Полный текст (65 431 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.
стр. 10991
وأراد أن ينقض على بستور ذي الستين، وما كاد يفعل حتى صوب إليه لكمة، ولكن تدخل بينهما الأصحاب فمنعوا اشتباك هذين الشيخين اللذين حسبا أن الحقيقة تظهر باللكم والرفس وبكسر العظام وخمش الوجوه
وفي الغد أرسل جيران العتيق شاهديه إلى بستور يتحداه إلى المبارزة. ولكن يظهر أن بستور لم يشأ أن يخاطر بحياته وأن يموت على هذا النحو، فأعطى صديقَي جيران رسالة يحملانها إلى كاتب الأكاديمية، وقال فيها: (لم يبق لي الواجب من سبيل أسلكها إلا أن أعرب عن استعدادي إلى تغيير كل ما قلته فيما يرى المحررون أني خرجت به عن حدود النقد المباح والدفاع المعقول عن النفس). وبذلك هرب بستور من النزال فأثبت مرة أخرى أنه إنسان ولو فاته أن يكون ما نسميه في العادة رجلاً
(يتبع)
احمد زكي
стр. 10992
لفكتور هوجو
ترجمة السيد فؤاد نور الدين
وا حسرتاه! ما أكثر ما رأيت من غادات هصرتهن يد المنون!
هذه سنة القدر! الفريسة ينتظرها الهلاك،
والعشب تنتظره المناجل المشحوذة القاطعة،
والزهور توطأ تحت أقدام الراقصين الناعمين في الحفلات،
والماء ينفد من وديانه، والبرق لا يومض إلا قليلاً،
وأبريل الحسود يحرق بصقيعه أشجار التفاح المزهوة ذات الأزاهير الفواحة، التي تتساقط كأنها ثلج الربيع.
نعم، هذه سنة الحياة. يعقب الليل الشاحب النهار الضاحك. وتعقب اليقظة كل شئ، إما في النعيم وإما في الجحيم.
ويلتف المدعوون الجشعون حول المائدة الكبيرة،
إلا أن كثيراً منهم يهجرونها قبل نهاية الطعام
- ٢ -
ما أكثر ما رأيت من غادات يمُتن! إحداهن وردية اللون بيضاء البشرة؛ وأخرى كأنها لم تنصت إلا للألحان السماوية؛ وأخرى ناحلة قد أسندت جبينها المحنّى على ذراعها؛ ثم فارقتها الروح كما يفارق العصفور غصن الدّوح وفنن الروض
إحداهن شاحبة ضالة، استولى عليها الهذيان فما تنطق إلا اسماً لا يدّ كره أحد، وثانية تفنى كما يفنى النشيد على الأوتار، وثالثة كانت تحتفظ بابتسامة الملاك الجميل الرحيم، لما لفظت نفسها الأخير
فما أشبههن جميعاً بالزهور المرتجفة التي أعجلها القدر إلى الموت!
وبالطيور الحائمة التي غمرتها الأمواه مع أعشاشها الطافية!
وبالحمائم الوديعة اللطيفة التي وهبها الله العالم!
стр. 10993
فوا لهف نفسي عليهن! طواهن الثرى في غياهبه، وما قضيْن بعد من العمر لبانة!
دعوني أتيه في ظلمات الغاب الدامسة، وأطأ بأقدامي أوراق الشجر اليابسة، فأنا لا أصدق أن جميع هؤلاء الفتيات الساحرات قد متن، وذوت نضرتهن وخمدت أصواتهن؛ ولا أكاد أصدق أن هذه المشاعل البراقة قد خبت أنوارها، وتلك الورود الزاهية قد هصرت أعوادها
ما نفسي إلا أخت لهذه الطيوف الجميلة، أما الحياة والموت فلا يفصلهما فاصل ولا قانون
فأنا طوراً أساعد خطواتهن وطوراً آخذ أجنحتهن فأموت مثلهن أو يعشن مثلي في رؤى عجيبة لا توصف
وتلبس أفكاري أشكالهن وصورهن ويخاطبنني قائلات: تعال!
ثم يتراقصن متشابكات مترابطات حول رموسهن ويتوارين عن عياني بهوادة، لا يخلفن لي غير الحلم والذكرى
- ٣ -
إنما أذكر منهن واحدة أسبانية: ملاك غض الصبى؛ أبيض اليدين. قد رفعت النهدين وعقدتهما زفرات بريئة. العين حوراء تلمع فيها نظرات فتنة وسحر
والجمال مجهول أمره، هذا الجمال الذي يتوج بهالة من النور والضياء جبين من بلغت الخامس عشر ربيعاً.
لم يقض الحب عليها، فالحب لم تخطر بعد لذائذه ومعاركه في فؤادها العاصي بالرغم من هتاف الناس عند مرورها: ما أجملها! كانت تهوى الرقص وهذا الرقص قضى عليها
فرفاتها لا يزال يرتعش رعشة الهدوء والسكون كلما رقصت حول كوكب السماء في الليلة المصحية غيمة بيضاء
كانت تعشق الرقص أشد العشق، وكانت تظل قبل كل حفلة ثلاثة أيام ولياليها تفكر فيه وترى من أجله أحلاماً زاهية، وترى نسوة وعازفين وراقصين كلهم يحفون بها
وترى الحلي اللامعة، والعقود الساطعة، وهذه النسائج الرقيقة الناعمة، وتلك النفائس البراقة المتلألئة، وهذه الشرائط الخفيفة التي تشبه أجنحة النحل اللطيفة: كلها وزهور وورود كانت تملأ في الحلم عينيها وتسحر نفسها
فإذا كانت الحفلة، ألفيتها لاهية ضاحكة مع رفيقاتها، تقبل حيناً وتدبر حيناً في المخامل
стр. 10994
الحريرية
والمروحة بين أصابعها تضغط عليها والألحان المرحة تنتشر من حنجرتها
فتوافقت الموسيقى الصادحة ونغمات البيانة السابحة
لله ما أبهج النفس التي تتمتع برؤية هذه الكاعب ترقص وتزهو!
ثوبها يهتز بنجومه المتلألئة اللازوردية، وعيناها السوداوان النجلاوان تلمعان تحت خمارها الحريري الرقيق لمعان نجمتين تضيئان على جبين الليل من خلف سحابة مظلمة
كل ما كان يكمن فيها كان رقصاً ضحوكاً ومرحاً متوثباً.
ما أشبهها بالطفل! - كنا نبتهج بالنظر إليها في دعتنا الكئيبة؛ لأن القلب لا يجد متعة في الرقص فحسب، فالرماد يعلو حول الألبسة الحريرية
والسأم يظهر وسط اللذائذ السماوية
أما هي فكان الرقص يهيجها ويثيرها، وكانت تحلق - وهي نشوى بنفحات القيثارة الفخور - في فضاء من الحبور، وفي جو من السرور
وكانت الزهور الجميلة، ومصابيح الذهب المتوهجة، وجلبة الأصوات المرتفعة، وضجيج الخطوات المنتقلة، تستهويها وتلذها
ما أسعدها وهي تثب وسط الجمع، كأن مشاعرها تضاعفت وازدادت ونمت!
فلا تدري حينذاك أتتدحرج خلال السحب، أم تصطاد خلال الغاب، أم تطأ بأقدامها أمواج البحار؟
وا حسرتاه! إذا ما قرب انبثاق الفجر وجبت العودة إلى القصر
وهنا تضطر الراقصة الساذجة إلى الوقوف على عتبة الباب منتظرة المعطف
وهنا تحس وهي ترتجف أن نسيم الصباح الندي يلامس كتفها العاري الفضيّ
فيعقب الغد الحزين واليوم الكئيب ليلة الرقص الهائجة!
وداعاً أيتها الرقصات الصبيانية، وداعاً أيتها الزينة؛
أيتها الحفلات الجميلة، أيتها الأغاني العذبة، واللذائذ الحلوة، والعيون المشرقة!
فلقد خلفتكنّ جميعاً عيون منطفئة، وأدواء معضلة
- ٤ -
стр. 10995
ماتت فتاتنا - وما جاوزت ربيع الخامسة عشرة من عمرها!
ماتت في وفرة شبابها، وروعة جمالها، بين نظرات تعبدها، وعيون تقدسها
ماتت على أثر خروجها من حفلة راقصة، فتفتت أكبادنا حسرة عليها؛ ولبسنا لباس الحداد من أجلها
ماتت وا أسفاه! بين ذراعي أم ضاع صوابها وغاب رشادها،
لم يرحمها الموت فانتزعها انتزاعاً بيديه الباردتين لكي يضعها في القبر، وهي ما تزال في أهبة لحضور حفلات تالية
لله ما أسرع الموت في اختطاف تماثيل الجمال!
أما تلك الزهور التي كانت تزين بالأمس رأسها، وتتفتح أكمامها على صدرها، فلقد ذبلت في الرمس، قبل أن تنشد فتاتنا نشيد الهوى والعرس
- ٥ -
وا رحمة لأمها التاعسة! إنها تجهل حظها العاثر
تلك الأم التي أضمرت لابنتها من الحب والحنان شيئاً عظيماً؛
ألم ترع طفولتها الشاكية الحزينة؟
ألم تقض لياليها ساهرة تهدهد لها المهد لتغفو وتنام؟
رحماك رب! لم يفدها ذلك.
فالفتاة ماتت، وهي ترقد الآن في تابوتها القاتم شاحبة اللون، كاسفة الوجه، فريسة للحشرات والديدان
فإذا ما أيقظتها في ليلة جميلة من ليالي الشتاء حفلة خاصة بالموتى، تقدم إليها - ليتولى أمر زينتها - شبح رهيب ذو ضحكة مروعة
فيقول لها: هلمي حان وقت الرقص!
ويطبع على شفتها البنفسجية قبلة باردة جليدية، ويمر أصابعه العقداء، أصابع هيكل عظمي، على خصلات شعرها الطويلة المتموجة، ثم يسوقها مرتجفة مهتزة، إلى الرقص النادب المشؤوم، إلى تلك الموسيقى الجوية المتصاعدة في الظلام، حيث يكون القمر في
стр. 10996
الأفق القاتم شاحباً عريضاً، وقوس قزح مصبوغاً ببريق الياقوت والعسجد، وتكون الغيوم ذوات أهداب من لجين
- ٦ -
يا أيتها الفتيات اللواتي تشوقهن ملاهي الرقص الضاحك!
لا تنسين تلك البنت الأسبانية التي انطفأت شعلتها إلى غير عودة! ولا تنسين أنها كانت تنتقل من حفلة إلى حفلة باشة فرحة، فتقتطف بيد مسحورة، أزاهير العمر العبقة، وتكسب روحها لذائذ الحياة الطاهرة، وتملأ عينها بزاهي الألوان الساحرة
على إنها مضت إلى عتبات الموت سريعاً، فقضت كما قضت أوفيليا التي جرفها السيل وهي تقطف الورد والزهور، فراحت غريضة الشباب والجمال في ظلمات القبور
حلب
فؤاد نور الدين
معلم الترجمة بمدرسة الزهراء النسائية
стр. 10997
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٢٧ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
الناحية الإيجابية من مذهب نيتشه
السوبرمان أو الإنسان الأعلى
للأستاذ خليل هنداوي
- ١ -
إن أوربا الحاضرة قد انسل إليها الداء، ترى فيها حيث نظرت مظاهر العلة والانحطاط. فكأن نصباً بالغاً حل على الإنسان فكبّل قواه وأضوي عزمه. وهو بعد أن قطع سبيله من دودة أرضية إلى قرد، ومن قرد إلى إنسان أصبح يجنح في هذه الساعة إلى راحة بعد هذا التطور الذي شقي فيه. لا يحفل إذا كانت الراحة في الوقوف أو في الموت، وهنالك مذاهب كثيرة تتعلق بأطراف ثوبه تغريه بعوامل جميلة وآفاق مطرزة. هذا يعده بالمساواة المطلقة، وهذا يعده بحياة ما أجمل أفقها! المذهب الديموقراطي مذهب منحط في الجماعات، ومذهب ديانة الألم هو مذهب الضعفاء. وأولئك الشكوكيون الناقمون المارقون الذين ألفوا (مثوى) لهم عند زرادشت، هم منحطون يتألمون من وجودهم، ويكادون يختنقون سأماً من أنفسهم واحتقاراً لها كلما وقعت أنظارهم على الإنسان الحاضر
أليس هذا هو الإنسان المتشائم الإلهي الذي ينطق بمواعظ الموت قائلاً: (كل شيء باطل الأباطيل) (لا شيء يجدي! السعي باطل). (لا جزائر سعيدة وراء المحيط)!. هنالك متشائمون كثيرون أووا إلى كهف زرادشت، منهم الملكان اللذان هجرا مملكتهما لأنهما لم يخلقا أول الرجال، والآن يريدان ألا يأمرا ولا ينهيا أحداً. وهنالك العالم الذي يعكس صور الأشياء، ويضحي بحياته ابتغاء أن يدرس دماغ علَقة. وهنالك الساحر المشعوذ الذي يعبث كثيراً بحقائق الأشياء ويخدع كل الناس دون أن تجوز عليه خدعة. ثم يتحرى - وقلبه مفعم سأماً وكآبة - عن مجد مشروع صحيح. وهنالك (البابا الأخير) من لم يستطع أن يجد لنفسه عزاء عن موت الإله. وهنالك أقبح الرجال، قاتل الإله، لأن الإله خنق إشفاقه على
стр. 10998
بؤس الناس وشقائهم. وهنالك السائل الذي مقت الإنسان المتمدن، يتحرى إزاء قطعان البقر السارحة في المروج، يتحرى عن السعادة. وهنالك الشكوكي الذي قذف به جموح عقله إلى إضاعة نفسه، فضل وغوى وانطلق - بدون أمل - يسبح في أرجاء الوجود. كل هؤلاء يئنون من داء عميق يحز في قلوبهم حزاً. فهم يطوفون في الآفاق وقد أخذ القلق منهم كل مأخذ. فالناس وكل ما يؤمن به الناس من السعادة لا يزيدهم إلا سأماً. فهم أمسوا ولا إيمان لهم بكل الرموز التي يقدس الشعب ألفاظها ومعانيها. فلا ما وصلت إليه المادة بمغنيهم نفعاً، ولا الإيمان بالمثل الأعلى يغمر قلوبهم، فماذا يجب على الإنسانية إذاً أمام هذه الهاوية؟ فهل تقف مشيها وتطلب نفي الحياة وتنشد العدمية؟
يجيب نيتشه: لا! لأن الانحطاط لا يؤول إلى العدم، بل قد يكون الانحطاط بشائر حياة جديدة وعافية قوية، وإن مما لا ريب فيه أنه لا يمكن الرجوع بالإنسانية إلى الوراء. (يجب الإقدام، الإقدام إلى أمام. . . تقدموا رويداً رويداً في الانحطاط، وكما أن أوراق الأشجار تصفر في الخريف وتتناثر على الحضيض، كذلك الانحطاط قد يكون طليعة سلالة جديدة، والإنسانية تهب باحتضارها حياة سامية، إن الإنسانية تتمخض وتتألم من أوجاع الولادة؛ ولذلك لم يحمل زرادشت تعاسة الرجال السامين إذ يعتقد بأن الإنسان ينبغي له أن يتألم كثيراً ليستطيع الوثوب على القمم العالية. أن شقاء الرجال السامين وسأمهم من الناس ومن أنفسهم ضروريان، ليصرفاهم إلى المواطن العالية وليزيداهم جرأة وإقداماً على الوثوب. وإذا كان هؤلاء الرجال السامون هم بأنفسهم نماذج ناقصة للإنسانية فما همّ ذلك؟ يجب أن يكون هنالك انحطاط ونقص حتى يجيء النموذج كاملاً من كل وجه. إن الإنسان السامي هو كالإناء، يتهيأ فيه مستقبل الإنسانية، وفيه تتألف وتتجاذب وتعمل كل الجذور التي ستظهر يوماً لمعانقة أشعة الشمس، على أن أكثر من إناء واحد ووعاء واحد بين هذه الأوعية سيتصدع وسيتحطم! ولكن ما هم ذلك؟ أإذا ساءت ولادة فرد ما فهل ساءت الإنسانية كلها؟ وإذا ساءت ولادة الإنسانية كلها فما هم ذلك؟ إن الإنسان خاضع لهذا التشبيه الذي فرضه نيتشه. (إن الإنسان هو حبل ممدود بين الحيوان والسوبرمان، ليس الإنسان بغاية، إنما الإنسان مجاز وممر، وليفن الإنسان في سبيل حياة السوبرمان). يقول زرادشت للشعب الحاشد حوله:
стр. 10999
(إني أعلمكم السوبرمان؛ الإنسان يجب أن يفوق الإنسان! ماذا فعلتم لتفوقوا الإنسان؟
كل الكائنات سارت في طريق الإبداع إلى ما هو أسمى: وأنتم يا بني الإنسان شئتم أن تكونوا من الموجة جزرها لا مدها، بل آثرتم العودة إلى الإنسانية على السمو فوق الإنسانية
ما هو الفرد في عين الإنسان؟ إنه لخزي وعار. وهذا ما يجب أن يكون الإنسان في عين السوبرمان: خزي وعار. ها إنني أعلمكم السوبرمان:
إنه هو ابن الأرض، فلتقل إرادتكم، بلى. ليكن السوبرمان ابن الأرض)!
- ٢ -
من هو السوبرمان؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يكونه؟ يمكننا تحديد السوبرمان بأنه هو الإنسان الذي يصرف عن نفسه كل التقاليد الموروثة من مذاهب وشرائع سارية في جسد أوربا. يصرفها عن نفسه ليعود إلى تقاليد وضعها رجال نبلاء وأسياد خلقوا بأنفسهم هذه القيم ولم يقتبسوها من غير أنفسهم. وليس معنى ذلك أن نعود بالإنسان إلى الوراء - إلى عصر الوحشية - وإنما نريد من الإنسان أن يبقى محتفظاً بمعارفه وبتجاربه التي شقي فيها أدهاراً طويلة. . . ولكنه يجب عليه أن يحطم مجموعة التقاليد والشرائع التي تعوق سيره وتحول بينه وبين التقدم المنشود
إن الإنسان بذهابه من الوجود يفتح الطريق للسوبرمان. وما أشبه هذا الاجتياز بالحركة التي تولد الرجل الزاهد عند (شوبنهاور). يعتقد المتشائم الكبير بأن الألم قد يقود الإنسان إلى الانعتاق من إرادته الشخصية، ويسير به إلى الانتحار في النهاية. ولكن هذا لا يغني وحده في نقله، وإنما لا ينبغي له إذا أراد الخلاص أن يقنع بالتنازل عن حياته الخاصة التي يحرزها، بل أن يتنازل عن الحياة عامة، وبهذا الثمن يستطيع أن يحس بالهدوء. أما عند نيتشه فإن الألم هو الواخز الذي يخز الإنسان فيقوده إلى السلام. إن الإنسان يتألم من كل شيء ذاتي، فيدرك السآمة الحادة الفاشية في نفسه، وهذه السآمة هي التي تسوقه إلى طلب الزهد والتشاؤم. وهذه هي حالة الرجال السامين الذين جمع بينهم (زرادشت) في كهفه. ولكن النبي يعظهم قائلاً لهم (إنكم لم تبلغوا في الألم الدرجة التي أريدها. لأنكم ما زلتم تتألمون من حالتكم وما أنتم عليه. إنكم لم تتألموا من حالة الإنسان الحاضر!) فإذا بلغ
стр. 11000
الإنسان هذه الدرجة البالغة من الشقاء والسأم توارى وأباد نفسه تاركاً الأرض للسوبرمان. إن التشاؤم الحاد العنيف هو الذي سيولد التفاؤل الظافر
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 11001
أشبعوا غيرهم وباتوا جياعا!
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
إن مَن كدّوا يزرعون البقاعا … أشبعوا غيرهم وباتوا جياعا
ربحَ المالكون للأرض غصباً … ومضى كدُّ الزارعين ضَياعا
يُفقِرُ الدهرُ ألفَ بيتٍ ليغني … واحداً من أفراده جمّاعا
لا ترى بين أوَّليهم ثرياً … كانزاً للأموال أو منّاعا
ومن العدل أن يكون نتاج ال … أرض بين المستثمرين مشاعا
إن بين الحق المحصحِصِ والبا … طل منذ الدهر القديم نزاعا
والآلي قد حسبتَهم بَشَرَاً إن … ظفروا كانوا أذؤباً وضباعا
عرفتكم عيونُ من أبصروكم … لو رفعتم عن الوجوه القناعا
وعسى أن يغير الله ربُّ الن … اس في القوم الظالمين الطّباعا
رضى العاملون بالوهد مأوىً … وأبى المالكون إلا اليفاعا
أفريقٌ يفوز بالعيش رغداً … وفريقٌ يكابد الأوجاعا
إنما الدين وهو أكبر هادٍ … لا يراعي الألوانَ والأوضاعا
وكتاب الله العظيم يساوي … بين من كانوا سادة ورعاعا
ما بكم من جبن ولكنكم لم … تستطيعوا عن الحقوق الدفاعا
مشهد يملأ العيونَ دموعا … وأحاديث تجرح الأسماعا
إن للباطل الذميم لأشيا … عاً وللحق لا ترى أشياعا
يتنزى قلبي الجريح بصدري … موشِكاً أن يحطم الأضلاعا
وإذا الأرض زُلزلت فترقّب … أن تكون الوهاد منها تِلاعا
إنما الآمر الذي يُلزم الأحَ … رارَ بالإثم لا يكون مطاعا
أيها العدل أنت شمسٌ فأرسل … لعيونٍ تبغي الضياَء شعاعا
لقد امتاز بالشجاعة ناس … صارعوا الفقرَ يحسنون الصراعا
والذي كان في الحياة قوياً … كال للمعتدين بالصاع صاعا
وإذا لم ترهف حسامك للذو … د فأَرهف إذا استطعت اليراعا
стр. 11002
أيها المبتغي انتحاراً تأخر … فمن الجبن أن تكون شجاعا
بئس قلباً ما كان بالصادق الودّ … وعقلاً ما إن يجيد الخداعا
وإذا ما أتت صر وف الليالي … فهي تأتي بالرغم عنك تباعا
أيها القوم إن أردتم لحاقا … بالألى أَبْعَدُوا فكونوا سراعا
إنني قد دعوتكم للذي في … هـ لكم خير إن أردتم سماعا
فسلاماً إذا رضيتم سلاما … ووداعاً إذا أبيتم وداعا
لا يرى مشرق السعادة رحباً … غيرُ من كان للعُلا طلاّعا
رُبّ أرضٍ تشكو الصدى وسماءٍ … لا ترى فيها كوكباً لمّاعا
كبرت جرأتي فجئت بشعر … أنا فيه أخالف الاجماعا
حاسباً أن ما بنيتُ جدار … ليس في الظن أنه يتداعى
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 11003
الغابة
للأستاذ عبد الرحمن شكري
قد حكيت الآباد كالبحر والصح … راء من طول أرضك الشجْرَاءِ
وحجبت الأفق البعيد عن الطر … ف فأنسيت منتهى الأشياء
فكأْنْ لا مَدَى لدوحك يرجى … حين تُدْحَى مطارح الغبراء
ورياح تشدو على ورق الدو … ح بألحانِ شدة أو رخاء
منطق لم يدع لنفس شجوناً … لا يُحاكى صفاتها في الغناء
ثم تبدو الغصون في هدأة الري … ح كنايٍ معلق بالهواء
وكأني أصغي إلى غابر الده … ر وما كان فيك من أرزاء
وكأن المساء ظلَّل دوحاً … يتسامى ولات حين مساء
وكأن الظلام دس كميناً … رابضاً في آجامك الدكناء
خطرت في ظلام دوحك أروا … ح وناجت مسامع القدماء
لبث القوم فيك دهراً فناجا … هم سِرارُ الفنون بالإيحاء
عُمُداً شيَّدوا وسقفاً كَبَهْوٍ … واستمدوا من غابة وسماء
حين شادوا للدين بيْعة إيما … نٍ تبدت كالغابة اللّفْاءِ
صرتِ ملهى وكنت غيلا مخوفا … وملاذ اللصوص والطرداء
وارتضيت الأمان من بعد ذعر … لم يزل في المدينة الشماء
غابة شادها ابن آدم نزلا … دوحها من قصورها الزهراء
ربما عرّشت وضاقت فلا شم … س لديها ولا مراح الهواء
ومَخُوفٍ من الفجاءة فيها … كمخوف في الغابة القتماء
واحتيال ليُقْنَصَ الرزقُ والصي … دُ سواء في مكرة كسواء
كم وحيد لا يعرف الأنس فيها … أصبحت نفسه كقفرٍ خلاء
ضاق ذرعاً بنفسه فغدا ين … شد طباً في معرض الأحياء
عذبته لو احظ الشمس حتى … أخذته لوا عج الظلماء
وأفاعٍ في دورها وقرود … ووحوش - من ناسها بالعَرَاء
стр. 11004
وغريب ومعدم وطريد … قد عداه حتى خداع الرجاء
فكأنَّ الأقوام لم يخرجوا من … ك ولا زال عهدك المتنائي
سُنَّةٌ قد سننتها في نفوس … إنْ دعتها كانت جواب النداء
عبد الرحمن شكري
стр. 11005
تحية يا شباب!
للأستاذ إبراهيم إبراهيم علي
دعنا نحييكَ يا شبابْ! … تحيةَ المعجَب الفخورْ
ونجمع الأهل والصحاب … نطرب في غمرة الشعور
أنت مجيبٌ ومستجاب … وأنت نار بها نور
دعنا نحييك يا شباب
تحية العاجزِ المدين … لآخذي النصر باليمين
تحيةً يا شبابَ مصرا … يا فتيةَ النيل يا جنود
وذخرنا إن عدمتِ ذخراً … يا مصر في ذلك الوجود
يا فيضة النيل بعد أخرى … تمضي، ولكنها تعود
دعنا نحييك يا شباب
تحية العُرف للأمين … وفاتحي فتحها المبين
تحيةً للدم الصبيبِ … إلى الردى. أو إلى الحياه
يجري هنا من فتىً حبيبِ … أو يخضب الوجه من فتاه
في ساحة الملتقى العصيبِ … شلت من المعتدي يداه!!
دعنا نحييك يا شباب
يا ضاربَ الشك باليقين … وقاطعاً ذلك الوتين
وفادياً مصر بالغوالي … وبالأمانِيِّ، والرجاء
وخائض النار والعوالي … لتستوي مصر في العلاء
لا بغيةَّ الجاه، أو لمال … لكنها نفحة السماء
دعنا نحييك يا شباب
يا فاتح الصدر للمنون … وباذلاً كل ما يكون
المجد! يا غبطةَ الضمير … والمجدُ لله والبلاد
وشعلةَ الروح في الصدور … ورفعةَ الرأس بالجهاد
ونشوةَ المدمع الغزير … وغرةَ الحق والجلاد
стр. 11006
دعنا نحييك يا شباب
قولوا هنا: مصرُ لا تليني … فلعنة الذل أن نلين
تحيةً! صخرة الأساسِ … مصر على الرأس واليدين!!
تجهل ما الحكم والكراسي … وتذكر الدين أيَّ دَيْنْ
وتبتغي شدة المراس … فما سبيل الهوى بِهَيْن
دعنا نحييك يا شباب
تحية الليث للعرين … لا يُظلمِ القلب أو يرين
نحب مصراً ومن عليها … وإنما مصر في بنيها
صعيدَها قبل شاطئيها … قبطيَّها قبل مسلميها
ومن أعزُّ الورى لديها … إلا الشباب الأعزُّ فيها
دعنا نحييك يا شباب
ابن بلادي هو ابن ديني … وإنما بالهوى أدين
جهدَك يا جندُ لا يمارى … مجدك يا جندُ لا يرام
خصمك يا جند لا يجارى … في سطوة الحرب والسلام
لكنها مصر! من أغارا … على حمى مصر لن ينام
دعنا نحييك يا شباب
اللهُ. في ركنها الركين … وحصنها الراسخ المكين
الحق والنصر صاحبانِ … وما من الحق أن نذلاّ
وليس في الحق من توان … ولا على الحق أن نضلاّ
إن لم أصن مصر عن هوان … وأبذِل الأعظمَ الأجلاّ
نعم وحاشاك يا شباب
خسئتُ من كاذبٍ مهينٍ … أعرف ما الكاذب المهين
أجل، وحاشاك يا شباب … يا نجدةَ الحق يا نصير
حييتمو أيها الصحاب … جهادكم ههنا كبير
(القوم) دعواهمو اغتصاب … وأمرهم في الهوى غرور
стр. 11007
أجلْ! وحاشاكَ يا شباب
فاضربه في سره الدفين … فكم له ثمَّ من كمين
كن واحداً يا شباب مصرا … وادع إلى وحدة اللواء
ولا تكن للذئاب سخراً … ولا تكن سلّماً لشاء
يا جند في مصر: لن تفرَّا … حتى يقروك في السماء
دعنا نحييكَ يا شباب
في صرخة الدهش والسكون … أوْلا! فمن ذا إذن نكون
يا باذلَ المهجةِ احتساباً … والرأسَ. والعينَ. والشبابا
وحامياً ذلك الجنابا
وفاعلاً ههنا العجابا
دعنا نحييك يا شباب
إبراهيم إبراهيم علي المحامي
стр. 11008
القصص
تتمة من فرجيل ولمعة من يوريبيدز
٢٢ - حروب طَروادة
١ - الحصان الخشبي
٢ - سينون
٣ - مصير لاوكون
٤ - رؤيا إيناس
٥ - نهاية بربام
٦ - أنخيسيز
٧ - العاصفة
سقوط إليوم
للأستاذ دريني خشبه
لم يبرح فيلوكتيتس يرسل سهامه على الطرواديين، ولم تبرح المنايا تتخطفهم. . . ولكن المدينة ذات الكبرياء ما برحت أمنع من عقاب الجو على الغزاة الجبارين. . .
وذهب كالخاس عراف الحملة، إلى آلهته يستوحيها، ثم هرع إلى سادته قادة الجيش فذكر لهم أنه ما دام تمثال منيرفا المقدس - البالاديوم المشهور - في طروادة فلن يفتحها على أهلها فاتح، ولو عاونته الأرباب جميعاً!
وانطلق أوليسيز، وانطلق معه ديوميديز، فتنكرا واحتالا على حارس البوابة الاسكائية الكبرى ففتحها لهما، وذهبا قدماً إلى هيكل مينرفا، وسرقا البالاديوم المقدس، وعادا به، وكل همهما أن تبطل نبوءات العم كالخاس التي أخذت تترى، ويأخذ بعضها برقاب بعض. . . . وكرت الأيام. . . . ومع ذاك لم تفتح طروادة!؟
стр. 11009
ثم بدا لأوليسيز أن يصطنع الحيلة. . .
فعرض على زعماء الحملة أن يدعى مهرة النجارين والمثالين فيصنعوا حصاناً هُولةً كبير الحجم. . . خاوي الجسم، فيكون بداخله جمهرة من أقوى شجعان الهيلانيين وأبسلهم، ثم يوهم الأسطول أنه أبحر بجنود الحملة، فإذا مضى شطر من الليل، وأقبل الطرواديون على الحصان فأدخلوه مدينتهم تذكاراً لهذه الحرب الضروس التي أكلت أخضرهم، وأحرقت يابسهم، وذهبت بالزهرة اليانعة من شبابهم. . . ثم إذا كان الهزيع الأخير من الليل. . . خرج الأبطال المختبئون ففتحوا أبواب إليوم، وينقض الجيش المرابط، فيحتل المدينة العاتية التي رغمت تحت أسوارها أنوف، وذلت جباه، وذابت أنفس، وذهبت أرواح، دون أن ينال منها أحد. . . .
وطرب القادة لهذه الحيلة التي بدههم بها أوليسيز. . . . وانصرفوا عن القتال وهم له كارهون. . . وانصرف الطرواديون فاعتصموا بأسوارهم، ورابطوا داخل صياصيهم، ومهرة النجارين وكبار المثالين دائبون على حصانهم الهولة حتى فرغوا منه. . .
وأقلع الأسطول. . .
وانكشفت الساحة من هذا الجراد المنتشر الذي لبث ينوء فوقها عشر سنين. . .
واختبأ أوليسيز داخل الحصان ومعه نخبة من شياطين الميرميدون، وعلى رأسهم ببيروس النجيب، ابن أخيل الخالد، وعصبة قوية من فرسان الإغريق البواسل. . .
ودق الطرواديون البشائر. . .
وجاءوا يُهرعون إلى الساحة، ويتكبكبون حول الحصان الهولة، ويكلمون سينون الذي تركه الهيلانيون عند الحصان ليخدع الطرواديين ولينصح لهم بنقله إلى المدينة ليكون آخر الدهر تذكاراً لهذه الحرب التي شنها قومه على طروادة ظلماً، فباءوا منها بالبوار. . .
(. . . . . . هؤلاء الهيلانيون اللؤماء، الذين انصبت عليهم أحقاد الآلهة، وثار بهم كبير الأولمب وسيده الأعظم، وسلطت عليهم الزوابع والأنواء حتى كادت تفنيهم، لولا أن أمروا بتضحية قربان بشري ينجيهم من غضب السماء. . . ولكن؟. . . من منهم أصاخ إلى الأمر المقدس؟ ومن منهم سمع إلى هتاف الأولمب؟ لقد جبنوا جميعاً! ولم يشأ واحد منهم أن يضحي بنفسه لينقذ الجميع، حتى أوليسيز! أوليسيز نفسه؟ هذا الداهية المغفل! لقد جبن
стр. 11010
هو أيضاً! وفي الوقت نفسه حاول أن يرغمني أنا! أنا سينون المسكين، على أن أقبل التضحية، وأن أهب دمي للآلهة لتهدأ ثورتها. . .
ولكني رفضت في شمم، وامتنعت في إباء. . . لا خوفاً من الذبح؛ ولكن ضناً بدمي النقي الطاهر عن أن يهرق في سبيل هؤلاء الجبناء. . . الذين تكأكأوا وفزعت نفوسهم من صيحة السماء. . .!
وهربت يا مولاي! يا مولاي بريام العظيم. . . ولذت بظلال طروادة الخالدة، طروادة المنيفة القوية، وجعلت أصلي لأربابي حتى استجابت لي، وأرسلت إليهم من أنذرهم بسوء المنقلب إذا هم لم يقلعوا هذا المساء. . .!! قاتلهم الله السند! وقاتلتهم الآلهة جميعاً!!. . .
والآن!. . . هاهم أولاء قد تركوا هذا التمثال الرائع الذي أعدوه ليوم نصرهم، فجعلته الآلهة آية فشلهم!. . . انقلوه يا مولاي إلى المدينة، واجعلوه تذكار هذه النوبة الجنونية التي شنوها عليكم، فحاق بهم سوء ما كانوا يمكرون. . . ألا فليكن قربة لمنيرفا. . .!
ولقد سمعت هاتفاً في صلاتي يقول: (. . . الويل لمن يصيب هذا التمثال بشر! تنقض عليه رجوم السماء، وتنخسف من تحته الأرض، وتميد من فوقه الجبال!. . . وطوبى لمن احتفظ إلى الأبد به!. . . إذن يحميه شر حدثان الزمان وعوادي الأيام. . .)
وكان سينون يمزج كلماته بدموع الصلاح والورع، ويشعل فيها جمرات الإخلاص والصدق. . . وكان يرسل آهاته من الأعماق. . .! حتى استطاع أن ينفذ إلى سويداء الملك، ويستولي على مشاعر الطرواديين؛ وحتى ثار الطرواديون أنفسهم على قديسهم الوقور لاوكون، راهب نبتون الأكبر حين نصح ألا تجوز عليهم هذه الكلمات المعسولة، والنفثات السحرية التي يتلجلج بها لسان سينون، وأن يدعوا الحصان مكانه (فإنه إن دخل طروادة جلب عليها الشر وكان فأل السوء للضحايا والشهداء. . . ولا تصدقوا أن الهيلانيين قد تركوا هذا الحصان تكرمة لنبتيون كما يدعي هذا الأفاقي المأمون، بل هم قد صنعوه حيلةً منهم لغرض سيئ. . . وهاهي ذي ابنتك أيها الملك. . . كاسّندرا العزيزة فاسألها. . . فإن لديها سر السماء. . .)
وسأل الملك كاسندرا فأفتت بما أفتى به لاوكون. . .
ولكن. . . من يصدق كاسندرا وما تزال نقمة أبوللو تنصب فوق رأسها. وقد جعلها إله
стр. 11011
الشمس عرضة لكل مستهزئ وضحكة كل ساخر لعّاب!
وزاد الناس استهزاء بالقديس لاوكون، حين رأوا إليه تفترسه حيتان عظيمتان على سِيف الهلسبنت إذ هو يقدم قربانه لربه لنبتيون فنقنلانه وولديه، عقب تحذير الطرواديين ألا يقربوا الحصان المشؤوم وألا يدخلوه مدينتهم!!
وتعاون الطرواديون جميعاً فجروا الحصان الهولة، وهدموا بأيديهم جزءاً كبيراً من سور إليوم المنيع لتتسع البوابة للتمثال الهائل فكانوا كالتي نقضت غزلها أنكاثاً!!. . .
وكان الأسطول قد اختبأ في ظلال الأيك النامي فوق جزيرة تندوس، فلما كان النصف الثاني من تلك الليلة الخرافية الحالكة، وكانت طروادة كلها قد استسلمت للنوم العميق الذي يسبق القضاء الصارم عادة في مثل هذه الأحوال، هب سينون الخبيث ففتح الباب السري الذي لا يعرف إلا هو مكانه من الحصان، وخرج الأبطال فقتلوا الحراس النائمين لدى الأبواب، وأشعلوا النيران فرآها الجنود الذين عاد بهم الأسطول في دجى الليل، فانطلقوا سراعاً إلى إليوم الخالدة. . . المستسلمة. . . فدخلوها. . . وأعملوا السيف، وشرعوا الرماح، واستباحوا المدينة، وهتكوا الأعراض النقية، وأحلوا حرمة الهياكل، وأضرموا النيران في القصور، وأتلفوا الحدائق الفينانة، وهشموا تماثيل الآلهة في الميادين العامة، وقتلوا الصبية والأطفال، وجعلوا المدينة أطلالاً في أطلال!!
وهكذا!! وفي سكرة الليل، وهدأة الظلام، تم للهيلانيين الاستيلاء على تلك المدينة العتيدة وهبت من تحت الثرى عشرة أعوام طوال مضرجة بالدم، ملطخة بالإثم، حافلة بالذكريات، غارقة في الدموع. . . تشهد إلى الفتح المجرم، وترى إلى المأساة الظالمة في آخر فصولها!!
وكان إيناس اليافع ابن فينوس الهلوك من أنخيسيز، فتى طروادة وأميرها الجميل ذا القسمات، يغط في نومه العميق، ملء سريره الذهبي الوثير. . . مطمئناً آمناً. . . لا يدور بخلده أن تحل تلك الكارثة بإليوم هذه الغفوة من الفجر. . .
وكان إيناس محبباً إلى الآلهة. . . ولم يكن قد جاء أجله بعد. . . فسخرت إليه ربات الأقدار طيف هكتور يزوره في نومه، ويريه حلماً مفزعاً. . . وينذره. . . (أن هب إيناس فقد سقطت طروادة، وانج بنفسك وبأهلك فالأسطول ينتظرك، واستنقذ التحف المقدسة
стр. 11012
والآثار العلوية. . . فقد دنسها الفاتحون!!)
وذعر إيناس، وهب من نومه لهفان صعقاً. . . وفزع إلى سلاحه ثم أشرف على المدينة المروعة فشهد المأساة تحل بها. . .
وهاله أن يرى الوحوش الضواري من بغاة الميرميدون، وغزاة الهيلانيين، يسوقون أتراب طروادة وبيَّض خدورها المكنون. . . عاريات أو نصف عاريات. . . إلى الأسطول. . . ليكنّ إماء في بيوت هيلاس. . . ورقيقاً في أسواقها!؟
وكاسندرا؟! كاسندرا نفسها!! ابنة بريام الملك. . . حبيبة السماء وصفية الآلهة!! التي حذرت أباها يوماً من قبول باريس. . . أن يحل البلاء بالمملكة وينزل الشؤم بالناس!! هاهي ذي مسوقة في قبضة أجاممنون نفسه. . . أجاممنون سيد القوم وقادهم العام. . . إلى. . . سفينته!!
وفكر إيناس، فلم يجد لإنقاذ المدينة وأهلها من سبيل. . . فأشار إلى بعض رجال قصره فقتلوا نفراً من جند الإغريق المتخلفين عن الجيش الغازي، كانوا مشغولين بالسلب والنهب في متجر قريب، ثم نزعوا عنهم ثيابهم فلبسها إيناس وصحبه ليستخفوا بها عن أعين المغيرين؛ وانطلقوا إلى القصر الملكي، وبودهم لو استطاعوا أن يحموا الملك في هذا الروع الأكبر. . . ولكن وا أسفاه!! لقد كان ببروس بن أخيل قد سبقهم إليه في عسكر مجر من أبالسة الميرميدون؛ وكان بوليتيس بن بريام، وآخر فرع من دوحته الباسقة آبقاً أمامه، مكروباً مفزعاً، فاراً إلى ذراعي أبيه الضعيف الشيخ، يلتمس الحماية في أوهى حمى. . . فلم يزل ببروس ينهب الأرض في أثره. . . حتى قتله بين يدي أبيه، وانقض على الملك التاعس فوضع حداً لهذه الحياة الطويلة المملوءة الشقية التي لطخها الدم البريء وصهرتها جحيم الشدة. . . ولم يغن عن بريام المسكين توسلات هذه الزوجة المعذبة التي وقفت بينه وبين بيروس. . . هكيوبا!! الملكة المرزأة! التي بقيت وحدها لتجرع الثمالة الباقية في كأس الحياة. . . مراً وعلقماً. . .
وهكذا صعدت روح الملك إلى سماء طروادة تتلفت حولها! ترى إلى المدينة الخالدة تضطرم النيران في جنباتها. . . وتندك صروحها العزيزة في الرغام. . . وتتهاوى أبراجها المنيفة التي كانت تسجد تحتها آسيا الجبارة. . . والآن! هاهو ذا على ثرى إليوم
стр. 11013
لقيً لا نَفَس فيه! وجثة هامدة لا تحمل اسمها بعد. . . ورأساً معفراً. . . . . . من غير جسد!!
وزاغ بصر إيناس حين شهد هذا المنظر الرهيب، ووقر في نفسه أن مثل هذه النهاية المحزنة قد تحل بأبيه الشيخ، أنخيسيز؛ وبزوجته الهيفاء كروزا، وبطفله المعبود أيولوس. . . فلم يبال أن يقتحم صفوف الأعداء إلى قصره الذي خلا غابه اليوم من أسْده، وبُدل الشوك من ورده، وعاث فيه جنود الهيلانيين فأصبح قاعاً صفصفاً. . . كأن لم يشدُ في دوحه بلبل. . . ولم يحن في فؤاد إلى فؤاد!
وهناك. . . في إحدى الردهات المنعزلة. . . وجد هيلين!! نعم، هيلين! سبب هذه الكوارث المتلاحقة التي حلت بطروادة والطرواديين. . . هيلين التي لم تبال أن تتزوج ديفبوس - أخا باريس - عقب مقتل حبيبها بأيام معدودة!!
وجدها هنالك. . . تنقدح المصائب شرراً من عينيها، وتتدجى غواشي الكروب فوق هامتها، وتنعقد ظلمات الكوارث على جبينها المغضن الكريه. . . . . . الجميل!!
وهم إيناس أن يفتك بها، لما ذكر من الأرزاء التي حاقت بطروادة من جرائها. . . لولا أن بدت له أمه. . . فينوس!. . . فأنذرته ألا يفعل. . . ثم كشفت له حجاب الغيب المحرم على أعين البشر، فرأى إلى الآلهة أنفسهم يعملون بأيديهم في تخريب طروادة، وتدمير الطرواديين، وعلى رأسهم شيخ الأولمب وسيده. . . زيوس. . . كبير الأرباب!!
(. . . فانج بنفسك يا بني. . . ولذ بالبحر. . . ولتنزح عن هذه الديار. . .)
وانطلق إلى أبيه فنصح له أن يهرب معه. . . ولكن أباه استكبر وأبى. . . بحجة أنه ينتظر نبوءة من السماء توحي إليه بما توحي. . . فغيظ إيناس وأغلط لوالده القول؛ ثم أمره أن يقبض بيديه اللاريتس والبينيتس، وأن يركب كاهلي ابنه وإلا قتلوا في الحال!
فلم يسع أنخيسيز إلا أن يطيع. . . فسار ابنه يحمله، وسار ولده الصغير أيولوس بجانبه، وتبعتهم زوجه الجميلة كروزا. . .
وكان قد أتفق مع أتباعه، قبل أن يقصد إلى قصر الملك، أن ينتظروه في هيكل خرب قريب من مياه الهلسبنت. . . فلما أقبل نحوهم يحمل أباه اتفقوا على أن يبحروا في الحال. . . ولكنه. . . وا أسفاه! افتقد زوجه فلم يجدها. . . زوجه كروزا التي كانت الساعة فقط
стр. 11014
تتبعه!! لقد قتلها كلب من شياطين الميرميدون. . .! ولما رجع إيناس ليبحث عنها لقيه طيفها الجميل. . . عند تمثال مينرفا. . . فخاطبه قائلاً. . . (هلم يا إيناس! غادر هذه الديار في الحال. . . واذهب إلى شطئان التيبر. فإن الآلهة قضت أن تبني بيديك. . . رومة أم القرى!!) وأبحر إيناس. . . وأبحرت فلول الطرواديين معه
وفي غبشة الصبح المضطرب، كان صوت الطبل الكبير يقصف كالرعد في خرائب طروادة. وكانت الجموع الحاشدة تهرول نحو الأسطول، وكان السبي الكثير عذارى من طروادة وسائر نسائها يهرولن هن الأخريات نحو البحر. . . فكنت ترى هكيوبا الملكة. . . واندروماك الحزينة التي اغتصبها بيروس لنفسه. . . وكاسندرا. . . تلك النبية التي أحبتها السماء. . . فأصبحت في جملة السبي من سريات أجاممنون وغانياته. . . وكنت ترى غيرهن يهرولن في الصباح الباكي إلى شاطئ الهلسبنت، ليركبن البحر فيغبن عن أرض الوطن إلى الأبد. . .
وكانت كاسندرا تنظر إلى المأساة وتبتسم. . .
وكانت أمها ترمقها بعينين دامعتين. . . وتسألها عن سبب ابتساماتها. . . فتفتر كاسندرا وتقول. . . (أماه ليس حظ هؤلاء الغزاة المنتصرين بخير من حظ أبطالنا. . . هأنذى أقرأ ألواح القضاء. . . انظري. . . هاهو ذا مصرع أجاممنون بيد زوجته كليتمنسترا العاشقة. . . إنها تفضل اليوم حضن عاشقها الآثم على جنة يكون فيها زوجها. . . إنها ستقتله، ستذبحه بيديها. . . حينما تطأ قدماه أرض الوطن. . .!
وانظري يا أماه. . . هاهو ذا أوليسيز تعصف به الريح. . . ويلعب به الموج. . . ويؤرجحه البحر المجي. . . عشر سنين يا أماه يقضيها ملك إيثاكا في تيه هذا الماء. . . والعشاق يتقاتلون من حول زوجته. . . وتليماك المسكين يضطرم غيرة ولا يستطيع أن يفعل شيئاً. . .
وانظري يا أماه. . . هاهو ذا منلايوس. . . بائس. . . كم أنت بائس يا منالايوس. . . لقد ظن المسكين أن هيلين نقية كما هي!. . . لقد نسي التاعس أنها تقلبت في أحضان أزواج غيره!. . . انظري إليه يقذفه البحر إلى شطئان مصر. . . وانظري إليه ذليلاً بين يدي هيلين يتوسل إليها وكان أحرى لو أنه قتلها. . . . . . . . .
стр. 11015
ونسي الهيلانيون في نشوة النصر أن يقربوا القرابين للآلهة التي نصرتهم وأيدتهم وأظفرتهم بأعدائهم؛ قبل أن يبحروا. . . فأثاروا غضب الأولمب. . . واستنزلوا لعنة السماء واستحقوا حنق حيرا ونبتيون ومينرفا. . . ونقمة زيوس!!
لقد ثارت ثائرة مينرفا. . . فانطلقت إلى أبيها وشكت إليه ما فرط هؤلاء الجاحدون في جنبها وجنب الآلهة. . . واتفق الجميع على أن يسخر نبتيون الجبار. . . إله البحر. . . أرياحه العاتية على أساطيلهم فتمزقها. . . وتضلها تضليلاً. . .
فما كادت الأساطيل تمخر عباب الماء. . وما كادت تبتعد عن شواطئ إليوم. . حتى بدأت العاصفة تدوّم. . وحتى أخذت الأمواج ترسل أعرافها حول السفائن، وحتى نثر الثبج حبابه فوقها. . . وحتى ارتعدت فرائص القوم. . . ونظر بعضهم إلى بعض. . . كأنهم في يوم حشر. . . ولا يتساءلون
ولقد صدقت كاسندرا!
فهاهي ذي الأساطيل الكثيفة تتمزق فوق سطح البحر. . . وهاهي ذي جواري منالايوس المنشئات تدفعها العاصفة في طريقها إلى. . . مصر. . . وهاهي ذي مراكب أجاممنون تتكسر على الصخور الناتئة في عرض اليم. . . وما كاد يصل هو إلى مملكته أرجوس حتى تقتله زوجه العاشقة. . . مؤثرة عليه أحضان عاشقها الأثيم إيجستوس. . . وهاهي ذي سفين أوليسيز تضل في البحر الشاسع، وتتكسر بما عليها من سلب،. . ويظل البطل المغوار في نقلة وترحل. . . عشر سنوات. . . وتظل زوجه بنلوب تنتظره. . . وعشاقها يقتتلون حول قصرها. . . وتليماك البائس ابنها ينتظر أوبة أبيه. . . حتى يعود بعد شدة وبعد لأي فيدمر العشاق الآثمين. . .
وهاك بيروس بن أخيل يعود ومعه أندروماك التي تظهر له الحب، عاملة بنصيحة هكيوبا لها. . . حتى تنشئ ابنها. . وكانت تعتزم مضايقة بيروس ومناوأته ليقتلها. . . . ولتستريح بالقتل من عذاب العيش بعد هكتور. . . .
دريني خشبة
قصة
стр. 11016
الرجوع
إن ما ندعوه (قضاء) ليس إلا ما نقضيه على أنفسنا
(ميخائيل نعيمة)
بقلم الأديب عبد الوهاب الأمين
لم يكن صبياً غراً عندما فتنته تلك الغادة، بل لقد حاول جهده أن يسيطر بعقله على جموح تلك العاطفة، فغره لأول وهلة شيء من النسيان أحس به، وظن أن الوقت قمين باستئصال ذلك الحب الفاسق، وطاوعته نفسه بعد أسابيع أن يمزق صورتها ليلقيها في الموقد أمامه، وقد عاوده طيف (العائلة) والزوج الحنون، وأطفاله في الغيب، وبسمة السعادة التي ستشيع على الوجوه، فتنهد!
وكان دائم اللجاجة في (التحليل)، فخيل إليه أن الأمر بلغ نهايته، وإن جذوة الشباب فيه قد قرت، وما عليه إلا أن يحنو على زوجته فتحنو عليه، فيثمر ذلك الحنو حباً شريفاً. . . لا ذلك الحب المجهد، حب المومس الذي تثيره غلمة وتقتله كلمة! وأنه بعد هذه السنين الثلاثين جدير به الإقلاع عن إجهاد نفسه وعاطفته الجامحة بالتطوح في مثل هذه المجازفات!
وماله قد فتنه تصوير! ألا يجوز أن يكون ليد المصور الفنانة فضل في هذه الفتنة وهذا السحر؟ بل هذا هو المنطقي المعقول، فليس لإنسانة أن تمتلك مثل هذه النظرة المغرية، وهذا السحر الفاتن! إنها ولاشك فعلة الرسام!
وأطل عليه وجه زوجته في تلك اللحظة، فتمثل فيه الطهارة والإخلاص، وابتسم على رغمه لأن روحه الشابة المرحة لم تطق أن تقاوم البشر المنطلق من عينيها، والطرب الشائع في نظرتها! ورمته بقشر وهربت! وانهزم معها فرحها الحي الطروب! فتمثل لخياله الفرق بين هدوء حياته هذه التي سيقبل عليها، وجموح تلك التي عزم على فراقها، فاستشعر شيئاً من الحزن طاف به على هذا الفراق، وسرت في ذهنه صور سريعة من ساعات اللذة واللهو يكاد ينسخها مر الأيام. . . غير أنه عاوده شعوره بقوة عزمه السابق ومسؤولية الرجل الرزين الذي سيكونه عما قريب، فمزق بقايا الصورة ورماها في الموقد ونظر إلى اللهب الصغير المتصاعد منه، وشرد ذهنه
стр. 11017
تقدمهم الصبي بخفة إلى باب المقصورة وفتحها بتؤدة وعلى فمه ابتسامة متكلفة. وأخذ يفرك يده متظاهراً بالبشر لقدوم (سيده) الذي طالما نفحه بالعطايا الصغيرة التي كانت تتسع وتكبر حسب ما يقوم به من خدمة! وكان يبتهج كلما أبصر (سيده) بصحبة امرأة، فإن وجودها معه يعني ضرورة الحاجة إلى خدمته ورعايته اللتين يستدرهما عند ارفضاض السيد نقوداً يطبق عليها أنامله بخفة، وعلى وجهه تلك الابتسامة التي لقيه مساء اليوم بها، والتي يكرهها (سيده) منه فلا يرفع بصره إليه!
وكان (العِرض) مهماً. والمقاصير كلها ملأى بالمخلوقات الجميلة، وكانت عين الناظر تلقف في كل ثانية وأخرى عضواً بارزاً نسوياً جميلاً بين تلك المناظر السينمائية الخلابة والإعلانات الملصقة على الجدران، وتعلو بين تلك الضجات المختلطة بضعة أصوات ناعمة تتطور بعض الأحيان إلى قهقهات صافية الجرس، تعلوها رنة النعيم!
وكان وهو ينزع عن كتفيه معطفه الثقيل ويدير عينيه بين المقاعد يلحظ أن صوتاً في المقصورة إلى جانبه يرن في أذنه فيترك صدى غير اعتيادي. . . جذاب! ساحر! غير إن انتقاء المقعد شغله وصرف ذهنه هنيهة عن تتبع أثر ذلك الصوت في روحه، ولما جلس أخيراً لم يكن في ذهنه غير ذلك الصوت وصاحبته اللعوب! وبدرت منه - من غير قصد - إلتفاتة إلى المقصورة فاصطدم نظره المستريح بها. . .! نعم هي! وقد ظهرت في ثوبها البهيج أشد فتنة من صورتها، وزاد في جمالها الأخاذ سحر التجمل، فأدرك أن قوته تخونه، وأنه أمام شخص يملك سحراً يزيد على سحر المرأة، فعادت إليه فجأة وبسرعة كل خيالاته التي نسختها عزيمته أولاً، واستعادت مخيلته أويقات التأمل التي كان يقضيها في مناجاة تلك الصورة على أشد وأقوى حالاتها، وأحس وهو يدير نظره عن وجهها الذي بدت عليه البغتة أنه يقتلعه اقتلاعاً، وأن شيئاً من قلبه وحسه قد تعلق بتلك الأهداب السحرية التي زاد جمالها الطبيعي الأخاذ اعتناء خاص بتنسيقها وتجميلها، وأدرك في قرارة نفسه أن سيطرة هذه المرأة عليه أمر محتوم وقضاء لا يرد!
وانتهز فرصة (الفاصلة) فاحتج برغبته بالتدخين وأصر عليها، ثم حسم المشكلة بخروجه من المقصورة، وكان شيء في رأسه يدور ويدور! وهو عراك نفسي بين عاطفتين قويتين لا يكاد يركن لإحداهما حتى تبرز نتائجها ملموسة لعينيه! أيحب هذه المومس وهو يعلم أن
стр. 11018
حبها يفقده أشياء كثيرة وعزيزة عليه؟ أيتركها ولا يلتفت إلى تلك النظرة الصارخة في عينيها، وقد بدت الليلة بوضوح في ملامح وجهها وشفتيها، ولم تستطع البغتة أن تخفيها من عينيها الأخاذتين! وهل هو قادر على أن يهمل اهتمامها الظاهر به، وهو الذي كان يقضي الساعات في مناجاة صورتها؟ وما يدريه! لعلها تصطنع كل ذلك لاستمالته! إنها خبيرة ولاشك بفعل هذه النظرات في القلوب! إنها تاجره تريد أن تغبنه بصفقة خاسرة، تريد منه قلباً بروح، لتعطيه قلباً بلا روح! كلا إن ذلك لن يكون!
ووقف ذهنه عند هذا الحد، فقد بدت من مقصورتها ومشت إلى ناحيته بتؤدة، ولما وصلت إليه أسرت قائلة:
- كازينو أنترناسيونال، منتصف الليل
ومنحته فوق ذلك ابتسامة!
عاد بسيارته بعد أن أخبر زوجته أنه سيقضي السهرة مع صديق له، وأنه سيتأخر عن وقت قدومه المعتاد، وانطلق كالسهم بها على غير قصد، ثم خطر له أن يشرب فوقف عند أول حانة!
وبعد الكأس السادسة نظر إلى الساعة فوجد أن بينه وبين الموعد ما يقارب الساعة، فخطر له أن يقضيها متجولاً لأنه شعر بالاكتفاء من الشرب وقام
ولم يكن (التجول) في مخيلته غير السير إلى طريق الكازينو! فوقف على بابه وفي صدره عراك، وفي خطواته تردد وإحجام، وألقى نظرة تائهة على الوجوه فلم يجد بينها غادته، فساقته قدماه إلى الباب وعاد إلى مقعده في السيارة وقد خطر له أن موقفه ناطق بالذل والعبودية، وأنه يسيء إلى نفسه بذلك العمل، وأن شعوره بكرامته وكبريائه قد ثلم، وبدت على وجهه غضون وغيوم!
وفي تلك اللحظة فقط شعر أنه تعب منهوك، وأن حاجته إلى النوم شديدة، فقبض على محرك السيارة وأداره بخفة ولباقة، وشعر أن كل ما فيه في تلك اللحظة عزيمة قوية! وأن في تلك العزيمة قضاء لا يرد!
واختلطت في ذهنه الأفكار والصور وعجز عن متابعة نتيجة عمله، وشعر بشيء من الكلال والفتور والإعياء، وكانت ابتسامته لزوجته جامدة، وكان على غير عادته في النوم
стр. 11019
السريع بدون مزاح ولا دعابة
ولما سيطر سلطان الكرى على جفنيه كانت الساعة تؤذن بانتصاف الليل، وكان ذهنه الكليل يدرك أن في دقاتها أمراً!
غير أنه لم يدرك دقاتها الأخيرة!
عبد الوهاب الأمين
стр. 11020
البريد الأدبي
وفاة روديارد كبلنج عميد الشعر الإنكليزي
منذ أسابيع قلائل كان عميد الشعر الإنكليزي المعاصر روديارد كبلنج يحتفل ببلوغه السبعين من عمره؛ ولكن الشاعر الأشهر لم يلبث أن مرض بعد ذلك بقليل، ثم توفي في الثامن عشر من يناير الجاري
وقد ولد روديارد كبلنج في الهند بمدينة بومباي سنة ١٨٦٥ وكان أبوه جون كبلنج فناناً أديباً؛ وكان وقت مولده يشغل منصباً في مدرسة الفنون الجميلة ببومباي؛ وتلقى كبلنج تربيته في إنكلترا في كلية ديفون؛ ثم عاد إلى الهند في سن السابعة عشرة؛ واشترك في تحرير صحيفة إنكليزية تصدر في لاهور. وفي سنة ٨٦ أخرج كبلنج أول آثاره الشعرية في مجموعة سماها (الأغاني الإقليمية)؛ وأعقبها بمجموعة قصصية عنوانها (قصص من التلال) وتوالت آثاره القصصية بعد ذلك فأخرج منها، (الأبيض والأسود) و (الشبح ركشو) و (وي ولي وتكي) وغيرها؛ فذاعت هذه القصص في الهند والصين واليابان، وطارت شهرة كبلنج إلى ما وراء البحر، واستقبل كبار النقدة فيه قوة أدبية جديدة، وتجول كبلنج في بضعة الأعوام التالية في الهند والصين واليابان وأمريكا، ثم عرج على إنكلترا حيث سبقه صيته، واستقبل بما يليق بأدبه وشعره من التجلة والتكريم؛ وتجول بعد ذلك حيناً في أفريقية، ونشر عن سياحاته العديدة كتاباً سماه (من بحر إلى بحر) وفي سنة ١٨٩٠ أخرج كبلنج مجموعة قصصية عنوانها (نضال الحياة) وأتبعها بأخرى اسمها (النور الذي خبا) بيد أن عبقرية كبلنج الأدبية تصل الذروة في كتابيه الشهيرين: (كتاب الغابة) وكتاب (الغابة الجديدة)، وهما كتابان قصصيان عن حياة الحيوان في الغابة على مثل كتاب (كليلة ودمنة) في أدبنا العربي، وعلى مثل بعض قصص الحيوانات والطيور التي وردت في ألف ليلة وليلة؛ وفيها يعرض كبلنج بعض خواص الحيوان الطبيعية والنفسية عرضاً رائعاً ساحراً؛ وكان ظهور هذين الكتابين الأول في سنة ١٨٩٥ والثاني في سنة ١٨٩٦، أعني حينما بلغ كبلنج الثلاثين من عمره. ويعتبر النقدة كتابي (الغابة) أروع ما في أدب كبلنج وإنتاجه.
واستمر كبلنج في إنتاجه الأدبي يخرج المجموعات القصصية والشعرية تباعاً، ويرتفع باستمرار في سماء المجد والشهرة. ومن مجموعاته الشعرية الشهيرة غير ما تقدم (الأمم
стр. 11021
الخمس) (سنة ١٩٠٣) و (أناشيد من الكتب) (سنة ١٩١٣) و (الديوان الشامل)، وفيه يجمع طائفة كبيرة من شعره المتفرق. وكتب كبلنج أيضاً (تاريخ إنكلترا) بالاشتراك مع صديقه فلتشر؛ وفقد كبلنج ولده في الحرب الكبرى، فرأى أن يخلد ذكرى الفرقة التي حارب معها في كتاب عنوانه (الحرس الأرلندي في الحرب الكبرى) (سنة ١٩٢٣)؛ وكتب كبلنج غير ذلك كتباً أخرى من القصص والشعر يضيق المقام عن ذكرها
ويلقب كبلنج في الأدب الإنكليزي بأنه (شاعر الإمبراطورية)؛ وهذه في الواقع أبرز خواص الشاعر الأكبر؛ وربما كان في هذه الخاصة ما يباعد بين أدبه وبين العقلية الشرقية؛ فقد كرس كبلنج كثيراً من نظمه ونثره للإشادة بعظمة الإمبراطورية البريطانية وما أحرزت من سيادة واسعة على كثير من الشعوب، وما أصابت من النعماء والغنى، وما يجب عليها أن تتذرع به لاستمرار هذه السيادة الشاملة على الشعوب المحكومة؛ وفي هذه المواطن يبدو كبلنج استعمارياً مغرقاً في القومية. بيد أن كبلنج، فيما عدا ذلك، يتمتع بخواص أدبية وشعرية باهرة؛ وأسلوبه قوي ساحر يفيض بياناً وبلاغة؛ وقد انقسم النقدة في شأنه إلى فريقين، فريق يرتفع بأدبه إلى الذروة، ويرى فيه المثل الأعلى للشعر المعاصر، ومن هؤلاء روبرت لند الذي قال عن كبلنج (إن عبقريته تشرق على جيله في البلاغة والفكاهة) وفريق وهو الأقلية ينتقص من مكانة كبلنج، ويرميه بأنه سطحي في شعره وفي نثره، وأنه يكتب بأسلوب براق يرضي الجماهير فقط. وزعيم هذا الفريق جورج مور. بيد أنه مهما قيل عن كبلنج وعن مواهبه وخلاله، فلا ريب أنه يتبوأ أرفع مقام في الأدب الفيكتوري
وقد نال كبلنج طائفة كبير من الجوائز والأوسمة الأدبية الرفيعة، فنال جائزة نوبل للآداب في سنة ١٩٠٧، ونال الوسام الذهبي لجمعية الآداب الملكية، ومنح عدة إجازات فخرية من الجامعات الكبرى، ولبث مدى أعوام مديراً لجامعة سنت أندروز
قضايا التاريخ العظمى
أصدر الأستاذ هنري روبير المحامي الفرنسي الكبير جزءاً جديداً من كتابه الشهير (قضايا التاريخ العظمى) ' وهو الجزء العاشر من ذلك الأثر الحافل الممتع؛ ويعرف عشاق الأدب الفرنسي كتاب الأستاذ هنري روبير حق المعرفة ويقرءون أجزاءه المتوالية بشغف
стр. 11022
ولذة، وهو كتاب يفيض في الواقع طرافة وقوة وسحراً، وفيه يتناول المحامي الأشهر طائفة كبيرة من أشهر القضايا التاريخية والجنائية المروعة، ومعظم هذه القضايا والحوادث معروف للقارئ المثقف، ولكن الجديد فيها حقاً هو الأسلوب الرائع الذي يعرضها به الأستاذ هنري روبير على قارئه؛ فهو محام بارع تخرج على يد الأعلام من أقرانه السابقين مثل لاشو وديمانج ولابوري أعلام البيان والدفاع في القرن الماضي، ثم هو كاتب من الطراز الأول يتشرف بالانتماء إلى الأكاديمية الفرنسية والانخراط في سلك الخالدين؛ وهو بهاتين الصفتين يقدم إلى القارئ تحفة قضائية وأدبية رائعة، عرضت في أسلوب قضائي وتاريخي واضح، ونظمت فيه الأدلة والفروض القضائية إلى جانب التعليلات التاريخية والاجتماعية البارعة. وربما كان عيباً في هذا الأثر الحافل أن يخصصه هنري روبير كله تقريباً لاستعراض قضايا التاريخ الفرنسية (وإن كان يقص فيه قليلاً جداً من القضايا الأخرى) ولكن ربما كان ذلك أيضاً من عوامل قوته ودقة معلوماته ووثائقه
ويتناول الجزء الجديد الذي أصدره هنري روبير عدة فصول أولها فصل خصص لحوادث السموم والنسوة المسممات في القرن السابع عشر، وهي حوادث تناولها من قبل المؤرخ البارع فونك برنتانو في كتاب قوي ساحر؛ وفصل خصص لفضيحة بناما الشهيرة التي انتهت بإفلاس الألوف وضياع مئات الملايين، ومحاكمة نفر من كبار الممولين والساسة يومئذ والحكم على بعضهم بالسجن؛ ثم فصل خصص لحياة كاترين دي مديتشي ملكة فرنسا ووالدة هنري الثالث وفرانسوا الثاني وشارل العاشر ملوك فرنسا، وهي امرأة رائعة وافرة الدهاء والخبث؛ ولكن الأستاذ هنري روبير يحاول أن يخفف عنها حكم التاريخ القاسي، ويتلمس لها أعذار السياسة والملك
والأستاذ هنري روبير يخرج فصوله الساحرة دون نظام معين، ففي كل جزء من كتابه أربعة فصول أو خمسة لا تجمعها رابطة العصر أو النوع؛ ولهذا لا يعتبر الجزء الجديد خاتمة الكتاب، وليس يعرف من جهة أخرى أنى يقف الكتاب وأيان ينتهي
شكسبير والسينما
سنرى قريباً أول رواية لشكسبير على ستار السينما؛ وهي فكرة جريئة للفنان المشهور مكس رينهارت، فهو يعمل الآن لإخراج شريط مصور من رواية شكسبير المسماة: (حلم
стр. 11023
ليلة صيف)؛ وقد سبق أن عمل رينهارت لإخراج روايات شكسبير الكبرى على المسرح، ونجح في ذلك نجاحاً عظيماً؛ فهو الآن يعالج إخراجها على ستار السينما؛ وكذلك عمل رينهارت لإخراج روايات أعظم كتاب المسرح مثل موليير، وابسن، وبرناردشو، وشترندبرج وغيرهم؛ وكان مكس رينهارت أول فنان وأول مخرج مسرحي في ألمانيا حتى جاء الهتلريون في الحكم فلم يشفقوا على علم ولا فن، وأطلقوا العنان لتعصبهم الجنسي الشنيع، وشردوا أقطاب الفن لأنهم يهود؛ وكان رينهارت في مقدمة أولئك الذين رفضوا البقاء في ظل هذا النظام البربري؛ وهو يتجول الآن في عواصم القارة فيلقى فيها أعظم حفاوة وتقدير
ومكس رينهارت نمسوي الأصل؛ وقد ولد في سالزبورج سنة ١٨٧٣، فهو الآن في نحو الثانية والستين من عمره؛ وقد شاءت بلدية مدينة سالزبورج أخيراً أن تكرمه وأن تخلد ذكراه فأطلقت اسمه على شارع من أهم شوارعها، وسالزبورج هي مدينة الفن والموسيقى
стр. 11024
النقد
رد على نقد
٤ - كتاب تاريخ الإسلام السياسي
للدكتور حسن إبراهيم حسن
تتمة
ومن الغرابة أيضاً أن نجد الناقد يأخذ علينا أننا كثيراً ما نستمد ونقتبس من كتب (تاريخ العرب) لسديو، و (موجز تاريخ العرب) للسيد أمير علي، و (الحضارة العربية لجوستاف لي بون، و (أتباع محمد) لواشنجتن أيرفنج، لأنها في نظره أصبحت قديمة قاصرة من حيث المستوى العلمي في الوقت الذي نراه فيه يشيد بمدح المستشرق مرجليوث، ويستدل به في نفي الكتاب عن ابن قتيبة. وقد يدعوه الإعجاب بمرجليوث فيدافع عنه ضمناً بأننا لم نحسن الرد عليه حين قال: (في صدد الرجلين اللذين أرسلهما عامل كسرى على اليمن ليأتياه بالرسول، فلما قدم الرجلان على الرسول ﷺ أخبرهما بأن كسرى قتل وأن ابنه هو الذي قتله)، أن الرسول كان له من يأتيه بالأخبار!! أما والله لولا أن الناقد مسلم كما نعتقد!! لضننا أنه يردد صدى هذا المستشرق الذي ينكر كل معجزة للرسول ويذهب في التأويل بعيداً بحجة المعقول وغير المعقول، ولو كان حصوله أوضح من الشمس في وضح النهار
انظر إلى هذا الناقد يجعل من عيوب كتابنا أننا لم نبطل هذه الرواية الدالة على المعجزة أو نتأولها على الرغم من تعرض كتب السنة الصحيحة لها وإثباتها، وعلى الرغم من أنه يعلم كيف يتغلب التعصب الديني أحياناً على روح العلم والبحث عند بعض المستشرقين، فينظرون إلى ما ورد عن الرسول من خلال مذاهبهم الدينية لا أبحاثهم التاريخية، ولسنا في حاجة لإيراد الأمثلة والشواهد على ذلك، فهي في متناول كثير من الناس
ولشد ما أعجب من حضرة الناقد حين يأبى أن يكيل لنا المدح جزافاً، ولكنه لا يأبى أن يكيل الذم كذلك ويخطئنا تخطئة لا حق له فيها، من ذلك أننا لما روينا قول بعض المؤرخين أن بعض الخوارج كانت تصدر منهم أمور متناقضة تدل على أنهم يخبطون
стр. 11025
خبط عشواء، كلومهم آكل الرطبة بدون دفع ثمنها، واسترضائهم أ
ذمياً بدفع ثمن خنزير له قتلوه، وقتلهم عبد الله بن خباب وزوجه وبعض النساء - علقنا على ذلك فقلنا إن هذا ليس من التناقض في شئ، وإنما هو أقرب إلى أن يكون غلواً في تطبيق مذهبهم، وحجتنا في هذا أن الخوارج يرون وجوب قتل المسلم الذي لا يدين برأيهم لأنهم يعتبرونه مرتداً؛ وحروبهم المتعددة مع علي بن أبي طالب ومع الأمويين، بل وأشعارهم وأراجيزهم تنطق بذلك. أما الذمي فلا سلطان لمذهبهم عليه، كما إنهم كانوا لا يستحلون أكل المغصوب أياً كان صاحبه، ولو أنهم يستحلون قتل النفس التي حرّم الله قتلها. فمن أين يأتي التناقض يا ترى؟ حبذا لو أرشدنا الناقد إلى وجه آخر في هذه المسألة خلاف ما ذهبنا إليه! فليس إلقاء الكلام على عواهنه مما تُخدم به (المادة الناشئة في معاهدنا العلمية أو يحفظ لمصر سمعتها في الأقطار الشرقية!)
لا يقل خطأ الناقد في هذا عن خطئه في دعواه، بأننا مع استشهادنا ومباهاتنا بتلمذتنا لبعض المستشرقين ننسى ما ننقله عنهم أحياناً وننسبه لنفسنا، وأننا جرينا على ذلك في الفصل الذي عقدناه لمكتبة الإسكندرية، ويكفي في الرد على هذه الدعوى الجريئة أن يرجع القارئ إلى كتابنا عمرو بن العاص فيجد أننا ذكرنا هناك رأي (بطلر) مفصِلاً في إحراق هذه المكتبة، وعلّقنا عليه بما يستحق من تقدير. فإذا أحلنا القارئ إلى كتابنا المذكور، فذلك لأنه يعتبر خاصاً بهذه المواضيع مدوناً فيه آراء بعض العلماء منسوبة إليهم عن هذه الحادثة العظيمة الشأن
ولقد كنا نربأ ببعض الأقلام أن تنزلق عن منهج النقد الخالص إلى إلقاء التهم والظنون بين الناس وغرس ما لا يستحسن غرسه بين التلميذ وأستاذه أو بين المؤرخ والمؤرخ. وحاشا لله أن ندعي ما ليس لنا أو أن نجهل فضل من جلسنا أمامه مجلس التلميذ، فإذا رغبت بعض الأقلام في أن تتهمنا بالتدليس مع بعض الأساتذة المستشرقين، أو بالعقوق مع أستاذنا المرحوم الشيخ محمد الخضري بك الذي نقدره ونجله، فإنما تحاول عبثاً هذه الأقلام وتمكن من نفسها وتدل على مصرعها. إن المتصلين بنا يعرفون أن ليس من خلقنا إنكار الجميل. ونحمد الله أنه في الوقت الذي كان الناقد يفكر في هذه الوقيعة بيننا وبين أستاذنا المرحوم الشيخ محمد الخضري بك كان أحد أفراد أسرته يتكرم بزيارتنا ويعرض علينا أن نشرف
стр. 11026
على نشر ما خلفه المرحوم من الكتب التي لم تنشر في حياته. ويا للعجب إذا كانت الجرأة والضمير يطوحان ببعض الناس إلى إثارة الضغينة بين الحي والميت، فكم تبلغ عفتها في أن توقع بين الحي والحي!! ألا فليرح الناقد باله من هذه الناحية فلن يجد غرسه أرضاً خصبة ولا يشفي به غيظاً
كيف يمكن أن يوفق القارئ بين قول الناقد إن هذا الكتاب عرض لنواح شتى من الحياة الإسلامية القديمة: عرض لنواحي الدين، والسياسة، والاجتماع، والعقل، والأدب، وبين قوله - عفا الله عنه - (إن المؤلف غير موفور الثقافة الإسلامية وقد أداه تفريطه في جانب الثقافة الإسلامية إلى الإفراط في الأخذ عن المصادر الأجنبية)، ومن يدري؟ فلعل هذا تقريظ قلعت عيناه فأبصر
جرت العادة أن يسمى الكتاب بأبرز نواحي موضوعاته، اللبيب يدرك بداهة أن فتح عمرو بن العاص مصر مما ينطبق عليه انطباقاً كلياً لفظ السياسة ومعنى السياسة، ويدرك كذلك أنه كان لعقائد الفرق الإسلامية ومذاهبها المكان الأول في إحلال دول مكان دول، وتقويض عروش وتدعيم عروش. فهذه الدولة العباسية استطالت أعاليها بسبب انتشار العقائد الشيعية وتغلبها؛ وتلك دولة الفاطميين خلقتها المذاهب الدينية أيضاً. ودع عنك القرامطة، والباطنية، والخوارج وغيرهم؛ فتلك أمور يطول شرحها. فأنت ترى مبلغ تأثير تلك العقائد في الاتجاهات السياسية ركوداً وهبوباً، وماذا تكون السياسة إذا لم تكن هي خلق منشآت جديدة، وتنظيم أمور الناس وفق مشارب ملوكها وأمرائها، وطبع المجتمع على غرار ما يراه الحاكمون سواء بسواء؟ لكن ناقدنا يأتي مع هذا معنفاً بأن عنوان الكتاب قاصر لا يجمع مثل هذه البحوث، فما كانت تصح نسبتها إليه ولا وضعها فيه، ويتعطف فيرشدنا إلى أنه ينبغي - إذا لم تكن مندوحة عن ذكر هذه الأبحاث - أن نصوغ عنوان كتابنا بما يدل على الشمول، ويزداد تعطفاً فيذكرنا بكتاب (موجز تاريخ العرب) للسيد أمير علي الهندي الذي نعرفه حق المعرفة! ولقد كان بودنا أن نتبع نصحه - ولو مرة واحدة - تشجيعاً للنقد، وثقة بنية صاحبه، لولا أنه سها عن أننا بسبيل وضع جملة أجزاء لكل جزء عصر خاص به. فإذا اقتدينا بمن ذكره لحق علينا قوله ليس لدينا غرض واحد محدود نرمي إليه ونسير على هديه، ولعله تذكر أخيراً أن هناك خمسة أجزاء باقية ستصدر بعد هذا الجزء - إن شاء الله
стр. 11027
- فلم يشأ إلا أن يزودنا - كعادته - بنصحه، وبأن نكون في وضعها أشد تحفظاً وأكثر تثبتاً
على أننا نضحك أشد الضحك حيث يرشدنا الناقد إلى الاقتداء يوضع السيد أمير علي لاسم كتابه (موجز تاريخ العرب) ذلك الكتاب الذي وصف مؤلفه بأنه (متوسط المكانة التاريخية) كما وصف أيضاً المؤرخ المشهور السير وليام ميور الذي خلف لنا كتابه في سيرة النبي وكتابه الآخر في الخلافة بأنهما قديمان. ونحب - قبل أن نترك هذه النقطة - أن نهمس في إذن الناقد بأن المؤلف الأول السيد أمير علي، الذي لم يرق في نظره أن أخذنا عنه بعض ما أخذنا، يقول عنه الأستاذ أدوارد براون في كتابه تاريخ الفرس الأدبي , , ٤ ١٨٨) في سياق كلامه على مبدأ ظهور الإسلام ما نصه:
(هذه المسائل قد ناقشها في مؤلفاتهم بكفاءة ولباقة كل من سيل، وسبرنجر، وميور، وكرهل، ونلدكه، وبوزول سميث، والسيد أمير علي
والسيد أمير علي هو ذلك المسلم العصري الواسع الفكر والاطلاع، جمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، وهو حقيق بأن يطلع على كتابه كل من يرغب في تفهم ذلك النفوذ القوي الذي لا يزال يتمتع به الإسلام ونبيه، حتى في نفوس هؤلاء الذين أشربوا روح الثقافة الأوربية)
ونعود إلى بعض ما أورده حضرة الناقد - أستغفر الله! بل إلى الإرشاد ما نقده - ليعدل في المستقبل عن تكلف ما لا يحسن - على رأيه فينا - وليستوعب ما يقرأ ويصرف نشاطه في مدارستها، فما يكون الإنسان كاتباً إلا بعد أن يكون قارئاً، وإنها لكبيرة أن يعمد واحد إلى كيل التهم والتشكيك غير مراع للتاريخ حرمته، ولا للقارئ عقليته، ولا للحق كلمته
يقول: (إن تشريع القبلة وحكمته يظفران في كتابنا بثلاث صفحات، في حين أن غزوة بدر التي تعتبر بحق أهم وقائع الإسلام، ومن وقائع التاريخ الفاصلة لا تكاد تظفر بصفحة واحدة؛ وأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك تخص بصفحتين، في حين أن الأحداث الجسام التي وقعت زمن الخليفة يزيد ابن الوليد بن عبد الملك تركز وتضغط في أسطر قلائل)
وبحسبنا أن يرجع القارئ إلى كتابنا ليرى كيف تفتل بعض الأقلام من الهواء حبالاً،
стр. 11028
وتخلق من الواقع محالاً. إن غزوة بدر ومقدماتها ظفرا وحدهما من صفحات الكتاب بنحو ثلاث عشرة صفحة (صفحة ١٣٦ - ١٤٨)، وإلا فهل كان الناقد يظن الكلام في الجهاد وأسبابه، والغنائم وشرعيتها، وهل الدعاية إلى الدين كانت من طريق السلام أو الحسام - كل هذا يظنه بمنأى عن غزوة بدر ولا يتعلق بها، وأننا لم نفصل الكلام على هذه المواضيع بمناسبة تخالف تلك الغزوة الخالدة؟ وهل كان يريد أن نستبدل هذه الأحداث الهامة بذكر ما قيل في رثاء قتلى المشركين، وما تقدمت به قتيلة تعاتب الرسول لقتل أخيها النضر، وما وقع في قتل أبي جهل مما تختص به كتب السير؟ أما إن الأحداث الجسام التي وقعت زمن يزيد بن الوليد ركزت وضغطت في أسطر قلائل فدعوى غريبة، يكفي لوأدها صفحات الكتاب من ٥٢٣ إلى ٥٥٠، وفيها أسباب سقوط الدولة الأموية، والتعرض بالتفصيل لهذه الأحداث الجسام التي وقعت أيام يزيد وغيره
إنما اللوم على من يحسبها … ظلمة من بعد ما يبصرها
في الأمثال (لا يشكر الله من لا يشكر المحسن من الناس) وإذا كنا في كلمتنا السابقة أخذنا على بعض المستشرقين أنهم أحياناً ينظرون إلى تاريخ الإسلام من خلال مذاهبهم الدينية، لا أبحاثهم التاريخية، فإننا لا نكتمهم حق الشكر على إنهم عاونوا في رفع الحجب التي أسدلتها العصور المظلمة على تاريخنا، وسلوكه في سلسلة تصل أوله بآخره، وتمد القابض عليها السائر حذاءها بما يمكنه من إدراك ما فيه من قوة وضعف واعتلاء وابتلاء. هذا ما كتبه فون كريمر، وبروان، وكرهل، والسير توماس أرنولد، وأميل درْ منجم وغيرهم، يدل على توفيق كبير في استخراج الوقائع والعبر التاريخية واضحة جلية بعد أن اختلطت أحداثها وتعددت نظمها وآراؤها، وبعد أن كان التاريخ سيراً يتفكه بها الخالون ويحتقرها العالمون، صار بفضل تلك الأبحاث العلمية الحديثة فناً كريماً تقرن فيه الموقعة بالموعظة، وتلحق فيه البينات والشواهد آثار رجالاته وبيئاته، حتى غدت منابعه عذبة للواردين وطرقه معبدة للمدلجين. فليس من الأصناف ما ذهب إليه الناقد من أن التاريخ الإسلامي لم ينهض بعد في الشرق نهضته المستقلة المنشودة، وأنه لا يزال قصصاً يقص وسيراً ساذجة تتلى. أجل! كان من حسن الحظ - أو من سوئه - أن الناقد بعد أن نعى علينا ما نعى، وبعد أن ملأ مقالاته الأربع بما يستر هب بعض الألباب حتى ظنته إمام هذه الصناعة،
стр. 11029
ذهب بعيداً جداً في الاعتداد والإرشاد، وعمم بعد تخصيص، وألقاها كلمة داوية بأن التاريخ الإسلامي في الشرق لم ينهض نهضته ولمّا يجد من يقيل عثرته، وأن روح الجماعات وأثر البيئة والتقاليد وعمل المبادئ والعقائد، والقوى الاجتماعية والاقتصادية لا تزال في العربية أسراراً لم ترفع عنها الحجب. فهذا الكاتب يرى أن كل ما ألف أو درس في التاريخ الإسلامي من أصول وفروع وبيئات وتقاليد لغو وباطل، سواء أكان الدارسون شرقيين أو مستشرقين
كان الظن بمن ينقد شيئاً أن يرينا مثلاً أعلى لما ينبغي أن يكون عليه طريق البحث ويدلنا عما صنع هو للاحتذاء والأسوة، فالنفس دائماً مولعة بأن تتبع ذا الفعال، وقلما تفيدها الأقوال (ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتعظيم من معلم الناس ومؤدبهم). ويظهر أن الناقد استشعر هذا الإشكال الجديد، فهو يحاول النجاة بأن الذي يحول دون نمو الروح التاريخي الصحيح في الشرق هو ما يعترض الباحث من وعورة المسلك وبعد الشقة وصعوبة المنال. مرحى مرحى!! كأنه يعتذر عن عدم إخراجه ولو مؤلفاً واحداً بما ذكر، ويتهم كل المؤرخين بأن التاريخ في كتبهم لا يزال قصصاً يقص وسيراً ساذجة تتلى، ويكتب أربع مقالات ينقدنا فيها نقداً لاذعاً، ويدعونا إلى الأخذ من هذا وترك الأخذ من ذاك. وما عهدنا واعظاً حكيماً يهدي إلى طرق لم يسلكها، ويكلف الناس بواجبات لم يتذوقها، أو يثقل عاتق الناس بما عجز عن حمله، أو يسهو عن أن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره. عفا الله عن ابن المقفع، فقد ذكر في ترجمة (كليلة ودمنة) أمثالاً صالحة لمن يغشى حلبة السباق وهو مقعد، أو يتولى سدة الوعظ وهو محتاج إلى الرشد
وبعد فما كان أغنى قراء (الرسالة) عن هذا كله، وما كان حق النقاد ألا يشرعوا قلمهم إلا لله والمصلحة العامة، لا تنزو بهم نازية من خوف أو طمع. ولكن هكذا قدر (ولو شاء ربك ما فعلوه)
ولقد رأى حضرات القراء أن هذه الزوبعة التي هول في أمرها وأطال بذكرها لم تكن بذات خطر تمد له في تجريحه مداً. ولله الحمد قد آن لنا بعد أن حصحص الحق أن نمسك القلم شاكرين (للرسالة) والقراء، معتذرين - بدورنا - عما عسى أن يكون يدر به القلم - فالبادئ أظلم. ومن لا يغار على الحق وكرامته يتهم في رجولته. (فأما الزبد فيذهب جفاء،
стр. 11030
وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)
انتهى
حسن إبراهيم حسن
следующие страницы →