Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.
стр. 11026
على نشر ما خلفه المرحوم من الكتب التي لم تنشر في حياته. ويا للعجب إذا كانت الجرأة والضمير يطوحان ببعض الناس إلى إثارة الضغينة بين الحي والميت، فكم تبلغ عفتها في أن توقع بين الحي والحي!! ألا فليرح الناقد باله من هذه الناحية فلن يجد غرسه أرضاً خصبة ولا يشفي به غيظاً
كيف يمكن أن يوفق القارئ بين قول الناقد إن هذا الكتاب عرض لنواح شتى من الحياة الإسلامية القديمة: عرض لنواحي الدين، والسياسة، والاجتماع، والعقل، والأدب، وبين قوله - عفا الله عنه - (إن المؤلف غير موفور الثقافة الإسلامية وقد أداه تفريطه في جانب الثقافة الإسلامية إلى الإفراط في الأخذ عن المصادر الأجنبية)، ومن يدري؟ فلعل هذا تقريظ قلعت عيناه فأبصر
جرت العادة أن يسمى الكتاب بأبرز نواحي موضوعاته، اللبيب يدرك بداهة أن فتح عمرو بن العاص مصر مما ينطبق عليه انطباقاً كلياً لفظ السياسة ومعنى السياسة، ويدرك كذلك أنه كان لعقائد الفرق الإسلامية ومذاهبها المكان الأول في إحلال دول مكان دول، وتقويض عروش وتدعيم عروش. فهذه الدولة العباسية استطالت أعاليها بسبب انتشار العقائد الشيعية وتغلبها؛ وتلك دولة الفاطميين خلقتها المذاهب الدينية أيضاً. ودع عنك القرامطة، والباطنية، والخوارج وغيرهم؛ فتلك أمور يطول شرحها. فأنت ترى مبلغ تأثير تلك العقائد في الاتجاهات السياسية ركوداً وهبوباً، وماذا تكون السياسة إذا لم تكن هي خلق منشآت جديدة، وتنظيم أمور الناس وفق مشارب ملوكها وأمرائها، وطبع المجتمع على غرار ما يراه الحاكمون سواء بسواء؟ لكن ناقدنا يأتي مع هذا معنفاً بأن عنوان الكتاب قاصر لا يجمع مثل هذه البحوث، فما كانت تصح نسبتها إليه ولا وضعها فيه، ويتعطف فيرشدنا إلى أنه ينبغي - إذا لم تكن مندوحة عن ذكر هذه الأبحاث - أن نصوغ عنوان كتابنا بما يدل على الشمول، ويزداد تعطفاً فيذكرنا بكتاب (موجز تاريخ العرب) للسيد أمير علي الهندي الذي نعرفه حق المعرفة! ولقد كان بودنا أن نتبع نصحه - ولو مرة واحدة - تشجيعاً للنقد، وثقة بنية صاحبه، لولا أنه سها عن أننا بسبيل وضع جملة أجزاء لكل جزء عصر خاص به. فإذا اقتدينا بمن ذكره لحق علينا قوله ليس لدينا غرض واحد محدود نرمي إليه ونسير على هديه، ولعله تذكر أخيراً أن هناك خمسة أجزاء باقية ستصدر بعد هذا الجزء - إن شاء الله
стр. 11027
- فلم يشأ إلا أن يزودنا - كعادته - بنصحه، وبأن نكون في وضعها أشد تحفظاً وأكثر تثبتاً
على أننا نضحك أشد الضحك حيث يرشدنا الناقد إلى الاقتداء يوضع السيد أمير علي لاسم كتابه (موجز تاريخ العرب) ذلك الكتاب الذي وصف مؤلفه بأنه (متوسط المكانة التاريخية) كما وصف أيضاً المؤرخ المشهور السير وليام ميور الذي خلف لنا كتابه في سيرة النبي وكتابه الآخر في الخلافة بأنهما قديمان. ونحب - قبل أن نترك هذه النقطة - أن نهمس في إذن الناقد بأن المؤلف الأول السيد أمير علي، الذي لم يرق في نظره أن أخذنا عنه بعض ما أخذنا، يقول عنه الأستاذ أدوارد براون في كتابه تاريخ الفرس الأدبي , , ٤ ١٨٨) في سياق كلامه على مبدأ ظهور الإسلام ما نصه:
(هذه المسائل قد ناقشها في مؤلفاتهم بكفاءة ولباقة كل من سيل، وسبرنجر، وميور، وكرهل، ونلدكه، وبوزول سميث، والسيد أمير علي
والسيد أمير علي هو ذلك المسلم العصري الواسع الفكر والاطلاع، جمع بين الثقافتين الشرقية والغربية، وهو حقيق بأن يطلع على كتابه كل من يرغب في تفهم ذلك النفوذ القوي الذي لا يزال يتمتع به الإسلام ونبيه، حتى في نفوس هؤلاء الذين أشربوا روح الثقافة الأوربية)
ونعود إلى بعض ما أورده حضرة الناقد - أستغفر الله! بل إلى الإرشاد ما نقده - ليعدل في المستقبل عن تكلف ما لا يحسن - على رأيه فينا - وليستوعب ما يقرأ ويصرف نشاطه في مدارستها، فما يكون الإنسان كاتباً إلا بعد أن يكون قارئاً، وإنها لكبيرة أن يعمد واحد إلى كيل التهم والتشكيك غير مراع للتاريخ حرمته، ولا للقارئ عقليته، ولا للحق كلمته
يقول: (إن تشريع القبلة وحكمته يظفران في كتابنا بثلاث صفحات، في حين أن غزوة بدر التي تعتبر بحق أهم وقائع الإسلام، ومن وقائع التاريخ الفاصلة لا تكاد تظفر بصفحة واحدة؛ وأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك تخص بصفحتين، في حين أن الأحداث الجسام التي وقعت زمن الخليفة يزيد ابن الوليد بن عبد الملك تركز وتضغط في أسطر قلائل)
وبحسبنا أن يرجع القارئ إلى كتابنا ليرى كيف تفتل بعض الأقلام من الهواء حبالاً،
стр. 11028
وتخلق من الواقع محالاً. إن غزوة بدر ومقدماتها ظفرا وحدهما من صفحات الكتاب بنحو ثلاث عشرة صفحة (صفحة ١٣٦ - ١٤٨)، وإلا فهل كان الناقد يظن الكلام في الجهاد وأسبابه، والغنائم وشرعيتها، وهل الدعاية إلى الدين كانت من طريق السلام أو الحسام - كل هذا يظنه بمنأى عن غزوة بدر ولا يتعلق بها، وأننا لم نفصل الكلام على هذه المواضيع بمناسبة تخالف تلك الغزوة الخالدة؟ وهل كان يريد أن نستبدل هذه الأحداث الهامة بذكر ما قيل في رثاء قتلى المشركين، وما تقدمت به قتيلة تعاتب الرسول لقتل أخيها النضر، وما وقع في قتل أبي جهل مما تختص به كتب السير؟ أما إن الأحداث الجسام التي وقعت زمن يزيد بن الوليد ركزت وضغطت في أسطر قلائل فدعوى غريبة، يكفي لوأدها صفحات الكتاب من ٥٢٣ إلى ٥٥٠، وفيها أسباب سقوط الدولة الأموية، والتعرض بالتفصيل لهذه الأحداث الجسام التي وقعت أيام يزيد وغيره
إنما اللوم على من يحسبها … ظلمة من بعد ما يبصرها
في الأمثال (لا يشكر الله من لا يشكر المحسن من الناس) وإذا كنا في كلمتنا السابقة أخذنا على بعض المستشرقين أنهم أحياناً ينظرون إلى تاريخ الإسلام من خلال مذاهبهم الدينية، لا أبحاثهم التاريخية، فإننا لا نكتمهم حق الشكر على إنهم عاونوا في رفع الحجب التي أسدلتها العصور المظلمة على تاريخنا، وسلوكه في سلسلة تصل أوله بآخره، وتمد القابض عليها السائر حذاءها بما يمكنه من إدراك ما فيه من قوة وضعف واعتلاء وابتلاء. هذا ما كتبه فون كريمر، وبروان، وكرهل، والسير توماس أرنولد، وأميل درْ منجم وغيرهم، يدل على توفيق كبير في استخراج الوقائع والعبر التاريخية واضحة جلية بعد أن اختلطت أحداثها وتعددت نظمها وآراؤها، وبعد أن كان التاريخ سيراً يتفكه بها الخالون ويحتقرها العالمون، صار بفضل تلك الأبحاث العلمية الحديثة فناً كريماً تقرن فيه الموقعة بالموعظة، وتلحق فيه البينات والشواهد آثار رجالاته وبيئاته، حتى غدت منابعه عذبة للواردين وطرقه معبدة للمدلجين. فليس من الأصناف ما ذهب إليه الناقد من أن التاريخ الإسلامي لم ينهض بعد في الشرق نهضته المستقلة المنشودة، وأنه لا يزال قصصاً يقص وسيراً ساذجة تتلى. أجل! كان من حسن الحظ - أو من سوئه - أن الناقد بعد أن نعى علينا ما نعى، وبعد أن ملأ مقالاته الأربع بما يستر هب بعض الألباب حتى ظنته إمام هذه الصناعة،
стр. 11029
ذهب بعيداً جداً في الاعتداد والإرشاد، وعمم بعد تخصيص، وألقاها كلمة داوية بأن التاريخ الإسلامي في الشرق لم ينهض نهضته ولمّا يجد من يقيل عثرته، وأن روح الجماعات وأثر البيئة والتقاليد وعمل المبادئ والعقائد، والقوى الاجتماعية والاقتصادية لا تزال في العربية أسراراً لم ترفع عنها الحجب. فهذا الكاتب يرى أن كل ما ألف أو درس في التاريخ الإسلامي من أصول وفروع وبيئات وتقاليد لغو وباطل، سواء أكان الدارسون شرقيين أو مستشرقين
كان الظن بمن ينقد شيئاً أن يرينا مثلاً أعلى لما ينبغي أن يكون عليه طريق البحث ويدلنا عما صنع هو للاحتذاء والأسوة، فالنفس دائماً مولعة بأن تتبع ذا الفعال، وقلما تفيدها الأقوال (ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتعظيم من معلم الناس ومؤدبهم). ويظهر أن الناقد استشعر هذا الإشكال الجديد، فهو يحاول النجاة بأن الذي يحول دون نمو الروح التاريخي الصحيح في الشرق هو ما يعترض الباحث من وعورة المسلك وبعد الشقة وصعوبة المنال. مرحى مرحى!! كأنه يعتذر عن عدم إخراجه ولو مؤلفاً واحداً بما ذكر، ويتهم كل المؤرخين بأن التاريخ في كتبهم لا يزال قصصاً يقص وسيراً ساذجة تتلى، ويكتب أربع مقالات ينقدنا فيها نقداً لاذعاً، ويدعونا إلى الأخذ من هذا وترك الأخذ من ذاك. وما عهدنا واعظاً حكيماً يهدي إلى طرق لم يسلكها، ويكلف الناس بواجبات لم يتذوقها، أو يثقل عاتق الناس بما عجز عن حمله، أو يسهو عن أن الحكم عن الشيء فرع عن تصوره. عفا الله عن ابن المقفع، فقد ذكر في ترجمة (كليلة ودمنة) أمثالاً صالحة لمن يغشى حلبة السباق وهو مقعد، أو يتولى سدة الوعظ وهو محتاج إلى الرشد
وبعد فما كان أغنى قراء (الرسالة) عن هذا كله، وما كان حق النقاد ألا يشرعوا قلمهم إلا لله والمصلحة العامة، لا تنزو بهم نازية من خوف أو طمع. ولكن هكذا قدر (ولو شاء ربك ما فعلوه)
ولقد رأى حضرات القراء أن هذه الزوبعة التي هول في أمرها وأطال بذكرها لم تكن بذات خطر تمد له في تجريحه مداً. ولله الحمد قد آن لنا بعد أن حصحص الحق أن نمسك القلم شاكرين (للرسالة) والقراء، معتذرين - بدورنا - عما عسى أن يكون يدر به القلم - فالبادئ أظلم. ومن لا يغار على الحق وكرامته يتهم في رجولته. (فأما الزبد فيذهب جفاء،
стр. 11030
وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)
انتهى
حسن إبراهيم حسن
стр. 11031
الكتب
مفتاح كنوز السنة
من عمل الأستاذ ا. ي. فنسنك
ترجمة الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي
بقلم الأستاذ محمد حامد الفقي
مطبعة مصر: ثمنه ستون قرشاً مصرياً
كان الباحث الذي تتوجه نفسه إلى معرفة علم الحديث والاشتغال به يجد نفسه أمام كنوز ملأى بالجواهر النفيسة، فإذا ما حاول فتح مغلقها أخذه من العناء والمشقة الشيء الكثير المضني، لأنها جمعت على طرق من التأليف كانت آخر ما وصل إليه تفكير المتقدمين حين لم تكن مطابع، ولم تخرج العقول هذه الفنون المدهشة من الفهارس، والمفاتيح التي وصل إليها عقل العلماء اليوم بكثرة المران
كان يجد أمامه هذه الصعاب، فيضرع إلى الله تعالى أن ييسر بفهرس يكون مفتاحاً لهذه الكنوز، يهون عليه الوصول إلى بغيته؛ ولقد طال أمد هذه الضراعة حتى خرج علينا الأخ الفاضل محمد فؤاد عبد الباقي بهذا المفتاح المبارك الذي ما ترك كنزاً مغلقاً إلا فتحه على مصراعيه، ونثر دره بين يدي الطالب يأخذ منها حاجته التي يبتغيها
فالكاتب، والخطيب، والمدرس، والفقيه، والمحدث، وكل من تعوزه صنعته، أو تقواه وعبادته، إلى شيء من هدي رسول الله ﷺ ، يفزع إلى هذا المفتاح فيضع في يده بسخاء كل ما يبتغي ويريد. وقد قدم له الإمام الكبير محدث عصره السيد رشيد ﵀، والمحدث الفاضل الشيخ احمد شاكر بمقدمتين، نقتطف منهما جملاً تنبئ القارئ الكريم عن عظيم الحاجة إلى هذا المفتاح إذ قال السيد رشيد رحمة الله عليه ورضوانه:
(ولو وجد بين يدي مثل هذا المفتاح لسائر كتب الحديث لوفر عليّ أكثر من نصف عمري الذي أنفقته في المراجعة. ولكنه لم يكن ليغنيني عن هذا الكتاب (مفتاح كنوز السنة) فإن ذاك إنما يهديك إلى مواضع الأحاديث القولية التي تعرف أوائلها، وهذا يهديك إلى جميع
стр. 11032
السنن القولية والعملية، وما في معناهما، كالشمائل والتقريرات والمنقب والمغازي وغيرها، فلو كان بيدي هو أو مثله في أول عهدي بالاشتغال بكتب السنة لوفر عليّ ثلاثة أرباع عمري الذي صرفته فيها)
وقال الأستاذ الشيخ احمد شاكر (وقد عني الصديق فؤاد أفندي بالدقة في الترجمة أتم عناية، فإنه لم يترجم معنى من المعاني حتى رجع إلى الأحاديث في مصادرها التي أشار إليها المؤلف وعبر عنها بالعبارة الصحيحة التي تدل عليها الأحاديث. ولذلك مكث في ترجمته أربع سنين ثم لم يضن على طبعه بالمال، فاختار أرقى المطابع في القاهرة وانتقى له أجود أنواع الورق، فأبرز الكتاب كاملاً. . .)
(هذا الكتاب جعله مؤلفه فهرساً لثلاثة عشر كتاباً من أمهات كتب الحديث. وهي: مسند الإمام احمد بن حنبل. صحيح البخاري. صحيح مسلم. سنن الدارمي. سنن أبي داود. سنن الترمذي. سنن النسائي. سنن ابن ماجه. وهذه الثمانية هي أصول السنة ومصادرها الصحيحة الموثوق بها. ويندر أن يكون حديث صحيح خارجاً عنها. ثم موطأ الإمام مالك. ومسند أبي داود الطيالسي. . . ثم سيرة ابن هشام. ثم كتاب المغازي للإمام محمد بن عمر الواقدي. . . ثم أعُظم كتاب جمع سيرة النبي ﷺ وتراجم الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو كتاب الطبقات الكبير لابن سعد. والكتاب الرابع عشر المسند المنسوب إلى زيد بن علي بن الحسين. . . وقد رتب الأستاذ فنسنك كتابه على المعاني والمسائل العلمية، والأعلام التاريخية، وقسم كل معنى أو ترجمة إلى الموضوعات التفصيلية المتعلقة بذلك، ثم رتب عناوين الكتاب على حروف المعجم، واجتهد في جمع ما يتعلق بكل مسألة من الأحاديث والآثار الواردة في هذه الكتب. . . . . ولعل نشر هذا الكتاب بلغتنا العربية الشريفة يكون سبباً في إقبال المتعلمين من جميع الطبقات على الاشتغال بالسنة النبوية، وعلى الاستفادة من كتب الحديث التي هي كنوز العلم والحكمة التي أعرض عنها أكثر الناس، إما جهلاً بفائدتها، أو عجزاً عن المراجعة فيها عند الحاجة)
وقد وضع الأستاذ فؤاد عبد الباقي لهذا المفتاح فهارس أخرى تيسيراً للمنفعة به وبالمعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، صدر منها فهرس البخاري ومسلم والترمذي. ولعلنا نتكلم عنها وعن المعجم المفهرس في فرصة أخرى
стр. 11033
محمد حامد الفقي
стр. 11034
القصص المدرسية
يصدرها الأساتذة سعيد العريان - أمين دويدار - محمود
زهران
المدرسون بالمدارس الأميرية
ماذا يقرأ الطفل في وقت فراغه؟
بل ماذا يقرأ الطفل في مدرسته؟
ولماذا ينقطع أكثر شبابنا الذين أتموا دراستهم، عن المطالعة والدرس فلا يتذوقون لذة القراءة، ولا يلتمسون متاع الروح ورياض العقل بالاطلاع والنظر في الكتب؟
هذه أسئلة تعرض لكل ذي رأي في هذا البلد، فيذهب يلتمس الجواب، ويعرض الرأي، ويناقش الفكرة، فلا يهتدي إلا إلى رأي واحد: هو أن الطفل العربي لا يجد ما يقرأه فيلذه ويفيده في وقت معاً؛ فما بين يديه من الكتب واحد من ثلاثة: كتاب مدرسيّ يراه همّ النهار والليل، وكتاب في مكتبة أبيه يعيا من دونه فكره ويقصر إدراكه، وصحيفة بين هذين أو في مذهب ثالث، ليس من الحكمة أن تصل إليها يده. والطفل بين ذلك كله لا يجد ما يجذبه إلى القراءة أو يحببه إلى الاطلاع فينشأ نشأته كما نرى أكثر شباب هذا الجيل
ومن هنا بدأ تفكير بعض أدباء العربية في تلافي هذا النقص فاتجهوا بعنايتهم إلى محاولة إيجاد (أدب الطفل)، ويعنون بأدب الطفل، ذلك الأدب السهل الذي يلذ الطفل ويشوقه، ويحمله - بالرغبة والميل الطبيعي - على المطالعة وحب الكتب، منبثاً في ثناياه ما يُراد أن يزود به الطفل من علم وفن ومعرفة وبيان، فيتناوله مقبلاً عليه بقلبه وعقله وطبيعته؛ وكانت محاولات مجدية، أضافت إلى العربية فناً جديداً، وأوجدت بينها وبين نفس المتعلم سبباً وثيقاً
على أن هذه (القصص المدرسية) التي نتكلم عنها اليوم - اتجاه جديد في هذا الباب من الأدب؛ فلم يقتصر مؤلفوها على الترجمة من أدب الغرب، أو النقل من كتب الأدب القديم، كما فعل من سبقهم إلى هذا الباب؛ بل تراهم يحاولون أن ينشئوا (أدب الطفل) أصيلاً في العربية، مصوراً من هذا الجو الذي يعيش فيه طفل اليوم؛ وبذلك أوجدوا الصلة بين الطفل
стр. 11035
ولغته، وبينه وبين أهله، وبينه وبين الجو الذي يعيش فيه، فلا يعييه بعد إذ أن يتابع القصة بخياله، كأنه بطل فيها، مؤثر في حوادثها؛ وهذا - لعمري - نهج سديد، خليق بأن ينشئ من أطفالنا جيلاً جديداً، له مُثُله العليا على مقداره، وله رأيه فيما يحيط به
وقد استقبلنا هذه القصص لأول ظهورها منذ عام، فرحين آملين، مشفقين على مثل هذا المشروع أن يقف في طريقه ما يقف في سبيل أكثر الجهود النافعة في بلدنا فيحول دونها أن تبلغ التمام. ولكنا اليوم إذ تطالعنا القصة الخامسة من هذه القصص الدورية - نستبشر ويزايلنا الإشفاق على مصير هذا العمل النافع. على أن جهداً كهذا الجهد الذي يبذله مؤلفو القصص المدرسية صامتين - جدير بأن يلقى ما يستحق من عناية الآباء والمعلمين ليدلوا تلاميذهم عليه، ويرشدوهم إلى سبيل الانتفاع به. لينجح المشروع ويؤتي ثمرته في أولادهم وتلاميذهم
وما نحاول أن نصف هذه القصص بأكثر مما وصفها الأستاذ الرافعي في رسالة كتبها إلى المؤلفين بخطه يقول فيها: (إنها رجولة عالية تساق إلى التلميذ في أسلوب التلميذ!)
(م)
стр. 11036
العدد ١٣٥ - بتاريخ: ٠٣ - ٠٢ - ١٩٣٦
стр. 11037
محمد
لتوفيق الحكيم
وهذا كتاب آخر قد نسقه فن آخر، ليعين رواجح الأحلام على اجتلاء، شخصية سمت ببطولتها عن البيان، واكتناه سيرة جلت بقداستها عن الفهم. وشخصية الرسول الكريم وسيرته أصبحتا اليوم في الشرق والغرب موضوع الدرس المفصل، وموضع التحليل العميق. وأنى للبصر المحدود أن يدرك ما لا يحد؟ وللبصيرة المتناهية أن تبلغ ما لا يتناهى؟!
حاول هيكل تعريف هذا الإشراق الإلهي من طريق العقل فأتخذ الدليل، وحاول طه حسين أن يصوره من طريق القلب فأصطنع الأسطورة، وحاول توفيق الحكيم أن يمثله من طريق الغريزة فأستعمل الحوار، والحوار ولاشك غريزة الحياة وأسلوب المجتمع، تجري به الحوادث، وتنتقل عليه الأحاديث، وتتردد فيه المآرب، وتوشك لغة الخطاب لا تعرف من ضروب الكلام غيره. هو لسان الوجود اليومي، يترجم عن رغائب النفس في غير كلفة، وينقل عن سوانح الذهن من غير إجالة، وينم على مرامي الهوى في نبرات الصوت، ويكشف عن طوايا الصدر في لحن الكلام، ويشف عن أحاسيس الروح في لهجات الحديث، ثم يصطبغ بصبغة الزمان والمكان والموقف والمناسبة؛ فإذا أنت سجلته بالحق أو مثلته بالصدق، فقد صورت الوجود المعدوم أكمل صورة، وجلوت الماضي المبهم أتم جلاء؛ ولكن تسجيل الحوار على عمومه عمل من وراء الإمكان ومن فوق القدرة، فقصارى جهد الإنسان أن يروي معناه بالسند فيكون التاريخ، أو يموهه بالخيال فتكون القصة، أو يزخرفه بالوهم فتكون الأسطورة. أما تمثيله على النمط الذي جرى عليه فهو الفن المبدع الذي يمده الإلهام وتهديه الطبيعة. يجرد الحادث من فضول الرواية ونافلة الحديث فيرده إلى جوهره ويحيله إلى بساطته، ثم يبعث الأشخاص، ويجدد الأمكنة، ويعيد الملابسات، ويحيي البيئة، ويرجع بالقارئ إلى عصره، فيحيا حياته، ويعايش أهله، فيرى بعينه ما يعملون، ويسمع بأذنه ما يقولون، ويدرك بنفسه موانع الحال ودوافع الموقف؛ وذلك ما عمله توفيق الحكيم في كتابه الجديد (محمد): عمد إلى المواقف الخطيرة في حياة الرسول، والمواقع العظيمة في تأريخ الرسالة، فمثلها على الوضع الذي كانت عليه، بالعمل الذي حدث، وبالحوار الذي
стр. 11038
جرى، وبالروح الذي انتشر، ثم صور البواعث النفسية التي أغفلها المؤرخ، وأظهر الألوان المحلية التي أحاطها الزمن، فاتصلت الأسباب، استبانت العلل، وتحددت الفروق، ووقع الأمر من حك موقع المألوف من غير التواء ولا فلسفة. أقرأ في كتاب توفيق الحكيم موقعة بدر أو حديث الأفك أو وفاة الرسول، ثم أقرأها في كتاب من كتب التاريخ تجد ما قلته لك قد صار أوضح في المثال وأوكد بالموازنة.
لم يرد توفيق الحكيم أن يجعل من سيرة الرسول رواية؛ فإنه لو أراد ذلك لما سلم من لوم رجل الدين، ولا برئ من نقد رجل الفن؛ إنما هي مناظر مجلوة على أسلوب الحوار لا يجمعها قانون الوحدة، ولا يربطها تسلسل الزمن. ولقد ظهر هذا النوع أول ما ظهر في (الرسالة) حين اقترحت على الأستاذ الحكيم أن يكتب على طريقته هجرة الرسول في أول عدد من أعدادها الممتازة؛ فتهيب الأمر بادئ ذي بدء، ثم تخوف المتزمتين أن ينكروا عليه فعله، ثم أقدم فعالج الموضوع في حذر وحيطة، ثم ترقب ما يكون من رأي الناس، فإذا هم يقرءون في لذة ويحكمون في نزاهة، فمضى بعرض جوانب السيرة هذا العرض الواضح في مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة طوى عليها هذا الكتاب. والأرجح أن هذا الأسلوب سيجد مكانة في تأريخ الأدب المعاصر، فإن شاعراً من شعراء مصر نحا نحوه في مقتل حمزة، وكاتباً من كتاب الشام حذا حذوه في موقعة بدر.
هذه كلمة عجلى كتبناها عن طريقة الكتاب على قدر ما أتسع المكان والوقت؛ وفي أكثر المناظر منه مواقف للإعجاب وفي أقلها مواقف للإعجاب وفي أقلها مواقف للمؤاخذة، وسيقف الناقد النزيه منها موقف العاذر أو العاذل على حسب رأيه في الفن وحريته. ولست اليوم بسبيل الكشف عن سر الكتاب وفنه، إنما هي تقدمة وتحية؛ وسنقرأ عنه ثم تقرأ في باب النقد أو في باب الكتب.
وبعد فإن للرسالة أن تغتبط بتفوق الله فيما تجاهد له، فلقد كان لها نصيب منتج في توجيه الأدب العربي الحديث في مصر وفي غير مصر إلى هذه الغاية العليا. كان أدبنا منذ قليل يتخلق بغير خلقه، ويتزيا بغير زيه؛ يرد المنابع البعيدة ونهره قريب، ويستجدي الأنامل الكزَّة وخيره عمم، حتى جف ما بينه وبين أصله، وانقطعت الأسباب بينه وبين أهله، فأصبح اليوم بفضل هذا التوجيه الحميد موصول الحبل بماضيه، معقود الرجاء بمستقبله،
стр. 11039
مطوي الفؤاد على قصده، وما دام على الدرب الأمين القاصد فهو لا بد في القريب أو في البعيد واصل.
أحمد حسن الزيات
стр. 11040
٧ - كلمة وكليمة
للأستاذ مصطفى صادق الرافعي
ليس في الشرف كأداء الواجب بشرف
الوعد السياسي جريء في الكذب، جريء في الاعتذار، حتى أنه ليعد بإحضار القمر حين يستغني عنه الليل في آخر الشهر. . . فإذا لم يجيئوا به قالوا: سيتركه الليل في الشهر القادم. .
الزمن ضعيف في نصرة الضعيف؛ فإذا قالت دولة أوربية لدولة شرقية: سأدعك في سنة (كذا)، فمعناها في سنة (دائماً) التي لا أعرفها لا أنا ولا أنت ولا الزمن. . .
كما تضرب السياسة بقنابل حشوها البارود والرصاص؛ تضرب بقنابل حشوها المطامع والمناصب. . . .
لا يجيء الاتحاد القوي من وحدة الأحزاب المختلفة، ولكن من وحدة الحالة الواحدة في الأحزاب المختلفة.
للسياسة أحياناً أسلوب كأسلوب المرأة ذات العشاق، إذا وافق بعضهم بعضاً على النكاية بها، فرقت بين حظوظهم منها، فما أسرع ما يختلفون.
قال ذئب سياسي لخروف سياسي: أريد الاتفاق معك (حالاً). فقال الخروف: ويلك! إذا كنت أنت ذئباً للحمى، فهل تكون (حالاً) هذه إلا ذئباً آخر لعمري؟
لم يضيع الشرقيين ضعف القوة أكثر مما ضيعهم ضعف البصيرة.
تالله ما أذل الشرق إلا هذا التصوف، وتالله ما يعز الشرق إلا هذا التصوف بعينه، إذا أنتقل عن رجاله إلى رجال المال والحكم والسياسة.
كنت مرة في ضيافة رجل من أهل القرى مع أحد علماء الفقه، وذهبنا مع القروي إلى أرضه وفيها نخلة متهافتة ليس أهون منها على صاحبها. فقال له الفقيه: أحب أن تهب لي هذه النخلة في مغرسها بحدودها الأربعة. قال قد وهبتها لك. قال الفقيه بحدودها الأربعة؟ قال الرجل الطيب: نعم.
فقال له الفقيه: الآن وهبت لي أرضك كلها وخرجت منها شرعاً. . . فهذا فضاء ولا حدود للنخلة إلا آخر ما تملك منه في الجهات الأربع. هكذا يملك دهاةُ الفقه السياسي البلاد
стр. 11041
العريضة إذا ملكوا ولو نخلة فيها، غير أنهم يسمون حدود النخلة (تحفظات) النخلة. . .
يكاد يقال اليوم إذا عدت العناصر الأرضية: أنها النار والماء والهواء والتراب والأسطول الإنجليزي. . .
كل ما استعنت به على الحبيب الملول، أعان الملل في نفسه
لا تعاتب حبيبك الذي مل، فإذا مرض الحب مات العتاب
أكثر صبر العشاق من قلة الحيلة. . .
كذب الحبيب كذب مر، لأنه خرج من الفم الحلو
جمال التواضع في الصديق أن يستمر دائماً في شكل تواضع، وجمال الخضوع في الحبيب ألا يستمر دائماً في شكل خضوع.
تنظر المرأة بقلبها إلى أشياء لا تراها بعينها
أحترس في العداوة مما تبدأ به العدوة؛ وأحترس في الحب مما ينتهي به الحب
لا تنسى الإساءة امرأة لأنها قليلاً ما تذكر الحسنة
كيف تتحرر المرأة إذا كان حكم الطبيعة أن أفضل ما تحرر به نفسها أن تجد من تقيد به نفسها؟
يا ويل المرأة من قلبها حين يكون محروماً! يا ويل المرأة من قلبها حين يكون فيها كالمنفي في غربة!
أبت الدنيا أن تفسر كل عجيبة إلا بما هو أعجب منها. وهذه هي العجيبة
لو كانت اللذة في اللذة نفسها لما شقي أحد، لتيسرت لكل الناس كما تيسرت لكل البهائم؛ ولكن أكثر اللذات لا يلذ إلا في التركيب الوهمي الذي أكثره في الخيال وأقله في الواقع.
ما دامت أخلاق البهائم في الناس، فصلاح الإنسانية سيبقى دائماً في هذه المعاني الثلاثة: الراعي، والحبل، والعصا. . .
من لؤم الكذب وشره أنك لو صدقت بكلمتين وكذبت بثالثة، كنت كأنك صدقت باثنتين وكذبت بثلاث.
كيف تصلح الدنيا وفي كل أرض يعمل على عكس قوانينها - قانون الجو وقانون الأرض؟
شقاء العبقري من نفسه؛ فإن ظل يعمل تعبت به، وأن ترك العمل تعب بها.
стр. 11042
أين الحقيقة الكاملة من العقل الإنساني ونحن نرى كل عقل لا يعطي منها إلا قدر ما يسع منها؟
أسكت عن السفيه فإن ذلك إلا يجعله كريماً مثلك لا يجعلك لئيماً مثله.
قيل لمغرور متكبر يُخَنخِنُ في خياشيمه إذا تكلم: لماذا تتكلم من أنفك؟ قال. لأني لا أجد في العالم من أكلمه بملء فمي. . . . . .
لو رد العالم على هذا المغرور لقال له: كل الحمير تنهق بملء أفواهها إلا أنت. . . . .
إذا صغرت النفس من لؤم صاحبها، كبرت بلسان صاحبها.
الصورة الثانية للرجل المضحك جداً، هي أن يظهر نفسه عظيماً جداً.
(طنطا)
مصطفى صادق الرافعي
стр. 11043
السياحة في مصر
ومتى تغدو موردا قوميا؟
بقلم سائح
مصر بلد الآثار الباقية والذكريات الخالدة؛ آثارها وذكرياتها ترجع إلى أقدم عصور الخليقة، وتراثها الأثري والفني منوع في عظمته، ممتد على كر العصور والمدنيات؛ ومنذ عصر الفراعنة، حيث يغيض التاريخ في ظلمات المجهول، ومنذ الحضارة المصرية اليونانية، والحضارة المصرية الرومانية، إلى الحضارة المصرية الإسلامية، تتكدس الآثار والذكريات الخالدة في أرض مصر صنوفاً متعاقباً، حتى غدا تراث مصر الأثري والفني في روعته وفي عراقته وتباين أعصره وصنوفه، أغنى وأثمن ما عرف من بقايا الحضارات الذاهبة القديمة والوسطى.
وقد كان حرياً ببلد كمصر يتمتع بمثل هذا التراث الثري الباهر إلى جانب ما يتمتع به أثناء الشتاء من طبيعة ساحرة وشمس وضاءة ودفء لذيذ، أن يغدو كعبة حقيقية للسياحة والسياح من سائر أنحاء الأرض، وأن يجعل من السياحة مورداً قومياً لا بأس به، وأن يستغل هذا المورد بوسائل وأساليب جذابة مجدية، وان يسيطر على مرافقه ونواحيه بطرق عملية شاملة، وألا يدخر وسعاً في الحرص عليه كمورد قومي ثابت، أو في السعي بتنميته بجميع الوسائل والنظم.
ولقد غدت السياحة في كثير من البلاد مورداً قومياً للكسب، وأضحت وسائل استغلاله وتنميته في بلاد كثيرة لا تتمتع بمثل تراثنا الأثري، ولا مثل جونا الساحر، صناعة حقيقية؛ لكن مصر ما زالت في المؤخرة من حيث دراسة هذه الصناعة المحدثة وفهمها والانتفاع بوسائلها. نعم أن في مصر موسماً للسياحة، وما زالت مقصد ألوف من السياح من مختلف البلاد في كل شتاء ولكن هذا الموسم لا يقوم على أسس ثابتة، بل يترك أمره للظروف والمصادفات الخارجية، وتكاد مصر تقف منه موقفاً سلبياً محضاً؛ فإذا كان الموسم حسناً مزدهراً، فأن ذلك يرجع عادة إلى ظروف خارجية لا دخل لمصر فيها، وإذا كان الموسم سيئاً مجدباً، كما هو الشأن منذ أعوام، فأن مصر لا تبذل من جانبها أية جهود عملية مجدية لاجتذاب السياح، والعمل على مقاومة العوامل والأسباب التي يمكن أن يرجع إليها مثل هذا
стр. 11044
الكساد.
على أن موسم السياحة المصري ليس في الواقع مصرياً إلا بالاسم، ومن الظلم أن يحسب على مصر بصورته الحالية، فليست مصر أو الهيئات المصرية هي التي تجني ثماره، وتستغل موارده بقدر ما يجنيها ويستثمرها الأجانب والهيئات الأجنبية؛ ذلك أن كل ما تجنيه مصر من هذا الموسم يكاد ينحصر في أجور السكك الحديدية ورسوم المتاحف والآثار وأجور التراجمة وأثمان بعض السلع والمنتوجات القليلة التي تعرض للبيع أثناء الموسم، وهذا كله قليل بالنسبة إلى ما تجنيه الوكالات والفنادق والمتاجر الأجنبية من الأرباح الطائلة؛ وهكذا يستغل موسم السياحة المصري باسم مصر، ومصر تقنع منه بالفتات الضئيل.
وهذه حقيقة مؤلمة؛ بيد أن أشد ما يؤلم فيها هو أن هذا الغبن الفادح الذي يلحق مصر في مورد من مواردها المشروعة ترجع التبعة فيه إلى مصر ذاتها، والى ما تبديه هيئاتنا الرسمية وغير الرسمية من قصور وتقصير في تنظيم الدعاية لمصر في الخارج، وفي تنظيم شؤون السياحة الداخلية بوسائل مجدية وطرق جذابة وفي توفير أسباب اليسر والراحة للسائحين؛ ومن الحقائق المعروفة في أوساط السياحة الخارجية أن نفقات السياحة في مصر تصل إلى حدود مرهقة، ولا يكاد يتحملها سوى كبار الأغنياء والموسرين، وأن السياح المتوسطي الحال يقاسون فيها من فداحة الأجور وعدم توفر أسباب الراحة؛ وهذه الحقيقة وحدها تبعد عن مصر عشرات الألوف من السياح الذين تسرهم زيارتها لو توفرت فيها أسباب الإقامة المعتدلة، كما هو الشأن في معظم مراكز السياحة في أنحاء العالم.
ولنبدأ بمسألة الدعاية، فنقول أن مصر ما زالت متأخرة في هذا الميدان بصورة يرثى لها؛ وما تنفقه مصر في هذا السبيل من الألوف العديدة يذهب هباء؛ إذ يغدق معظمه على بعض الصحف الأجنبية التي لا تفيد في الدعاية الحقيقية؛ والدعوى المنظمة هي روح السياحة الحديثة، ومصر مشهورة في الخارج بتراثها الفني ومزاياها الإقليمية، وميدان الدعوى إلى زيارتها خصب ممهد؛ على أن مما يؤسف له أن مصر لم تقم حتى اليوم بتنظيم هذه الدعاية بطرق عملية ناجعة، فليس لنا في الخارج مكاتب ولا وكالات مصرية للسياحة، وقنصلياتنا لا تبذل أي جهد في هذا السبيل؛ على حين أن جميع الأمم التي بها مراكز للسياحة تنظم
стр. 11045
دعايتها في جميع أنحاء العالم تنظيماً عملياً واسع النطاق، فتنشئ لها مكاتب للسياحة في الداخل والخارج، وتذيع عن آثارها ومزايا السياحة فيها كتباً ونشرات بديعة جذابة توزعها بالألوف من مكاتبها وقنصلياتها، ولا تدخر في ذلك مالاً ولا جهداً.
ولكن مصر تقنع في هذا الميدان بنشرات قليلة تذيعها في بعض الصحف الأجنبية، وبعض لوحات تعلقها في عربات السكك الحديدية؛ هذا إلى أنه هناك دعايات مغرضة تنظم ضد مصر من منافسيها في ميدان السياحة، ومصر لا تبذل أي جهد لدحض هذه الدعاية السيئة.
ولقد أنشئ بمصر أخيراً مكتب رسمي للسياحة، وبدأ أعماله في ظروف سيئة عاقته عن القيام بالمجهود الذي تقتضيه هذه الحالة؛ وأنّا نؤيد الفكرة في ذاتها، ونرجو أن تتاح الفرص الملائمة ليقوم هذا المكتب الجديد بمهمته في بث الدعاية لمصر وفي العمل على اجتذاب السياح إليها. بيد أن مهمة المكتب لا تقف عند هذه المهمة؛ وفي رأينا أن مهمة المكتب الحقيقية هي وجوب العمل على تمصير موسم السياحة وجعله جهد الاستطاعة مورداً قومياً يتاح للهيئات المصرية ولأبناء البلاد قبل غيرهم إجتناء فوائده وثماره؛ وهذا يتطلب من مكتب السياحة أن يعمل في دائرة واسعة متعددة النواحي.
وإذا كانت السياحة قد أضحت كما قدمنا في بلاد السياحة صناعة وفناً، فأنه يجب علينا في مصر أن نفهمها بهذا المعنى؛ وعلينا إذا شئنا أن نجتني مغانم هذا الموسم أن نعنى بإنشاء الفنادق الفخمة والمتوسطة، وإنشاء المطاعم والأبهاء الأنيقة، وتنظيم السياحة الداخلية، وترقية طائفة التراجمة والمرشدين، وتخفيض أجور السكك الحديدية ورسوم الآثار والمتاحف.
وإذا أريد حقاً أن يكون موسم السياحة في مصر مورداً قومياُ، فعلى هيئاتنا الرسمية وغير الرسمية أن تبادر قبل كل شيء إلى العناية بصناعة الفنادق، فهي عماد الموسم في جميع مراكز السياحة؛ ولا ندري لماذا لا يفكر الممولون المصريون في النزول إلى هذا الميدان الذي ما زال يستأثر به الأجانب في جميع عواصم القطر؟
ولماذا لا يتجه الشباب المصري إلى المساهمة في هذه الصناعة وهي لا تحتاج إلى مجهودات فنية صعبة؟ ولا ريب أن عدم توفر الفنادق الأنيقة المعتدلة الأجور من أهم عوامل الضعف في موسم السياحة المصري، لأن للفنادق الأجنبية الفخمة التي تستأثر الآن
стр. 11046
باستقبال السياح ترهقهم بفداحة أجورها ونفقاتها؛ وإذا تذكرنا الأرباح الطائلة التي توزعها شركة الفنادق المعروفة على حاملي أسهمها كل عام استطعنا أن نقدر إلى أي حد يرهق السياح النازلون في فنادقها؛ وهو إرهاق يترك أثراً سيئاً في نفوس ضيوفنا الأجانب حتى الأغنياء منهم.
ولا يسد هذا النقص سوى إنشاء فنادق مصرية أنيقة معتدلة الأجور؛ وهي صناعة رابحة يجب ألا يتوانى المصريون عن النزول إلى ميدانها. ولا ريب أن بنك مصر هو أقدر الهيئات المصرية الاقتصادية على فتح هذا الباب خصوصاً وهو يضم بعض الشركات والمرافق التي يتصل عملها بشؤون السياحة كشركة الملاحة وشركة الطيران ومكتب مصر للسياحة؛ وغزو هذه الصناعة التي يستأثر بها الأجانب وبجانبها المصريون بغير حق، يحقق لمصر غايتين: الأولى تمصير صناعة الفنادق واجتناء أرباحها، والثانية تيسير أسباب الإقامة للضيوف الأجانب وتشجيعهم بذلك على زيارة القطر المصري.
ونعتقد أن مكتب السياحة المصري مجالاً للعمل في هذا الباب من الناحية الحكومية؛ ذلك أن الحكومة المصرية لا يفوتها ما يترتب على إحياء صناعة الفنادق الأنيقة المعتدلة من توفير أسباب الراحة للسياح وتشجيعهم لا على زيارة القطر فقط، بل على إطالة مكثهم به أيضاً؛ ولا بأس من أن تتولى الحكومة نفسها أو إدارة السكة الحديدية، وهي من أوثق الإدارات الحكومية اتصالاً بشؤون السياحة، القيام بأول خطوة في هذا السبيل، وإنشاء فندق أو أكثر من طراز نموذجي يجمع بين الفخامة واعتدال الأجور.
بقيت مسألة نرجو أن يعنى بها مكتب السياحة عناية خاصة، وهي مسألة التأشيرات التي تمنحها القنصليات المصرية في الخارج لراغبي زيارة القطر. ومن المعروف أن نظام التأشيرات الحالي يكاد يقضي على كل اختصاص حقيقي لقناصلنا في هذا الشأن، ويجعل الاختصاص الحقيقي في منح التأشيرات ورفضها لقلم الجوازات التابع لإدارة الأمن العام (ورئيسه إنكليزي). وفي معظم الأحوال يضطر القناصل المصريون إلى مراجعة إدارة الأمن العام قبل المنح أو الرفض، وتستغرق هذه المخاطبات وقتاً ليس بالقصير، وإذا كانت تلغرافية فأنها تجري على حساب الطالب. وبذلك تمضي أسابيع وربما مضت أشهر قبل أن يبت في طلب الطالب، ولا تستطيع القنصليات أن تمنح تأشيرة دخول القطر من تلقاء
стр. 11047
نفسها إلا للكبراء والأشخاص المعروفين. فهذا النظام المعقد يزهد الكثيرين في زيارة مصر. ولا ريب أنه يحق للسلطات المصرية في الداخل أو الخارج أن تعمل لمنع العناصر الأجنبية السيئة وغير المرغوب فيها من دخول القطر، ولكن الحرص على هذه الغاية يجب ألا يكون عقبة في سبيل العناصر الشعبية الطيبة التي ترغب في الزيارة البريئة. وأملنا أن يوفق ولاة الأمر إلى وضع نظام جديد للتأشيرات يسهل مهمة القناصل المصريين وبذلك العقبات الحالية.
هذه خواطر وملاحظات في شؤون السياحة أملت بها أزمة الموسم الحالي، وما نقرأ من آن لآخر عن الدعايات المغرضة التي تذاع ضد مصر وأحوالها في الخارج تنفيراً للسياح من زيارتها؛ فإذا أرادت مصر أن يكون لها موسم للسياحة يتناسب مع مكانتها الأثرية والإقليمية، وإذا أرادت أن تجتني كسبه وثماره، فعليها أن تعنى قبل كل شيء بجعله موسماً قومياً يكون لمصر وللمصريين في استغلاله أوفر نصيب.
(سائح)
стр. 11048
رفعة المرأة
للأستاذ محمد بك كرد علي
بقية ما نشر في العدد الماضي
وعاد المؤلف فعقد فصلاً في الأعمال التي تبرز فيها المرأة على الرجل، وهي الإحسان وتعهد المرضى وتربية اليتامى إلى غير ذلك من أنواع البر. ومما نقله لمديرة عصبة الخير أن الناس يتوخون أن يعرفوا ما نشكو منه من الأوجاع، وما تشكو منه كل الأمم، ومنشؤه إفلاس تربية القلوب، فقد وسع القائمون بالتربية درجات الذكاء بالتأديب الذي أدبوا الناس به، وشددوا في تلقين التربية الجسمية، وظنوا في ذلك الكفاية وهو دون حدها. فقد رأينا في العهد الأخير أن خمسمائة مليون طن من الحنطة جعلت وقوداً، أو ألقيت إلى البهائم تقضمها، على حين نجد ملايين من البشر في الصين يموتون جوعاً. وألقوا في البرازيل ٤٩٥٠٠ كيس من البن في البحر، ثم ٦٠٠٠٠ ألفاً جعلوها سماداً للأرض. وأبادوا في ألمانيا مقادير من السكر. ودفنوا في أوستراليا مليون خروف في الأرض لئلا يستفاد منها؛ وفي كل مكان يطرحون الأثمار والبقول والأسماك التي لم تنفق، أو التي زادت على الحاجة، ولا يفكرون في أن بيوتاً كثيرة تشكو العوز وتصاب بالمخمصة. ويزيد هذا الانحطاط في الأخلاق كل يوم، وتزيد معه ويا للأسف هذه الأنانية كغيرها من النقائض التي تئن منها الإنسانية، وتردها إلى أرذل أطوارها. فالشعور بالإحسان والإخاء سواء في الحكومات أو في الشعوب لم يستثمر ولم يرب. وعصبة الإحسان تعاون على تربية عقلية الأطفال في المدارس التي تربي على حب الفضائل. وتعلم الإحسان ضروري في الحياة الاجتماعية كتعلم الصناعات والأعمال
وأفاض في وصف عقليات الأمم التي تخالف العقلية الفرنسية؛ فمما قال في وصف عقلية الأمريكان في الولايات المتحدة إنها مخالفة كل المخالفة لعقلية الفرنسيس في مسائل الزواج، فالزواج عند الفرنسيس بالنسبة إلى العزب نوع حديث من الحياة يتحتم أن يكون ثابتاً يسبقه على الأكثر شعور صادق عميق، اللهم إلا عند بعض شبابنا في السنين الأخيرة. واغلب الأمريكيين والأمريكيات (ما خلا الفلاحين والعملة في المدن وجمهور الفقراء) يعتبرون الزواج فقط حادثاً يبقى ما تيسر له البقاء، ويمكن حله لأسباب تافهة، أو لأنه فقد
стр. 11049
فيه الرضا، كأن الزواج عندهم بحسب ما عرف شامنور الحب تعريفاً فيه سخرية بقوله أنه (تبادل هويتين واحتكاك بشرتين). وليس من النادر في الولايات المتحدة أن امرأة رجلاً كانا بالأمس لا يعرف أحدهما الآخر أن يتلاقيا ذات صباح ويتأهلا في نفس ظهر ذاك اليوم بمعرفة القس الذي يجمع وظيفة ضابط الأحوال الشخصية إلى وظيفته.
ووضع فصلاً عنون له (كلمات للتأمل) جاء فيه أن مدام ماكدلين شوميون قالت في جملة مقالات لها في جريدة النهار الباريزية: إن الفتاة عندما تبدأ في فهم الحياة تتمثل أن تدخل في ميدانها وحيدة بدون معين ولا استنصاح أحد. فيقال إنها تريد أن تعيش مستقلة وأنها تتجافى عن قبول آراء غيرها وتوبيخ أهلها، وأنها تود أن تعمل لتربح مالاً وتنفق على هواها، وأن تبدو للناس، وتسيح إذا اقتضت الحال، وهذا غاية أمانيها. وهذا الجمهور الذي لا يحصى من الفتيات والنساء ممن يخرجن عن أطوارهن هو الذي يدعونا إلى اللهفة والأسف. ولقد رأينا محاميات انقلبن خادمات في البيوت، ولدينا براهين كثيرة على انه خير للمرء أن يحسن صناعة من أن يحمل شهادات حسنة. ولقد نال كثير من النساء لقب دكتورات في الحقوق فاصبحن كاتبات بسيطات على الآلة الكاتبة. يتعلمن علماً كثيراً ولا يعرفن احتياجهن على كسب قوتهن. وذكر المؤلف ما تحمله السينما من مفاسد، ولا سيما للفتيات والصبيان، وقبح الأبوين اللذين يستصحبان أولادهما لمشاهدة هذه المناظر التي لا تعلم في الأكثر إلا المقابح والمفاسد.
وروى ما قاله أميل بيكارد العالم الطبيعي الرياضي أن مستوى الأخلاق في الجنس البشري يسفل بمقياس واسع، ولعلهم يقولون إن ذلك نشأ من الحرب العظمى؛ والحقيقة أن هذه الحرب لم تعمل غير تعجيل هذا الفساد كما عجلت في مسائل أخرى. وانتهى الحال ببعضهم أن ادعوا أن ذلك نشأ من العلم، وهذه الدعوى تصدق بعض الشيء، ذلك لأن الآلة قد أحدثت جنوناً في الإنتاج الصناعي، فأن السرعة التي تمت في المسائل الفنية لم تسمح للزمن أن يعمل عمله. والزمن يهزأ بشيء يعمل دون تدخله، بل ينتقم من صاحبه. ولم تكتف الآلة بإغراق العالم في الرفاهية بل قامت مقام الإنسان المنتج القوي، وأبطلت في الإنسان اعتياد العمل الشاق العميق الطويل، فأصبح سطحياً واستغرقته السهولة، وما نمت فيه القدرة المادية بل قل فيه العنصر الأخلاقي، والجسم إذا أتسع توقع أن يكون له ملحق
стр. 11050
من الروح كما قال برجسون. وقد احتقرت الوطنية والتجارب وفقدت الحرمة الناتجة من الصبر والسن واختلاط العبقرية المريضة بالعبقرية السليمة وهي وليدة القوة
ونقل أقوالاً لعظماء من علماء العصر الحاضر تأييداً لقضيته؛ ومنها أن نصف علم يحرزه المرء يتولد منه من الأوهام ما يكون أضر على صاحبه من الجهل، لأن صاحبه يكلب على العمل فلا يأتي بكبير أمر، وتزداد عاقبته الشؤمى بالضرورة لامتزاجها بالمصالح الشخصية والشهوات والأهواء الرائجة في سوء الجدال الاجتماعي، وما يتبعه من عبث العابثين بالسياسة المتجرين بها. وحمل على الاشتراكية التي تحارب المثمرين والمتمولين، وتحاول القضاء على الطبقات الاجتماعية، وعلى رؤوس الأموال، وعلى النفرة من الحرب؛ ونقل أن رؤوس الأموال إذا انعدمت تموت الاشتراكية، لأنها لا تجد ما تحاربه فلا يبقى لها ما تقسمه من المال بين الاشتراكيين؛ والاشتراكية تؤدي إلى (البلشفة) البشعة. ومن المتعذر قيام الدعوى الاشتراكية إذا فقد المال، ولا شيء يعمل بلا مال. وما البلشفة إلا وضع حياة البشر في يد عصابة تزعم إنها تمثل الدولة. ومعنى ذلك بسط السلطة العامة على الناس في كل أمر يصدر من مصادر خفية. وقال هذا جنون شرقي ينساب على التدريج في عقل الغرب.
وختم كتابه بفصل في انتشار العهر والأسباب الداعية إليه في الغرب. وقال في الخاتمة إن الفرنسيس ما خلا أربعة أو خمسة آلاف امرأة ومثلهن من الرجال يطمعون في إعطاء حق التصويت للنساء لا يهتمون بتة في منح الحقوق المزعومة للمرأة لإدخالها في الحياة السياسية. ويخشى إذا تمتع النساء بحقوق الرجال أن يقلبن أوضاع الأمة إلى التي لا تريدها، شأن كثير من المتغلبين على الحكم في الأمم يعملون ما تزين لهم أهواؤهم، ويملون إرادتهم على من يتعذر عليهم طاعتهم. وكان على هؤلاء الدعاة أن يبدءوا أولاً بإقناع ملايين من النساء لا يريحه رأيهن في الاشتراك في الحياة السياسية. هذا والأفكار تسير سيرها؛ ولعله يأتي اليوم الذي تستعد فيه المرأة الفرنسية للاشتراك مع الرجل في الحياة العامة حذو القذة بالقذة. ويقضي على القائمين بهذه الدعوى ريثما تتحقق أمنيتهم أن يبدءوا بإصلاح أخلاق المرأة الحاضرة وتهذيبها على أسلوب لا يقبل كل رأي يدلى به إليها، ويحررها على الأقل من سلطان أزيائها وتبرجها، وأن يجهد الحاكمون أن يسيروا هذه
стр. 11051
الدعوة في المجرى الصالح لخير المرأة والرجل والحب والسلام الاجتماعي، ومستقبل العنصر، والأخذ بأسباب الارتقاء الحق. والمرأة مهما حاولنا وصفها بالرقي الآن لا نخرج عن كونها تطمح في استقرار حياتها وفي الخلوة إلى دارها، وإن ألبسوها اليوم لباساً غير لباسها من النزوع إلى الاستقلال. وقد أخذ كثير من الشبان يحولون اليوم وجهتهم متقززين من النساء المولعات بالألعاب الرياضية والمدخنات والشريبات والراقصات والساهرات أي من طبقة النساء ممن قد يكون فيهن العفيفات وظاهرهن أنهن بنات سرور ومرح، ومن الطبقة التي يقول فيها الإنجليز إنهن لسن نساء ولم يبلغن مبلغ الرجال.
قال: أيتها المرأة إنك مهما فعلت مسوقة بنابل من الكبرياء وبعوامل أكرهتك على خوض غمار أزمة هذه الأيام لتخرجي عن حظيرة جنسك وتقطعي صلتك بعملك الأبدي السامي، لن تكوني إلا محبة وزوجة وأماً. وإذا أنسيت رسالتك فأن الطبيعة ستتولى عاجلاً أو آجلاً تذكيرك أن الأقدار ما خرجت بك إلا لتكوني شريكة الرجل، وأم أولاده، وجزؤه المتمم، ونصفه، وأحياناً الموحية إليه والمنقذة له. أنت أبداً مهد الآلام البشرية وستظلين على ذلك إلى يوم البعث والنشور.
محمد كرد علي
стр. 11052
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور أحمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور والكلب المسعور
وصل الفائت
حقن بستور في دجاج مكروباً قديماُ ضعيفاً لداء كوليرا الدجاج، فمرض الدجاج ولكن لم يمت. وكان ذلك مصادفة. ثم حقن فيه مكروباً جديداً فتاكاً فلم يمت. فتوصل بذلك إلى طريقة لتحصين الدجاج ضد الكوليرا، إلى طريقة اللقاح أو الفكسين المعروفة اليوم.
قلت فيما مضى إن بستور يضمر في نفسه عبادة هذا الشيء العظيم الرائع الخفي في هذا العالم المجهول، وكثيراً ما ركع وسجد لهذه اللانهائية المستورة. ولكن أحياناً كان يأتيه الأمل فيطلب القمر وينسى رب السماء. وكلما رفعت إحدى تجاربه الجميلة ستاراً عن خفية من خفايا ذلك المجهول الضخم الرائع بأسراره، ظن أن كل الخفايا انكشفت، وأن كل العقد انحلت. هكذا كان حاله ومزاجه في هذه الساعة التي نحن فيها. إنه استطاع حقاً أن يحمي الدجاج حماية تامة من داء مميت بأن أحتال له تلك الحيلة الجميلة فحقن في الدجاج شيئاً من المكروب القتال بعد تأنيسه وإضعاف شرته، ولكنه ما كاد يستيقن من نجاح حيلته حتى قال لنفسه: (وما يدريني؟ فلعل مكروب هذه الكوليرا يحمي الدجاج من كل داء خبيث آخر). وما عتم أن حقن عدداً من الدجاج بمكروب الكوليرا بعد إضعافه، ثم أتبع ذلك بحقنة من المكروب الجمرة الخبيث، واصطبر فلم يمت الدجاج! فهاج وماج وكتب إلى أستاذه القديم دوماس، ولمح له أن مكروب كوليرا الدجاج قد يكون لقاحاً عاماً يحصن من كل الأدواء. وكتب إليه يقول: (فإذا تأكد هذا، جاز لنا أن نأمل من النتائج أخطرها، حتى فيما يتعلق بأدواء الإنسان)
وفرح دوماس الشيخ بالذي قرأ، فنشر الخطاب في التقارير الرسمية لأكاديمية العلوم،
стр. 11053
وهاهو ذا إلى اليوم ماثل في صفحاتها، يشهد باندفاع بستور وتسرعه، ويكذب من يقول أن بستور لا يقول دائماً إلا حقاً. ولقد بحثت ما استطعت فلم أجد أن بستور أسترد الذي قال، ونفى الأمل الخادع الذي أحيا في الناس. وبستور لم يطل به الزمن بعد ذلك طويلاً حتى عرف خطل هذا الرأي، واستيقن من أن النوع الواحد من البشلات لا يحصن من كل الأمراض على نحو ما كان أدعى، وإنما يحصن من المرض الواحد الذي هو سببه، وحتى هذا قد لا يدفعه أحياناً.
ولكن كان من خصائص بستور المحمودة أنه كان كلما انهدم له أمل، قام على أنقاضه له أمل جديد؛ وإذا احترق له رجاء، انبعث له من رماده رجاء طريف. يحدق به الخيال الوثاب حتى يصل به إلى السحاب، ثم يخونه جناحاه، فيهوى كالقنبلة على الأرض، فتحسب هذا الدوي هو آخر ما تسمع منه، ثم لا تلبث أن تراه قائماً من تلك الأنقاض على رجليه، يجري التجارب البارعة، ويبحث بجد عن كل حقيقة صلبة صماء. لذلك لا تستغرب أن تسمع انه في عام ١٨٨١ كان يعمل مع عونيه رو وشمبرلاند ليكشف عن طريقة جميلة لتأنيس مكروب الجمرة وتحضير لقاح منه. فبمجيء هذا العام اشتد البحث وراء الألقحة اشتداداً لم يدع لرو وصاحبه وقتاً لراحة. حتى الآحاد اشتغلاها، وأيام العطلة لم يتعطلاها، والإجازات تجنباها، وناما في المعمل إلى جانب الأنابيب والمجاهر والمكروبات. وهنا، وبإرشاد بستور، أضعافا بشلة داء الجمرة إضعافاً متدرجاً. فمن الضعيف ما قتل الخنازير الغينية وأبقى على الأرانب، ومن الضعف ما قتل الفئران وأبقى على الخنازير الغينية. وحقنا الميكروب الأضعف في الخراف، وأتبعاه بالأقل ضعفاً، فمرضت الخراف ولكنها شفيت، وبعد ذلك صمدت على ما يظهر لمكروب الجمرة القوي الذي يقتل الأبقار.
وما لبث بستور أن أذاع نصره الجديد في أكاديمية العلوم - وكان قد ترك أكاديمية الطب بعد عراكه الذي كان مع الدكتور جيران - وبشر لهم بلقاحات يرجو استحداثها قريباً تمحو كل الأدواء، من النكاف إلى الملريا. وصاح فيهم: (وهل أيسر من لقاح الجمرة هذا! سموم تضعف بالتدريج من شِرتها فتعطى الخراف والأبقار والخيول بعض الداء دون أن تقتلها، ثم تتعافى، فتعفى من الداء أبداً!) وظن بعض زملاء بستور أنه يبالغ في يقينه، ويغلو في
стр. 11054
ثقته بهذا اللقاح، وتجاسروا على الجهر برأيهم، فانتفخت أوردة بستور في جبهته، ولكنه كظم غضبه هذه المرة واستطاع أن يحبس لسانه حتى خرج هو ورو وسارا في الطريق إلى منزليهما، وعندئذ انفجر بستور على هؤلاء وعلى أمثالهم ممن يعجزون عن الإيمان بالحق المحض الذي احتوته فكرته قال: (أنا لا أعجب إن أنت ذهبت إلى منازل أمثال هؤلاء فوجدتهم يضربون أزواجهن ضرباً)
صدقني، ما كان العلم لدى بستور جمع الحقائق بنفس مطمئنة باردة، فقد أثار فيه نفس الشيء الذي يثير الحيوان الآدمي إلى البكاء عند موت طفله، أو إلى الفرح والغناء عند نعي عم أو خال قد ترك له من بعد موته نصف مليون دولار.
وأخذ أعداء بستور يتبعون أثره ليثأروا منه شر ثأره. ولم يكن أعداؤه من الأطباء فحسب، بل كذلك كان البيطريون وهم رجال لهم مقام في الناس ونفع لهم. أساء بستور إلى هؤلاء وهؤلاء فتصدى له بيطري فنصب في طريقه فخاً عظيماً وأغراه بالوقوع فيه. وكان أسم هذا البيطار روسنيول قام ذات يوم في الجمعية الزراعية بميلان يغري بستور بإجراء تجربة عامة، يجريها على الملأ في سبيل العدالة العلمية ظاهراً، وفي سبيل القضاء على بستور وأم باطناً. قال للجمعية: (إن بستور يقول إن أسهل شيء في الدنيا صنع لقاح يحصن الشياه والأبقار من داء الجمرة تحصيناً كاملاً. فأن حق هذا القول عاد على زرّاع فرنسا بالنفع العظيم، ووفر عليهم عشرين مليون فرنك يخسرونها كل عام بسبب هذا الداء. إن بستور لو كان يستطيع حقاً إخراج هذا اللقاح العجيب، لما وجد على نفسه غضاضة أن يثبت لنا أنه يستطيعه. فهيا بنا ندعوه إلى تجربة عامة يجريها في الجمهور، فأن أصاب كان لنا الغنم نحن معشر المزارعين، والبيطريين، وان خاب سكت عن هذه الثرثرة الكاذبة ودعاويه الباطلة عن كشوفات هائلة تنجي من كل شيء، من ديدان الأرض إلى حيتان الماء). هكذا تمنطق هذا البيطار الماكر
وسرعان ما جمعت الجمعية مالاً كثيراً لشراء ثمانٍ وأربعين شاة، وعدد من الأبقار، وجَديَين، واختارت البارون دي لاروشت لمكانته وشهرته، فبعثت به إلى بستور ليدخل إليه من عجبه ليوقعه في هذه التجربة وفيها من الخطورة ما فيها.
ولم يشعر بستور أبداً بالذي يراد به، فقال للبارون: (بالطبع أنا راضٍ بالذهاب إلى جمعيتكم
стр. 11055
لأريكم أن لقاحي ينقذ الحياة - إن علاج أربع عشرة شاة في معملي لا يفترق عن علاج ستين في ميلان!)
هذا هو الشيء الغريب العظيم في بستور: يريد أن يخرج البيضة من الديك، والأرنب من القبعة، ويدهش العالم، فيقوم بكل هذا في إخلاص عظيم وإيمان بما يصنع كبير، كان عرّاضاً كبيراً بارعاً، وكان يجوز عليه أن ينزل في سبيل ذلك أحياناً إلى ملاعيب بهلوانية يسيرة، ولكنه لم يكن يعمد إلى التدبير والتخطيط لشيء من هذا أبداً. وتعين موعد امتحانه في الملأ، فكان مايو ويونيه من ذلك العام.
وكان رو وشمبرلاند قد تعبا من العمل المتواصل تعباً كبيراً أثر في أعصابهما، فأخذا يريان رؤى مفزعة، فتارة تفلت في النوم إلى الأرض من أيديهما قبابة خطيرة بالذي فيها، وتارة يجدان نفسيهما ينظران إلى حيوانات غريبة نصفها دجاجة ونصفها الآخر خنزير. أو لا يأتيهما النوم فيأخذان في حقن الملايين من الأرانب وهم في الفراش راقدون، فلما ساء حالهم إلى هذا الحد طلبا الراحة في الريف، وما كادا يستقران فيه حتى جاءهما التلغراف الآتي:
(أرجعا إلى باريس حالاً. على وشك تجربة عامة أن لقاحنا يحمي الشياه من الجمرة - ل. بستور)
فرجعا مسرعين. فقال بستور للقوم: (في مزرعة بويي - وفي حضرة الجمعية الزراعية بميلان، سألقح أربعة وعشرين شاة وبضع بقرات وعنزة واحدة. وسأدع بدون لقاح مثلها في العدد عنزة وشياهاً ابقراً، فإذا جاء الوقت الموعود سأقوم وأحقن كل هذه الحيوانات بأخبث زريعة لدينا من بشلة الجمرة، أما الملقحات فستكون في حِمى من الداء، وأما الأخرى فستموت طبعاً في يومين أو ثلاثة.) تحدث بستور كالفلكي يتنبأ بكسوف الشمس.
قال صاحباه: (ولكن يا أستاذنا إنك تعلم أن عملنا هذا كالمشي على الصراط، فنحن لا يمكننا أبداً أن نأمن أمناً تاماً إلى ألقحتنا، فهي قد تقتل الشياه التي نريد أن نحميها. . .)
فزعق بستور فيهما: (إن اللقاح الذي يعمل بنجاح في أربع عشرة شاة في معملنا لا شك ناجح في خمسين شاة في ميلان). فإنه عندئذ لم يرد أن يسمع بالخيبة، أو أن يذكر أن
стр. 11056
الطبيعة لها سر لا يفشى وخدعات لا تؤتمن، أو أن الغيب قد يخبئ كثيراً من العثرات ويأتي بكل غريب لا يحتسب. بل لقد تراءى هذا الغيب في عينيه رائقاً كالماء، شفافاً كالهواء، سهل القراءة كما تقول اثنان من اثنين ينتجان أربعة. فلم يكن لرو وشمبرلاند بدٌّ من رفع الأكمام وكشف السواعد والأخذ في تجهيز الألقحة.
وجاء يوم الامتحان الأكبر، فكانت المحاقن جاهزة، والقبابات حاضرة، وكل قبابة عليها أسمها. وصاح بستور فيهما وقد هموا جميعاً بركوب القطار: (إياكما يا ولدي أن تخلطا بين الألقحة). وكان قلبه مليئاً بالثقة ووجهه يطفح بشراً. ولما بلغوا بويي لو فرت - وصلوا إلى الحقل الموعود حيث الثماني والأربعون شاة وبضع الأبقار والعنزتان؛ تقدم بستور إلى الميدان، فدخله دخول مصارع الثيران، وانحنى وطيئاً للجمهور المحشود، وكان فيه أعضاء من مجلس الشيوخ الجمهورية، وكان فيه علماء وبيطريون وكثير من ذوي الأحساب ومئات المزارعين. فسار بستور بين صفوفهم يعرج قليلا ً - عرجة العظم والوجاهة لا عرجة الضعف والاستعطاف - فحيوه تحية صارخة، وتسخر به قليل.
وحضر جماعة من رجال الصحافة، وكان من بينهم رسول جريدة التيمس السيد دي بلاوتز هذا الرجل المعروف الذي أصبح اليوم في التاريخ كأنه شخص خرافي مما يحكى عنه من الأعاجيب.
وسيقت الغنام إلى فرجة من الحقل، وقام رو وشمبرلاند إلى مصابيح الكحول فأشعلاها، وإلى المحاقن الزجاجية فأخرجاها بحذر من لفائفها، وجاءا بلقاح الجمرة الضعيف الأول الذي يقتل الفئران ويبقى على الخنازير الغينية، فحقنا منه خمس قطرات في أفخاذ أربع وعشرين شاة وفي عنزة وفي نصف البقر. ونهضت البهائم وهزت برؤوسها، وأعلمت بثقب في آذانها. ثم قاد بستور جموع الناس إلى إحدى الزرائب، وخطبهم نصف ساعة خطبة فخمة في هذه الألقحة الجديدة، وبشر فيهم بالرحمات التي تحملها الإنسانية المعذبة.
ومر اثنا عشر يوماً، وجاء الناس مرة أخرى إلى الحقل واحتشدوا فيه، فقام أعوان بستور إلى اللقاح الثاني الأقوى الذي يقتل الخنازير الغينية ولا يقتل الأرانب، وحقنوا منه المواشي مرة ثانية، ونهضت بعد الحقن نشيطة كما يجب أن تكون الشياه والماعز والأبقار السليمة الصحيحة، وأقترب الموعد الخطير للحقنة الثالثة، وهي أقوى الثلاثة فتحرج جو
стр. 11057
المعمل، وثقل هواؤه، وأشتد العمل على رجاله، فجرى الحديث بينهم اقتضاباً من وراء المصابيح. وصمت بستور صمتاً مخيفاً لم يعهد فيه أبداً، وكان يطلب ما يريد آمراً صارخاً يكاد ينط له صبية المعمل في إنقاذه نطاً. وكان أنضم إلى أعوان بستور عون جديد يسمى تويبيه كان أصغرهم سناً، فهذا كان يخرج إلى الحقل ليضع مقياس الحرارة تحت أذيال البهائم يرقب سير الحقنة فيها، ولكن حمداً لله لم يجد بها حمى، وكانت جميعاً قائمة على خير حال، صامدة للقاح الشديد صموداً عجيباً.
وبينما قلق رو وشمبرلاند وشاب رأسهما همَاً وحذراً وانتظاراً، احتفظ بستور بثقته بنفسه. كتب يتحدث برأيه القديم الصريح الجميل عن نفسه قال: (لو تم النجاح الذي أرجوه، فسيكون هذا مثلاً من أروع الأمثلة لتطبيق العلم على الحياة في هذه البلاد، وسيسجله التاريخ كشفاً من اخطر الكشوفات وأكثرها ثمراً).
قال أصدقاؤه همهمة، وهم يهزون الرؤوس ويرفعون الأكتاف: (نابليونيات رائعة أيها العزيز بستور!).
قال بستور: (نابليونيات ولا نكران يا أعزائي الأصدقاء)
(تتبع بنتيجة هذه التجربة في العدد القادم)
أحمد زكي
стр. 11058
على هامش حوادث دمشق
أطفال دمشق
بقلم الأستاذ (ع)
لمن هذه الرشاشات منصوبة في الميادين والطرقات؟ لمن هذه المصفحات وهذه الدبابات، تروح وتغدو في الشوارع والساحات؟ لم تحوم في الجو هذه الطيارات؟
لماذا يساق هؤلاء الجنود من كل جنس وكل لون، فمن الشقر الفرنسيين الذين علموا أمم الأرض كيف تكون الثورة على الظالمين، وكيف تنتزع الحرية من بين أنياب الأقوياء المستبدين؛ إلى السمر المغاربة المسلمين، الذين جاءوا راغبين أو راهبين، ليحاربوا إخوانهم المسلمين؛ إلى السود السنغاليين،
من كل أشمط تدنى الموت طلعته … ينساب في لهوات الليل ثعبانا
زعانف وعباديد برابرة … لا يعرفون لهذا الكون ديانا
إلى الصفر الهنديين الصينيين؛ إلى هؤلاء (المتطوعة) أنصار الباطل، جزاة الخير بالشر، الذين أكلوا خبزنا وحاربونا!! أكُل ذلك لأن هذا الشعب الأعزل تحرك؟ أكُل ذلك لأن دمشق غضبت؟
تيهي إذن يا دمشق واعتزي، فما أنت بالضعيفة ولا بالهينة، وقد حشدوا لك مالا يحشدون أكثر منه لقوم هتلر، وشيعة ستالين!
كانت دمشق يوم الجمعة صابرة تتجرع حزنها على (إبراهيم) في صمت رهيب، وسكوت هائل، فلم تحرك ساكناً، وما دمشق بالتي تعرف أنه المكلوم، أو استغاثة العاجز، ولكنها تعرف الصبر الذي لا يصبر عليه الدهر، أو الصرخة التي تصدع الصخر، وتخرج الميت من القبر؛ وما دمشق بالتي تعرف هذا الاحتجاج الضعيف، احتجاج (أوسعته شتماً وأودي بالإبل). . . ولكنها تتلقى الضربات بصدر كأنه الجلمود لا يشقق ولا يرفض ولا يلين.
وباتت دمشق على هذا الصمت، فلم يمض هزيع من الليل حتى سمعت الصريخ، فأفقت فزعة، تسأل: - ما الخبر - قيل: اختطفوا (فخري البارودي)
ابن دمشق يختطف من حضن أمه وهي نائمة؟. . . يا للهول الأكبر! يا لهبة دمشق! يا لغضبة البطل الغَشَمْشَم!
стр. 11059
أقبل أبناء دمشق بأيديهم، وأقبلت هذه الجيوش بحديدها ونارها، وكانت المعارك. . . التي يصطرع فيها الحق والقوة، والدم والنار، والصدور والحديد، فبينما معركة من هذه المعارك على أشد ما تكون عليه وإذا. . .
وإذا ماذا؟ ليس على وجه الأرض من يستطيع أن يُقدر ماذا كان، إلا هؤلاء الشاميون، وهؤلاء الفرنسيين الذين أكبروا جميعاً هذه البطولة التي لم يروا مثلها التاريخ. . .
وإذا خمسون من الأطفال الذين لا تتجاوز سن أكبرهم التاسعة، ينبعون من بين الناس، يخرجون من بين الأرجل، منهم التلميذ ذو الصدرية السوداء والأزرار اللامعة، قد فر من مدرسته وقمطره لا يزال معلقاً في عنقه، وحمل مسطرته بيده. . . ومنهم صبي اللحام، وأجير الخباز، قد اتحدوا جميعاً، وأقبلوا يهجمون بالمساطر على الدبابة وهي تطلق النار، وهم يطلقون من حناجرهم الرقيقة بأصواتهم الناعمة، التي تشبه الآلة السحرية التي غنى عليها الفارابي، فأضحك وأبكى. . . هذه الأنشودة البلدية المعروفة:
وصغارنا تحمل خناجر … وكبارنا عالحرب واصل
يا بِالوطن … يا بِالكفن
فوقف الناس ينظرون إليهم، وقد عراهم ذهول عجيب. فارتخت أيديهم بالحجارة التي كانوا يقاومون بها الرصاص. . . حتى رأوا الأطفال قد تسلقوا الدبابة وركبوها فأشتعل الدم في عروقهم، وفي أقحاف رؤوسهم، فأنشدوا أنشودة الموت:
(يا سباع البر حومي. . . . . .)
وهم يرعدون بها. فتهتز من جهْجَهتها الغوطة، ويرتجف قاسيون. وأقبلوا كالسيل الدفاع. . .
ولكنهم رأوا الدبابة قد كفت عن الضرب، ثم أنفتح برجها، وخرج منها شاب فرنسي يبتسم للأطفال، وإن في عينيه لأثر الدمع من التأثر، ويداعبهم، ويقدم لهم كفاً من الشكولاته، ثم يعود إلى مخبئه!
إنسانية قد توجد حتى في الدبابات!
ورأيت في هؤلاء الصبية تلميذاً في شعبة الأطفال من مدرستنا، وكان صغيراً جداً ما أظنه قد أكمل عامه السابع، فدعوته فأقبل حتى أخذ بيدي، وجعل يرفع رأسه إلي يحاول أن
стр. 11060
يتثبت من وجهي، فقلت:
- لماذا عملتم هذا العمل يا بابا؟
- فقال: أخذوا فخغي الباغودي (يريد فخري البارودي)
- قلت: ومن قال لك ذلك؟
- قال: أمي. وقالت لي هّلي يموت بالغصاص يغوح عالجنة (يريد: من يموت بالرصاص يذهب إلى الجنة)
- قلت: وإذا أرجعوا فخري البارودي، هل ترضى؟
- قال: لأ. خلي يغوحوا (يروحوا) هدول كمان ما بدناياهم! (يريد فليذهب هؤلاء أيضاً، لا نريدهم)
فسكت. فقال:
- أستاذ، ليش الإسلام ما لهم عسكغ (عسكر)؟
فأصابتني كلمته في القلب، ووجدت كأن شيئاً جاشت به نفسي، ثم صعد إلى رأسي، ثم وجدته في قصبة أنفي، وآماق عيني، ودق قلبي دقاً شديداً، فتجلدت ومسحت عيني، وحككت أنفي، وقلت له:
- أنتم يا بابا عسكر الإسلام.
- قال: نحن صغار!
- قلت: ستكبرون يا بابا، أنتم أحسن منا، نحن لما كنا صغاراً كنا نخاف من البعبع، ونخشى القط الأسود، وأنتم تهجمون على الدبابة، فالمستقبل لكم لا (لهم). . .!
وبعد، فلمن هذه الرشاشات؟ ولمن هذه المصفحات وهذه الدبابات؟ ولمن هذه الجنود وهذه الطيارات؟ إنها لم تصنع شيئاً، ففتشوا عن شيء أكبر من الموت، لتفزعوا. . . (أطفال دمشق)!. . .
(ع)
стр. 11061
علم غير مفيد
للأستاذ قدري حافظ طوقان
في النشرة الأخيرة للجامعة الأمريكية في بيروت مقال افتتاحي عنوانه (علم الفلك - علم غير مفيد) وقد أوحت إلي قراءته أن أكتب هذه العجالة في الفوائد التي جناها الإنسان من علم الفلك. ويلاحظ أن المتعلمين وطلاب المدارس العالية والكليات والجامعات يختلفون في نظرهم إلى هذا الفرع من المعرفة اختلافا بيناً فمنهم من يقول بوجوب تدريسه والاعتناء به، إذ فيه فوائد ومنافع عادت على البشرية بأطيب الثمار، ولولاه لما شعر الإنسان باللذة الروحية شعوره الحالي، ولبقى نظرنا إلى الكون في نطاق محدود، وفي محيط ضيق؛ وفريق آخر يقول بعدم فائدة علم الفلك، وبأن في تدريسه إضاعة للوقت فيما ليس فيه غناء، وأن الأولى لنا أن نهتم بشيء يعود على المدنية بالمتاع والنفع. ولا يقف هذا الفريق عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الجهر بأن الاعتناء بعلم الفلك وإنفاق الأموال الطائلة على مراصده وآلاته ضرب من الهوس والسخف؛ ويتساءل هذا الفريق قائلاً: ماذا يستفيد الإنسان من معرفته أن الأرض كوكب من كواكب أخرى تدور حول الشمس، وأن لهذا الكوكب تابعاً - القمر - يدور حولها؟ وهل يزيد في سعادة البشر ورفاهيتهم إذا عرفوا أن لبعض الكواكب توابع كما للأرض؟ وهل في القول أن في السماء نجوماً لا عديد لها بعضها أكبر من الشمس وبعضها أصغر، وأن هناك أنظمة أخرى وسدماً ومجرات وعوالم، هل في كل ذلك ما يعود علينا بالتقدم؟ هذه بعض أسئلة الفريق الذي لا يؤمن بأهمية علم الفلك ومنافعه. ويسرني ألا أكون من هذا الفريق وأنني أخالفه وأن أكون من الفريق الأول القائل بسمو علم الفلك وأثره الفعال في تطور نظر الإنسان إلى الكون وما يحويه من أعاجيب
وفي رأيي أن علم الفلك من العلوم الواجب تدريس مبادئها لطلاب المدارس العالية والكليات والجامعات وجعله إجبارياً، حتى يخرج الطالب وقد جمع إلى العلوم العملية والفنون النافعة علماً ومعلومات عامة وهي أسمى أنواع المعلومات، توسع أفق التفكير وتنير العقل، وتزيد في الاعتقاد بقدرة الخالق وعظمته المبدعة. وأرجو ألا يساء فهم القصد من تدريس مبادئ علم الفلك لطلاب التعليم العالي، فقد يُظن أني أطلب تدريس الفلك على وجه مفصل حيث المعادلات العويصة والأرقام المخيفة والعمليات المرعبة. . .! أنا لا
стр. 11062
أطلب هذا، إذ لا يتيسر الوقوف على كل ذلك إلا لمن كان له ميل إلى الرياضيات ورغبة في الطبيعيات وولع في علم السموات. ولكن أقول إن علم الفلك برغم دقة بحوثه وما يحويه من عويص الموضوعات فيه كثير من البسائط سهلة التناول قريبة المأخذ تسهل الإحاطة بها وفهمها بدون تكلف أو صعوبة فنية. وهذه هي التي أدعو إلى إدخالها في مناهج التعليم العالي حتى يخرج الطالب ولديه فكرة عن هذا الفرع السامي مما يعود عليه بأجل الفوائد من الناحية الروحية والمعنوية فيرفعه إلى ما هو أسمى من عالمه وأعلى من محيطه المادي
ولعلم الفلك فوائد عدة جليلة أهمها أنه وسع نظر الإنسان وأفق تفكيره في الكون، وجعله يدرك بوضوح وجلاء أن الكون وما يحويه من أجرام تسير على أنظمة ثابتة لا تتغير وأن الظواهر الجوية والطبيعية لا تحدث عفواً وأتفاقاً، بل إنها سائرة حسب قوانين ونواميس لا فوضى فيها ولا شذوذ، عرف الإنسان بعضها ولا يزال يجاهد في معرفة البعض الآخر، وأصبح في استطاعة الفلكي أن يتنبأ عن الخسوف والكسوف وغيرها من ظواهر طبيعية قبل حدوثها ووقوعها بعشرات السنين.
لقد كان العلماء في القرون الماضية يعتقدون أن أكثر ما يجري في هذا العالم هو من قبيل المصادفة وأن ليس هناك نظام شامل أو ناموس مسيطر، ولكن بحوث علم الفلك أفسدت هذا الاعتقاد وأقمت الأدلة على بطلانه، فثبت أن كل ما يجري حولنا سائر على أنظمة خاصة وسنن ثابتة، وأن ما يسيطر على أصغر أجزاء المادة يسيطر على أكبرها؛ فالنظام الذي تسير عليه الذرة بألكتروناتها ونواياها هو النظام بعينه الذي يسير بموجبه النظام الشمسي والنظم الأخرى بكواكبها ونجومها وشهبها ونيازكها، وهذه الفائدة هي من أجل الفوائد التي جناها العالم من علم الفلك، فكانت سبباً في تقوية أيمانه بوجود قوة خارقة منظمة مبدعة عن طريق البحث والاستقصاء والتفكير العميق.
وكيف لا يكون علم الفلك علماً مفيداً وقد حذر الإنسان من الانخداع بالظواهر وعدم الاعتماد عليها في كثير من الأحيان وعلمه كيف يعمل العقل والفكر في اكتناه حقيقة هذه الظواهر والوقوف على أسباب حدوثها. ألم يعتقد الإنسان في العصور الأولى والمتوسطة بأن الأرض هي محور هذا الوجود، وأن الشمس وغيرها تدور حولها، وأن كل شيء في
стр. 11063
الكون تابع للأرض، فهي مركز دائرة هذا العالم والعنصر الأساسي فيه؟ كان هذا الاعتقاد سائداً يدين به كثير من نوابغ العلماء وفحول رجال الفكر، وبقى الأمر على هذا الحال إلى أن تقدم علم الفلك فرمى بهذه الأوهام عرض الحائط وبَيّن للناس أن الأرض ليست إلا ذرة تدور في فضاء الله الواسع، وأن الشمس وكواكبها وتوابعها ليست إلا جزءاً يسيراً جداً من هذا الكون الذي لا يعلم مداه إلا العليم القدير. لقد بين لنا أن علم الفلك أن الإنسان جرم متوسط بين الكوكب والذرة، وأنه يستطيع بفعل ذلك وبفضل ما وهبه الله من قوى روحية ومعنوية أن يدرك حقيقة الأشياء الصغيرة من جهة والكبيرة من جهة أخرى، واستطاع فوق ذلك أن يعرف الشيء الكثير عن حركات النجوم وطبائعها والعناصر التي تتكون منها، وثبت له أن النجوم ليست إلا معامل كيمياوية وبوادق هائلة ذات حرارة عظيمة جداً من الصعب تصورها؛ وقد يأتي يوم يستطيع فيه الفلكي أن يكشف أسراراً مغلقة عن كيفية تفاعلات عناصرها بعضها مع بعض، وسيجدون في هذه الاكتشافات ما يعود على البشرية بخير عميم. وما يدرينا لعلهم يستطيعون من دراسة النجوم وكشف غوامضها أن يقفوا على سر الحياة وهو ما يصبو إلى الوصول إليه كبار العلماء وعباقرة الفلاسفة ونوابغ المفكرين.
والذي لا أشك فيه أن في إدراك الإنسان لبعض هذه الحقائق وفي وقوفه على النواميس والأنظمة المسيرة لهذا الكون في صغار محتوياته وكبارها لمن العوامل الرئيسية التي جعلته يسيطر على كثير من عناصر الطبيعة وأفعالها، ومن هنا نتجت فوائد مادية عجيبة لم تكن في الحسبان ولا خطرت على قلب إنسان. وزيادة على ذلك استطاع الفلكيون أن يصلوا إلى نتائج باهرة في تاريخ الكون وعمره فثبت لهم أن الإنسان لا يزال عند مبدأ حياة جنسه، وأنه لا يزال عند فجر يقظته العقلية، وأن تاريخه كله إلا طرفة عين إذا قيس بأعمار النجوم، وأنه ليس في استطاعته أن يتفهم كل عجائب الأكوان وغرائب الوجود، ولما يمض على ظهور عقله إلا دقة واحدة من دقات ساعة الفلك، وأنه كلما تقدم في الزمن وقف على مدهشات وعجائب تحير العقل، وتخلب اللب، وتثير الدهش، وتزيد في العبر.
والآن. . . وبعد أن ظهر لك بعض الفوائد التي جنتها البشرية من هذا العلم السامي المبني على أدق القوانين الرياضية والطبيعية، وبعد أن تبين لك أثره بحوثه على عقلية الإنسان، بعد كل ذلك هل من الأنصاف أن يقال إنه علم غير مفيد؟
стр. 11064
أو ليس الأنصاف والعدل يقضيان على الإنسان أن يعترف بسموه وسحره الحلال الأخاذ؟
أليس الوقوف على أسراره ومحاولة كشف غوامضه مما يزيد المرء اعتقادا بضآلته وشعوراً بأن الواجب عليه أن يكون كثير التواضع وفي الذروة العليا من سمو الخلق؟
ثم أليس هذا التواضع وذاك الخلق السامي من العوامل الأساسية في سعادة البشر وطمأنينتهم؟
وأخيراً أليست السعادة والطمأنينة هما الغاية التي يصبو إليها الإنسان على سطح هذه الكرة العجيبة. . . . . .؟؟
(نابلس)
قدري حافظ طوقان
стр. 11065
بيوولف
أقدم ملاحم الإنجليز الشعرية
للأستاذ حسن عبد الحليم اليماني
تمهيد تاريخي:
يرجع أصل الإنجليز إلى قبائل الأنجلو سكسون التي كانت تنزل الأراضي المنخفضة الألمانية في الجزء الممتد من مصب نهر الألب إلى شاطئ البلطيق، وذلك قبل أن يدعوهم البريتون سكان الجزر البريطانية الأصليون في عام ٤٤٩م لطرد قبائل الغال التي وفدت على بلادهم مستعمرة. وحلا لهم بعدها البقاء، وتكاثروا حتى غلبوا أهل البلاد على أمرهم؛ فبرزت إلى الوجود ثلاث ممالك إنجليزية ضمت تلك القبائل المتفرقة؛ وهي ممالك: نورتمبريا، ومريشيا، ووسكس , وذلك في أواخر القرن السادس الميلادي. وكان الإنجليز قد حملوا معهم نصيباً من الأدب المتوارث تواتراً عن موطنهم الأول. ولم تكن لهم حروف صالحة لتدوينه؛ حتى إذا اعتنقوا المسيحية، عرفتهم إلى حروف الرومان الهجائية، فسجلوا به ما وعته حوافظهم من ذلك التراث. وقامت في هذا الصدد محاولات ناجحة، أزدهر بها سوق الأدب ونفق، وخصوصاً على يد أهل نورثمبريا التي قامت على رعاية الأدب وحفظه، فدونوا الملحمة الشعرية (بيوولف) التي سنتكلم عنها كما سجلوا غيرها من آدابهم وتواريخهم. ونمت تلك الحركة إلى أن صدمها الغزو الدنماركي الذي عاود البلاد مرتين؛ ثم شلها بعد الغزو النورماندي عام ١٠٦٦م، فأوقف نماءها قرابة قرن ونصف قرن. فالذي خلص لنا من تراث ذلك العهد إنما يمثل لنا في صدق صميم الروح الإنجليزية، قبل أن تسمها مياسم جديدة من أثر الاختلاط بين الإنجليز والبربتون ثم بينهم وبين الدانماركيين والنورماند اجتماعياً وسياسياً؛ وقبل أن تطبعهم المسيحية بطابعها. كما أنها ترسم لنا تلك المحاولات الأولى التي قام بها الإنجليز في سبيل تدوين أدبهم والتعبير عنه؛ وتوقفنا على التدرج الطبيعي الذي لازم تلك الجهود من دور إلى دور.
بيوولف
следующие страницы →