← Адаб

Адаб · id 29674

مجلة الرسالة

أحمد حسن الزيات

Полный текст (65 431 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فيستخرج ما فيها فإذا غزالان من ذهب نقي ثقيل وإذا سيوف ودروع. فيكبر ويرفع صوته بالتكبير ويسرع إليه أفراد قليلون كانوا قد بدءوا يفدون إلى المسجد كدأب قريش حين كانت تخف وطأة القيظ. فإذا رأوا هذا الكنز دهشوا ثم تصايحوا ثم يفيض الخبر فيتجاوز المسجد وإذا شباب قريش وشيوخها يقبلون سراعاً مزدحمين يسرع ببعضهم حب الاستطلاع ويسرع ببعضهم الآخر الطمع في الغنيمة ويسرع بفريق منهم باعث ديني غامض فيه خوف وفيه رجاء وفيه إكبار للآلهة وتوقع للمعجزة الخارقة. حتى إذا توافوا جميعا واستوثقوا من أن عبد المطلب قد وجد كنزاً وعرفوا حقيقة هذا الكنز وقوموا ذهبه الخالص وصناعته البارعة وما فيه من سيوف ودروع أداروا أمرهم بينهم. لمن يكون الكنز؟ قال هشام بن المغيرة إنما هو لقريش فقد وجد في المسجد وكل ما وجد داخل الحرم في أرض عامة فهو لقريش. وقال حرب بن أمية: إنما هو لبني عبد مناف فهم الذين إحتفروا وهم الذين ظفروا وما ينبغي لقريش أن تغلبنا على خير ساقته إلينا الآلهة. وتنازع القوم وطال النزاع واختصم القوم واشتدت الخصومة وعبد المطلب صامت مطرق لا ينطق بكلمة ولا يأتي بحركة. هنالك صاح به حرب: ما لك لا تقول وأنت الذي وجد الكنز وأنت احقنا بان ترى رأيك فيه!. قال عبد المطلب في هدوء وأناة ما ينبغي أن يكون الكنز لأحد حتى نستشير الآلهة فما حفرت ولا ظفرت الا بأمر خفي وما أرى إلا أن للآلهة في ذلك إرادة وقدرا لا نبلغهما حتى نسأل الكهان. هنالك وجمت قريش وغضب بنو عبد مناف وأنكروا جميعا في أنفسهم أن يشرك عبد المطلب معهم الآلهة في هذا الكنز الدفين. ولكنهم لم يقولوا شيئا وما كان لهم أن يقولوا شيئا! ومن الذي يستطيع أن يرد قضاء الآلهة؟ حمل الكنز إذن إلى الكعبة وأقبل القوم إلى الكاهن يسألونه أن يضرب بالقداح وها هو ذا يضرب بقداحه ثم يضرب ثم يضرب بين قريش والكعبة فتخرج القداح للكعبة ثلاثا ويصيح عبد المطلب لقد ظهر قضاء الله فليكن ما أراد! تفرقوا يا معشر قريش. . تفرقوا يا بني عبد مناف فليس لأحد منكم في هذا الكنز نصيب. أما هذا الذهب فسيضرب صفائح على باب الكعبة، وأما هذه السيوف فستعلق عليها، وأما هذه الدروع فستدخر في خزائنها. ثم ألتفت إلى أبنه وقال هلم يا حارث اتبعني لنمض فيما كنا فيه. وتفرقت قريش وفي صدورها غل وحنق. ولكن ثلاثة نفر من أهل الظواهر أنتحوا ناحية وأقاموا يرددون الطرف بين الكنز والكعبة وعبد

стр. 142

المطلب. ثم انصرفوا وقد فهم بعضهم بعضا. وأصبح الناس ذات يوم وإذا الكعبة قد جردت مما علق عليها من ذهب وسلاح. وراح عبد المطلب مع المساء إلى أهله محزونا مكدودا راضيا مع ذلك لم يفارق قلبه الأمل. فاستقبلته سمراء فاترة لم تسع إليه ولم تبتسم له. ولكنها لم تعرض عنه ولم تتجهم له. فلما سألها عن هذا الفتور أطالت الصمت وألح في السؤال. قالت: وبم تريد أن ابتهج ولم تريد أن ابتسم؟ لقد علمت منذ زفني أبي إليك أني قد تزوجت رجلا لا كالرجل. لقد أحببتك ولكني أنكرتك. لقد أملت فيك ويئست منك. ثم عاد إلى الأمل أول أمس ثم ها أنت ذا ترد إلى اليأس مظلما حالكا قبيح الوجه بشع المنظر كأنه الغول. ماذا!؟ يأم بك الطائف أربع ليال يهيب بك ويلح عليك رامزا حينا مصرحا حينا مصراً دائماً حتى إذا أذعنت لأمره وانتهيت إلى ما سيق إليك من خير وادخر لك في الأرض من غنى زهدت فيه وانصرفت عنه وأشفقت أن تسلمه إلى قريش أو إلى عبد مناف. فيقال (ألقى بيده ونزل عن غنيمته فصرفت ذلك عنك وعنهم إلى هذه البنية تحليها بالذهب وتعزها بالسلاح! وماذا تصنع الأحجار القائمة بذهبك وسلاحك!؟ لله أنتم يا معشر قريش!؟ أنكم لتكبرون من هذا البناء المنصوب ما لا نكبر نحن في البادية ولولا حاجاتنا ومنافعنا لما هبطنا إلى بطاحكم هذه حاجين ولا معتمرين ولكنكم قوم ضعاف تكبرون ما لا يكبر ويغركم أن أفئدة الناس تهوي إليكم تحسبونهم يقبلون إليكم بالدين وينصرفون عنكم بالطاعة، وإنما يقبلون عليكم بما عندهم من عروض. وينصرفون عنكم بما تحملون لهم من الآفاق. هلا طاولت قريشا وانتظرت بهذا الكنز حتى تروح إلى، لقد كان فيه غنى لك ولهذا الصبي الذي تعنيه وتضنيه منذ ألم بك ذلك الطائف. هلا تريثت أو اصطنعت الأناة إذا لاحتويت الكنز ولأصبحت أغنى قريش وأكثرهم مالا ولما استطاعوا بنو عبد شمس أن يكاثروك بما يملأ خزائنها من الدراهم والدنانير. إذا لأقبلت إليك بنو عامر بقوتها وبأسها فأعزتك ومنعتك من قريش ولكنك أشفقت وملأ قلبك الفرق وعبثت بنفسك بقية من كبرياء فأفقرت نفسك وقضيت على ابنك هذا أن يكون دون بني حرب ثروة ومالا. قال عبد المطلب محزونا: هوني عليك يا سمراء وأقلي اللوم فما أرى أنك تفقهين مما ترين شيئا. لا أحب لوجهك هذا النضر أن تعلوه غيرة الحرص على المال وما أحب لصوتك هذا العذب أن تشوبه مرارة

стр. 143

الحديث عن المال. وما أرضى لك وإن نسلتك أشراف بني عامر أن تغضي من أمر قريش. أن فيكم أهل البادية لطباعاً غلاظاً ونفوساً يملؤها الطمع أنتم لا تحسون الدين ولا تقدرون الغيب ولا تؤمنون الا بما ترون ولا تخافون الا القوة الظاهرة. لقد كنت احسب أن مقامك الطويل بمكة قد غير نفسك بعض الشيء فإذا أنت اليوم كما كنت يوم أنحدرت من بادية نجد إلى هذه البطحاء. هوني عليك ولا تشغلي نفسك بما لست منه في قليل ولا كثير. لقد أمرني الطائف أن أحتفر ووعدني أن أجد الماء لأسقي الحجيج لا أن أجد الذهب لأغنيك وادخل الخصب على بني عامر. فليس هذا الذهب لي ولا لقريش وإنما مخبوء لأمر يراد وأني لمن قوم لا يحبون الغصب ولا يستأثرون بما ليس لهم ولا يعقدون الحقوق، فان تكن غلظة الأعراب وجفوة البادية وجحودها قد شاقنك فذمي رحالك غداً وألمي بأهلك فهم أحق بك وأدنى إليك. قال ذلك ونهض مغضبا وتركها واجمة بهذا الحديث العنيف تقاوم غيظا لم يلبث أن استحال إلى دموع غلاظ تحدرت على خديها كأنها لؤلؤ العقد قد خانه النظام. وارتفع صوت عبد المطلب بالتكبير حتى امتلأ به المسجد وفاض من حوله وحتى اضطربت له مجالس قريش في أفناء البيت فخف الناس إليه وهم يقولون: ما نرى ابن هاشم هذا إلا مطروقا يلقى من الجن شططا ويريد أن نلقى منه شططا. اقبلوا إليه سراعاً يزدحمون وقد آلى أشرافهم لئن وجدوه قد ظفر بكنز أو عثر على غنيمة ليغلبنه عليها وليعطنه منها نصيب رجل من قريش وانتهوا إليه. وهو يكبر ويصيح هذا طي إسماعيل هذه بئر زمزم، هذه سقاية الحاج، لقد صدق الوعد وتحقق الأمل. فنظروا فإذا عبد المطلب قد وجد الماء، وإذا هو يستقي فيشرب ويسقي ابنه، ويرسل الماء بيديه من حوله كأنه يريد أن يسقي الأرض والهواء والناس. هنالك ابتسموا له ورفقوا به وقالوا: لقد بررت بقومك يا شيبة وانبطت لهم هذا الماء يستقون منه إذ ضنت عليهم الينابيع فوصلتك رحم، لتعرفن لك قريش هذه اليد. قال ما أنتم وذاك؟ هذه بئري قد حفرتها، وكشفت طيها بأمر هبط إلى من السماء. وهذا شرب ساقه الله إلى سأسقيكم منه أن أردت. ولكني اسقي الحجيج منه قبل أن أسقيكم فبذلك أمرت وأنا على ذلك قائم. قالوا يا ابن هاشم أنك لتسرف على نفسك. وتشط على قومك وتختلق إلى السماء. أن هذه الأرض ليست لك

стр. 144

وإنما هي لله ثم لقريش، وأن كل ما وجد فيها فهو لله ثم لقريش، وإنا لم نشهد أمر السماء حين تنزل إليك ومتى تنزل أمر السماء على الناس إلا من طريق الكهان. فأين الكاهن الذي أمرك أن تحتفر؟ قال: يا قوم خلوا بيني وبين الماء. فوالله لن تبلغوا مني شيئا أنكم تكثرونني بعددكم وعديدكم. ولكن الذي أمرني باستنباط هذا الماء حري أن يردعني كيدكم ويحميني من ظلمكم. أنكم تستضعفونني حين ترون أني أبو واحد ولكن الذي سخرني لهذا الأمر خليق أن يمنحني من الولد من أكاثركم به وأني اقسم لئن منحني من الولد عشرة ذكورا أراهم بين يدي لأضحين له بواحد. وسمع بنو عبد مناف مقالة عبد المطلب فثارت نفوسهم وتعصبوا له وقاموا من دونه يردون عنه عدوان قريش وكاد الشر أن يقع بين القوم ولكن عبد المطلب قال: يا قوم فيم قطع الأرحام وحفر الذمم وإراقة الدماء؟ أني والله ما أوثر نفسي من دونكم بشيء فإن أبيتم أن تؤمنوا لي فهلم إلى حكم فليقض بيننا. قال الملأ من قريش لقد أنصفكم ابن أخيكم من نفسه. فليكف بعضكم عن بعض ولنحتكم إلى كاهنة بني سعد هذيم فما نعرف أبصر منها بمواقع الحكم. وكانت قافلة قريش تتجهز للرحلة إلى الشام فاجمع القوم أن يصحبها رسلهم إلى الكاهنة في معان. فلما فصلت العير صحبها عبد المطلب في عشرين من بني عبد مناف وأرسلت قريش معها عشرين من بطونها المختلفة ومضى القوم ترفعهم النجاد وتحطهم الوهاد حتى طال بهم السفر ونفد ما كان معهم من ماء واشتد بهم الظمأ واحرق أكبادهم الصدى وغدوا ذات يوم في فلاة مبسوطة يحار بها الطرف دون أن يهتدي إلى أمد ليس فيها عين ولا بئر ولا شجرة ولا عشب وإنما هي ارض ملساء جرداء تقع عليها أشعة الشمس الملتهبة فتلهبها تحت الأقدام وقد يئس القوم من كل روح وقنطوا من كل وجهة فاجتمعوا يتشاورون. قال قائل منهم يا قوم إنما هو الموت فانتم بين اثنتين: أما أن تموتوا ضيعة وتصبح أجسامكم نهباً لسباع الأرض والجو لا تواريكم يد في التراب ولا تؤوي نفوسكم إلى جدث تطمئن فيه وأما أن يقوم بعضكم على بعض ويواري بعضكم بعضا فيكوم لكل منكم حفرته وتعرف نفوسكم إذا هامت في الفضاء الواسع وألمت بأهلها في بطاح مكة وظواهرها كيف تهتدي إلى أجسادها فتلم بها وتسكن إليها. والرأي أن يحتفر كل منكم حفرته، وان تقيموا فأيكم ذهب الصدى بنفسه ورآه أصحابه وبكوا عليه. فلا يذهب منكم ضيعة إلا رجل واحد تمتد

стр. 145

به الحياة إلى أقصى أجل. قال ذلك قائلهم ونهض فأخذ يحفر حفرته. وتناقل القوم بعض الشيء يفكرون في أولادهم وآخرتهم ويذكرون مكة ومن تركوا فيها من أهل وولد ومال. ويذكرون الشام وينظرون إلى ما كانوا يحملون إليها من تجارة ويفكرون فيما كانوا ينتظرون أن يحققوا فيها من ربح. وتقدم رسل قريش إلى الكاهنة يتلاومون في البئر وفي خصومتهم لصاحب الحق. ثم ينهضون والموت يثقل نفوسهم فيعمد كل منهم إلى سنان يخط به حفرته في الأرض. كل ذلك وعبد المطلب ساكت ساكن لا يقول ولا يومئ ولكنه نهض فجأة وقال بصوته العذب العريض: (يا معشر قريش ما أعجزكم! ها أنتم أولاء تلقون بأيديكم وتنتظرون الموت وتقطعون ما بينكم وبين أهلكم وولدكم من أسباب الحياة، وان فيكم لبقية من قوة وان في ابلكم القدرة على الحركة وفضلا من النشاط لا والله ما أنا بمسلم نفسي للموت حتى يكرهني عليها، هلم فاضربوا في هذه الأرض فلعل الله أن يجد لكم من هذا الضيق فرجا) ووقعت ألفاظ عبد المطلب هذه من نفوس الناس موقع الغيث وإذا الآمال تحيا. وإذا النشاط يتجدد وإذا القوم ينهضون إلى رواحلهم وإذا هم يؤثرون أن يتخطفهم الموت على أن يسعوا هم إليه وينهض عبد المطلب إلى راحلته حتى إذا جلس عليها وزجرها نهضت به وهمت لتندفع ولكن ماذا! ماذا يسمع القوم؟ ماذا يرون؟ هذا عبد المطلب يصيح بأعلى صوته مكبرا وهم يلتفتون فإذا عين غزيرة قد أنفجرت تحت خف الراحلة وإذا هي تفور وإذا الماء ينبسط من حولها فينقع غلة الأرض المحترقة قبل أن ينقع غلة القوم الظماء!. هلم يا معشر قريش إلى الماء الرواء! قد فجره الله لكم من الصخر الصلد. هلم فاشربوا واسقوا ابلكم وأملأوا مزادكم هلم فانعموا بهذا الماء الصافي النقي البارد في هذه الفلاة القاتمة المحرقة. والقوم يضجون بالرضى والغبطة وأن للإبل من حولهم لأطيطاً ملؤه الرضى والغبطة أيضاً. ومن ذا الذي زعم أن نفوس الناس وحدها هي التي تجد اللذة والألم وتشعر بالسرور والحزن، روى الناس ورويت الإبل، ورويت الأرض وقالت رسل قريش لعبد المطلب عد بنا يا شيبة إلى مكة فقد قضي علينا وان الذي سقاك في هذه الصحراء وأنقذنا بك من الهلاك هو الذي سقاك في مكة وساق إليك ما تروي به الحجيج.

стр. 146

وأقبل البشير على سمراء ينبئها بأن زوجها قد عاد إليها سالما موفوراً مظفراً. فقالت وعلى ثغرها ابتسامة الكئيب المحزون: (حبذا شيبة مسافراً وحبذا شيبة مقيماً! ولكن شيبة لن يخلص لي منذ اليوم. أنه لا يريد كثرة الولد. وأي نساء قريش تستطيع أن تمتنع عليه). ثم أشرقت شمس الغد على عبد المطلب وهو يسعى إلى عمر بن عائذ المخزومي ليخطب إليه فاطمة وهي أم جماعة من ولده بينهم عبد الله.

стр. 147

قصة عراقية صديق الكلاب بقلم احمد حسن الزيات شرب عبد الواحد وسقانا ثلاثة أقداح من الشاي المعطر. ثم أطلق من حنجرته القوية جشأة طويلة عريضة كخوار العجل، ثم حضأ النار بأنامله وشيع ضرمها في بقية الفحم؛ ثم أشعل منها (سيكارته) العربية وأرسل في رفق دخانها الرقيق الأدكن. وبانت على معارف وجهه شهوة الكلام. وكان كلبي الصغير قد لاذ من قرص البرد بجانب الموقد، فهو ينطوي وينتشر تبعا لما يغلب على جو الغرفة من نفخ النسيم أو لفح اللهب. فرأيته يطيل النظر إليه في طرف ساكن ووجه ساهم. فقلت له مداعبا: لعلك ذكرت بالكلب حبيبتك وهي في خبائها بين كلابها وشائها. فابتسم ابتسامة العذراء الخفرة وقال: الحمد لله ما ذكرت على فقري حياة البر مذ هجرتها، ولكني ذكرت رجلا كان في بغداد يدعى (أبا الكلاب). فسألته وما حديث أبي الكلاب هذا يا عبد الواحد؟ فلمع في عينيه البشر، لأن سروره كان في أن يتحدث وتسمع. وذهب به شيء من التيه لأن شعوره بأنه يعلم ما لا نعلم يرفعه قليلا فوق قدره، لذلك تراه عند الحديث يجلس جلسة النظير، ويلهج لهجة الأمير، ويقرر تقرير العالم. قص عليَّ هذه الأقصوصة وهو منها على يقين جازم، وما كان أسرني وأسرك لو استطعت أن أنقلها إليك بلغته الجميلة التي تأخذ من لحن بغداد ومن لحن البادية. على أني سأحاول ما أمكنني القدرة أن أترجمها ترجمة صادقة تكشف عن أثرها في نفسه وفعلها في نفسي. كان في بغداد منذ خمسين عاما أسرة كريمة تعتز بنسب العرب من جهة الأب. وتتصل بنسب الترك من جهة ألام فهي مزاج معتدل من عقليتين متباينتين لا يجمع بينهما غير الدين. والدين في مثل هذه الحال يكون أوثق عقدا وأمتن أسبابا لقيامه مقام الجنسية الجامعة والعصبية القريبة؛ فالوالدان صالحان تقيان لا يفهمان من العروبة إلا النبوة والقرآن، ولا من التركية إلا الخلافة والسلطان، ولا يعرفان عن بغداد وفروق إلا أنهما بلدان في وطن واحد، والولدان جميلان باران يكبر الذكر منهما الأنثى بخمس سنين، وقد درجا معا من مهد الفضيلة، ثم ترعرعا في حنان الأبوين على كفاف من العيش يؤتيه متجر غير نافق. لم يشغل عبد الواحد باله كثيرا بتفصيل حياة هذه الأسرة الصغيرة. فكان كلامه عنها مرسلا

стр. 148

مجملا لا يحلل طبيعة شخص، ولا يحدد تاريخ حادث، ولا يعين مكان منزل، حتى أسماء الأب والابن والبنت لم يجد في ذكرها ما يفيد الحديث!. فهو يحذف ما يزعمه فضولا ويسير قدما إلى هيكل الموضوع وعقدة الحادث، فيقول أن الغلام كان عمره اثنتي عشر ربيعا حينما صحب خاله إلى الأستانة. والأستانة يومئذ كانت منتجع الخواطر ومهوى القلوب الطامحة إلى السطوة أو الثروة أو العلم. فهل كانت هجرته إلى دار الخلافة تثقيفا لنفسه، أو تخفيفا عن أبيه، أو مساعدة لخاله، على تدبير متجره وماله؟ كل ذلك يجهله راوي الحديث فما يعلم الا أنه شدا شيئا من العلم في إحدى مدارس القسطنطينية تحت عين وليه وعونه، ثم أندفع في غمار المدينة الصاخبة يداور الأمور ويتلمس المكاسب، ثم أوغل في مدن البلقان وشعاب الأناضول، حينا في خدمة الجيش، وحينا في طلب العيش حتى أنقطع علم ما بينه وبين أهله. كان الغريب النازح يهاجم الأخطار في كل فج ويصارع الأقدار في كل لج، وكل همه أن يجمع من المال ما يضمن له ولأسرته خفض العيش في ظلال بغداد الجميلة. فلما ملأ الدهر يديه بما أمل كان وا أسفاه ربيعه قد أدبر، وربعه قد أقفر، وحلمه قد تبدد!! فان والديه البائسين قد ألح عليهما من بعده الحزن والضر والفقر حتى انطفأ سراجهما في حولين متعاقبين بعد انقطاع خبره لبضع سنين. وأما البنية اليتيمة فقد حنا عليها بعض ذوي المروءات من أهل البيوتات فضمها إلى حرمه، وواسى يتمها الحزين بعطفه وكرمه. عاد المهاجر إلى وطنه يحمل في جيبه المال وفي قلبه الآمال فما وطأت قدماه ثرى العراق الذهبي حتى ازدحمت الذكريات على خاطره، ومرت الحوادث المزعجات أمام ناظره، ولكن شعوره في لذة العودة إلى الأرض التي ابصر عليها الدنيا، والسماء تقبل منها الروح، والهواء الذي رف عليه بالصبا، والماء الذي نضح قلبه بالنعيم، والأسرة الحنون التي يراه إليها الشوق. والمستقبل الباسم الذي ينتظره في بغداد، قد شعب فؤاده وشفى كبده ومسح ما به. عرف المحلة والدار بعد لأي لطموس المعالم القديمة. ثم قرع الباب بيد مرتجفة فإذا المالك الجديد يخرج إليه! فاقبل عليه المسكين لهفان ضارعا يسأله: هنا كان مهبط نفسي فأين أبى؟ وهنا كان مسقط رأسي فأين أمي؟ وهنا كان لي مهد وأخت وملعب وجيرة، فقل لي

стр. 149

بربك يا سيدي أين تحمل بكل هؤلاء القدر؟ وكان بين المسئول والسائل حوار قصير عرف منه البائس أن ريح المنون قد عصفت بأهله. فارتد إلى الفندق لا يملك دمعة ولا قلبه، ثم قضى حينا من الدهر ذاهب القلب يكابد غصص الكرب ويعالج مضض الهموم حتى رأم الزمان والأيمان جروح صدره. وقع في نفس الوحيد الحزين أن يتزوج ليعيد إلى سجل الوجود اسم أسرته فاقترحت عليه جارة له عجوز أن تخطب إليه فتاة يقولون أن بينها وبين بني فلان عاطفة رحم. ويؤكدون أنها تنزع إلى عرق كريم لطبعها المهذب وجمالها المحتشم فاطمأن قلب الخطيب إلى رأي الخاطبة واختلفت العجوز بينه وبين ولي الفتاة حتى تم الوفاق وسمي الصداق وعينت ليلة الزفاف. زفت العروس إلى زوجها فبهره ما رأى من جمال وأحس من ظرف وسمع من أدب، فافتر في وجهه السرور وحمد الله على حسن توفيقه، ثم أتقضى شهر العسل على خير ما يجد زوج من زوجه. وفي ليلة تجاذب العروسان أطراف السمر وشققا بينهما الحديث حتى أفضى إلى علاقتها بوليها فلان (بك) فأحب الزوج أن يعرف درجة القرابة بينهما، فغضت الفتاة من طرفها وشاعت حمرة الخجل في وجهها، وقالت في صوت خافت متهافت من الخزي والخوف: الحقيقة أنه ليس بيني وبين هذا الرجل قرابة!! وإنما هو نبيل محسن أواني ورباني بعد ما فجعني البين في أخي، والموت في أبي، وأنا يومئذ في حدود الثانية عشر. ثم تتابعت الأسئلة من الزوج، وتسارعت الأجوبة من الزوجة وكان كل من أنجاب عن خبايا الغيب حجاب امتقع لونه وأقشعر بدنه، واشتد وجيب قلبه، وكانت هي كلما رأت منه ذلك نسبته إلى إنخداعه في أصلها فمضت تفصل المأساة وتصور الفاجعة بالكلام والدمع، عسى أن تعطف قلبه على مصابها، فلا يفكر في طلاقها وعذابها، ولكنها لم تكد تلمس الحجاب الأخير حتى رأت زوجها قد وقف شعره وانتفخ سحره وارتعدت أطرافه، ثم أنفجر صارخا يقول: وا ويلتاه! وا مصيبتاه! لقد تزوجت أختي!. . . . ثم خر مغشيا عليه. فلما ثاب إليه بعض رشده نظر إلى أخته فوجدها فاقدة الوعي فتركها وابتدر الباب وخرج مسرعا لا يلوي على شيء ولا يلتفت إلى أحد!.

стр. 150

خرج طريد القدر من بيته خروج (أوديب الملك) من قصره ثم هام في الطرق الضيقة المتشابكة يسأل الرائح والغادي عن مفتي بغداد، فلما ادخل عليه باح له بسر الخطيئة فهول عليه التركي بعقابها، وبالغ في جرائرها وأعقابها. ثم أفتاه بعد الاستشارة والاستخارة والرؤيا أن الله لا يكفر هذا الجرم إلا إذا صدف عن متاع الحياة، وخرج عن أثيل الملك، واستتر بأخلاق الثياب، وقضي بقية عمره في جمع الخبز للكلاب الشوارد! أذعن الخاطئ البريء لحكم الفقيه الأحمق ونزل للزوجة الأخت عما يملك، وارتدى طمرا من غليظ الكرباس وجعل على عاتقه مخلاة ومضى يقرع كل بيت ويقصد كل مطعم ويجمع الفتات والخبز ثم يقف بالميدان فيقسمه بالسوية على من أجاب الدعوة من كلاب الحي. لم يمض غير قليل حتى عرفه الناس وألفته الكلاب فصار يمشي في الأزقة وخلفه منها قطيع، وينام في العراء وحوله من شدادها حرس مطيع، وتحين الوجبة العامة فلا تجد كلبا طليقا في بغداد إلا أجاب نداءه. وتناول من يديه المحمومتين غداءه، ولكن الوالي رأى على طول الزمن أن يدي أبي الكلاب على رعيته عافية وربيع فسمن هزيلها وكثر قليلها حتى اختنق بلهاثها النهار؛ وصم بنباحها الليل، وأصاب الناس من عظاظها وأمراضها شر كبير. فأقام في ظاهر المدينة حظيرة واسعة ثم أمر الشرطة فصادوا الضواري وألقوها فيها. فكان أبو الكلاب على عادته يجمع الطعام والعظام ثم يذهب إلى ضيوف الحظيرة فيطعمها ويسقيها ثم يتهالك على الأرض من اللغوب فيرقد مكانه حتى الصباح. وفي ضحوة يوم من الأيام أولم الوالي لأسراه وليمة السفاح فما نجا من بعدها لاهث ولا نابح، وجاء أبو الكلاب فرأى ألافه الخلصاء على أديم الأرض صرعى لا يتملقن بعين ولا يبصبصن بذنب!! فعظم على المسكين أن يرى مثال الصداقة يموت وشبح الجريمة يحيا فتساقط بجانب السور مهدود القوى صريع اليأس ولبث مكانه لا يأكل طعاما ولا يذوق مناما حتى لحق بربه.

стр. 151

مدام دي لوزي بقلم أناتول فرانس من (علبة الصدف) - ١ - دخلت فمدت بولين دي لوزي إلى يدها. ثم لزمنا الصمت حينا. وكانت قد ألقت في شيء من الإهمال على أحد الكراسي طرحتها وقبعتها من الخوص. وفتحت على المعزف صلاة أورفيه. ثم دنت من النافذة، ونظرت إلى الشمس تهبط في الأفق الدامي. فقلت لها آخر الأمر، أتذكرين الكلمات التي نطقت بها منذ عامين يوما بيوم، في اسفل هذا التل، وعلى شاطئ هذا النهر الذي تديرين إليه عينيك الآن؟ أتذكرين أنك، وأنت تديرين حولك يدي المتنبئة، قد أريتني معدما أيام المحنة، أيام الجرائم والهول؟ لقد وقفت على شفتي إعلان حبي إليك وقلت: (عش، وجاهد في سبيل العدل والحرية!) سيدتي، لقد مضيت جريئا منذ دلتني على الطريق يدك التي أغمرها كما كنت أحب بالدموع والقبل. لقد أطعتك، فكتبت، وخطبت. أنفقت عامين أجاهد في غير هوادة أولئك الأغمار الجياع الذين ينشرون الاضطراب والبغض، والزعماء الذين يسحرون الشعب بهذه المظاهر العصبية يصورون بها حبا كاذبا، والجبناء الذين يضحون في سبيل الفوز القريب. فاضطرتني إلى الصمت بحركة من يدها وأشارت أن استمع! هنالك سمعنا في ثنايا الهواء العطر، هواء الحديقة حيث تصدح الطير، صيحات بالموت تأتي من بعيد: (إلى المشنقة أيها الأرستوقراطي! ليوضع رأسه على الرمح!). وكانت شاحبة، ساكنة قد وضعت إصبعا على فمها. قلت، إنما هو الطلب يجد في أثر أحد البائسين. فهم يهاجمون الدور ويقبضون على الناس نهارا وليلا في باريس. ولعلهم يدخلون هنا. يجب أن أنصرف حتى لا أعرضك للشر. فمع أني لا أكاد أعرف في هذا الحي، فأنا في هذه الأيام ضيف خطر. قالت: أقم! وللمرة الثانية مزقت الصيحات الهواء الهادئ في المساء. وكان يخالطها وقع الخطى وطلق النار. كانوا يدنون وكنا نسمع: (سدوا المنافذ، لا يفلت الوغد!)

стр. 152

وكانت مدام دي لوزي ظاهرة الهدوء، يعظم حظها منه كلما قرب الخطر. قالت لنصعد إلى الطبقة الثانية؛ فقد نستطيع أن نرى من ثنايا النافذة ما يحدث خارج البيت. ولكنها لم تكد تفتح الباب، حتى رأت في الدهليز رجلا ممتقعا مختلط الهيئة، تصطك أسنانه، وتصطدم ركبتاه من الاضطراب. وكان هذا الشبح يغمغم بصوت مختنق: أنقذوني خبئوني!. . . ها هم أولاء. . لقد اقتحموا بابي؛ وأغاروا على حديقتي. . هم يدنون. . - ٢ - عرفت مدام دي لوزي (بلونشونيه) الفيلسوف الذي يسكن الدار المجاورة، فسألته في صوت شديد الخفوت: هل بصرت بك طاهيتي؟ فهي يعقوبية! أجاب لم يرني أحد. قالت الحمد لله، أيها الجار! ثم قادته إلى غرفة نومها حيث تبعتهما. ولم يكن بد من الحيلة، ولم يكن بد من أن تجد مخبأ تخفي فيه (بلونشونيه) أياما، أو ساعات على الأقل، حتى تخدع الطالبين وتتعبهم. واتفقنا على أن أراقب المسالك إلى البيت حتى إذا آذنتهما أنسل الصديق البائس من باب الحديقة الصغير. ولم يكن في أثناء ذلك يستطيع أن يثبت على قدميه. كان رجلا مصعوقا. وحاول أن يفهمنا أنهم يجدون في طلبه، هو عدو القسيسين والملوك، لأنه إئتمر بالدستور مع مسيو (دي كزوت) وأنضم في ١٠ أغسطس إلى المدافعين عن قصر التويلري. ولم يكن هذا كله الا اتهاماً دنيئاً. إنما الحق أن (لوبان) كان يتبعه بحقده وموجدته؛ كان لوبان جزاره، وكثيرا ما هم أن يضربه بالعصا ليأخذه بأن يحسن وزن اللحم، ولكنه الآن يرأس لجنة الحي الذي يقوم فيه حانوته. وبينا هو يغمغم بهذا الاسم مختنق الصوت، خيل إليه أنه يرى لوبان نفسه، فأخفى وجهه بيديه. وكان لوبان يصعد حقا في السلم. فأحكمت مدام دي لوزي رتاج الباب ودفعت الشيخ خلف ستار. ودق الباب، وعرفت بولين صوت طاهيتها، التي كانت تصيح بها أن افتحي،

стр. 153

وان لجنة البلدية بالباب ومعها الحرس الوطني، يريدون أن يفتشوا، يزعمون أن بلونشونيه في البيت، وأنا واثقة بأنهم مخطئون، فما كنت لتخفي وغدا كهذا، ولكنهم لا يريدون تصديقي. فصاحت مدام دي لوزي من وراء الباب حسن! فليصعدوا! أطلعيهم على البيت كله من أسفله إلى أعلاه. وسمع البائس بلونشونيه هذا الحوار فأغمي عليه خلف ستارة، ولم ترد عليه الحياة إلا بعد مشقة حين نضحت صدغيه بالماء. فلما أفاق قالت الغادة للشيخ في صوت خافت: اعتمد على صديقي، واذكر أن النساء مكرة. ثم أقبلت في هدوء ودعة كما لو كانت تعاين بعض شؤون البيت إلى السرير، فجذبته من مكانه قليلا، وفضت الغطاء واستعانت بي فهيئنا بين وسائده الثلاث فراغا مما يلي الحائط. وبينا هي في ذلك إذا ضجيج عظيم للأحذية، والقباقيب، والكرانيف والأسواط الغلاظ يسمع في السلم. فقضينا ثلاثتنا دقيقة ملؤها الروع، ولكن الضجيج صعد قليلاً قليلاً فوق رءوسنا. فعرفنا أن الحرس قد بدءوا بقيادة الطاهية اليعقوبية يفتشون على البيت. وكان السقف يضطرب، وكان يسمع للقوم نذير، وضحك غليظ، وضرب بالأرجل والحراب في الجدران. فتنفسنا ولكن لم تكن في الوقت سعة. واعنت بلونشونيه أن يدخل في الفراغ المهيأ بين الوسائد. وكانت مدام دي لوزي، تهز رأسها وهي تنظر إلينا. فقد كان للسرير بعد هذا العبث شكل مريب. فحاولت أن ترده إلى هيئته الأولى، ولكنها لم تفلح. قالت: لا بد من أن أنام فيه. ثم نظرت في الساعة، فإذا هي السابعة مساء. فقدرت أن إسراعها إلى النوم في هذه الساعة سيبعث الريبة. ولا سبيل إلى التفكير في تكلف المرض: فان الطاهية اليعقوبية خليقة أن تفضح هذا المكر. فلبثت على هذا النحو مفكرة لحظات، ثم إذا هي بهدوء وبساطة وحياء، ملؤه الجلال تخرج من ثيابها أمامي، ثم تدخل في سريرها وتأمرني أن أخلع نعلي وأتجرد من ثيابي وهي تقول: يجب أن تكون خليلي وان نفاجأ في هذه الحال. فإذا أقبلوا لم تجد من الوقت ما تهيئ فيه زيك وتصلح من شكلك. فتفتح لهم في لبسة المتفضل وقد أنتثر شعرك. . .

стр. 154

وكان كل شيء قد تم كما قدرنا حين هبط الحرس الوطني صاخبا ساخطا. وأخذ بلونشونيه البائس رعشة عنيفة كان السرير يضطرب لها اضطراباً. وكان تنفسه من القوة بحيث كان يجب أن يسمع من خارج الغرفة. قالت مدام دي لوزي: يا للخسران لقد كنت شديدة الرضى بهذه الحيلة. وبعد فلا ينبغي أن نيأس فلعل الله أن يعيننا. واضطرب الباب لصدمة قوية. قالت: من الطارق؟ فأجيبت: هم ممثلوا الأمة. قالت: ألا تنتظرون حينا؟ قيل: افتحي وإلا كسرنا الباب. قالت: هلم فافتح يا صاحبي. وما هي إلا أن كانت المعجزة فانقطع اضطراب بلونشونيه وزحيره فجأة. - ٣ - وكان أول الداخلين لوبان وقد اتخذ منطقته وتبعه اثنتا عشرة حربة. فأدار بصره بين مدام دي لوزي وبيني ثم قال: بخ، بخ! لقد استكشفنا عاشقين! معذرة أيتها الحسناء! ثم التفت إلى الحرس وهو يقول: إنما الأخلاق للثائرين. ولكن هذه المصادفة رغم حكمته قد ملأته سرورا. فأقبل حتى جلس على السرير وأخذ بذقن الحسناء الأرستقراطية وهو يقول: نعم أن هذا الفم لم يخلق ليردد في الليل والنهار: أبانا الذي في السماء!. ولو قد فعل لعظمت الخسارة، ولكن الجمهورية قبل كل شيء. إنما نبحث عن الخائن بلونشونيه. هو هنا، لا اشك في ذلك. لا بد لي منها. لأتقدمنه لتضرب عنقه. ولأكونن بذلك سعيداً. قالت: فتشوا عنه إذن. فنظروا تحت الأثاث وفي الخزائن، وادخلوا الحراب تحت السرير، وحبسوا الوسائد

стр. 155

بالخناجر. وكان لوبان ينظر إليه بمؤخر عينه وهو يحك أذنه. فأشفقت مدام دي لوزي أن يوجه إليه أسئلة محرجة، فقالت أنت تعرف البيت كما اعرفه يا صاحبي. فخذ المفاتيح وطوف بمسيو لوبان بكل مكان. وأنا اعلم أنك ستجد لذة وسرورا في إرشاد المخلصين للوطن. فقادتهم إلى الكهف حيث نثروا ما فيه من حطب وشربوا عددا ضخما من القناني. ثم شق لوبان بكرنفته الدنان المترعة. فلما خرج من الكهف الغارق في النبيذ أذن بالرحيل. فصحبتهم حتى أغلقت من دونهم الباب، وأسرعت أعلن إلى مدام دي لوزي أن قد نجونا. فلما سمعت هذا النبأ عطفت رأسها إلى الفراغ بين السرير والحائط، ونادت: مسيو بلونشونيه! مسيو بلونشونيه. فأجابها رجع نفس ضئيل. هنالك صاحت الحمد لله! لقد روعتني فقد كنت أرى أنك قضيت!. ثم التفتت إلى قائلة: مسكين أنت أيها الصديق لقد كنت تجد لذة عظيمة في أن تقول لي من حين أنك تحبني، لن تقولها لي بعد اليوم.

стр. 156

العَالم النسَائي شعوري نحو مصر والمصرية كاتبة هذا المقال سيدة سويسرية واسعة الثقافة دقيقة الملاحظة صافية الشعور وقد وعدت الرسالة أن توالي الكتابة في هذا الموضوع فلها الشكر. (المحرر) مصر اسم يخلب اللب ويسحر القلب ويستثير حتى في أجفى الناس طبعاً صورة هذا البلد الفاتن والطبيعة الخصيبة والبدر اللامع ويلهم النفوس ذكرى هذا الماضي العريق والمدنية القديمة والعظمة الفرعونية وقصص ألف ليلة وليلة الرائعة، وقد أنهكتها جهود المدنية الأولى فاستجمت بعد هذا الشوط البعيد حقبة طويلة من الدهر ما تزال تتذوق فيها خيال هذا الماضي العظيم وسلطانها السالف! وكم من عاشقين غمرتهم شمسها الضاحكة بالفرح والسعادة ودفء القلوب! وكم من خياليين جاشت نفوسهم في ربوعها ومجاليها بالأخيلة السعيدة والأحلام البهيجة! وكم من مترفين ملئوا فراغ حياتهم وخيالهم بمباهجها ومناظرها وقضوا شهوة التطلع من عجائبها ومن المتناقضات فيها! أليست تجمع في الواقع الكثير من هذا التناقض؟ فيجاور الجاه العريض والرغد الوفير البؤس الساحق والفقر المدقع؟ الست ترى السيارات الفخمة ذات الفرش الوثيرة عند مداخل الملاهي والغلمان الضريرين يستدرون الرحمة ويسألون العطف في أسمال رثة؟! على أن المدنية تسير فيها الآن بخطى واسعة سريعة. ففي الحين بعد الحين يبدو بين الناس رأى ناضج أو صناعة رائجة فتكون الدليل الساطع على الفوز والنجاح. على أن كثيرا ما فارت حماسة الناس ثم قرت، واتقدت شعلتهم ثم خبت، ما أشد حاجتهم إلى ملكة الاستمرار والاستقرار! ولطالما سئلت عن رأيي وشعوري في مصر. وكان جوابي واحدا لا يتغير، أنها ككل بلاد العالم فيها الطيب والخبيث، على أننا إذا قدرنا أن العوامل الاجتماعية وظروف الحياة

стр. 157

تخلق الأمم كما تخلق الفرد وجب ألا يغيب عن أذهاننا تأثير هذه الظروف والعوامل حين الحكم على مصر التي تجاهد الأيام لاستعادة عظمة القرون الأولى. فإذا أردت أن أتحدث عن شيء فيها فأنا أتحدث عن أقوى العوامل أثرا في تكوينها، وهو المرأة في مختلف أطوارها وأدوارها ومسؤولياتها وواجباتها. وقد يبدو للنظرة الأولى أن أثرها ضئيل، فما وجه العلاقة والخطر بين هذا المخلوق الخانع قليل الحظ من العلم ومن عظمة الأمة ومجد الوطن؟ لقد قضيت الآن في مصر ثلاث سنين شعرت فيها بجاذبية غريزية تجذبني نحو المرأة، واغلب ظني أنها تحتاج إلى عناية اكثر وجهد أوفر، فأنها أس الحركة الروحية وجماع الأسرة وروحها الجياشة وشريك الزوج ومربية الأطفال وربة الدار. ولقد استطعت أن اقدر وأنا أعيش في بيئة مصرية محضة أن المرأة لا تستطيع أن تكون كل ذلك إلا إذا بذلت أعظم مجهود وتغلبت على كل صعوبة فأنها ما تزال ترسف في أغلال العادات وتعليمها لا يزال ناقصا، وشعورها العميق الذي ولده التقليد القديم بأنها مخلوق تافه الشأن ضئيل الوجود يقتل في نفسها أسمى معاني الحياة. وهي بطبيعتها مقلدة غير مستقلة، فكم شاهدت سيدات الأسرة الواحدة لا يختلفن في القناع والمعطف والفراء وقد نبذن عصابة الرأس الشرقية التي كانت تلائم الوجه الشرقي كل الملائمة. على أن البدء عسير عادة، والمرأة المصرية ما تزال في خطوات التطور الأولى، بل قد يكون البدء في بعض الأحيان مثيرا للإشفاق والنقد، فإننا إذا لاحظنا زينتها وتجملها رأينا ما يبعث أحيانا على السخرية، فليس اضحك من وجه شرقي الملامح زاد الكحل عينيه الدعجاوين سوادا، وشفتين خضبهما الأحمر القاني، وشعر قد حاله الأوكسجين إلى اصفر فاقع. فنصيحتي إلى المصرية العزيزة أن القصد والبساطة في التجمل والزينة هما سر رشاقة المرأة وأناقتها.

стр. 158

اشتراك الفتاة في الحياة العملية أنا إن أقدمت على الخوض في هذا الموضوع فلست أبشر بمبدأ جديد لم تعرفه مصر، أو افتح بابا موصدا في هذا البلد العزيز فكلنا يعرف ما تقوم به الريفية المصرية من الأعمال فهي والرجل على قدم المساواة في العمل بل قد تبذه في كثير من نواحي الحياة مما يقصر عنه باع فلاحنا وتضرب فيه الريفية بسهم عظيم، على أنني بمعالجة هذا الموضوع أريد أن أوجه النظر إلى حياة الفتاة المدنية فاستعرض بعض نظمها وأتتبع بعض أدوائها علني أوفق إلى إيصال صوتي إليها. وفي نطاق هذه الكلمة أخرج من دائرتي بنات الطبقة الفقيرة المعدمة فهؤلاء غير ملومات ولا يمكن أن ينسب إليهن أو إلى أوليائهن أي تقصير فهن بحكم ظروفهن قد هدتهن الطبيعة إلى استنباط وسائل العيش فكن اقدر من غيرهن على خوض غمار الحياة على رغم ما بهن من فاقة وما يحيط بهن من إملاق، ولكنما أنظر إلى فتاة الطبقة الوسطى وفتاة الطبقة الغنية لأرى هل نظرت إحداهما إلى الحياة نظرة عملية تتفق وعصرنا الحديث؟ قد ينكر البعض علي هذا التساؤل ولكني أريد أن أصل إلى الحقيقة لا يشوبها ملق ولا يموهها خداع، أريد أن أنظر إلى أخواتي وأترابي بعين الحقيقة والواقع. حقا أن البعض متعلمات والبعض مقبلات على التعليم ولكني أرى الكثيرات لا يأخذن الحياة بعلمهن فيمهدنها لمستقبل عملي مجيد. أرى الكثيرات وقد قنعن بقشور التعليم دون اللباب وقبعن في عقر دارهن مكتفيات ببضع كلمات جوفاء يتشدقن بها خلال التفنن في التبرج وقضاء الساعات أمام المرآة. الحق أن مثل هذه النتيجة لا تساوي عناء الدرس وليس فيها لهذا البلد غناء. هلا كان منهن من نظرن إلى أنفسهن والى وطنهن وجعلن من حياتهن متسعا لخدمة الاثنين! ماذا يفيد الأمة وآنساتها متأنقات جميلات ولكن على حساب الرجل التعس الذي يعولهن؟ ماذا يفيد الأمة وآنساتها مستهلكات غير منتجات منفقات ثروات الرجال في المخازن الأجنبية لقاء ثوب أنيق أعجبهن وأداة زينة استغوتهن؟ أريد أن تستثمر الفتاة العلم الذي تعلمت. أريد أن تشعر الرجل أنها لم تعد ذلك الحيوان المدلل الذي يعيش على حسابه ولمتعته. أريد أن تقاسم الفتاة الرجل في العمل والكسب والتمتع بالحياة. أريد فتاة مصرية عاملة تعمل وتزاحم في الحياة بالمنكبين تستشعر لذة العمل وتنهض بمصرنا العزيزة وتربأ

стр. 159

بنفسها أن تكون قعيدة البيت أسيرة المرآة، أريد الفتاة أن تثأر لخمولها الماضي الطويل وتستقبل الدنيا بنفس ملؤها العزم والحزم تزينها الكرامة ويتوجها العفاف. ترى هل من تستجيب لدعائي؟ ترى هل من تنهض من أجل مصر؟ أن قلب مصر ليخفق، وان مصر لتزخر بالحياة وان هو الا أن نتسابق إلى العمل حتى نهز العالم بجلال نهضتنا ونمضي كما بدأنا مصريين لنا نفوس أبية وأيدي فتية وأثر في الحضارة غير منكور. تحية أبو العلا مدرسة بمدرسة غمرة الابتدائية

стр. 160

النقد لاتينيون وسكسونيون أترضى أم نسخط حين تعنى الصحف السيارة بالأدب والنقد وحين تتفق مع كبار الأدباء والنقاد على أن يحرروا لها ما تحتاج إليه من الفصول فيهما؟ في ذلك ما يدعو إلى الرضى من غير شك فهذه الصحف السيارة منتشرة وهي اشد إنتشاراً من الكتب وأدنى إلى نفوس الناس وعقولهم والى عيونهم وآذانهم من المحاضرات والأحاديث فهي إذا تخدم الأدب والنقد حين تذيع رسالتهما في اكثر عدد ممكن من الناس، وهي إذا تخدم الناس حين تنشر فيهم الثقافة الأدبية وترفع دهماءهم إلى حيث يستطيعون أن يروا ويذوقوا جمال الأدب الرائع وآيات الفن الرفيع. وهي لهذا وذاك تخدم الأدباء والنقاد أنفسهم لأنها تعرفهم إلى اكبر عدد ممكن من الناس في أقطار مختلفة من الأرض فترفع ذكرهم وتعلي قدرهم وتنشر دعوتهم وتكسب لهم الأنصار والمؤيدين وهي بعد هذا كله وقبل هذا كله تخدم نفسها حين تستعين بالأدباء والنقاد على كسب القراء وتستعين برضى القراء على احتكار الأدباء والنقاد. كل هذا حق ولكن هناك حقا آخر يظهر أن ليس من سبيل إلى الشك فيه وهو أن عناية الصحف السيارة بالأدب والنقد لا تخلو من ضرر، ومن ضرر قد لا يكون قليلا. فالأدب والنقد في حاجة إلى الأناة والروية وإمعان التدبر وإطالة التفكير فإذا لم يظفر الأدب والنقد بهذا كله فهما عرضة للضعف والفتور وهما عرضة للتقصير والقصور وهما عرضة لتجاوز الحق والتورط في الباطل وهما عرضة لهذا كله للإساءة إلى أنفسهما وللإساءة إلى الأدباء وللإساءة إلى القراء أنفسهم. فإنما يكون الخير في نشر الأدب والنقد إذا نشرا على وجههما جميلين رفيعين منصفين متبرئين من هذه العيوب التي تفسد جمال الفنون العليا. وأظنك لا تخالفني في أن حياة الصحف السيارة وضروراتها وحاجتها القاهرة إلى أن تظهر في نظام وتصدر في وقت معين وتعطي قراءها ما تعودت أن تعطيهم في كل يوم أبعد الأشياء عن ملاءمة ما يحتاج إليه الأدب والنقد من الأناة والروية ومن التدبر وإطالة التفكير. ولعلك قرأت في بعض الكتب التي قصت علينا حياة أناتول فرانس وفصلت لنا بعد موته أطرافا من سيرته وأطواره في حياته الأدبية أنه شقي بهذا ثم تعوده فسخر منه وازدرى الصحف والأدب والقراء ونفسه أيضاً وعبث بهذا كله. فكان في بعض الأحيان

стр. 161

من اقل الناس عناية بما يكتب للصحف وتحريا فيه للحق ولا سيما حين كان يكتب لبعض الصحف الأجنبية فكان يلفق لهذه الصحف أي شيء ويضع اسمه في آخره ويأخذ أجره على هذا التلفيق ساخرا بالصحيفة وقرائها معتزاً باسمه منتفعاً بما يقع في يده من المال كل شهر أو كل أسبوع. ويعظم على الأدب والنقد خطر ما تحتاج إليه الصحف السيارة من السرعة والنظام حين لا يكون الأدباء الذين يكتبون لها في الأدب والنقد مقصورين على أدبهم ونقدهم بل تضطرهم ظروف الحياة العامة والخاصة إلى أن يتجاوزوهما فيكتبوا في السياسة أيضا. فهذه السياسة على أنها من حيث هي شر على الأدب لأنها تستغرق من جهد الأديب وميوله وعواطفه مقداراً عظيما كان ينبغي أن يخلص للأدب، يشتد شرها ويعظم لأنها تتأثر هي أيضا بحاجة الصحف إلى النظام والسرعة وبطروء الأحداث السياسية وتطورها واضطرار الكاتب إلى أن يتبع هذا التطور ويسايره ويكتب في ألوانه المختلفة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن للأديب أو الناقد حياته الخاصة بقسميها المادي والمعنوي وحياته الاجتماعية التي تضطره إلى أن يستقبل ويزور ويجامل ويتقبل المجاملة، عرفت مقدار الجهد الضئيل الذي تظفر به فصول الأدب والنقد في الصحف من الأدباء والنقاد. خطرت لي كل هذه الخواطر حين قرأت فصلا قيما نشرته جريدة الجهاد الغراء لصديقي الأستاذ عباس محمود العقاد صباح الثلاثاء ١٧ يناير. أراد الأستاذ العقاد أن ينقد كتاب الأستاذ أنطون الجميل في شوقي شاعر الأمراء. ولم أكن أشك في أن الأستاذ سيشتد على الكتاب ومؤلفه وعلى شوقي أيضا. فمذهب الأستاذ في الأدب العصري معروف واقل ما يوصف به أنه بعيد كل البعد عن الإعجاب بشعر شوقي وعن الإقرار للذين يعجبون بهذا الشعر. وقد أشارك الأستاذ في كثير جدا من آرائه في شوقي والمعجبين بهما. ولكن الشيء الذي أخالف فيه الأستاذ اشد الخلاف والذي أكتب من اجله هذا الفصل هو هذه المقدمة التي بسطها بين يدي نقده لكتاب الأستاذ أنطون الجميل. وعرض فيها لما سماه نقد اللاتينيين ونقد السكسونيين. وأحب أن لا يغضب الأستاذ العقاد إذا اصطنعت الصراحة في بسط رأيي في هذا الفصل فلعله يوافقني على أنه في حقيقة الأمر غير راض عن الكتاب ولا مؤمن ولكنه أراد أن يكون ناقدا مجاملا لبقاً فاستعار من

стр. 162

اللاتينيين ما يعيبهم به من المجاملة واللباقة في النقد لم يرد أن يصارح الأستاذ أنطون جميل بأن كتابه لا يرضيه من كل وجه لأنه حريص على مقدار ولو محدود من المجاملة بين الزملاء. ولم يرد أن يعيد على الناس حديثه في شوقي وشعره لأن شوقي قد مات منذ وقت قصير والنظم الاجتماعية تقضي بشيء من المجاملة للموتى وللذين رزئوا فيهم أشهراً على اقل تقدير. لم يرد هذا ولا ذاك. ولم يكن يستطيع أن يهمل كتاب الأستاذ أنطون الجميل فضلا عن أن يقرضه تقريضاً خالصاً لأن في هذا أو ذاك ظلماً لرأيه وكتمانا لما يعتقد أنه الحق فسلك في نقده هذه الطريقة الغريبة التي لا تخلو من التواء. اعتذر للأستاذ أنطون الجميل بثقافته اللاتينية وأخذه المذهب اللاتيني في النقد عما تورط فيه من خطأ بين وحكم غير مستقيم على شعر شوقي. ولست ادري أظفر الأستاذ العقاد بإرضاء الأستاذ أنطون الجميل أم لم يظفر؟ أوفق إلى مجاملته أم لم يوفق؟ أوفق إلى مجاملة شوقي والذين رزئوا فيه أم أخطأه هذا التوفيق؟ لست ادري ولكني اعلم علم اليقين أنه ظلم الثقافة اللاتينية وظلم النقد اللاتيني وظلم قراءه جميعا وأظن أن إرضاء الأستاذ أنطون الجميل أو مجاملته أهون على الأستاذ العقاد وأهون على الأستاذ الجميل نفسه من ظلم العلم والأدب والقراء جميعا. واغرب ما في هذا الفصل الذي كتبه الأستاذ العقاد تناقض لست ادري كيف تورط فيه وهو فيما أعلم من أشد الكتاب المعاصرين في الأدب استقامة في الحكم وإيثارا للقصد وحرصا على الإصابة في التفكير. بدأ الأستاذ فصله بأن من العسير جدا أن يوفق الناس إلى الحق حين يعممون أحكامهم على الأمم والشعوب. وعلل ذلك تعليلا حسنا مستقيما ولكنه لم يلبث أن التمس لنفسه وسيلة للحكم العام على الأمم والشعوب. بل على ما هو أعم من الأمم والشعوب على الأجناس. فزعم أولا أن للاتينيين مذهبا في النقد وان للسكسونيين مذهبا آخر وان هذين المذهبين يختلفان فيما بينهما اشد الاختلاف. وزعم بعد ذلك أن أخص ما يمتاز به المذهب اللاتيني (الأناقة). وأخص ما يمتاز به المذهب السكسوني (البساطة) أو (الفطرة). وفسر هذا بأنك إذا قرأت الناقد الفرنسي رأيت رجلا أنيقا لبقاً يقدم في أحد الصالونات كاتبه الذي ينقده على الأوضاع الاجتماعية المألوفة مجاملا متكلفا وقد يومئ إيماء خفيفا إلى

стр. 163

بعض العيوب ولكن على سبيل النكتة أو على سبيل الحيلة في التماس الدفاع عن هذا الكاتب الذي ينقده أو الرجل الذي يقدمه إلى الصالون. أما الناقد السكسوني فهو لا يحفل بالأوضاع الاجتماعية وإنما يهجم بك فورا على الحياة الفردية، على الحياة الإنسانية، على الرجل من حيث هو رجل لا من حيث هو فرد من جماعة. ومعنى هذا أن نقد اللاتينيين سطحي مخالف لأصول العلم وان نقد السكسونيين هو النقد العلمي الصحيح الذي تجد فيه الفائدة وتجد فيه الغناء. وأنا احب أن يعذرني الأستاذ العقاد إذا قلت له في صراحة أني كنت أنتظر منه كل شيء الا التورط في هذا الخطأ الصارخ والظلم المبين. فليس من الحق بوجه من الوجوه أن الاختلاف بين النقاد اللاتينيين والسكسونيين عظيم إلى هذا الحد الذي يتصوره الأستاذ. فليس هناك نقد لاتيني ونقد سكسوني، وإنما هناك نقد فحسب. فقد يعتمد على هذا الذوق الفني العالي الذي أحدثته الثقافة اليونانية اللاتينية وورثته عنها الأمم الحديثة على اختلاف أجناسها وبيئاتها. فكل النقاد من الفرنسيين والإيطاليين والألمانيين والإنجليز قد قرأوا آيات البيان اليوناني واللاتيني وذاقوا آيات الفن اليوناني والروماني وكونوا لأنفسهم أو كونت لهم هذه القراءة ذوقا عاما مشتركا بينهم يختلف في ظاهره ولكنه لا يختلف في جوهره لأن هذا الجوهر واحد مستمد من هوميروس وبندار وسوفوكل وارستوفان وأفلاطون وسيسيرون وتاسيت ومن إليهم. نعم وهذا النقد الحديث يعتمد على أصول أخرى غير الذوق، أصول تشبه العلم أو تحاول أن تكون علما وضعها أرسططاليس ومن جاء بعده من نقاد اليونان والرومان وسموها علم البيان. يعتمد النقد الحديث عند الأمم الأوربية مهما تختلف أجناسها على هذين الأصلين: الذوق الذي تكونه الثقافة اليونانية اللاتينية، والعلم الذي وضعه أرسططاليس وأصحابه. وللأستاذ أن يدرس على مهل وفي أناة وروية من شاء من النقاد المحدثين في أي أمة من الأمم الأوربية فسيرى أن هؤلاء النقاد جميعا يتفقون في أن نقدهم يقوم على هذين الأصلين اللذين أشرت إليهما. فإذا اختلفوا بعد ذلك فإنما يختلفون في الأشكال والصور باختلاف أمزجتهم الخاصة وباختلاف البيئات التي يعيشون فيها ويكتبون لها. عسير جدا أن يقال إذا أن هناك نقدا لاتينيا ونقدا سكسونيا وأن هذين النقدين يختلفان في الجوهر والطبيعة، ثم اعتذر إلى الأستاذ بعد هذا من أني لا أستطيع ولا أظن أن أحداً

стр. 164

يستطيع أن يقره على رأيه في النقد اللاتيني، بل أنا لا أقضي العجب من تورط الأستاذ في إعلان هذا الرأي الغريب فليس من الحق أن النقد اللاتيني سطحي وليس من الحق أن هذا النقد يعتمد على الأوضاع الاجتماعية ويهمل الإنسان من حيث هو إنسان. هذا كلام لا يمكن أن يقبل مع أن من الأشياء المقررة التي يتلقاها الشبان في المدارس أن قوام الأدب الفرنسي الكلاسيكي إنما هو بالضبط: إلغاء هذه الفروق والأوضاع الاجتماعية التي تمتاز بها الأمم والشعوب فيما بينها بل التي تمتاز بها البيئات المختلفة في أمة بعينها والاتجاه إلى الإنسان من حيث هو إنسان إلى هذا القدر المشترك بين الناس جميعا من العقل والشعور. على هذه القاعدة يقوم الأدب الفرنسي الكلاسيكي كما يقوم عليه الأدب اليوناني القديم والأدب كله بما فيه من شعر ونثر ونقد، فكيف يقال في أدب يقوم على هذا الأصل أنه سطحي يقوم على الظواهر والأوضاع الاجتماعية. ولأدع الأدب بمعناه العام ولأتحدث عن النقد وحده ولن أحدث الأستاذ عن نقد بوالو وفولتير وغيرهما من النقاد الذي عاشوا قبل الثورة فان حديث هؤلاء يطول، وإنما أتحدث إلى الأستاذ عن النقد الفرنسي في القرن الماضي، واسأله كيف يستطيع أن يقول أن هذا النقد سطحي يعتمد على (الأناقة) و (اللياقة) والأوضاع الاجتماعية ويهمل الحقيقة الإنسانية البسيطة؟ ألم يقرأ سانت بوف؟ أن قراءة لفصل واحد لهذا الكاتب الذي ملأ الدنيا نقدا لأنه أنفق في النقد صفوة حياته تقنع الأستاذ ومن هو اقل من الأستاذ جدا إلماما بالأدب والنقد بان سانت بوف كان أبعد الناس على أن يكون رجلا من رجال الصالونات يقدم الكتاب والشعراء إلى الناس في أناقة ولباقة وظرف ومجاملة. ولعل الأستاذ يعلم أن أهم ما أخذ به سانت بوف من العيب إنما هو تعمقه أسرار الناس وبحثه عن دخائلهم وتتبعه لحياتهم الفردية فما ينبغي أن يعرف وما ينبغي أن يجهل وعرضه هذا كله على الناس لأنه كان يرى أن فهم الأدب رهين بفهم الشخصية الفردية للأدباء الذين ينتجون. ولو قد وقع شوقي ﵀ بين يدي سانت بوف كما وقع لمارتين لقرأ الأستاذ العقاد في نقد شوقي صحفا ترضيه كل الرضى وتخالف كل المخالفة ما قرأه الأستاذ في كتاب صديقنا أنطون الجميل. لم يكن سانت بوف رجل صالونات وإنما كان يغشى الصالونات فيرى ما كان يحدث فيها ويتخذه وسيلة لتعرف ما يقع من وراء الأستار.

стр. 165

كان اقل الناس انخداعا بما يتحدث به الأدباء عن أنفسهم وبهذه الصور الخلابة التي يعطونها لحياتهم فيما ينشئون من شعر أو نثر، فكان يبلغ بذلك أقسى القسوة. فليقرأ الأستاذ إن أراد أحاديث الاثنين وليقرأ الصور وليقرأ كتابه عن شاتوبريان وأصحابه وليقرأ كتابه عن بورويال وتين؟ ماذا يقول الأستاذ عنه؟ أكان صاحب أناقة ولباقة واعتماد على الأوضاع الاجتماعية وهو الذي أنفق جهدا عنيفا ليقيم النقد الأدبي على أساس من العلم؟ وقد قرأ الأستاذ من غير شك لا أقول كتبه في نقد الفرنسيين بل أقول كتابه في تاريخ الأدب الإنجليزي. زعموا أن بشاراً سئل عن جرير والفرزدق أيهما أشعر؟ ففضل حريرا وقال فيما قال أن النوار امرأة الفرزدق فبكاها النائحات برثاء حرير لامرأته: لولا الحياء لعادني استعبار … ولزرت قبرك والحبيب يزار فليسمح لي الأستاذ أن اذكره بأن الإنجليز أنفسهم لا يزالون يعتمدون إلى الآن على كتاب تين في تاريخ الآداب الإنجليزية ومع ذلك فليس أدبهم في حاجة إلى من يؤرخه من الأجانب. وبرونتير ماذا يقول فيه الأستاذ؟ أكان صاحب أناقة ولباقة وظرف وصالونات وهو أقل النقاد الفرنسيين حظا من هذا كله، وهو أول من حاول أن يقيم النقد الأدبي على مذهب دروين في تطور الأنواع وفي النشوء والارتقاء. وأميل فاجبه ولنسون وبيدييه وجول لمتر واناتول فرانس وبول بورجيه وبول سودي والنقاد الذين لا يزالون يملئون الصحف والمجلات الكبرى في فرنسا نقدا في الأدب والفن، ما بال الأستاذ لا يقرؤهم ليتبين أحق أن النقد اللاتيني يعتمد على الأناقة واللباقة والأوضاع الاجتماعية والتماس والنكتة. لقد فرغت الآن من قراءة فصل للكاتب الفرنسي مارسل دوشومان في مجلة العالمين التي صدرت في أول يناير لو قرأه الأستاذ لعرف أن النقد الفرنسي أبعد ما يكون النقد عن لهو الصالونات وظرفها. في هذا الفصل يحاول الكاتب أن يهدم أسطورة آمن بها الأدباء جميعا عن حياة شاتوريان كانت تصور دعابته ولهوه وكان هو قد انتهى في آخر حياته إلى تصديقها والتخييل إلى الناس أنها قد وقعت بالفعل فإذا الكاتب يثبت بالأدلة القاطعة أن هذه الأسطورة لا تعتمد على أساس ويعتذر إلى القراء لأنه أضاع عليهم قصة غرامية كانوا

стр. 166

يجدون فيها لذة وجمالا. كلا ليس النقد اللاتيني سطحيا ولا يستطيع من قرأ منه شيئا ذا بال أن يقول أنه سطحي بل هو مضطر إلى أن يقول مع الكاتب الفرنسي برونتير أن النقد الحديث إنما نشأ ونما آتى أطيب الثمر وأصحه وألذه في فرنسا وفي فرنسا وحدها. وأنا أحب أن لا يظن الأستاذ العقاد أني أدافع هنا عن الثقافة اللاتينية على حسابات الثقافات الأخرى. فأنا من أشد الناس إكبارا للثقافة السكسونية وإعجابا بما عرفت منها. ولكني كنت وسأظل من أقل الناس حديثا عنها وحكما عليها لأني لا أحسنها وأحب أيضا أن لا يعتقد الأستاذ أني اكتب هذا الفصل متأثرا بالثقافة اللاتينية التي نشأت عليها كما نشأ الأستاذ أنطون الجميل. فالناس جميعا يعلمون أني نشأت على الثقافة العربية الخالصة ولم أتصل بالثقافة الأوربية الا بعد أن تقدم بي الشباب. إنما هو الحق الذي يجب أن يقال، والعلم الذي يجب أن ينصف والقراء الذين يجب أن نجتهد في أن لا نقدم إليهم الا ما نثق بأنه الحق الذي لا غبار عليه. والحق الذي لا غبار عليه في هذه المسألة هو أن الأستاذ العقاد تعجل وجامل فأخطأ الصواب، وأقام أحسن الدليل على أن التعميم في الأحكام على الشعوب مزلة للأقدام وسبيل إلى الظلم. أما بعد فأن لي في كتاب الأستاذ أنطون الجميل رأيا أن لم يظهر في هذا العدد فسيظهر في العدد الذي يليه.

стр. 167

الشلوك عمالقة السود واكثر الهمج وحشية للرحالة الكبير الأستاذ محمد ثابت الشلوك طائفة من الزنج تحتل قسما من منطقة السدود في أعالي النيل ويحكمهم ملك يسمى ولا يزالون يتعقبون ملوكهم إلى الجد السادس والعشرين ودولة هذا الـ أو كما يلقبونه تمتد غرب النيل بين كاكا وتونجا وشرق النيل من جنوب كودوك إلى التوفيقية وعلى ضفتي السوباط الأولى ولهم نحو ١٣٠٠ قرية من أكواخ مخروطية من القش والطين يسكنها نحو أربعين ألفاً. وهم خاضعون تماما لملكهم الذي يبلغه الجواسيس كل أمر جل أو صغر أولاً بأول، ومن أقصى حدود بلاده إلى مركزه المختار في قاشودة على بعد ستة أميال من كودوك. وهم معروفون بالقوام السمهري وبطول السوق وبروز عضلاتهم، جلدهم لامع براق والمقاتل منهم لا يرى خارج كوخه بدون حربته الطويلة ذات السن العريض. ومعها حربتان قصيرتان (ولا يحملون الأقواس والسهام) وسلاح من خشب كأنه الوتد مدبب الطرف ويستخدمون صحافا بعضها من خشب مستدير والبعض من جلد فرس الماء. وأخص ما يسترعي النظر شعور الرجال التي يرسلونها تنمو ثم يشكلونها أشكالا غريبة بعد أن تبطن بروث البقر. أما النساء فيحلقن مقدم الجمجمة ويتركن شعراً قصيراً جداً في مؤخرها فتبدو المرأة كأنها صلعاء. ويتعهد شعر الرجال (حلاق) عمله محترم لديهم يتوارثه عن أجداده وهو في شهرته ومقامه يلي الرماة والمقاتلة، يأتي الرجل ويجلس أمام كوخ الحلاقة في الشمس المحرقة ويبدأ الرجل غسل الشعر ونفشه ببول البقر ثم يترك مدة في الشمس تناهز نصف ساعة وأنت ترى القمل والحشرات تجري على رقبة الرجل، وأيدي الحلاق والرائحة الكريهة منبعثة منها تعبق في الجو. وخلال ذلك يعد الحلاق المادة التي سيشكل بها الشعر. فيأتي بإناء من فخار ويخلط به بعض الطين والروث والبول والصمغ ويعجنه ثم يبطن به الشعر في مهارة فائقة ثم يجفف في الشمس ويأخذ في قطع زوائد الشعر بمدية حادة ويدهن جسد الرجل ببول البقر الذي يستخدمونه جميعا رجالا ونساء. بعد ذلك يرش فوق الشعر مسحوقا من حرق روث البقر ممزوجا بالثرى ليأخذ الشعر لونه المطلوب. والعادة أن يتعهد الحلاق شعر رجلين معا لكي يعرف كل نظام شعره إذا ما رأى

стр. 168

شعر أخيه ولا تستخدم المرآة عندهم. وأجر هذا العمل شاة أو معزى، ويغلب أن يتعهد الشبان شعرهم هكذا قبل الزواج والحرب وقبل الرقصة الدينية. ولكي لا يفسد نظام الشعر إذا أحس أيلام الهوام التي تتزايد في رأسه كل يوم يضع الحلاق أثناء العملية إبرا من الخشب فتخلف خروقا منها يمكن للرجل أن يحك رأسه بعصي مثلها. وأصعب ما يعانيه الشخص من شعره ليلا إذ ينام على قطعة من خشب يرفعها حاملان وهو لا ينجو من هذا العذاب ولا من عذاب القمل الا إذا مات أحد أفراد العائلة، فعندئذ يجب حلق الرأس وتركها حتى ينمو الشعر ويستأنف تعهده من جديد. ومما يعانيه شبانهم الاختبار الذي يجوزونه كي يحوزوا لقب المقاتلة في سن الخامسة عشرة فتصحب كل واحد منهم خليلته ويذهب الجميع إلى ضفة النهر، وتمسك كل خليلة برأس صاحبها وتميلها نحو النهر وتأخذ في تشجيعه على أن يحتمل ما سيحل به من ألم. وسرعان ما يجيء طبيب ويشق جبهة الغلام بمدية حادة فلا يجرؤ واحد أن يتأوه وإلا كان خزيا كبيرا، وبعد ذلك تغسل الفتاة الدم في النهر وتنتهي الحفلة. وكل صبية هذا الجيل يلقبون باسم حيوان معين يتخذ شعارهم كالأسد أو الأفعى وما إليها. وكثيرا ما تقطع المدية شريانا فيموت الصبي من كثرة ما يفقده من الدم، والذي يعيش منهم يصبح مساهما في بقر القبيلة ويخول له الحق في الاشتراك في الرقص العام وينظر إليه الجميع نظرهم إلى الرجال. قبيل اجتياز هذا الاختبار يعتبرون أطفالا مفتقرين إلى حماية الرجال وينامون في أكواخ الخدم. والشلوك أهل مياه وانهار لا عمل لهم سوى الرعي وصيد حيوان السمك فهم يسيرون في المياه بسرعة مدهشة حتى ولو غاصوا فيها إلى أكتافهم. ولا يذبحون ماشيتهم قط بل يستمدون منها اللبن. وبعد ذلك تستخدم بدل النقود في المبادلة وهي لديهم مقدسة ويبتاعون من النوبيين شمالهم الفول السوداني وهو غذاء رئيسي عندهم وقلما يزرعون شيئا، اللهم إلا بعض الذرة والطباق فهم كسالى. وكل عائلة تحل كوخين أو ثلاثة يحوطها سور في جانبه الداخلي إسطبل. البيوت نظيفة تحوي ثلاثة أكواخ واحد للزوج وزوجه والثاني للطبخ والثالث للخدم والأولاد. وأحب مشروباتهم المريسة وزوارقهم جذور منقورة من نخيل، أو أعواد توثق في شكل مجوف يحمله الرجل إذا شاء. والشلوك إذا صادوا فرس الماء حفظوا

стр. 169

لحمه لوقت الحفلات، وإذا صاد أحدهم فرسا بدون مساعدة غيره لبس سوارا من عاج حول ذراعه. وكثيرا ما يهاجمهم وحش كالأسد والفهد فيرديه الواحد منهم بحربته وعندئذ يأخذ جلده ليحفظه ويلبسه في الحفلات ليدل على بسالته. والشلوك يعيشون في قرى مكتظة عكس أمم الباري والنوير الذين لا تزيد مجموعتهم على عائلة واحدة، فالشلوك لهم نظام عائلي وثيق وقانون موحد لذلك قلما تقتتل شيعهم وكثيرا ما يستعملون السم الذي يلطخون به سهامهم في قتل الغير. وملكهم لا يذوق طعاما ولا شرابا إلا بعد أن يتناول من أحد تابعيه قبلة. أما زينتهم فعقود من خرز ملون تلبس صفوفا بعضها فوق بعض وقد تغطي الرقبة كلها وقسما من الصدر، وهي دليل الغنى والجاه ويلبسها الرجال أيضا. واللون الأزرق عندهم بشير الحظ السعيد لذلك يلبسه الأطفال فكلما كثر الخرز دل على جاه أبويه. وبعض الشبان يلبسون سوارا في الساعد والعقب، وهذا يدل على أنهم قتلوا من الحيوان أسداً أو فهدا أو فيلا. والطبخ والزراعة أو الخزف والمريسة وحمل المياه من عمل النساء. أما الرجال فلا يصح لهم أن يقوموا بهذه الأعمال المهينة إلا إذا طعنوا في السن. ولعمل المريسة يوضع بعض الذرة في سلة مع مسحوق من روث البقر والثرى وكلها توضع في ماء راكد لمدة أسبوع حتى تتخمر، ثم تنقل إلى جرة من فخار وتغلى في الماء ويؤخذ السائل العلوي ويبرد ثم يشرب، وكلما نضبت أضيف الماء إليها وأعيد غليها وهكذا وهذا الخمر قوي مسكر. ويخال بعض الناس خطأ أن اللحم أهم غذاء لديهم على أنهم لا يأكلون إلا لحوم السمك وأفراس الماء، أما لحوم البقر فلا تؤكل إلا في الحفلات. ومن أطعمتهم المحبوبة خليط من مسحوق الفول السوداني والذرة والسمك النيئ تطهى في جرة من فخار، وكذلك لحم فرس الماء يمزج بالفول السوداني وعشب اسمه صفصاف. وتكثر حفلات الرقص بعد شرب المريسة في الليالي القمرية خصوصا ليلة البدر وكلهم يرقصون والحراب في أيديهم، وقد لعب الخمر بلبهم ويقرع القوم طبولهم المزعجة وسط القرية التي تتجمع بيوتها في شكل دائرة تتوسطها ردهة فسيحة والطبول تقرع من وسطها في باكورة الصباح إعلانا للناس بأن حفلة الرقص ستقام الليلة. وكلما اختلفت قرعات الطبول اختلفت حركات الرقص ودلت على الغرض منه أهو للمطر أم الحرب أم الدين أم الفتيات أم الموت ورقصة

стр. 170

الفتيات تبدأ بعد بزوغ القمر مباشرة والغرض منها تعارف الفتيان بالفتيات إذ ترى الفتيان قبل الغروب مرحين انتظارا لملاقاة فتياتهم ويصرفون زهاء الساعة في تعهد شعورهم ولبس جلود القطط والأنمار والتحلي بصنوف لا تحصى من الخرز والودع وما إليها. وقبيل الغروب تفد الجماهير شبانا وشيبا وتصف جرار المريسة بحجومها الكبيرة وسط الدائرة والى جانبها أطباق من الذرة واللحم نصف المطبوخ، فإذا ظهر النور بدأ المسنون من النساء والرجال في دائرة ومن داخلها جماهير الشباب من الجنسين ويظلون مرحين يتحادثون حتى يقبل الزعيم ومن خلفه اتباعه يحملون الطبول وأدوات الموسيقى فينصت الجمع ويتداخل الفتيان والفتيات في صفين ثم تعزف الموسيقى والطبول وبين أن وآخر يرتل الكل أغنية. وما تكاد تنتهي حتى يعلو قرع الطبل وتموج صفوفهم وبيدهم الحراب التي تتلألأ في ضوء القمر. ثم يسرع أحدهم إلى الوسط مخترقاً صفوف الشابات والشباب وهناك يتمايل ويهاجم كأنه يصارع وحشاً ثم يعاد الغناء ثانية، وبعد ساعة على تلك الحال يشرب الكل المريسة، ويبدو صف آخر من الراقصين بعد انسحاب الأول الذي يظل عاكفا على جرار المريسة يرتشف منها ما يشاء، وأخيراً يختلف الكل في الرقص تاركين الحراب ويتقدم كل شاب في صف الشبان إلى فتاة في صف الفتيات وترفع السواعد بمحاذاة الأكتاف ويقفز كل زوج قفزات منظمة لكن دون أن يلمس الفتى خليلته والفتيات يظهرن دلالهن ويحاولن أسر الرجال واستمالتهم بما يفوق ما تأتيه المرأة الغربية، فهي مثلا تبرز ثدييها بين آن وآخر ثم ترفع عنهما قطعة القماش المهفهفة ثم تعيدها وكثيرا ما يفعل ذلك أمام القاضي في المحاكم فتؤثر فيه وما يكاد الليل ينتصف حتى تكون المريسة قد أخذت بلبهم فيختفي الحابل بالنابل وبمجرد انسحاب الزعماء والمتقدمين في السن يأتي الشبان والشابات بما لا يتصوره العقل بل وبما يستنكره الخلق الفاضل القويم. الزواج: ولا تتزوج الفتاة قبل الخامسة عشرة وبفضل رقصة الفتيات يمكنها أن تتعرف بالكثير من الفتيان، والزوجة يمكن شراؤها بالقطعان، وللرجل شراء ما استطاع من الزوجات. لأن ذلك دليل الجاه والغنى، وقبل أن تتم صفقة الشراء هذه يجب أن توافق هي على هذا الزوج وفي العادة تكون قد رغبت فيه أبان حفلات الرقص، وهي تحب أن يكون غنيا بقطعانه ومزارعه، والعجيب أن الفتاة تؤثر الزوج الذي يستطيع بماله أن يشتري

стр. 171

زوجات كثيرات غيرها. وقبل إتمام الزواج تقدم الهدايا (الشبكة) كعشر من المعزى وثلاث من الحراب وعشرين خطافا للصيد (سنارة) وما إليها. وخلال تلك الفترة يبدأ التعارف بينهما (نظام شبيه بنظام الغرب) ففي حفلة الرقص يقود الأخ أخته إلى حلقة الرقص والخجل يبدو على وجهها وهناك يسألها زعيم القبيلة أن تعترف بجميع علاقات الحب التي حصلت مع فتيان آخرين من قبل وهي تخشى ألا تقول الصدق لأن الأخبار كلها تصل الزعيم أولا بأول. وبعد تلك المداولات بين الزعماء والعروس تقرع الطبول فينصت الجميع وهنا تكرر الفتاة ذكر أسماء الفتيان الذين أحبوها من قبل فيحضر كل منهم إلى وسط الدائرة ويحكم عليه من الماشية والأغنام ومتى جمعت تلك القطعان قدمت كلها مهراً للزوج، أما الفتاة فلا عقاب عليها متى صدقت في الاعتراف ومتى أقر الزعماء ذلك ولا عار على الفريقين من ذلك فالاعتراف من جانب الفتاة والغرامة من جانب الفتى عقاب كاف وترضية حسنة. والظاهر أن هذا التصرف لا يرمي إلى منع الفساد الخلقي بقدر ما يرمي إلى تزويد الزوجين بالمال والمتفرجين بالطعام والشراب والرقص. وعند ميلاد غلام تقدم الهدايا للأب من قطعان يربو عددها بالتوالد حتى إذا ما أضحي الطفل رجلاً قدمت له بعد أن يجوز (حفلة الرجال)، وإذا مات أحدهم دفنت الجثة أمام الكوخ الذي كان يقطنه ويلف الجسم في أفخر ما كان لديه من ثياب أن وجدت والى جانب الأسلحة وأدوات الطبخ وكل ما يلزم للحياة الأخرى ما عدا أدوات الزينة. والجسم يمد في القبر على ظهره وتوضع تحت الرأس وسادة من خشب للرجال ومن قش للنساء والأطفال. وإذا مات الزعيم دفن داخل باب كوخه وأغلق سنة كاملة، بعدها يهدم. وعند دفن الميت تقام حفلة (رقص الموتى) فيجتمع الأهل وقد لطخوا جسومهم برماد من حرق روث البقر ويولول الجميع وفق قرعات الطبول البطيئة ويمثل الراقصون ما يدل على شجاعة المتوفى وفضله ويقدم الناس لأهله الطعام والشراب وتستهلك مقادير عظيمة من المريسة وقبل شروق شمس اليوم التالي ينسى الحزن بتاتا. وفي رقصة الموت يمثلون موقعة يؤخذ فيها النساء والأطفال والماشية أسرى وهذه الرقصة تقدم في أي وقت من النهار بمجرد سماع القوم لقرع الطبول نداء لها فيتزين كل بما لديه من أدوات البسالة من ريش وجلود وحراب وما إليها ويتقدم المقاتلون ذهابا وجيئة

стр. 172

ويضربون الأرض برجولهم وحرابهم التي كثيرا ما تنثني أو تتكسر ثم يهاجمون الأكواخ التي فيها أسرارهم ويسوقونهم فيها بشراسة زائدة وسط تهليل يصم الآذان مسرعين نحو الزعيم والدماء تسيل من الجروح التي تخدش بها وجوههم وجسومهم ثم يتقدم الطبيب بعد فيضمدها بعصير بعض الأعشاب. وإذا قام نزاع بين قبيلتين أدى إلى قتال عنيف ولا تتنازل إحداهما عن الأخذ بالثأر إلا إذا تساوى عدد الضحايا من الفريقين ولا يمكن لأية قوة مقاومتهم لأنهم يلجأون إلى صيد الناس بسهامهم المسمومة. تاريخهم: ويرجح بعض الكاشفين أنهم وفدوا من منطقة البحيرات ولم يحلوا مكانهم هذا إلا منذ أربعة قرون. وفي سنة ١٥٠٤ غزوا سنار لكن غزاهم البقارة سنة ١٨٦١ وفي ١٨٧٤ ثاروا على الحكومة المصرية في السودان وفي ١٨٩٠ خلال ثورة المهدي ثاروا ضد تجار الرقيق من العرب والدراويش لكنهم هزموا وسيق عدد كبير منهم إلى أم درمان ولهذا السبب تجدهم يبغضون العرب، ويظهر أنهم يمتون بصلة إلى الدنكا وبعض قبائل البحيرات مثل (كافروندو) لتقارب لغاتهم وبعض عاداتهم. الدين: ولهم إله اسمه (فوك قادر ومسيطر خلق كل شيء إلا أنهم خاضعون لما يسمونه نيكوانج وهو خليط من الوثنية وعادت الأجداد والأرواح، فهم يرون أن أول جد لهم هو نيكوانج الذي يعمل وسيطا بينهم وبين الإله الأعظم الذي لا يدركه أحد وهو (فوك) فهم يقولون في وقت الضيق (أن فوك قد غضب علينا) ويصلون لنيكوانج للشفاعة وروح هذا تحل كل ملوكهم ويرون أن روح الموتى تزورهم في المنام وتؤثر على حياة الأطفال، وهم يتخيلون الله دوامة هوائية تنتابهم كثيرا وتحمل الرماد عقب إحراق العشب في عمد سوداء عالية، ويقولون بأن الله أسود اللون لأنه لا يرى ويسكن الظلام، وإذا مات الإنسان عاد إلى ربه، وعند الصلاة يقول الشلوك: يا إلهي اتركنا وحدنا ننجو فأنت عظيم، لا يمكن لأحد أن يتكلم معك أنت الله ومن تقتل منا يموت. أنت مقر روحنا فاتركنا ننجو، والباقون يستمعون وهم منصتون وحرابهم في أيديهم بعضهم واقف والبعض راكع. ولتقريب فكرة الآلهة من الناس يفترضون له وكيلا شبيها بالإنسان هو نيكوانج. يتوسلون إليه قائلين: نيكوانج قد أعطاك الله الأرض فاحكم الشلوك وارج لنا ربك يجعل البقرة التي سنذبحها

стр. 173

قربانا مقبولاً لديه، ثم يقتلون البقرة ويغسلون دم الحربة بالماء ويخلطون هذا الماء بالروث الذي يخرجونه من أحشائها ويرشونه على الناس جميعا. ورأيهم في الخلق يتلخص في أن الله هو الخالق، خلق طبقتين مسطحتين: العليا وهي السماء والسفلى وهي الأرض ثم خلق النبات والشجر. وأول حيوان ظهر الجاموس ثم الإنسان وكلم الله الجاموسة قائلا: تعالي غداً أعطك حربة. فسمع الإنسان ذلك وذهب خلسة لما خيم الظلام فلم يره الله فتقدم وهو يمشي على أربع وينفر كأنه الجاموس فقال الله من هذا؟ فأجاب أنا من له قرون متجهة إلى الوراء فجزع الله وأعطاه الحربة ولما جاءت الجاموسة تخور قال الله ألست أنت التي أخذت السلاح مني؟ قالت لا بل الإنسان فأعطاها قرونها وأهاجها على الإنسان أنى لاقته. ولما خلق الإنسان كان أحمر اللون لأنه شغل من طين النهر ثم ذهب إلى التربة السوداء وخلق الجنس الأسود ولما انتهى خلقه فرك يديه فسقط الطين منها فتاتا هو القمل الذي التصق بشعر الإنسان وضايقه ولذلك اخترع له الله الموس للتخلص منه. وفريق منهم يرى أن الله أمر زوجته فولدت توأمين أسود وأبيض وكانت تحب الأسود وتبغض الأبيض وأمر الله بتربيتهما. وحدث مرة أن مد الأب رجله وأمر أن يلعقها الولدان فخضع الأبيض لأنه عبد وأبى الأسود فأحب الله لذلك الأبيض وحاباه وقال لزوجه إن ابني هو هذا وسأملكه على الأسود يبيع فيه ويشتري وسأمده بالأسلحة التي تسوده على كل شيء. والطبقة الأرستقراطية تشمل أو وأولاده نيارت وأحفاده ني آريت - وأحفاد أحفاده كواني آريت وهؤلاء فقط هم وارثو الملك أما العائلات المتفرعة عن الملوك الأقدمين فتسمى أورورو ولهم نفوذ عظيم. إلى هؤلاء طبقة قوية وهم أطباء السحر تتمثل فيهم قوة القسس والأطباء وام نيكوانج يسمى كي يا تتمثل في التمساح ولذلك قدسوه وفي كل قرية هيكل لنيكوانج وهو كوخ باسق حوله كوخان عاليان يزين أعلاها حراب بيض النعام وذلك لأن نيكوانج وفد من الصحراء يمتطي نعامة. وإذا مات الملك تزوج صغار زوجاته من بعض أقربائه أما الطاعنات في السن فيصبحن خفر المعابد وبنات الزعماء هن بنات نيكوانج وعند زواجهم تقدم الضحايا لزوجة نيكوانج الكامنة في بطن التمساح فيؤخذ عنز ويذبح على حافة نهر. وعجيب أن تفد التماسيح لأكل الدم أما اللحم فيرسل لحارسات المعابد وهم إذا رأوا دوامة ترابية سجدوا لها لظنهم أن الله (فوك) يسير مختبئا فيها وهذه

стр. 174

العواصف تكثر في شهور الجفاف خصوصا بعد اشتعال النار الذي يكثر عندئذ في العشب والغابات. وإذا تخلف المطر أقاموا رقصته لمدة ثلاث ليال أو أربع حول معبد نيكوانج عند الغروب وهذه هي الرقصة الوحيدة التي يلبسون لها الأردية. والعادة أن ينتظر الزعيم كوجور بعد الجفاف متحينا فرصة يرجح نزول المطر فيها ثم يقرع الطبول للرقص ويصلون وهم وقوف وجوههم إلى السماء في غير حراك ساعات طويلة وكلهم أيمان بأن المطر سينزل سراعاً وفي داخل المعابد ترى مذبحا للضحايا من الغنم يقام من الخشب وترى فوقه بعض الطعام والمريسة يقدمها كل من أراد التقرب من الوسيط نيكوانج. حفلة تتويج الملك: والملك ينتخبه زعماء القبيلة من أفراد العائلة المالكة، وفي يوم التتويج يفد من فاشودة إلى الضفة الجنوبية لنهرهم المقدس تحوطه مجامع الحرس بحرابهم ويجتمع أهل القبائل بجيوشهم سائرين من القرى نحو أسبوعين على الأقدام. ويجب أن لا يتخلف أحد الزعماء ويلبس الملك جلبابا مخططا وحزاما مزدوج اللون الأزرق والأحمر وطربوشا أحمر قانيا وهو شعار الملكية ثم يركب حماراً ويظهر على ضفة النهر يحوطه الجند من العمالقة وعليهم الجلباب الأحمر فيحيي الجماهير الملك بحرابهم المرفوعة حتى يجلس على جلد نمر ويقدم أهل كاكا أقصى بلاد الشلوك شمالاً عجلا أبيض ويقدم أهل تونجا أقصى بلادهم جنوبا فتاة صغيرة. والبلاد يقسمها النهر المعدني قسمين جار ولواك ولكل منها زعيم وتحت هذين زعماء القرى فيتقدم أهل الشمال بالثور إلى النهر في مواجهة الملك ويهجم زعيمهم فيخترق الثور بحربته ثم تتبعه سهام الناس من كل جانب فيسقط الثور ويسيل الدم إلى النهر ثم يتقدم زعيم الجنوب إلى الملك وبيده الفتاة عارية فيستلمها الملك ويصيح الكل قائلين (أيوه! أيوه!) وعندئذ يمكن لأهل الشمال أن يتخطوا النهر إلى الضفة الجنوبية. ويبدأ التتويج بأن يغسل الملك بالماء الساخن ثم بالماء البارد لكي لا تؤذيه تقلبات الجو حراً وبرداً ثم يعامل بخشونة وقسوة من الجميع وعليه أن يطيع ويخضع لكي يتعلم التواضع ثم يركع له الجميع إجلالا لأنه ابن نيكوانج ثم يلبسونه خفاً في قدميه من جلد فرس الماء الغفل الخشن ليمضي به على مضض فيفهم معنى الفقر والتقشف ثم يقدم له الخدم بعض لحم الغزال وفرس الماء إشارة إلى توافر اللحم والقناعة في أكله ثم تقدم

стр. 175

المريسة بمقادير كبيرة لكن عليه أن لا يسرف في شربها ليدلهم على أنه قنوع ثم يجري إليه ثلاثة شبان بحرابهم تصوب إلى صدورهم فيدفعها الملك بيده إلى تلك الصدور حتى تدمى دلالة على أنه سيحكم حكما صارماً لكنه في عدل ورحمة. وأخيراً يقف الملك ويخاطب الزعماء ثم يتقدم منثنيا فيركع الجميع إجلالا (وهذا ما يفعله القوم دائما كلما رأوا الملك) وهو يتكلم في تؤدة ووقار فيجيب القوم بصيحاتهم (أيوه! أيوه!) كلما فاه بعبارة واحدة.

стр. 176

في التلفون بين بتاح في عهد أحمس بطل استقلال مصر وعبد الجليل أحد متطوعي القرش. - ألو! ألو! من أنت؟ - أنا بتاح ومن أنت؟ - أنا عبد الجليل - في أي مدينة تكون وما جنسيتك. - أنا في البدرشين، أنا حيث تمثال رمسيس العظيم ملك مصر الفاتح، أنا في منف. . . العاصمة العظيمة التي امتلأت في عهدكم بالحكماء والقضاة ورجال العلم والفن فأين أنت؟ - أنا في نفس المدينة لكن يخيل إلى أن زمن ما يفصلنا. أنه يشبه الجبال العالية والصحارى المديدة الفسيحة. فأية أعجوبة هذه التي جعلت الأرواح تعبر الأزمان لقد أثار إعجابنا عجلاتنا التي تطوي الأرض طياً ولكن ها هو ذا شيء عجيب آخر يطوي الزمن لكن ماذا تفعل في منف. - أنا أعمل عملا جليلا. لو استطعت أن تمد يدك وراء الأجيال إلى يدي لشعرت بالدم يجري فيها حاراً ملتهباً إن الفرح الذي يملأ نفسي لتتضاءل أمامه كنوز العالم ومفاخره. - أن الذي تقوله عجيب. . . فأنت تصف ما أحس به تماما. فأني أنتفض سعادة وأني لأشعر أن الدنيا تصغر في عيني أمام هذا المبدأ العظيم الذي تخرج مصر لتحققه. فهل أنتم تفعلون ما فعلناه نحن منذ قرون. ماذا تفعل في منف؟ - أني هنا اجمع القرش - تجمعون القرش؟ ماذا تعني - أعني أننا نجمع من كل مصري شيئا يتبرع به. شيئا تافها من ثروته. فإذا جمعنا هذه الثروات الضئيلة جمعنا ثروة ضخمة - وماذا تفعلون بهذه الثروة الضخمة؟ لست أفهمك فلعل الاتصال الذي بني وبينك قد اضطرب، فان عقلي لا يستطيع أن يدرك من الذي يجمع هذه الثروات الصغيرة ولمن يجمعها - ثم لماذا. آه، لعلكم تخشون المجاعة فتجمعون اليوم ما يقيكم شرها غداً وليس هذا شيئا عجيبا. لا يا صديقي لسنا نجمع هذه الثروات الصغيرة

стр. 177

لشيء مما يجري في بالك. بل نجمعها لنشيد بها مصانع تخرج لنا ملابس نلبسها ومآكل نأكلها، وأثاثاً نؤثث به بيوتنا. ولكن من الذي يقوم بهذا الجمع؟ - الشعب، الشبان الذين أنا أحدهم. فأنا أترك العاصمة حيث الراحة والترف والهدوء. لأجوس خلال منف التي أصبحت قرية صغيرة فيصيبني التعب، وألقى أحيانا الأعراض، وأرى غالبا الفقر، فتذهب نفسي حسرات في الحالين ومع ذلك لست أيأس ولا أتقهقر. - أنه إحساس الأمة، بدأ غامضاً، ثم اتضح شعورا ثم استحال فكرة ثم تجسد عملا. - لا بد أن تكونوا شعبا ناضجاً جدا. أن القوة التي فيكم هي القوة التي خلقنا بها الفنون وأوجدنا العلم ولكن في نفسي سؤالا يضايقني فدعني أسألك إياه! ماذا كنتم تلبسون قبل هذه المصانع التي تريدون تشييدها. هل كنتم عراة. ثم ماذا كنتم تأكلون. هل كنتم في صوم؟ - لا، لقد كنا نشتري ثيابنا من غيرنا من الدول كذلك كنا نبتاع طعامنا. هل سمعت صرختي التي دوت. لقد أحسست بمثل مروق السهم في جسمي حين سمعتك تفوه بهذه الحقيقة المريرة. لقد شعرت بالألم، حين عرفت أن أحفادنا يعيشون متسولين لا يعرفون كيف يحيكون ثوبهم أو يصنعون طعامهم. . أنتم أهون من العبيد ماذا كنتم تفعلون لو منعوا عنكم الطعام، وحجزوا عنكم الثياب. - اطمئن، اطمئن يا أخي. فمصر اليوم من أولها إلى آخرها في ثورة على هذا الحال الأسود. وهو ينقشع وتبدو من بعد أضواء فجر جميل. فها أنا ذا قلت لك أننا نخرج فنؤسس مصانع تغسل عن كرامتنا هذه الإهانة التي جعلتك تصرخ. ومصر أنت تعرفها تستطيع أن تنتج لأبنائها كل شيء الثياب التي يلبسون، والطعام الذي يأكلون. ولكن أبناء أوروبا القارة التاجرة التي لم تعرفوها، عودونا أطعمة خاصة، وألواناً من الثياب بعينها، فأصبحنا لا نستطيع أن نعيش بدونها فاستوردناها منهم. ثم خلقوا لنا صنوفا من الزينة فاشتريناها منهم ودفعنا ثمنها غالياً. وبذلك تسربت أموالنا إلى جيوبهم. إن أشد أنواع الاستعباد استعباد الروح والفكرة. ففي بلادنا اليوم أعداء ولكنا لا نحس بهم لأن معتقداتنا ونظام حياتنا وأسلوب تفكيرنا، لم يصلوا إليها ولم يؤثروا عليها. فنحن أحرار ولكنهم هم أنفسهم المستعبدون فقد جاءوا إلى مصر فغيرت عاداتهم وأخلاقهم وجعلتهم أمة جديدة (لعلك أنت في منف لتحارب هؤلاء الأعداء) - نعم، أنا مع مئات الألوف من أبناء

стр. 178

مصر كل منا في صدره قلب لو وضعت يدك عليه لأحسست بعالم يهتز ويموج، في أيدينا سهامنا وأقواسنا وهي تشتعل حرارة هي حرارة هذه القلوب. ثم ترتفع من حناجرنا أهازيج هي أهازيج الفوز والانتصار. وأمامنا قائد هو أحمس تحيطه الأفئدة وتجري وراءه الأرواح، وتتابعه العيون. لا يقول شيئا إلا فعلناه ولا يشير بيده إلا أسرع إليه الشباب كله، في جسمه جروح لا تعد وفي جبينه شج هو خير من تاج. سنسير اليوم صفوفاً صفوفاً تحجب كثرتها قرص الشمس، وتسير أقدامنا تطرق الأرض طرقة متسقة موسيقية تطمئن لها الروح فتنشط لها النفس. ثم تتقدمنا العجلات الحربية فيها الشبان الذين كشفت ثيابهم عن أذرعهم القوية الجبارة، وصدورهم التي ترتفع وتنخفض انتظاراً للمعركة التييرتفع فيها اسم مصر، أني سعيد يا أخي، أني سعيد، فدعني أغني وأرقص. فان ساعة الفوز قادمة - ولكن ألا تفكر في أنك قد تموت! - أموت! ما أبدع وما أروع! وهل ثمة ميتة أعز من هذه الميتة؟ لقد مات في معركة أمس صديق لي فلما اقتربت منه أساعده وجدت شفتيه تضطربان وعليهما بسمة. ثم همس في أذني. . ما أسعدني ليهبك الله شرف هذا الموت! ولقد أصاب سهم جنب ابن عمي، فذاق عذابا لو نال الأهرام لذابت، ولكنه كان يغمض عينه ويضغط على شفتيه، وتملأ الصفرة صفحة وجهه وهو لا يكاد يئن. أنه يستعذب الألم، أنه يستطيب العذاب، ما دام ذلك من أجل هذا الوطن الذي نعيش فيه. إن مصر لتهب القوة والجلد والصبر. أنها لتخلق من الجبناء الضعفاء مغامرين أقوياء. دعني يا صديقي أغني فان ساعة المعركة قادمة، سنمضي مثلكم في جيوشنا السلمية: صفوف منظمة، أساليب محكمة وأيمان يملأ القلب. كل سنة نشيد مصنعاً تصنع فيه الكرامة المصرية العتيدة سليمة من جديد. وفي كل لحظة نبشر بمصر التي وهبت للدنيا الفن والحكمة، وعلمتها الزراعة والصناعة ورفعت للعالم مشعلا لم يرتفع له منذ آلاف السنين. سيد فتحي رضوان سرير رقم ٣٣ المستشفى الإسرائيلي ١٥ يناير سنة ٩٣٣

стр. 179

العَالم المسرحيّ والسِّينمائِي للأستاذ محمد توفيق يونس خاتمة الرواية الحديثة أصاب نقدي على رواية (بنات اليوم) شيء من البتر أثناء الطبع جعل قولي في خاتمة الرواية وحلها غير مفهوم فأحببت أن أوضح هذه الفكرة فأقول: قام على هذا الموضوع خلاف شديد بين أنصار المذهبين الرومانتيكي والواقعي. فهؤلاء يأخذون على أولئك ختامهم الروائي الذي ينتهي في المآسي بالذبح العام والقتل الشامل. وربما ادخلوا بعض أشخاص الرواية في هذه الرواية لأنها أسهل طريق للتخلص منهم. أما في الكوميديات فغالباً ما يسدل الستار على مكافآت عظيمة، وجوائز سنية، وعيش رغيد يبعد عن الحقيقة كل البعد. رأى الواقعيون أن المسرح وهو قطعة من الحياة يجب أن لا يفصل عنها. فليس من الفن والواقع في شيء أن يعامل المؤلف القطعة التي اختارها من الحياة كأنها كائن قائم بنفسه. لذلك كان من الواجب عليه، وهو يسير بروايته إلى الغاية، أن يترك في نفوس جمهوره أثراً بأن الدنيا لا تزال مستمرة الحركة فيخرجون وهم يشعرون (بعد أن كوفئت الفضائل، وعوقبت الرذائل، وحققت الرغائب) أن أشخاص الرواية لم يزيدوا ولم يقلوا عن كونهم آدميين سيجدون ولا شك أفراحا جديدة وأحزانا أخرى مكتوبة لهم في سجل القدر. أما في الروايات القديمة فقد كان المؤلف يجعل النهايات حاجزا بين الحاضر والمستقبل كأنما العالم بعد ختام روايته قد وصل إلى نهايته. الجامحة على مسرح بريتانيا رفع الستار وبدأت الرواية. الحوار شائق لذيذ، والعمل محكم جميل، والتحليل قوي دقيق، ولكنا نشعر كلما تقدمت الرواية ونما العمل بجو أجنبي، فالحادث غريب، والبيئة غريبة، والأشخاص غير مصريين وإن كان الكاتب (الأستاذ طاهر حقي) قد أعارهم أسماءنا وألبسهم ثيابنا. فليست الرواية مصرية في الواقع؛ وإذا كان الكاتب قد اقتبسها فكان ينبغي أن يعرضها في صيغة تلائم الذوق المصري، ويعنى فيها باللون المحلي حتى لا يجد

стр. 180

المشاهد نفسه في جو لا يحسه ولا يألفه ولا يتأثر به، وأمام أشخاص لا تدنيه بهم معرفة ولا تربطه بأحدهم صلة. وإذا كان التوفيق بين فكرة الرواية الأصلية والصبغة المحلية متعذرا فكان أجدر به ترجمة الرواية كما هي حتى لا يسئ الاقتباس، ويخطئ المغزى، ويخدع الجمهور. أما التمثيل فلم يكن في مجموعه صحيحا متسقا. ونجاح الرواية في الواقع يرجع إلى بطلتها السيدة فاطمة رشدي، فقد لبست دورها ببراعة وحذق وكانت في موقعها في ختام الفصل الثاني جديرة بالإعجاب حقا. الرواية السينمائية المصرية شهدت القاهرة هذا الأسبوع محاولتين جديدتين في سبيل إيجاد الرواية السينمائية المصرية الصحيحة، (الزواج) للسيدة فاطمة رشدي، ثم (كفري عن خطيئتك) للسيدة عزيزة أمير وهي أول من وضع الحجر التاريخي للسينما المصرية. وهذه حركة نقابلها بالغبطة، وإن كنا نلاحظ على روايتنا السينمائية بوجه عام عدم توفر الأصول الفنية فيها، وكثرة ما بها من نقائص وعيوب. ولن تقوم الرواية السينمائية المصرية وتنهض الا على أساس من المعرفة الصحيحة والدرس الطويل. ومن الضروري أن يعهد بها إلى فنيين زاولوا السينما وأدركوا دقائقها، وفهموا حقائقها، وعرفوا أسرارها. وإذا كانت جهود الأفراد تعجز عن القيام بما يتطلبه هذا الاستعداد من نفقات، فلدينا شركة قائمة هي شركة مصر للتمثيل والسينما تستطيع أن تسد هذا الخلل وتقضي هذه الحاجة. ولنا وطيد الأمل أن تدخل الميدان وتساهم في وضع أساس الرواية السينمائية المصرية فنستقدم الخبيرين نسترشد بفنهم ونهتدي بتجاريبهم حتى ينتظم العمل من وجوهه الفنية جميعا. ولقد رأينا ما كان لاشتراك المسيو روبير بدرويز المخرج بشركة جومون في رواية (كفري عن خطيئتك) من أثر جميل وتقدم محسوس فخرجت الرواية واضحة متسقة منتظمة. ولا يسعنا نحن إلا أن نرحب بهذه الخطوة الحميدة وأن نقابل بالتشجيع ونذكر بالخير مجهود عزيزة أمير والسادة أحمد الشريعي وتوفيق المردنلي ومحمد صلاح الدين وزكي رستم.
следующие страницы →