Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.
стр. 11061
علم غير مفيد
للأستاذ قدري حافظ طوقان
في النشرة الأخيرة للجامعة الأمريكية في بيروت مقال افتتاحي عنوانه (علم الفلك - علم غير مفيد) وقد أوحت إلي قراءته أن أكتب هذه العجالة في الفوائد التي جناها الإنسان من علم الفلك. ويلاحظ أن المتعلمين وطلاب المدارس العالية والكليات والجامعات يختلفون في نظرهم إلى هذا الفرع من المعرفة اختلافا بيناً فمنهم من يقول بوجوب تدريسه والاعتناء به، إذ فيه فوائد ومنافع عادت على البشرية بأطيب الثمار، ولولاه لما شعر الإنسان باللذة الروحية شعوره الحالي، ولبقى نظرنا إلى الكون في نطاق محدود، وفي محيط ضيق؛ وفريق آخر يقول بعدم فائدة علم الفلك، وبأن في تدريسه إضاعة للوقت فيما ليس فيه غناء، وأن الأولى لنا أن نهتم بشيء يعود على المدنية بالمتاع والنفع. ولا يقف هذا الفريق عند هذا الحد، بل يتعداه إلى الجهر بأن الاعتناء بعلم الفلك وإنفاق الأموال الطائلة على مراصده وآلاته ضرب من الهوس والسخف؛ ويتساءل هذا الفريق قائلاً: ماذا يستفيد الإنسان من معرفته أن الأرض كوكب من كواكب أخرى تدور حول الشمس، وأن لهذا الكوكب تابعاً - القمر - يدور حولها؟ وهل يزيد في سعادة البشر ورفاهيتهم إذا عرفوا أن لبعض الكواكب توابع كما للأرض؟ وهل في القول أن في السماء نجوماً لا عديد لها بعضها أكبر من الشمس وبعضها أصغر، وأن هناك أنظمة أخرى وسدماً ومجرات وعوالم، هل في كل ذلك ما يعود علينا بالتقدم؟ هذه بعض أسئلة الفريق الذي لا يؤمن بأهمية علم الفلك ومنافعه. ويسرني ألا أكون من هذا الفريق وأنني أخالفه وأن أكون من الفريق الأول القائل بسمو علم الفلك وأثره الفعال في تطور نظر الإنسان إلى الكون وما يحويه من أعاجيب
وفي رأيي أن علم الفلك من العلوم الواجب تدريس مبادئها لطلاب المدارس العالية والكليات والجامعات وجعله إجبارياً، حتى يخرج الطالب وقد جمع إلى العلوم العملية والفنون النافعة علماً ومعلومات عامة وهي أسمى أنواع المعلومات، توسع أفق التفكير وتنير العقل، وتزيد في الاعتقاد بقدرة الخالق وعظمته المبدعة. وأرجو ألا يساء فهم القصد من تدريس مبادئ علم الفلك لطلاب التعليم العالي، فقد يُظن أني أطلب تدريس الفلك على وجه مفصل حيث المعادلات العويصة والأرقام المخيفة والعمليات المرعبة. . .! أنا لا
стр. 11062
أطلب هذا، إذ لا يتيسر الوقوف على كل ذلك إلا لمن كان له ميل إلى الرياضيات ورغبة في الطبيعيات وولع في علم السموات. ولكن أقول إن علم الفلك برغم دقة بحوثه وما يحويه من عويص الموضوعات فيه كثير من البسائط سهلة التناول قريبة المأخذ تسهل الإحاطة بها وفهمها بدون تكلف أو صعوبة فنية. وهذه هي التي أدعو إلى إدخالها في مناهج التعليم العالي حتى يخرج الطالب ولديه فكرة عن هذا الفرع السامي مما يعود عليه بأجل الفوائد من الناحية الروحية والمعنوية فيرفعه إلى ما هو أسمى من عالمه وأعلى من محيطه المادي
ولعلم الفلك فوائد عدة جليلة أهمها أنه وسع نظر الإنسان وأفق تفكيره في الكون، وجعله يدرك بوضوح وجلاء أن الكون وما يحويه من أجرام تسير على أنظمة ثابتة لا تتغير وأن الظواهر الجوية والطبيعية لا تحدث عفواً وأتفاقاً، بل إنها سائرة حسب قوانين ونواميس لا فوضى فيها ولا شذوذ، عرف الإنسان بعضها ولا يزال يجاهد في معرفة البعض الآخر، وأصبح في استطاعة الفلكي أن يتنبأ عن الخسوف والكسوف وغيرها من ظواهر طبيعية قبل حدوثها ووقوعها بعشرات السنين.
لقد كان العلماء في القرون الماضية يعتقدون أن أكثر ما يجري في هذا العالم هو من قبيل المصادفة وأن ليس هناك نظام شامل أو ناموس مسيطر، ولكن بحوث علم الفلك أفسدت هذا الاعتقاد وأقمت الأدلة على بطلانه، فثبت أن كل ما يجري حولنا سائر على أنظمة خاصة وسنن ثابتة، وأن ما يسيطر على أصغر أجزاء المادة يسيطر على أكبرها؛ فالنظام الذي تسير عليه الذرة بألكتروناتها ونواياها هو النظام بعينه الذي يسير بموجبه النظام الشمسي والنظم الأخرى بكواكبها ونجومها وشهبها ونيازكها، وهذه الفائدة هي من أجل الفوائد التي جناها العالم من علم الفلك، فكانت سبباً في تقوية أيمانه بوجود قوة خارقة منظمة مبدعة عن طريق البحث والاستقصاء والتفكير العميق.
وكيف لا يكون علم الفلك علماً مفيداً وقد حذر الإنسان من الانخداع بالظواهر وعدم الاعتماد عليها في كثير من الأحيان وعلمه كيف يعمل العقل والفكر في اكتناه حقيقة هذه الظواهر والوقوف على أسباب حدوثها. ألم يعتقد الإنسان في العصور الأولى والمتوسطة بأن الأرض هي محور هذا الوجود، وأن الشمس وغيرها تدور حولها، وأن كل شيء في
стр. 11063
الكون تابع للأرض، فهي مركز دائرة هذا العالم والعنصر الأساسي فيه؟ كان هذا الاعتقاد سائداً يدين به كثير من نوابغ العلماء وفحول رجال الفكر، وبقى الأمر على هذا الحال إلى أن تقدم علم الفلك فرمى بهذه الأوهام عرض الحائط وبَيّن للناس أن الأرض ليست إلا ذرة تدور في فضاء الله الواسع، وأن الشمس وكواكبها وتوابعها ليست إلا جزءاً يسيراً جداً من هذا الكون الذي لا يعلم مداه إلا العليم القدير. لقد بين لنا أن علم الفلك أن الإنسان جرم متوسط بين الكوكب والذرة، وأنه يستطيع بفعل ذلك وبفضل ما وهبه الله من قوى روحية ومعنوية أن يدرك حقيقة الأشياء الصغيرة من جهة والكبيرة من جهة أخرى، واستطاع فوق ذلك أن يعرف الشيء الكثير عن حركات النجوم وطبائعها والعناصر التي تتكون منها، وثبت له أن النجوم ليست إلا معامل كيمياوية وبوادق هائلة ذات حرارة عظيمة جداً من الصعب تصورها؛ وقد يأتي يوم يستطيع فيه الفلكي أن يكشف أسراراً مغلقة عن كيفية تفاعلات عناصرها بعضها مع بعض، وسيجدون في هذه الاكتشافات ما يعود على البشرية بخير عميم. وما يدرينا لعلهم يستطيعون من دراسة النجوم وكشف غوامضها أن يقفوا على سر الحياة وهو ما يصبو إلى الوصول إليه كبار العلماء وعباقرة الفلاسفة ونوابغ المفكرين.
والذي لا أشك فيه أن في إدراك الإنسان لبعض هذه الحقائق وفي وقوفه على النواميس والأنظمة المسيرة لهذا الكون في صغار محتوياته وكبارها لمن العوامل الرئيسية التي جعلته يسيطر على كثير من عناصر الطبيعة وأفعالها، ومن هنا نتجت فوائد مادية عجيبة لم تكن في الحسبان ولا خطرت على قلب إنسان. وزيادة على ذلك استطاع الفلكيون أن يصلوا إلى نتائج باهرة في تاريخ الكون وعمره فثبت لهم أن الإنسان لا يزال عند مبدأ حياة جنسه، وأنه لا يزال عند فجر يقظته العقلية، وأن تاريخه كله إلا طرفة عين إذا قيس بأعمار النجوم، وأنه ليس في استطاعته أن يتفهم كل عجائب الأكوان وغرائب الوجود، ولما يمض على ظهور عقله إلا دقة واحدة من دقات ساعة الفلك، وأنه كلما تقدم في الزمن وقف على مدهشات وعجائب تحير العقل، وتخلب اللب، وتثير الدهش، وتزيد في العبر.
والآن. . . وبعد أن ظهر لك بعض الفوائد التي جنتها البشرية من هذا العلم السامي المبني على أدق القوانين الرياضية والطبيعية، وبعد أن تبين لك أثره بحوثه على عقلية الإنسان، بعد كل ذلك هل من الأنصاف أن يقال إنه علم غير مفيد؟
стр. 11064
أو ليس الأنصاف والعدل يقضيان على الإنسان أن يعترف بسموه وسحره الحلال الأخاذ؟
أليس الوقوف على أسراره ومحاولة كشف غوامضه مما يزيد المرء اعتقادا بضآلته وشعوراً بأن الواجب عليه أن يكون كثير التواضع وفي الذروة العليا من سمو الخلق؟
ثم أليس هذا التواضع وذاك الخلق السامي من العوامل الأساسية في سعادة البشر وطمأنينتهم؟
وأخيراً أليست السعادة والطمأنينة هما الغاية التي يصبو إليها الإنسان على سطح هذه الكرة العجيبة. . . . . .؟؟
(نابلس)
قدري حافظ طوقان
стр. 11065
بيوولف
أقدم ملاحم الإنجليز الشعرية
للأستاذ حسن عبد الحليم اليماني
تمهيد تاريخي:
يرجع أصل الإنجليز إلى قبائل الأنجلو سكسون التي كانت تنزل الأراضي المنخفضة الألمانية في الجزء الممتد من مصب نهر الألب إلى شاطئ البلطيق، وذلك قبل أن يدعوهم البريتون سكان الجزر البريطانية الأصليون في عام ٤٤٩م لطرد قبائل الغال التي وفدت على بلادهم مستعمرة. وحلا لهم بعدها البقاء، وتكاثروا حتى غلبوا أهل البلاد على أمرهم؛ فبرزت إلى الوجود ثلاث ممالك إنجليزية ضمت تلك القبائل المتفرقة؛ وهي ممالك: نورتمبريا، ومريشيا، ووسكس , وذلك في أواخر القرن السادس الميلادي. وكان الإنجليز قد حملوا معهم نصيباً من الأدب المتوارث تواتراً عن موطنهم الأول. ولم تكن لهم حروف صالحة لتدوينه؛ حتى إذا اعتنقوا المسيحية، عرفتهم إلى حروف الرومان الهجائية، فسجلوا به ما وعته حوافظهم من ذلك التراث. وقامت في هذا الصدد محاولات ناجحة، أزدهر بها سوق الأدب ونفق، وخصوصاً على يد أهل نورثمبريا التي قامت على رعاية الأدب وحفظه، فدونوا الملحمة الشعرية (بيوولف) التي سنتكلم عنها كما سجلوا غيرها من آدابهم وتواريخهم. ونمت تلك الحركة إلى أن صدمها الغزو الدنماركي الذي عاود البلاد مرتين؛ ثم شلها بعد الغزو النورماندي عام ١٠٦٦م، فأوقف نماءها قرابة قرن ونصف قرن. فالذي خلص لنا من تراث ذلك العهد إنما يمثل لنا في صدق صميم الروح الإنجليزية، قبل أن تسمها مياسم جديدة من أثر الاختلاط بين الإنجليز والبربتون ثم بينهم وبين الدانماركيين والنورماند اجتماعياً وسياسياً؛ وقبل أن تطبعهم المسيحية بطابعها. كما أنها ترسم لنا تلك المحاولات الأولى التي قام بها الإنجليز في سبيل تدوين أدبهم والتعبير عنه؛ وتوقفنا على التدرج الطبيعي الذي لازم تلك الجهود من دور إلى دور.
بيوولف
стр. 11066
بيوولف ملحمة شعرية طويلة فيما يزيد على ثلاثة آلاف بيت نظمت - على الأرجح - في مستهل القرن الخامس الميلادي، قبل أن يزايل الإنجليز موطنهم الأول إلى بريطانيا. وطابعها المميز لا يقوم على إنها أقدم قصائد الإنجليز عهداً، بل على إنها أصدق صورة للمجتمع الأنجلو سكسوني القديم، توضح لنا في جلاء حياة القوم في وطنهم الأول، وترسم لنا أخلاقهم وعاداتهم، وتنفذ إلى أكواخهم ودخائل معايشهم، وتسجل تاريخهم وأيامهم. فقيمتها لهذا لا ترتكز على الناحية الفنية فحسب. أما عبارتها فأنيقة موجزة، تطرد كل الطراد مع الموضوع الذي تؤرخه وتروي حوادثه الحربية، في سرعة وتسلسل لا يفقدانها توازناً، أو يبعثان إلى سطورها مللاً وسآمة. وهي أن كادت تخلو من التشبيهات التي لا تعدو خمسة، فيها كثير من الاستعارات الجميلة البسيطة. والشعر السكسوني لا يأبه للوزن والقافية، وإنما يعتمد كل الاعتماد على النبرات والمقاطع المشددة، يكاد يلتزمها في كل جزء من أجزاء البيت، فلا يكاد يخلو جزء من ثلاث كلمات مشددة، تتشابه كلها في حرفها الأول غالباً.
وبيوولف قطعة رائعة نادرة من الأدب القديم، ظلت حبيبة إلى قلوب الإنجليز ومشاعرهم خلال عدة قرون، وإن كادت تختفي اليوم وتنسى إلا من كتب الأدب. وكثيراً ما أوحت إلى الشعراء وأمدتهم ببضاعة حية زاخرة، وآخر من نلمس أثرها فيه منهم شاعر اسكتلندا الكبير وليام دنبر (من حوالي سنة ١٤٦٠ إلى سنة ١٥١٣م). وهي إلى هذا لا تخلو من سطوة الخرافة عليها، شأن الملاحم القديمة، تلك الخرافة التي أنتجها الخيال الآري الخصب، والتي تظهر لنا واضحة جلية في آداب الإغريق والرومان والتيوتون (آباء الأنجلو سكسون)، والتي نراها تتسلسل إلى أساطير الفراعنة أيضاً. وهي في كل حالاتها تحاول أن تمجد الإنسان وترفعه - على صور عدة - إلى مصاف الآلهة وأنصاف الآلهة، وحتى تنتظمه وإياها في وشائج وأنساب متشابكة متداخلة؛ على أن أسطورتنا هذه لا تسمو ببطلها إلى حيث يختصم الآلهة وينتضل الأرباب، بل تقنع بتوجيهه إلى أغوار الجن والمردة، يصارعها وتصارعه، حتى يغلب أشدها مراساً وأقواها أيداً.
ولغة القصيدة لا تكاد تفهم اليوم، فقد نبت واستوحشت. وحوادثها تدور حول البطولة الوثنية وحول حياة قبائل البلطيق فتتخذ لها مسرحاً أرض زيلند وجوتلند وخليج البلطيق
стр. 11067
الذي يفصلهما.
حكم زيلند - في الماضي السحيق - الملك روثجار وكان أبداً مظفراً في حروبه ظاهراً في غزواته، تضفي عليه تلك اسماً عريضاً، وتدر عليه هذه أسلاباً وغنائم، حتى إذا أتخمه الخير، وفاضت خزائنه غنى، أبتني له ولفرسانه قصراً منيفاً جميل الأبهاء فسيح الأرجاء، موشي الجوانب مستفيض الرونق، يقيمون فيه نهارهم لاهين فرحين، وليلهم قاصفين ثملين - وإلا فمن أولى من الأبطال الميامين بساعات تروح عنهم أكلاف الحرب وأثقال النزال؟
قام القصر على أرباض شاطئ رملي، ينداح حتى ينتهي إلى مجاهل موحشة تتاخم أغوار الماء حيث يقيم المارد جرندل المخيف في رفقة أمه، وكان الفرح والنور أعدى أعداء ذلك المارد؛ جرى في دمه بغض متأصل لهما، ما يكاد ينفذ إلى حواسه منهما دبيب أو بريق، حتى يثور داءه، وحتى يود لو ألتهم هذا القصر الذي ما عرفت حياته غير الفرح والنور، وبعث به إلى فمه لقمة تنساغ بالبرد والراحة إلى جوفه، وبيت أمراً ما زال يتربص له الفرص متلصصاً حول القصر، حتى إذا آنس من أهله غفلة ران بها عليهم كرى ثقيل، وذبلت الأضواء وخرس الصخب، أنساب إلى القصر خفية، ثم كر عنهم وفي قبضته ثلاثون فارساً. حتى إذا تنفس الصبح ألهب القصر شجيً وأقام بأرجائه مناحة!
وتمضي أثني عشر عاماً قاسية مريرة، يفجع فيها المارد قصر هيوروث في كل ليلة، وينفلت سالماً في كل مرة بضحاياه لا تطفأ له حفيظة أو يرد سغب، حتى أوشك القصر أن يقفر من رجاله، وحتى تهاوى الملك روثجار منحدراً إلى الضعف والهرم، يثقله الحزن وتتلقفه الفواجع وترامت الأنباء ومَلك الأسى كل قلب، حزناً على ذلك الملك المجيد، وعلى ما ألم به من مصائب لا تكاد تبين!
وفي قصر هايجلاك ملك جوتلند، حيث يعيش قريبه الفتى بيوولف ترددت أنباء الفجيعة، فدلفت من أسماع الفتى إلى قلبه، وحركت فيه توقاً إلى ملابسة هذا المشهد، والى الاستمتاع بمصارعة ذلك المارد، الذي طغى وطغى حتى لا مزيد على طغيانه. كان فتى خارق القوة، يختزن كفه بأس ثلاثين رجل، يملك على نفسه حب المخاطرة سعياً وراء الاسم ونشوة النصر، وفي خمسة عشر من صفوة رجاله احتواه السفين فجرا، ميمماً مملكة زيلند، حتى طالعتهم صخورها تلتمع في أضواء الغسق الخفيفة في فجر اليوم التالي. وقابلهم حارس
стр. 11068
الشاطئ في شك، وما عتم أن صحبهم إلى القصر كما طلبوا. وهنالك على الأبواب ألقوا بتروسهم ومزاريقهم، وخفوا إلى لقاء الملك في خوذاتهم الذهبية وقد زادتهم بهاء وروعة (ودب إلى روثجار بمرآهم دبيب الصبا وعاودته أحلام الفتوة) وأفضى إليه بيوولف إنه جاء في طلب المارد، عله يريح الشعب الصديق من شره وأذاه. ورحب الملك بمعونته شاكراً. ودوت أبهاء القصر مرحبة بالضيوف البواسل، ومضى النهار وشطر من الليل في قصف وشراب وغناء ورقص. حتى إذا دنى موعد قدوم المارد تسلل كلاً إلى فراشه وخلا البهو لبيوولف، يلتفع الظلال ويتخفى بها متحفزاً للقاء معداً له عدته.
برز المارد من مكمنه فما هي إلا أن ولج باب القصر، حتى احتواه بهوه، تومض عيناه شرراً، وتنطلق ضحكاته عريضة، وقد وجد سبيله ممهدا؛ فالكل غاف مستغرق. وتناول أقرب النوّام إليه فعب دمه ثم التهمه، ودار إلى فريسة أخرى، وإذا بقبضة بيوولف الجبارة تشل ساعده. أذهلته فجاءة، ولكنه ما لبث أن أفاق إلى صراع عنيف مع بيوولف - وأهتز القصر تحت أقدامهما، وتهاوت السرر، وتحطمت المقاعد، وفزع النوام على ذلك المشهد المروع. وجاهد المارد طويلاً وأستجمع بطشه، لا ليحطم بيوولف كعهده ببني البشر، وإنما ليقنع بالإفلات تاركاً لقبضته كتفاً مخلوعاً وذراعاً مفصولاً!
وجاء الفجر، فخرج بيوولف برجاله في أثر دمائه المنزوفة، وهنالك على الشاطئ طالعهم الماء أحمر قانياً وقد صبغه الدم المسفوك، فأيقنوا أن المارد قد ودع الحياة إلى القاع قبراً يطويه، فلا نشور له ولا رجعى. فيا للفرح يثير البلاد ويملك عليها المشاعر! ويا بيوولف يخب في الخلع، وتثقله الجوائز!
استطاعت الأجفان أن تطعم النوم في ليلتها تلك، ولكنها نامت عن أم ثكلى، قرح الدمع أجفانها، وتحلبت شفتاها قرماً وعصف بها طلب الثأر. وفي هدأة الليل هاجمت أم المارد القصر، وأهله تستغرقهم أحلام النصر، ومضت عنه ومعها ذراع ابنها وأحد النبلاء انتقاماً للقتيل، وإرواء لهامته! وهب الغافلون فزعاً فإذا بها تمضي إلى وكرها كالريح الخاطف، الأمر الذي أحنق بيوولف فأقسم ليلحقنها بابنها وشيكاً.
خرج بيوولف برجاله صباحاً يقتصون أثرها، ويذرعون تلك المجاهل الموحشة، فإذا بها أرض عذراء تكتنفها الخوانق، وتقطعها الأخاديد، وترقشها برك ومستنقعات آسنة، تعج
стр. 11069
بحياتها وثعابينها، يتحدر عليها الماء من شعب خفية في الصخور، فكأنه ينضح عن مزن ملئ وسحاب عامر، ثم تغوص هذه البرك مدومة إلى كهوف غائرة، بينما تلتهب هنا وهنالك - على سطح الماء - نيران خاطفة غريبة. (فلو أن قنيصة أنهكها الطراد، وحوم على عنقها الشرك، رأت في أكنافها خلاصاً من موت محقق، لآثرت عليها ذلك الموت، ولوجدت في ورده مشرعاً أعذب من وردها!) وإذا وصلوا في تطوافهم إلى حيث صرع جرندل المارد بالأمس فخضب الماء بدمه، رأوا الصخور تعمر أحجارها بنفر من الجن، وخف بيوولف إلى قوسه فأردى بسهم منها واحداً من هذا النفر - ثم استل سيفه الماضي وغاص بعيدا بعيدا إلى الأعماق في أثر الجن الغائص هرباً. ظل بيوولف على غوصه يوماً كاملاً، حتى إذا قارب القاع أطبقت عليه أم المارد - وكان خلقها وسطاً بين الإنسان والذئب - ثم حملته إلى كهفها، حيث ثار بينهما نضال لم يغن فيه سيفه ولم ينل من لحمها الصفيق العضب، وإنما أجدى عليه كفه الجبار يمسك الجنية فلا تحير منه خلاصاً، وواتته الفرصة فلمح سيفاً حديداً من سيوف المردة، سرعان ما خطفه وأهوى به على رأسها فعزله. وأدار بيوولف بصره فإذا جثة المارد صريع الأمس - لقي لا روح فيها، وبالسيف الذي أودي بالأم فصل به رأس الابن، وسبح بيوولف بالرأسين - مخلفاً وراءه كنوزاً لم يلهه لألاؤها - وما زال يعلو إلى السطح ورأس المارد ينزف دماً، حتى صبغ الماء، وملأ قلوب رفاقه عليه فزعاً، وقد طاف بهم أن دمه هو ذاك الذي خالط الماء ومازجه. وما كان أروع اللقاء وقد برز إليهم سالماً صحيحاً! وحمل الرفاق رأس المارد ورأس أمه وألقوا بهما تحت أقدام الملك، وأستأذنه بيوولف في الرحيل قائلاً: (آن لك أيها الملك أن تهدأ بالاً، وأن يعرف النوم سبيله إلى عيون فرسانك) انقلبت البلاد إلى شعلة من الفرح، وأقلع بيوولف في عصبته إلى جوتلند، تنوء رحالهم بالهدايا، وتسير بذكرهم الركبان.
وأتى حين بعد ذلك سعى فيه عرش جوتلند إلى بيوولف، واعتلى تاجها رأسه، فحكم شعبه خمسين عاما عادلا شجاعا، لا يمل الغزو والجلاد. وكان آخر عهده بهما خروجه لقتال مارد مخيف أقام في كهف من الكهوف يحرس فيه كنزاً نادراً. وفعلت قبضة بيوولف فعلها في المارد فأوردته الردى، إلا أن حر أنفاس الجني أتلفت جسمه، ونفذت إلى دمه فسممته، نتيجة لاشتباكهما في صراع عنيف طويل، واحتواه بعدها فراش السقم حيث غلبه الداء
стр. 11070
ومات. وعلى صخرة عالية يستشرقها البحر، وتشرأب إليها المروج الخضراء، أقام أهل جوتلند نصباً من خشب الصنوبر الثمين، علقت عليه الدروع، ورفت عليه السيوف، مثوى لجثمان مليكهم العزيز. وتنفيذاً لوصية بيوولف أضرموا النار تلتهم النصب ووديعته، وتلاشت من أمام أعينهم رويدا رويدا صورة مليكهم الدنيوية، حيث وجدت طريقها إلى السماء على ألسنة اللهب الصاعدة مع الهواء!
حسن عبد الحليم اليماني
стр. 11071
مكانة مصر في المغرب العربي
للأستاذ محمد السعيد الزاهري
يشاع اليوم في الجزائر أن الآنسة أم كلثوم قد أزمعت أن تقوم بسياحة في بلاد المغرب وأن حكومة مراكش قد رفضت أن تسمح لها بدخول المغرب الأقصى. قالوا ولذلك عدلت الآنسة عن زيارة المغربين الآخرين (الجزائر وتونس) وهذه هي المرة الرابعة التي نسمع فيها هذه الإشاعة تتردد في أرجاء المغرب العربي وتكون مشغلة الرأي العام فيه ويهتم لها الناس ويندفعون في شرحها والتعليق عليها بمختلف الآراء والأقوال: فهذا يقول لقد أحسنت السلطات بذلك إلى أهل مراكش ووفرت عليهم أعراضهم وأموالهم بمنع المطربة المصرية من دخول هذه البلاد، إذ لو أن هذه الآنسة زارت مراكش لملكت على أهليها قلوبهم وأهواءهم، ولذهبت بعقولهم وألبابهم، واستولت على أموالهم وعلى ما كسبت أيديهم، ولكانت عليهم في الآخرة نكبة مالية كبرى لا تقل في فداحتها وقسوتها عن هذه الضائقة العاتية التي أهلكت الزرع والضرع وأخذت بمخانق الدنيا كلها؛ ولذلك يقول لقد ضيقت السلطة بذلك على المغاربة حريتهم الشخصية ومنعتهم مما تهوى إليه أفئدتهم وحالت بينهم وبين ما يشتهون؛ وهنالك آخر يقول غير هذا
ومهما أختلف الناس في تفسير هذه الإشاعة وفي تأويلها فأنها تدل على شيء واحد وهو أن هذه الآنسة قد غزت بصوتها الملائكي الطروب قلوب هؤلاء الناس، وأن منزلتها في بلاد المغرب العربي لا تقل عنها في مصر، وأن المغاربة يتذوقون فنها وغناءها كما يتذوقهما المصريون.
قالت مجلة (السلام) الغراء التي كانت تصدر في مدينة تطوان في بعض أعدادها أن المغاربة مولعون بالموسيقى المصرية وبالتلحين المصري إلى حد الهيام، حتى أن العواتق في خدورهن ليهتفن بأم كلثوم ويترنمن بألحانها وأغانيها. ولقد رأينا بعض المراكشيين المشهورين بالتدّين والصلاح قد طرب وانشرح ونسى انه من أهل الورع والتقوى، ولم يزل به الطرب والانشراح حتى خرج عن رزانته ووقاره إلى حالة من العبث والطيش تشبه أن تكون جنوناً وذلك حين سمع في (الفونوغراف) صوتاً للأستاذ محمد عبد الوهاب. ولا تجد في المغرب الأقصى داراً فيها (فونوغراف) إلا وتجد كل أسطواناتها أوجلها
стр. 11072
مصرية لأم كلثوم وعبد الوهاب وسامي الشوا ومن إلى هؤلاء. وتباع الأسطوانات المصري هنا بثمن مرتفع قد يفوق ثمنها الأصلي أضعافاً مضاعفة. ولقد مرت علينا أيام رأينا فيها أسطوانات أم كلثوم وعبد الوهاب تباع الواحدة منها بثلاثة جنيهات إنكليزية قبل هبوط الإسترليني.
والواقع أن الألحان والأغاني المغربية التي كانت إلى عهد قريب منتشرة شائعة في المغرب العربي قد اختفت اليوم من الميدان، وتخلت عن مكانتها من الذوق المغربي العام لألحان مصر وأغانيها، ولا نستثني هذا التراث الذي بقى بأيدينا من فن الأندلس وغنائها فقد تزحزح هو الآخر عن مكانه للغناء المصري وترك له المجال واسعاً فسيحاً.
ولما أعلنت الحكومة المصرية إنها ستفتح في القاهرة محطة للإذاعة اللاسلكية تهالك الناس في الجزائر وتونس ومراكش على أجهزة المذياع (الراديو) يشترونها ويقتنونها رجاء أن يستمتعوا بسماع ما تذيعه مصر من الأغاني والمحاضرات، ولكنهم عادوا فجعلوا يبيعون أجهزتهم ببعض قيمتها عندما تبين لهم أن المحطة المصرية لم تكن محطة عالمية يمكنهم سماعها.
كل هذا دليل على أن الذوق العام في بلاد المغرب العربي هو نفس الذوق العام في مصر ليس بينهما شديد خلاف. ولعل تونس ومراكش هما أرقى من هذه الناحية، فالحياة فيهما مترفة ناعمة تؤثر الطرب والسماع، وتميل إلى اللهو والاستمتاع، بخلاف الجزائر فأنها عريقة في البداوة مطبقة الجهل والأمية، لا تزال تغلب عليها حياة العشائر الأولى، تشعر القبيلة فيها بأنها قبيلة وكفى، وقلما تشعر بأنها شعبة من الجزائر فضلاً عن أن تشعر بأنها من الأمة المغربية أو الأمة العربية الكبرى. ولعل مدينة وهران قد ضربت الرقم القياسي في البداوة والأمية وفي البعد عن العالم العربي دون أنحاء الجزائر كلها، ومع ذلك فكل مقهى من مقاهيها، وكل بيت عربي فيها، فيه (فونوغراف) لا يخلو من الأسطوانات المصرية، وإننا لنسمع فيها الأنغام الساذجة البسيطة التي تحاكي رسيم النجائب وخبب الجياد إلى جانب الفن والإبداع في أنغام أم كلثوم وعبد الوهاب.
ولما عرض فيها للمرة الأولى الشريط المصري (أنشودة الفؤاد) أقبل عليه هذا الجمهور العربي في وهران إقبالاً منقطع النظير طيلة ثلاثة أسابيع، وبعد بضعة أشهر عرض للمرة
стр. 11073
الثانية وأستمر عرضه ثلاثة أسابيع أخرى فكان الناس إلى الحفلة الأخيرة يتدافعون إليه بحماسة وشوق لا نظير لهما حتى أن منهم من شاهده عشر مرات!
وعندما أزمعت فرقة مصرية للتمثيل الهزلي أن تقوم برحلة في بلاد المغرب قالت عنها جريدة مصرية محترمة إنها ستبوء بالفشل الذريع، وستقنع من الغنيمة بالإياب، أو أنها على الأقل ستكابد في مهمتها ألواناً من المشقة والعناء ما لم تترجم مسرحياتها من اللغة المصرية إلى اللغة المغربية. وقامت هذه الفرقة برحلتها ونجحت في مهمتها نجاحاً باهراً لم يكن يخطر لها على بال، وتذوق المغاربة رواياتها وفكاهاتها وأدركوا مغزى (النكتة) المصرية من ملهياتها من غير أن تضطر إلى ترجمة كلمة مصرية واحدة إلى اللغات المغربية؛ وبعبارة أخرى أن هذه الفرقة وجدت نفسها في بيئة عربية مغربية لا تختلف عن مصر إلا كما تختلف الهيئة المصرية نفسها باختلاف المديريات والأقاليم، ووجدت أن كل ما يقال من وجود لغة مصرية ولغات مغربية هو من الأوهام الباطلة لا أصل لها، وإنما يوجد لسان عربي واحد تتكلمه الشعوب العربية (مصر وأخواتها) بلهجات تختلف اختلافاً لا يحول دون التفاهم بين الناطقين بالضاد، ولا توجد في الدنيا لغة إلا ولها لهجات تختلف فيما بينها اختلافاً كثيراً أو قليلاً.
وكثير من الغربيين من يعتقدون أن الشعوب العربية تتكلم اليوم لغات مختلفة متباعدة فيما بينها، وبعيدة كل البعد عن العربية الفصحى التي أصبحت في نظرهم لغة مواتاً. كما أن الشعوب اللاتينية تتكلم اليوم لغات متباعدة فيما بينها جداً حتى لا يمكن للفرنسي أن يفهم الأسبانية أو الإيطالية دون أن يتعلمها، وهذه اللغات هي الآن بعيدة عن اللغة اللاتينية التي هي أصلها.
وفي هذه الأيام نشرت صحيفة فرنسية تصدر بالجزائر مقالاً عن الحج إلى بيت الله الحرام عنوانه: (اللغة الفرنسية في مؤتمر مكة) زعم فيه كاتبه أن حجاج الجزائر ومراكش وتونس وطرابلس ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والعراق سيتفاهمون في (مؤتمر مكة) لهذا العام باللغة الفرنسية، لأن لكل فئة من هؤلاء الحجاج لغة قومية لا يفهمها الآخرون، ولأن الفرنسية منتشرة بين جميع الطبقات في هذه الأقطار. وأبى أن يرجع إلى الصواب إلا بعد أن رأى بعينيه وسمع بأذنيه بحارة مصريين يتحادثون مع بعض العملة الجزائريين
стр. 11074
والمراكشيين من غير أن يكون بينهم ترجمان!
وكان عالم فرنسي من علماء المشرقيات جاء بلاد المغرب مندوباً من وزارة المعارف الفرنسية لدرس اللهجات العامية المغربية، فلبث في هذه البلاد يبحث ويدرس ويستقرئ، ثم رفع إلى الوزارة تقريراً بالنتائج انتهى إليها في دراسته وأبحاثه، ونشر هذا التقرير وأطلعنا عليه فإذا هو مملوء بالأغاليط والأضاحيك، فقد زعم فيه أن عربياً تونسياً تزوج فتاة عربية من بجاية (الجزائر) فلم يستطع الزوجان أن يتفاهما - لتباعد لغتيهما القوميتين - إلا بالفرنسية التي لم تكن تلم بها الزوجة إلا إلماماً قليلا. والحق أن هذا التقرير هو دعوة صريحة إلى إيجاد فروق بين اللهجات المغربية والى تجسيم ما يكون منها موجوداً بالفعل.
وحدثني ذات يوم فنان فرنسي قال: (كنت أعتقد أنه لا بد أن يأتي يوم على المغاربة يصيرون فيه فرنسيساً خُلصاً من حيث تذوق الفن والشعور بالجمال، غير أني رجعت الآن عن اعتقادي هذا، فقد مضى على فرنسا في الجزائر مائة وبضع سنين لم تستطع أثناءها أن تجعل العرب الجزائريين أن يقبلون على الأفلام الفرنسية، أو يطربون لسماع عازف فرنسي مهما كان محسناً بارعاً، أو يتذوقون غناء فرنسياً مهما كان منسجماً ساحراً يستهوي القلوب ويأسر الألباب، على حين نرى المغاربة جميعاً يقبلون الإقبال الذي لا نظير له على الأفلام المصرية وتستهويهم مصر بأنغامها وأغانيها، ويعجبون الإعجاب كله بالفنانين المصريين). ثم قال (ولقد راعني إقبال هؤلاء الناس على شريط الوردة البيضاء وتهالكهم على مشاهدته، فشاهدته أنا أيضاً، ولكنني لم أجد في هذا الشريط ما يعجبني، على أن جميع من في المسرح كانوا يشاهدون عبد الوهاب وكأنما هو ملك كريم قد هبط إليهم من السماء وينصتون لصوته وكأنما هو نغم إلهي يتنزل عليهم من الملأ الأعلى)
وما من شيء له أثر في حياة المغرب العقلية أو الاجتماعية إلا وهو مصري غالباً فمثلاً كتاب (مختصر قليل) في الفقه الإسلامي على مذهب الإمام مالك بن أنس هو كتاب مصري قد جعل أفئدة من الناس في المغرب تهوى إلى مصر، له منزلة سامية في قلوب المغاربة يخصونه بكثير من التقديس والاحترام، ومنهم من يتعبدون بتلاوته كما يتعبدون بتلاوة القرآن الكريم؛ ولم يعد خافياً أمر ذلك الفقيه المرحوم الذي كان يصلي (النافلة) بهذا الكتاب ويقوم به الليل عابداً متهجداً؛ ولا أذيع سراً حيناً أقول أن هذا (المختصر) لا يزال له إلى
стр. 11075
الآن في كلية القروبين بفاس (حزّابة) كما للقرآن (حزّابة)، وهم يتقاضون أجوراً أوفر وأسنا مما يتقضاه (حزابة) القرآن العظيم؛ ولتلاوته هذه الراتبة أوقاف كما لتلاوة القرآن أوقاف. وفي بلاد المغرب طبقة من المحافظين يقولون عن أنفسهم إنهم (خليليون)، وأهل المغرب جميعاً هم مالكية ماعدا وادي ميزاب بالجنوب الجزائري وجربة بالقطر التونسي، فأن اكثر أهلهما أباضية، ولكنهم قليلون جداً فعددهم لا يتجاوز الخمسين ألفاً، بينما تعد الجزائر وتونس ومراكش من الأنفس خمسة عشر مليوناً يجلون هذا الكتاب ويرفعونه إلى أعلى مقام، حتى النساء في خدورهن لا يفصل الخصومات التي تثور بينهن إلا الحلف بهذا الكتاب!
ولا يزال المغاربة ينظرون بعين الاعتبار إلى كل من طلب العلم بالأزهر الشريف، ولو أنه كان قليل التحصيل، ويعترفون بالفضل لكل من أقام في مصر أو رآها.
وفي بلاد المغرب طرق صوفية منتشرة بين سائر الطبقات لها أكبر الأثر في العقائد والأخلاق، وأكثر هذه الطرق مستمد من الشيخ البكري المصري، فأتباع هذه الطرق ومريدوها يحبون البكري ويرون لهم فيه (الشيخ الممد) فيرفعونه فوق كل الاعتبارات.
وما أنت بواجد ولا مغربياً واحداً إلا وهو يحفظ كثيراً أو قليلاً من شعر أبن الفارض الصوفي المصري المشهور.
وكل حركة دينية أو أدبية في مصر لها صداها القوي في هذا المغرب العربي، فالأستاذ المرحوم الشيخ محمد عبده المصري أنصار ومريدون. وفكرة الإصلاح الإسلامي التي كان يدعوا إليها أصبحت اليوم في الجزائر مذهباً اجتماعياً تعتنقه الكثرة الكثيفة من الناس وتقوده (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين). وكل أديب كبير في مصر له أنصار وأشياع في بلاد المغرب، فللأديب الإمام الأستاذ مصطفى صادق الرافعي أنصار ومعجبون وهو أكثر الأدباء المصريين تلامذةً وقراءً في هذه البلاد. وللمرحوم قاسم أمين أنصار يدعون المغربيات إلى السفور وترك الحجاب، غير أن دعوتهم لم تجد ملبياً ولا مجيباً فأخفقت إخفاقاً شديداً. وللزعماء المصريين منازلهم من قلوب الناس هنا. والمطبوعات المصرية تحتل المقام الأول عندنا، سواء في ذلك الصحف والكتب والمجلات. والصحف المغربية لكثرة ما تروي عن مصر وما تنشر من أخبارها تكاد تكون طبعات مغربية لزميلاتها
стр. 11076
المصريات. على أن هذه الصحف المصرية الكبرى لا تهتم لبلاد المغرب إلا قليلاً، ولا تتكلم عنها إلا كما تتكلم عن مجهل من المجاهل التي لم تطأها قدم إنسان، فمن خلط في أسماء المدن المشهورة بالمغرب وفي أسماء الأشخاص البارزين إلى حوادث تحوكها عن المغرب وتخبط فيها خبط عشواء.
ويقول الشبان المغاربة الذين يطلبون العلم في جامعات فرنسا إنهم تعرفوا إلى الطلبة السوريين فعرفوا فيهم العروبة والاعتزاز بها ووجدوا منهم إخوانهم وذوي قرباهم، وتعرفوا إلى الطلبة المصريين فعرفوا فيهم رقة الشمائل ودماثة الأخلاق وما شئت من لطف وأدب، وأنكروا منهم هذه (الفرعونية) الجافية التي تجعلنا وإياهم كما قال شاعر العروبة الأستاذ إبراهيم طوقان:
أحب مصر ولكن مصر راغبة … عني فتعرض من حين إلى حين
أن تأريخ هذه البلاد حافل بالشواهد والبينات على أن المغرب يرتبط بمصر منذ العصر الحجري بكثير من روابط النسب والحضارة والدين
وإن الذي هو ما بيننا … وما بين مصر لمحض النسب
رباط العروبة يجمعنا … ويجمعنا ديننا والحسب
ولكن هل يمكن أن يبعث من جديد ما كان بين المغرب ومصر من الروابط وصلات القربى؟
وهران (الجزائر)
محمد السعيد الزاهري
стр. 11077
رسائل حاج
من ربوع الغرب إلى بلاد العرب
للمستشرق المجري الدكتور عبد الكريم جرمانوس
أستاذ التأريخ بجامعة بودابست
لثلاثين عاماً خلت وأمنيتي الوحيدة الاشتراك في موكب الحجيج والذهاب إلى مكة، حيث بزغ فجر الإسلام، وانتشرت دعوة النبي الكريم وتعاليمه المقدسة. وقد انبثق في نفسي هذا الشعور أثر مشاهدتي رسوماً فوتوغرافية نشرت في إحدى الصحف الأوروبية الكبرى عن سياحة قام بها أحد الرحالين وتحدث فيها عن عجائب الشرق حيث تسطع الشمس طول النهار، ويريق القمر أشعته الفضية فوق رمال الصحراء في الليل.
وكان الأثر الذي تركته هذه الرسوم والمناظر الفتانة عميقاً في نفسي وباعثاً لإقبالي على تعلم اللغة التركية، وعلى زيارة الشرق مهد الديانات الحديثة ومهبط الوحي المقدس.
ولكن الأمور جرت في شيء من البطء، أي أكثر مما تخيلته في البدء، فمشاغل الحياة والواجبات اليومية الملقاة على عاتقي وقفت عقبة في سبيل تحقيق تلك الأحلام الذهبية التي تطوف بذهني وتجذبني نحو الإسلام. . . وأخيراً دعيت إلى زيارة الهند حيث قضيت بين ربوعها سنوات ثلاثاً لإلقاء محاضرات عن التأريخ في جامعاتها، وهناك اعتنقت الدين الإسلامي في مسجد دلهي العظيم، ومن تلك الساعة أحسست من أعماق روحي بأنني أقترب من الغاية التي أرنو إليها بحيث يصبح في مكنني الطواف بالبقاع الإسلامية المقدسة في مكة، والتعريج على المدينة مقر القبر النبوي الطاهر ومثوى سيد الحق. . . .
ولكن كيف أذهب إلى الحج وأنا لا أعرف من العربية حرفاً واحداً؟. . . . كيف أدرس (أم اللغات) وأنا في أوربا وبالأخص في بلاد نائية كالمجر لا يوجد بها من يتكلم بهذه اللغة التي هي في نظري أصعب من تعلم أربع لغات أوروبية معاً!!؟ وتلك لعمري كانت من أقوى العقبات التي وقفت حائلاً بيني وبين تنفيذ رغبتي أو تحقيق أمنيتي في حينها.
على أنه كان لي من قوة الأيمان وثبات اليقين ما دفعني إلى الإقبال على تعلم هذه اللغة مهما بلغت العقبات وقامت الصعاب، فبدأت أولاً أدرس العربية بدون معلم وبواسطة كتب
стр. 11078
حصلت عليها من المكتبات الأوروبية، ثم عكفت على قراءة القرآن الشريف بمساعدة المعاجم اللغوية، وحفظت عن ظهر قلب معاني الكلمات المبهمة والألفاظ المعقدة. وتابعت السير على هذه الخطة عدة شهور إلى أن أصبحت بفضل الله ورعايته ملماً بأصولها. وفي خلال شهور الصيف أخذت أطالع قصص (ألف ليلة وليلة) والمعجم إلى جانبي، وكثيراً ما لاقيت صعابا كادت تفت في عضدي وتوهن من قواي، كالشعر الجاهلي الذي كان يبدو على الرغم من جماله وموسيقاه مبهما معقدا، فكنت من حين لآخر أقذف بالكتب جانبا وقد قر في عزمي ألا أعود إليه مرة أخرى ليأسي من التقدم
وبمرور الزمان انتصرت على جميع الصعاب، ورحت أتفهم العربية في شيء من السهولة واليسر، مع إنني لم أسمع في حياتي صوت متكلم بها؛ ولما أيقنت مقدار ما تبطنه الظروف وأن هناك بعض النقص في إلمامي بالأدب العربي والشريعة السمحاء صممت قبل الشروع في زيارة البقاع الإسلامية المقدسة إلى أن أقيم فترة طويلة من الزمن في مصر حيث الأزهر الشريف مركز الثقافة الإسلامية ومحط العلماء.
وفي الواقع كنت أسعد مخلوق في العالم عند ما ألفيت نفسي أدخر مبلغاً من المال يساعدني على أن أطيل إقامتي على ضفاف النيل السعيد مهد المدنية والسلام.
وعندما وطئت قدماي أرض القاهرة قوبلت بحفاوة عظيمة من جانب أدباء مصر وصحفييها وغيرهم ممن مهدوا السبيل أمامي لاستكمال نواحي دراستي في الأدب العربي، والتعمق في شعاب الدين الحنيف، بحيث أصبح قادراً على صد هجمات كل من تسول له نفسه الاقتراب أو التشويه من عظمة الإسلام في أوربا.
وكانت فكرتي مقترنة دائماً بأن أدرس العربية دراسة جامعية لا دراسة هواية، شأن الكثير من المترفين ممن يعكفون على تعلم اللغات لغرض السياحة أو بقصد القراءة الخفيفة المسلية؛ وكنت أرمي من وراء دراستي إلى القيام بخدمة الإسلام والمسلمين الذين وقعوا تحت نير الاستعمار الأوربي منذ قرون؛ وقد كانت هذه الغاية من أقوى العوامل التي دفعتني للتقرب من المسلمين في الهند وتركيا ومصر. وإن أنس لا أنس الظروف التي لاقيت فيها كثيراً من فقراء المسلمين الهنود، وهم يعيشون في بطون أكواخهم المشيدة من القش، ويستضيئون بأنوار الإسلام فتتحول تلك الأكواخ في أنظارهم إلى قصور وجنات
стр. 11079
بحيث يحتقرون مظاهر الجاه والثروة ويطئونها تحت أقدامهم
فالقرآن هو المثل الأعلى لتوجيه الإنسان إلى الطريق السوي الذي يحتم على كل مسلم غيور ألا يحيد عنه قيد شعرة؛ والمسلم الذي لم تعم بصيرته عن تلك الحقائق ويفقه تعاليم دينه فقهاً صحيحاً يرى أن القبس الروحي يتأجج في قلوب المسلمين جميعاً ممن لا ينكصون من التضحية وبذل الواجب، والذين يفنون ذواتهم في ذات الغرض الأسمى، ويأخذون على عواتقهم التغلب على كل أمر والتجول في أنحاء العالم لنشر الدعوة وإظهار فضائل دينهم ومحاسنه
والواقع أننا قد نجد بعض مظاهر هذه القوة في الأيمان عند بعض الأمم الأجنبية الأخرى، لكنني ألفيت في قلوب إخواني المسلمين كنوزاً تفوق في قيمتها الذهب والأحجار الكريمة؛ ولقد عاشرت مسلمين فقراء كانوا لا يحجمون عن أن يقاسموا رفاقهم آخر كِسرة يملكونها من الخبز. . . كم استضافوني في بيوتهم المتواضعة وأعطوني أعظم شيء في الوجود!. . إنهم منحوني إحساس الحب والتآخي، ولقنوني عمل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعندما أطلقوني من ضيافتهم فاهوا بحكمة نبيهم الكريم: (اطلبوا العلم ولو في الصين)
وعقب وصولي القاهرة قصدت فوراً للإقامة في الحي الوطني المعروف (بسيدنا الحسين)، لكني لم أوفق للحصول على سكن ملائم
لقد كنت من خلال إقامتي الطويلة بتركيا أقطن في غرفة رحبة مؤثثة بالطنافس الوثيرة والرياش الفخم، وكنت أتناول أفخر المآكل الشرقية وأشهاها؛ فمن مظاهر الحياة الإسلامية فن الطهي، إذ يؤثر على النبي الكريم أنه كان يحث الناس على العناية بمسائل الطعام وبالذبيح المحلل، ولا تخفى الفائدة من وراء ذلك، فاتباع الطرق الصحية ووسائل النظافة والعناية باللحم مما يزيد في صحة الأجسام ومناعتها
كانت آمالي إذن قبل القدوم إلى القاهرة أن أقيم في بيت من تلك البيوت العربية الطراز، وبين قوم يرتدون اللباس الشرقي الفضفاض ويتناولون الطعام بأيديهم، ولكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، فأنني لم أوفق في الحصول على سكن ملائم، فاضطررت إلى الإقامة في نزل أوربي.
стр. 11080
ولكم تألمت إذ ألفيت أهل القاهرة لا يلبسون الثياب الشرقية المزركشة، ويستبدلون بالقفطان والعمامة شعار الإسلام - الأزياء الأوربية، كما راعني في البيوت المصرية التي زرتها خلوها من الأثاث الشرقي، وأن أجد الشباب المصري يوجه عناية خاصة للإلمام بأنواع الثقافات الأوربية المتعددة، ويفرطون في جانب لغتهم وقوميتهم ودينهم!!
ولقد قال أحد أصدقائي المصريين في معرض حديث له معي: (يستحيل علينا أن نعود إلى تلك الأثواب الطويلة المهلهلة عندما نبغي الصعود إلى المركبات أو عربات الترام).
ولكني رأيت كثيراً من الناس يرتدون تلك الأثواب وما كان أجملهم في نظري وهم يتسلقون الترام أو السيارة بكل خفة ورشاقة والواقع أن تلك الملابس أفضل بكثير من الأثواب الأوربية الضيقة، ولا سيما القبعات التي نضطر إلى أن نحملها بين أيدينا عندما نجلس أو نزور أو نحيي أحداً
ومن رأيي أن الحصول على الأثاث الشرقي واللباس العربي والتطبع بالعادات الشرقية أمور يسهل اتباعها في القرن العشرين من غير أن يفقد المصريون خصائصهم ومميزاتهم، أضف إلى ذلك أن إحياء الصناعات القومية وإنعاش حال الأسواق الشرقية متوقف على إقبال المصريون على عاداتهم الأصيلة، أما التقليد الأعمى والاتجاه شطر أوربا وترك الثقافة والتراث القومي جانبا فصفات يجب التخلي عنها. وليت الأمر وقف عند الحد الذي شرحته، بل أن آمالي انهارت دفعة واحدة بمجرد أن زرت الأزهر وتفقدت الأروقة التي كثيراً ما قرأت عنها في شبابي وتخيلتها في أحلامي،. . . فمقاعد التدريس لا تزال كما كانت منذ ألف سنة، وبرامج التعليم ناقصة وغير مستوفاة لشروط الثقافة الحق؛ ولم أر في الأزهر سوى خلية للحكمة وبث التعاليم الإسلامية وقشور من العلوم الحديثة؛ أما المعاهد الدينية فهي نماذج مصغرة لجامعاتنا إذ أن هذا النوع من التعليم يقود الطلاب في سبيل البحث والاستقصاء والتعلم
(يتبع)
عبد الكريم جرمانوس
стр. 11081
٤ - سكان أعالي النيل
بقلم رشوان احمد صادق
وكان أهم ما يميز الملك والمدير أن كلاً منهما قادر على التكهن في الفصل في الخصومات وكذلك في الأمور القانونية، فكل الأمور التي تؤدي إلى المنازعات مثل القتل والموت كل هذه كان يفصل فيها بواسطة التنجيم والتنبؤ، وكانت هذه مصدر ربح عظيم للأسرة المالكة
والملك هو مصدر القانون وهو مطلق التصرف، فله الحق أن يقتل من شاء حسب إرادته، فسلطته استبدادية. وجماعة الأزندي يكونون وحدة سياسية، ومركز الفرد وسلامته واستغلاله لموارد بلاده الاقتصادية كل ذلك متوقف على قيامه بالواجب عليه نحو النائب والمدير والملك
وكل قبيلة تعرف باسم عميدها، فمتى مات أو قتل تشتت أفرادها. والقبائل هنا ليس لها أي صبغة سياسية ولا اقتصادية ولكنها ذات صبغة دينية. فنظام القبائل مؤسس على النظام الطوطمي، إذ لكل قبيلة حيوان تقدسه وتحرم على أفرادها أكل لحمه، إذ يعتقدون أن أرواح موتاهم تنتقل إليه. والرجل واخوته وأنجالهم يسكنون سوياً على ضفة مجرى مائي، ويعملون معاً في الزراعة والصيد وغير ذلك من شؤون الحياة. ويهتمون بشؤون كل فرد منهم كما يشتركون في الدفاع عن أي فرد يصيبه أذى منهم؛ وأكبرهم سناً يقوم بإلقاء الوعظ والإرشاد على الصغار أما من حيث الزواج، فإذا أراد الرجل أن يتزوج فعليه أن يعطي أقارب زوجته من عشرين إلى أربعين حربة، وهذه الحراب لا تشترى بماله الخاص، بل يهديها إليه والده وأعمامه، وهذا قد أدى إلى توثيق صلة الابن بالأب والأعمام
ومن أهم المظاهر الاجتماعية الشائعة بين الأزندي، والتي يهتم بها كل فرد في مجتمع الأزندي سواء في ذلك الملك والصعلوك هي مسألة الحسد، تلك المسألة التي تلعب دوراً هاماً في حياة الأزندي الاجتماعية، فهم يعتقدون أن أناساً كثيرين يحملون في معدتهم الحسد، وهذا الداء ينتقل من شخص إلى آخر بواسطة الوراثة، فالرجل الحسود أبناؤه الذكور حسودون، وأما بناته فلسن كذلك؛ والمرأة الحسود بناتها حاسدات وأبناؤها بعكس ذلك؛ وكانوا يشقون بطون موتاهم لمعرفة ما إذا كانوا حسدة أم لا
وفي اعتقاد الأزندي أن السبب في سؤ الحظ هو الحسد. فالمرض والموت وفشل الصيد
стр. 11082
وقلة المحصول كل ذلك سببه الحسد. ولذلك عند حدوث شيء من هذا القبيل يبحثون عن الحاسد الذي سبب المرض أو غيره، وبعد معرفته يخبرون الرئيس عنه وهو يستدعيه إليه ويأمره أن يكف حسده وأذاه عنهم
والطريقة التي يستعملها الأزندي لمعرفة الحاسد هي طريقة التكهن أو التنجيم وأهم طريقة يستعملونها للتكهن هي الطريقة التي يسميها الأستاذ بريتشارد (بنج والتي يسميها الأستاذ سلجمان - وهذه تتلخص فيما يأتي: يحضرون بعض أنواع السم ويعطونه لدجاجة ويسألونها عند إعطائها هذه المادة عن الرجل الذي يشتبهون في أنه هو الحاسد، هل هو متهم أو برئ؟ فان ماتت الدجاجة التي أكلت هذه المادة السامة فمعنى ذلك أن الرجل متهم، وأنه هو الحاسد، وأما إذا لم تمت فأن الرجل برئ. فان أعيدت العملية مرات وكانت النتيجة ثابتة كان ذلك زيادة في التأكيد، فإذا مات رجل فان أسرته تبحث عن الحاسد الذي كان سبب موته فان عرفوه بطريقة التكهن السابقة الذكر فأنهم يقتلونه أو يدفع غرامة، وهذه الغرامة تقدر بامرأة وعشرين حربة
وإذا قتل رجل فأنه يحنط، والمدير مسئول عن البحث عن الحاسد الذي تسبب في قتله وذلك بواسطة التكهن ولا يقوم بهذا العمل غيره.
وأما في الأحوال الأخرى التي تدل على سؤ الحظ من مرض وغيره كما سبق شرحه فانهم يقومون بالبحث لمعرفة الحاسد بواسطة هذا النوع من التكهن، فإن عرف فإنهم يخبرون النائب عنه حيث يستدعيه ويأمره بأن يكف عن أذاه وحسده عنهم.
وهكذا يفصل في كل الأمور القانونية والمشاكل الاجتماعية بواسطة التكهن، والحكم الأوروبي الآن يرفض الاعتراف بمسألة التكهن الذي شرحناه على الوجه السالف. ولكن الأزندي تمكن من إيجاد مفر من تشديدات الأحكام الجديدة فلجأ إلى السحر، فإذا مات شخص فأن ذويه يحضرون ساحراً ليقوم بعمل السحر والتعاويذ اللازمة لهلاك من تسبب في موته بواسطة الحسد. ثم ينتظرون أياماً وأشهر ليروا النتيجة، فإذا سمعوا بموت أحد من جيرانهم أو من أعدائهم أو ممن يشتبهون فيهم فأنهم يقومون بعمل التكهن بواسطة الدجاجة كما سبق ذكره ويسألونها فيما إذا كان هذا الشخص الذي مات هو الحاسد الذي أهلكه السحر أم لا
стр. 11083
وهذه طريقة أخرى للتخلص من النظام الأوربي الجديد للانتقام من الشخص الذي يتخذ الحسد حرفة له
وللأزندي اهتمام كبير بزراعة الأرض بعكس (الزنوج النيليين أو الحامي النيلي الكثيري الاهتمام بتربية الماشية). فهم يهتمون بتنسيق حدائقهم ومزارعهم بشكل يستحق الإعجاب. وتبدأ الزراعة في شهر مارس إذ يعدون الأرض فيزيلون بقايا الحشائش ويقومون ببعض الأعمال لتطهير الأرض. وأهم المحاصيل التي تزرع عندهم:
١) الذرة تزرع في مارس وتحصد في يوليو
تزرع في أبريل ومايو
٢) الحبوب وتحصد في أغسطس
- وسبتمبر
٣) الذرة (العويجة) تزرع في يوليو وتحصد في أكتوبر ونوفمبر وديسمبر.
وعندهم نوعان من الدورة الزراعية: (١) الدورة الخماسية (٢) الدورة السنوية والأحادية. فأما الدورة الخماسية، وتكون لمدة خمس سنوات، فهي كما يأتي:
السنة الأولى تزرع ذرة رفيعة وحبوباً زيتية
السنة الثانية تزرع ذرة رفيعة وحبوباً زيتية
السنة الثالثة تزرع ذرة رفيعة وحبوباً زيتية
السنة الرابعة تزرع حبوباً زيتية فقط
السنة الخامسة تترك الأرض للراحة (شراقي)
وأما الدورة السنوية أو الأحادية فهي في سنة واحدة حيث يزرع محصولان في سنة واحدة: الذرة والبطاطا ويلاحظ أن البطاطا تزرع كسماد وتترك في الأرض بعض الأحيان.
والدورة الخماسية هي الدورة التي يتبعها الأزندي في حديقة منزله أيضاً، كما أن الذرة تزرع كسياج يحيط بمنزل الأزندي ويقوم مقام السياج الحديدي حول حدائقنا.
والأستاذ سلجمان يقول إن الأزندي يعتقدون في مخلوق عظيم يسمونه (مبول) ولكنهم لا يدعونه إلا عند الجفاف والقحط.
ويقول إنهم يعتقدون أن الإنسان بعد موته تخرج منه روحان: إحداهما تذهب إلى الحيوان
стр. 11084
الذي تقدسه القبيلة (الطوطم) والروح الأخرى تذهب إلى القبر فتبقى فيه إلى حين، ثم بعد ذلك تغادره إلى رأس مجرى مائي حيث تبقى مع أرواح أجدادها وهم الآن يقومون بعملية الختان.
الفروق في الحياة الاجتماعية
لكل من الزنوج النيليين وأصحاب الرؤوس المتوسطة
الزنوج النيليون
رعاة
الماشية عماد الحياة
ليس عندهم ضحايا بشرية
لا يأكلون لحوم البشر
الرجال عراة الأجسام وأحياناً يلبسون جلوداً على الكتف، يزينون الشعر بأشكال مختلفة
النساء يرتدين نصف جلباب (ملكوف من الجلد يغطي النصف الأسفل من الجسم من الوسط حتى الركبة ويلبسن أساور من العاج في أعلى العضد،
بعضهم يخلع أسنانه الأمامية مثل النوير
ليس عندهم رؤساء للحكومات وهم ديمقراطيون يحترمون السحرة والمشعوذين ويأخذون رأيهم في بعض الأمور والرابطة الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية مبنية على القرابة والجنسية
أصحاب الرؤوس المتوسطة (الأزندا)
زراع ويربون الدجاج
ليس عندهم ماشية
الزراعة هي أهم ما يحترفه السكان وكذلك الصيد
عندهم تضحيات بشرية
كذلك أكل لحم البشر قلت الآن بعد الحكم الأوربي
الرجال يرتدون جلد الأسد أو قميصاً من الخيش أو الخوص أو سراويل. يضفرون
стр. 11085
شعورهم من منبت الشعر إلى الكتف، ويلبسون قلنسوات من الخوص محلاة بريش الديكة
النساء يستترن بشبكة من ورق الشجر من الأمام والخلف تربط بحزام حول الوسط وأحياناً يرتدين (مريلة) ولا يستعملن الأساور المصنوعة من العاج إلا نادراً
لا يخلعون أسنانهم
حكومتهم منظمة لها صبغة سياسية ورؤساء سياسيون، والرابطة العائلية قوية بينهم
رشوان أحمد صادق
стр. 11086
سليل القرد
للشاعر الفيلسوف جميل صدقي الزهاوي
عاش في الغاب القرد دهراً طويلاً … قبل أن يلقى للرقيّ سبيلا
وُلد القردُ قبل مليون عام … بشراً فارتقى قليلاً قليلا
إنما هذه الطبيعة في تَجْ … ديدها للحياة ليست عجولا
أيّ شيٍء ألمّ بالقرد حتى … هجر الغابَ نجله والقبيلة
إنه لولا العقل كان ضعيفاً … وعليه الحياةُ عبئاً ثقيلا
واقتنى فطنةً وكان غبيّا … وابتنى عزّةً وكان ذليلا
وعلى رجليه مشى بعد أن سا … ر على أربعٍ زماناً طويلا
تخذ الصخرَ بعد نحتٍ سلاحاً … يتّقي الوحش ضارياً أن يغولا
حادثٌ لم ير الزمانُ على الأر … ض له في كل الدهور مثيلا
ليس إنسانُ اليوم في كل أرض … غيرَ قرد في وسعه أن يقولا
منح الدهرُ الأرضَ خيرَ وليٍّ … وبه كان في القديم بخيلا
إنه في لقائه للضواري … لم يكن خَوًّاراً ولا إجْفيلا
إن عقل الإنسان خيرُ سلاحٍ … ولقد تفْضل العقولُ العقولا
ياله من تطوّرٍ حَوَّلَ القر … دَ لإنسانٍ يُحسنُ التخييلا
سنةُ الله في النشوء على الأر … ض فما إن ترى لها تبديلا
ليس من قدره يحطّ فيَخزَى … إنه كان للقرود سليلا
ولقد فارق القبيلةَ إلاّ … أنه ظلّ حبلُهُ موصولا
قبلَ إخلادِه لعائلة لم … يك إلاّ عن نفسه مسؤولا
ولدته عروسة الغاب من قر … دٍ جميل فكان قرداً جميلا
عاش أبناؤه دهوراً وما إن … عرفوا تحريماً ولا تحليلا
بعد فجر الإنسان كان غدُوٌّ … وأرى أن للغدوّ أصيلا
إن للشمس بعد كل شروق … يملأ الأرضَ بالضياء أفولا
دُوَلٌ فوق الأرض ذات احتشام … غير أني في خشية أن تدولا
стр. 11087
إنني أخشى للنشوء انقلابا … فيعود الإنسان قرداً كسولا
وإذا ما خلا من الناس وجهُ ال … أرض كان الخلوُّ خطباً جليلا
وإذا ما بالعكس عاشوا وجدّوا … فسيمحون الموتَ حتى يزولا
وليأتي باسم السبرمان نسلٌ … هو أرقى منهم وأهدى سبيلا
يتقصى كنه الطبيعة حتى … ليس يبقى شيءٌ له مجهولا
إنما في حياته الصدقُ دينٌ … لا خداعاً يأتي ولا تضليلا
وترى فوق المنكبين له رأ … ساً كبيراً وساعداً مفتولا
وعلى رأسه الكبير ترى شع … راً أثيثاً تخاله إكليلا
وإذا ما أبصرت عند اللقاء ال … عينَ منه حسبتها قنديلا
وإذا ما تكاثروا حكموا الأر … ض بعدل جبالَها والسهولا
أخضعوا أصناف الأشعة حتى … جعلوا منها للسماء رسولا
(بغداد)
جميل صدقي الزهاوي
стр. 11088
البعث!
للشاعر الحضرمي علي أحمد باكثير
مات الغرام وقد بكيتهْ … ورثيته ما قد رثيتهْ
كفنته ودفنته … وبدمعيَ القاني سقيته
وأتى الزمان يَصُوْرني … عن ذكره حتى سلوته
يا ليت شعري، كيف عا … دَ إلى الحياة اليوم مَيْته؟
أحببته عفَّ اللِحا … ظ سمعت عنه وما رأيته
كالخلد يرجوها أخو ال … تقوى ولم يرها - رجوته!
فكرت فيه فشاقني … وثوى الفؤاد وما دعوته
وطفقت أعبد طيفه … وأنا الذي بيدي بَرَيته!
بفمي اسمه، أروي به … ظمأ الفؤاد وما شفيته!
كالثلج فيه، وكلما … أمسسته قلبي كويته!
بيني الزمان وبينه! … وتجاورا بيتي وبينه!!
سميته (لولا) مخا … فة أن يساء وما كنيته
أوحى إلي وما دري! … وكتبت عنه وما نويته!
ماذا عليه لو صغا … وعلى مسامعه تلوته!
وهَمَي على عيني سنا … هـ، وسال في أذنَيَّ صوته!
علي أحمد باكثير
стр. 11089
الحرمان
بقلم محمود حسن إسماعيل
أسدلت سترها! وقالت رويدا … عابد الحسن، واتئد في صلاتك
غب قليلا عن العيون وأنشد … خفقات الغرام في خلواتِكْ
إن همساً يرفُّ في ساحة المعْ … بد أخشى ذيوعه من وشاتِكْ!
غب قليلا وفي دمي لك عَهْدٌ … أنا والحبُّ. . والمنىَ. . لحياتِكْ
خمرتي شعرك العفيف، ويا طُهْ … ري إذا ما انتشيت من (كاساتك)
وجلالُ الهوى وقُدْس جمالي … صَبَواتٌ نفحن من أُغنياتِكْ
ريُّ روحي إذا ظمئتُ خيالٌ … مستطار يَرنُّ من أبياتِك
فترنم! فإن روحيَ تصغي … خلف أستارها إلى نغماتك!
قلت: والنار في دمي كيف تهدأ … إن حجبت الضياء من قسماتك
إن زادي من الحياة وميض … رشفته العيون من بسماتك
فتنتي إن رنوت موجة نورٍ … أشرقت في الجنان من نظراتك
كم طغى البؤس عابثاً بشبابي … فقبست النعيم من وجناتك
وتوجعتُ فانتحبتِ لشجوي … سكبت الهناء من قبلاتك
كيف أحيا وفي دمي تُقلق الرو … ح نوازٍ مفجعاتٌ فواتك!
أنا لهفان والنعيم بكفَّي … ك دعيني أمت على عتباتك!
قالت: اهدأ! فما عهدتك يوماً … تستثير النوى دفين شكاتك
كم غزا البين قربنا فتصبر … ت، ورمت السلوان من ذكرياتك
قلت: يا لوعتا لظمآن جنّت … روحه لهفة على رشفاتك!
كم وقفنا حيال قصركِ نبكي … وخلسنا الغرام من شرفاتك!
وشدونا الهوى ملاحن سحر … رقرق النور طيفها من سماتك
وشكونا النوى فكاد يطير الحس … ن فرط الحنان من غُرُفاتك!
آه يا زهرتي! لقد شفَّ روحي … ظمأ محرق إلى نفحاتك
فارفعي الستر بيننا، ودعيني … أتحسى الضياء من هالاتك
стр. 11090
رب ومض من لحظ عينيك ساج … فجر السحر من سنا لمحاتك
نهلته عيناي فانساب شعراً … عبقرياً يفيض من نظراتك
وهنا. . أسدل الستار! ورنت … خفقة: لهفتا على أمنياتك!
(دار العلوم)
محمود حسن إسماعيل
стр. 11091
نسيم الفجر
بقلم وهيب رشيد
(من الشاعر الإنجليزي
هب عند الفجر يجتاز البحار … قائلاً للسحب خلي الطرُّقا
هاتفاً بالسفْن قد جاء النهار … بزغ الفجر جميلاً عبقاً
أيها الملاح قم شُدَّ القلوع
وسرى في الأفق حراً جذلا … مرَّ بالناس جميعاَ نائمين
سيطر النوم عليهم فَجَلَا … سلطة النوم ببرهان مبين
صائحاً قد آن للشمس طلوع
مرَّ بالزهر مكباً نائماً … في ربى الغابة وسْنان العيون
فجرى فيها نشيطاً باسماً … يوقظ الزهر بتلويح الغصون
ومضى والغاب بالعطر يضوع
دخل العشَّ على الطير الجميل … راقداً يحلم أحلام المنى
فأحس الطير بالريح العليل … هز برديه سروراً ورنا
لحقول القمح بالعين الولوع
وغدا يقطع أرجاء الحقول … قاصداً ديك الصباح الغَرِدا
فتلقاه بلطف وقبول … وبلحن ساحر جذل شدا
مرحباً بالصبح، بالفجر الوديع
واتى المعبد قفراً موحشاً … ما به غير سكون مطبق
أيقظ الحارس فيه فمشى … يقرع الناقوس قرع المحنَقِ
يا نسيم الفجر أَحييت الربوع
стр. 11092
فصول ملخصة في الفلسفة الألمانية
٢٨ - تطور الحركة الفلسفية في ألمانيا
الناحية الإيجابية من مذهب نيتشه
السوبرمان أو الإنسان الأعلى
للأستاذ خليل هنداوي
وهذه هي الميزات التي يراها نيتشه تميز السوبرمان من الإنسان، يرى أن فضيلة الإنسان فضيلة تحمل إلى الناس جميعهم بدون فرق ولا استثناء، بيناً يرى أن فضيلة السوبرمان لا تعني إلا فريقاً منتخباً ضئيلاً سامياً. ألا ترى أوروبا اليوم جميعها تؤمن بديمقراطية تساوي بين طبقات الناس مهما اختلفت أصولاً وفروعاً. ونيتشه لا يرى في هذه الديمقراطية شيئاً طبيعياً، وهو يؤمن (باللامادة) ويريد أن يخلق طبقة أرستقراطية تتألف من أنواع محدودة، لكل نوع تعاليمه وأعماله وواجباته المكتوبة عليه، وأسفل هذه الأنواع هو مجموع الفئات المتوسطة التي يدور بأيديها دولاب المجتمع. فالنقش والتجارة والصناعة والعلم والفن تحتاج إلى عمال يخدمون برضاهم هذه الصناعات. يطيعون مختارين ويعملون مريدين. هؤلاء هم عبيد لأنهم ينفذون إرادة من هم أسمى منهم. وحق لهم أن تكون منهم الطاعة، وأن يحتملوا من الألم كثيراً لأن الحقيقة قاسية. على أن هؤلاء يجب أن تضمن لهم أسباب حياتهم فيكونون أكثر هناء واطمئناناً وسعادة من رؤسائهم، لا شغل لهم إلا أن يواصلوا دورة الحياة. . . أما الأيمان الديني عندهم فهو نعمة لا تثمن، لأنه كأشعة الشمس فاقة وجودهم المظلم، يعلمهم القناعة والسكينة ويجعل واجباً عليهم احتمال إرادة غيرهم. وهو الذي يبث في أرواحهم هذا الوهم الجميل القائل بأن هنالك نظاماً للأشياء. وأنهم هم أنفسهم لهم مكان نافع في نظام الكائنات والأشياء. هؤلاء يقول لهم زرادشت: (لكم لكم العبودية والأيمان!). وفوق هذا الفريق المديرين وحارسي الشريعة والذائدين عن النظام والبلاد والمقاتلين وأمير البلاد. أن هؤلاء يدبرون الأمر ويسوسون الملك بسلطتهم. أن هؤلاء هم الذين تخضع لهم إرادة العبيد حين يريدون. أما الفريق الأول فهو فريق السادة والعقلاء وخالقي (القيم الاجتماعية). هؤلاء يجب أن ينفذ تأثيرهم في قلب المجتمع، هؤلاء يجب أن
стр. 11093
يهبطوا إلى الأرض ينزلون فيها بين الناس منزلة الآلة الذي يقدسه النصارى. هؤلاء هم السادة ولهم وحدهم صنعت فضيلة السوبرمان.
وهذه الفضيلة لا تتميز من غيرها بأنها فضيلة أرستقراطية فحسب، ولكنها تخالفها في المثل الأعلى الذي ضربته، أما الإنسان الفاضل في الشريعة المسيحية أو شريعة الزهاد فهو الذي يخضع حياته لمثل أعلى، ويضحي بميوله ورغابه في سبيل عبادة الخير والحق. أما العاقل في شريعة نيتشه فهو غير ذلك. العقال هو خالق (القيم) وليست مهنته إلا خلقها! لا شيء في الطبيعة له قيمة بنفسه، أن عالم الحقيقة هو مادة واحدة لا معنى لها ولا غاية إلا المعنى أو الغاية التي نراها نحن فيها ونعطيها إياها. الفيلسوف الحقيقي هو الرجل الذي ينطوي على شخصية قادرة على خلق الوجود، ويبعث في الناس الرغبة ويستهويهم، هو الشاعر العبقري الذي تتألف في نفسه (القيم الاجتماعية) التي يؤمن بها رجال العصر! هو مفكر في الأشياء، لكن تفكيره ليس إلا الشريعة السامية التي تهتز لها أمم! يبدع بحرية ما يشاء مستقل الفكر سائماً من الخير والشر، من الحقيقية وغير الحقيقة. هو يبدع حقيقته، ويخلق شريعته وفضيلته. إنه رجل مجرب لا يفتأ يتحرى عن صور لعوالم جديدة. تراه يضحي بحياته وبسعادته، ويفادي بحياة الآخرين الذين يجرون في مضماره وبسعادتهم دون أن يتزعزع. إنه لاعب جريء يتحدى الحظ، لا يحفل إذا كانت لعبته الحياة أو الموت.
أن العاقل عند نيتشه ليس بذي لروح الهادئ المسالم. هو من لا يعد الناس بالسلام وبالفرح الهادئ باقتطاف ثمرات عملهم. ولكنه يدفعهم إلى الحرب يلمع بين عيونهم الرجاء بالنصر والأمل بالظفر يقول زرادشت:
(إنكم ستتحرون عن أعدائكم، إنكم ستقاتلون وستحاربون من أجل فكرتكم، فإذا غلبت فكرتكم فليدفعكم إخلاصكم إلى السرور بهزيمتها. إنكم تحاربون السلم كوسيلة لحروب جديدة، على أن السلم الصغير هو خير من السلم الكبير
أنا لا أنصح لكم بالعمل، ولا انصح لكم بالسلم، ولكن أوصيكم بالظفر. ليكن عملكم حرباً وسلمكم ظفراً.
يقولون: أن السبب الشريف يقدس الحرب. وأنا أقول لكم: أن الحرب الشريفة هي التي تقدس كل سبب.
стр. 11094
لا يجب أن يكون لكم من الأعداء إلا المبغضون لا الحقيرون، وإذ ذاك تكونون أولي زهو وكبرياء بأعدائكم، حتى ليغدو ظفرهم عليكم ظفراً لكم.)
أن القتال عند نيتشه هو خير سبب يعمل على التقدم، لأنه يرى مواضع الضعف ومواضع القوة. يرى الصحة والمرض في المادة والأخلاق. وقد يكون القتال تجربة خطرة يريده العاقل ليزيد في حيوية الحياة ويزيد آفاقها سعة. وليدرك قيمة فكرة ما وقدرتها على الإحاطة بمعاني الحياة. الحرب نعمة حسنة في ذاتها وتنبأ نيتشه بأن أوروبا ستدخل في عصر قتال تتطاحن فيه شعوبها في سبيل سيادة العالم.
وبينما كانت (القيم الاجتماعية) الأولى تضع الشفقة في رأس هذه القيم، كان زرادشت يِعلم رفاقه بأن الإرادة هي الفضيلة العليا (هذه هي الشريعة الجديدة التي أوصيكم بها، كونوا قساة أشداء) إذ يجب في الحقيقة على المبدع بأن يكون قاسياً عنيفاً إذا أراد أن يخضع الحظ، أو أراد أن يوحي بتعاليم جديدة. أن الشفقة ليست عنده بفضيلة، ولكنها خطر من أكبر الأخطار التي تلاقيه.
ألم يسمع (زرادشت) حول كهفه أصوات اليأس يرددها الرجال الذين يدعونه (تعال! تعال! قد حان الوقت) فلو أن الشفقة عليهم استهوته إليهم لكتب عليه الغلبة. إنه يحتاج إلى قوة قاسية تصرف عنه تأثير هذا الدعاء الباكي.
بينما كان زرادشت يغادر بيته لاحقاً اليائسين الذين يجأرون له، نزل مكاناً موحشاً خيل إليه إنه مدينة الموتى. هناك الصخور البارزة السوداء والشماريخ الحمراء، حيث لا تنبت عشبة ولا ينجم كوكب ولا يزقزق عصفور. هذا هو واد ينفر منه الحيوان، لا يأوي إليه إلا الأفاعي العظيمة الزرقاء، تأتيه في كهولتها لتعانق الموت فيه. في هذا المكان المروع أبصر (زرادشت) هيكل إنسان قبيح، فلم يشأ أن يتأمله، وَهَمَ بأن يركض ما استطاع فراراً من هذا المسخ. ولكن صوتاً أهاب به كأنه غرغرة محتضر أو بقية ماء في منحدر.
- زرادشت، زرادشت! نبئني بِسري! ما هو الانتقام من الشاهد؟
وفجأة استولت على زرادشت شفقة غريبة، ولكنه سرعان ما استعاد قسوته وصرامته، فأجابه
- أنا أعرفك. . . أنت قاتل الإله، دعني أسر في طريقي؛ أنت لم تحتمل من كان يراك
стр. 11095
ويطلع عليك في كل ارتعاشك وشناعتك واشمئزازك أنت يا أقبح الرجال! فأخذت ثأرك من هذا الشاهد) خرج زرادشت ظافراً من هذه التجربة التي هلك فيها الإله. أن إله المحبة قد مات وقد خنقته شفقته بإطلاعه على كل نقائص الإنسانية وشناعاتها الخفية. أن شفقته لا تعرف حداً. إنه وطأ الأماكن الأكثر عمقاً والأسحق بعداً من النفوس البشرية. ولهذا مات، لأن الإنسان لم يعد بقادر أن يحتمل شاهداً يقظ العين على خزيه وعيوبه. أحس زرادشت بموجة الحياة تغمر نفسه إزاء هذا المشهد، فغض من طرفه وَهَمَ بان يتابع سبيله، معتقداً بأن متابعته للطريق أجدى عليه من أن يهدر أيام عمره هدراً في سبيل الجلوس إلى (جسد) لا ينفع فيه دواء. وفي صنعه هذا لم ينج من الموت وحده فحسب، بل اكتسب مع نجاته حب هذا الإنسان الكريه. أما الإنسان الكريه الذي كان يبغض الإله والرحماء فانه انحنى خضوعاً إزاء صرامة زرادشت وقبل أن يكون أحد الطارقين باب مثواه
(يتبع)
خليل هنداوي
стр. 11096
القصص
من صورة الحياة
الآباء البيض
بقلم حبيب الزحلاوي
عرفته في المدرسة فتى وسيم الطلعة، صبوح الوجه، حيي الطبع، هادئ النفس، فتوددت إليه واكتسبت صداقته
عرفت من خصاله العبوسة والخشونة والتجهم والغضب كما عرفت منها الطيبة والسلاسة والصدق والوفاء.
كان تارة عنيف الحركة حتى الجنون، وطوراً ساكناً كأنه غارق فيها!
عرف معلموه فيه الإقدام بدون تردد، والأحجام بغير سبب، وعرفوا فيه الاندفاع نحو تحقيق رغباته وإرضاء ميوله وبداوته، كما عرفوا فيه الانصراف عنها كأن ليس له رغبات ولا ميول وبداوات!
تسرعوا فسموه (المتناقض) ثم اعتدلوا فأطلقوا عليه أسم (ذي الحدين) الأقصى والأدنى.
كان انكبابه على الدرس، ودقته في المحافظة على الواجب يثيران إعجاب المعلمين به وغيرة رفاقه منه، كما كان توقفه عن الدرس، وإضرابه عن تلقيه بدون سبب، وانتفاضه على الواجب، وتمرده على العلم، وقيامه على النظام، مدعاة للدهشة والاستغراب.
كنا تلميذين متلازمين متجاورين، يفضي كل منا لصاحبه بطوية نفسه ودخيلة أمره، إلا أني كنت ألمح فيه حرصاً على دفن سر شاغل خطير يكتمه عني في أعماق نفسه تفضحه نظراته الحزينة الباكية الذابلة.
كان (ذو الحدين) خشناً في لعبه، بريئاً في تعبيره عن خواطره كالأطفال، صدوفاً عن المعاشرة، مستغرقاً في الوحدة والانفراد كالنساك، وكانت بسماته النادرة حلوة كالجمال الصامت في مظهر عروس ترملت بُعيد الزواج
ما كان أقرب نفسه إلى الرضا والطمأنينة والبشر عندما يكون في المدرسة بين دروسه وفروضه ورفاقه، وكم كان يفارقه مرح النفس وغبطة الروح عندما يعود إلى البيت إذ كان
стр. 11097
تلازمه فيه الوحشة والكآبة والحزن!!
كانت ثياب (ذو الحدين) تختلف عن ثياب وهندام التلاميذ، وكان لأمه شغف في إبراز وحيدها بثياب مخملية ليكون بين رفاقه - على حد تعبيرها - كالكوكب بين النجوم، ولعل ولع أمه به وعنايتها بملبسه واهتمامها ببزته هي التي نمت فيه خاصية التأنق والملاحظة والانتقاد، وصيرت لكلامه أداء فريداً ووقعاً خاصاً في النفوس ولكن أنى الخلاص لفتى مثله حسن البزة، صبوح الوجه، لامع الذهن، غريب الأطوار، عريق المحتد، صدوفاً عن المعاشرة، عزوفاً عن مخالطة الناس، أنى له الخلاص من مخالب فتيان تتوثب فيهم غرائز القوة البكر وإبراز قدرتها وسلطانها على الأقران، وتتمطى فيهم الغيرة الآكلة لفقدهم أكثر الصفات والمزايا المتوفرة لهذا الفتى الرفيق؟!!!
ولكن صاحبي كان يتخطى هذه البواعث الشائكة على قنطرة من تبين الفتوة وتعمل الكبرياء واصطناع الترفع عن الاختلاط بتلاميذ في غير ترتيبه! بذلك نمت فيه ملكة العنجهية والتسامي.
كانت ظاهرة الكبرياء عنده دخيلة على طبعه الرضي، غير أنه توسل بها لدرء عوارض طارئة لا شأن له في وجودها، فكان يداريها بالعطف الأخوي، والإحسان الإنساني، والشفقة التي كان يشمل بها كل محتاج من إخوانه التلاميذ، وما أكثر المعوزين في تلك المدرسة التي كانت تضم جميع أبناء العمال في ذلك الحي.
جاءني مرة بثغر باسم ووجهه متهلل متلألئ يقص علي خبر اعتزامه على الالتحاق ببعثة (الآباء البيض) ليتلقى العلم في مدرستهم (الصلاحية) في القدس ويقول: إن الآباء رضوا أن يلحقوه بها، وأنه دفع لهم مبلغاً من المال كان يدخره، وأن رئيس البعثة وعده بأن يصحبه معه وينتزعه من أهله إذا مانعوا، وأنه سيتعلم علوم القساوسة ويعود فيرغم جميع الناس على تقبيل يده باحترام، والاستماع إلى أقواله والإنصات إلى عضاته بخشوع!
لم يكن اهتمامي بالخبر ليوازي فضولي الحافز إلى معرفة العامل الذي جعل صاحبي يطرب للرحيل عن أهله كطرب عصفور في قفص يسقسق ويصفق بجناحيه، وأنت في الحقيقة لا تدري إذا كان طربه للطعام المقدم أو للانطلاق الموموق.
لم يكن الخبر هاماً في ذاته، إنما كانت الأهمية عندي في اكتشاف الدوافع التي جعلت هذا
стр. 11098
الفتى دائم التأرجح بين كفتي الفرحة القصوى والحزن الأقصى، فتوهمت الفرصة موانيه تدنيني من مكمن السر!!
رفيقي هذا الذي يحدثني عن سفره بطرب، وعن اعتزام رئيس البعثة انتزاعه من أهله بسهولة، هو وحيد لوالديه، محبوب منهما حتى العبادة.
ما الذي في نفسه منهم يا ترى من البيت ومن أبويه حتى يؤثر المدرسة والتلاميذ عليهم؟
ما الذي في نفسه منهم وهو يفزع إلى الآباء البيض هرباً من والديه مفضلاً الرحيل على البقاء معهما؟
لم يكن في وسعي تحويل الأمر آنذاك وقد كنت فتى أملك قوة اختزان الحوادث لا تعليلها، أدخر عوارض الأشياء لا أنقدها، أنظر إلى كليات المسائل لا جزئياتها، وهكذا صرفت برهة في استقبال خبر السفر كأنها كانت برهة الاستجمام لأعود بعدها إلى صاحبي بنفس قوية، وعزم قاطع، أصرف بهما ذهنه عن هذا الخاطر الطارئ المستحيل التحقيق.
داورت صاحبي بحجة معرفة بواعث هذا السفر المفاجئ، لمحت بالكلام إلى أمر حسبت أنه يكون بمثابة مفتاح للسر، فانقبض مكتئباً وأشاح بوجهه عني كأنه ندم على ما قال؛ لم يمهلني لأعتذر عن سوء تصرفي وتوضيح قصدي وانصرف، أسقط في يدي وأضاع الفضول الفرصة المواتية. . . . . . ولكني صممت على عمل شيء.
نجحت أولاً في إبلاغ والده خبر سفره سراً مع الآباء البيض وحاولت إقناع صاحبي بأني لم أكن واشياً نماماً بل كنت المحب صادق المودة، أوثر صداقته وأرعى اطراد تقدمنا معاً في مسالك الدراسة. . .
لم ينصت إلى أقوالي؛ غضب مني وبكى من والديه؛ قاطعني وانقطع عن الإيواء إلى البيت، وصار كمكوك الحائط ينصرف من بيت عمته الأرملة وليس فيه رفيق أو صديق، إلى المدرسة التي لم يبق له فيها سوى الوحدة والانفراد ورفقة الكتب وحفظ الدروس.
عبثاً حاولت استرضاءه واسترداد وداده. قطع الرأي على قطيعتي، وثبت على عناده، وهكذا صرنا صديقين متباعدين.
جزنا الامتحان سوية، انتقلنا معاً من مدرسة إلى أخرى، زودتنا الكلية البطريركية بشهادتها العليا، طوحت بنا الأقدار فألقت بواحدنا في مصر وبالثاني في أمريكا لا يعرف الواحد عن
стр. 11099
صاحبه شيئاً.
في شارع تتماوج فيه عشرات الألوف من نساء مستهترات وسيدات فضوليات من كل جنس متفرجات، يعج بأضعاف الآلاف برجال من كل سن وعمر وقطر ومصر، فيهم العابث المتهتك، وفيهم من هو غير متهتك ولا عابث.
في هذا الشارع الذي لا تهدأ فيه حركة، لا في الليل المنار بمصابيح أضواؤها الجمال والحسن والفتنة، ولا في النهار الذي ينزع فيه الإنسان الدرهم من بين فكي أخيه الإنسان لينفقها في الليل على مباذل المرأة.
في هذا الشارع المكتظ بخلائق كأنها في مهرجان؛ في هذا الشارع تطلق البسمات من الشفاه والغمزات من العيون، وترشق القلوب بسهام النظرات الساحرات؛ فيه يطلق الرجل أعنة الحياء وينضو ثياب الخجل؛ فيه تخلع المرأة العذار وتتشح بالفتنة والشهوة؛ فيه يرتجل الأكمة أبرع عبارات الإطراء الغزلي، وتفتن المرأة في ابتداع شباك الاصطياد؛ في هذا الشرع أنقذني خاتم في إصبع يدي اليسرى من إغراء حسناء لعوب من بائعات البدن؛ في هذا الشارع تصدم البريئات والبريئين من الفضوليين الأغراب بمن لا براءة عندهم ولا فضول، فيحسب المصطدمون والمصطدمين الانزلاق حرية، والاستهتار مدنية، والفجور طابع الأمة.
هذه سيدة قلقة تنتظر المتخلف عن الميعاد! هذا الرجل واقف مطمئن إلى لقاء من وعدته. هذا يعانق تلك، وهذه تقبل هذا قبلات مسكرات، وهذا غريب مشدود يرى ويبصر وكأنه لا يرى ولا يبصر.
في هذا الشارع البهيج الذي يجمع قلب باريس في قبضة الحياة سمعت من يذكر اسمي ولقبي بصوت أيقظ في حاسة غريبة مدفونة في الأعماق منذ أيام الحداثة، فاتجهت صوب رفيق المدرسة الذي لقيني هنا فعرفني، فناداني فاستجبت.
مشينا على غير هدى، تبادلنا ألف تحية وأشواق، يممنا مقهى أعرفه، ولما جلسنا في زاوية منفردة فيه تأملت صاحبي فإذا بالأعوام بدلت من ملامحه وتركت في وجهه بعض التغضن حول العينين، وثنيات واضحة في الجبين، وشعرات رمادية ظاهرة في السالفين، قرأت في نظراته معاني التوطد والثقة بالنفس، ولمحت فيها بقية من آثار الذبول والحزن. أخذنا نتكلم
стр. 11100
ونعيد تلاوة صحائف الماضي ونستعرض ذكريات المدرسة بلذة وفرح، ونسرد فصول رواية الحياة الكبرى بين مآسي المرآة وفواجع كسب المال.
أنبلج الصبح انطفأت مصابيح الكهرباء، تبدلت وجوه رواد القهوة وقد أورمها السهر وخنقتها الخمر بوجوه نضرة فياضة بقوة الراحة المستمدة من النوم تستقبل النهار لتستأنف الجهاد في ميادين العمل، بقيت وصاحبي وحدنا الجالسين الهانئين بذكر حوادث الماضي ثم افترقنا على موعد للتلاقي.
كان الليل يجمعني وصاحبي في باريس على مائدة طعام أو شراب، وكان لنا في كل جلسة جولة أو جولات في معترك الحياة، غير أن جلسة الليلة اختلفت عن سابقاتها في الجو الذي هيأه وجود كاهن شرقي أعرفه بصحبة سيدة في المطعم.
جال خاطر مفاجأ في ضميري فابتسمت، استطلعني صاحبي معنى الابتسامة فرغبت إليه أن يقرع بكأسه كأسي فنشرب النبيذ البكر على ذكر صداقتنا البكر!!
نظر إلى متعجباً وقال: هل من طارئ جديد؟
قلت: بلى قال: ما هو قلت: هل في وسعك الآن وقد طويت مرحلة من الشباب واكتملت رجولتك أن توضح لي أسباب حزنك في حداثتك ونفورك من والديك، وتوقك إلى البعد عنهما، وقطيعتك إياي وقد أفسدت عليك تدبير التحاقك بالآباء البيض؟
أبتسم صاحبي فذكرني بسمة العروس الأرملة وقال: أحسب وجود الكاهن في المطعم بثوبه الأسود الفضفاض ولحيته المسبلة على صدره هو الذي نبه ذهنك إلى هذا الموضوع.
قلت: هو ذاك
سكن صاحبي هادئاً كأنه يفيض ذهنه في قلبه، وأطبق أو كاد يطبق أجفانه كمن يقرأ سطور الضمير في سفر الغيب، وطفق يقول: اشكر لك هذا السؤال، لأن في الإجابة عليه تفريجاً عن كرب مستعص آن أوان البرء منه.
كانت عقدة نفسية عقدتها الحساسية المرهفة والشعور الوجداني فحللتها لوحدي على مهل. أُكرهتْ والدتي على الزواج من والدي الأرمل ولما يكن له من العمر تسعة عشر عاماً بعد، فكان جمالها، ووجاهة أهلها، وزواجها من فتى أرمل، علة جرحت كبرياءها بين أترابها الفتيات، وبثرة تنكأ النكد الأليم والنفور المتواصل ونزق الشباب، فكنت أستشعر أني
следующие страницы →