Полный текст (65 431 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.
стр. 11096
القصص
من صورة الحياة
الآباء البيض
بقلم حبيب الزحلاوي
عرفته في المدرسة فتى وسيم الطلعة، صبوح الوجه، حيي الطبع، هادئ النفس، فتوددت إليه واكتسبت صداقته
عرفت من خصاله العبوسة والخشونة والتجهم والغضب كما عرفت منها الطيبة والسلاسة والصدق والوفاء.
كان تارة عنيف الحركة حتى الجنون، وطوراً ساكناً كأنه غارق فيها!
عرف معلموه فيه الإقدام بدون تردد، والأحجام بغير سبب، وعرفوا فيه الاندفاع نحو تحقيق رغباته وإرضاء ميوله وبداوته، كما عرفوا فيه الانصراف عنها كأن ليس له رغبات ولا ميول وبداوات!
تسرعوا فسموه (المتناقض) ثم اعتدلوا فأطلقوا عليه أسم (ذي الحدين) الأقصى والأدنى.
كان انكبابه على الدرس، ودقته في المحافظة على الواجب يثيران إعجاب المعلمين به وغيرة رفاقه منه، كما كان توقفه عن الدرس، وإضرابه عن تلقيه بدون سبب، وانتفاضه على الواجب، وتمرده على العلم، وقيامه على النظام، مدعاة للدهشة والاستغراب.
كنا تلميذين متلازمين متجاورين، يفضي كل منا لصاحبه بطوية نفسه ودخيلة أمره، إلا أني كنت ألمح فيه حرصاً على دفن سر شاغل خطير يكتمه عني في أعماق نفسه تفضحه نظراته الحزينة الباكية الذابلة.
كان (ذو الحدين) خشناً في لعبه، بريئاً في تعبيره عن خواطره كالأطفال، صدوفاً عن المعاشرة، مستغرقاً في الوحدة والانفراد كالنساك، وكانت بسماته النادرة حلوة كالجمال الصامت في مظهر عروس ترملت بُعيد الزواج
ما كان أقرب نفسه إلى الرضا والطمأنينة والبشر عندما يكون في المدرسة بين دروسه وفروضه ورفاقه، وكم كان يفارقه مرح النفس وغبطة الروح عندما يعود إلى البيت إذ كان
стр. 11097
تلازمه فيه الوحشة والكآبة والحزن!!
كانت ثياب (ذو الحدين) تختلف عن ثياب وهندام التلاميذ، وكان لأمه شغف في إبراز وحيدها بثياب مخملية ليكون بين رفاقه - على حد تعبيرها - كالكوكب بين النجوم، ولعل ولع أمه به وعنايتها بملبسه واهتمامها ببزته هي التي نمت فيه خاصية التأنق والملاحظة والانتقاد، وصيرت لكلامه أداء فريداً ووقعاً خاصاً في النفوس ولكن أنى الخلاص لفتى مثله حسن البزة، صبوح الوجه، لامع الذهن، غريب الأطوار، عريق المحتد، صدوفاً عن المعاشرة، عزوفاً عن مخالطة الناس، أنى له الخلاص من مخالب فتيان تتوثب فيهم غرائز القوة البكر وإبراز قدرتها وسلطانها على الأقران، وتتمطى فيهم الغيرة الآكلة لفقدهم أكثر الصفات والمزايا المتوفرة لهذا الفتى الرفيق؟!!!
ولكن صاحبي كان يتخطى هذه البواعث الشائكة على قنطرة من تبين الفتوة وتعمل الكبرياء واصطناع الترفع عن الاختلاط بتلاميذ في غير ترتيبه! بذلك نمت فيه ملكة العنجهية والتسامي.
كانت ظاهرة الكبرياء عنده دخيلة على طبعه الرضي، غير أنه توسل بها لدرء عوارض طارئة لا شأن له في وجودها، فكان يداريها بالعطف الأخوي، والإحسان الإنساني، والشفقة التي كان يشمل بها كل محتاج من إخوانه التلاميذ، وما أكثر المعوزين في تلك المدرسة التي كانت تضم جميع أبناء العمال في ذلك الحي.
جاءني مرة بثغر باسم ووجهه متهلل متلألئ يقص علي خبر اعتزامه على الالتحاق ببعثة (الآباء البيض) ليتلقى العلم في مدرستهم (الصلاحية) في القدس ويقول: إن الآباء رضوا أن يلحقوه بها، وأنه دفع لهم مبلغاً من المال كان يدخره، وأن رئيس البعثة وعده بأن يصحبه معه وينتزعه من أهله إذا مانعوا، وأنه سيتعلم علوم القساوسة ويعود فيرغم جميع الناس على تقبيل يده باحترام، والاستماع إلى أقواله والإنصات إلى عضاته بخشوع!
لم يكن اهتمامي بالخبر ليوازي فضولي الحافز إلى معرفة العامل الذي جعل صاحبي يطرب للرحيل عن أهله كطرب عصفور في قفص يسقسق ويصفق بجناحيه، وأنت في الحقيقة لا تدري إذا كان طربه للطعام المقدم أو للانطلاق الموموق.
لم يكن الخبر هاماً في ذاته، إنما كانت الأهمية عندي في اكتشاف الدوافع التي جعلت هذا
стр. 11098
الفتى دائم التأرجح بين كفتي الفرحة القصوى والحزن الأقصى، فتوهمت الفرصة موانيه تدنيني من مكمن السر!!
رفيقي هذا الذي يحدثني عن سفره بطرب، وعن اعتزام رئيس البعثة انتزاعه من أهله بسهولة، هو وحيد لوالديه، محبوب منهما حتى العبادة.
ما الذي في نفسه منهم يا ترى من البيت ومن أبويه حتى يؤثر المدرسة والتلاميذ عليهم؟
ما الذي في نفسه منهم وهو يفزع إلى الآباء البيض هرباً من والديه مفضلاً الرحيل على البقاء معهما؟
لم يكن في وسعي تحويل الأمر آنذاك وقد كنت فتى أملك قوة اختزان الحوادث لا تعليلها، أدخر عوارض الأشياء لا أنقدها، أنظر إلى كليات المسائل لا جزئياتها، وهكذا صرفت برهة في استقبال خبر السفر كأنها كانت برهة الاستجمام لأعود بعدها إلى صاحبي بنفس قوية، وعزم قاطع، أصرف بهما ذهنه عن هذا الخاطر الطارئ المستحيل التحقيق.
داورت صاحبي بحجة معرفة بواعث هذا السفر المفاجئ، لمحت بالكلام إلى أمر حسبت أنه يكون بمثابة مفتاح للسر، فانقبض مكتئباً وأشاح بوجهه عني كأنه ندم على ما قال؛ لم يمهلني لأعتذر عن سوء تصرفي وتوضيح قصدي وانصرف، أسقط في يدي وأضاع الفضول الفرصة المواتية. . . . . . ولكني صممت على عمل شيء.
نجحت أولاً في إبلاغ والده خبر سفره سراً مع الآباء البيض وحاولت إقناع صاحبي بأني لم أكن واشياً نماماً بل كنت المحب صادق المودة، أوثر صداقته وأرعى اطراد تقدمنا معاً في مسالك الدراسة. . .
لم ينصت إلى أقوالي؛ غضب مني وبكى من والديه؛ قاطعني وانقطع عن الإيواء إلى البيت، وصار كمكوك الحائط ينصرف من بيت عمته الأرملة وليس فيه رفيق أو صديق، إلى المدرسة التي لم يبق له فيها سوى الوحدة والانفراد ورفقة الكتب وحفظ الدروس.
عبثاً حاولت استرضاءه واسترداد وداده. قطع الرأي على قطيعتي، وثبت على عناده، وهكذا صرنا صديقين متباعدين.
جزنا الامتحان سوية، انتقلنا معاً من مدرسة إلى أخرى، زودتنا الكلية البطريركية بشهادتها العليا، طوحت بنا الأقدار فألقت بواحدنا في مصر وبالثاني في أمريكا لا يعرف الواحد عن
стр. 11099
صاحبه شيئاً.
في شارع تتماوج فيه عشرات الألوف من نساء مستهترات وسيدات فضوليات من كل جنس متفرجات، يعج بأضعاف الآلاف برجال من كل سن وعمر وقطر ومصر، فيهم العابث المتهتك، وفيهم من هو غير متهتك ولا عابث.
في هذا الشارع الذي لا تهدأ فيه حركة، لا في الليل المنار بمصابيح أضواؤها الجمال والحسن والفتنة، ولا في النهار الذي ينزع فيه الإنسان الدرهم من بين فكي أخيه الإنسان لينفقها في الليل على مباذل المرأة.
في هذا الشارع المكتظ بخلائق كأنها في مهرجان؛ في هذا الشارع تطلق البسمات من الشفاه والغمزات من العيون، وترشق القلوب بسهام النظرات الساحرات؛ فيه يطلق الرجل أعنة الحياء وينضو ثياب الخجل؛ فيه تخلع المرأة العذار وتتشح بالفتنة والشهوة؛ فيه يرتجل الأكمة أبرع عبارات الإطراء الغزلي، وتفتن المرأة في ابتداع شباك الاصطياد؛ في هذا الشرع أنقذني خاتم في إصبع يدي اليسرى من إغراء حسناء لعوب من بائعات البدن؛ في هذا الشارع تصدم البريئات والبريئين من الفضوليين الأغراب بمن لا براءة عندهم ولا فضول، فيحسب المصطدمون والمصطدمين الانزلاق حرية، والاستهتار مدنية، والفجور طابع الأمة.
هذه سيدة قلقة تنتظر المتخلف عن الميعاد! هذا الرجل واقف مطمئن إلى لقاء من وعدته. هذا يعانق تلك، وهذه تقبل هذا قبلات مسكرات، وهذا غريب مشدود يرى ويبصر وكأنه لا يرى ولا يبصر.
في هذا الشارع البهيج الذي يجمع قلب باريس في قبضة الحياة سمعت من يذكر اسمي ولقبي بصوت أيقظ في حاسة غريبة مدفونة في الأعماق منذ أيام الحداثة، فاتجهت صوب رفيق المدرسة الذي لقيني هنا فعرفني، فناداني فاستجبت.
مشينا على غير هدى، تبادلنا ألف تحية وأشواق، يممنا مقهى أعرفه، ولما جلسنا في زاوية منفردة فيه تأملت صاحبي فإذا بالأعوام بدلت من ملامحه وتركت في وجهه بعض التغضن حول العينين، وثنيات واضحة في الجبين، وشعرات رمادية ظاهرة في السالفين، قرأت في نظراته معاني التوطد والثقة بالنفس، ولمحت فيها بقية من آثار الذبول والحزن. أخذنا نتكلم
стр. 11100
ونعيد تلاوة صحائف الماضي ونستعرض ذكريات المدرسة بلذة وفرح، ونسرد فصول رواية الحياة الكبرى بين مآسي المرآة وفواجع كسب المال.
أنبلج الصبح انطفأت مصابيح الكهرباء، تبدلت وجوه رواد القهوة وقد أورمها السهر وخنقتها الخمر بوجوه نضرة فياضة بقوة الراحة المستمدة من النوم تستقبل النهار لتستأنف الجهاد في ميادين العمل، بقيت وصاحبي وحدنا الجالسين الهانئين بذكر حوادث الماضي ثم افترقنا على موعد للتلاقي.
كان الليل يجمعني وصاحبي في باريس على مائدة طعام أو شراب، وكان لنا في كل جلسة جولة أو جولات في معترك الحياة، غير أن جلسة الليلة اختلفت عن سابقاتها في الجو الذي هيأه وجود كاهن شرقي أعرفه بصحبة سيدة في المطعم.
جال خاطر مفاجأ في ضميري فابتسمت، استطلعني صاحبي معنى الابتسامة فرغبت إليه أن يقرع بكأسه كأسي فنشرب النبيذ البكر على ذكر صداقتنا البكر!!
نظر إلى متعجباً وقال: هل من طارئ جديد؟
قلت: بلى قال: ما هو قلت: هل في وسعك الآن وقد طويت مرحلة من الشباب واكتملت رجولتك أن توضح لي أسباب حزنك في حداثتك ونفورك من والديك، وتوقك إلى البعد عنهما، وقطيعتك إياي وقد أفسدت عليك تدبير التحاقك بالآباء البيض؟
أبتسم صاحبي فذكرني بسمة العروس الأرملة وقال: أحسب وجود الكاهن في المطعم بثوبه الأسود الفضفاض ولحيته المسبلة على صدره هو الذي نبه ذهنك إلى هذا الموضوع.
قلت: هو ذاك
سكن صاحبي هادئاً كأنه يفيض ذهنه في قلبه، وأطبق أو كاد يطبق أجفانه كمن يقرأ سطور الضمير في سفر الغيب، وطفق يقول: اشكر لك هذا السؤال، لأن في الإجابة عليه تفريجاً عن كرب مستعص آن أوان البرء منه.
كانت عقدة نفسية عقدتها الحساسية المرهفة والشعور الوجداني فحللتها لوحدي على مهل. أُكرهتْ والدتي على الزواج من والدي الأرمل ولما يكن له من العمر تسعة عشر عاماً بعد، فكان جمالها، ووجاهة أهلها، وزواجها من فتى أرمل، علة جرحت كبرياءها بين أترابها الفتيات، وبثرة تنكأ النكد الأليم والنفور المتواصل ونزق الشباب، فكنت أستشعر أني
стр. 11101
الجسر الذي يربط قلبين متنافرين.
كنت ثمرة زواج أنضجتها عناصر الجسد ولم تشملها موجات الروح بوحدات من الحنان والعطف الوالدي إلا بمقدار ما كانت الوسيلة تمهد للغاية!!
ودت لو أكون الوسيلة لإقرار الغاية المثلى من الزواج، ألا أن الغاية كأنها تكونت للاتصال الوقتي الذي يعقبه النفور، فكنت أتمنى لو يتهدم الجسر فيبقى كل قلب على ضفة يشطرها عن أختها نهر الحياة!!
آثرت الصدوف عن مرآي زهرة نبتت عفواً في ارض رملية، وعزفت عن تربة لا حياة فيها ولا رجاء، فلذلك كنت أنكر نفسي وأشفق على الناس يلمّ بهم حزني، وأبكي لشقاء والدي.
كان يعرف والدي في حدة الإحساس والشعور المرهف فأستبدل أبوته لي بأخوة.
أقنعني، لما أبلغته أنت خبر اعتزامي على الالتحاق بالآباء البيض، بأن في ابتعادي عنه مهدمة عاجلاً لحياة تنهار من نفسها ببطء، ويتمنى أن لا أتعجل انهيارها فيبلغ القبر قبل أن أشب وأقوى، وقال دع البيت يحترق بنار هادئة ثم أعمل أنت على بناءه من مواد لا تقبل الاحتراق.
ثم قال لي: لا فائدة من علوم الكهنوت للذين يتهيئون لأن يطلوا على أرجاء الحياة السحيقة من كوات الدين الضيقة، وأن علوم الدين على وجاهتها وقداستها، تغل العقول، وتضيق الأذهان، وتبلد طبيعة الرجولة في الإنسان، وأن الكهنوت صناعة يحترفها الكسالى والبلداء، وأن الرجل الذي يعارك الدهر ويظفر منه بسلاح من الخلق السامي ونبالة القصد، والذي ينصر الإنسانية بروح منبعث من فيض إنسانيته هو، لا من تعاليم تحورت فصيرت جماعات الإنسان عبيداً للأفراد من بني الإنسان.
رأيت دموعاً جالت في عيني صاحبي وتحدرت كالبرد على خديه، ولمحت صور نفسه تشرق وتتجلى في صفحة جبينه وتقاطيع وجهه، وتكور جفونه، وانقباضات حاجبيه وشفتيه.
تناولنا كأسينا فأفرغنا ما بقي فيهما، أترعناهما بالرحيق من جديد، زودت غليوني بالتبغ، وقبيل إشعاله سألت صاحبي: ماذا كان مصيرك لو ذهبت صحبة الآباء البيض وتعلمت
стр. 11102
تعاليمهم، وتلقحت بمبادئهم، ونذرت الطاعة والعفة والفقر مرضاة لله وطمعاً في الآخرة؟
لا، لا، قال صاحبي: هذا سؤال لي أطرحه عليك، هذا عبء ألقيته عن ضميري منذ اتجهت صوب المادة أعالج شؤونها معالجة عامل عقله في ساعديه وذهنه بين ساقيه، وقلبه في (كرشه)، أجب أنت يا صديقي على هذا السؤال لأني آليت منذ هجرت الأهل والوطن أن ألتزم الآلة فأكون مثلها، تحركها القوة الدافعة، يغذيها الحريص على بقاءها بالزيت والشحم!! قل، أجب، أشرح لأني أتوق إلى معرفة ذلك المصير، مصيري لو صرت كاهناً، لأنه كثيراً ما أقض هذا الخاطر مضجعي، وعكر راحتي، وسلب الرقاد من جفوني على كره مني.
أشعلت غليوني، أخذت أنظر الدخان لأعقد حلقات تتمدد وتتبخر كخواطر الإنسان، وأرى النار تتأجج وتهمد في قلبه كالرغبات في ضمير رجل، ثم سمعت نفسي تناجيني وضميري يسارني فقلت:
ماذا تراني كنت أكون لو فعلت تلك الفعلة؟ هل كانت تتبلد مشاعري، ويتحجر إحساسي وتتكور نظراتي، ولا تعود آرائي تدور إلا حول نقطة مجهولة في مصير مزعوم طمعاً في وهم ملفق؟
هل كنت أتعامى عن الدنيا وما فيها من بدائع صنعها الإنسان بقدرته فصيرها جنة لمن يطيب له النعيم في الجنات، وجهنم لمن يرتاح إلى الشقاء في الجحيم؟
هل كنت أنطوي على جوفي الخالي ورأسي القحل كما تنطوي الحية على نفسها في الرمال تتلمظ السم من أنيابها في انتظار حياة رغده في فصل الربيع الذي لا شك في إقباله بالخيرات
هل كنت أتوسد فراشاً محشواً بشوك الحرمان!، التحف الكبد أتقلب على جمرات من عذاب الجسد، ليس لي من مجير سوى حقنات الكافور تخمد إلى حين ثورة الأعصاب المتشنجة، والنفس المحمومة، والروح الحائر؟
هل تراني كنت أتوجه صوب السماء الصامتة أطلب الغوث من سكانها الصامتين؟
ماذا تراني كنت أكون لو فعلت تلك الفعلة؟
هل كنت ألبس المسوح وأسكن الأديار النائية، أعد دقائق العمر بين السأم والملل، والرجاء
стр. 11103
والخيبة، والشكوك والريب، والاستسلام والخمود؟ هل كنت أعزف عن الدير ومساجينه، والزهد وقتلاه، وأطمئن إلى سكن المدن حيث الزلفى إلى الأغنياء، والسلطان على الفقراء، والراحة للجسد، والشبع للمعد؟
هل تراني كنت أنطوي مع من انطوى قبلي من الأغنياء، أو أتمرد وأأتمر فأصل ذروة العرش فأحمل صولجان، وألبس تاج أتدثر طيالسة القياصرة، وأترك الصليب الثقيل للمتجردين، وأرغم الضعفاء على طاعتي باسم الصليب المقدس؟
صمت قليلاً وكان صديقي يصغي إلي، تجرعت جرعة من الشراب هدأت بها نفسي مما ساورها وباعدت بها عني حمم التصورات والتخيلات وقد ازدحمت في الذهن وأخذت تتدفق كسوائل صهرها البركان لتصل إلى العقل الذي يوازن ويقارن ويفاضل وإذا بي أسالها من جديد أسئلة عالجها لويجي بيرانديللو من قبل، وهي:
(أية سيادة لنا على عواطفنا وأفكارنا وإرادتنا وشخصياتنا؟ ألسنا كلنا خاضعين لضروب التأثيرات النفسية والجسدية وأن ليس لنا وجود شخصي معين؟ ألسنا وجدنا لنكون تبعاً لأعمال الآخرين؟ ألسنا نلعب الدور الذي يفرضه علينا مجتمعنا وبيئتنا وضعتنا، وأننا ننتهي إلى حيث لا نعرف أين نحن، وأننا لا ندري ما إذا كانت شخصيتنا الحقيقية هي التي نحلم بها، وهي التي نحياها، أو هي التي تتظاهر بها أمام الناس)
أسمع يا صاحبي وأصغي إلي، أن إنساناً واحداً في هذا الوجود له السيادة المطلقة على الفكر والعاطفة والإرادة الشخصية، وأنه وحده غير الخاضع لتأثيرات النفس على الجسد، هو وحده المتمرد على البيئة والمجتمع والعرف والقانون، هو الفريد في هذا الوجود، له وجود شخصي معين يعرف البداية كما يعرف النهاية هو صاحب الرسالة، الرسالة التي يضعها الإنسان لأخيه الإنسان، رسالة غير منزلة على القلب، ولا مكتوبة على الحجر، ولا مبعوث بها مع رسول، إنما هي أناة المجاميع، وتوجعات العبيد، وعويل الإجراء، يصورها بالقلم ضمير إنسان مثلي ومثلك يشعر بالأنين والوجع والعويل أكثر مما يشعر بها أولئك الصادرة عنهم أنفسهم، ويحس بالظلم والجبروت والطغيان والقهر الصادرة عن أفراد أشرار يعبثون بالمجاميع، يلهون ويلغون في جسومهم وأبدانهم ودمائهم كما لو أنها نازلة فيه ومنصبة عليه، هذا الإنسان من القلائل الذين يحملون رسالة مساواة الإنسان بأخيه، هذا
стр. 11104
الرسول الذي تتمخض الإنسانية فتلده، لا يمكن مطلقاً أن تقيده قيود إكليريكية، أو علمانية، أو تغله سلاسل الملكية أو الإقطاعية، أو تعوقه البرجوازية أو الرأسمالية لأنه خلق في الأصل لأن يكون صاحب رسالة!!
شتان يا صاحبي بين رجل روحاني تطوح به الأقدار والمصادفات فتلقيه بين مخالب المادة فتكتنفه من كل جانب فتغرقه بين طيات لذاذاتها، وبين رجل موهوب لو اجتمعت عناصر الطبيعة، وأتمر الوجود على طمسه والطغيان على وجوده لسخر من الطبيعة والوجود وبرز كالظاهرة الكوكبية في أجواء الفضاء يلمع ويسطع بين عناصر الكون ليتمها بوجوده!!
شتان بين البارقة من الروح وإشعاعاتها كلها، في كل إنسان نسمة من هذا الروح. أما صاحب الرسالة فهو روح بذاته.
ستعود إلى أمريكا وأرجع أنا إلى مصر، وقد نتلاقى ثانيةً، وقد لا نتلاقى لا في هذا العالم ولا في العالم المجهول، وستبقى أنت كما كنت مجداً في تنظيم مشاريعك الاقتصادية تموه بها على نزعة النسمة من روحك التي أكسدها الاستغراب في المادة، وسأرجع أنا إلى مثل ما أنا كنت عليه في تصوير الجمال بالألفاظ المتناسقة إرضاء لنسمة الروح المصقولة باندماجي فيها، وستلد الأمهات الآلاف مثلك ومثلي، وسيكون لكل منهم اتجاهه الخاص. نعم، وقد تعوق اتجاهه بعض العوامل الخارجية وتعرقله في إظهار ما في وسع نسمة الروح إظهاره من رسالة، ولكنها لم تصده عن إتمامها على الوجه المقنن في خصائصها وعناصرها المقننة!!
كلنا أبناء الطبيعة الهوجاء، والقدر الأرعن، والمدبر العابث، كلنا صرعى الفوضى وضحايا التشتت، إنما الرسول الملهم هو الذي يستجمع من الهوج والرعن والعبث ألواناً زاهية يرسم فيها للحياة صوراً جميلة فاتنة مغرية تجتذب الجماعات المغمورة بالجهالة صوب الغاية من وجود الحياة!!
باخرتان: اتجهت الواحدة صوب الغرب تحمل رجلاً ينزف دمه في عبادة المال حيث أربابه هناك، وألقت الثانية مراسيها في ميناء شرقي تعيد إليه عابداً من عباد الحب والجمال والفن حيث آلهتها هنا!
стр. 11105
حبيب الزحلاوي
стр. 11106
البريد الأدبي
التعصب اللغوي بعد التعصب الجنسي
ظهرت في إيطاليا أخيراً حركة للعمل على تطهير اللغة الإيطالية من العبارات والكلمات
الأجنبية؛ وبطل هذه الحركة كاتب معروف هو السنيور باولو مونيلي، وقد أذاع دعوته في كتاب شديد اللهجة يدعوا فيه إلى تحرير اللغة القومية العريقة من ذلك السيل من الكلمات والعبارات الأجنبية (البربرية) ويعترف السنيور مونيلي بأن هناك كلمات أجنبية في دوائر الأعمال والرياضة يصعب الاستغناء عنها، ولكنه يرى أنه يمكن الاستغناء عن الكثرة الساحقة من الكلمات والعبارات الدخيلة التي تشوه جمال اللغة الإيطالية وتظهرها بمظهر القصور والفقر في حين إنها من أعرق لغات الأرض وأغناها.
وهذه الحركة التي يدعوا إليها الكاتب الإيطالي بالنسبة للغة الإيطالية ليست إلا طرفاً من الحركة العامة التي ظهرت من قبل في تركيا الكمالية وفي ألمانيا، ثم ظهرت أخيراً في إيران؛ ومما يلاحظ بنوع خاص إنها من أثار النظم الطاغية التي تسيطر على هذه الأمم وتمعن في فهم النزعة القومية وتدفعها إلى حدود التعصب الجنسي والعلمي. ففي تركيا تضطرم الحكومة الكمالية بنزعة بتعصب عميق نحو الإسلام ونحو اللغة العربية التي هي من أبرز مظاهره، وتبذل منذ بضعة أعوام مجهوداً عنيفاً لاستبعاد الألفاظ العربية من اللغة التركية مع إنها تكاد تتفوق فيها على العناصر التركية الأصلية، وإحياء الألفاظ التركية القديمة؛ بيد إنها مع ذلك تضطر إلى الاشتقاق من اللغات الأوربية بكثرة ظاهرة، مما يدل على أن الغاية الحقيقية ليست تحرير اللغة التركية من الألفاظ الأجنبية، بل قتل العناصر العربية فيها تحقيقاً لبرنامج الكماليين في محو كل آثار للإسلام والعربية من الحياة التركية الجديدة. وفي ألمانيا الهتلرية تجري حركة لاستبعاد الألفاظ الأجنبية وتطهير الجرمانية منها. وهذه حركة نستطيع فهمها، في أمة عظيمة كألمانيا ذات لغة عريقة محدثة، وإن كانت فكرة الهتلريين لا تخلوا مع ذلك من عناصر التعصب القومي والجنسي. كذلك أخذت إيران أخيراً تحذو حذو تركيا في حذف الألفاظ العربية من اللغة الفارسية؛ بيد أن حكومة الشاه تجري في ذلك هوادة واعتدال، وتؤكد للعالم العربي أنها لا تبغي سوى غاية لغوية ثقافية ترى تحقيقها بأحياء مجد اللغة الفارسية القديمة.
стр. 11107
كتاب عن ضحايا الثورة الفرنسية
صدر أخيراً بالإنكليزية كتاب جديد عن الثورة الفرنسية بقلم دونالد جرير؛ وعنوانه (حوادث عهد الإرهاب) فهو إذن يتناول هذه الناحية من حوادث الثورة فقط، وهي بلا ريب من أخصب نواحي الثورة وأحفلها بالحوادث الرائعة.
وقد ظهرت عن الثورة الفرنسية في معظم الآداب الحية كتب ومؤلفات لا حصر لها، ومنها آثار جليلة شاملة، ولكن الثورة الفرنسية تبقى أبداً موضوعاَ للتأمل والدرس، ولا ينضب معين الطرافة والجدة في حوادثها وأسرارها الدفينة. ومؤلف اليوم ليس قصة، وإن كان ما يورد من الحوادث يفوق القصص من غرابته وروعته، بل هو تأريخ محقق من الوثائق والسجلات والمراجع المحترمة؛ وفيه يقص المؤلف حوادث عهد الإرهاب الذي أزهقت فيه عشرات الألوف، ويصور لنا حالة الفرائس المسوقة من الكبراء والنبلاء، ويسرد حوادث محاكمتهم وإعدامهم في روية واعتدال، وقد انتهى المؤلف إلى القول بأن من اعدموا خلال هذا العهد بواسطة المقصلة يبلغون ٥٩٤ , ١٦ نفساً، وأن هناك عدداً أكبر يقدر بين ثلاثين وأربعين ألفاً هلكوا في السجون من المرض والبرد والمعاناة النفسية؛ وتقديره النهائي هو أن خمسة وخمسين ألفاً هلكوا ضحية الثورة الفرنسية، هذا بينما يقدر بعض الباحثين من هلكوا في الثورة الروسية الأخيرة (الثورة البلشفية) بخمسين ألف فقط، ويعرض لنا الكاتب في أسلوب قوي شائق العوامل والأسباب التي يعتقد أنها مبعث هذا العنف والسفك المنظم.
مشروع علمي جليل: سلسلة المعارف العامة
اعتزمت لجنة التأليف والترجمة والنشر إخراج كتب لطيفة الحجم يتناول كل كتاب منها موضوعاً خاصاً علمياً أو أدبياً؛ وترمي بذلك إلى تكوين سلسلة تشمل جميع النظريات الحديثة في الجغرافيا والتاريخ والفلسفة والتربية والطبيعة والكيمياء وغير ذلك؛ وقد سلكت في ذلك طرقاً مختلفة، فأحياناً تترجم كتباً أجنبية إذا رأتها صالحة كل الصلاحية، وأحياناً تؤلف في الموضوع بما يتفق وذوق الجمهور العربي.
وقد بدأت هذا الشهر في إخراج ثلاثة كتب.
(الأول) عرض تاريخي للفلسفة والعلم تأليف أ. وولف وترجمة الأستاذ محمد عبد الواحد
стр. 11108
خلاف، وهو كما يدل عليه أسمه نظرة عامة في تأريخ الفلسفة والعلم من بدء نشأتهما إلى الآن.
(الثاني) الآراء الحديثة في علم الجغرافيا تأليف ل. ددلي ستامب وتعريب الأستاذ أحمد محمد العدوي مدرس الجغرافيا بالجامعة المصرية.
(الثالث) سكان هذا الكوكب تأليف الدكتور محمد عوض أستاذ الجغرافيا في الجامعة المصرية يبحث في سكان الكرة الأرضية من بني الإنسان من حيث نشأة النوع البشري وتعدد الأجناس ونمو السكان وتوزيعهم على سطح الأرض مع دراسة تفصيلية لحالة السكان ومشاكلهم في مختلف الأقطار.
وستخرج اللجنة في شهر فبراير سنة ١٩٣٦.
(١) كتاب (البراجماتزم) أو الفلسفة الأمريكية تأليف الأستاذ يعقوب فام.
(٢) كتاب (النقد الأدبي) تأليف لاسل أبر كرومبي وترجمة الدكتور محمد عوض.
(٣) كتاب (علم التاريخ) وهو بحث في النظريات الحديثة لعلم التاريخ ترجمة الأستاذ عبد الحميد العبادي.
وهكذا ستسير اللجنة على هذا النمط في إخراج أجزاء السلسلة تباعاً في فروع العلم المختلفة.
وقد شجعت وزارة المعارف العمومية اللجنة على هذا العمل بمساعدتها المالية والأدبية.
وترجوا اللجنة باستمرارها في هذا العمل أن تكون منه دائرة معارف عامة تشمل كل الموضوعات العلمية والأدبية.
رئيس لجنة التأليف والترجمة
أحمد أمين
تجربة لاختبار الذكاء
قامت بعض دوائر التربية في اليابان بتجارب عقلية لاختبار ذكاء التلاميذ في المدارس الابتدائية، وجعلت الحد الأعلى لمقدرة التلاميذ ١٥٠ درجة واختبرت بهذه الطريقة سبعة آلاف تلميذ فلم ينل منهم الحد الأعلى أعني ١٥٠ درجة سوى ١٦٥ تلميذاً فقط وظهر من
стр. 11109
التجربة أن اختلاف السن بين الوالدين لا يؤثر تأثيراً سيئاً على الصفات العقلية للنسل؛ ذلك لأنه وجد بين هؤلاء المائة وخمسة وستين تلميذاً النابغين عدد كبير من الأبناء الذين ولدوا من آباء سنهم بين الثالثة والأربعين والخامسة والأربعين، وأمهات بين الخامسة والعشرين والسابعة والعشرين. بيد انه وجد في معظم الحالات أن هؤلاء التلاميذ ولدوا من آباء في نحو الثلاثين وأمهات في نحو الرابعة والعشرين.
وقد ظهر أيضاً أن الوالدين الفتيان لم ينجبوا أبناء في منتهى الذكاء، وأن الزواج الباكر جداً ينتج أبناء لا تفتح مواهبهم العقلية تفتحاً تاماً؛ هذا وقد لوحظ مع الدهشة أن الموظفين والمستخدمين الصغار هم آباء أذكى التلاميذ، ثم يأتي بعدهم التجار، ثم أرباب الصناعات فالمربون فالأطباء فالعمال.
ومما أظهرته التجربة أيضاً أن أذكى التلاميذ هم كذلك أصحهم بنية وجسماً.
آثار العمالقة
يقدم إلينا القصص القديم كثيراً من سير العمالقة والمخلوقات الضخمة التي لم تعرفها عصور التاريخ المدون؛ والظاهر أن أولئك (العمالقة) لم يكونوا مجرد خيال فقط صوره القصص القديم؛ ففي الأنباء الأخيرة أنه اكتشفت في منطقة مانيتوبا في كندا (أمريكا الشمالية) هياكل بشرية ضخمة يبلغ طولها نحو ثمانية أقدام (نحو مترين وثلاثة أرباع المتر)، وأحدها في حالة جيدة من الحفظ، وكان اكتشافها على عمق أربعة أقدام في أحد المحاجر التي تستغل في تلك المنطقة.
وقد استدعيت بعثه من الأخصائيين من علماء التشريح وعلم طبقات الأرض برآسة الأستاذ ديلوري أستاذ علم طبقات الأرض بجامعة وينبج، فصرح بعد بحث الهياكل أنها ترجع إلى عدة آلاف من السنين، وأنها تنتمي إلى جنس من العمالقة كان يسكن غرب كندا قبل مجيء الهنود الحمر بأحقاب بعيدة.
هذا عن العمالقة من بني الإنسان. أما المخلوقات الضخمة التي يذكرها القصص القديم، فتدل الأبحاث العلمية الحديثة على أنها كانت توجد في غابر الأزمان في بعض جهات الصين وأفريقية الجنوبية كما تدل على ذلك بقايا العظام والهياكل الضخمة التي اكتشفت في تلك الأنحاء. وأما الأحياء المائية الضخمة فما زالت توجد حية في بعض البحار وإن كانت
стр. 11110
قد غدت نادرة بحالة تؤذن أنها أضحت على وشك الانقراض.
أثر خطي نفيس
لا تزال الأديرة القديمة في مختلف أنحاء أوربا تحتفظ بكنوز من الآثار الخطية القديمة؛ ومن هذه الأديرة دير كرمز منستر بالنمسا، فهو يحتفظ بطائفة من مخطوطات العصور الوسطى، وفي الأنباء الأخيرة أن مكتبة الدولة في بافاريا قد حصلت من هذا الدير على مخطوط اثري نفيس للشاعر الألماني هنيرنخ فون منخن وهو مخطوط يرجع إلى القرن الرابع عشر، وفيه قصص شعرية رائعة مأخوذة من التوراة، وقصص أخرى من العصر القديم حتى عصر كارل الأكبر، وقد تولى شراءه لحساب مكتبة بافاريا الهير فون بابن سفير ألمانيا في النمسا.
وفاة مؤلف موسيقي
من أنباء فينا (النمسا) أن المؤلف الموسيقي الشهير البان برج قد توفي، وكان مولده في فينا منذ خمسين عاماً، ومع انه من تلاميذ المدرسة الإمبراطورية القديمة، فأنه نحا في التأليف الموسيقي نحواً جديداً، وله مقطوعات موسيقية كثيرة، وقطعة (أوبرا) تسمى (فوتسك) نالت نجاحاً عظيماً، وكان إلى ما قبل وفاته بأيام قلائل يقود حفلاً موسيقياً عظيماً في أحد المسارح فينا الكبرى، فأثارت طريقته الجديدة استحساناً عظيماً كما أثارت نقداً عظيماً، ويرى النقدة أنه لم يبلغ ذروة قوته وفنه، وأن الموت عاجله، فأصابت الموسيقى النمسوية بفقده خسارة لا تعوض.
جوائز أدبية نمسوية
ومن أنباء النمسا أيضاً أن جائزة الدولة النمسوية عن الأدب لسنة ١٩٣٥ قد منحت إلى الأستاذ بركونج، ومنحت جائزة الدولة للموسيقى إلى الأستاذ يوسف مسنر رئيس فرقة سالزبورج الموسيقية؛ ونال جائزة التأليف الموسيقي المؤلف الموسيقي الشهير الدكتور فريدريخ ريدنجر.
стр. 11111
الكتب
كتاب اللآلئ
شرح امالي القالي
للأستاذ أحمد أمين
أخرجت المطابع الشرقية، آلاف الكتب العربية، ولكن - مع الأسف - لم يكن الإخراج في أكثر الأحيان على نمط علمي ولا قريب منه؛ فكثير من الناشرين تجار لا علماء، يهمهم الربح أكثر مما تهمهم الدقة والضبط، فهم يعهدون في تصحيح كتبهم إلى من ليسوا محل ثقة، ولا أمانة، فلا يكلفون بنفسهم عناء جمع النسخ من الكتاب ليستعينوا بها، بل يعتمدون على نسخة واحدة وقد يكون غيرها خيراً منها، ثم لا يرعون الأمانة فيما بين أيديهم. فقد لا يفهمون جملة فيغيرونها أو يحذفونها، وقد لا يستطيعون قراءة كلمة فيضعون كلمة أخرى من عندهم محلها، من غير إشارة ولا تنبيه، فخرج كثير من الكتب وعدمها خير من وجودها، والنار أولى بها من المكتبات. وأمامي الآن وأنا أكتب هذه السطور كتاب الحيوان للجاحظ فلا أستطيع أن أقرأ صفحة منه من غير أن أعثر فيها على عدة عثرات، من نقص، إلى تصحيف، إلى زيادة حرف، إلى لحن، إلى ما شئت من كل ضروب الخطأ - مع أن في مكاتب العالم نسخاً يمكن بموازنتها إخراج نسخة أقرب إلى الضبط أدنى إلى الكمال. ومثل كتاب الحيوان غيره من الكتب الأخرى يطول القول بتعدادها، فنحن إذا عددنا الكتب الصحيحة أو القريبة من الصحة سهل علينا عدها، وإذا عددنا السيئة المغلوطة أعيانا العد، وقد أعرنا بعض العناية لكتب الحديث كالبخاري ومسلم، وكتب اللغة كالقاموس واللسان. فأما غير هذين النوعين فقد كان مجال الخطأ فيه فسيحاً وفي ميدانه متسع للجميع.
وقد سبقنا المستشرقون في النشر وطرقه بمراحل ووضعوا له قواعد وأصولاً؛ ولست أنسى المحاضرات القيمة التي ألقاها في سنة المرحوم (برجستراسر) في كلية الآداب بالجامعة المصرية في كيفية معارضة النسخ القديمة بعضها ببعض وكيفية النشر وما يجوز للناشر وما لا يجوز. . . الخ
وكان كثير من الكتب التي أخرجها المستشرقون مثالاً صالحاً، لأنهم يعدون نشر الكتاب من
стр. 11112
الناحية العلمية لا يقل قيمة عن التأليف، فالعالم كما يعد من مفاخره أنه ألف كتاباً، يعد من مفاخره كذلك انه نشر كتاباً؛ وكما لا يضن بجهده ووقته فيما ألف، لا يضن بهما فيما ينشر. ومن الأوليات عندهم أن يجمعوا كل النسخ من الكتاب الذي يريدون نشره من مكاتب العالم ما استطاعوا، ويصرفوا الزمن الطويل في مقابلة بعضها ببعض والتعليق عليها وضبط أعلامها وغريها، ولا يألوا جهداً في إيضاح الغامض وتبيين الشكل، ووضع الفهارس للأعلام والبلدان وما إلى ذلك. فلا عجب أن يصرف الأستاذ (ريت) عشر سنوات في تصحيح كتاب الكامل للمبرد ونشره لأول مرة؛ وفضله وجده ظاهران في الطبعات المصرية التي نشرت بعد، حتى سهل على العالم أن يدفع الثمن الغالي لكتاب طبع طبعة أوربية ولا يدفع الثمن البخس في طبعة له مصرية. أن شئت فوازن بين كتاب الشعر والشعراء لأبن قتيبة المطبوع في أوربا والمطبوع في مصر، فهو في مصر ناقص أكثر من نصفه، ومحرف تحريفاً شنيعاً، وهو في أوربا كامل مضبوط صحيح بقدر الإمكان.
ومما نغتبط أن نرى من أهل اللغة العربية أنفسهم من حذا حذو المستشرقين في نشر الكتب، بل فاق بعضهم أحياناً، فبذل الجهد في التصحيح والتعليق ومعارضة النسخ وعمل الفهارس، وهذه طليعة حسنة نرجو أن تستمر وترقى. فرأينا مثلاً من ذلك فيما تنشره دار الكتب من كتاب الأغاني ونهاية الأرب وغيرهما، وفيما تنشر لجنة التأليف من كتاب السلوك للمقريزي.
ولعل من أجل الأعمال في هذا الباب ما فعله صديقنا الأستاذ عبد العزيز الميمني في نشر كتاب اللآلئ في شرح أمالي القالي للوزير أبي عبيد البكري، فقد اختار كتاباً للنشر فأحسن الاختيار، لأن كتاب الأمالي عدّ - من قديم - أصلاً من أصول الأدب التي اعتمد عليها الأدباء في العصور المختلفة إلى الآن، وقد كان النواة الأدبية الأولى التي بذرها أبو علي في بلاد الأندلس من علوم المشرق فنمت وأثمرت ونضجت وآتت أكلها كل حين بإذن ربها وقد كانت أماليه المدرسية التي تخرج عليها مشهورو الأداء في الأندلس ولقيت منهم من العناية ما هي جديرة بها. وكان للأمالي طابع خاص غير الطابع الذي غلب على أمثالها من كتب الأدب كالبيان والتبيين للجاحظ، والكامل للمبرد؛ فكتاب البيان والتبيين طابعه مختار من الأدب صبغ بصبغة الجاحظ من ميل للاستطراد الكثير وتحدث في الشؤون الاجتماعية،
стр. 11113
واقتباس من الثقافات الأجنبية، كالثقافة الفارسية والهندية واليونانية، وميل إلى الفكاهة والأحماض؛ وكتاب الكامل غلبت عليه طبيعة المبرد من ميل إلى النحو والصرف، لأن المبرد كان أديباً نحوياً فأحسن ما يعجبه من الأدب ما استطاع أن يخرج منه إلى مسألة نحوية أو صرفية ثم يطيل النفس في ذلك حتى كان الكتاب كتاب نحو؛ وهو لا يستطرد في الشؤون الاجتماعية كما يفعل الجاحظ، ولكنه يعنى بالثقافة العربية مصبوغة بالصبغة النحوية؛ فمظهر الجاحظ مظهر المتكلمين من سعة الإطلاع وتفتيق الموضوع، ومظهر المبرد مظهر النحويين الأدباء من تشقيق اللفظ وتخريجه وإعرابه واستعراض معاني الكلمات في أوضاعه المختلفة.
أما القالي فقد غلب عليه الأدب واللغة اكثر من غلبة النحو والحديث؛ وأكثر ما ألف في اللغة والأدب، فقد ألف البارع في اللغة، وشرح المعلقات، وكتب في الإبل ونتاجها، والخيل وشياتها الخ. فثقافته ثقافة عربية لغوية؛ ثم هو ليس عربياً كالجاحظ والمبرد بل هو مولى للأمويين: كان جده سلمان مولى لعبد الملك بن مروان، ولعل هذا ما حدا به إلى أن يرحل من الشرق إلى دولة مواليه الأمويين في الأندلس؛ وهذا يميزه عن الجاحظ والمبرد بأن علمه كان علم حفظ وجمع ورواية لا تعتمد على السليقة كما يعتمدان. فهو إذا أراد أن يخطب أرتج عليه، ولكنه في درسه واسع العلم غزير الرواية وكان كتابه الأمالي مظهراً لذلك، ينقل القطعة المختارة من العرب في شعرهم ونثرهم وحكمهم وخطبهم ووصاياهم - واكثر ما ينقل عن أستاذه أبي بكر بن دريد - ثم يتبع نقله بتفسيره بما ورد في القطعة الأدبية من ألفاظ لغوية، ويشقق الكلمة اللغوية ويبين معانيها، وكثيراً ما يستشهد على معنى الكلمة ببيت من شعر قديم أو مثل سائر أو نحو ذلك. وكتابه يمتاز بأنه يروي كثيراً من القصص العربية الأدبية، وهي نزعة أتت له من أبن دريد، فقد كانت على ما يظهر محباً لهذا النوع من القصص اللطيف. فأكثر ما يرويه القالي في أماليه من هذا القبيل: فأعرابيات يصفن آباءهن، ومحاورة للفرزدق مع بعض الأعراب، ووصف أعرابي للدنيا وقد سأل عنها، ووصايا رجل لبنيه وامرأة لبناتها الخ؛ فمختاراته ليست جافة جفاف (الكامل)، ولا أدباً بحتاً كأدب (الكامل)، إنما هو أدب فرش له فرش جميل وعد له إعداد أنيق. لم يجرد فيه الظروف من ظرفه، ولم تسلب فيه الحسناء حليها؛ وقل أن يتعرض فيه
стр. 11114
للنحو والصرف الثقيلين كما يفعل المبرد ولا للاستطراد الخفيف الروح كما يفعل الجاحظ. إنما خفة روح الأمالي من نمط آخر غير نمط البيان والتبيين، نمط فيه التاريخ والقصص والأساطير أحياناً ممزوجة بالأدب، ثم تفسير لما ورد فيها من غريب اللغة.
ولكن أخذ عليه بعض أشياء في تأليفه، فجاء أحد موطنيه وهو أبو عبيد البكري الأندلسي أمير لبلة وصاحب جزيرة شلطيش، فأراد أن يخدم الأمالي بتكميل نقصها، وتحلية عاطلها، فألف في ذلك (كتاب اللآلئ في شرح أمالي القالي) وأجمل غرضه فيما قدم بين يدي كتابه فقال: (هذا كتاب شرحت فيه من النوادر التي أملأها أبو علي إسماعيل بن القاسم القالي ما أغفل، وبينت من معني منظومها ومنثورها ما أشكل، ووصلت من شواهدها وسائر أشعارها ما قطع، ونسبت من ذلك إلى قائلي ما أهمل. . . وذكرت اختلاف الروايات فيما نقله ذكر مرجح ناقد، ونبهت على ما وهم فيه تنبيه منصف لا متعسف ولا معاند، محتج على جميع ذلك بالدليل والشاهد والمستعان الله).
ثم جاء الأستاذ عبد العزيز الميمني الهندي أستاذ اللغة العربية بجامعة عليكره فقام في هذا الكتاب مقام يستحق الإعجاب حقاً، ويستحق التقدير حقاً، وقد دلنا منه على علم غزير وإطلاع واسع وأن لم يكن ذلك خافياً علينا من قبل.
فقد أخرج كتاب (اللآلئ في شرح أمالي القالي) إخراجاً علمياً على النمط الذي ننشده، فعارض بين نسخة المختلفة من مكية وألمانية؛ وبذل أقصى الجهد في تصحيحها، ولاقى عرق القربة في ضبط أعلامها وبلدانها وأشعارها وغريبها، ووقف في كثير من المواضع موقف الحكم بين أبي على وأبي عبيد، ينتصر لهذا حيناً وذاك حيناً بالدليل والبرهان؛ ورأى أن أبا عبيد البكري أقتصر في شرحه ونقده على كتاب الأمالي دون الذيل فوقف الميمني موقف البكري في ذلك، وشرح الذيل ونقده - وراجع في كل ذلك مئات من أمهات الكتب. وسيعجب القارئ كيف وقف على الأبيات المختلفة المنتثرة في هذه الكتب العديدة وعرف مواضعها، ووفق إلى استخدامها، ثم ختم ذلك بتصحيح أغلاط وضبط روايات، وتقييد زيادات، لكتاب الأمالي وذيله المطبوع في مطبعة دار الكتب، فأوفى في ذلك كله على الغاية.
ومنطقه في أحكامه على القالي والبكري منطق صحيح غالباً، وأن أخذ عليه شيء فاستعماله
стр. 11115
أحياناً عبارات قاسية في النقد مثل (أغلاط مستنكرة) و (متناهية في الاستبشاع) ونحو ذلك مما كنا نود أن يرفق فيه قلمه.
وعلى كل حال فقد أسدى (الميمني) إلى اللغة العربية خدمة لا تنكر، وقدم مثلاً للنشر يجب أن يحتذى.
وكان من فضل كتابه أنه (عصبة أمم) في كتاب، فأبو علي القالي شرقي استوطن قرطبة، والبكري أندلسي الأصل والنشأة، و (الميمني) هندي، ولجنة التأليف ناشرة الكتاب مصرية. فأنعم بهذه الرابطة بين القديم والحديث، وبين المحدثين في أوطانهم المتنائية وأرواحهم المتقاربة!
أحمد أمين
стр. 11116
العدد ١٣٦ - بتاريخ: ١٠ - ٠٢ - ١٩٣٦
стр. 11117
على ذكر حوادث دمشق
تاريخ يثور. . .
على ضفاف الوادي، وهضاب فلسطين، ورياض سورية، يثور تاريخ، ويغضب مجد، ويستغيث مظلوم. . .!!
على الوطن الذي ورفت على نيله أول حضارة، والبلدِ الذي هبط على طُوره أول دين، والقُطر الذي انبثقت من ساحله أول ثقافة، تُمتْحن الحرية بمن فرضوا على الملك أول دستور، وتُمْتهن العدالة ممن حملوا للهِ أول كتاب، وتُبتلى الإنسانية بمن أعلنوا للإنسان أول حق. . .!!
على هذه الأقطار الثلاثة التي شع منها السلام والإسلام والخير، يستكلب الطمع، ويشتجر الهوى، وينفجر البغي؛ فالمفاوضات وعيد، والاحتجاجات حديد، والمواعيد مراوغة، كأنما عيِّ المنطق من طول ما مارس العلم! ومات الضمير من كثرة ما دارس الخُلق! وزهق العدل من شدة ما زاول القانون!!
في القاهرة وأورشليم ودمشق، شباب يحمَي على لذع البنادق، ودم يفور على مسِّ الأسنة، وأمل يشرق فيالوجوه الوضيئة، وطموحٌ يومض في العيون الرغيبة، وماضٍ تميز في إبهام الدهر يتمثل في الأذهان الصافية، ومجدٌ تأثَّل في أربعة عشر قرناً يعصف بالنفوس الفتيَّة! فماذا تصنع مُدية اللص في قلب تدرَّع بالأيمان؟ وماذا تبلغ سطوة الباطل من حق تسجَّل في لوح الزمان؟!
يا لله! ألم يَأْن لدعاة المدنية. . . وحماة الحرية. . . ورسل العلم. . أن يروضوا عقولهم على الحقيقة، ويفتحوا عيونهم على الواقع؟! إن هذا الشعب الذي تتحلب أفواههم قَرَما لأكله، لا يزال يعيش في ملك آبائه الفاتحين، ولا يزال مطويَّ الحنايا على العزيمة التي قبض بها من قبل على زمام الدنيا، وشارك في تصريف الأقدار، وأملى إرادته على سجل الزمن! إن حلمه لثقيل، ولكن غضبته مفزعة؛ وإن نومه لطويل، ولكن يقظته مروَّعة! إنه على اختلاف أقطاره لا يزال يحمل في نفسه سر (الجزيرة) التي يعيش فيها الجمل الوقور الصابر، والأسد الهصور المتوثب!!
إن في كبد أوروبا جمرة من العرب منذ غزتها بالدين والمدنية والعلم سفائنُ طارق! ولقد
стр. 11118
انطفأت البراكين ولما تنطفئ هذه الجمرة! أجْلت العرب عن أرضها بالبربرية الهوجاء والتعصب الحاقد والقسوة الجامحة، ثم كتَّبت الكتائب الحليفة وغزتهم في عقر بلادهم باسم الدين المظلوم في عهد (صلاح الدين)، ثم بالعلم المسموم في عصر (عبد الحميد)، ثم بالمدينة المغشوشة في عهد (عصبة الأمم)! فما كان الدين والعلم والتمدن إلا ألفاظاً حُمِلت بالكره على معاني الثأر والاستعمار والغصب! ثم أغروا بنا الجهالة والمجاعة والفوضى، ومضوا في ظلال الأمن، يعقدون من دمائنا الذهب، ويتخذون من لحومنا القوت، حاسبين أننا مخدَّرون بالأباطيل فلا نفيق، مُثْقلون بالتقاليد فلا ننهض؛ ولكن المعدن ياغُلْفَ القلوب كريم! وهذا الذي يعلوه غبار لا صدأ! وهاهي ذي سياسة الإرهاب والاغتصاب تجلوه عن شباب عرفوا كيف يموتون، أكثر مما عرفوا كيف يعيشون!! وهاهم أولاء يمشون على ما بلي من هياكل الشيوخ، كما يمشي المَرحون على ما جف من سفَير الشجر!! إنهم يسرعون الخطى إلى الربيع الباسم والجو الطليق، وفي أسماعهم المرهفة دويُّ لا ينقطع بهذا الهتاف: (لقد فتح آباؤكم ثلاث قارات في ربع قرن، أفتعجزون عن تحرير ثلاثة بلاد في نصف قرن؟!
إن شباب العرب مصريين وسوريين قد أخذوا موثقهم من الدم الشهيد أن يعيشوا أعزة أو يموتوا كرامَا! فلا تَتَحَدَّوا بالعذاب السفيهِ جنساً برمته وتاريخاً بأسره، ولا تعبثوا بالمعاجم التي تعب فيها اللغويون والمجامع فتسموا النهب تنظيماً والقتل تعليماً والغزو صداقة! جربوا الصداقة بمعناها اللغوي الصحيح تَفِرُوا المال والرجال والسمعة، فان هذا الشعب الذي وقعتم في صفوه، وتعبتم من غزوه، ويئستم من خداعه؛ كان له في السياسة العالمية شأن، وفي اللغة الدولية اصطلاح، وفي قيادة الإنسانية محل، ومن إصلاح المجتمع نصيب! فهو يفهم الصداقة، ويَقْدِر المعاونة، ويكبر التضامن، ويعقد صِلاته بالناس على ضوء شريعته وقرآنه!
إن سلام الشرق منوط بسلام العرب؛ وإن السلام والإسلام لفظان مترادفان على معنى واحد؛ وليس من معاني السلام المهانة، ولا من دلالات الإسلام الاستكانة! إنما هما الحياة القائمة على الحرية والإخاء والمساواة، وهي الأقانيم الثلاثة التي رسمتها الثورة على عَلَمكم المثلث!
стр. 11119
بِغير هذا لا يرضى العرب! وبدون هذا لا يحيا العرب! فراجعوا في سياستكم العقل السالم من الهوى، والضمير الخالص من الرِّيبة، وحكموا بينكم وبينهم مبادئ الناس، فانهم - كما تحسون وتلمسون - من الناس!!
احمد حسن الزيات
стр. 11120
في وقع الموت
للأستاذ إبراهيم عبد القادر المازني
ضمني مجلس قال أحد من فيه - وقد ذكر بعضنا وفاة الملك جورج الخامس، وقول الأطباء إنهم لم يشهدوا أعراض مرض معين، وأن قواه كانت تهبط شيئاً فشياً -: (إن من الصعب على الإنسان أن يواجه الموت وهو محتفظ بعقله)، فقال آخر إن الذي يخفف عنه في هذه الساعة أنه يستسلم للموت ولقضاء الله فيه، فسألته: (هل معنى هذا أنه يقبل على الموت راضياً ويتلقاه مغتبطا؟
فكان جوابه: (نعم. . . . يستسلم فيفقد الموت لذعه ورهبته). . . ولست طبيباً ولا شبهه، ولكني لا أرى هذا ولا أستطيع أن أقتنع به؛ وعندي أن الإنسان لا يزال إلى آخر عمره يثور على الموت وبجاهد أن يدفعه عنه ويقي نفسه منه؛ ولكن جسمه يفقد الحيوية فتذهب معها الإرادة - لا إرادة الحياة، فإنها لا تفارقه أبداً، بل إرادة المقاومة والكفاح بعد استنزاف القوة، ويظل المرء كارهاً للموت مشتهياً للحياة متعلقاً بها، ولكنه يعرف من نفسه أنه لم يعد قادرا على المجاهدة، ويخطئه العون اللازم من الجسم فيكون كالذي فقد في المعركة سلاحه، أو فرغت ذخيرته والأعداء مطبقون عليه، فيوطن نفسه على الموت يأساً من النجاة
والمرء إنما يقاوم الموت بجسمه، وقد يستطيع بقوة الإرادة أن يطيل أمد المقاومة؛ ولكن استمرار المقاومة معناه أن جسمه لا يزال محتفظاً ببقية من القوة مذخورة - بالغة ما بلغت من الضآلة - وبهذه البقية يستطيع أن يجعل لإرادته أثراً ولمقاومته لعدوان الموت مظهراً، فإذا زالت هذه البقية ونضب المعين، لم يبق للإرادة عمل، لأن الأداة التي تعمل بها الإرادة تكون قد فنيت وذهبت
ولا فرق هناك بين من يكافح الموت - في الأحوال العادية الطبيعية - وبين من يقاتل مع جيش. فكما أن الجندي يثبت ويصمد ويتسنى له أن يكر ويفر، ويهاجم ويدافع ما بقي معه سلاحه وعدته، حتى إذا فقد ذلك لم يبق له عمل، كذلك يكون المرء حيال الموت الذي يدلف إليه ويدنو منه على الأيام ليثبت عليه آخر الأمر. وكل ما هنالك من الفرق أن الموت كامن فينا، وأن أداته الضعف الذي يصيبنا، والهرم الذي يدركنا، والعجز الذي يستولي علينا في النهاية، فهو ليس عدواً يهجم علينا، بل حالة نصير إليها حينما تنفد الحيوية لسبب من
стр. 11121
الأسباب
وقد راقبت الموت أكثر من مرة، وشهدت كثيرين وهم في سياقه، ثم ماتوا بين يدي، وكان الموت في هذه الحالات كلها على أثر نضوب الحيوية ونفاد القدرة على المقاومة. وكانت إحدى الميتات بسبب النزف، فظل العقل حاضراً لا يغيب ولا تغيم سماؤه، ولا يتعكر صفوه؛ وكان الإحساس بدنو الأجل قوياً، ولاشك أن الرغبة في الحياة كانت عظيمة، والجزع من الفناء كان شديداً، ولكن الجسم لم تكن له قوة تستخدمها الإرادة، فخرج النفس الأخير في سلام ومن غير أن يبدو للناظر أثر للصراع. وبأي شيء يكون الصراع؟؟
وميتة أخرى شهدتها، كان الصراع فيها كأعنف ما يمكن أن يكون، لأن الجسم بوغت بعدوان المرض المنذر، فتنبه فيه كل كامن من قوته، وهبت إرادة الحياة تدفع هذه الغائلة، وكان يخيل إلى وأنا أنظر، كأن إنساناً ألقي به في الماء وهو لا يعرف من السباحة إلا لفظها، وكما يفعل المرء حين يلقي نفسه في الماء ويخشى عليها الغرق، فتراه يضرب بيديه ورجليه بغير حساب أو تفكير ويهز رأسه هزاً عنيفاً، وينفخ ويرغى، كذلك كنت أرى أمي لما أصابتها الذبحة؛ وسكنت الآلام بفضل العلاج يومين، وبدأنا نستبشر، ولكن النكسة جاءت، أو لا أدري ماذا حدث، فجعلت نوبات من الاختناق تعتريها، وبينها في أول الأمر فترات طويلة جعلت تقصر شيئاً فشيئاً حتى صارت دقائق. وكانت أول الأمر تقاوم الاختناق بشدة، وتعالج التنفس بجهد عنيف، يظهر أثره في كل عضلة من عضلات الوجه والعنق، وفي اضطراب الصدر وخفق القلب، وفي دفع اليدين والرجلين؛ وكان همي أن أقوي إرادة الحياة في نفسها وأن أمدها بما يكفي من الأمل والثقة والشجاعة، ولكن كرات الاختناق أوهت قوتها واستنفدت مجهودها، ولم يفارقها الحرص على الحياة، والنفور من الموت، وإنما خذلتها قواها؛ ولم يذهب عقلها ولا ضعف أو كل، ولكن ما خير العقل وما غناؤه وحده؟؟ وبأي شيء يشتد أزره؟ فلما جاءت آخر النوبات كان كل ما وسع الجسم أن يكافح به هذه الغارة أن الشفة السفلى اختلجت مرة أو مرتين، فهمد الجسم وكف القلب عن النبضان وانقطعت الأنفاس
وقد سقت هذه الأمثلة لأقول إن الإنسان لا يستسلم ولا يزهد في الحياة، ولا تفتر رغبته فيها، ولا يضعف كرهه للموت واستهواله للفناء، ولكنه لا يجد مؤازراً من جسمه فييأس؛
стр. 11122
وليس هذا استسلاما وإنما هو إدراك لحقيقة بغيضة لا يبقى مفر من مواجهتها وتوطين النفس عليها، والإذعان لها كرها. وخليق بهذا أن يكون مؤلماً، ولكن فترته أقصر من أن يكون للألم فيها قيمة أو حساب، وعلى أن عجز الجسم عن المقاومة، يذهب في رأيي بالألم، لأن الألم فيها أعرف نوع من الاستجابة لوقع الشيء أو الحالة، ومتى فقد الجسم القدرة على الاستجابة للمؤثرات فانه يفقد أيضاً قدرته على الإحساس بالألم أو الحزن أو الجزع أو الفزع، لأن شعوره بذلك يقتضي أن تكون هناك بقية من الحيوية، ولو كانت هناك بقية، لاستمرت المقاومة ولظلت رحى الكفاح بين الحياة والموت دائرة
فلست أوافق الذين يستهولون أن يكون المرء مدركا لمجيء الأجل، لأن إدراك المرء لذلك، معناه أنه يدرك أن جهده نفد، وأن مَعين حيويته نضب وجف، وهذا الإدراك وحده وبمجرده، رياضة سريعة للنفس على السكون إلى المصير المحتوم، لأنه إشاعة للموت في الجسم قبل تجربة وقعه، فكأن الإنسان يوحي إلى نفسه الموت - بفضل هذا الإدراك وبقوته - قبل أن ينزل به، فإذا زاره ألفاه مستعدا له، مهيأ لتلقيه؛ والإدراك تهيّؤُ، والتهيؤ ينفي الألم ويستل اللذع.
ومن هنا كانت الشيخوخة - أي الضعف - والمرض الطويل أو المضني، بمثابة التدريب على الموت. وكل امرئ يقرن الشيخوخة أو المرض بالموت، ولا يستغربه حين يحل بالهرم أو الذي خامره الداء، ولكن موت الشاب يصدم النفس ويرجها، لأن الشباب - وهو أوان الحيوية الزاخرة - لا يقترن في الأذهان بفكرة الموت. أما الشيخ الهِمُّ فأن كل من يراه يجري بخاطره أنه هامةُ يوم قريب، وأخلق أن يكون الموت أقرب إلى خاطره وأجرى بباله، وأشد مثولاً وأكثر حضوراً، لأنه أحسَ بنفسه وأدق إدراكا لما خسر من قوته، وعلما بما صار إليه من الوهن والفتور بالقياس إلى ما كان عليه من المنة والنشاط والخفة والمرونة. ويَّألف المرء الضعف واليبس فيألف المصير الذي يرى نفسه ينحدر إليه بسرعة أو على مهل، فيكون هذا كالرياضة له على السكون إلى المآل المحتوم، وهذا هو معنى قولي إن الشيخوخة أو المرض تدريب على الموت.
وهذه الرياضة النفسية - أو التدريب الذاتي - على الموت أفعل وأوقع من كل ما يشاهده الإنسان من عدوان الفناء على الحياة في مظاهرها المختلفة. وأحسب أن المرء حين يرى
стр. 11123
غيره يموت، أو يسمع بذلك، يستثني نفسه من هذا المصير وإن كان على يقين جازم من أنه حتم لا رادَّ له ولا حيلة فيه؛ ولعله في ضمير الفؤاد يهنئ نفسه بالنجاة ويشكر الله على أن الموت لم يخطفه هو، وعسى أن يكون الأمل المستمد من غريزة المحافظة على الذات هو الذي يغريه بالتعليق بوهم الاستثناء المستحيل، وهو على كل حال يخفف وقع الخبر، ويجعله محتملا، ويذهب ببواعث الجزع على النفس قياساً على المشهود.
ولكن قدرة المرء على مغالطة نفسه تضعف أمام دبيب الموت إليه على الأيام. ذلك شيء يحسه في نفسه فلا سبيل إلى تجاهله والإغضاء عنه. وكيف يسعه أن يتجاهل اليبس الذي في أعضائه، والتصلب الذي في شرايينه، والفتور الذي يجده، والضعف الذي يعتريه حين يهم بأيسر الأشياء، والعجز عن احتمال ما كان يمر به فلا يعيره لفتة، إلى آخر ذلك؟؟ وكل يوم يمضي به يزيده وهناّ على وهن، ويدنيه من القرار الذي يُلفي نفسه هابطاّ اليه، فلا يبقى سبيل إلى مغالطة النفس. وكل ما يقدر عليه أمله هو أن يرجو أن يُنسئ الله في أجله، على الرغم مما يكابد من ذلة الشيخوخة ومهانة الضعف والحاجة المتفاقمة إلى الإسناد. فهو مضطر أن يوطن نفسه على الموت، وأن يقصر الأمل على طول المهلة، وليس أجدى عليه ولا أفعل في تخفيف وطأة الموت من هذه الرياضة البطيئة. ومن هنا كان موت الفجاءة مزعجاً لنفوس الأحياء، لأن صدمته لها تجيء على غير انتظار. والله أعلم، فما جربَ الموت أحد وعاد إلينا ليقول لنا كيف كان وقعه - هذا طريق لا يحمل المسافر فيه (تذكرة) ذهاب وإياب، كما يقول ويندل هولمز.
إبراهيم عبد القادر المازني
стр. 11124
الوزير أبن كلّس
واضع الحجر الأول في صرح الجامعة الأزهرية
للأستاذ محمد عبد الله عنان
سألني سائل كيف نشأت صفة الأزهر الجامعية، ومن صاحب الفضل الأول في إسباغها عليه؟ فرأيت أن أنتهز هذه الفرصة لأعرض في هذا الموضوع شيئاً من الشرح والتفصيل ويجب أولا أن ننفي فكرة ذائعة، هي أن الجامع الأزهر أنشئ ليكون جامعة أو معهداً للدرس، فليس ثمة في ظروف إنشائه ما يدل على أنه أنشئ لمثل هذه الغاية، وإنما أنشئ الجامع الأزهر ليكون مسجداً رسمياً للدولة الفاطمية في حاضرتها الجديدة، ومنبراً لدعوتها، ورمز لسيادتها الروحية. أما فكرة الدراسة بالأزهر فقد كانت حدثاً عارضاً ترتب على فكرة الدعوة المذهبية الجديدة؛ ففي صفر سنة ٣٦٥ هـ، في أواخر عهد المعز لدين الله منشئ الأزهر، ولنحو أربعة أعوام من إنشائه، جلس كبير القضاة علي بن النعمان القيرواني بالجامع الأزهر وقرأ مختصر أبيه في فقه الشيعة في جمع حافل من العلماء والكبراء، فكانت هذه أول حلقة للدرس عقدت بالجامع الأزهر؛ ثم توالت حلقات بني النعمان بالأزهر بعد ذلك، وكان بنو النعمان من أكابر علماء المغرب الذين اصطفتهم الخلافة الفاطمية وجعلتهم دعاتها وألسنتها الروحية، فلحقوا بها إلى مصر، واستأثروا في ظلها برياسة القضاء زهاء نصف قرن؛ وكانت الخلافة الفاطمية تعتمد في توطيد سلطانها بمصر على عصبيتها المغربية، ثم على صحبها وخاصتها من الموالى الأجانب وجلهم من الصقالبة؛ وكانت حلقات أولئك العلماء المغاربة بالأزهر حلقات دعاية روحية وسياسية، تعقد في الغالب للأكابر والخاصة، ولم تكن لها في البداية صفة الدرس العام.
كانت هذه بداية جامعية في معنى من المعاني، بيد أنها لم تكن عامة ولا مستقرة؛ ولكن حدث في عهد العزيز بالله حدث جامعي آخر؛ ففي رمضان سنة ٣٦٩ هـ جلس يعقوب بن كلِّس وزير المعز لدين الله، ثم وزير ولده العزيز من بعده بالجامع الأزهر، وقرأ على الناس كتاباً ألفه في الفقه الشيعي؛ وكان ابن كلس كما سنرى شخصية ممتازة، تجمع بين السياسة والعلم، وكان نصيراً كبيرا للعلماء والأدباء؛ وكان يعقد مجالسه الفقهية والأدبية تارة بالأزهر وتارة بداره فيهرع إليها العلماء والطلاب من كل صوب، وكانت في الواقع
стр. 11125
أول مجالس جامعية حقة عقدت بالجامع الأزهر.
والظاهر أن ابن كلس كان أول من فكر في جعل الجامع الأزهر معهداً للدراسة المنظمة المستقرة؛ وعلى أي حال فهو أول من فكر في تنفيذ هذا المشروع الجامعي؛ ففي سنة ٣٧٨ هـ استأذن ابن كلس العزيز بالله في أن يعين بالأزهر جماعة من الفقهاء للقراءة والدرس يحضرون مجلسه ويلازمونه، ويعقدون مجالسهم بالأزهر في كل جمعة من بعد الصلاة حتى العصر؛ وكان عددهم خمسة وثلاثين؛ وقد رتب لهم العزيز أرزاقاً وجرايات شهرية وأنشأ لهم داراً للسكنى بجوار الأزهر، وخلع عليهم في يوم الفطر، وأجرى عليهم ابن كلس أيضاً رزقاً من ماله الخاص.
وهنا نجد أنفسنا أمام حدث جامع حقيقي، فق كان أولئك الفقهاء الذين رتبهم ابن كلس للقراءة والدرس بالأزهر، وأقرهم العزيز بالله، أول الأساتذة الرسميين الذين عينوا بالجامع الأزهر، وأجرت عليهم الدولة أرزاقاً ثابتة وباشروا مهمتهم العلمية تحت رعاية الدولة بطريقة منظمة مستقرة؛ وإذن فهنا نستطيع أن نقول إن الأزهر يكتسب لأول مرة صفته الجامعية الحقيقية كمعهد للدراسة المنظمة، وأنه يبدأ هنا حياته الجامعية الحافلة المديدة.
- ٢ -
وإذا ما تقررت هذه الحقيقة، فأنّا نستطيع أيضاً أن نقول إن أكبر الفضل في تتويج الجامع الأزهر بهذه الصفة الجامعية الجليلة يعود إلى الوزير ابن كلس الذي أسبغ عليه لأول مرة صفة المعاهد الدراسية العامة، ورتب له أول فريق من الأساتذة الرسميين.
ولقد كان ابن كلس وزيراً عظيماً وعالماً جليلاً؛ بل كان عبقرية سياسية حقيقية؛ وهو أبو الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس؛ واسمه يدل على أصله الذمي؛ أجل، فقد كان ابن كلس يهودياً، نشأ ببغداد، وغادرها في شبابه إلى الشام واشتغل هنالك حينا بالتجارة، وأثقلته ديون عجز عن أدائها ففر إلى مصر في عهد كافور الأخشيدي؛ واتصل به وقام له ببعض الأعمال والمهام المالية فأبدى في أدائها خبرة وبراعة، وطاف بريف مصر يحصل الأموال ويعقد الصفقات، حتى تمكنت منزلته لدى كافور، وأثرى وكثرت أمواله وأملاكه؛ ثم ثابت له فكرة في الأخذ بنصيب من السلطة والولاية، ورأى الإسلام خير طريق لتحقيق هذه الغاية، وكان قد بلغه أن كافوراً قال في حقه لو كان هذا مسلماً لصلح أن يكون وزيراً،
стр. 11126
فدرس قواعد الإسلام وشرائعه سراً، وفي شعبان سنة ٣٥٦ هـ، دخل جامع مصر (جامع عمرو) وصلى به الصبح في موكب حافل؛ ثم ركب في موكبه إلى كافور، فخلع عليه، واشتهر أمره، وعلت منزله، وقوي نفوذه؛ فتوجس وزير مصر جعفر بن الفرات من تقدمه وتمكن نفوذه شراً، وأخذ يدس له الدسائس، ويوغر عليه الصدور؛ فخشي ابن كلس العاقبة، وفر إلى المغرب في شوال سنة ٣٥٧ هـ، ولحق بالمعز لدين الله الخليفة الفاطمي، وهو يومئذ ينظم مشروعه لغزو مصر، فقدر المعز مواهبه وكفاياته، ووقف منه على أحوال مصر ومواطن القوة والضعف فيها؛ ولبث ابن كلس في خدمته حتى تم فتح مصر على يد جوهر الصقلي. ولما قدم المعز إلى مصر بأهله وأمواله وجيوشه في رمضان سنة ٣٦٢ هـ، قدم معه ابن كلس، وقلده المعز شؤون الخراج والأموال والحسبة والأحباس وسائر الشؤون المالية الأخرى، فأبدى في إدارتها وتنظيمها براعة وزاد الدخل زيادة واضحة، ثم عهد إليه المعز بشؤون الخاص؛ ولما توفي المعز بعد ذلك بقليل في ربيع الآخر سنة ٣٦٥ هـ فوض العزيز بالله ولد المعز وخليفته إلى ابن كلس النظر في سائر أموره ثم لقبه بالوزير الأجل؛ ووقعت في حقه وشايات من بعض خصومه فاعتقله العزيز بالقصر بضعة أشهر، ثم أطلقه ورده إلى مناصبه؛ وتضاعفت منزلته لدى العزيز وغدا أقوى رجل في الدولة؛ وبذل ابن كلس جهوداً عظيمة في تنظيم الإدارة والدواوين، وكان من أكبر بناة الدولة الفاطمية بمصر وموطدي دعائمها ونفوذها.
وليس غريباً أن يحرز رجل مثل ابن كلس تلك المكانة الرفيعة في ظل الدولة الفاطمية مع أنه يهودي الأصل والنشأة؛ فقد كانت الخلافة الفاطمية تصطنع الذميين والصقالبة، وتولهم ثقتها؛ وقد ولى وزارتها فيما بعد، في عصر الحاكم بأمر الله، وزراء يهود ونصارى خلص مثل ابن رسوين، وابن فهد، وعيسى ابن نسطورس، وابن عبدون؛ وتولى بعد هؤلاء كثيرون في عهود مختلفة؛ ونستطيع أن نفهم سر ما كانت توليه الخلافة الفاطمية لوزرائها الذميين من العطف والثقة إذا ذكرنا أنها تتهم من بعض خصومها بالانتماء إلى أصل يهودي، وإنها كانت تتهم في عقائدها.
ولم يكن ابن كلس وزيراً وسياسياً عظيما فقط، بل كان عالماً وأديباً كبيراً أيضاً، وكان يعقد بداره مجالس علمية وأدبية دورية ينتظم في سلكها أكابر الفقهاء والأدباء والشعراء؛ وكان
стр. 11127
يشرف بنفسه على هذه المجالس، ويشترك في أعمالها، ويغدق العطاء على روادها. وقد أخذ ابن كلس بقسط حسن في التأليف والكتابة، فوضع كتاباً في القراءات، وكتاباً في الفقه، وكتاباً في آداب رسول الله، وكتاباً في علم الأبدان والصحة، ومختصراً في فقه الشيعة مما سمعه من المعز لدين الله، وهو المعروف بالرسالة الوزيرية. وكان يقرأ كتبه على الناس تارة بالجامع الأزهر وتارة بداره، ويجتمع لديه الكتاب والنحاة والشعراء فيناظرهم ويصلهم؛ وكانت موائده دائماً منصوبة معدة للوافدين؛ وكان كثير الصلات والإحسان، وبالجملة فقد كان هذا الوزير والعالم الأديب مفخرة في جبين عصره، وقد أشاد شعراء العصر بجلاله وجوده، ومن ذلك ما قاله أحدهم حين أصابت الوزير علة في يده:
يد الوزير هي الدنيا فان ألمت … رأيت في كل شيء ذلك الألما
تأمل الملك وانظر فرط علته … من أجله واسأل القرطاس والقلما
ومرض ابن كلس في شوال سنة ٣٨٠ هـ، فجزع عليه العزيز أيما جزع، ولبث يعوده ويرعاه، حتى توفي في الخامس من ذي الحجة؛ فحزن عليه حزناً شديداً، وأمر بتجهيزه تجهيز الأمراء والملوك، وخرج من القصر إلى داره في موكب صامت محزن، وشهد تجهيزه وصلى عليه بنفسه، ووقف حتى تم دفنه وهو يبكي بدمع غزير، واحتجب في داره ثلاثاً لا يأكل على مائدته والحزن يشمل الخاص والقصر كله؛ وأفاض الشعراء في رثاء الوزير الراحل ومديحه، فوصلهم العزيز جميعاً؛ وعلى الجملة فقد سما ابن كلس في ظل الدولة الفاطمية إلى أرفع مكانة، وترك بوفاته فيها أعظم فراغ، وكان له أعظم الأثر في توطيد حكمها وإدارتها بمصر.
- ٣ -
هكذا كانت حياة ذلك الوزير الخطير الذي يدين إليه الأزهر بأول خطوة عملية حقيقية في سبيل الحياة الجامعية؛ ومن المحقق أن تلك الخطوة الأولى في ترتيب الأساتذة والدروس بالأزهر بطريقة منظمة مستقرة، كان لها أثر كبير في تطور الغاية التي علقتها الخلافة الفاطمية بادئ ذي بدء على إنشاء الجامع الأزهر؛ فقد كانت هذه الغاية كما رأينا أن يكون المسجد الجامع الجديد رمز الخلافة الجديدة ومنبرا لدعوتها؛ ولكن يلوح لنا أن الخلافة الفاطمية لم تكن ترمي في المبدأ إلى توجيه الأزهر إلى تلك الناحية الجامعية؛ ذلك لأن
стр. 11128
الجامعة الفاطمية الحقيقية أقيمت بعد ذلك في عصر الحاكم بأمر الله باسم دار الحكمة أو دار العلم الشهيرة في سنة ٣٩٥ هـ (سنة ١٠٠٥ م)؛ ولكن الأزهر كان يومئذ بفعل الظروف والتطورات التي أشرنا إليها قد بدأ حياته الجامعية؛ ومع أن دار الحكمة لبثت مدى حين تنافس الأزهر وتستأثر دونه بالدراسة المتصلة المنظمة، فإنها لم تنبث لصرامة نظمها وإغراق برامجها في الشؤون المذهبية، أن اضطربت أحوالها وضعف نفوذها العلمي؛ هذا بينما كان الأزهر يسير في سبيل حياته الجامعية الوليدة بخطى بطيئة ولكن محققة، ويسير في نفس الوقت إلى التحرر من أغلال تلك الصبغة المذهبية العميقة التي كادت في البداية أن تقضي على مصايره الجامعية الصحيحة.
ونحن نعرف أن هناك مشروعاً للاحتفال بالعيد الألفي للأزهر - وهو عيد يقع بعد نحو أربعة أعوام - ونعرف أن من مظاهر ذلك الاحتفاء بتلك الذكرى الجليلة أن يكتب تاريخ حافل للجامع الأزهر منذ إنشائه إلى يومنا؛ فمن حق الوزير العالم ابن كلس أن يتبوأ في ذلك التاريخ مقاماً يجدر بفضله في وضع الحجر الأول في صرح تلك الجامعة الكبرى.
محمد عبد الله عنان
стр. 11129
الفلم المصري
بمناسبة فلم دموع الحب
للأستاذ محمد فريد أبو حديد
لا يسع المصري إلا أن يغتبط أعظم الاغتباط عندما يرى تلك الأفلام المصرية الجديدة التي أقدم أبناء مصر على إخراجها بين حين وحين؛ ولا شك في أنها فتح جديد يجب أن نفخر به، ونحرص على المزيد منه؛ وإذا كان الجمهور المصري قد أقبل على رؤيتها ذلك الإقبال الباهر فان في ذلك دليلاً قوياً على مقدار تطلعه إلى أن يرى تلك الصناعة تنمو وتنجح. فالشعب يؤدي واجبه في تشجيع أبنائه من أهل الفن ويجيب مجهود المقدمين منهم إجابة كريمة مستنيرة.
والفلم المصري له مكان لا يستطيع فلم آخر أن يحل محله. فانه يشبع من عواطف المصريين مالا يشبعه خير الأفلام العالمية الأخرى، وذلك أثر من آثار النهضة المباركة التي نحسها في كل ناحية من النواحي. فالشعب المصري يحس بنفسه ويريد أن يرى تلك النفس مصورة أمامه تصويراً فنياً كما يحتاج الإنسان إلى أن ينظر في مرآة ليرى صورة وجهه أو هندامه، وكما يرتاح إلى أن يسمع ترديد آماله ونزعات نفسه ومُثُله العليا.
فكل فلم من تلك الأفلام حديث نفسي يتحدث به الفنان إلى بني قومه. فهي ليست قطعة من الفن فحسب. بل هي رسالة عاطفية يرسلها الفنان من نفسه إلى نفوس الجماهير المتعطشة إلى الحياة والعلو والقوة. ولهذا فنحن إذا ذهبنا لإجابة الداعي إلى فلم مصري كانت إجابتنا أولاً قومية وثانياًفنية.
ومن هذا الاعتبار لا يسع المصري أن يقارن أو يوازن بين الأفلام المصرية، وبين ما تخرجه الشركات العالمية من آيات الفن. لأن الأفلام العالمية إنما تؤدي رسالة واحدة وتشبع ناحية واحدة هي رسالة الفن المحض والناحية الأدبية الصرف، ومنهما كانت تلك الناحية الفنية فهي في المحل الثاني من نفوسنا، ولا يمكن بأي حال أن تحل المحل الأول الذي استولت عليه الآمال والأماني، والرغبة القوية في الحياة، والسمو والاعتزاز بالنفس.
غير أنا نطلب من النفس المصرية أكثر مما تستطيع بذله إذا نحن وقفنا عند حد الأماني القومية؛ بل أن تلك الأماني نفسها قد تخيب ولا تجد ما يستثيرها، أو يعبر عنها إذا لم تتقدم
стр. 11130
الناحية الفنية وتعلو إلى المستوى الذي تتطلبه النفوس من الجمال والقوة؛ ولهذا نجد من أنفسنا جرأة على أن نتناول ما يظهر من الأفلام المصرية بالتحليل والنقد حتى نشير إلى ما كنا ننتظر، وما كانت نفوسنا تصبو اليه؛ ولهذا نرجو أن يدرك قراء هذه الكلمة قصدنا منها، وهو أن نشير إلى أمور نحب أن تراعى في الأفلام التي يقدمها المخرج المصري. فإذا ظهر أننا على حق فيما نذهب إليه كان مخرج الفلم المقبل على هدى فيما يتطلبه الجمهور المصري منه فيعمل على تحقيقه، وبذلك يكون الغد أقرب إلى الكمال من اليوم. إننا لا نستطيع أن ننكر فضل أولئك الرواد الذين قدفتحوا باب ذلك الفن، ولا نستطيع أن ننكر ما مهدوا من العقبات، ولا ما عانوا من المشقة في سبيل عملهم المجيد، وإنما ندعو بهذه الكلمة إلى التطلع إلى العلا، وبلوغ درجات جديدة من الإتقان. فإذا تكلمنا هنا عن فلم دموع الحب فلسنا نريد أن نخصه بالنقد، بل إنا نتخذه مثلاً في النقد لأنه أحدث الأفلام وأقربها مثولاً في الأذهان.
إن الفلم لا يكون ذا أثر بالغ في النفس إلا إذا كان يخدع الناظر عن المقصد المباشر الذي يرمي إليه الفنان. فان الناظر إذا استغرق في تأمل القصة التي أمامه، كان ميالاً إلى نسيان الحقيقة وأنه إنما ينظر إلى قصة - بل يخال أنه يعيش ويتأمل منظراً من مناظر الحياة؛ وتبلغ مقدرة الفنان ذروتها إذا استطاع أن يخدع الناظر فيجعله لا ينتبه إلى أنه إنما يطالع صفحة صور متحركة بل ينظر منظراً من مناظر الحياة الحقيقية، ويكون هذا الخداع ممكناً إذا عمل الفنان على أن تكون كل الوقائع المعروضة تسير سيراً طبيعياً لا تكلف فيه، وتتابع تتابعاً طبيعياً من غير تعسف ولا شطط. فإذا شعر الناظر أن هناك قفزة في الوقائع، أو أن هناك ثغرة في التسلسل، انتبه إلى نفسه وصحا من سحر المنظر، وفسدت عليه الغاية التي يقصدها الفنان.
وإذا أردنا أن نضرب أمثلة من فلم دموع الحب على تقصير الفنان في هذا الجانب النفسي لم يصعب علينا الأمر. فأن تصور أية حادثة من الحوادث في تلك القصة يتيح لنا فرصة للتمثيل. فلنأخذ الموقف الأول الذي ظهر فيه فكري أفندي (عبد الوهاب) في حديقة المنزل وقابل الفتاة ابنة صاحب المنزل، فأن المنظر لم يزد على مقابلة جاءت عفواً، ولم يطل أكثر من مدة صب الشاي، ثم استأذن فكري أفندي في الخروج لمقابلة صديق، ومع ذلك قد
стр. 11131
كانت هذه المدة الوجيزة كافية لأن تجعل الشاب فكري أفندي يهوى الفتاة، ولأن يجعل الفتاة تحب ذلك الشاب، كأنما قد عزم كل منهما ابتداء على أن يحب الآخر إذا رآه! حقاً إن هناك نوعاً من الحب ينشأ للنظرة الأولى، ولكن ذلك الحب لا يستطيع أن يكون من نظرة عابرة جاءت عفواً؛ ولئن كانت النظرة السريعة تعقب الحب فلا بد أن يكون هناك عامل قد ساعد عليها، وأنه من حق النظارة أن يروا ما هو ذلك العامل الذي أسرع بالحب إلى هذا الحد.
على أننا إذا سلمنا أن الحب قد ينشأ من النظرة العجلى، فأنا لا نستطيع أن نسلم أن تبادل ذلك الحب يكون بغير تدرج ولا تقديم، وذلك على الأقل بين أصحاب النفوس المثقفة المهذبة، فكان لا بد للمخرج أن يدبر من الحوادث ما يساعد على إتاحة الفرص لتبادل ذلك الحب وإنمائه، ولكن فلم دموع الحب سار من المقابلة القصيرة الأولى إلى نزهة في الفجر في الحديقة يلتقي فيها الشاب بالفتاة ويبادلها أول ألفاظ التعارف فلا يكادان يسيران معاً دقائق قليلة حتى ترتفع الكلفة، وحتى يندفع الاثنان في تصريحات ودية، وحتى تبادلا الحب تصريحاً. ثم يسير الفلم بعد ذلك إلى نزهة لا مناسبة لها، ولا تفسير يعلل حدوثها، وفيها يتبادل المحبان العهود والمواثيق على أقدس أنواع الارتباط.
ومثل آخر لا يستطيع الناظر إلا أن يصطدم به وهو عندما عاد فكري أفندي من السفر بعد أن تبسم له الحظ ليحمل إلى حبيبته بشرى تحقيق الأمل في الزواج فيجد حبيبته في الحديقة إلى جوار حلمي صديقه، ولم يكن يعرف أن ذلك الصديق له أية علاقة بحبيبته وكذلك لم يكن ينتظر أن يجد تلك الحبيبة في مثل تلك الجلسة الخاصة مع شاب آخر. ومع ذلك فأنه لم يفعل شيئاً أكثر من أن وقف وجعل يتكلم عما جاء له، وكأنه لم يلاحظ شيئاً في وجود حبيبته في الحديقة منفردة مع شاب يناجيها وحيداً. ألم يكن من حق الناظر أن يرى علامة من علامات الاستياء على وجه المحب المتيم؟ ألم يكن على الأقل من حقه أن يرى علامة من علامات الدهشة أو الارتياع على وجه الشاب الذي أتى يحمل كل آماله إلى حبيبته فلا يجدها تطير نحوه كما كان ينتظر؟ وأين كرامته المجروحة؟ وأين حبه الثائر؟ وأين غيرته ونيران حقده؟ ثم ذلك الصديق الذي خانه مع سابق إخلاصه إليه وآسر على سعادته مع ما قدمه له في الأيام الماضية من وده وإخائه. ألا يستحق منه غير ذلك الموقف الفاتر الخامد؟
стр. 11132
ويعود فكري أفندي بعد ذلك إلى الدار التي كان قد بناها لتكون داره مع زوجته المنشودة فيبكي ويتضاءل حتى يبلغ مكان صورة تلك الحبيبة الغادرة - ولكنه يقف فيطيل البكاء إلى جانبها ولا تحدثه نفسه بثورة ما - أحقا هكذا يفعل المحب الثائر الحب؟
إننا نخطئ كثيراً لو زعمنا أن الفلم يستطيع أن يبلغ المستوى المطلوب بالغناء وحده، فإذا شئنا الغناء فليكن الفلم صورة لعرض غنائي لا محاولة فيه للتمثيل. فإذا كان ولا بد من المزج بين الغناء والتمثيل فليكن الدور الأكبر مسندا إلى من يستطيع أداءه، وليختر موضوع الفلم اختياراً يسمح بأن يكون للمغني دور لا يحتاج إلى كبير دراية في فن التمثيل. فالحق أن الأدوار الثانوية في فلم دموع الحب كانت لا نسبة بين أدائها وبين أداء الدور الأكبر. فلقد أتقن المعلم حنفي (عبد القدوس) ما شاء له الفن وكذلك أتقن حلمي أفندي (سليمان نجيب) دور الصديق الغادر والغني المستهتر اتقانا يستحق كل الإعجاب، ولو كان هذان الفاضلان هما بطلا القصة لكان الإخراج الفني أبرع وأبدع.
وأما عن الغناء فلست أدري ماذا يرى كل من شهد الفلم فيه، لأن الغناء مرجعه إلى الذوق ولا يستطاع فيه النقد المنطقي الذي يصح في التمثيل، على أني لا أستطيع أن أكتم ما أحسست به، وذلك أنني لم أسمع إلا تلك الأغاني التي اعتدنا سماعها في الصالات، وفي ليالي الغناء المعتادة، وفي أسطوانات الأدوار الشائعة. وبعد فأنّا نتساءل: أهذا هو الغناء المقصود في روايات الأوبرا أو الأوبريت؟ إننا لم نشهد بعد من تقدم الغناء ما كنا شهدنا بوادره في روايات السيدة منيرة المهدية أمثال كرمن وروزينا وتابيس وغيرها مما عرضته تلك الفنانة الماهرة في وقت ما منذ عشرات السنين، وقد كنا ننتظر أن يسمو الغناء المسرحي بعد ذلك إلى درجة أعلى من تلك، فإذا بنا نعود إلى تلك الأغاني الساذجة المكررة التي اعتدنا سماعها على التخوت أو في الصالات. وإنا لا نشك في أن تلك الأغاني لها جمالها الخاص، ولا سيما عند بعض الأذواق التي يجب أن تخرج عن قيود المألوف إلى التعبير عن عواطف النفوس، وتستدرج السامعين إلى أنواع منوعة بدل تلك الآهات المكررة والأنغام الواحدة المعتادة. وإنه لمن العجيب أن نسمع صوت العود والكمان، بل نقر الدف لحفظ الوحدة في تلك الأغاني كأنما نحن نستمع إلى تخت لا إلى شخص حي يفيض بعواطفه ويترجم عن وجدانه! والحق أن تلك الآلات الموسيقية وذلك النقر الناشز
стр. 11133
كان له أثر عظيم في تحويل العقل عن الاستغراق في القصة، وإلى إزالة غشاء الخيال عن جو القصة وإعادتها إلى جو آخر تنبه فيه العقل إلى أن الصور التي أمامه إن هي إلا صور متحركة وليست قصة حياة.
ولقد جرى مخرجو الأفلام المصرية إلى الآن على عادة لا نظنها تؤدي بهم أبدا إلى التفوق المنشود، وذلك أنهم يحاولون الاستغناء عن المؤلف الأديب. ولو كان المؤلف الأديب غير ضروري لكان لهم العذر فيما يذهبون اليه، ولكانت رغبتهم في الاقتصاد مفهومة واضحة، إذ لا نستطيع أن نلومهم على اقتصاد مبلغ من المال بدل أن يبذلوه للأديب الذي لا فائدة منه، ولكن الأمر على غير ذلك، فان أول أساس لنجاح القصة أن تكون قصة صالحة مكتوبة كانت أو مترجمة. ولقد رأينا فيما مضى أن أقوى مهارة في التمثيل تضمحل وتنتهي إلى الفشل التام إذا لم يكن دعامة ذلك التمثيل موضوعاً سامياً وقصة رائعة ذات جمال وفن وأدب؛ ونحن إذا استعرضنا المحاولات التي حاولها المخرجون إلى الآن لم نجد أنهم خصصوا لناحية القصة عناية تذكر. وقد يشكو المخرجون من أن الأدباء لا يواتونهم بالمؤلفات اللائقة كما أنهم قد يشكون من أن الأدباء يظهرون لهم من صعوبة المراس ما يجعلهم ييئسون من تعاونهم، ولكننا مع ذلك نريد أن نذكرهم ببعض أرقام قد تكون لها دلالة كبرى فان متوسط ما يناله الأديب الإنجليزي نظير قصة من قصص الأفلام يتراوح بين خمسمائة جنيه وألف جنيه، في حين أن متوسط ما يناله الأديب من هوليوود أكثر من ألف جنيه بلا نزاع؛ وليس من العجيب ولا المحرم أن يفوز المغني بآلاف الجنيهات؛ وكذلك ليس من العجيب ولا المحرم أن يفوز المخرج أو الممثل أو عارض الأفلام بآلاف مثلها، ولكنا نضيف إلى ذلك أنه ليس من العجيب ولا من المحرم أن يفوز الأديب ببعض تلك الألوف، لأنه شريك أساسي في المجهود الفني. ولهذا نرجو أن يعني المخرجون باختيار الموضوعات وألا يضنوا على الأدباء بما يشجع المبرز منهم على التخصص في إخراج ما تحتاج إليه الأفلام المصرية من القصص.
هذه كلمة لا نقصد بها إلا خدمة ذلك الفن الوليد ونحن على يقين من أن القراء مدركون قصدنا منها، وكذلك نرجو أن يحملها المخرجون والفنانون على المقصد السامي الذي نرمي إليه.
стр. 11134
محمد فريد أبو حديد
стр. 11135
قصة المكروب
كيف كشفه رجاله
ترجمة الدكتور احمد زكي
وكيل كلية العلوم
بستور المسعور
وصل الفائت
نصب أعداء بستور له فخاً فدعوه إلى أن يجري تجربته عن اللقاح الذي اكتشفه في جمع عام. فأجابهم إلى ذلك، وحقن البهائم على رؤوس الأشهاد بالمكروب الأضعف، وبعد أيام حقنها بالضعيف ثم بعد أيام بالأقل ضعفا. واصطبر إلى اليوم الذي يحقنها فيه بالمكروب الحي القتال.
- ٤ -
وجاء اليوم الكبير الموعود، اليوم الحادي والثلاثين من مايو، فحقنت المواشي جميعها - ما حُصّن منها باللقاح وما لم يحصن - بحقنة قاتلة لاشك فيها من مكروب الجمرة، وقام بحقنها رو، فنزل في الوحل إلى ركبتيه، ومن حوله مصابيح الكحول وقوارير المكروب، فأدهش النظارة بحسن ضربه الإبرة في جلود الحيوانات، وبهدوئه ورزانته وبروده وهو يضربها.
أودع بستور كل سمعته العلمية هذه التجربةَ الدقيقة التي لا تؤتمن، وما فرغ منها حتى أدرك حقيقة الموقف، وأيقن أنه أجاب داعي الرجولة والشجاعة برضائه إجراءها، ولكنه أيقن إلى جانب ذلك أنه أذن للجمهور، وهو المتلوّن المتذبذب، في تقدير علمه والحكم عليه. فلم يطب له نوم تلك الليلة، وقصاها يتلوى ويتقلب على فراشه، وكلما عزه النوم قام عن سريره يطلب الراحة في القيام، ثم هو لا يجده فيعود إلى النوم، وهكذا دواليك، وأوصته زوجته بالصبر ومنّته خيراً فصمت عنها، ودخل معمله وخرج منه مُقطِّب الجبين عابساً، ولا شك عندي أنه هرع إلى الله فصلى ورجا وابتهل، ولو أني لم أقرأ شيئاً من
следующие страницы →