← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على أن روح أبي ذر لم يكن ليغيب مع جثمانه في تلك الفلاة البلقع، فقد ظل صوته داويا إلى أن تحقق ما أنذر به المدينة من (غارة شعواء وحرب مذكار) ووقفت الفتنة الكبرى التي يقال أنها أنتجت كل فتنة حدثت في الإسلام. ولقد كانت غفار ممن نهض فيها وألقى في نارها حطبا.

стр. 107

العلم والخلق للدكتور منصور فهمي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب وجهة العالم في أن يدرك الأمور على ما هي عليه، ونشاطه في أن يكسب للمعرفة من ميدان الجهل، وأن ينشر النور حيث يخيم الظلام. ووجهة الخلقي في أن يصور الأمور على ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وأن يلفت الأنظار إلى مثل عليا تحفز بالناس للتسامي إليها والارتفاع بأنفسهم وبالحياة الراهنة إلى ما هو أرفع من أنفسهم وأرفع من الحياة الراهنة. ولطالما اضطربت الإفهام واستغلق الأمر على الباحثين حيث تعرضوا لاستجلاء الصلة بين العلم وبين الأخلاق فحسبوا أن الوشائج بينهم مقطوعة حين نظروا إلى وجهتين مختلفتين: وجهة من يصف ويعلل، ووجهة من يرتضي مثالاً ويوجه إليه، وجهة من يهز صوته الفكر ويتردد صدى هذا الصوت بين جوانب الدماغ، ووجهة من تؤم نغماته تجاويف القلب وتسري في أقنية الدم، وعلى أسلاك العصب لتدفع بالنفس كلها إلى العمل. ولطالما رأى غير قليل من المفكرين أن العلم النظري وثمراته التطبيقية لا تؤثر في الناس لتهذيبهم على نحو ما تؤثر العقائد الدينية والفلسفة والمثل العليا، حتى أن بعض قادة الفكر في الزمن الحديث أمثال (بسكال) و (ديكارت) اصطنعوا لأنفسهم ذلك الرأي فتخطوا العلم ليجدوا في الدين وفي العرف مرشدا لسلوكهم ومأمنا لأحكامهم وتقديرهم في اتخاذ الحسن من الأفعال وتجنب القبيح منها، وفي اتخاذ السبيل لراحة النفس واطمئنانها. بل قد ذهب غير قليل من مفكري عصرنا إلى إساءة الظن بالعلم فحملوه أوزار الحروب القاسية، وأخطار الفراغ الممل، وأضرار الثورات الاجتماعية العنيفة ومساوئ المطامع والتنازع الحاد، حتى وقد يبالغون في لوم العلم إلى حد أن يروا على نحو ما يرى (أيشتين) في أنه ذلك المسيء إلى الحريات الإنسانية، فمن ينظر إلى تلك المصانع وما فيها من آلات منوعة، وأعمال موزعة، يتبين أنها تتناصر جميعا على استعباد عدد من العمال وفير، وتسخيرهم تسخيراً آلياً تضمحل معه نفوسهم، وتهن من تأثيره كرامتهم، بل ربما يذهب الذاهبون في مذهبهم العدائي للعلم إلى حد أقسى مما تقدم، فلا يشفع له عندهم فضل

стр. 108

المحسن إلى البشر إذ يقاوم الأمراض الفتاكة، وييسر المسافات البعيدة، ويرفه الخلق في كثير، فمع ذلك ورغم ذلك قد ينكرون على العلم قيمته وفضله لأن من يستطيع الإحسان في شيء قد تكبر تبعته ويعظم إثمه إذا هو استخدم سلاحه للإساءة والعدوان وهو عارف لمواضع الإحسان. وأي إساءة اعظم من إساءة الحروب المعززة بجهود العلم؟ وأي عدوان أشد من تحويل عدد عديد من الناس إلى صنف من المخلوقات يستغرق في الإنتاج شهوة ومن غير قصد، ويستغرق في الاستهلاك شهوة، ومن غير حد؟. على أن هذا النحو من النظر العدائي ربما كان بعض مصدره ما تتعرض إليه النفوس واللغات أحياناً من الخلط بين الوسائل وغاياتها، وبين العلل ومعلولاتها، وبين الحال والمحل مما هو شائع ذائع. وعلى هذا النحو خلط الكثيرون بين العلم المحض الخالص وبين نتائج العلم وتطبيقاته في شؤون الحياة، وكذلك قد ظلموه على نحو ما يظلم السيف المهند في يد الجندي الجبان. وليس حظ السذج والعامة في الخلط بين العلم وتطبيقاته بأربى من حظ بعض الخاصة وأشباههم في هذا الأمر. وقد يطلب الكثيرون من معاهد العلم ودوره أن تفيض عليهم وعلى أبنائهم من المتعلمين بما ينتفع به الناس انتفاعا عمليا حتى شاعت في السنين الأخيرة عندنا وعند غيرنا من الأمم بدعة العلم العملي والتعليم العملي ونادى بها أكثر من كاتب، وقال بها أكثر من مشتغل بشؤون التعليم. ولو أنصف هؤلاء وهؤلاء لأعترفوا للعلم بطبيعته النظرية، وقدروا له حرصه على المعرفة لذاتها فحسب دون تقدير لنتائجها الضارة أو النافعة. لكن غير المشتغلين بالعلم الخالص من أفراد الناس بخاصة هم الذين وجهوا نتائج العلم للخير والشر وللحسن والقبيح، دون أن يكون للعلم في ذاته دخل في ذلك التوجيه. فما على العلم إذن وما له إذا استخدم الإنسان بعض آثاره ليعيث بها فسادا أو ليصلح بها في الوجود؟. ليس في قانون البحث العلمي ما يلزمنا أن نحكم بأن غازا من الغازات يجب أن يتوجه لحيث يحيي أو لحيث يميت! وليس في قانون العلم أن جوهرا من الجواهر يجب أن يكون سما ناقعا أو بلسما نافعا! لكن طبيعة الإنسان بما فيها من رفعة أو ضعة هي التي تستخدم

стр. 109

السم لتجعل منه الدواء أو لتجعل منه الداء، وهي التي تستخدم الشيء الواحد ليكون نعمة أو نقمة. فمدار الخير أو الشر إذن إنما هو منوط بالإنسان. . . على أن الناظر المدقق لو أنه تأمل مليا لوجد أن العلم يشمل عدة عناصر تهيئ النفس للتسامي والخير. ذلك لأن العلم بشيء من الأشياء، وتكشف الحق في جهة من الجهات، وإطلاق النور في مكامن الديجور كل ذلك إنما يشعر بعظمة العقل وجدارة الإنسان، وفي الشعور بالعظمة والجدارة أول مصدر للخلق ونبالته. ولست أريد في هذه الكلمة الوجيزة أن أتعرض لما يحدثه العلم واصطناعه في تقوية الاستعدادات الخلقية الكريمة، وحسبي أن أنبه طالب العلم إلى أن العلم في جوهره نبيل وأن المنتمي إليه يجب أن يكون نبيلا. فيا طالب العلم لا تأثم في حقه فتتوجه به إلى منخفض من الحياة، وإلى ما في الدنيا من ضعة! واعمل دائما على أن تعلو بعلمك إلى السماء وتحلق به حيث شرف النفس ورفعة المقصد وآفاق المعاني السامية وعالم الخير.

стр. 110

التجديد في الدين للأستاذ أمين الخولي المدرس بكلية الآداب مقال لمشروع القرش، وحول مشروع القرش، يحضر النفس ذكر الشباب، والتضامن والاستقلال والحياة والقوة وتجديد مجد مصر. . ثم نحن الآن في رمضان: صوم وزهد وتدين. . فمن تداعى هذه المعاني يأتلف العنوان (التجديد في الدين). عنوان قد يطلع على البعض جريئا بل ربما كان مزعجا لكثير من المتدينين الذين يتعجلون الحكم على الأشياء قبل اختبارها ويبتدرونها بتلك الأحكام الغاضبة السريعة. فان يفعلوا ذلك قبل الفراغ من المقال فهذا هو الذي يفقد أحكامهم قوتها وحرمتها. وإن يتريثوا حتى يقرءوا فسيرون أنهم كثيرا ما يثورون في وجه من لا يستحق منهم الا التقدير. عنوان قد يكون نابيا قلقا عند غير المتدينين. لأنهم يرون في الشيوخ صورة المحافظة المسرفة، بل يعتبرونهم حجر عثرة في سبيل التجدد على اختلاف ألوانه. ويحملونهم تبعة الكثير مما أوقف الشرق وأخره. ويرونهم جند الرجعية ومرجعها. ويصدر الكثيرون عليهم أحكاما رهيبة. لكنها سرية قل من يجرؤ على مجاهرتهم بها. فأصحاب تلك الآراء والأحكام قد يعدون هذا العنوان دعابة مازحة ومفارقة فكهة. لكنهم إن يتعجلوا الحكم كذلك قبل أن يقرءوا فهذا بعض تطرفهم الذي يفقد جهادهم قوته ويعوق نجاحه. وان يطمئنوا حتى يقرءوا فسيرون أن كثيرا مما ثاروا فيه على الدين ليس من الدين في شيء وأن الدين غير المنتسبين إلى الدين. العنوان حقيقة صحيحة صريحة لا فكاهة فيه ولا مروق (إن شاء الله) ففي الدين فكرة واضحة عن التجديد تبين ناموسا كونيا وتنبه إلى سنة اجتماعية مطردة لا تتبدل. إذ ورد في الحديث (أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها) أو ما هذا معناه. وهو حديث صحيح نص على صحته متقدمون منهم البيهقي والحاكم ومتأخر ون منهم ابن حجر والعراقي. . وراجت فكرة التجديد في الإسلام. وعني العلماء ببيان مجددي كل مائة وتعيين أسمائهم وأعمالهم والترجمة لهم. . . ولا أريد هنا وفي هذه الإلمامة الصحفية، أن أعني باستقصاء تاريخ فكرة (التجديد في الدين) بل اكتفي بأن أشير في ذلك

стр. 111

إلى مجموعة تنتظم من خير التجديد والمجددين صورة كاملة من الهجرة إلى اليوم، وهي تتألف من منظومة للسيوطي في هذا الموضوع سماها (تحفة المهتدين في بيان أسماء المجددين) ومطلع هذه المنظومة: لقد أتى في خبر مشتهر … رواه كل حافظ معتبر بأنه في رأس كل مائة … يبعث ربنا لهذه الأمة منا علينا عالما يجدد … دين الهندي لأنه مجتهد وعلى هذه المنظومة شرح للشيخ محمد المراغي المالكي الجرجاوي الذي عاش في القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين وسمى هذا الشرح (بغية المفتدين، ومنحة المجدين، على تحفة المهتدين. . . الخ) شرح فيه منظومة السيوطي ثم اكمل أسماء المجددين نظما إلى عصره وشرح نظمه على طريقة شرحه نظم السيوطي. وفي بيان الدينيين لمعنى التجديد تراهم يقولون: أنه نفع الأمة، ودفع المكاره عن الناس، ونصرة الحق وأهله، وإحياء ما أندرس من أحكام الشريعة، وما هي من معالم السنن وما خفي من العلوم الدينية ويتحدثون عن تغير الحياة واستحداث أشياء تحتاج إلى تناول جديد وحسبك من قولهم في معنى التجديد ما ورد في المجموعة السابقة من عبارة النظم والشرح ممتزجتين وهي: (وإنما كان مجدداً لأنه أي المبعوث فينا مجتهد وشأن المجتهد التجديد. . . .) ولأن اكتفوا في الأزمنة الأخيرة بالاجتهاد المقيد فبحسبهم أن أناطوا التجديد بالاجتهاد وفسروه به أبعدوه عن التقليد الذي هو آفة العقول وعلة الجمود. وتراهم حين يعدون أسماء المجددين في كل طبقة قد يعددون المجددين ويخصون كل مجدد بفرع من فروع العلم أو العمل. فيوسعون الدائرة توسعة محمودة. تلك فكرتهم في تجديد الدين: وأنها لفكرة في التجديد متزنة رزينة مقدرة لنظام الحياة وتدرجها معادية للجمود وقاضية عليه قاتلة لأهله. . . . وإذا كان الدين وهو وحي الهي والإسلام وهو رسالة لا رسالة بعدها هو الذي يقرر لأهله أن نظام الحياة العاملة يحوجه إلى التجدد ويهيئ الله له على الزمن من ينفي عنه مظاهر الجمود، وعوامل الوقوف؛ إذا كان هذا حال الدين، وذاك شأن الإسلام، فمرافق الحياة، وظواهر المعيشة التي لا ثبات لها ولا استقرار، والتي هي وليدة الظروف وصنعتها، اشد حاجة إلى التجدد والتغير. . . .

стр. 112

وإذا كانت البعثة الدينية التجديدية منة على المتينين، وفضلا من الله ونعمة، فالمنتسبون إلى الدين حين يقاتلون المبعوثين لهذا التجديد، ويجمدون على ما وجدوا عليه آبائهم، إنما ينكرون نعمة الله، ويصدون عن سبيله ويبغونها عوجا (وما هم ببالغيه) وهم، وبين أيديهم ذلك الأثر، وعليهم ذلك الواجب لا يأثمون بجمودهم إثما واحدا! بل آثاما كثيرة: إثم لأنهم لا يتجددون وإثم لأنهم لا يجددون وإثم لأنهم يعوقون المتجددين المجددين في تعنت أصم لا يميز الخبيث من الطيب مهما تبينا ولا يعرف داعي الله من داعي الشيطان. مصر والتجديد في الدين وما ننسى أن الكلمة لمشروع القرش وحول مشروع القرش. فلنعد إلى مصر المتجددة بجهاد شبانها، مصر ذات الحيوية الفياضة وصاحبة الشخصية الخالدة والتي أسدت إلى الإنسانية والحضارة أطهر الأيادي وأشرفها على تطاول السنين وتمادي الأيام. نعود لنقول أن مصر كعادتها في ذلك قد اضطلعت من تجديد الدين بالحظ الأوفر وساهمت فيه بالنصيب الأكبر على سعة الإمبراطورية الإسلامية وترامي أرجائها وانتظامها الواسع الأفيح أقطار الدنيا القديمة. فأنت حين تعرض أسماء أولئك المبعوثين المجددين على رؤوس المئات خلال الثلاثة عشر قرنا من تاريخ الهجرة تراهم يعدون هكذا: في المائة الأولىعمر بن عبد العزيز في المائة الثانيةالشافعي في المائة الثالثةابن سريج العراقي أو أبو الحسن الأشعري في المائة الرابعة الباقلاني أو الاسفراييني في المائة الخامسةالغزالي في المائة السادسة الفخر الرازي في المائة السابعة ابن دقيق العيد الشافعي في المائة الثامنة البلقيني أو غيره في المائة التاسعة السيوطي في المائة العاشرةالرملي أو غيره في المائة الحادية عشرة عبد الله ابن سالم البصري

стр. 113

في المائة الثانية عشرة الدردير في المائة الثالثة عشرة احمد الشرقاوي في المائة الرابعة عشرة. . . . . . . . . . . .؟ وتجيد نظرك في هذه الجريدة من الأسماء فترى (كما لاحظ القدماء أنفسهم) أن الكثرة المطلقة من هؤلاء المجددين مصرية رجال أنجبتهم وآوتهم وعلمتهم مصر ذات الفضل العتيد على المدنية منذ عرفها بنو آدم، فبين هؤلاء الثلاثة عشرة مجددا ثمانية من المصريين هم: عمر بن عبد العزيز وليد مصر الناشئ بها، والشافعي الذي حمته وفيها علم، وابن دقيق العيد القشيري المنفلوطي، والبلقيني المنسوب إلى بلقينة قرب المحلة، والسيوطي والرملي المنسوب إلى رملة قرب منية العطار تجاه مسجد الخضر، والدردير العدوي، والشرقاوي الجرجاوي. وان شئت عددت لمصر منهم تسعة فمصر في القرن الرابع عشر الهجري هي قلب الشرق الخافق وعقله المفكر وقد تصدرت في شجاعة ونبل لحمل أعباء تلك القيادة منذ بدأ ذلك الشرق يمسح عن عيونه آثار النوم ويتهيأ ليقظة نشطة باهرة تمدها عزمة قاهرة تكتب له النجاة وترد له حقه في الحياة. . . ولا أريد اليوم أن أُسمي مجدد هذه المائة أو مجدديها من المصريين حتى لا أحابي أحداً، ولا ألقن رأياً وإنما أترك الكلمة في ذلك لشبان الشرق وشبان مصر. يا شبان الشرق ها أنتم أولاء تطالعكم قوى التجديد من حيث تخشون عناصر الجمود؛ وها هو الإسلام الدين الحي يدفعكم دفعا إلى مسايرة نواميس الكون؛ ومجاراة نظم الجماعات الإنسانية؛ وهذا تاريخكم المجيد يغذي حاضركم الحديث فلا عذر اليوم لكم إذا لم تثبت تلك العزمات لتسمع الدهر صوتا أصغى إليه أزمانا وحدا له فسار؛ ومضى حيث صرفه واحكم فيه. يا شباب: هاكم ماضيا مجيدا في الصدارة والزعامة، لم يدع ميدانا إلا حله، وها هي ذي مصركم معلمة الدنيا قد أنهت إليكم لواء هذه الزعامة وقد بايعها الشرق وعرف مكانها وعاندها الغرب وجحد حقها. والحياة العاملة اليوم إنما تكتب للأمة الصناع والشعب الدؤب

стр. 114

فلا بد أن تتصدر مصركم ما تصدرت من باقي الميادين قديما وسيبني ثبات شبانها بمشروعهم العملي صروحا سامقة من القوة المادية تشهد أن الذين عرف أسلافهم كيف يجمعون الفلسفة ويعينون العلم ويذودون عن الأديان يعرفون هم جيدا كيف يؤصلون الصناعة على أساس أبقى على الدهر من الدهر.

стр. 115

في الأدب العَرَبيّ حلقات الأدب في الفسطاط للأستاذ محمد عبد الله عنان (٢) لبثت الفسطاط عاصمة الإسلام في مصر منذ قيامها سنة ٢١ هـ (٦٤١م) حتى سنة ٣٥٨هـ (٩٦٩م). وفي ذلك العام كان الفتح الفاطمي، وكان قيام القاهرة المعزية التي وضعت خططها الأولى في شعبان سنة ٣٥٨، ونشأت القاهرة بادئ بدء مدينة ملكية فقط لتكون قاعدة للدولة الجديدة ومنزلا للخلافة الفاطمية، ونشأ جامعها الأزهر الذي أسس بعد قيامها بأشهر قلائل (جمادى الأولى سنة ٣٥٩هـ) مسجدا للإمامة الجديدة فقط. ومضى زهاء نصف قرن قبل أن تبدو العاصمة الجديدة في شيء مما تميزت به بعد ذلك بين الأمصار الإسلامية من عظمة وروعة وبهاء، وقبل أن يبدأ الجامع الأزهر تاريخه الأدبي الباهر. ولكن ظلت الفسطاط بعد ذلك عصورا تحتفظ بمكانتها الأدبية، ولبثت حلقاتها ولياليها الأدبية شهيرة بين أدباء المشرق والمغرب. وبدأ الجامع الأزهر ينافس المسجد الجامع في حلقاته ومجالسه الأدبية منذ عهد الخليفة العزيز بالله، إذ استأذن وزيره الشهير يعقوب بن كلس سنة ٣٧٨ هـ أن ينظم بالأزهر على نفقته بعض مجالس القراءة والفقه. وفي خاتمة القرن الرابع، في عهد الحاكم بأمر الله، أنشئت دار الحكمة بالقاهرة ونظمت مجالسها، فكانت مثوى للمجالس العلمية الكلامية والفلسفية. ولسنا نتحدث عن القاهرة ومكانتها العلمية والأدبية بين الأمصار الإسلامية في العصور الوسطى، ولا عن أزهرها الذي غدا فيما بعد أعظم جامعة إسلامية، كذلك لسنا نتحدث عن دار الحكمة ومجالسها الشهيرة التي كانت تتخذها الخلافة الفاطمية أداة لتحقيق دعوات دينية فلسفية غامضة، فذلك ليس موضوعنا. وإنما نتتبع تاريخ الفسطاط الأدبي، بعد قيام القاهرة، منافستها العظيمة الفتية. فقدت الفسطاط أهميتها السياسية والرسمية، ولكنها احتفظت عصورا أخرى بأهميتها الاجتماعية والأدبية وفي فترات كثيرة كانت تتفوق على القاهرة بطابعها الأدبي. وهذا ما يشيد به أدباء المشرق والأندلس الوافدين على مصر في عصور مختلفة. ومن هؤلاء أمية

стр. 116

بن عبد العزيز بن أبي الصلت الأندلسي الذي وفد على مصر في أوائل القرن السادس الهجري في عهد الأفضل شاهنشاه. ودرس الحركة الفكرية والأدبية في مصر يومئذ كتب عنها رسالة لم يصلنا سوى شذور قليلة منها. وفي هذه الشذور يتحدث أبن أبي الصلت عن بعض أدباء مصر وعلمائها، ومجالسهم واجتماعاتهم بما يدل على أن الفسطاط كانت ما تزال مركزا هاما للحركة العلمية والأدبية. ووفد ابن سعيد الأندلسي إلى مصر بعد ذلك بنحو قرن، نحو سنة ٦٣٧هـ (١٢٤٠م)، ولبث بها أعواماً طويلة يدرس شئونها وأحوالها، فإذا بالفسطاط ما تزال تحتفظ بأهميتها الأدبية، وإذا بها ما تزال مثوى للأدباء ومركزاً لأبهاء الأدب، وإذا لياليها الأدبية ما تزال شهيرة. ويفرد أبن سعيد في كتابه (المغرب في حلى المغرب) فصلا كبيراً للفسطاط عنوانه: (كتاب الاغتباط في حلى الفسطاط) يتحدث فيه عن المدينة، وزياراته لها واجتماعاته بأدبائها، ولا سيما شاعرها الكبير جمال الدين أبي الحسن الجزار، أشهر شعراء مصر في هذا العصر، وما لقيه من كرم وفادته وشهده من رائع أدبه، وقد كان الشاعر الكبير يومئذ، على ما يظهر شاباً في عنفوان شاعريته لأنه توفي بعد ذلك بنحو أربعين سنة في (٦٧٩هـ١٢٨٢م) وهو صاحب الأرجوزة التاريخية الشهيرة المسماة (بالعقود الدرية في الأمراء المصرية) وفيها يستعرض ذكر أمراء مصر وملوكها منذ عمرو بن العاص إلى الملك الظاهر بيبرس، وكانت الفسطاط قد عادت يومئذ فاستعادت كثيراً من بهائها السالف، وأهميتها الاجتماعية القديمة بسبب قيام المدينة الملكية الجديدة التي أنشأها الملك الصالح في جزيرة الروضة المقابلة للفسطاط (٦٣٨هـ) واتخاذها قاعدة للسلطنة، وانتقال البلاط والحاشية إليها، وسكن كثير من الأمراء والكبراء بالفسطاط في الضفة المقابلة لنهر النيل، وهو ما يشير إليه أبن سعيد في قوله، (وقد نفخ روع الاعتناء والنمو في مدينة الفسطاط الآن لمجاورتها للجزيرة الصالحية (جزيرة الروضة)، وكثير من الجند قد أنتقل إليها للقرب من الخدمة، وبني على سورها جماعة منهم مناظر تبهج الناظر). ويشير ابن سعيد في كتابه السالف الذكر إلى ليالي الفسطاط واجتماعاتها الشائعة في الليالي القمرية وأشهرها ما كان يعقد في القرافة مما يلي المقطم في قبة الإمام الشافعي التي كانت قد أنشئت على قبره. وكان المسجد الجامع قد عفت أهميته شيئاً فشيئاً مذ قام منافسه القوي،

стр. 117

الجامع الأزهر وغيره من المساجد والمدارس الجامعة بمدينة القاهرة، ولكننا نراه ما يزال حتى القرن السابع مثوى للأدب واجتماعاته، وبرغم عفائه وقدمه ونسيان أمره، كانت تعقد في عرصاته حلقات للقراءة والدرس، وهو ما يشير إليه ابن سعيد أيضاً خلال وصفه للمسجد الجامع في منتصف القرن السابع، بيد أن هذه الحلقات لم تكن من الأهمية والرونق والانتظام مثلما كانت عليه في القرون الأولى يوم كان المسجد الجامع مجتمع الأمراء وأقطاب التفكير والأدب. وكانت يومئذ أقرب إلى الصبغة المدرسية. ومع ذلك فقد بقي للمسجد الجامع حتى ذلك العصر كثير من ذكرياته الأدبية المجيدة. وهي كعبة الأدباء والشعراء. يجتمعون فيه كلما سنحت فرص الاجتماع لعقد الأسمار والمطارحات الأدبية. وإليك نموذجاً لهذه الاجتماعات الشهيرة أورده ابن فضل العمري في موسوعته الكبيرة (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار) في حديثه عن المسجد الجامع. (حكي على بن ظافر الازدي. قال: روى لي أن الأعز أبا الفتوح ابن قلاقس وابن المنجم اجتمعا في منار الجامع في ليلة فطر ظهر بها الهلال للعيون. وبرز في صفحة بحر النيل كالنون. ومعهما جماعة من غواة الأدب الذين ينسلون إليه من كل حدب. فحين رأوا الشمس فوق الليل غاربة. وإلى مستقرها جارية ذاهبة. وقد شمرت للمغرب الذيل. واصفرت خوفاً من هجمة الليل. والهلال في حمرة الشفق. كحاجب الشائب أو زورق الورق. فاقترحوا عليهما أن يصنعا في ذلك الوقت الزيه. على البديه. فصنع ابن قلاقس: انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة … وانظر لما بعدها من حمرة الشفق غابت وأبقت شعاعاً منه يخلفها … كأنما احترقت بالماء في الغرق وللهلال، فهل وافى لينقذها … في إثرها زورق قد صيغ من ورق؟ وصنع ابن المنجم: يا رب سامية في الجو فمت بها … أمد طرفي في أرض من الأفق حيث العشية في التمثيل معركة … إذا رآها جبان مات للفرق شمس نهارية للغرب زاهية … بالنيل مصفرة من هجمة الغسق وللهلال إنعطافة كالسنان بدا … من سورة الطعن ملقى في دم الشفق (وحكي على بن ظافر أيضاً، قال: أخبرني ابن المنجم الصواف بما معناه: قال، صعدت

стр. 118

إلى سطح الجامع بمصر في آخر رمضان مع جماعة فصادفت به الأديب الأعز أبا الفتوح بن قلاقس ونشو الملك علي بن مفرج بن المنجم وشجاعا المغربي في جماعة من الأدباء. فانضمت إليهم. فلما غابت الشمس وفاتت، اقترح الجماعة على ابن قلاقس وابن المنجم أن يعملا في صفة الحال. فكان ما صنعه نشو الملك: وعشى كأنما الأفق فيه … لازورد مرصع بنضار قلت لما دنت لمغربها الشم … س ولاح الهلال للنظار اقرض الشرق صنوه الغرب دين … ارا فأعطى الرهين نصف سوار وكان الذي صنعه ابن قلاقس: لا تظن الظلام قد أخذ الشم … س وأعطى النهار هذا الهلالا إنما الشرق اقرض الغرب دي … نارا فأعطاه رهنه خلخالا ونحن نعرف أن الشاعر المصري الإسكندري الأشهر ابن قلاقس كان من شعراء النصف الأخير من القرن السادس الهجري (٥٣٢ - ٦٠٧ هـ) وكذلك ابن المنجم من شعراء هذا العصر. وإذن فقد كان المسجد الجامع، حتى أوائل القرن السابع منتدى لأكابر الأدباء والشعراء، وكانت الفسطاط لا تزال شهيرة بلياليها وحلقاتها الأدبية، حتى بعد ذلك بنحو نصف قرن على نحو ما يشير إليه ابن سعيد الأندلسي. ومنذ أواخر القرن السابع الهجري نرى الفسطاط تفقد أهميتها الاجتماعية والأدبية شيئاً فشيئاً ونرى المسجد الجامع وقد غمره النسيان والعفاء. وقلما نظفر في سير القرن الثامن بما ينبئ عن مكانة الفسطاط أو أهميتها الاجتماعية أو الأدبية. بل نرى الفسطاط في هذا العصر تنتهي إلى ضاحية متواضعة لمدينة القاهرة. ونرى القاهرة تغمر بعظمتها وبهائها وأهميتها العلمية والأدبية عاصمة الإسلام الأولى في مصر. ونراها مثوى كل حركة فكرية أو أدبية. ونرى الجامع الأزهر كعبة العلماء والأدباء لا في مصر وحدها بل في العالم الإسلامي كله، على أن مؤرخ الآداب في مصر الإسلامية لا يسعه - حين يعالج تاريخ الآداب في عصور الإسلام الأولى - إلا أن يلاحظ أهمية الدور الكبير الذي أدته الفسطاط وحلقاتها ولياليها الأدبية، وأداه مسجدها الجامع في تطور الحركة الفكرية والأدبية في مصر.

стр. 119

من طرائف الشعر نداء للشباب كن قويا، كن عزيزا للدكتور محمد عوض محمد الأستاذ بالتجارة العليا أتحنو عليك قلوب الورى … إذا دمع عينيك يوماً جرى؟ وهل ترحم الحمل المستضام … ذئاب الفلا أو أسود الشرى؟ وماذا ينال الضعيف الذليل … سوى أن يحقر أو يزدرى؟ لقد سمع النسر نوح الحمام … فلم يعف عنها ولم يغفرا انقض ظلما ليغتالها … وأنشب في نحرها المنسرا وما رد عنها الأذى ذلها … ولا أنها ما جنت منكرا فكن يابس العود صلب القناة … قوي المراس متين العرى! ولا تتطامن لبغي البغاة … وكن كاسراً قبل أن تكسرا وأولى لمن عاش مثل الثرى … ذليلا لو احتل جوف الثرى قلوب الأنام كصم الصفاة … وشق على الصخر أن يفجرا أرى أيدياً لاغتيال تمد … فأجدر بها الآن أن تبترا! إذا كنت ترجو كبار الأمور … فأعدد لها همة أكبرا! طريق العلا أبداً للأمام … فويحك هل ترجع القهقرى؟ وكل البرية في يقظة … فويل لمن يستطيب الكرى! كن جميلا تر الوجود جميلا للأستاذ إليا أبو ماضي أيهذا الشاكي وما بك داء … كيف تغدو إذا غدوت عليلا أن شر الجناة في الأرض نفس … تتوقى قبل الرحيل الرحيلا

стр. 120

وترى الشوك في الورود وتعمي … أن نرى فوقها الندى إكليلا هو عبء على الحياة ثقيل … من يظن الحياة عبئا ثقيلا والذي نفسه بغير جمال … لا يرى في الوجود شيئا جميلا ليس أشقى ممن يرى العيش مراً … ويظن اللذات فيه فضولا أحكم الناس في الحياة أناس … عللوها فأحسنوا التعليلا فتمتع بالصبح ما دمت فيه … لا تخف أن يزول حتى يزولا وإذا ما أظل رأسك هم … قَصِّر البحث فيه كي لا يطولا أدركت كنهها طيور الروابي … فمن العار أن تظل جهولا ما تراها والحقل ملك سواها … اتخذت فيه مسرحا ومقيلا تتغنى والصقر قد ملك الج - وعليها والصائدون السبيلا تتغنى وعمرها بعض عام … أفتبكي وقد تعيش طويلا تتغنىُ وقد رأت بعضها يؤ … خذ حياً والبعض يقضى قتيلا فهي فوق الغصون في الفجر تتلو … سوّر الوجد والهوى ترتيلا وهي طورا على الثرى واقعات … تلقط الحب أو تجر الذيولا كلما أمسك الغصون نسيم … صفقت للغصون حتى تميلا فإذا ذهب الأصيل الروابي … وقفت فوقها تناجي الأصيلا فاطلب اللهو مثلما تطلب الأ … طيار عند الهجير ظلاً ظليلا وتعلم حب الطبيعة منها … واترك القال للورى والقيلا فالذي يتقي العواذل يلقى … كل حين في كل شخص عذولا أنت للأرض أولاً وأخيراً … كنت ملكا أو كنت عبداً ذليلا كل نجم إلى الأفول، ولكن … آفة النجم أن يخاف الأفولا غاية الورد في الرياض ذبول … كن حكيما واسبق إليه الذبولا وإذا ما وجدت في الأرض ظلاً … فتفيأ به إلى أن يحولا وتوقع إذا السماء اكفهرت … مطرا في السهول يحيي السهولا قل لقوم يستنزفون المآقي … هل شفيتم من البكاء غليلا

стр. 121

ما أتينا إلى الحياة لنشقى … فأريحوا أهل العقول العقولا كل من يجمع الهموم عليه … أخذته الهموم أخذاً وبيلا كن هزاراً في عشه يتغنى … ومع الكبل لا يبالى الكبولا لا غراباً يطارد الدود في الأر … ض وبوماً في الليل يبكي الطلولا كن غديرا يسير في الأرض رقرا … قا فيسقي عن جانبيه الحقولا تستحم النجوم فيه، ويلقى … كل شخص وكل شيء مثيلا لا وعاء يقيد الماء حتى … تستحيل المياه فيه وحولا كن مع الفجر نسمة توسع الأز … هار شماً وتارة تقبيلا لا سموما من السوافي اللواتي … تملأ الأرض في الظلام عويلا ومع الليل كوكبا يؤنس الغا … بات والنهر والربى والسهولا لا دجى يكره العوالم والنا … س فيلقى على الجميع سدولا أيهذا الشاكي وما بك داء … كن جميلا ترى الوجود جميلا

стр. 122

في الأدب الشرقي الأدب الفارسي والأدب العربي للدكتور عبد الوهاب عزام الأستاذ بكلية الآداب - ١ - أمة ذات حضارة فاتت التاريخ أوليتها، ونظم أمرتها الحقب الطويلة يقوم عليها ملوك مسلطون رفعوا إلى مستوى فوق البشر أقدامهم، وأقر لهم بهذا رعاياهم، وقد طار صيتهم في الآفاق فملأ جيرانهم رهبة وإكبارا. أمة ذات دين نصر الملوك ونصروه فاشتد قوامه على كل مخالف وارهبوا كل متبوع. نزلت هذه الأمة أرضا وسطا بين مهد الآريين والساميين يجاورها في الغرب بابل وأشور، ويصاقبها في الشرق الهند. ثم يتصل بها من الشمال والشمال الشرقي الترك والصين. فاض بها سلطانها حتى غزت اليونان في عقر دارهم، وغزت كثيرا من أوربا الشرقية الجنوبية. وملكت الشام وفلسطين ومصر. وكانت الحرب من بعد سجالا بينها وبين الروم. كانت بلادها طريقا للتجارة بين الشرق والغرب. وموصلا بين حضارتيهما. وكانت موئلا للفلسفة اليونانية. وملجأ للعائذين من فلاسفة اليونان. تلكم أمة الفرس التي يقول فيها مهيار: قومي استولوا على الدهر فتى … ومشوا فوق رءوس الحقب! عمموا بالشمس هاماتهم … وبنوا أبياتهم بالشهب! وأخرى من الأمم عريقة في البداوة وأبية على كل عسف، حديثة عهد بالخضوع حتى لسلطان الله، أنضجتها البداوة فإذا هي قوية نشيطة ذكية متوقدة، وأورثتها معيشتها وحروبها ضروبا من العزة والشجاعة والفروسية والصبر على المكاره، والقناعة بالقليل، وجمع كلمتها وأنار قلوبها الدين، وتلكم هي أمة العرب. - ٢ - بينما كان الإسلام يجمع شمل العرب كان الفرس مسيطرين على عرب الحيرة يتخذونهم عوناً على الأعراب، وعلى الرومان (كما كان الرومان يستعينون بالغساسنة في الشام)

стр. 123

وكان الفرس كذلك مسيطرين في اليمن والبحرين. وقد أعظم العرب شأنهم فهابوهم وسموهم الأسد، وسموا قبائل ربيعة التي كانت تجاور الفرس وتأبى عليهم أحياناً (ربيعة الأسد من أجل ذلك) وعرفوا من أخبارهم وعاداتهم ما جعلوه مضرب المثل، وعرفوا كذلك دينهم حتى يقال أن من بني تميم من كان يعبد النار. وفي ذكر القرآن للمجوس كثيراً دلالة على هذا. فلما استقام للعرب أمرهم خلص اليمن بغير عناء وأسلم الفرس هناك، حتى قاتلوا مع المسلمين الأسود العنسي المتنبىء، وكذلك أجلى عامل كسرى على البحرين أيام أبي بكر، وأسلم هناك من أسلم ودفع الجزية من بقي على دينه. ثم تمادى بالمسلمين الفتح فإذا هم يقاتلون في جهات العراق عرباً وفرساً قد تخالطوا حتى لم يتميز بعضهم من بعض وحتى كان العرب يداً مع الفرس على العرب إبان الفتح، فخالد بن الوليد يقول لأهل الحيرة: أعرب أنتم فما تنقمون من العرب؟ فيحتجون لعربيتهم بأنهم ليس لهم لسان غير العربية. تغلغل المسلمون في فتح بعد آخر، صلحاً وحرباً فإذا هم ينازلون الأكاسرة أنفسهم، وأيقن الفرس أن الأمر جد لا هزل، وكان قد اجتمع أمرهم بعد الفرقة ليزدجر السادس فساقوا على العرب جيشا حشدوا فيه من عدد الحرب وجندها ما لا عهد للعرب به، ولم يكن بد للعرب من المقاومة فاستنجدوا الخليفة عمر فأهمته حرب فارس، وندب الناس إليها فتثاقلوا إعظاما لأمر الفرس واستفز عمر العصبية العربية؛ ورضى أن يدعى إلى الحرب مسلمهم وغير مسلمهم. وقد اهتم الفرس بأمر القادسية أيما اهتمام، وارتقب العرب عقباها من العذيب إلى عدن أبين ومن الأبلة إلى ابلة، كما يقول الطبري. وكانت القادسية أول موقعة عظيمة حشد لها الجمعان ما استطاعوا، ولكنها لم تكن أعظم الوقائع ولا آخرتها فموقعة نهاوند التي سماها العرب فتح الفتوح، وهي آخر الوقائع العظيمة، كانت بعد القادسية بسبع سنين، وبينهما وقائع، وكان ملك الفرس يزدجرد، لا يزال يكر على العرب في الحين بعد الحين، ويستمد الترك وقد تعقبه العرب إلى أقصى الشرق، واستمر على ذلك حتى سنة ٣١. سبعة عشر عاما بعد القادسية فبينا يتهيأ لصلح العرب على بعض الأقاليم قتله بعض اتباعه كما قتل دارا من قبل بينما يتعقبه الاسكندر المقدوني. وبذلك تم للعرب الاستيلاء على فارس رغم الثورات التي كانت تظهر في الحين

стр. 124

بعد الحين إلا جهات في طبرستان وجيلان لم تفتح إلا بعد قرنين وبقى بعد ذلك أمراء في جهات نائية قرونا طويلة. - ٣ - فتح العرب الأقطار باسم الدين فلم يكن الا أن يسلم الفارسي فإذا هو واحد من المسلمين الفاتحين، ثم كان حكمهم على رغم مصائب الحروب وفظائعها عدلا لا عنف فيه. وكان في الفرس على هذا من وجدوا في الفتح الإسلامي مخلصا من اضطهاد ديني، فقد كانت الزردشتية شديدة على من شذّ عنها، أو وسيلة إلى جاه. فالديلم من جند الفرس انحازوا للمسلمين (بعد القادسية وأسلموا) وعاونوا في واقعة جلولاء، ثم استوطنوا الكوفة. ونجد من الفرس مثل (أبي الفرخان) الذي عاون العرب في فتح الري فولي عليها. ونجد مرزبان مرو يخذل يزدجرد ويرسل أمواله بعد أن قتل إلى أمير العرب هناك. وقد أعطى العرب الفرس الذين قاتلوا معهم حظهم من الغنائم وفرض عمر في العطاء لمثل المرزبان في المدينة وأحسن العرب إلى الفلاحين الذين لم يقاتلوا. ويقول الطبري (عن أهل فارس) وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا في زمن الأكاسرة فكانوا كأنما هم في ملكهم الا أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم فاغتبطوا وغبطوا. وقد بقى الفرس أحراراً في دينهم وبقيت معابد النار في الجهات كلها ولا سيما في فارس. فقد حكى المؤرخون كالاصطخري وابن حوقل أنه لا توجد قرية في فارس بغير معبد للنار، وان جمهور أهلها من عبدة النار وانهم في شيراز لا يمتازون من المسلمين في مظاهرهم وكانت معابد النار تحمى ويعاقب مخربوها. وإنما تناقص عدد الزردشتيين بدخول كثير منهم في الإسلام، وقد دخلوا فيه أفواجا حتى شكا عامل خراسان إلى عمر بن عبد العزيز قلة الجزية فأرسل إليه أن الله بعث محمداً صلعم هاديا ولم يبعثه جابيا. على أنهم بقوا كثيرين إلى عصر قريب. ويقول أن كرمان حين حاصرها محمد خان قاجار كان فيها ١٢ ألف أسرة زردشتية. إنما أفيض في هذا لأبين أن العرب والفرس بعد الفتح لم يكونوا في نضال مستمر. وان العرب لم يستعبدوا الفرس كما يحسب بعض الناس. لم يفعل العرب الا أن حطموا الحدود

стр. 125

الوطنية فشاركوا الفرس في جماعة أوسع. ونالوا من العلوم والآداب التي تعاونت عليها الأمم الإسلامية، ونالوا عليا المناصب. فالبرامكة مثلا كانوا يدبرون للعباسيين ملكا أعظم وأوسع مما كان يديره بزرجمهر لانوشروان. - ٤ - الآداب الفارسية الحديثة تؤرخ من القرن الرابع الهجري (تقريباً) - كما يأتي - فماذا أصاب اللغة الفارسية في ثلاثة القرون التي تلت الفتح الإسلامي؟ وماذا أصاب الفرس في هذه القرون؟ في إجابة هذين السؤالين يجب أن نفرق تفريقاً تاماً بين الكلام على الفرس، والكلام على اللغة الفارسية. فأما اللغة الفارسية فالكلام عنها من جهتين: من حيث أنها لغة تخاطب ومن حيث أنها لغة العلم والأدب. فأما من الوجهة العلمية فقد وقفت اللغة وقفة طويلة، ولم يؤلف فيها إلا كتب قليلة معظمها في الدين، ويمكن أن يقال أنها عقمت تماماً بعد قرنين من ظهور الإسلام، فالكتب التي ألفت في العصر الإسلامي وبقيت على الزمن لا تتجاوز عصر المأمون، وهي كتب دينية قليلة أراد بها الزردشتيون الدفاع عن دينهم والإبقاء عليه. ولكن كان للغة الفهلوية عمل أعظم من هذا أبقى أثراً هو حفظها آداب الساسانيين وتاريخهم في كتبها لتكون مصدرا للترجمة إلى اللغة العربية، ولتكون من بعد أساساً للآداب الفارسية الحديثة. فقد بذل رجال الدين أو الموابذة وملاك الأراضي أي الدهاقين جهدهم في حفظ كتبهم، وكان الساسانيون من قبل ذوي عناية بالكتب وحفظها. ويمتاز إقليمان في إيران بأن كانا موئل الآثار الفارسية: فارس وخراسان (كما امتازت طبرستان بوعورة أرضها وكثرة غاباتها فبقى فيها استقلال الفرس مدة طويلة) فأما خراسان فكانت مبعث الشعر الفارسي الحديث، وأما فارس مهد الدول الفارسية القديمة فقد لاذ بجبالها جماعات من الزردشتيين، فعكفوا على درس آدابهم القديمة وحفظ كتبها. فحصن شيز في جهة أرجان كان مسكن مجوس خبراء بإيران وتاريخها. وكان به صور الملوك والعظماء وتاريخهم، هكذا يقول الاصطخري وابن حوقل، ويؤيد هذا ما يقوله المسعودي: أنه رأى في اصطخر عند أسرة فارسية كبيرة كتاب الملوك يتضمن صور الملوك وأزمتهم ووصف آثارهم. ويتصل بهذا ما

стр. 126

رواه صاحب الفهرست عن أبي معشر إن الفرس القدماء خزنوا كثيراً من كتبهم في أصفان في بناء عظيم بقي إلى زمان أبي معشر، أن الناس عثروا على كتب فيه، ثم يقول ابن النديم (اخبرني الثقة أنه أنهار سنة ٣٥٠ أزج آخر عن كتب كثيرة لا يهتدي إلى قراءتها). والذي رأيته أنا بالمشاهدة أن أبا الفضل ابن العميد أرسل في سنة نيف وأربعين كتباً متقطعة أصيبت بأصفان في سور المدينة وكانت باليونانية إلخ.) ففي أمثال حصن شيز وبناء أصفان حفظت الكتب القديمة التي ترجمت إلى العربية أيام الدولة العباسية.

стр. 127

في الأدب الغربيّ حزن أولمبيو لفيكتور هوجو ترجمة ابن عبد الملك لم تكن الحقول غبراء، ولا السماء كدراء حين أقبل يقضي ذمام هذه الربوع التي سال في ثراها قلبه الجريح المثخن وإنما كان ضوء النهار يتألق في أفق لازوردي غير محدود، ويتدفق على بساط من أديم الأرض ممدود. وكانت النسائم عابقة بالعطور، والمروج حافلة بالخضرة والزهور. وكان الخريف طلق الجوانب، والسماء مذهبة الحواشي، والربى حانية الخمائل المونقة على السهل وقد ضربت في خضرتها صفرة قليلة. والطيور هاتفة بأغاريدها الشجية القدسية ووجوها إلى الله الذي ينم عليه كل كائن، ويسبح بحمده كل شيء، كأنما كانت تقول له شيئا عن الإنسان!! أراد الولهان أن يرى كل شيء: يرى الغدير الطامي الذي يصطفق بجانب العين، والطلل البالي الذي استنفد ما في كيسيهما بالصدقة، وسرحة الدردار العتيقة المعوجة وخلوات الحب في أجواف الغاب المترامية، والشجرة التي استغرقا تحتها في القبلات فذهلا عن كل شيء. بحث عن الحديقة والبيت المنعزل والبستان الحادر، والدرابزون الذي يغيب البصر من خلاله في ممشى منحرف. وكان يمشي متكسر الوجه من الحزن، شاحب اللون كثير الهم فيرى وا أسفاه لدى كل شجرة شبح الأيام الخوالي يقوم منتصبا على وقع خطاه المتئدة الثقيلة!. تجول طول النهار على طول المسيل وقد ملك إعجابه وجه السماء الضاحك، ومرآة البحيرة المصقولة. ثم قيد بصره ما راعه من صور الطبيعة في الحقول، فتأملها مليا ثم ذهب مع أحلامه حتى المساء. تجول طيلة النهار ذاكراً والهفي عليه مخاطره اللذيذة ناظرا من أعالي السوج دون أن

стр. 128

يجرؤ على الولوج كأنه صعلوك من صعاليك الهند. فلما آذنت الشمس بالمغيب أحس في صدره وحشة القبر وفي قلبه لوعة الهم، فجأر بالشكوى وهتف بالنجوى يقول: أيها الألم! لقد أردت أنا المشترك الخاطر المسعور الفؤاد أن أعلم هل الإناء لا يزال محتفظا بالسائل؟ وان أرى ماذا فعل هذا الوادي السعيد بما خلفت فيه من قلبي؟. ما اقدر الزمن اليسير على أن يغير كل شيء! ايه أيتها الطبيعة ذات الوجه الضاحك والجبين الأغر! ما أسرع ما تنسين! وما أشد ما تقطعين العلائق الخفية التي تربط قلوبنا بكثرة استحالاتك وتغير حالاتك!. أن غرفنا التي اتخذناها من ورق الشجر الألف قد تهدمت. والشجرة التي حفرنا عليها اسمينا قد ماتت أو تحطمت. وورودنا النابتة في الحظيرة قد عبثت بها أيدي الأطفال الذين يقفزون فوق الحفرة! والعين التي كانت تشرب منها ساعة القيظ وهي هابطة من الغاب قد قام على موردها جدار!! لله ما كان اجمل يدها حين كانت تغترف بها الماء ثم تدعه يتساقط من خلال أصابعها كنثير اللؤلؤ الرطب!! لقد رصفوا الطريق الغليظ الوعر الذي كنا نسير فيه جنبا إلى جنب فترتسم على رمله النقي قدمانا، ويكون أثر قدمك الرقيقة الأنيقة بجانب قدمي سخرية حسناء، وضحكة استهزاء!! والحاجز الحجري الذي قام على حد الطريق حقبة طويلة ذلك الحاجز الذي كان يحلو لها أن تجلس فوقه في انتظاري قد هد ركنه اصطدام العجلات الموقرة بالأعباء، وهي آيبة تئن في المساء!! والغابة أصبحت حطاما هنا وبسقت أدواحها هناك! ولم يكد يبقى من كل ما حللناه وتقمصناه شيء حي! وأكداس الذكريات تبددها الرياح الأربع ككومة من التراب الخامد البارد قد ألوت بها الريح الدبور!!

стр. 129

وا ويلتاه! ألم يعد لنا إذن وجود؟ هل مضت مدتنا وانقضت لذتنا؟ أما يرجعها إلى صرخاتنا الضارعة الضائعة شيء؟ النسيم يداعب الغصون وأنا أبكي! ومنزلي ينظر إلى ولا يعرفني! والآن سيمر غيرنا من حيث مررنا، وسيرد آخرون هذا المورد الذي عنه صدرنا، والحلم الذي بدأناه سيواصلون رؤياه، ولكنهم مثلنا لا يستطيعون أن يبلغوا مداه! وذلك لأن الناس في هذه الحياة لا ينعمون ولا يكملون، سواء في ذلك الخبيثون والطيبون. وسيستيقظون جميعا في مكان واحد من الحلم، إذ كلهم يبدءون في هذا العالم ثم يتممون في غيره. أجل ستأتي نوبة آخرين، فينعمون في ظلال هذا الكون الساكن الآمن الفاتن بما وهبت الطبيعة للحب من خيال وجلال ولذة! وسيرث غيرنا حقولنا وطرقاتنا وخلواتنا، ويستولي من لا تعرفين على غابتك يا حبيبتي! ويقبل بعض النسوة الهوج إلى هذا الماء يبتردن فيه فيكدرن غمره الذي لمسته قدماك العاريتان فتقدس! يا الله! إذن ذهب الحب الذي أحببناه في هذا المكان باطلا! ولم يبق لنا شيء من هذه الربوات المزهرة التي امتزج فيها لهبانا فانصهر بهما جسمانا واتحد قلبانا. هيهات قد استرجعته الطبيعة التي لا ترحم ولا تتألم! بالله! نبئنني أيتها المسايل الممرعة، والجداول المترعة، والعرائش الموقرة بالعناقيد، والأغصان المثقلة بالأعشاش والأغاريد! وخبرنني أيتها المغائر والآجام والأدغال! هل تطربن قلباً غير قلبنا بهذه الأغاني، وتناغين حباً غير حبنا بهذه الأناشيد؟ لقد كنا ندرك مرامي كلامك، ونجعل مشاعرنا كلها أصداء لرجع أنغامك، ونرهف أسماعنا لالتقاط ما يبدر أحياناً من بليغ شعرك، دون أن نميط الحجاب عن خبيئة سرك! أيتها الطبيعة المجلوة في هذا الخلاء الجميل! متى رقدت أنا وهي تحت صفائح القبر فهل تظلين جامدة أمام موتنا وموت حبنا، توالين حفلاتك وأعيادك، وتواصلين بسماتك وإنشادك؟ ألا تقولين لطيفنا إذا ما رأيتهما يجولان بين رباك وخلواتك، وفيما ألفا من جبالك وغاباتك،

стр. 130

ما يقوله جميع الأصدقاء لإخوانهم القدماء من سرائر القلب ونجاوى الضمير؟ هل تستطيعين أن تري دون أن يلوعك الحزن ويرمضك الأسى شبحينا يطوفان بمواقع خطواتنا، ومواضع خلواتنا، وأن تريها تقودني في عناق مكتئب إلى ينبوع منتحب يئن في خفوت وهمس؟ وإذا ما لجأ عاشقان إلى جوارك، واختفيا عن العواذل تحت ستارك، وخبآ سرورهما بين أزهارك، فهل تسرين إليهما هذه الكلمة: (أيها الراتعان في رياض الحياة! اذكرا من طوح بهما الدهر في قفار الموت!) لعمرك ما هذه المروج والعيون والغابات والسماوات والبحيرات والسهول والحزون إلا عادة مستردة! يعيرنا الله إياها لحظة من الزمن لنضع فيها قلوبنا وأحلامنا وغرامنا ثم يستردها. ثم يطفئ بعد ذلك سراجنا ويدفن في حلك الليل شعاعنا. ثم يوحي إلى الوادي الذي انطبعت فيه صورنا ونفوسنا أن يطمس آثارنا، ويمحو أسماءنا وأخبارنا. لا بأس!! أنسينا أيتها الدار! وانكرينا أيتها الحديقة! ولا تذكرينا يا ظلال! واحتل عتبتنا يا عشب! وغط آثار قدمينا يا عوسج! وغردي أيتها الطيور! وتدفقي أيتها الجداول. وتكاثري أيتها الأوراق. فان الذين طويتم صحيفة ذكرهما لا ينسيان! وكيف ننسى وانتم خيال الحب نفسه! أنتم الواحة التي يلاقيها المسافر في وقدة الصحراء، والخلوة العظمى التي بكينا بها أحرّ بكاء، وكل منا يده في يد الآخر! كل الأهواء تمضي مع العمر. بعضها يحمل نقابه وبعضها يحمل مديته كدبر النحل يسافر جذلان شاديا وجماعته تضمحل وتقل وراء الأكمة. إلا إياك أيها الحب فلا شيء يمحوك! أنت السحر وأنت الفتنة! وسواء أكنت مشعالا بدويا أم مصباحا حضريا فأنت الذي تشرق في العيون وبين الضلوع، وتستولي علينا بالبسمات وخاصة بالدموع! أن الناس في الشباب يلعنونك، ولكنهم في المشيب يعبدونك!

стр. 131

بيت الراعي للشاعر الفرنسي الفريد دفني - ٢ - - ١ - أيها الشعر أيها الكنز. يا جوهرة العقل. أن عواصف القلب كزوابع البحر لن تستطيع أن تعوق رداءك المتعدد الصبغة عن أن يجمع ألوانه، لكن ما أن يراك السوقة وأنت تلمع فوق جبهة نبيلة حتى تضطرب حواسهم لبريق سناك الناصل في أعينهم، الغامض على أفهامهم، فتنطلق ألسنتهم بالنيل منك وقلوبهم تكاد تنخلع من الهلع. - ٢ - إنما يخشى حماسة الإلهام ضعاف النفوس. أولئك الذين لا يقوون على الاستقلال بعبئه والصبر على لظاه. وفيم تنكبه والحياة تضاعفها نيران العاطفة ولكم من قبس الهي تصيبنا ناره من حين إلى حين. تلك هي الشمس وهو الحب وهي الحياة ومع ذلك فهل من يود أن تنطفئ نارها. أننا نعتز بها ونحن ساخطون عليها. - ٣ - لقد أستحقت إلهة الشعر ابتسامات التهكم وإمارات الاستهتار التي يستثيرها مرآها منذ أن اتجهت ببصرها إلى العاهرين فأضطرب مقالها ونزل صدقها منزل الشك وحرم عليها أن تعلم الحكمة وأصبحت اليوم إذا صاحت بعابري الطريق أن أفسحوا أفسح لها السائر في غير هيبة ولا احترام. - ٤ - يالك من فتاة لا عفة لها. يا ليتك صنت وقارك يا سليلة ارفيوس. إذا ما كنت تذهبين إلى حيث لا يليق بك إلى الشوارع وملتقى الطرق تنشدين الأغاني بصوتك المختنق المتهدج. إذا ما كنت تلصقين بجانب فمك باقة الشعر اللاذعة كالذبابة، وبجانب عينك الزرقاء معنى الرمز المستهتر. ٥ - لقد سقطت منذ حداثتك. ففي اليونان أسكرك عجوز بقبلته وكان أول من خلع عنك ثوب

стр. 132

كهنوتك ثم أجلسك على فخذيه بين جماعة من الشبان، ولا يزال على جبينك آثار من غض قبلاته! وفي ولائم هوراس كنت تغنين وأنت تثملين بالشراب، وجاء فولتير فقادك إلى البلاط تحت أبصارنا جميعاً. - ٦ - يالك من قسيسة خبت نارها. هاهم أعظم الناس خطراً لا يضعون على جباههم من تاجك إلا بعضه. هاهم تقف أقدامهم وكأنما يتعثرون في خطاياك حتى أنه لمن الإهانة لأحدهم ألا يكون شاعراً. ينثرون أفكارهم مع رياح المنصة فتدور بها عمياء كالقدر ثم تحملها إلى غير مستقر. - ٧ - متكبرون متعالون في مواقفهم الكاذبة وأن مادت الأرض تحت أقدام أولئك التريبون خطبهم الفانية تتملق الجماهير التي تلتف حولهم وتصفق لعباراتهم أولئك الجماهير الذين يتجددون باستمرار في هذه المسارب الضيقة. هؤلاء النظارة لا يحملون لأولئك الممثلين السياسيين إلا أزهاراً لا رائحة لها وما لها من غد في أغلب الأحيان. - ٨ - ُافْقهم تحده جدران صالتهم حيث يقومون بألعابهم الكاذبة والشعب يسمع عن بعد ضوضاء مجادلاتهم ولكنه لا ينظر إلى تلك الألعاب الا كما ينظر أبناؤه ونساؤه مضطربين إلى ذلك الحدث العجب. آلة البخار ذات المائة ذراع. - ٩ - ترى الفلاح المعتم يسخط عندما يوقف محراثه ويترك فلاحته لينتخب ومع ذلك ها هو أحد محامي اليوم قد استقر في أعماق نفسه احتقار ما نصيبه الخلود. ذلك المحامي الذي يشك في خلود النفس ويعتقد في خلود أقواله هو. أيها الشعر أنه يسخر من رموزك الموقرة وأنت للمفكرين الحقيقيين موضع الحب الذي لا يفنى. - ١٠ - كيف تصان الأفكار العميقة ما لم تتجمع نيرانها في ماستك النقية التي تحفظ سناها المتركز. تلك المرآة الصافية الوهاجة المتينة (بقايا ما يبيد من دول) ذلك الحجر الخالد

стр. 133

الذي تعثر به أقدامنا عندما نبحث عن أنقاض المدن الفانية فلا تجد لها من أثر. - ١١ - أيتها الماسة الفريدة ليضيء شعاعك للعقل الإنساني مواضع خطواته البطيئة المتخلفة. ليضعك الراعي على قمة منزله لكي نستطيع أن نرقب عن بعد الشعوب تطوى سبيلها. لما يصح النهار وما نزال عند أوائل أشعته الفضية التي تسبق بزوغ الفجر وتميز أفق السماء من مستوى الأرض. - ١٢ - ما تكاد الشعوب تفطن لنفسها وسط حشائش العوسج التي نبتت حولها وهي غارقة في سباتها. ها قد أخذت أيديهم المتضافرة تشق سوقها لتضع الجهاز الأول. ما تزال البربرية تمسك أقدامنا في غمدها. وما يزال رخام الأزمنة الساحقة يعلو إلى ما فوق خواصرنا. ما أشبه كل رجل نشيط بالإله (ترميس). - ١٣ - على أن روحنا الوثابة تفيض بالنشاط، فلنشق الحجب عن مكنون قواها والمكنون موجود وان توارى عن النظر. للنفوس عالم تجمعت به كنوزها وان لم نستطع لها لمسا. بين أحضان الله تضام الوجود وفي منطقه تركزت حكمة البشر كما تركزت أجسامنا في فضاء الأرض. محمد عبد الحميد مندور ليسانسيه في الآداب

стр. 134

العُلوم بين الكأس والطاس بقلم الدكتور احمد زكي أستاذ الكيمياء بكلية العلوم الخمر قديمة كالإنسان، خلقها من خلق الهم، وأبدعها من أبدع الحس، وأرادها أن تبقى على الدهور والأحقاب من أراد ألا يكون الكون خيراً كله ولا شراً كله. الخمر لا وطن لها لأن الأرض وطنها، عرفها المصري والفينيقي، والإغريقي والروماني، ويعرفها التركي والألماني، والفرنسي والأمريكي، والخمر لا دين لها فقد اعتنقت جميع الأديان؛ عصرها كهان المجوس، وباركها أحبار اليهود، واتخذها يسوع رمزاً لدمه فعتقها من بعده القسيسون والرهبان، وحرمها الإسلام فاستحلها الخلفاء لما صارت الخلافة ملكا عضوضا. لم يحل لهم أنس إلا بها ولم يطب نغم إلا عليها ولا لذ غزل الا في دبيبها ونشوتها. والخمر لا مدنية لها فقد عرفتها كل المدنيات، عرفتها أبان إشراقها ونشأتها وازدادت بها علما وهي في كبد سمائها وأوج صولتها، ثم غربت على الأكثر فيها كما تغرب الشمس في لجة البحر المحيط. كذلك شربها المدني في كؤوس من ذهب بين عمد المرمر وعلى رنين القيثار، وشربها الوحشي حيث لا كأس غير صحاف القرع ولا عمد غير غاب الغيل، ولا رنين غير زمر القصب وقرع الطبول. وجاءت المدينة الحاضرة بعلمها وعددها، وبطبها وإحصائها وبتجاريبها في الأفراد وتجاريبها في الجماهير، وخرجت على أن لعنة الناس في الخمر وخسرهم في ذوب الرحيق. وتكونت في كل أمة أمة تدعو إلى السبيل الجديدة وتبشر بالرسالة الجديدة باسم العلم وباسم الاقتصاد في قوى العمال لزيادة الإنتاج. وزادت الدعاية حتى أن أمة من اكبر الأمم عددا أكثرها عدة وأحدثها حضارة صوت ناخبوها بتحريم الخمر، فصدر القانون بطلاق بنت الحان، فأغلقت المخامر أهدرت الدنان، وحاطوا أمريكا بسياج ثقيل من عسس يمنع الداء أن يدخل، والداء بالجسم دفين، والجسم قد يعتل من جرثومة تغزوه ولكن اكثر

стр. 135

علته من جرثومة للموت ولدت فيه. وما هي الا سنة فأخرى حتى سالت الخمر في أمريكا سيلان الماء فيها، سدت عليها منافذ الماء، ومهابط السماء، فتفجرت كالزيت من منابع في أرضها، في عقورها ديارها، فعبها الناس اغتراقا، وعبها رجال القانون معهم؛ ومتى أبطل مداد الأوراق ما جرى به مداد الأعراق؟ ولما أصبح القانون، ذلك الشيخ الوقور المهاب، يصفع في السر أقل ويصفع في الجهر أكثر جاء منتخبوهم منذ أسابيع فرحموا الشيخ فعقروه، وهكذا عادت الخمر الشيخة تتهادى إلى عرشها، فلما استقرت فيه نظرت للإنسان فابتسمت وكان من ورائها الأجيال فابتسمن أيضا. وبعد فما الخمر الا الكحول، وهو ماء ولا ماء، ماء في مظهره ونار في مخبره، وقد اتخذ أشكالا عدة، وأسماء عدة فأسموه البيرة أسموه النبيذ وأسموه الوسكي وكل هذه تحويه أن قليلا أو كثيرا وهي تفقد أسماءها بفقده، ومن السخف ما يباع أحيانا بأنه بيرة لا كحول فيها. والبيرة تنتج من تخمير الشعير وبها ما بين ٤ إلى ١٠ في المائة من الكحول ومقدار لا بأس به من أجسام صلبة ذائبة شبه السكر نتجت من تحلل النشاء الذي كان بالشعير. والبيرة المعتادة لونها اصفر وطعمها مرير بسب عشب يضاف إليها. والنبيذ ينتج من تخمير عصير العنب وبه ما بين ٦ إلى ٨ في المائة من الكحول ولونه أحمر ويتعاطاه الكثير من الفرنجة على الطعام كما يتعاطون الماء. وهناك نوع آخر من النبيذ ويسمى البرط وبه ما بين ١٥ إلى ٢٠ في المائة. وبالأنبذة غير الكحول مواد سكرية وحوامض كحامض الطرطير تعطيها طعما ذاعقا. أما حسن طعمها وطيب ريحها اللذان يشيد بهما الشعراء فيرجعان على الأكثر إلى اتحادات بين ما بالأنبذة من حوامض وما بها من كحولات إذ (تتأستر) هذه بتلك فتنتج ما يشبه الزيوت العطرية طعما وطيبا. ويزيد هذا (التأستر) على الزمن، لذلك تختزن الخمر فلا ترى الشمس أحقابا طوالا. قال أبو نواس يتمدحها: عتقت حتى لو اتصلت … بلسان ناطق وفم لأحتبت في القوم ماثلة … ثم قصت قصة الأمم وأما الشمبانيا فهي أخت النبيذ، فأبوهما الكرم، إلا أن لونها أصفر، ويرجع هذا إلى أنهم يعصرون العنب سريعا فلا يمهلون الصبغة التي بقشرته أن تجري في العصير فتخمره،

стр. 136

وغير هذا فانهم يختزنون هذا العصير في أبان تخمره في زجاجات مقفلة سنتين وثلاثا فينحبس بها غاز الكاربون الناشئ من التخمر تحت ضغط كبير، لذا تفور الشمبانيا عند فتحها، ولذا كان طعمها حريفاً كالكازوزة بسبب هذا الغاز ومقدار الكحول الذي بها كالذي بالنبيذ تقريبا. ويوجد عدا هذه من الأشربة الروحية أنواع لا حصر لها يختلف مقدار الكحول الذي بها اختلافا كبيرا، ومن ذلك الوسكي ويحضر من تخمير الحبوب ثم تقطيرها، والكونياك ويحضر بتقطير النبيذ ولذلك ترتفع نسبة الكحول بكليهما إلى ٣٠ و ٦٠ في المائة. ومن الناس من يتخذ من كحول الحريق شرابا وهو يحتوي نحوا من ٩٠ في المائة من الكحول الخالص ويضيفون إليه أصباغا وزيوت تجعله غير سائغ في الحلق، ولكن حلوق الجهال من الفقراء يسوغ فيها كل كريه مر. ويشرب المرء الخمر كائنة ما كانت فتمتص المعدة فالأمعاء الكحول امتصاصا سريعا فيذهب إلى الدم ثم إلى كل غشاء من أغشية الجسم فيحترق فيها إلى غاز الكاربون والماء احتراقا سريعا كذلك، ولا تبقى منه بالجسم بقية، فهو ليس بطعام بالمعنى المعروف ويخرج مقدار من الكحول قد يعلو إلى ٨ في المائة في البول ومن الرئة في التنفس، لذلك تشم رائحته في الفم. ومن الناس من يسترق الشراب ثم يحسب أن رائحته علقت بأشداقه فيغسل فاه حاسبا أنه قد تستر، ويسير في الناس مطمئنا ورئتاه تدفعان بالسر في صوت جهير ابلغ من صوت الشفاه. ويتعاطى الناس الكحول للأثر الذي يكون منه في المخ والأعصاب فأول ما يحدثه نشوة تثور فيها قوى المخ فيشتد الفكر ويحتد الخيال ولكنه فكر ثائر وخيال مضطرب، وتزول عن الإنسان أثناء ذلك الدقة في العمل ويقل ضبطه للأمور فتكثر الأخطاء. قام الأستاذ (دلنج) أستاذ فن العقاقير بجامعة ليفربول بتجارب على زوجه فكان يسقيها مقادير مختلفة من الكحول ويملي عليها قطعا تكتبها على الآلة الكاتبة ويعدّ الأخطاء. وخرج من ذلك على علاقات طريفة بين مقادير الكحول وبين الأخطاء الناتجة دلت في مجموعها على أنه بالرغم من حدة الذهن وسرعة الإلهام تقل قدرة الضبط في الإنسان. قيل لشاعر فكه في ذلك فقال: إذن لا بأس عليّ من الخمر، استوحي بها في الليل، وأصحح أخطاء الوحي بالنهار. ولعل من اجل هذا أن من الشعراء والكتاب من كان لا يكتب إلا إذا شرب، وذلك

стр. 137

مشهور عن الكاتب الإنجليزي المعروف شارلز دكنز، فقد كان لا يكاد يستفيق، كان كالشمعة يضيء للناس وهو يحترق. وتعقب دائما فترة الإيحاء هذه فترة خمود عميق يكل فيها الذهن وتنثلم الحواس. وفعل الخمر بالعواطف يناهض فعلها بالعقل، فمن الناس من يخف به الفرح حتى ليذهب بوقاره، ومنهم من تأتيه الكآبة فلا يكاد يحبس دمعه، ومنهم من يرتاع فيهلع قلبه خوفا وفرقا، ومنهم من يشجع فيغفل عن عواقب الأمور. ومن المثل الأخيرة الجراحون فان منهم من لا يستطيع حمل المشرط إلا إذا نقع حواسه بنقيع إبنة العنب. ولعل هذا ما حدا إلى الجمع بين الخمر وبين كل لذة ولا سيما ما اتصل منها بعاطفة كالغناء والنساء. وهو الذي جمع كذلك بين الخمر وبين كل كآبة، فكم من عزيز قوم تجهمت له الحياة في حب أو وشيجة أو مال فلم يطقها، ولم يطق الموت، فأمات نفسه حيا بالكأس تتلوها الكؤوس. وقد وجدوا أن المستهلك من الشراب يزيد في الضائقات المالية التي تعتري الأمم زيادة كبرى. ولعل اخطر ما في الشراب الإفراط فيه حتى تتأصل عادته. يشرب الشارب فيكثر، ويشرب والمعدة ملأى بالطعام ويشرب وهي خالية فيكون امتصاص الجسم له في الحالة الأخيرة أشد وسريانه أسرع والى المخ أوحى؛ فتقصر فترة الانتعاش الأولى إلى العدم وتسرع الحواس فتغيم والبصر فيتغبش فيرى الواحد اثنين، وتصيت الأذن ويخف الرأس ويضيع الحكم على الأمور ويرغو الفريسة ويزبد وتأخذه رغبة في الشجار والتحطيم، ثم يسقط جسدا هامدا في غشية تتعطل فيها قوى المخ جمعاء إلا النزر اليسير الذي يكفي لإجراء الدم وإخراج الأنفاس، ثم يصحو من نوم عميق محموم الجسد مصدع الرأس فاقد القوى، بالأذن رنين لا يسكت، وبالقلب وجبة لا تسكن، فلا يجد خلاصا من تلك الأعراض المؤلمة إلا بإعادة الجرعة وهي حقا تزيلها وتزيلها سريعا. قال الأعشى: وكأس شربت على لذة … وأخرى تداويت منها بها ولكنه شفاء لا يدوم إلا قليلا، فيأخذ المسكين يتداوى من داء بداء حتى يصبح الشراب عادة أشد تأصلا في أعراقه من تأصل الروح فيها، وتسوء في هذه الأثناء معدته لأن الكحول مهيج شديد لأغشيتها، ويعتريه فيه التهاب مزمن لا تنفع فيه حيلة الأطباء، وتتحلل مادة

стр. 138

كبده فتتليف أو تتدهن؛ وتقل مقاومة الجسم عامة للأمراض، ولكن اخطر من هذا أن المخ يفسد فيصبح صاحبه في اضطراب دائم ورعشة لا تهدأ وإذا هو أتاه النوم العاصي فبأحلام مروعة أروع منها أحلام اليقظة إذ ترى عينيه في الجهرة الجرذان تخرج من الحيطان والزبانية تختبئ له في كل الأركان، وتسمع أذنه الأحياء المتحركة تسبه والأشياء الجوامد تلعنه ويتسابق جسمه وعقله إلى الفناء في منحدر زلق لا تقف الرجل فيه!

стр. 139

القصص على هامش السيرة حفر زمزم للدكتور طه حسين (٢) لا هم قد لبيت من دعاني … وجئت سعي المسرع العجلان ثبت اليقين صادق الأيمان … يتبعني الحارث غير وان جذلان لم يحفل بما يعاني … لا هم فلتصدق لنا الأماني ما لي بما لم ترضه يدان كان صوت عبد المطلب يندفع بهذا الرجز عريضا يملأ الفضاء من حوله، نقيا يكاد يبعث الحنان فيما يحيط به من الأشياء. وكان كل شيء مستقر لا يضطرب فيه الا هذا الصوت العريض النقي وإلا هذه الذراع التي ترتفع بالمعول قوية ثم تهوي بها محتفرة ثم تدعه إلى المسحاة فتغرف بها التراب في المكتل، وإلا هذا الغلام الناشئ يرقب حركة أبيه ويسمع صوته ويرد عليه رجع هذا الصوت كلما وصل في الدعاء إلى هذا البيت. لا هم فلتصدق لنا الأماني حتى إذا امتلأ المكتل حمله بذراعيه الضعيفتين وأسرع بشيء من الجهد إلى خارج المسجد فألقى ما فيه ثم عاد وأبوه يرفع المعول في الجو ويهبط إلى الأرض ويملأ فضاء البيت بصوته النقي العريض والعرق يتصبب على جبينه ولكنه لا يحس جهدا ولا يجد إعياء. وكانت الشمس قد ألقت على الأرض رداءً من النور نقيا ولكنه ثقيل همد له كل شيء وآوى له الناس إلى بيوتهم يقيلون. وانقطعت له الحركة وخفتت الأصوات إلا هذه الجنادب التي يروقها وهج الشمس ويسكرها لهب القيض فتصدح بالغناء إذا سكت كل شيء وقد اخذ الغلام يحس لذع الجوع وحر الضمأ ولكنه لا يقول شيئا بل لا يكاد يفكر في شيء، إنما سمعه وقلبه لصوت أبيه، وعيناه للمكتل والتراب، ونشاطه لإفراغ المكتل إذا امتلأ. وهما في ذلك إذا غلام يسعى قد أرسلته سمراء يحمل إلى الرجل والغلام شيئا من طعام وشراب

стр. 140

حتى إذا انتهى إليهما وضع ثقله وقال: مولاي هذا غداؤك وغداء الصبي قد أعدته سيدتي العامرية هيأته بيدها وهي تعزم عليك لتصيبن منه ولترفقن بنفسك ولترفهن على هذا الصبي الحدث: لقد قال الناس جميعا وهدأ كل شيء لهذا الوهج الذي يصهر الأبدان ويحرق الجلود وأنت فيما أنت فيه من جد يضني وجهد يهلك لا تقيل ولا تستريح ولا تريح هذا الطفل الذي لم يتعود الجهد والعناء. بعض هذا يبلغك ما تريد. ولكن عبد المطلب لم يسمع للغلام إلا بأذن معرضة، ولم يستقبله إلا بوجه مشيح، إنما هو ماض في رجزه واضطراب يده بالمعول ارتفاعا في الجو وهبوطا إلى الأرض، والصبي يتبعه بسمعه وقلبه، ولكن عينه ربما اختلست نظرة قصيرة ملؤها الجوع والظمأ والنهم إلى هذه السلة وما فيها. وربما وقف ذهنه الصغير عن متابعة أبيه وانصرف إلى ما في هذه السلة يعدده ويحصيه ويتمثله. أن فيها لشواء غريضاً وأن فيها للبناً يمازجه عسل هذيل الذي حمله خاله فيما حمل من هدايا البادية حين أقبل يزور أخته منذ أيام. وأن فيها لماء عذبا ومن يدري؟. لعل سمراء قد نقعت فيه شيئا من زبيب الطائف، فأنها تجيد ذلك وتحسنه. وعبد المطلب ماض في رجزه وفي حركة يديه بالمعول والمسحاة وقد امتلأ المكتل فيهم الصبي أن يحمله ليلقي ما فيه ويدنو الغلام يريد أن يعينه في ذلك. ولكن عبد المطلب ينهره نهرا عنيفا (إليك يا غلام فما لهذا الأمر إلا عبد المطلب وأبنه). ويمضي الصبي بالمكتل ويعود، ولكن الرجز قد أنقطع وذراع عبد المطلب لا تضطرب بالمعول صعودا وهبوطا، وإنما هو مطرق إلى الحفرة ينظر فيها فيطيل النظر ثم يرفع بصره إلى السماء فيطيل رفعه ثم، يدير عينه من حوله كأنه يريد أن يلتمس شيئا أو أن يلتمس أحداً. ثم يدعو ابنه في صوت ملؤه الدهش والحيرة والرضى والإشفاق: (هلم يا حار أنظر هل ترى ماء؟ - كلا يا أبت وإنما أرى ذهبا وسلاحا - ومع ذلك فلم أوعد بذهب ولا سلاح، وإنما وعدت بالماء لسقي الحجيج: أن وراء هذا الأمر لسرا. ولكن هلم يا بني فما أرى الا أن الظمأ والجوع قد أجهداك). وأقبل الرجل وابنه على السلة فأصابا مما فيها ذاهلين واجمين ما أحسب أنهما وجدا لما يصيبان طعماً وأحسا له ذوقا، يصرفهما عنه هذا الذهب الذي يتوهج في الحفرة وهذا السلاح الذي يظهر أنه كثير ثقيل. حتى إذا فرغا من طعامهما عاد عبد المطلب إلى الحفرة

стр. 141

فيستخرج ما فيها فإذا غزالان من ذهب نقي ثقيل وإذا سيوف ودروع. فيكبر ويرفع صوته بالتكبير ويسرع إليه أفراد قليلون كانوا قد بدءوا يفدون إلى المسجد كدأب قريش حين كانت تخف وطأة القيظ. فإذا رأوا هذا الكنز دهشوا ثم تصايحوا ثم يفيض الخبر فيتجاوز المسجد وإذا شباب قريش وشيوخها يقبلون سراعاً مزدحمين يسرع ببعضهم حب الاستطلاع ويسرع ببعضهم الآخر الطمع في الغنيمة ويسرع بفريق منهم باعث ديني غامض فيه خوف وفيه رجاء وفيه إكبار للآلهة وتوقع للمعجزة الخارقة. حتى إذا توافوا جميعا واستوثقوا من أن عبد المطلب قد وجد كنزاً وعرفوا حقيقة هذا الكنز وقوموا ذهبه الخالص وصناعته البارعة وما فيه من سيوف ودروع أداروا أمرهم بينهم. لمن يكون الكنز؟ قال هشام بن المغيرة إنما هو لقريش فقد وجد في المسجد وكل ما وجد داخل الحرم في أرض عامة فهو لقريش. وقال حرب بن أمية: إنما هو لبني عبد مناف فهم الذين إحتفروا وهم الذين ظفروا وما ينبغي لقريش أن تغلبنا على خير ساقته إلينا الآلهة. وتنازع القوم وطال النزاع واختصم القوم واشتدت الخصومة وعبد المطلب صامت مطرق لا ينطق بكلمة ولا يأتي بحركة. هنالك صاح به حرب: ما لك لا تقول وأنت الذي وجد الكنز وأنت احقنا بان ترى رأيك فيه!. قال عبد المطلب في هدوء وأناة ما ينبغي أن يكون الكنز لأحد حتى نستشير الآلهة فما حفرت ولا ظفرت الا بأمر خفي وما أرى إلا أن للآلهة في ذلك إرادة وقدرا لا نبلغهما حتى نسأل الكهان. هنالك وجمت قريش وغضب بنو عبد مناف وأنكروا جميعا في أنفسهم أن يشرك عبد المطلب معهم الآلهة في هذا الكنز الدفين. ولكنهم لم يقولوا شيئا وما كان لهم أن يقولوا شيئا! ومن الذي يستطيع أن يرد قضاء الآلهة؟ حمل الكنز إذن إلى الكعبة وأقبل القوم إلى الكاهن يسألونه أن يضرب بالقداح وها هو ذا يضرب بقداحه ثم يضرب ثم يضرب بين قريش والكعبة فتخرج القداح للكعبة ثلاثا ويصيح عبد المطلب لقد ظهر قضاء الله فليكن ما أراد! تفرقوا يا معشر قريش. . تفرقوا يا بني عبد مناف فليس لأحد منكم في هذا الكنز نصيب. أما هذا الذهب فسيضرب صفائح على باب الكعبة، وأما هذه السيوف فستعلق عليها، وأما هذه الدروع فستدخر في خزائنها. ثم ألتفت إلى أبنه وقال هلم يا حارث اتبعني لنمض فيما كنا فيه. وتفرقت قريش وفي صدورها غل وحنق. ولكن ثلاثة نفر من أهل الظواهر أنتحوا ناحية وأقاموا يرددون الطرف بين الكنز والكعبة وعبد

стр. 142

المطلب. ثم انصرفوا وقد فهم بعضهم بعضا. وأصبح الناس ذات يوم وإذا الكعبة قد جردت مما علق عليها من ذهب وسلاح. وراح عبد المطلب مع المساء إلى أهله محزونا مكدودا راضيا مع ذلك لم يفارق قلبه الأمل. فاستقبلته سمراء فاترة لم تسع إليه ولم تبتسم له. ولكنها لم تعرض عنه ولم تتجهم له. فلما سألها عن هذا الفتور أطالت الصمت وألح في السؤال. قالت: وبم تريد أن ابتهج ولم تريد أن ابتسم؟ لقد علمت منذ زفني أبي إليك أني قد تزوجت رجلا لا كالرجل. لقد أحببتك ولكني أنكرتك. لقد أملت فيك ويئست منك. ثم عاد إلى الأمل أول أمس ثم ها أنت ذا ترد إلى اليأس مظلما حالكا قبيح الوجه بشع المنظر كأنه الغول. ماذا!؟ يأم بك الطائف أربع ليال يهيب بك ويلح عليك رامزا حينا مصرحا حينا مصراً دائماً حتى إذا أذعنت لأمره وانتهيت إلى ما سيق إليك من خير وادخر لك في الأرض من غنى زهدت فيه وانصرفت عنه وأشفقت أن تسلمه إلى قريش أو إلى عبد مناف. فيقال (ألقى بيده ونزل عن غنيمته فصرفت ذلك عنك وعنهم إلى هذه البنية تحليها بالذهب وتعزها بالسلاح! وماذا تصنع الأحجار القائمة بذهبك وسلاحك!؟ لله أنتم يا معشر قريش!؟ أنكم لتكبرون من هذا البناء المنصوب ما لا نكبر نحن في البادية ولولا حاجاتنا ومنافعنا لما هبطنا إلى بطاحكم هذه حاجين ولا معتمرين ولكنكم قوم ضعاف تكبرون ما لا يكبر ويغركم أن أفئدة الناس تهوي إليكم تحسبونهم يقبلون إليكم بالدين وينصرفون عنكم بالطاعة، وإنما يقبلون عليكم بما عندهم من عروض. وينصرفون عنكم بما تحملون لهم من الآفاق. هلا طاولت قريشا وانتظرت بهذا الكنز حتى تروح إلى، لقد كان فيه غنى لك ولهذا الصبي الذي تعنيه وتضنيه منذ ألم بك ذلك الطائف. هلا تريثت أو اصطنعت الأناة إذا لاحتويت الكنز ولأصبحت أغنى قريش وأكثرهم مالا ولما استطاعوا بنو عبد شمس أن يكاثروك بما يملأ خزائنها من الدراهم والدنانير. إذا لأقبلت إليك بنو عامر بقوتها وبأسها فأعزتك ومنعتك من قريش ولكنك أشفقت وملأ قلبك الفرق وعبثت بنفسك بقية من كبرياء فأفقرت نفسك وقضيت على ابنك هذا أن يكون دون بني حرب ثروة ومالا. قال عبد المطلب محزونا: هوني عليك يا سمراء وأقلي اللوم فما أرى أنك تفقهين مما ترين شيئا. لا أحب لوجهك هذا النضر أن تعلوه غيرة الحرص على المال وما أحب لصوتك هذا العذب أن تشوبه مرارة

стр. 143

الحديث عن المال. وما أرضى لك وإن نسلتك أشراف بني عامر أن تغضي من أمر قريش. أن فيكم أهل البادية لطباعاً غلاظاً ونفوساً يملؤها الطمع أنتم لا تحسون الدين ولا تقدرون الغيب ولا تؤمنون الا بما ترون ولا تخافون الا القوة الظاهرة. لقد كنت احسب أن مقامك الطويل بمكة قد غير نفسك بعض الشيء فإذا أنت اليوم كما كنت يوم أنحدرت من بادية نجد إلى هذه البطحاء. هوني عليك ولا تشغلي نفسك بما لست منه في قليل ولا كثير. لقد أمرني الطائف أن أحتفر ووعدني أن أجد الماء لأسقي الحجيج لا أن أجد الذهب لأغنيك وادخل الخصب على بني عامر. فليس هذا الذهب لي ولا لقريش وإنما مخبوء لأمر يراد وأني لمن قوم لا يحبون الغصب ولا يستأثرون بما ليس لهم ولا يعقدون الحقوق، فان تكن غلظة الأعراب وجفوة البادية وجحودها قد شاقنك فذمي رحالك غداً وألمي بأهلك فهم أحق بك وأدنى إليك. قال ذلك ونهض مغضبا وتركها واجمة بهذا الحديث العنيف تقاوم غيظا لم يلبث أن استحال إلى دموع غلاظ تحدرت على خديها كأنها لؤلؤ العقد قد خانه النظام. وارتفع صوت عبد المطلب بالتكبير حتى امتلأ به المسجد وفاض من حوله وحتى اضطربت له مجالس قريش في أفناء البيت فخف الناس إليه وهم يقولون: ما نرى ابن هاشم هذا إلا مطروقا يلقى من الجن شططا ويريد أن نلقى منه شططا. اقبلوا إليه سراعاً يزدحمون وقد آلى أشرافهم لئن وجدوه قد ظفر بكنز أو عثر على غنيمة ليغلبنه عليها وليعطنه منها نصيب رجل من قريش وانتهوا إليه. وهو يكبر ويصيح هذا طي إسماعيل هذه بئر زمزم، هذه سقاية الحاج، لقد صدق الوعد وتحقق الأمل. فنظروا فإذا عبد المطلب قد وجد الماء، وإذا هو يستقي فيشرب ويسقي ابنه، ويرسل الماء بيديه من حوله كأنه يريد أن يسقي الأرض والهواء والناس. هنالك ابتسموا له ورفقوا به وقالوا: لقد بررت بقومك يا شيبة وانبطت لهم هذا الماء يستقون منه إذ ضنت عليهم الينابيع فوصلتك رحم، لتعرفن لك قريش هذه اليد. قال ما أنتم وذاك؟ هذه بئري قد حفرتها، وكشفت طيها بأمر هبط إلى من السماء. وهذا شرب ساقه الله إلى سأسقيكم منه أن أردت. ولكني اسقي الحجيج منه قبل أن أسقيكم فبذلك أمرت وأنا على ذلك قائم. قالوا يا ابن هاشم أنك لتسرف على نفسك. وتشط على قومك وتختلق إلى السماء. أن هذه الأرض ليست لك

стр. 144

وإنما هي لله ثم لقريش، وأن كل ما وجد فيها فهو لله ثم لقريش، وإنا لم نشهد أمر السماء حين تنزل إليك ومتى تنزل أمر السماء على الناس إلا من طريق الكهان. فأين الكاهن الذي أمرك أن تحتفر؟ قال: يا قوم خلوا بيني وبين الماء. فوالله لن تبلغوا مني شيئا أنكم تكثرونني بعددكم وعديدكم. ولكن الذي أمرني باستنباط هذا الماء حري أن يردعني كيدكم ويحميني من ظلمكم. أنكم تستضعفونني حين ترون أني أبو واحد ولكن الذي سخرني لهذا الأمر خليق أن يمنحني من الولد من أكاثركم به وأني اقسم لئن منحني من الولد عشرة ذكورا أراهم بين يدي لأضحين له بواحد. وسمع بنو عبد مناف مقالة عبد المطلب فثارت نفوسهم وتعصبوا له وقاموا من دونه يردون عنه عدوان قريش وكاد الشر أن يقع بين القوم ولكن عبد المطلب قال: يا قوم فيم قطع الأرحام وحفر الذمم وإراقة الدماء؟ أني والله ما أوثر نفسي من دونكم بشيء فإن أبيتم أن تؤمنوا لي فهلم إلى حكم فليقض بيننا. قال الملأ من قريش لقد أنصفكم ابن أخيكم من نفسه. فليكف بعضكم عن بعض ولنحتكم إلى كاهنة بني سعد هذيم فما نعرف أبصر منها بمواقع الحكم. وكانت قافلة قريش تتجهز للرحلة إلى الشام فاجمع القوم أن يصحبها رسلهم إلى الكاهنة في معان. فلما فصلت العير صحبها عبد المطلب في عشرين من بني عبد مناف وأرسلت قريش معها عشرين من بطونها المختلفة ومضى القوم ترفعهم النجاد وتحطهم الوهاد حتى طال بهم السفر ونفد ما كان معهم من ماء واشتد بهم الظمأ واحرق أكبادهم الصدى وغدوا ذات يوم في فلاة مبسوطة يحار بها الطرف دون أن يهتدي إلى أمد ليس فيها عين ولا بئر ولا شجرة ولا عشب وإنما هي ارض ملساء جرداء تقع عليها أشعة الشمس الملتهبة فتلهبها تحت الأقدام وقد يئس القوم من كل روح وقنطوا من كل وجهة فاجتمعوا يتشاورون. قال قائل منهم يا قوم إنما هو الموت فانتم بين اثنتين: أما أن تموتوا ضيعة وتصبح أجسامكم نهباً لسباع الأرض والجو لا تواريكم يد في التراب ولا تؤوي نفوسكم إلى جدث تطمئن فيه وأما أن يقوم بعضكم على بعض ويواري بعضكم بعضا فيكوم لكل منكم حفرته وتعرف نفوسكم إذا هامت في الفضاء الواسع وألمت بأهلها في بطاح مكة وظواهرها كيف تهتدي إلى أجسادها فتلم بها وتسكن إليها. والرأي أن يحتفر كل منكم حفرته، وان تقيموا فأيكم ذهب الصدى بنفسه ورآه أصحابه وبكوا عليه. فلا يذهب منكم ضيعة إلا رجل واحد تمتد

стр. 145

به الحياة إلى أقصى أجل. قال ذلك قائلهم ونهض فأخذ يحفر حفرته. وتناقل القوم بعض الشيء يفكرون في أولادهم وآخرتهم ويذكرون مكة ومن تركوا فيها من أهل وولد ومال. ويذكرون الشام وينظرون إلى ما كانوا يحملون إليها من تجارة ويفكرون فيما كانوا ينتظرون أن يحققوا فيها من ربح. وتقدم رسل قريش إلى الكاهنة يتلاومون في البئر وفي خصومتهم لصاحب الحق. ثم ينهضون والموت يثقل نفوسهم فيعمد كل منهم إلى سنان يخط به حفرته في الأرض. كل ذلك وعبد المطلب ساكت ساكن لا يقول ولا يومئ ولكنه نهض فجأة وقال بصوته العذب العريض: (يا معشر قريش ما أعجزكم! ها أنتم أولاء تلقون بأيديكم وتنتظرون الموت وتقطعون ما بينكم وبين أهلكم وولدكم من أسباب الحياة، وان فيكم لبقية من قوة وان في ابلكم القدرة على الحركة وفضلا من النشاط لا والله ما أنا بمسلم نفسي للموت حتى يكرهني عليها، هلم فاضربوا في هذه الأرض فلعل الله أن يجد لكم من هذا الضيق فرجا) ووقعت ألفاظ عبد المطلب هذه من نفوس الناس موقع الغيث وإذا الآمال تحيا. وإذا النشاط يتجدد وإذا القوم ينهضون إلى رواحلهم وإذا هم يؤثرون أن يتخطفهم الموت على أن يسعوا هم إليه وينهض عبد المطلب إلى راحلته حتى إذا جلس عليها وزجرها نهضت به وهمت لتندفع ولكن ماذا! ماذا يسمع القوم؟ ماذا يرون؟ هذا عبد المطلب يصيح بأعلى صوته مكبرا وهم يلتفتون فإذا عين غزيرة قد أنفجرت تحت خف الراحلة وإذا هي تفور وإذا الماء ينبسط من حولها فينقع غلة الأرض المحترقة قبل أن ينقع غلة القوم الظماء!. هلم يا معشر قريش إلى الماء الرواء! قد فجره الله لكم من الصخر الصلد. هلم فاشربوا واسقوا ابلكم وأملأوا مزادكم هلم فانعموا بهذا الماء الصافي النقي البارد في هذه الفلاة القاتمة المحرقة. والقوم يضجون بالرضى والغبطة وأن للإبل من حولهم لأطيطاً ملؤه الرضى والغبطة أيضاً. ومن ذا الذي زعم أن نفوس الناس وحدها هي التي تجد اللذة والألم وتشعر بالسرور والحزن، روى الناس ورويت الإبل، ورويت الأرض وقالت رسل قريش لعبد المطلب عد بنا يا شيبة إلى مكة فقد قضي علينا وان الذي سقاك في هذه الصحراء وأنقذنا بك من الهلاك هو الذي سقاك في مكة وساق إليك ما تروي به الحجيج.
следующие страницы →