملية التي تضع في كل شيء معناه الصحيح الثابت. فالحب على هذا شيء غير الزواج، وبينهما مثل ما بين الاضطراب والنظام؛ ويجب أن يُفهم هذا الحب على النحو الذي يجعله حباً لا غير، فقد يكون أقوى حب بين اثنين إذا تحابا هو أسخف زواج بينهما إذا تزوجا
وذو الفن لا يفيد من هذا الحب فائدته الصحيحة إلا إذا جعله تحت عقله لا فوق عقله فيكون في حبه عاقلاً بجنون لطيف. . . . ويترك العاطفة تدخل في التفكير وتضع فيه جمالها وثورتها وقوتها؛ ومن ثم يرى مجاهدة اللذة في الحب هي أسمى لذاته الفكرية، ويعرف بها في نفسه ضرباً إلهياً من السكينة يوليه القدرة على أن يقهر الطبيعة الإنسانية ويصرّفها ويبدع منها عمله الفني العجيب
وهذا الضرب من السمو لا يبلغه إلا الفكر القوي الذي فاز على شهواته وكبحها وتحملها تغلي فيه غليان الماء في المرجل ليخرج منها ألطف ما فيها ويحولها حركة في الروح تنشأ منها حياة هذه المعاني الفنية؛ وما أشبه ذا الفن بالشجرة الحية، إن لم تضبط ما في داخلها أصح الضبط لم يكن في ظاهرها إلا أضعف عملها
ومثل هذا الفكر العاشق يحتاج إلى الزوجة حاجته إلى الحبيبة، وهو في قوته يجمع بين كرامة هذه وقدسية هذه لأن إحداهما توازن الأخرى، وتعدّلها في الطبع، وتخفف من طغيانها على الغريزة، وتمسك القلب أن يتبدد في جوه الخيالي
والرجل الكامل المفكر المتخيل إذا كان زوجاً وعشق، أو كان عاشقاً وتزوج بغير من يهواها استطاع أن يبتدع لنفسه فناً جميلاً من مسرات الفكر لا يجده العاشق ولا يناله
стр. 10962
المتزوج، وإنه ليرى زوجته من الحبيبة كالتمثال جمد على هيئه واحدة، غير أنه لا يُغفل أن هذا هو سر من أسرار الإبداع في التمثال إذ تلك هيئة استقرار الأسمى في سموه؛ فإن الزوجة أمومة على قاعدتها وحياة على قاعدتها؛ أما الحبيبة فلا قاعدة لها، وهي معان شاردة لا تستقر وزائلة لا تثبت، وفنها كله في أن تبقى حيث هي كما هي، فجمالها يحيا كل يوم حياة جديدة مادامت فناً محضاً ومادام سر أنوثتها في حجابه
ومتى تزوج الرجل بمن يحبها انهتك له حجاب أنوثتها فبطل أن يكون فيها سر، وعادت له غير من كانت، وعاد لها غير من كان؛ وهذا التحول في كل منهما هو زوال كل منهما من خيال صاحبه؛ فليس يصلح الحب أساساً للسعادة في الزواج، بل أحْرِ به إذا كان وجداً واحتراقاً أن يكون أساساً للشؤم فيه، إذ كان قد وضع بين الزوجين حداً يعين لهما درجة من درجة في الشغف والصبابة والخيال، وهما بعد الزواج متراجعان وراء هذا الحد ما من ذلك بد، فإن لم يكن الزوج في هذه الحالة رجلاً تام الرجولة - أفسدت الحياة عليه وعلى زوجته صبيانية روحه فالتمس في الزوجة ما لم يعد فيها، فإذا انكشف له فراغها ذهب يلتمسه في غيرها وكان بلاءً عليها وعلى نفسه وعلى أولاده قبل أن يولدوا، إذ يضع أمام هذه المرأة أسوأ الأمثلة لأبي أولادها ويفسد إحساسها فيفسد تكوينها النفسي؛ وما المرأة إلا حسها وشعورها
فالشأن في تمام الرجولة وقوتها وشهامتها وفحولتها إن كان الرجل عاشقاً أو لم يكنه. وما من رجل قوي الرجولة إلا وأساسه ديانته وكرامته؛ وما من دين أو كرامة يقع في مثل هذه المشكلة ثم تظلم به الزوجة أو يحيف عليها أو يفسد ما بينه وبينها من المداخلة وحسن العشرة، بَلهْ أن يراها كما يقول صاحب المشكلة (مصيبة) فيجافيها ويبالغ في إعانتها ويشفي غيظه بإذلالها واحتقارها
وأي ذي دين يأمن على دينه أن يهلك في بعض ذلك فضلاً عن كل ذلك؟ وأي ذي كرامة يرضى لكرامته أن تنقلب خسة ودناءةً ونذالةً في معاملة امرأة هو لا غيره ذنبها؟ إن أساس الدين والكرامة ألا يخرج إنسان عن قاعدة الفضيلة الاجتماعية في حل مشكلته إن تورط في مشكلة؛ فمن كان فقيراً لا يسرق بحجة أنه فقير، بل يكد ويعمل ويصبر على ما يعانيه من ذلك؛ ومن كان محباً لا يستنزل المرأة فيسقطها بحجة أنه عاشق؛ ومن كان كصاحب
стр. 10963
المشكلة لا يظلم امرأته فيمقتها بحجة أنه يعشق غيرها؛ وإنما الإنسان من أظهر في كل ذلك ونحو ذلك أثره الإنساني لا أثره الوحشي، واعتبر أموره الخاصة بقاعدة الجماعة لا بقاعدة الفرد. وإنما الدين في السمو على أهواء النفس؛ ولا يتسامى امرؤ على نفسه وأهواء نفسه إلا بإنزالها على حكم القاعدة العامة، فمن هناك يتسامى، ومن هناك يبدو علوّه فيما يبلغ إليه. . . . . .
وإذا حل اللص مشكلته على قاعدته هو فقد حلها، ولكنه حل يجعله هو بجملته مشكلة للناس جميعاً حتى ليرى الشرع في نظرته إلى إنسانية هذا اللص أنه غير حقيق باليد العاملة التي خلقت له فيأمر بقطعها.
وعلى هذه القاعدة فالجنس البشري كله ينزل منزلة الأب في مناصرته لزوجة صاحب المشكلة والاستظهار لها والدفاع عنها مادام قد وقع عليها الظلم من صاحبها، وهذا هو حكمها في الضمير الإنساني الأكبر وإن خالف ضمير زوجها العدو الثائر الذي قطعها من مصادر نفسه ومواردها. أما حكم الحبيبة في هذا الضمير الإنساني فهو أنها في هذا الموضع ليست حبيبة ولكنها شحّاذة رجال. . . . . . . . .
لسنا ننكر أن صاحب هذه المشكلة يتألم منها ويتلذع بها من الوقدة التي في قلبه؛ بيد أننا نعرف أن ألم العاقل غير ألم المجنون وحزن الحكيم غير حزن الطائش؛ والقلب الإنساني يكاد يكون آلة مخلوقة مع الإنسان لإصلاح دنياه أو إفسادها، فالحكيم من عرف كيف يتصرف بهذا القلب في آلامه وأوجاعه، فلا يصنع من ألمه ألماً جديداً يزيده فيه، ولا يُخرج من الشر شراً آخر يجعله أسوأ مما كان. وإذا لم يجد الحكيم ما يشتهي أو أصاب ما لا يشتهي استطاع أن يخلق من قلبه خلقاً معنوياً يوجده الغنى عن ذلك المحبوب المعدوم، أو يوجده الصبر عن هذا الموجود المكروه، فتتوازن الأحوال في نفسه وتعتدل المعاني على فكره وقلبه. وبهذا الخلق المعنوي يستطيع ذو الفن أن يجعل آلامه كلها بدائع فن وما هو فكر الحكماء إلا أن يكون مصنعاً ترسل إليه المعاني بصورة فيها الفوضى والنقص والألم، لتخرج منه في صورة فيها النظام والحكمة واللذة الروحية
يعشق الرجل العامي المتزوج، فإذا الساعة التي أوبقَته في المشكلة قد جاءته معها بطريقة حلها؛ فإما ضرَب امرأته بالطلاق، وإما أهلكها باتخاذ الضرة عليها، وإما عذبها بالخيانة
стр. 10964
والفجور، لأن بعض العبث من الطبيعة في نفس هذا الجاهل هو بعينه عبث الطبيعة بهذا الجاهل في غيره، كأن هذه الطبيعة تطلق مدافعها الضخمة على الإنسانية من هذه النفوس الفارغة. . .
وليس أسهل على الذكر من الحيوان أن يحل مشكلة الأنثى حلاً حيوانياً كحل هذا العاميّ، فهو ظافر بالأنثى أو مقتول دونها مادام مطلقاً مخليً بينه وبينها. والحقيقة هنا حقيقته هو والكون كله ليس إلا منفعة شهوانية؛ وأسمى فضائله ألا يعجز عن نيل هذه المنفعة
ثم يعشق الرجل الحكيم المتزوج فإذا لمشكلته وجه آخر، إذ كان من أصعب الصعب وجود رجل يحل هذه المشكلة برجولة، فإن فيها كرامة الزوجة وواجب الدين وفيها حق المروءة، وفيها مع ذلك عبث الطبيعة وخداعها وهزلها الذي هو أشد الجد بينها وبين الغريزة. وبهذا كله تنقلب المشكلة إلى معركة نفسية لا يحسمها إلا الظفر ولا يعين عليها إلا الصبر، ولا يفلح في سياستها إلا تحمل آلامها، فإذا رزق العاشق صبراً وقوةً على الاحتمال فقد هان الباقي؛ وتيسرت لذة الظفر الحاسم، وإن لم يكن هو الظفر بالحبيبة، فإن في نفس الإنسان مواقع مختلفة وآثاراً متباينة للذة الواحدة، وموقع أرفع من موقع، وأثر أبهج من أثر؛ وألذ من الظفر بالحبيبة نفسها عند الرجل الحكيم الظفر بمعانيها، وأكرم منها على نفسه كرامة نفسه. وإذا انتصر الدين والفضيلة والكرامة والعقل والفن، لم يبق لخيبة الحب كبير معنى ولا عظيم أثر، ويتوغل العاشق في حبه وقد لبسته حالة أخرى كما يكظم الرجل الحكيم على الغيظ، فذلك يحب ولا يطيش، وهذا يغتاظ ولا يغضب. والبطل الشديد البأس لا ينبغ إلا من الشدائد القوية، والداهية الأريب لا يخرج إلا من المشكلات المعقدة، والتقيّ الفاضل لا يعرف إلا بين الأهواء المستحكمة. ولعمري إذا لم يستطع الحكيم أن ينتصر على شهوة من شهوات نفسه أو يبطل حاجة من حاجاتها فماذا فيه من الحكمة وماذا فيه من النفس؟
وما عقّد (المشكلة) على صاحبها بين زوجته وحبيبته إلا أنه بخياله الفاسد قد أفسد القوة المصلحة فيه، فهو لم يتزوج امرأته كلها. . . وكأنه لا يراها أنثى كالنساء، ولا يبصر عندها إلا فروقاً بين امرأتين: محبوبة ومكروهة، وبهذا أفسد عينه كما أفسد خياله؛ فلو تعلم كيف يراها لرآها، ولو تعوّدها لأحبها
إنه من وهمه كالجواد الذي يشعر بالمقادة في عنقه؛ فشعوره بمعنى الحبل وإن كان معنى
стр. 10965
ضئيلاً عطل فيه كل معاني قوته، وإن كانت معاني كثيرة. وما أقدرك أيها الحب على وضع حبال الخيل والبغال والحمير في أعناق الناس.!.
وقد بقي أن نذكر توفية للفائدة أنه قد يقع في مثل هذه المشكلة من نقصت فحولته من الرجال فيدلس على نفسه بمثل هذا الحب ويبالغ فيه ويتجرّم على زوجته المسكينة التي ابتليت به، ويختلق لها العلل الواهية المكذوبة ويبغضها كأنه هو الذي ابتلي بها وكأن المصيبة من قبلها لا من قبله؛ وكل ذلك لأن غريزته تحولت إلى فكرة فلم تعد إلا صوراً خيالية لا تعرف إلا الكذب. وقد قرر علماء النفس أن من الرجال من يكره زوجته أشد الكره إذا شعر في نفسه بالمهانة والنقص من عجزه عنها، فهذا لا يكون رجلاً لامرأته إلا في العداوة والنقمة والكراهية وما كان من باب شفاء الغيظ، وامرأته معه كالمعاهدة السياسية من طرف واحد. . . لا قيمة ولا حرمة؛ وإذا أحب هذا كان حبه خيالياً شديداً لأنه من جهة يكون كالتعزية لنفسه، ومن جهة أخرى يكون غيظاً لزوجته ورداً بامرأة على امرأة. . . . .
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 10966
ريح التعصب الجنسي تهب على أوربا
بقلم باحث دبلوماسي كبير
مضى الآن أربعة أشهر على نشوب تلك الحرب البربرية التي تضرم إيطاليا نارها في الحبشة باسم الاستعمار والمدنية؛ والحبشة ترد هجمات المعتدين عليها بشجاعة وجلد يثيران إعجاب العالم وعطفه؛ والعدو المغير يتخبط في غمر فادحة من الصعاب والخيبة واليأس، ويرتد شيئاً فشيئاً عن الأرض التي احتلها في البداية دون مقاومة، وظن أن احتلالها مقدمة للظفر الشامل
وقد سنحت لإيطاليا المعتدية أكثر من فرصة للفوز بقسط معقول من أسلاب الفريسة، قبل أن تصطدم بأية مقاومة حقيقية، وقبل أن ينكشف ضعفها وعجزها عن تحقيق أطماعها الفادحة بالقوة القاهرة؛ ولكنها لم تحسن انتهاز الفرصة وذهبت بعيداً في غلوائها وتحديها، ولم تحسن تقدير المقاومة السلبية الدولية التي استطاعت السياسة البريطانية أن تنظمها ضدها على يد عصبة الأمم، والتي أملت تنظيمها على السياسة البريطانية بواعث حيوية خطيرة تتعلق بسلامة الإمبراطورية وتأييد سيادتها في البحر الأبيض المتوسط، وفي وادي النيل وشرق أفريقية؛ بيد أن إيطاليا استطاعت بسياستها العنيفة وما تحمل في ثنيتها من احتمال إضرام نار حرب أوربية، أن تحمل السياستين الفرنسية والبريطانية على وضع مشروع للصلح، يقضي في الواقع على الحبشة بالإعدام كأمة مستقلة، ويحقق لإيطاليا السيادة الفعلية على معظم أراضيها، ويتوج حملتها الاستعمارية بظفر شامل لم تستطع أن تنال منه شيئاً بالحرب؛ ولكن المقاومة الحبشية كانت قد بدأت عندئذ تحدث أثرها في وقف الزحف الإيطالي، وظهر عجز إيطاليا وضعفها جلياً، واستقبل العالم مشروع الصلح بالاستنكار والسخط، ورفضته الحبشة بتاتاً، فلم يلبث أن قضي عليه في مهده؛ وكانت فضيحة دولية حقيقية أصابت هيبة السياسة البريطانية، واضطرت أن تتراجع أمامها بسرعة وأن تعود إلى موقفها الأول
وقد عرضنا من قبل إلى ذلك التطور المدهش في سير الحرب الحبشية، وأشرنا إلى بعض العوامل التي يظن أنها كانت سبباً في تحول السياسة البريطانية؛ ومنها ما يقال من أن مسيو لافال رئيس الوزارة الفرنسية استطاع أن يقنع السير صمويل هور وزير الخارجية
стр. 10967
البريطانية المستقيل بأن تعريض الحملة الإيطالية للفشل، وتمكن الأحباش من إحراز نصر حاسم على البيض مما يعرض سيادة الدولة الأوربية في أفريقية للخطر، ويصدع من صرح أوربا الاستعماري كله، ويبعث في الشعوب السوداء أو الملونة رغبة الانتقاض والمقاومة، وذلك ليس من مصلحة بريطانيا التي تحكم مئات الملايين من الشعوب الملونة في أفريقية وأسيا
ومما يلاحظ أن هذه النغمة الجنسية تقوى وتشتد في أوربا يوماً عن يوم، وأن الدوائر والصحف الاستعمارية أخذت تضرب عليها بطريقة منظمة، وخصوصاً بعد الانتصارات المتوالية التي أحرزها الأحباش على الإيطاليين في الأسابيع الأخيرة، مما يدل على إنها قد أخذت تحدث أثرها في تكييف السياسة الاستعمارية الأوربية: بيد أنه مما يلاحظ أيضاً أن هذه النغمة التي بعثتها الحرب الحبشية من رقادها ليست سوى ناحية واحدة من نواحي الفورة الجنسية العامة التي اشتدت بوادرها في أوربا في الأعوام الأخيرة، والتي ظهرت بصورة جلية في كثير من المناسبات السياسية والدولية
وقد نرجع إلى الوراء قروناً إذا حاولنا أن ندرس كل التطورات التي مرت بها تلك النزعة الجنسية الأوربية؛ فتاريخ هذه النزعة هو تاريخ الصراع بين الشرق والغرب وبين الإسلام والنصرانية؛ ولكننا نكتفي بأن نعرض إلى أحدث طور من أطوارها، وهو الذي نرى اليوم آثاره ماثلة في سياسة أوربا العامة، وفي السياسة المحلية لبعض الدول الأوربية. وفي وسعنا أن نقول إن هذا الطور الحديث من هذا الصراع الجنسي يرجع إلى الحرب الروسية اليابانية في سنة ١٩٠٤، فقد كانت الفكرة الجنسية تجثم قوية وراء هذا الصراع بين دولة أوربية عظمى وبين دولة آسيوية استطاعت أن تنفض عنها غبار الماضي بسرعة وأن تتبوأ مكانتها بين الدول القوية؛ ومع إن أوربا كانت تسيء الظن بمقدرة روسيا القيصرية واستعدادها، فإنها لم تكن تتوقع أن تصاب الجيوش والأساطيل الروسية بمثل ما أصيبت به من الهزائم الساحقة، وأن تحرز اليابان ما أحرزت من نصر باهر
ولكن اليابان خرجت من تلك الحرب ظافرة قوية، وكان من نتائجها أن بسطت سيادتها على أقاليم شاسعة من الصين؛ وحدث لأول مرة في التاريخ أن انتصرت دولة آسيوية على دولة أوربية عظمى؛ ولهذا استقبلت أوربا انتصار اليابان في دهشة وروع، واستقبلته
стр. 10968
مقروناً بصيحة الخطر الأصفر؛ ولما سما شأن اليابان بعد الحرب الكبرى وضاعفت جهودها في سبيل التوسع الاستعماري في الصين، وكشفت عن نيتها في مقاومة النفوذ الأوربي في الشرق الأقصى، مستترة بشعار الجامعة الآسيوية، واستطاعت في الأعوام الأخيرة أن تبسط سيادتها تباعاً على منشوريا وأقاليم أخرى من الصين؛ زادت أوربا شعوراً بما تسميه الخطر الأسيوي، أو الخطر الأصفر إشارة إلى تفوق اليابان أو الجنس الأصفر؛ وما ينذر به من تحطيم النفوذ الأوربي في الشرق الأقصى، والحلول مكان الدولة الأوربية في استعمار الشعوب الآسيوية التي وقعت تحت سيادتها.
وهذه النعرة الجنسية تشتد اليوم في أوربا وتتخذ صوراً محلية إلى جانب صورتها العامة. ففي ألمانيا الهتلرية مثلاً تتخذ نظريات الجنس والسلالة أهمية خاصة، وترتب عليها مزاعم مدهشة، ويبدو أثرها جلياً في اضطهاد اليهود ومطاردتهم بأساليب عنيفة منظمة، وفي الدعوة القوية إلى بغض الأجناس السامية والشرقية واحتقارها واعتبارها أجناساً منحطة لا يليق أن تتبوأ مكانها مستقلة أو حرة، ووجوب إخضاعها واستغلالها بواسطة الشعوب الآرية الأوربية؛ ويزعم هتلر ودعاته أن الجنس الجرماني هو أشرف أجناس الخليقة، وأعظمها في الخواص والخلال، وينكرون على الشعوب السامية والشرقية بوجه عام أنها ساهمت أو تستطيع أن تساهم في إنشاء الحضارة؛ بل يذهبون في غلوهم إلى اعتبار أن اليابان أمة مقلدة لا يصح أن توضع في مصاف الشعوب العظيمة المبتكرة، إلى غير ذلك من المزاعم التي تنم عن تعصب جنسي عميق؛ ونرى مثل هذه الريح الجنسية تعصف بأمم ثانوية مثل بولونيا والمجر ورومانيا، وتتخذ صورتها في اضطهاد اليهود ومطاردتهم. أما الصورة العامة التي تتخذها النعرة الجنسية اليوم في أوربا، فتظهر جلياً في أمرين: الأول صيحة الخطر الأصفر، وذلك لمناسبة توغل اليابان في الصين وتوجس الدول الأوربية من مطامع اليابان وخوفها من انهيار سيادتها الاستعمارية في الشرق الأقصى، وقد أخذت تنهار فعلاً بتخلي روسيا عن مصالحها القديمة في منشوريا؛ والثاني في صيحة البيض والسود التي ذاعت لمناسبة الحرب الحبشية الإيطالية، وقصور إيطاليا في إدراك غايتها الاستعمارية بعد أن لبثت طويلاً تنظم قواها وبعد أن جردت على الحبشة نحو ثلث مليون جندي مجهزين بأحدث الأسلحة والمخترعات المهلكة؛ وهذه الصيحة تشتد اليوم في البيئات
стр. 10969
والدوائر الاستعمارية كلما اشتدت مقاومة الأحباش وزاد عجز إيطاليا وضوحاً، وبدا إزاء ما يحرزه الأحباش من انتصارات متوالية أن مغامرة إيطاليا الاستعمارية ستمنى بالفشل الذريع. وهذه النغمة هي التي يضرب عليها اليوم غلاة الاستعماريين الذين يشدون بأزر إيطاليا تحقيقاً لغايات السياسة القومية، مثل مسيو لافال رئيس الوزارة الفرنسية الذي يحاول أن يستبقي الصداقة الإيطالية بأي الأثمان ويخشى أن يؤدي انتصار الأحباش أعني السود على الإيطاليين إلى كارثة استعمارية تهز الأمم السوداء والملونة إلى الأعماق، وتعصف بنير الاستعمار الأوربي في أفريقية، ولفرنسا في أفريقية الشمالية والغربية والوسطى إمبراطورية استعمارية ضخمة؛ ومثل زعماء ألمانيا الهتلرية الذين يرون في سياسة إيطاليا الاستعمارية، وفي تحقيق غايات الاستعمار الإيطالي سنداً جديداً لمطامع ألمانيا الاستعمارية في استرداد بعض مستعمراتها القديمة تحقيقاً لنفس الغايات الاقتصادية التي يزعم موسوليني أنه يعمل لتحقيقها بالقضاء على حريات الحبشة واستقلالها
وهذه النعرة الجنسية حرية بأن تحدث أثرها في السياسة الإنكليزية؛ فإنكلترا كفرنسا تسيطر على إمبراطورية شاسعة من الشعوب الملونة ولاسيما في شرق أفريقية حيث تضطرم الحرب الحبشية، وسحق إيطاليا في الحبشة يحدث بلا ريب أثراً عميقاً في عقلية هذه الشعوب ويذكي فيها روح التمرد والمقاومة للنير الأجنبي؛ ولكن الظاهر أن إنكلترا مع تقديرها لهذا العامل ترى أن تضعه في المحل الثاني بالنسبة لعوامل جوهرية أخرى تضطرها أن تعمل في وجهة أخرى. ذلك أن إنكلترا ترى في العسكرية الفاشستية خطراً داهماً على سيادتها في البحر الأبيض، وترى في ظفر إيطاليا باجتياح الحبشة خطراً داهماً على أملاكها في شرق أفريقية وعلى سيادتها في وادي النيل؛ وترى على الجملة في استمرار هذه الفاشستية الطامحة المتجنية المشبعة بروح الاعتداء والتحدي، خطراً على سلامة إمبراطوريتها وسلامة مواصلاتها الإمبراطورية، وخطراً على السلم الأوربي بوجه عام؛ والمسألة الحبشية ثانوية في نظر السياسة الإنكليزية كما بينا أكثر من مرة، ولكنها تغدو في يد إنكلترا وسيلة ناجعة لمحاربة الفاشستية وتقويض دعامتها العسكرية والسياسة
على أن الذي نريد أن نلفت النظر إليه هو أن هذه النعرة الجنسية التي تهب ريحها اليوم على أوربا وتروجها الدوائر الاستعمارية، ليست جديدة ولا حادثة في أوربا، إنما هي نزعة
стр. 10970
أصيلة في هذه الشعوب الأوربية التي استطاعت بأساليب العنف والغدر والخديعة أن تفرض سيادتها على معظم الأمم الأفريقية والآسيوية، والتي تحرص كل الحرص على استغلال هذه الأمم واستصفاء ثرواتها لكي تزيد بها في قوتها وفي نعمائها ورخاء بنيها على حساب هذه الأمم المهيضة؛ وأوربا اليوم هي كما كانت بالأمس، وكما كانت منذ العصور الوسطى مهد التعصب الجنسي والديني؛ وليس من الضروري أن نعود إلى أيام الحروب الصليبية لكي نصور أوربا المتعصبة على حقيقتها، وإنما يكفي أن نذكر أن الاستعمار العسكري والسياسي الذي تفرضه أوربا على الشعوب الشرقية باسم المدنية والتهذيب والتفوق الجنسي والثقافي والاجتماعي، تؤيده في نفس الوقت حملات البعثات التبشيرية، وتمهد له بالعمل على تقويض العقائد الدينية الشرقية؛ فإذا كنا نسمع في أوربا اليوم صيحة الخطر الأصفر لمناسبة التقدم الياباني في الصين؛ وصيحة البيض والسود لمناسبة انهيار مشروع إيطاليا الاستعماري في الحبشة، فإنما ذلك يتفق تمام الاتفاق مع ماضي أوربا وتقاليدها في الاضطرام بنزعات التعصب الجنسي والديني وخصوصاً كلما خشيت على صرحها الاستعماري من الانهيار.
(* * *)
стр. 10971
في الحب أيضاً
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
كتبت إليّ سيدة أعرفها فاضلة لبيبة تسألني عن الحب كيف أقول فيه ما قلت؟ وعن المرأة كيف أبسط لساني فيها كل هذا البسط؟ وعن الحب الأفلاطوني ماذا ترى رأيي فيه؟ وختمت كتابها باتهام الرجال بقلة الوفاء، وبالغدر وكثرة التقلب
وقد استخلصت من كتابها أن مقالي الذي تفضلت بنشره (الرسالة) لم يصادف منها ارتياحاً ولم يلق قبولاً. ولست استغرب هذا، أو أنكر عليها امتعاضها، فإني أعرف أن كل رأي فيه من الهوى أثر؛ والمرء يميل بمزاجه إلى ما هو أحب إليه من الآراء وأكثر موافقة أو مجاراة لهذا المزاج؛ وما يزال الإنسان يوحي إلى نفسه حتى يصير الأمر عنده عقيدة راسخة لا تتزعزع ولا يسهل زحزحته عنها؛ ولو أن إنساناً استطاع أن يتبين مبلغ أثر الإيحاء الذاتي في آرائه لهاله ذلك، ولذهب إيمانه بالعقل وقدرته على النظر المجرد، ولأيقن أنه ما من رأي إلا وهو وليد عاطفة، فمولد عاطفة؛ والإنسان يعيش بالطبع أكثر مما يعيش بالعقل. واحسبني لا أخطئ جداً حين أقول إن عقل كل فردٍ يصب في قالب من طباعه، فليست هذه التي نفكر بها (عقولاً)، وإنما هي طباع وأمزجة اتخذت صوراً مزورة؛ وأصل الخطأ أنّا سميناها (عقولاً) فصار لها في وهمنا، على الأيام، استقلال لا وجود له
وليس الذي نشرته لي (الرسالة) رأياً في الحب، وإنما هو بيان لحالات يجر إليها، ومواقف يستدعيها، ولا أرى لي صبراً عليها؛ أما الحب فليس لغزاً، وما على من يريد فهمه على الوجه الصحيح إلا أن ينضو عنه كل ما خلع عليه الشعراء ولفوه فيه، حتى أخفوه وحجبوه؛ وليس هذا كل ما جنى الشعر، وما هو إلا بعض ما مسخ من حقائق الحياة. والشعراء كالكهان الأقدمين - دأبهم التهويل على الناس وإيهامهم أنهم وحدهم دون خلق الله أهل العلم والإحاطة والبصر والاتصال بالحقائق العليا والأسرار المحجوبة - لا، بل الشعر ضرب من الكهانة، ومظهر من مظاهرها - أي نوع من الدجل. ولا نكران أن الشاعر والكاهن يبدأن مخلصين صادقي السريرة - وكذلك كل غرير قبل أن يجرب - ولكن الأمر يتحول شيئاً فشيئاً إلى صناعة، فلا تصدق من يقول لك إن الشاعر يظل عمره - إلى آخره - طفلاً كبيراً، فإن هذا ليس إلا بعض دجل الشعراء - أو هو بعض ما يوحون إلى
стр. 10972
نفوسهم ويلحون به عليها ليكونوا أقدر على الدجل، والدجال يحتاج إلى اكتساب (مظهر) الإخلاص ليستطيع إقناع الناس. وقد رأيت في زمني دجالين كثيرين كان أبرز صفاتهم قدرتهم على مغالطة أنفسهم بالإيحاء إليها؛ والشعراء أبرعهم جميعاً لأنهم ألح على نفوسهم، وأكثر استلهاماً منها، وسبباً للتأثير فيها، ودؤوباً على مناجاتها
أعود إلى هذا الحب فأقول إنه ليس فيه سر، فهو ضرب من الجوع، أو هو إذا شئت نوع من التنبيه تلجأ إليه الطبيعة لتغرينا بما يكفل المحافظة على النوع كما تنبهنا بالجوع، فنبغي ما نحافظ به على ذواتنا. وعلى ذكر الجوع أقول إني أذكر أني أيام كنت أقول الشعر نظمت قصيدة نشرت في الجزء الأول من ديواني وفيها أن الحب أصاب مني (شبعه) فاستبشعها صديق لي أكبر رأيه وذوقه، وأنكر عليّ أن أذكر (الشبع) في معرض كلام على الحب، فوافقته على رأيه، ولكني تركت البيت على حاله، عجزاً عن تنقيحه، أو إهمالاً؛ ولولا أني أرفض شعري كله لقلت إني الآن أراني أحسنت
فالحب - كالجوع - اشتهاء، أي إيذان بأن الجسم يطلب أن تسد له حاجة، وليس الطعام هو الغاية من الأكل، بل ما يفيده من الصحة والقوة واستمرار الحياة؛ كذلك ليست المرأة هي الغاية من الحب، بل ما تعين عليه من بقاء النوع بالإنتاج؛ وكما أن المرء يغلط فيأكل ما لا خير فيه ولا صحة تستفاد منه ولا قوة، بل ما لعله يضر ويورث المرض، كذلك يغلط الإنسان فيحب ما لا يحقق الغاية التي ترمي إليها الطبيعة. والمرء يكون مترفاً في حبه كما يكون مترفاً في طعامه وملبسه وما إلى ذلك؛ ومن الناس من يأكل طعامه جرفاً، والمبطان الذي لا ينتهي منه، والمخلّط من صنوفه والمستقصي لها، والقَرون الذي يأكل لقمتين، والذي يكره معدته على الزيادة بعد الشبع، والذي يسرع في الأكل كراهة لطول الجلوس له، والذي يضع يده على ما أمامه لئلا يتناوله الغير، والذي يجيل اللقم ولا يمضغها، والذي يلوك، والذي يأكل نصف اللقمة ويرد نصفها، والزهيد القليل الأكل، والمريض، والضعيف الاشتهاء، والمتعجّف. وكذلك أرى الناس يكونون في حبهم، بل الإنسان الواحد يكون مرة هكذا، ومرة هكذا؛ والتوابل وما إليها لازمة للحب أحياناً لزومها للطعام؛ واللحم هو هو كيفما طبخته، ولكنه تارة يكون أشهى مشوياً، وتارة أخرى يكون ألذ وهو مسلوق، أو مقدد أو مشرح أو معلق في السفود، أو مخلوط بالرز أو البيض أو الخضر أو غير ذلك؛ وقل
стр. 10973
مثل ذلك في غير اللحم من الآكال فما أردنا إلا التمثيل؛ وكذلك المرأة، فمن كانت يعنيها أن يبقى حب الرجل لها أطول زمن ممكن، فلتكن على كل لون وعلى كل صورة تُشتهى
ولا أحتاج بعد هذا أن أقول: إني لا أومن لا بالحب الأفلاطوني ولا بالوفاء، ولست أعني أني استهجنهما أو أعيبهما، فليس الأمر أمر استهجان أو عيب، وإنما أعني أنهما لا يوجدان مع الصحة والسلامة؛ وإذا كان من الممكن أن يشبع الجائع بالنظر إلى الطعام في أطباقه على السفرة، وأن يحيا المرء بأن يأكل بعينه أو خياله، فإنه يكون من الممكن أيضاً إرضاء عاطفة الحب عند الرجل السليم المعافى بالنظر إلى المرأة والاستماع إلى حديثها والتمتع بابتسامتها ورشاقة وقفتها أو حسن جلستها. والذي يقنع من المرأة بذلك يكون أحوج إلى الطبيب المداوي منه إلى المرأة.
أما الوفاء فأكرم به وأنعم! ولكن أين في دنيانا من يصبر على طعام واحد وفي وسعه ألا يفعل؟ وأقول (من يسعه ألا يفعل) وأنا أعني ما أقول، فما يلتزم الوفاء إلا من يعجز - بسبب ما - عن خلافه. وأسأل القارئ وأعفيه من الجواب العلني: أي رجل لم ينقض عهداً بالوفاء بالفعل أو بالنية أو بالخاطر أو بالخيال - على حسب الأحوال؟ والمرأة كالرجل وشأنها كشأنه. وكذاب من يقول - وكذابة من تدعي - غير ذلك. ولست أدعو إلى شيء - وحاشا أن أفعل - ولكني أصف واقعاً، وأقر حقاً لا يكابر فيه إلا منافق يريد أن ينتحل فضلاً على حسابي وحساب الحقيقة. والذي يجعل الوفاء مستحيلاً في الواقع أن الحياة قائمة على التحول لا على الثبات، والمرء يتغير حتى ليمكن أن يقال أنه يخلق كل يوم خلقاً جديداً مولداً من الخلق السابق أو أنه يموت ويجيء غيره باسمه؛ وكل يوم يحياه هو يوم ماته، وبعث بعده كرة أخرى في صورة تخالف الأصل من بعض الوجوه. وقد شرحت هذا من قبل في مقالات شتى في (البلاغ) (والأهرام) ولا أذكر أين أيضاً، فلا أعيد هنا ما قلت. . . . . .
وليس هذا رأياً جديداً لي، فقد نظمت فيه شعراً كثيراً نشر بعضه، ولن ينشر البعض الآخر؛ وأذكر مما نشر هذه الأبيات:
أكلما عشت يوماً … أحسست أنيَ متُّهْ
(من قصيدة الملل من الحياة)
стр. 10974
إني أراني قد حلتُ وانتسخت … مع الصبي سورة من السور
وصرت غيري فليس يعرفني … - إذا رآني - صباي ذو الطرر
ولو بدا لي لبت أنكره … كأنني لم أكنه في عمري
كأننا اثنان ليس يجمعنا … في العيش إلا تشبث الذكر
مات الفتى المازني ثم أتى … من مازن غيرُه على الأثر
(من قصيدة كأس النسيان)
هذه كفي على خون العهود … لا على الرعى - فهذا لا يكون
إنها دنيا كِذاب وجحود … ولصدق النفس أولى - لو يهون
هذه كفيِ على وشك الملال … كل نار سوف يعلوها رماد
آهِ لو أستطيع تصديقَ الخيال! … أو يكون الجهل شيئاً يستفاد
يا عقيدي طامن الله حشاك! … لن تراني شاكياً وهْيَ حبالك
أين من طينتنا - أين - الفكاك؟ … أنت إنسان على فرط جمالك
(من قصيدة معاهدة غرامية)
وحسبي هذا القدر، وعسى أن يكون كافياً في جواب السؤال
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 10975
رفعة المرأة
للأستاذ محمد بك كرد علي
تحارب فرنسا فكرة إعطاء الحقوق السياسية للنساء ومساواتهن بالرجال؛ وقد جعلت ألمانيا وإيطاليا في جملة نظمها الجديدة أن تعود بالمرأة إلى سالف عهدها من التزام البيوت والقيام على تربية الأطفال ومنعهن ما أمكن من معاطاة أعمال الرجال؛ وتكتب في هذا الشأن كتب ورسائل، وتنشر صحف ومجلات. ومن الكتب التي ظهرت مؤخراً في فرنسا فأحدثت دوياً في الأوساط المعتدلة وأظهرت المرأة بمظهرها الحقيقي كتاب (رفعة المرأة) للدكتور روبرتوتش بدأه بكلام لثلاثة من مشاهير الكتاب أحدهم تيودور جوران قال: إن رفعة المرأة بلية صدرت إلينا من البلاد الأجنبية ولاسيما من أمريكا وجرمانيا وبلاد الشمال. وكان هذا النفوذ المتألف من كل غريب يكفي أن يكون منه نتاج قد لا يتلاءم كثيراً مع تركيبنا الفرنسي. وقال روبر كييو: من السهل الدلالة على أن دعوى رفع شأن المرأة كانت أبداً وليدة المذهب الاشتراكي، فأنّا نرانا نسقط فيها على أفكار اشتراكية بعينها، وعلى معان لهم وتعبيرات وعلى كلمات ما برح الاشتراكيون يرددونها مع سفسطات كانت ولا تزال مألوفة لهم؛ وما المرأة إلا أعدى عدو لرفعة شأنها، فهي موقنة بأنها تخسر من نفوذها الخاص أربعة أضعاف ما تربحه من نفوذها العام، ولا يتأتى مما ترمي إليه إدخال أدنى إصلاح على النظام الاجتماعي. وقال الثالث مارسل تينابر: إن حقوق النساء وتحريرهن الأدبي وطموحهن إلى الحياة السياسية، كل هذا حسن وجميل، ولكن يا سيدتي حررن أنفسكن أولاً من الخياط، فإن لم تكن لكن هذه الشجاعة فلا تتطاللن إلى أن تحصلن على ما بقى
قال المؤلف: إن مسألة إعطاء المرأة حقوقها ما زالت منذ ثلاثين سنة من الموضوعات الطريفة، ولو كان الأمر يقف على إعطاء المرأة جميع حقوقها ولاسيما السياسية التي لم تهيئها لها لا طبيعتها ولا عملها الخلقي لهان الأمر، ولكنهن يرمين من المطالبة بذلك إلى التفلت من كل قيودهن ولاسيما قيود البيت والأمومة. تريد إنقاص شأن الرجل وتطمح إلى الاستيلاء على كل عمل لم تخلق هي له. تريد الابتعاد عن المنزل وعدم المبالاة بأعماله والإقلال من الأولاد والقضاء على الأسرة وينتهي ذلكبانقراض العنصر والجنس. وبتأثير
стр. 10976
الاضطرابات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر في معظم البلاد الممدنة ولاسيما في فرنسا، راجت دعاية المفرطين ثم دعاية الرجال والنساء في هذه الحرب الحديثة، فكان من تلك الدعاية إخراج المرأة عن طورها وحملها على أن تتناسى أو تستنكر عملها، فصبغت المرأة بصبغة بشعة من محاكاة الرجل ليكون منها شريكة مبغضة له أحياناً، ومنافسة وخصيمة يخشى بأسها. ومن العدل ألا نغفل عن التصريح بأن أسباب حياة المرأة بعد الحرب الكبرى قد تبدلت تبدلاً خاصاً فيه كثير من القسوة، لأن أجور كثير من الرجال لم تعد كافية لإعاشة البيوت فاضطرت المرأة بكسل الرجل أن تدخل أحياناً لتعمل في البيوت التجارية والمعامل والمصانع لتكتسب ما تستلزمه حاجتها أو حاجة ذويها، مما لم تحتج إليه فيما سبق من الأيام، اللهم إلا إذا كان زوجها مصاباً بعلة طال أمرها، أو بعاهة في جسمه تمنعه العمل؛ وعلى ذلك كثر عدد العزبات المتجردات، والمعوزات والأيامى المطلقات، ممن لا معرفة لهن بصناعة؛ وكثيراً ما يكون لهن أولاد يضطررن لإعالتهن. وإذا لم ترغب فيهن النفوس أو كن بشعات ممسوخات يعشن خليلات للرجال أو يتدهورن في العهر السافل. ولطالما كان من الفتيات من جمعن شيئاً من المال، وانتظرن السنين خاطباً أو راغباً! ومن هذه الطبقة أيضاً عوانس خرجن عن طبائعهن، وحاولن أن يعشن عيشة جديدة، ويخرجن من افقهن الضيق فاستلزم ذلك اختلاطهن بكثيرات من بنات جنسهن وغير أبناء جنسهن، فتيسر لهن إيجاد علائق كان من أثرها زواجهن؛ وشق على كثيرات منهن لما أخفقن في الحصول على عروس لهن أن يبقين بلا حب، فاخترن خليلهن بحسب أذواقهن، وكل أولئك كان يحسن ويحب لو وقف الأمر عنده، ولكن هناك نساء سطا عليهن الكبر والحقد، فاحتقرن الرجل والزواج والولد، وهن قادرات على أن يكن طاهيات ووصيفات وساعورات ودلاكات ومنظفات أيد ومنظفات أرجل وحاسبات وخزانات وكاتبات ومدرسات وبائعات وسمسارات بل وقصصيات ومحاميات وطبيبات، ويتوهمن أنهن أسمى من الرجل أو على الأقل مساويات له، ويحاولن أن يقمن مقامه في معاناة سامي الأعمال مما لسن له خليقات
بهذه الصفحة وصف المؤلف ما تحاول المرأة بلوغه في بلاده، أو تنزعه من قيودها الطبيعية لتتلبس طبائع غير جنسها. وقد قال في وظيفة الحيض: ما برح دعاة تحرير
стр. 10977
المرأة منادين صاخبين أن المرأة مساوية للرجل، وما كان تشريح الجنسين ونفسيتهما وطبيعتهما متشابهة قط؛ وإذا كان الحال كما يدعون، فلماذا نرى البقرة غير الثور، والنعجة غير الخروف، واللبوة غير الأسد؟ ولماذا يتناسى دعاة هذا التحرير العمل العظيم الذي يؤثر في طبيعة المرأة وعقليتها وما كتب عليها من الحيض فيخرجها إلى طور غريب، وتفعل أيام الحيض في خلقها، وبعض الصحيحات منهن أو المريضات تعاودهن العادة مرتين في الشهر، فيدفق الدم منهن في الشهر الواحد مرتين، وينقطع مرتين، فيتأثر المجموع العصبي فيهن من هذه الموجات الدموية. وأسهب في شرح هذه الحال على ما يجوزه لسان الطب، ولا يجوز نقله لسان الأدب الحديث في صحيفة سيارة، مستشهداً بآراء أعاظم الحكماء والأطباء؛ ونقل عبارة أحدهم من أن المرأة لا تشعر بالحرارة ولا بالبرودة، والدليل أنها تتدثر بالفرو في الصيف؛ وإذا قيل إن ذلك من جملة الأزياء الحديثة، فأنّا نشهدها تتعرى في الشتاء إلى خاصرتيها، دون أن تحس بما يضرها؛ فالمرأة ما بردت قط، وإن أظهرت أنها صردة تتأثر من البرد، وأنها تضع الفرو عليها فذلك لأن هذه الحركة هي من الحركات الجميلة فيها. وعرض لغرامهن بالأزياء من كشف الأيدي والأرجل والسوق والصدور والظهور على ما تأباه قواعد الحشمة قال: ولو عقلن لسترنها، لأن في سترها مصلحة لهن على خلاف ما يعتقدن، وبذلك إغواء الشباب إلى ما يحمل ذلك من الموبقات المخجلة
إن إعطاء الحقوق السياسية لم ينتج منه الإصلاح المدهش في شمال أوربا وفي أمريكا وأوستراليا، حيث أخذن يتمتعن بحقوق الناخب والمنتخب؛ ففي الدانمرك لم يأت النساء بشيء أحسن مما كان للبلاد يوم كان نساؤها يسلمن للرجال الأعمال، ولم يُقض على الغول (أو الكحول) في بلاد السويد والنرويج وفنلندا وأوستراليا والولايات المتحدة؛ أما الفحش فكثير جداً في هاتيك الممالك، وهو مشوب برياء وتصنع
خرج المتعلمات في الجامعات الأمريكية من البيوت الفقيرة؛ وأظهر الفتيات في فرنسا وغيرها اجتهاداً في طلب العلم؛ وقد يتعلمن بدَعة وسرعة كل ما يتطلب إجهاد الذاكرة؛ وقد يبرزن في المسابقات، ولسن كذلك عندما يخرجن إلى الحياة، عندما يضطررن إلى القيام بمسألة تحتاج إلى تفكير وشخصية وحكم؛ وقل فيهن من ينجحن في المحاماة والطب، وقل
стр. 10978
أن يقبل أرباب المصالح على توكيلهن في القضايا أو استشارتهن في الأمراض؛ ومن تزوج منهن من رجال لهم مثل صنعتهن، كأن تتزوج الطبيبة بطبيب، والمحامية بمحام، لم يحمدن غبّ زواجهن، لأن التفاوت في قريحتي الزوجين يؤدي إلى أن تحسد الزوجة زوجها على توفيقه في عمله، فتبغضه وتشنأه؛ وثلث المتعلمات في أمريكا لا يظفرن بأزواج، وكلما أحرزن شهادات تخوف الرجل الإقدام على التأهل بهن، ولذلك يحببن الانطلاق بأفكارهن أن أسفن لما صارت إليه حالتهن؛ وثبت أن من تزوجن في فرنسا لم يقدمن على الزواج إلا بعد الثلاثين، وأحياناً في الأربعين، وكان معدل العقم من هذا الزواج تسعة وثلاثين في المائة لا تنسل فيه صاحبته ولا تلد
فتحت في الحرب معظم الأعمال في فرنسا أمام النساء، فأثبت لهن الاختبار أن من الأعمال ما هو من شأن الرجال كقادة الترام، وسوق السيارات، والمحاماة، والطب، فأخذ يرجع بعضهن عن تعاطي هاتين الصناعتين؛ وأثبت النساء الموظفات في الإدارات الحكومية والخصوصية أن امرأة عندما تجلس من وراء كوة أو نافذة للقيام بعملها، تصبح أشبه بالحيوانات المفترسة، وكانت خارج عملها من الساحرات الفاتنات بلطفها وظرفها. قالوا إن النساء إذا شاركن في السياسة يدمثن الأخلاق، ويبطلن الحروب، ويشرعن تشريعاً إنسانياً أكثر من تشريع الرجل، والواقع خلاف ذلك، لأن من الموظفات من إذا رضخ لهن بشيء من المال يبسمن ويغيرن معاملتهن، فما بالك بهن إذا قبضت الواحدة المئات؟ ومن تولين أعمالاً لا شأن لها كثيراً لم ينجحن النجاح المطلوب؛ ومن نجحن كن بتراكيبهن الجسمية أشبه بتراكيب الرجال، من حيث العضلات والقوى. وما نجح النساء في تولي الحكومات لو لم يكن لهن مؤازرون عظماء من الرجال يعملون كل شيء وينسبون ما عملوا للملكات، وإذا رجعنا إلى تراجم الملكات والأميرات نجد كثيرات منهن على جانب من التهتك والخلاعة، وما تعففن عن غمس أيديهن بالدماء - ويكون ذلك أحياناً لمآرب لهن - أو للتخلص من رجال تمتعن بهن، ثم أردن إطفاء ذكرهم. وإذا أردنا أن نذكر شهيرات النساء في الأدب لا نرى غير الرجال يعملون لهن من وراء ستار على الأكثر، وما تركت فيه المرأة وشأنها من الآثار الأدبية كان إلى التفاهة والفهاهة
وعدد المؤلف المساوئ التي تنتج للمجتمع من إعطاء النساء حق الانتخاب وما يتبع ذلك
стр. 10979
من شرور تنبعث من الناخبات، وفسوقهن وفجورهن كثير. وعقد فصلاً طويلاً في آراء عظماء الرجال منذ القديم في النساء ورفعة شأنهن، وفي الأبناء والشباب. قال بركليس: إن خير النساء من لا يتحدث الناس في أمرها. وقال موليير: إن النساء أتين العالم لعمل الحساء وإنسال الأولاد، وما عدا ذلك فإنهن يظهرن بمظهر مزعج خطر. وقالت مدام دي منتنون: ما عرفت النساء قط إلا نصف معرفة، والقليل الذي يكتب لهن معرفة يصبحن به متعجرفات هزّاءات مهذارات بعيدات عن الرصانة والرزانة. وقالت الآنسة دي سكودري: إن فتاة تنسى النظر إلى السماء لا تحسن شيئاً على الأرض. وقالت مدام دي دوفان: إن النساء يحرصن على الاضطرابات حتى إن معظمهن يؤثرن البؤس على الراحة. وقالت الآنسة دي لسيناس: متى تعلمت المرأة الإملاء يأخذها العُجب، فالواجب تعليم النساء لا تخريجهن عالمات. وقالت العقيلة دي بوز يولكس: مهما بلغ من خبث الرجل لا يقل في النساء من المقابح أكثر مما يتصورن بأنفسهن. وقالت مدام دي ستال: لما لم يكن في النساء تعمق في نظرهن ولا تسلسل في أفكارهن، كان النبوغ متعذراً عليهن وإذا كتب للنساء أن اتسعت أفكارهن فلا يتم لهن ذلك إلا بألم شديد. وقالت إن مجد المرأة حداد ظاهر على سعادتها
وقال برودون: إن المرأة التي تبتعد عن جنسها تسقط إلى مستوى أنثى مهذارة وقحة كسلانة قذرة خائفة قوادة مسممة، هي طاعون أسرتها والمجتمع. وقال لوكوفيه: إن المرأة الطبية يتقزز منها، والمرأة التي تتولى كتابة الصكوك يضحك منها، والمرأة المحامية يفزع منها. قال: كان أوجست كونت يعرف النساء كثيراً ويغرم بهن كثيراً، ويخالف في تحريرهن، ويعرف أنهن ماعدا القليل منهن جداً لم يخلقن للعمل ولا للحرية ولا لتحمل التبعات
(البقية في العدد القادم)
محمد كرد علي
стр. 10980
في مقبرة جنوى حيث تتجاور الحياة والموت
للأستاذ فتحي رضوان
الساعة العاشرة في الصباح. . . . . .
وجنوى تشملها شمس إيطاليا الهادئة، ونحن على أبواب مقبرة جنوى
يا عجبي! لم أسمع من قبل أن أجمل ما في مدينة مقبرتها، وأن السياح والراغبين في التفرج عن النفس، والجارين وراء لذائذ العقل والفكر، يهبطون جنوى، فلا يطلبون حدائقها، ولا يقصدون متاحفها، ولا يسألون عن حماماتها أو أسواقها، بل يستحثون الخطى وغايتهم (المقبرة)!!
فأي مقبرة هذه التي يهواها الناس؟ أليست مكاناً اضطجع فيه الناس بعد هذه الرحلة الطويلة التي يقطعونها في الدنيا، بحثاً عن المال، أو هياماً بالجمال، أو عدواً وراء جاه المنصب. . .؟ أما تضم الرفات بعد أن ذاب عنها اللحم الوردي؟ أما تجمع العظام بعد أن تشتتت وانتثرت وانحلت روابطها؟ أما تفوح منها رائحة الذكريات الحزينة: ذكريات الحبيب الذي ترك وراءه قلباً دامياً وعيناً دامعة، وذكريات الولد الذي خلف الأم الولهة، وذكريات الزوج الذي من ورائه أرملة ثكلى. . .؟
أتكون مقبرة جنوى شيئاً يمحو من صدور اليتامى والأيامى والبؤساء والحزانى أحزانهم ويهدئ آلامهم؟ إن تكن كذلك فهي أعجوبة أحْرِ بالناس أن يقصدوها لا ليفرجوا عن أنفسهم برؤيتها، بل ليحملوا إليها كل من فارقهم وكان عندهم عزيزاً، ليشعروا ببرد العزاء وحلاوة السلوان
دلفنا نحو المقبرة؛ ولست أعرف إحساسي وقت أن دنونا من بابها، فقد وقفت بنا السيارة أمام باب ضخم مفتوح على المصاريع، وإلى جانبه حارس؛ فلما اقتربت من الباب نظرت إلى الحارس، وقد حسبت أن طول اقترابه من قبور الموتى جعل له مظهراً خاصاً به، فإذا هو رجل عادي، يرى كل يوم النعوش الرخيصة تتبعها أسر فقيرة، والنعوش الغالية الثمينة، ووراءها الأغنياء الذين يتأنقون في الموت كما يتأنقون في الحياة، والموت يهزأ بهم، وإن كانت الحياة تدللهم!
لقد تعود حارس المقبرة أن يرى أحزان الناس وصور شقائهم، فبردت أعصابه، وتفهت
стр. 10981
مآسي الناس عنده، إذ رأى المتباكين الذين لا يحسون بألم، والمفجوعين الذين لا يجدون دمعة يلطفون بها نار صدورهم. . .
ولكن يا ترى ماذا يفعل الحارس إذا أصابه القدر في ابنه أو زوجته أو أمه أو حبيبته؟ أتبقى أعصابه في برودتها، ونفسه في شدتها، ودموعه في تحجرها؟ أم أنه سيفهم آلام الناس من جديد على ضوء النيران المشبوبة في صدره، الملتهبة في قلبه؟
تركنا حارس المقبرة، ورأينا في طريقنا عشرات من الحراس يلبسون على أكتافهم مآزر زرقاً من الصوف، تقيهم برد الشتاء، وتكسبهم وجاهة القواد والوجهاء، وهم يتبخترون في مشية عسكرية وخيلاء، وقد جملوا شواربهم ورفعوها، وحلقوا لحاهم وعطروها، فما عاد هيناً أن تعرف إذا كان هؤلاء حكاماً جاءوا يتنزهون، أم هم أشباح موتى ثقلت عليهم رقدة الموت، فخرجوا يتمشون ويتنفسون. . . إي وربي إنهم أشباح! فالواحد منهم على جلال مظهره، وجمال ملبسه، لا يعدو أن يكون تمثالاً؛ فالأيام تذوب وتدور، وهم في مماشي المقبرة واقفون، يرفعون رؤوسهم إلى السماء، ويخفضونها إلى الأرض، ويضعون خناصرهم وبناصرهم في خواصرهم، لا يشغلهم شاغل! حسبهم من الحياة أنهم وقفوا على أبواب الموت، تاركين وراءهم ضجات الناس وصيحاتهم. . . بل حسبهم من الحياة أنهم يحملون أقل أعبائها، ويرون أصدق حقائقها، فإذا جاءهم بعد ذلك الموت، وجدهم كالموتى، لا أوزار ولا أطماع، ولا ماض يحاسبون عليه؛ ثم وجدهم في المقبرة، يعرفون لحودها ويحفظون حدودها، ويدركون مكانهم اللائق بهم فيها
لقد قسوت على حراس المقبرة! وأحسب أن مظهرهم قد غرني وخدعني. . فكم تخفي الوجوه الهادئة نفوساً ثائرة! وكم يحترق الذين يحسبهم الناس كسالى ونائمين! ومن يدري؟ فلعل أحد هؤلاء الحراس شاب مغامر طاف بالأرض وجازف بالمال القليل الذي كان بين يديه، وبالحياة الغالية التي بين جنبيه، ثم قذف به القدر حارساً لمقبرة، وهو أبعد الناس عن الموت وفكرته، مشغولاً بالحياة ولذتها. . ولكنه يسير كما يسير بقية الحراس، مطرقاً متأملاً، شمخاً، متألهاً، وهو مستغرق في أفكار نفسه وبوده لو يواتيه القدر فينطلق من جديد. . .
لقد طالت وقفتي بحراس المقبرة. . .
стр. 10982
هذه هي المقبرة، وقد لاحت من بعيد شواهد القبور، فأفلتت مني ضحكة أعرفها من نفسي كلما جاشت فيها خواطر، واحتدمت ضحكة يحسبها الذين معي أنها استخفاف بالذي أرى أو انصراف عما أرى، وهي ضحكة النفس التي أسأمتها صور الحياة المتشابهة، وقد أفرحها أن ترى الحياة والموت متجاورين، فلا الموت جعل مظهر الحياة عابساً، ولا الحياة جعلت مظهر الموت تافهاً. . . ضحكة الذي رأى الحياة وقد حنت على الموتى، فجملت لهم مساكنهم وزينت لهم حدائقهم، بل ضحكة الذي سره أن يرى مظاهر الحب الإنساني وقد تجسدت تماثيل وشواهد. . بل وقد تضوعت زهوراً وعطوراً. . .
هذه هي مقبرة جنوى. فأي فرحة شملت نفسي! وما بالي أرى الدنيا من حولي ضاحكة؟ هل أستخف أمام الموت بالموت الذي جمع في هذا المكان مئات الألوف من الموتى: صبياناً لم يتجاوزوا العقد الأول من أعمارهم، وفتيات صبايا أرى صورهن على قبورهن فأرى وجوهاً تترقرق بماء الحياة وتفيض بفتنة الأنوثة. . . ورجالاً قصف القدر عمرهم وعلى أكتافهم عبء عمل ناضج؟. . .
الشمس في السماء شمس رحيمة لا تحرق البدن، ولا تلفح الوجه؛ تحف بها السحب، والمكان هادئ لا جلبة حتى ولا بكاء. . وأنا مستغرق في تأملاتي، وأخواني قد سبقوني وأصواتهم تصل إليّ من بعيد! لقد هدأت نفسي، وذابت في أعماقها الضحكة التي كنت أسمعها بإذني صوتاً، ويراها صحبي بشراً. . . ما بال الدموع قد ملأت عيني؟ ما بالي لا أرى شيئاً، ولا أسمع شيئاً. .؟
لقد أفقت على وقع أقدام من بعيد: أقدام تطرق الأرض طرقاً حاداً، ولكنه رفيق. . . عالياً، ولكنه موزون. . فما تحركت ولا تركت مكاني، بل بقيت مسترسلاً في هذه الخواطر التي لم أكن أعرف لونها ولا سرها، لأنها كانت تبدو لتختفي، وتتعارض وتتقابل، وتجتمع وتفترق، وتهدأ وتشتد. . خواطر أشبه بهواجس النائم الذي شغلت ذهنه قبل نومه ألف فكرة، فتحركت جميعاً حينما أغفى
لعلي لمت نفسي وأنا مطرق على قسوتها على الذين أحبوني وأخلصوا الحب، فشغلتني عنهم شواغل الحياة، فتألموا صامتين، وودعوني عند السفر باكين، بل صابرين. . . أو لعلي لمت نفسي إذ رسمت لنفسي طريقاً محفوفاً بالصعاب، فوهنت حيناً، وأغفيت حيناً،
стр. 10983
وجدفت وتشككت أحياناً. . ولعلي لمت نفسي لأني أحببت ألوان الجمال جميعاً، فما تغذيت بلون منها، ولا شبعت بها جميعاً. . .
لعلي لم ألم نفسي. . .
اقتربت الأقدام مني، فإذا بشبح أسود يمر سريعاً دون أن أراه. . ولكني أفيق فأتبين في الشبح فتاة تلبس الرداء الأسود الحزين وفي يدهاطاقة ورد، وعلى وجهها مسحة ألم، وهي في مشيتها لا تلقي بالاً لما حولها
هذه الفتاة ليست إلا قصة حزن من قصص الحزن التي سجلها الحفار تمثالاً، والتي سجلها الزمن أجساداً تسير في الدنيا بلا أرواح، مشغولة بالذين راحوا، ولا عودة لهم بعد الرواح. .
تبعتها، ولم أر بعد وجهها، وقد أحسست أن نصف حزنها قد خف ولطف، فقد قاسمتها الهم الذي تنوء من تحته، والألم الذي تشكو من وخزه، والحرمان الذي تبكي لطوله وعنفه. لقد بدت لي هذه الفتاة في ثوبها الأسود، ووشاحها المسدل، وإطراقتها الطويلة، الإنسانية التي تنبعث آلامها من آمالها، فقد تكون هذه الفتاة قد أقبلت لتضع على قبر حبيبها طاقة زهر، أو تنثر فوقه دموع عينيها، وقد كانت بالأمس تمني نفسها أن تكون له ويكون لها. . .
انطلقت الفتاة وكأنها تعدو؛ واخترقت الدهاليز، واجتازت الأبهاء؛ وبعدت عن صحبي، ولعلي بعدت عن نفسي، وخيل إليّ أن الفتاة لا تقصد قبراً، وأن القبور تساوت أمامها فكلها من الحجر الغالي، وكلها منقوش ومصور، وكلها أصم أبكم، بارد جامد لا يلين تحت يد، ولا يلتهب لوقع قبلات المحزونين المكروبين.
أتقودني هذه الفتاة إلى مجهول، أم أن دنيا الأحزان هكذا متسعة، والطريق إليها يطول ويطول. . .؟ ولكن الفتاة لم تلبث أن انحرفت إلى دهليز ضيق، ثم خطت خطوتين، وركعت أمام قبر من الرخام الأسود، ورسمت الصليب، وأغمضت عينيها. . . كان النور ضعيفاً، باهتاً، وكان المكان ساكناً ساكتاً، فابتعدت عنها خطوتين ووقفت أتأملها، ولكن الشمس لم تلبث أن خطت في السماء خطوتين، ثم سقط نورها من نافذة من الزجاج زرقاء، فرأيت هذه الفتاة تمثالاً افتنت فيه يد صانع الطبيعة، فاجتمع فيه ألف معنى، فلو سألتني أهذه الفتاة طفلة تتشبث بصدر أمها، ولم تتجاوز بعد الأعوام الأولى من عمرها، لقلت
стр. 10984
(نعم!). ثم لو عدت وسألتني: أهذه الفتاة صبية لاهية تائهة في الدنيا ساهية، لقلت (نعم!). ثم لو رجعت إلى السؤال فقلت: أهذه الفتاة شابة اكتملت أنوثتها، ونضجت فتنتها، لقلت (نعم!) ثم لو ألححت في السؤال فقلت: أهذه الفتاة امرأة أثارت الدنيا شهواتها، ولم تضعف الأيام نزواتها، لقلت (نعم!). ثم لو كان بعد ذلك في مكنتك أن تسأل فقلت: أهذه عجوز شيبت السنون رأسها، وهدت البأساء نفسها، لقلت (نعم!). لقد أطلت النظر إلى وجهها، فرأيت الرجاء والتوسل، والبكاء والتهدم، والاطمئنان والاستسلام، والثورة الجائحة، والشك في رحمة الرحمن. . .
لمست القبر وقبلته، واقتربت منه وعانقته، وأسلمت رأسها وقد انسدل وشاحها على ظهرها، وبدا لي أنها شرقى تطلب ماء لغصة في حلقها، ولكنها رنت إلى السماء بوجهها، فرأيت أنها تطلب من الله ماء العيون. . فلقد تحجرت عيناها فلا بكاء ولا دموع. . .!
انتصبت الفتاة واقفة، ثم رفعت من فوق القبر قنديلاً صغيراً كادت تخبو شمعته إذ أوشك زيته على النفاد، وملأت القنديل بزيت من زجاجة كانت معها فاشتعل القنديل وتوهج، ثم ذهبت إلى الناحية الأخرى من القبر وملأت القنديل الموجود هناك، ثم رفعت طاقة الزهر التي كانت معها فوضعتها على القبر وتمتمت ثم رسمت الصليب وانطلقت وقد زاد وجهها شحوباً، ووقفت حيث كنت متأملاً في نور هذا القنديل، مشفقاً على هذه الإنسانية التي لا تدري كيف تعبر عن حزنها ولا عن ألمها. . . ماذا يفعل هذا النور الخافت في هذا الدهليز الضيق؟ وما الذي يفيده الفقيد الراحل من الزهر المنثور على القبر ومن القنديل ومن تجديد الفتيل. . . إنه ذهب ولن يعود. . . ولكن الحياة لا تعترف بأنها فقدت من الموتى كل شئ، فهي تحدثهم بلغة الأنوار والأزهار، وهي تناجيهم بالتماثيل والتهاويل، وهي تسمعهم الأغاني والتراتيل. . . . أهي تفعل ذلك كله من أجل الموتى؟ أو من أجل نفسها؟ أهي تتشبث بالذين ذهبوا أم تتعلق بالدنيا التي تتجدد وتتطور وتزداد كل يوم جمالاً وافتناناً؟. . . وما أقوى الحياة في بدايتها وما أقواها في نهايتها!
لكن هذه الخواطر الغامضة لا تنتهي، لأن كل شيء في المقبرة يفجر في النفس ينابيع التأمل والاستذكار، فلابد لزائر المقبرة من شيء أو شخص ينتزعه من هواجس نفسه وخواطرها. وقد كان الذي انتزعني دليلاً من إدلاء المقبرة، تقدم إليّ وعلى عينيه مناظر
стр. 10985
لامعة، وسألني كم من الوقت أريد أن أقضي في المقبرة. قلت لأصرفه عني: (دقائق قليلة)؛ فقال حسناً. اتبعني. فتبعته وأنا أسائل نفسي ماذا يستطيع أن يقول هذا الدليل وقد تكلمت التماثيل والأحجار، ونطقت القبور والأنوار، وسالت الفجيعة من كل ركن من أركان المقبرة؟ ولكنه قادني إلى تمثال أنيق لراهب وانطلق يذكر صانع التمثال وشهرته، وتاريخه وبدائعه، فأحسست أن الجو الشعري الذي اشتملني قد تبدد أرجه وعطره، وشعرت أنني خرجت إلى دنيا التوافه. . . دنيا الأرقام والإحصاء، الدنيا التي لا ترى فيها إلا مكافحاً في سبيل الرزق، أو مدجلاً من أجل الشهرة، أو مغلوباً على أمره، يبغي البقاء ويخشى أن يدهمه الفناء. . .
قل أيها الدليل كل الذي في جعبتك فإنك لا تهوى الفن ولا تعشقه، وليست هذه التماثيل في حسابك إلا بقدر ما تدخل الجثة المسجاة في سرير في حساب (النادبة) التي تؤجج نيران الأسى في قلوب ذوي الفقيد وهي لا تحس ألماً، بل تنتظر لعويلها ثمناً. مرّ بي على تمثال الجندي الشاب الذي صرع في ميدان القتال فأقامت له أمه نصباً خلدت به ابنها، فأبرز المثال صورته، وقد أصابته الرصاصة في صدره، فوضع يده حيث اخترقته القذيفة ووقفت أمه من ورائه تحنو عليه. . .
مر بي أيها الدليل على تمثال الفتاة التي زفت إلى خطيبها، فماتت في شهر عسلها؛ وعلى تمثال الغواص الذي هبط إلى أعماق البحر ولم يخرج. . .
مر بي أيها الدليل في الدهاليز. . . وأشر بإصبعك إلى القطع البارعة التي أحرقت أعصاب أصحاب الفن قبل أن تبرز إلى الوجود. . . لخص أيها الدليل أجمل معاني الدنيا في عباراتك الباهتة وقل هنا (قبور الأغنياء)، وهنا قبور القرن الماضي، وهنا قبور المتوسطين من الناس. . . كأني جئت هنا لأضع الموتى في مراتبهم الاجتماعية، ولأسأل عن وظائفهم ومقادير ثرواتهم وما حصلوا من مجد، وما لاقوا من عنت. . . قف أيها الدليل أمام أجمل فتنة فنية؛ ثم لا تدعني أتأملها لأنك تحسب أنك قلت لي عنها كل شيء إذ تقول إنها تكلفت أموالاً كثيرة. . .
ولتدخل بي أيها الدليل إلى دهليز طويل، لأرى في جداريه أدراجاً فأحسب أنها أدراج مكتبة وقفها بعض ذوي الثراء على الراغبين في العلم الباحثين عن المعرفة حتى في
стр. 10986
المقبرة، ثم قل لي إن في كل درج جثماناً. . . وأن الأدراج امتلأت بالموتى ولم يبق إلا اثنان ينتظران ميتين. . .
إنها لمكتبة حافلة! ولكن من يستطيع فك مغاليقها وفض أختامها؟ واخرج بي أيها الدليل إلى مقبرة الفقراء والمساكين الذين لا يقيمون لموتاهم نصباً ولا تماثيل. ولا تقل لي عدد الموتى ولا أعمارهم. . . فإني هنا في حديقة جميلة غناء، بودي أن أقف فيها والشمس الهادئة تغمرني، والجبل الأشم يطالعني، والموتى الساكنون يغسلون بسذاجة قبورهم نفسي. . .
ولكن قل لي أيها الدليل ما بال هذا القبر يبدو عاطلاً من كل حلية.؟ (نعم يا سيدي لأنه قبر رجل غريب!)
أيتها الإنسانية المسكينة! تشبثي بالفروق، وتأنقي في الموت، وتأنقي في الحياة، وأقيمي لموتى الأغنياء قباباً، واحفري لموتى الفقراء لحوداً، ثم انظري آخر الأمر ماذا بقي لديك في يديك؟ الموتى جميعاً أصبحوا (معروضات) في متحف، يرتزق بالتحدث عنهم دليل جاهل، ويتسلى بالنظر إلى صورهم زائر عابر، ولا تبقى وراءهم إلا عبرة في عين، وحسرة في قلب، وعبرة لمن أراد أن يعتبر!
(جنوى)
فتحي رضوان المحامي
стр. 10987
قصة المكروب كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور احمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور والكلب المسعور
وأخذ بستور ورجاله الخلصاء يصوبون مجاهرهم على مواد يستخرجونها من أجسام موتى من الإنسان والحيوان. ماتت بأمراض مختلفة الأجناس بلغت العشرات عداً، وقضوا في هذا ما بين عام ١٨٧٨ وعام ١٨٨٠. كان بحثهم في هذه الفترة به شيء من التخليط، وتحسسهم فيها على غير هدى. ثم شاء القدر أو إرادة الله أن تضع تحت أنف بستور طريقة رائعة للتحصين من الأدواء، ذلك التحصين الذي حلم به طويلاً. ليس في استطاعتي أن أؤدي قصة ما جرى في ذلك بالضبط، لأن الذين كتبوا عن بستور اختلفت رواياتهم فيها، ولأن بستور نفسه لم يشر في كتاباته العلمية إلى الذي حدث، ولم يقل قط إن الذي جرى له في ذلك كان حظاً واتفاقاً. ومع هذا فأنا أقصها على أحسن ما أستطيع، وأسد خللها على قدر الإمكان
ففي عام ١٨٨٠ كان بستور يلهو بتلك المكروبة الصغيرة البالغة الصغر التي تصيب الدجاج فتميته بالداء المعروف بكوليرا الدجاج، وكان الدكتور بيروُنسيتو اكتشفها فوجدها ضئيلة بالغة في الضآلة فلا تُرى المكروسكوب منها غير نقطة صغيرة ترتعد تحت أقوى العدسات، وكان بستور أول باحث استطاع تربيتها نقية، وذلك في حساء صنعه لها من لحم الدجاج، وبعد أن راقب هذه النقطة الراقصة، وهي تتكاثر في هذا الحساء فتبلغ الملايين الكثيرة في الساعات القليلة، قام فأخذ من الحساء قُطيرة فأسقطها على فُتيتة خبز ألقمها دجاجة، فلم تمض ساعات حتى انتهت وقوقة هذا الطائر المنكود ورفض الطعام وانتفش ريشه واستدار فكان ككرة من العِهن. فلما أصبح الصباح جاءه بستور فألفاه يترنح على رجلين ضعيفتين، وعيناه في اغتماض من نوم غامض انقلب سريعاً إلى نوم أبديّ عميق
وقام رو وشمبرلاند على هذه المكروبات الصغيرة يربيانها ويرعيانها تربية الحاضن ورعايتها. فكانا يغمسان عوداً من البلاتين في حساء يعجّ بها، ثم يغمسانه بما حمل من البلل
стр. 10988
ويحركانه في حساء جديد خال من الأحياء، فلا يلبث أن يعجّ هذا بالخلائف الجديدة من ذلك المكروب. وقاما على هذا يوماً من بعد يوم، ويكثرون من القليل الذي على العود البليل العدد الهائل الكبير من هذه المكروبات، حتى ازدحمت مناضد المعمل بزريعات متروكة قديمة بلغت أعمار بعضها أسابيع كثيرة، وتفكر بستور فيها فقال: (غداً نُنحّي كل هذا الركام وننظف المناضد)
وهنا جاء الحظ يهمس في إذن بستور، فما كان من صاحبنا أن غيّر رأيه، فقال لرو: (نحن نعرف أن مكروب كوليرا الدجاج لا يزال حياً في هذه القبابة. . . نعم إنه قديم، فقد تركناه في مكانه بضعة أسابيع. . . ولكن برغم هذا أرى أن تحقن قطرات قليلة منه في بعض الدجاج. . .)
وأنفذ رو ما سأله بستور، وإذا بالدجاجات يجيئها المرض فيذهب عنها المرح والخفة والنشاط، وتهوّم كأنها تطلب النعاس. وأصبح الصباح فأتى بستور يطلبها في المعمل لتشريحها وفحصها مؤقتاً أنها لاشك ماتت كالعادة، فإذا بها تجري على عينه هنيئة سعيدة. قال بستور: (هذا عجيب إن المكروب من زريعاتنا كان قبل الآن يحقن في العشرين دجاجة فتموت العشرون كلها، أما هذه. . .!) على إنه لم يكن قدّر لبستور في هذا اليوم أن يكشف كشفه الخطير المنظور؛ ففي الغد قام هو وأسرته ورو وشمبرلاند لقضاء عطلة الصيف، وقبل سفره أودع الدجاجات التي برِئت ذمة حارس المعمل ونسي أمرها
وعاد بستور من سفره. وذات يوم طلب إلى خادم المعمل أن يحمل إليه بعض الدجاج الصحيح الجديد، وأن يجهزه للحقن، قال الخادم: (ولكن يا سيد بستور لم يبق من دجاجنا الجديد الذي لم يحقن غير زوج أو زوجين، أما البقية فأنت تذكر إنك حقنتها قبل سفرك بمكروب من زريعات قديمة فمرضت ولكنها لم تمت). فتسخط بستور على الخدم الذين يهملون فلا يحتفظون بوفرة من الدجاج لتكون دائماً كافية حاضرة، ثم قال: (إذن فأحضر ما عندك من دجاج جديد، وزوّدنا كذلك بزوج أو اثنين من الذي حقناه فأبى أن يموت. . .)
وأحضرت الدجاجات وهي تملأ الجو صياحاً، فضرب أحد الأعوان محقنه في عضلات صدورها بملايين المكروب في صدور تلك التي كانت حقنت من قبل، وكذلك في صدور الجديدات، ومضى النهار؛ وأصبح صباح الغد، فأقبل رو وشمبرلاند إلى المعمل، وبينما
стр. 10989
هما يدخلان سمعا صوت بستور خافتاً يأتي من تحت السلم من بيت الدجاج وهو يصيح بهما: (رو! شمبرلاند! انزلا إليّ وأسرعا!) وكان بستور يسبقهما دائماً إلى المعمل بساعة أو نحوها
ونزلا إليه فوجدا أمام الأقفاص يذرع الأرض بخطواته. فقال لهما: (انظرا! إن الدجاج الجديد الذي حقناه أمس مات. وكان يجب أن يموت. ثم انظرا إلى هذا الدجاج القديم الذي كنا حقناه من شهر مضى، فمرض ثم طاب، هذا الدجاج أخذ بالأمس نفس الحقنة القاتلة التي أخذها ذلك الدجاج الجديد، ولكنه لم يمت. . . لقد قاوم فعل الحقنة أتمّ مقاومة، إنه فرح مرح. . . إنه يأكل!)
فاختبل رو وشمبرلاند، وانبهم عليهما الأمر حيناً. فقال بستور: (ألا تدركان مغزى هذا؟ مغزاه أني وجدت كل ما أردت! لقد وجدت الآن كيف أعطي الداء قليلاً إلى الحيوان - قليلاً بحيث يمرضه ولا يميته فيشفى وشيكاً. . وكل الذي علينا أن نعمله هو أن ندع هذه المكروبات الحادة القاسية تشيخ في زجاجاتها. بدل أن نستخرج منها بالزرع أنسالاً كل يوم. . . إن المكروبات تَقدُم فتشيخ فتهدأ حدتها، وتضعف ثورتها، فإذا أنت حقنتها في الحيوان أعطته مرض الكوليرا، ولكن بعضاً قليلاً منه لا كله، فإذا طاب استطاع بعد ذلك أن يصمد لأخبث مكروب في العالم. . . فإنما تريان أن فرصتنا في هذا عظيمة؛ وأن هذا أخطر اكتشافاتي، هذا اللقاح الذي كشفت، وهو أكثر تأكدا من لقاح الجُدري وأكثر منه حظاً من العلم، فالجدري لم ير أحد له جرثومة. . . فهيا بنا نطبق هذا على داء الجمرة. . . وعلى كل الأدواء الخبيثة. . . ونخلّص حياة الإنسان والحيوان!)
- ٣ -
لقد كان الذي وجده بستور مصادفة واتفاقاً، فلم يكن من تدبير العقل الإنساني. ومع هذا فلو أن رجلاً دون بستور قدراً وقع على الذي وقع عليه لقضى السنين الطويلة يحاول تفسير هذه الظاهرة الخفية لنفسه دون أن يأتي أمراً مذكوراً، أما بستور فما كاد يقع اتفاقاً على حماية دجاجتين حقيرتين من جرثومة قتالة حتى رأى في هذا فرصة سانحة عظمى لحماية بني الإنسان من الموت، فابتدع عقله الوثاب طريقة جديدة يختل بها الطبيعة التي شاءت أن يستسلم بنو الناس كلما هبت عليهم تلك بالعداء أحياؤها الصغيرة
стр. 10990
كان بستور بلغ الثامنة والخمسين من عمره، فلم يبق فيه من الشباب بقية. ولكن هذا اللقاح الجديد الذي اكتشفه بغير قصد فنجا به الدجاج من الكوليرا، هذا اللقاح نفخ في جمرة حياته فاستعرت، فعاش من بعد ذلك ست سنوات هي أملأ سنواته بالحركة وأشدها احتداماً بالحياة، سنوات امتلأت بحجاج شنيع، وانخذال فظيع، ونصر غير منظور. في هذه السنوات الست صب بستور من الطاقة ما يصبه مائة رجل، وأحدث فيها من الحوادث ما يحدثه هذا العدد من الرجال متظاهرين
وقام بستور وصاحباه يؤكدون أمر هذا اللقاح، فتركوا مكروباً للكوليرا يقدُم في حسائه وزجاجته، فلما ضعفت شرته حقنوه في عشرات من الدجاج الصحيح، فمرضت سريعاً، واشتفت سريعاً؛ وبعد أيام قلائل حقنوها بذريعة خبيثة من المكروب نفسه تكفي لقتل العدد الوفير من الدجاج الصحيح الذي لم يحقن بعد، وأخذ ثلاثتهم يرقبون هذا الدجاج تياهين معجبين باحتماله تلك الملايين من المكروبات وصموده الغريب لها
هكذا أغرى بستور بذكائه مكروباً بمكروب. بدأ بتأنيسه، فلما تم له ذلك حشده وسلطه بأسلوبه الغريب على مكروب من جنسه
ولو أنه لم يكن عندئذ فعل ذلك في غير مكروب كوليرا الدجاج، فقد اندفع على عهده في غطرسته وتعجرفه على الأطباء، وفي حملته على آرائهم العتيقة، وهزئ برطانتهم اللاتينية، وسخر بوصفات جرّت بها أقلامهم على الورق سريعة كالبرق الخاطف، وانعقدت الجمعية الطبية فقام يخبر الأطباء في أدب جم أن لقاح الدجاج الذي كشفه يفوق كثيراً لقاح الجدري الخالد الذي كشفه يينار قال لهم: (فأنا الآن قد دللت على لم يكن يينار ليستطيع التدليل عليه، وذلك أن المكروب الذي يقتل الحيوان هو نفسه الذي يقيه من الموت!)
وضجر الأطباء ذوو الآراء القديمة والأزرّة الزرقاء ببستور أن نصّب نفسه إماماً ليينار العظيم. وقام الدكتور جول جيران يسخر من بستور أن أثار هذه الثائرة كلها من أجل تخبيص في دجاج - واستمرت الحرب في استعارها. وقام بستور في غضبة ثائرة، وأعلن على رؤوس الأشهاد رأيه في سخافة إحدى العمليات الجراحية التي يقوم بها جيران ويُعجب ويُغرم بها. فتلا ذلك منظر من أقبح المناظر وأفضحها يسوؤني أن أصفه وتضيق نفسي لاضطراري لذكره. نهض جيران من مقعده، وكان شيخاً في الثمانين من عمره،
стр. 10991
وأراد أن ينقض على بستور ذي الستين، وما كاد يفعل حتى صوب إليه لكمة، ولكن تدخل بينهما الأصحاب فمنعوا اشتباك هذين الشيخين اللذين حسبا أن الحقيقة تظهر باللكم والرفس وبكسر العظام وخمش الوجوه
وفي الغد أرسل جيران العتيق شاهديه إلى بستور يتحداه إلى المبارزة. ولكن يظهر أن بستور لم يشأ أن يخاطر بحياته وأن يموت على هذا النحو، فأعطى صديقَي جيران رسالة يحملانها إلى كاتب الأكاديمية، وقال فيها: (لم يبق لي الواجب من سبيل أسلكها إلا أن أعرب عن استعدادي إلى تغيير كل ما قلته فيما يرى المحررون أني خرجت به عن حدود النقد المباح والدفاع المعقول عن النفس). وبذلك هرب بستور من النزال فأثبت مرة أخرى أنه إنسان ولو فاته أن يكون ما نسميه في العادة رجلاً
(يتبع)
احمد زكي
стр. 10992
لفكتور هوجو
ترجمة السيد فؤاد نور الدين
وا حسرتاه! ما أكثر ما رأيت من غادات هصرتهن يد المنون!
هذه سنة القدر! الفريسة ينتظرها الهلاك،
والعشب تنتظره المناجل المشحوذة القاطعة،
والزهور توطأ تحت أقدام الراقصين الناعمين في الحفلات،
والماء ينفد من وديانه، والبرق لا يومض إلا قليلاً،
وأبريل الحسود يحرق بصقيعه أشجار التفاح المزهوة ذات الأزاهير الفواحة، التي تتساقط كأنها ثلج الربيع.
نعم، هذه سنة الحياة. يعقب الليل الشاحب النهار الضاحك. وتعقب اليقظة كل شئ، إما في النعيم وإما في الجحيم.
ويلتف المدعوون الجشعون حول المائدة الكبيرة،
إلا أن كثيراً منهم يهجرونها قبل نهاية الطعام
- ٢ -
ما أكثر ما رأيت من غادات يمُتن! إحداهن وردية اللون بيضاء البشرة؛ وأخرى كأنها لم تنصت إلا للألحان السماوية؛ وأخرى ناحلة قد أسندت جبينها المحنّى على ذراعها؛ ثم فارقتها الروح كما يفارق العصفور غصن الدّوح وفنن الروض
إحداهن شاحبة ضالة، استولى عليها الهذيان فما تنطق إلا اسماً لا يدّ كره أحد، وثانية تفنى كما يفنى النشيد على الأوتار، وثالثة كانت تحتفظ بابتسامة الملاك الجميل الرحيم، لما لفظت نفسها الأخير
فما أشبههن جميعاً بالزهور المرتجفة التي أعجلها القدر إلى الموت!
وبالطيور الحائمة التي غمرتها الأمواه مع أعشاشها الطافية!
وبالحمائم الوديعة اللطيفة التي وهبها الله العالم!
стр. 10993
فوا لهف نفسي عليهن! طواهن الثرى في غياهبه، وما قضيْن بعد من العمر لبانة!
دعوني أتيه في ظلمات الغاب الدامسة، وأطأ بأقدامي أوراق الشجر اليابسة، فأنا لا أصدق أن جميع هؤلاء الفتيات الساحرات قد متن، وذوت نضرتهن وخمدت أصواتهن؛ ولا أكاد أصدق أن هذه المشاعل البراقة قد خبت أنوارها، وتلك الورود الزاهية قد هصرت أعوادها
ما نفسي إلا أخت لهذه الطيوف الجميلة، أما الحياة والموت فلا يفصلهما فاصل ولا قانون
فأنا طوراً أساعد خطواتهن وطوراً آخذ أجنحتهن فأموت مثلهن أو يعشن مثلي في رؤى عجيبة لا توصف
وتلبس أفكاري أشكالهن وصورهن ويخاطبنني قائلات: تعال!
ثم يتراقصن متشابكات مترابطات حول رموسهن ويتوارين عن عياني بهوادة، لا يخلفن لي غير الحلم والذكرى
- ٣ -
إنما أذكر منهن واحدة أسبانية: ملاك غض الصبى؛ أبيض اليدين. قد رفعت النهدين وعقدتهما زفرات بريئة. العين حوراء تلمع فيها نظرات فتنة وسحر
والجمال مجهول أمره، هذا الجمال الذي يتوج بهالة من النور والضياء جبين من بلغت الخامس عشر ربيعاً.
لم يقض الحب عليها، فالحب لم تخطر بعد لذائذه ومعاركه في فؤادها العاصي بالرغم من هتاف الناس عند مرورها: ما أجملها! كانت تهوى الرقص وهذا الرقص قضى عليها
فرفاتها لا يزال يرتعش رعشة الهدوء والسكون كلما رقصت حول كوكب السماء في الليلة المصحية غيمة بيضاء
كانت تعشق الرقص أشد العشق، وكانت تظل قبل كل حفلة ثلاثة أيام ولياليها تفكر فيه وترى من أجله أحلاماً زاهية، وترى نسوة وعازفين وراقصين كلهم يحفون بها
وترى الحلي اللامعة، والعقود الساطعة، وهذه النسائج الرقيقة الناعمة، وتلك النفائس البراقة المتلألئة، وهذه الشرائط الخفيفة التي تشبه أجنحة النحل اللطيفة: كلها وزهور وورود كانت تملأ في الحلم عينيها وتسحر نفسها
فإذا كانت الحفلة، ألفيتها لاهية ضاحكة مع رفيقاتها، تقبل حيناً وتدبر حيناً في المخامل
стр. 10994
الحريرية
والمروحة بين أصابعها تضغط عليها والألحان المرحة تنتشر من حنجرتها
فتوافقت الموسيقى الصادحة ونغمات البيانة السابحة
لله ما أبهج النفس التي تتمتع برؤية هذه الكاعب ترقص وتزهو!
ثوبها يهتز بنجومه المتلألئة اللازوردية، وعيناها السوداوان النجلاوان تلمعان تحت خمارها الحريري الرقيق لمعان نجمتين تضيئان على جبين الليل من خلف سحابة مظلمة
كل ما كان يكمن فيها كان رقصاً ضحوكاً ومرحاً متوثباً.
ما أشبهها بالطفل! - كنا نبتهج بالنظر إليها في دعتنا الكئيبة؛ لأن القلب لا يجد متعة في الرقص فحسب، فالرماد يعلو حول الألبسة الحريرية
والسأم يظهر وسط اللذائذ السماوية
أما هي فكان الرقص يهيجها ويثيرها، وكانت تحلق - وهي نشوى بنفحات القيثارة الفخور - في فضاء من الحبور، وفي جو من السرور
وكانت الزهور الجميلة، ومصابيح الذهب المتوهجة، وجلبة الأصوات المرتفعة، وضجيج الخطوات المنتقلة، تستهويها وتلذها
ما أسعدها وهي تثب وسط الجمع، كأن مشاعرها تضاعفت وازدادت ونمت!
فلا تدري حينذاك أتتدحرج خلال السحب، أم تصطاد خلال الغاب، أم تطأ بأقدامها أمواج البحار؟
وا حسرتاه! إذا ما قرب انبثاق الفجر وجبت العودة إلى القصر
وهنا تضطر الراقصة الساذجة إلى الوقوف على عتبة الباب منتظرة المعطف
وهنا تحس وهي ترتجف أن نسيم الصباح الندي يلامس كتفها العاري الفضيّ
فيعقب الغد الحزين واليوم الكئيب ليلة الرقص الهائجة!
وداعاً أيتها الرقصات الصبيانية، وداعاً أيتها الزينة؛
أيتها الحفلات الجميلة، أيتها الأغاني العذبة، واللذائذ الحلوة، والعيون المشرقة!
فلقد خلفتكنّ جميعاً عيون منطفئة، وأدواء معضلة
- ٤ -
стр. 10995
ماتت فتاتنا - وما جاوزت ربيع الخامسة عشرة من عمرها!
ماتت في وفرة شبابها، وروعة جمالها، بين نظرات تعبدها، وعيون تقدسها
ماتت على أثر خروجها من حفلة راقصة، فتفتت أكبادنا حسرة عليها؛ ولبسنا لباس الحداد من أجلها
ماتت وا أسفاه! بين ذراعي أم ضاع صوابها وغاب رشادها،
لم يرحمها الموت فانتزعها انتزاعاً بيديه الباردتين لكي يضعها في القبر، وهي ما تزال في أهبة لحضور حفلات تالية
لله ما أسرع الموت في اختطاف تماثيل الجمال!
أما تلك الزهور التي كانت تزين بالأمس رأسها، وتتفتح أكمامها على صدرها، فلقد ذبلت في الرمس، قبل أن تنشد فتاتنا نشيد الهوى والعرس
- ٥ -
وا رحمة لأمها التاعسة! إنها تجهل حظها العاثر
تلك الأم التي أضمرت لابنتها من الحب والحنان شيئاً عظيماً؛
ألم ترع طفولتها الشاكية الحزينة؟
ألم تقض لياليها ساهرة تهدهد لها المهد لتغفو وتنام؟
رحماك رب! لم يفدها ذلك.
فالفتاة ماتت، وهي ترقد الآن في تابوتها القاتم شاحبة اللون، كاسفة الوجه، فريسة للحشرات والديدان
فإذا ما أيقظتها في ليلة جميلة من ليالي الشتاء حفلة خاصة بالموتى، تقدم إليها - ليتولى أمر زينتها - شبح رهيب ذو ضحكة مروعة
فيقول لها: هلمي حان وقت الرقص!
ويطبع على شفتها البنفسجية قبلة باردة جليدية، ويمر أصابعه العقداء، أصابع هيكل عظمي، على خصلات شعرها الطويلة المتموجة، ثم يسوقها مرتجفة مهتزة، إلى الرقص النادب المشؤوم، إلى تلك الموسيقى الجوية المتصاعدة في الظلام، حيث يكون القمر في
следующие страницы →